← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

* سيد الأحابيش، حليف قريش الأكبر ينتقد موقفها ويهدد بالغاء الحلف إن لم تسمح للمسلمين بزيارة البيت. * عروة بن مسعود الثقفي يترك معسكر حلفائه القرشيين احتجاجًا على صدهم المسلمين. *** لقد ظل النبي ﷺ يدعو قومه في مكة (بالطرق السلمية) طيلة ثلاث عشرة سنة، لقى فيها وأَصحابه من قريش شتى أَنواع المضايقة والإِرهاب والتنكيل إِلى درجة بلغ فيها الطغيان بقريش إلى تعذيب المستضعفين تعذيبًا وحشيًّا، فقد البعض منهم أَرواحهم تحت وطأَته الشديدة، لا لشيء إِلا أَنهم اختاروا على دين الوثنية دين التوحيد فاتبعوه واتبعوا حامل لواءِ دعوته. بل لقد لجت قريش في بغيها وعدوانها حتى بلغ بها العناد والطغيان إلى أَن دبَّرت مؤامرة دنيئة تستهدف حياة النبي الأَعظم ﷺ ، وذلك في أَواخر السنة الثالثة عشرة من بدء حمل النبي ﷺ لواءَ الدعوة إلى التوحيد، فاتفق ساداتها ونواب عشائرها (بالإِجماع) في برلمانهم الوثني بمكة (دار الندوة) على قتل النبي ﷺ إعتقادًا منهم أَن دعوة التوحيد التي رسخت جذورها في نفوس المؤمنين بها داخل مكة وخارجها ستموت بموته. إلا أَن الله نجَّى رسوله من شَرِّ هذه المؤامره الخطيرة فتمكن (هو وصاحبه الصدِّيق الأَكبر) من مغادرة مكة في الليلة التي اتفق فيها المشركون على تنفيذ المؤامرة (١).

стр. 1227

كما غادر مكة (قبله وبعده) الأَغلبية الساحقة من الأَصحاب الذين آمنوا بدعوته واجتمع شمل الجميع هناك في دار الهجرة (المدينة المنوّرة). وما كانت قريش ترغب في أَن يغادر النبي ﷺ مكة إلى المدينة، بل إنها لتخشى ذلك أَشدَّ الخشية، لذلك قررت في برلمانها قتله ﷺ . لأَن وصوله إلى المدينة سالمًا معناه بناءِ أُمَّة جديدة هناك قد يقودها هذا الذي تمكنَّ من الإِفلات من سيوف الشرك للإِطاحة بالكيان الوثني داخل مكة مقر كرسي كهنوت الوثنية الرئيسي. ولكن ما حيلة قريش، فقد وقع الذي تخشاه، حيث وصل النبي ﷺ إلى المدينة سالمًا فاستقبل أَعظم استقبال عرفته المدينة في تاريخها. حروب فاشلة: لم تتم قريش ولم تستكن بعد هجرة النبي ﷺ وأَصحابه إلى المدينة، لا سيا بعد أَن أَصبحت المدينة الحاضرة الأَولى لدولة إِسلامية انضوى تحت لواءِها الأَغلبية الساحقة من سكان يثرب. لقد ظلت الرغبة الشريرة المتأَججة في نفوس مشركي مكة تضغط عليهم بشكل عنيف (هو أَقرب إلى الجنون) ليسيروا في طريق بغيهم وعدوانهم على المسلمين وظلمهم لهم. وأول قرار غاشم ظالم اتخذه برلمان مكة (دار الندوة) هو ذلك القرار الذي أَعلنوا فيه أَنهم يعتبرون المسلمين أَعداء محاربين يجب قتلهم أَينما وجدوا. كما اتخذ المشركون قرارًا غاشمًا آخر يقضي بمنع المسلمين (دون سائر العرب) من دخول الحرم.

стр. 1228

ونتيجة تنفيذ هذا القرار، ظل المسلمون في المدينة (طيلة ست سنوات) محرومين من دخول الحرم ممنوعيين من الطواف بالبيت الذي يتحرقون شوقًا إلى زيارته. ولم تكتف قريش بذلك، بل رغبة منها في هدم الإسلام ومحو آثاره من الوجود سلكت كل سبيل تقدر على سلوكهـ لقتل النبي ﷺ ، وهو في المدينة .. فدبرت عدة مؤامرات لاغتياله، ولكن هذه المؤامرات كلها فشلت كما هو مفصَّل في غير هذا المكان من هذا الكتاب ومن كتبنا الأربعة السابقة له ضمن سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة). الحرب الشاملة: بل لقد ألح الحقد الوثني المتأجج في نفوس مشركي مكة .. ألحَّ هذا الحقد العارم عليها القيام بحروب شاملة وغزوات منظمة لخضد شوكة المسلمين وقطع تيار دعوة التوحيد إلى الأبد. فقامت بعدة حملات عسكرية قوية ضدّ المسلمين, وصلت ببعضها إلى أسوار المدينة (حاضرة الإسلام الأولى) التي كادت تسقط (فعلًا) في أيدي المشركين. ولعل أعظم هذه الحملات العسكرية العدوانية وأخطرها هي الحملات المشهورة الثلاث: ١ - حملة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة. ٢ - حملة أُحد .. في السنة الثالثة من الهجرة. ٣ - حملة الأحزاب .. في السنة الرابعة من الهجرة.

стр. 1229

غير أن قريشًا (بالرغم من تفوقها الساحق في كل شيء مادي) فشلت في كل حملاتها العسكرية الكبرى الثلاث. ففي الأولى (وهي حملة بدر الكبرى) أنزل المعسكر الإسلامي (ولأول مرة في التاريخ) أشنع هزيمة تمرّغت فيها سمعة قريش العسكرية في الوحل حينما جاءت (باغية ظالمة معتدية) تقصد خضد شوكة المسلمين .. فقتل في هذه المعركة سبعون من ساداتها وقادتها، ووقع في أسر المسلمين سبعون مثله وفرَّ الباقون منهزمين شتتتهم الهزيمة في وهاد ووديان تهامة كما تشتت العاصفة الورق اليابس. أما الحملة العسكرية الثانية وهي (غزوة أُحد) التي نقلت بها قريش المعركة إلى ضواحي حاضرة الإسلام (المدينة)، فقد فشل القائمون بها في تحقيق شيء من أهدافهم الرئيسية التي من أجل تحقيقها شنّوا هذا العدوان، بالرغم من الإعداد الكامل والتحضير المنظم الذي سبق هذه الحملة التاريخية. فقد عادت قريش من هذه المعركة وكل مكسبها سبعون قتيلًا من المسلمين استشهدوا في هذه المعركة مقابل ستة وعشرين قتلوا من الجانب القرشي. أما الحملة الثالثة وهي غزوة الأحزاب (والتي تعتبر أعظم غزو يتعرّض له المسلمون في تاريخهم أثناء العهد النبوي)، فقد كانت آخر سهم في كنانة آمال قريش، يتحطم على صخرة المقاومة الإسلامية الصلبة. إذ كانت هذه الحملة العظيمة آخر حملة عسكرية تشنها قريش على المسلمين في تاريخها، فقد اندحرت وأحلافها النجديون في هذه

стр. 1230

الحملة اندحارًا مهينًا فاضحًا، بعد حصار دام على المدينة شهرًا كاملًا. إذ عادت قريش وأحلافها من هذه الغزوة دون أن يحققوا أي شيء من الأهداف التي حشدوا لها تلك الحشود الهائلة، اللهم إلا إيقاع يهود بني قريظة وتعريضهم للإبادة على أيدي المسلمين بعد أن أغواهم قادة الأحزاب بالغدر بالمسلمين ونقض العهد الذي بينهم (١). رسوخ جذور الإسلام: لقد كانت قريش تهدف من وراء تجريد تلك الحملات العسكرية الكبرى (وخاصة حملة الأحزاب) محو كيان المسلمين واقتلاع جذور الإسلام نهائيًّا. ولكن العكس هو الذي حدث (وخاصة بعد اندحار قريش وأحلافها في غزوة الأحزاب). فبعد هذا الاندحار الشنيع الذي انكسر به العمود الفقري للآمال القرشية العريضة، ازدادت قواعد الدولة الإسلامية صلابة وقوة، وأخذ الإسلام يضرب بجذوره وينشر ظلاله في الجزيرة بسرعة هائلة وبشكل لم يسبق له مثيل. وأصبح المسلمون (بعد فشل الأحزاب في غزوهم وبعد إنزال الضربة الصاعقة بخونة يهود بني قريظة) قوة ضاربة يخشاها كل أعداء الإسلام ولا تخشى أحدًا، وخاصة العناصر العربية الوثنية.

стр. 1231

بهہود خيبر فقط: والقوة الوحيدة التي ظل المسلمون يحسبون لها حسابًا هي قوة اليهود الموجودين في منطقة خيبر، الواقعة إلى الشمال الشرق من المدينة، وعلى بعد حوالي ثمانين ميلًا منها. فقد كان في خيبر حوالي عشرة آلاف مقاتل من اليهود يتربصون بالمسلمين الدوائر ويحاولون بكل الوسائل (وفي جهد مضني الإطاحة بهم). إلا أن المسلمين (قبل الحديبية) ألقوا عليهم دروسًا أشعرتهم بأن المسلمين أصبحوا قوة لا تقهر، وخاصة بعد أن تمكن الفدائيون من هؤلاء المسلمين من قتل ملكين من ملوك خيبر الواحد بعد الآخر، داخل منطقة خيبر نفسها، وهما: (أبو رافع سلَّام بن أبي الحُقيق)، (وأُسير بن زارم). وقد تقدم تفصيل الطريقة التي بها تمَّ القضاء على هذين الملكين الذين بتمكن الفدائيين المسلمين من القضاء عليهما انهارت معنويات اليهود وانخفضت نسبة اعتزازهم بأنفسهم واعتدادهم بقوتهم التي هي بالفعل قوة ضاربة إذا ما قورنت بقوة المسلمين من ناحية العدد، حيث أن قوة المسلمين في المدينة لا تزيد على ألفي مقاتل على أكثر تقدير .. بينما قوة اليهود في خيبر هي لا تقل عن عشرة آلاف مقاتل على أقل تقدير. ومع ذلك فقد خالط الخوف نفوسهم واستولى الرعب على قلوبهم بعد مصرع ملكيهم على أيدي الفدائيين داخل خيبر، وتلاشت من أذهانهم فكرة غزو المدينة التي كانت تراود أحلامهم .. وأصبحوا فقط محصورًا همهم في الدفاع عن أنفسهم داخل حصونهم ومعاقلهم التي لم يعد لديهم أدنى شك في أن المسلمين سيشنون الغارة لاحتلالها وإنهاء الوجود اليهودي عند مواتاة الظروف وتهيؤ الفرص.

стр. 1232

الخروج للعمرة: ويظهر أن المسلمين أدركوا ما عليه اليهود من خوف ورعب منهم، وأنهم أصبحوا في حالة من الانهيار المعنوي، بحيث يستحيل عليهم التحرك من خيبر لغزو المدينة حتى ولو غادرها أكثر المحاربين المسلمين إلى أية جهة أرادوا. ولذلك وبعد أن أصبح المسلمون في ذلك المركز العسكري الممتاز وأصبحوا قوة فرضت هيبتها على كل منطقة يثرب وكل المناطق المجاورة لها بعد الانتصارات الساحقة التي سجلتها على قوات الأحزاب الضاربة، وعلى خونة يهود بني قريظة بتلك التصفية الدموية العادلة الحاسمة وبعد أن بثت الرعب وأشاعت الخوف بين عناصر يهود خيبر .. قرروا (على ما في ذلك من تحدّ لمعسكر الشرك الحانق في مكة) أن يقوموا بزيارة البيت الحرام .. مطلب ظلوا عاجزين عن تحقيقه طيلة خمس سنوات كاملة لبطر وتعنُّت المشركين في مكة الذين كانت لهم الصولة والدولة طيلة هذه المدة. لقد كان العرف المتبع والقانون السائد -غير المكتوب- بين العرب منذ آلاف السنين أن زيارة البيت العتيق والطواف به حق مشاع لجميع العرب مهما تباينت آراؤهم واختلفت مذاهبهم في العبادة .. لا يجوز لقريش سادنة البيت والمسؤولة عن الأمن في الحرم أن تحول بين أيِّ إنسان وبين دخول الحرم لزيارة البيت وباقي المشاعر التي درج العرب على زيارتها منذ عهد الخليل إبراهيم ﵇. ولكن قريشًا (وهي الحاكمة بأمرها في مكة) بلغ بها البغي والشطط إلى منع المسلمين (خاصة) من زيارة البيت وباقي المشاعر، وهدر دمائهم وإباحة سفكها حتى ولو وُجِدوا مُهلِّلين ملبين داخل الحرم.

стр. 1233

لقد صبر المسلمون وامتنعوا عن الذهاب إلى مكة طيلة هذه الخمس السنوات، والسبب في ذلك أنهم كانوا (من الناحية العسكرية) في مركز لا يمكنهم من مباشرة حقهم الشرعي من الطواف بالبيت واقتحام مكة عنوة لمباشرة هذا الحق المشروع إذا ما حاولت قريش منعهم من مباشرته بالقوة. أما وقد أصبحوا قوة لها وزنها قادرة على مباشرة هذا الحق ولو عن طريق اقتحام مكة عنوة، فلا بد لهم من التوجه إلى مكة لأداء نسك العمرة الذي حرموا منه (بغيًا وعدوانًا) طيلة خمس سنوات كاملة. لذلك أعلن النبي ﷺ في الحاضرة والبادية أنه قرر التوجه إلى مكة, وأعلن صراحة أنه لا يريد دخول مكة غازيًا وإنما معتمرًا مسالمًا .. وأرسل إلى قريش ممن يبلغها ذلك لئلا تظن أنه جاء محاربًا. الاستعداد للطواريء: ولكنه ﷺ مع نواياه السلمية وتجرُّده الكامل في هذه الرحلة للنسك أدخل في حسابه أن قريشًا قد تحاربه وتصده عن البيت بقوة السلاح، فقرر أن يحتاط لهذا الاحتمال الذي لا يستبعد حدوثه والذي أقدمت عليه قريش الشرك بالفعل. فقد استنفر المسلمين حاضرة وبادية ليصاحبوه فيه هذه الرحلة التي هي دونما شك رحلة محفوفة بالأخطار .. لأنه لم يكن بينه وبين قريش (عدوه الرئيسي) أي عهد أو صلح، بل كانت الحالة بين الفريقين حالة حرب مُعلنة.

стр. 1234

تثبيط المنافقين: وبالرغم من كثرة المنتسبين إلى الإسلام في الحاضرة والبادية في تلك الفترة, فإنه لم يستجب لدعوة الإستنفار هذه إلا الخلصاء المؤمنون الصادقون من أصحابه ﷺ . أما المنافقون من أهل المدينة، وضعاف الإيمان من الأعراب الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فقد تخاذلوا وقرروا عدم مرافقة النبي ﷺ في هذه الرحلة التاريخية. لأنه رسخ في نفوسهم المريضة أن مشركي مكة سيحولون دون دخول النبي ﷺ ومن معه مكة بالقوة ومعنى ذلك أن المسلمين ونبيهم سيضطرون لخوض حرب ضروس بعيدين عن بلادهم. فهي إذن رحلة محفوفة بالأخطار الجسام، والمنافقون ليس لديهم أي رصيد من الإيمان يجعلهم يستهينون بهذه الأخطار في سبيل مرضاة الله. لذلك تثاقلوا وتخلفوا عن ركب الإيمان متعللين بشتى الأعذار الكاذبة من ذلك أن انشغالهم بأهليهم وأموالهم، لا يسمح لهم بمصاحبة النبي ﷺ في هذه الرحلة. بينما الباعث الحقيقي لهذه الانهزامية والتثاقل هو ما رسخ في نفوسهم الضعيفة، من أن المسلمين سيخوضون حربًا ضروسًا مع قريش، وأنهم قد لا يعودون سالمين إلى المدينة، هكذا ظنوا. بل هكذا كانوا يتهامسون فيما بينهم، قائلين: (أنذهب إلى قوم قد غزره في عُقْرِ داره بالمدينة وقتلوا أصحابه (١) , ولكنهم تظاهروا بأنهم مشغولون بأهليهم وأموالهم واعتذروا بذلك.

стр. 1235

القرآن يفضحهم: غير أن ضعاف النفوس هؤلاء، قد فضحهم القرآن الكريم فيما بعد وكشف لنبيه ولكل الناس حقيقة أمرهم فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١). وقال تعالى كاشفًا ما يعتقده هؤلاء المنافقون من أن المسلمين سيبادون في رحلتهم هذه عن بكرة أبيهم على أيدي قريش: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٢). الصفوة المختارة: غير أن هذه الإنهزامية التي قعدت بالمنافقين وجعلتهم يثبِّطون عزائم ضعاف النفوس ليمتنعوا عن مرافقة النبي الأعظم ﷺ في هذه الرحلة السلمية التاريخية .. هذه الانهزامية لم يكن لها أي أثر على عزائم الصفوة المختارة من أصحاب محمد ﷺ الذين لم يكادوا يسمعون صوت الاستنفار الذي وجهه النبي ﷺ للانضمام إلى ركبه المبارك للتوجه إلى مكة حتى تسابقوا فرحين مستبشرين ملبِّين نداء نبيهم العظيم، مستهينين بما يهوِّله المنافقون من أخطار جسام قد تحف

стр. 1236

(من جانب قريش) بهذه الرحلة التي تحمل كل معاني التحدي لقريش وكبريائها الوثني. لأن هذه الصفوة المختارة واثقة كل الثقة من أن سعادتها في الدنيا وفلاحها في الآخرة إنما هو في طاعة أوامر نبيها الذي لا يمكن أن يدعوها إلا إلى خير. فقد التف حول النبي ﷺ ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار تهيئوا معه للخروج إلى مكة. وبعد أن تجهزوا للسفر خرج بهم ﷺ من المدينة في اتجاه مكة وكان بينهم مائتا فارس. وعندما وصل ذا الحليفة (١) (في ضواحي المدينة) أحرم بالعمرة وأعلن ذلك ليعلم الناس جميعًا أنه لم يخرج للحرب وإنما خرج لزيارة البيت وأداء مناسك العمرة .. وقد أحرم معه عامة أصحابه ﵃. أمير على المدينة: وكما عادته (عندما يعتزم الغياب عن المدينة في غزو أو غيره) أصدر مرسومًا عيّن بموجبه نُميلة بن عبد الله الليثي (٢) محافظًا على المدينة

стр. 1237

يصرِّف أمورها نيابة عنه حتى عودته، كما عيَّن ابن أمُّ مكتوم (١) على الصلاة يؤم المسلمين نيابة عنه حتى يعود. حمل السلاح: وفي ذي الحليفة أشار عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة على رسول الله ﷺ أن يسلِّح أصحابه التسليح الكامل، استعدادًا للطوارئ، لأنه لا يستبعد أن تشن قريش الحرب على المسلمين .. وما يمنعها من ذلك - إذا ما قدرت عليه؟ - أليست في حالة حرب معهم؟ . فقد قال ابن الخطاب: تدخل على قوم هم لك حرب, بغير سلاح ولا كراع؟ فعمل النبي ﷺ بنصيحة عمر، فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعًا ولا سلاحًا إلا حمله. علامات النسك لا الحرب: وساق معه ﷺ سبعين بدنة (٢) هديًا أشعرها (٣) وقلدها ليعلم الناس أنهہاهَدْي فيكفوا.

стр. 1238

شاري بدن رسول الله: وعندما قرر النبي ﷺ القيام بالعمرة طلب من بُسْر بن سفيان الكعبي ثم الخزاعي (١) أن يشتري له بُدْنًا لتكون هدية إلى الكعبة في عمرته حيث قال لبسر (الذي كان قدم مسلمًا عليه): يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنَّا إن شاء الله معتمرون، فأقام بسر في المدينة .. ثم أمره النبي ﷺ أن يبتاع له بدنًا. فذهب إلى البادية وأخذ يبتاع البدن ويبعث بها إلى ذي الجدُر لترعى هناك، وكانت ذو الجدر من مسارح المدينة التي ترعاها اللقاح. وعندما أكمل بسر بن سفيان شراءَ البُدن التي بلغت سبعين بَدَنة حضر بها إلى المدينة، وذلك بعد أن تهيأَ النبي ﷺ وأصحابه للخروج منها معتمرين. ناجية بن جندب على الهدي: وعندما تهيأَ النبي للخروج من المدينة استعمل على هَدْيه ناجية بن جندب الأسلمي وأَمره أن يقدمها إلى ذي الخليفة. وخرج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة وهم لا يشكُّون في الفتح للرؤيا اليت رأى النبي ﷺ .

стр. 1239

هدي الموسرين من الصحابة: وساق الموسرون من الصحابة (أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن عبادة) معهم هديًا خاصًّا بهم. تاريخ الخروج للعمرة: وكان خروج النبي ﷺ من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة سبع من الهجرة، وكان ﷺ قد اغتسل في بنيته بالمدينة ولبس ثوبين من نسيج صحار وركب راحلته القَصْواء من عند بابه، وما زال يسير بالمسلمين حتى وصل بهم (ذي الحليفة) وهناك توقف وصلَّى بهم الظهر، ثم دعا بالبُدْن فجلَّلت ثم أشعر بنفسه منها عدة وهن موجهات إلى القبلة، وكان بين البُدْن جمل أَبي جهل بن هشام، وكان من الجمال المهرية الأصيلة المشهورة، غنمه النبي ﷺ ببدر، فساقه مع الهدي إغاظة للمشركين. الإحرام بالعمرة: ومن ذي الحليفة أحرم النبي ﷺ بالعمرة، حيث دعا براحلته فركبها من باب المسجد، فلما انبعثت به مستقبلة القبلة أحرم ولبى بأربع كلمات: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأحرم عامة المسلمين بإحرامه، ومنهم من لم يحرم إلَّا من الجحفة - بالقرب من رابغ.

стр. 1240

النساء المعتمرات: وخرج مع النبي ﷺ في هذه العمرة أربع نساءٍ، واحدة من نسائه وهي أُمُّ سلمة (١) وثلاث أنصاريات وهن: أُم عمارة وأُم منيع وأُم عامر. والمنافقون أيضًا: كما صاحبه في هذه الرحلة التاريخية أيضًا اثنان من كبار المنافقين وهما عبد الله بن أُبي بن سَلول (٢) والجد بن قيس (٣)، وذلك بالرغم من أن أكثرية المنافقين لم يخرجوا، ولا شك أن ابن أُبيّ والجد بن قيس لم يخرجا بدافع الإيمان، وإنما لدوافع قد يكون منها محاولة إثارة الفتنة والتشكيك بين المسلمين في هذه الرحلة إن أمكنهم ذلك، كما حدث وأن خرجوا في غزوة بني المصطلق، وأثاروا نيران تلك الفتنة اللاهبة التي كادت تشعل نيران حرب أهلية لا تبقى ولا تذر (٤).

стр. 1241

طلائع للاستكشاف ورجل الاستخبارات: ومع أن النبي ﷺ أعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا يريد الحرب، فقد أدخل في حسابه احتمال أن تقوم قريش بالعدوان عليه وعلى أصحابه في أيِّ مكان لأنه في حالة حرب معها، ولأنَّها أُمة مشركة لا يمكن أن يأمن المسلمون جانبها حتى وإن كانوا على حالة من النسك هي عنوان المسلمة، لا يجوز (في عرف جميع العرب مسلمين ووثنيين) التعرُّض لمن هو عليها حتى ولو كان في ظروف حربية. فقد أمر (أولًا) بسر بن سفيان الكعبي ثم الخزاعي بأن يقوم بمهمة الاستخبارات بين قريش للمسلمين، فيجمع المعلومات عنهم وعن نواياهم، وماذا يمكن أن يقولوه أو يفعلوه إذا ما بلغهم أن النبي قد خرج بأصحابه قاصدًا مكة للعمرة. فقال قال النبي ﷺ لبسر بن سفيان: إن قريشًا قد بلغها أني أريد العمرة فخبِّر لي خبرهم، ثم ألقى بما يكون منهم، فتقدم بسر أمامه، ودخل مكة وظل بها يرصد قريشًا ويجمع المعلومات، ولم يخرج إلَّا عندما وصل النبي عسفان حيث لاقاه هناك. كذلك كوّن النبي ﷺ وهو بذي الحليفة - فصيلة من الفرسان لتكون طليعة أمامه ولتقوم بأعمال الاستكشاف حتى مكة، وذلك، تحسُّبًا للطوارئ، وبالرغم من أنَّه سيمر بقبائل إما مسلمة، أَو موادعة (١). وقد كانت هذه الفصيلة مكوَّنة من عشرين فارسًا فيهم رجال من

стр. 1242

المهاجرين والأنصار، منهم المقداد بن الأسود (١) وأبو عياش الزرقي (٢) والحباب بن المنذر (٣) وعامر بن ربيعة ومحمد بن مسلمة الأنصاري وسعد بن زيد وعباد بن بشر، وكان أمير الفصيلة عباد بن بشر الأنصاري. طريق الرسول إلى مكة: ووصف الواقدي تحركات الرسول ﷺ في هذه الرحلة التاريخية، وأشياء حدثت له وهو في طريقه، وأحاديث قالها لأصحابه ولغيرهم كانت بمثابة أصول تشريعية وآداب إسلامية، كما حدّد الطرق الرئيسية التي سلكها الرسول ﷺ إلى مكة فقال: (وخرج معه المسلمون ست عشرة مائة، ويقال ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلًا) (٤). وخرج معه من أسلم (٥) وحدها مائة رجل، وخرج معه أربع نسوة، فجعل رسول الله ﷺ يمر بالأعراب فيما بين مكة والمدينة، وكان يُقدّم الخيل ثم يقدم ناجية بن جندب (٦) مع الهدي، وكان معه فتيان

стр. 1243

من أسلم، وخرج رسول ﷺ حين أصبح يوم الثلاثاء بملل (١)، فراح من ملل وتعشَّى بالسيَّالة (٢) ثم أصبح بالروحاءِ (٣) فلقى بها أصرمًا من بني نهد معهم نعم وشاءُ، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا له وانقطعوا من الإسلام، فأَرسلوا إلى رسول الله ﷺ بلبن مع رجل منهم فأبى رسول الله ﷺ أن يقبل منهم وقال: لا أقبل هدية مشرك، فأمر رسول الله ﷺ أن يُبتاع منهم فابتاعوه من الأعراب فسرّ القوم وجاوا بثلاثة أُضب (جمع ضب) أحياء يعرضونها، فاشتراها قوم أَحِلة من العسكر، فأَكلوا وعرضوا على المحرمين فأبوا حتى سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: كلوا فكلُّ صيد ليس لكم حلالًا في الإحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم، قالوا: يا رسول الله فوالله ما صدنا ولا صادته إلا هؤلاء الأعراب أهدوا لنا وما يدرون أن يلقونا، إنما هم قوم سيَّارة يصبحون اليوم بأرض وهم الغد بأرض أُخرى يتبعون الغيث وهم يريدون سحابة وقعت من الخريف بفرش ملل. فدعا رسول الله ﷺ برجل منهم فسأله: أين تريدون؟ فقال: يا محمد، ذكرت لنا سحابة وقعت بفرش ملل منذ شهر، فأرسلنا رجل منا يرتاد

стр. 1244

البلاد، فرجع إلينا فخبَّرنا أن الشاة قد شبعت، وأنَّ البعير يمشي ثقيلًا مما جمع من الحوض، وأن الغُدُر كثيرة مرويَّة فأردنا أن نلحق به. وقال أبو قتادة: خرجنا مع رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية ومنا المحِلُّ ومنا المحرم، حتى إذا كنا بالأبواء وأنا مُحلّ فرأيت حمارًا وحشيًّا فأسرجت فرسي فركبت، فقلت لبعضهم: ناولني سوطي، فأبى أن يناولني فقلت: ناولني رمحي، فأبى، فنزلت فأخذت سوطي ورمحي ثم ركبت فرسي فحملت على الحمار فقتلته فجئت به أصحابي المحرمين والمحلين، فشك المحرمون في أكله حتى أدركنا رسول الله ﷺ وقد كان تقدّمنا بقليل فأدركناه فسألناه عنه فقال: أمعكم منه شيء؟ قال: فأعطيته الذراع فأكلها حتى أتى على آخرها وهو محرم فقيل لأبي قتادة: وما خلفكم عن رسول الله ﷺ ؟ قال: طبخنا الحمار فلما نضج لحقناه وأدركناه. وقد أخرج البخاري في صحيحه حديث أبي قتادة بلفظ آخر والمعنى واحد. ك يف تلقت قريش النبأ؟ لقد شاع بين العرب نبأ خروج النبي ﷺ وأصحابه معتمرين ولم يكن في هذا الخروج ما يدعو إلى الدهشة أو الاستغراب بين العرب الوثنيين عمومًا. لأنَّ زيارة البيت (وخاصة في الأشهر الحرم) حقٌّ لكل إنسان مهما كان دينه أو لونه أو جنسه ... ذلك قانون غير مكتوب مجمع على العمل به بين جميع قبائل العرب.

стр. 1245

غير أن قريشًا تجاهلت هذا القانون الذي كان يجب أن تكون أوَّل من يلتزم به ويحرص على تنفيذه، لأنها حتى ذلك العام كانت السادن للكعبة والمسؤول بين العرب عن جميع المشاعر التي يعظِّمها العرب في نسكهم، ومطلوب منها إعطاءَ كل التسهيلات لمن جاء راغبًا في زيارة البيت حتى ولو كان في حالة نزاع مسلَّح معها، ما دام أنه لم يأت محاربًا، لأن لمنطقة الحرم قدسية عند العرب تجعل من المحرَّم تحريمًا قاطعًا سفك أي دم وإنشاب أَيِّ حرب داخل حدوده، ذلك هو القانون والعرف السائد بين عرب الجزيرة منذ آلاف السنين. ولكن قريشًا قد تملكها الغرور - بعد أن استبدَّ بها الغضب ونزا بها الحمق - فرمت بهذا العرف عرض الحائط حينها قررت (في إصرار) من النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة بالرغم من تبلغها أنهم لم يأتوا للحرب وإنما جاؤوا محرمين لزيارة البيت فحسب. لقد اعتبرت قريش خروج النبي ﷺ نحو مكة (وفي هذا العدد الكبير من أصحابه) بادرة خطيرة، أحسَّ سادات مكة أن فيها مساسًا بكرامتهم وخدشًا لكبريائهم الوثني، وأنه - بالنسبة للعرب أَجمعين - بمثابة الدليل العمل على ضعف قريش السياسي وانخفاض هيبتها العسكرية، وتضعضع دورها القيادي بين العرب. كما اعتبرت قريش هذا التصرف من النبي ﷺ ردًّا (في صورة التحدي) على ما قامت به من أعمال إرهابية ضده وضد القلة من أصحابه عندما كانوا في مكة، مما اضطرهم إلى مغادرتها هربًا مرغمين. ولم يستطع النبي ﷺ (منذ خرج مكة خائفًا يترقب بعد أن أهدرت قريش دمه وقررت الفتك به) ولا أحد من أصحابه الاقتراب من مكة فضلًا عن دخولها.

стр. 1246

ولكن ها هو (وبعد مرور خمس سنوات على نجاته من سيوف قريش) يتحرك نحو مكة، (ليس وحيدًا ولا خائفًا ولا مستخفيًا هذه المرة كما كان حاله عند مغادرته لها قبل خمس سنوات) وإنما على رأس ألف وأربعمائة من أصحابه، كلهم يفديه بروحه. إنه (إذن) التحدي السافر لقريش في أبرز صوره. هكذا قرَّ في نفوس القرشيين، فعمّت مكة - لهذا النبإ - موجة من الغضب والاستياء والقلق والارتباك. قريش في برلمانها: ولدى تأكد قريش من نبإ خروج النبي وأصحابه نحو مكة سارع زعماؤها إلى عقد اجتماع هام في دار الندوة للتشاور فيما بينهم والاتفاق على خطة لمواجهة هذا التطور الخطير. لجنة المتابعة والتنفيذ: وبعد هذا القرار الذي اتخاذته قريش في برلمانها (دار الندوة) بالإجماع انتخبت من يمكن تسميتهم بلجنة المتابعة .. مهمة هذه اللجنة متابعة هذا القرار الخطير، والعمل (بالطرق التي تراها اللجنة) على تنفيذه. وكان أعضاء هذه اللجنة المنتخبون ثلاثة من سادات مكة، وهم: ١ - عكرمة بن أبي جهل المخزومي (١).

стр. 1247

٢ - صفوان بين أُميَّة الجمحي (١). ٣ - سهيل بن عمرو العامري (٢). وقد أُعطيت هذه اللجنة (من جميع نواب الندوة) التفويض الكامل المطلق في اتخاذ ما تراه من تدابير وتصرفات تضع قرارًا ضد المسلمين عن البيت موضع التنفيذ. قال الواقدي: (ولما بلغ المشركون خروج رسول الله ﷺ إلى مكة راعهم ذلك، وأجمعوا له، وشاوروا فيه ذوي الرأي منهم، فقالوا: يريد (أي النبي ﷺ ) أن يدخل علينا في جنوده معتمرًا، فتسمع به العرب، وقد دخل علينا عنْوة (٣) وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا يمكن هذا أبدًا ومنَّا عين تطرف، فارتأوا رأيكم، فأجمعوا أمرهم وجعلوه إلى نفر من ذويهم (صَفوان بن أُمية .. وسُهَيل بن عمرو. وعكرمة بن أبي جهل) (٤). قريش تستعد لمنع المسلمين بالقوة: وقد وضعت لجنة المتابعة الثلاثية (بالتشاور مع سادات مكة الآخرين) خطة كاملة لمواجهة المسلمين وصدّهم عن البيت بقوة السلاح، إن هم أصرُّوا على دخول مكة معتمرين.

стр. 1248

ويمكن تلخيص خطة قريش التي بموجبها قرَّرت صد المسلمين فيما يلي: ١ - إعلان حالة الاستنفار بين جميع القرشيين ممن يقدرون على حمل السلاح وتعبئتهم لمقاتلة المسلمين. ٢ - طلب مساعدة الحلفاء (الأَحابيش (١) وثقيف وغيرهم) - بالوقوف إلى جانب قريش عسكريًّا لمواجهة المسلمين. ٣ - اعتماد ميزانية حرب خاصة لتموين جنود الحلفاء الذين يقررون الانضمام إلى قريش في هذا النزاع الذي قررت قريش أن يكون نزاعًا مسلحًا. ٤ - ولإِخراج فكرة صد المسلمين بقوة السلاح من الحيِّز النظري إلى الحيِّز العملي قررت لجنة الحرب العليا بالتشاور مع سادات مكة أَن يخرج كلُّ حمَلَة السلاح من قريش وحلفائها إلى خارج مكة ليكونوا على أُهبة الاستعداد لمنع المسلمين من دخول الحرم، على أَن يكون ذلك قبل وصول المسلمين إلى حدود الحرم. ٥ - أَن يصاحب المشركين عند خروجهم لصدّ النبي ﷺ نساؤهم وأطفالهم، ليلمس المسلمون الدليل العملي على تصميم قريش على صدّهم وأنهم غير مستعدين للتراجع عن هذا القرار الخطير، وليكون وجود النساء والأطفال في معسكرات قريش وحلفائها بمثابة قطع خط الرجعة على الذين لا يرون من القرشيين التعرض للنبي ﷺ لصدّه عن البيت. ٦ - تكوين قوات كثيفة من الفرسان وإِعطاء قيادها لفارسي قريش خالد بن الوليد، على أَن تعسكر هذه القوات من الفرسان على الطريق

стр. 1249

الرئيسي بين مكة والمدينة وبالقرب من الحرم لاعتراض المسلمين وإفهامهم (عمليًّا) بأَن قريشًا قد قررت (وبدون تراجع) منعهم من دخول الحرم. ٧ - إقامة جهاز دقيق من الاستخبارات العسكرية، تكون مهمة رجاله الضرب في الأَرض إلى أَبعد مكان ممكن على الطريق الذي سيمر به النبي وأصحابه، وإبلاغ قريش في معسكرها الرئيسي (أَولًا بأَول) عن كل ما تحتاجه من معلومات عن تحركات المسلمين ومدى قوتهہم وحقيقة أمرهم من جميع الوجوه. تنفيذ خطة الصد: وقد نفَّذت قريش كامل بنود هذه الخطة تنفيذًا تامًّا .. ففيما يختص بالاستنفار العام في مكة، فقد خرج منها لمواجهة المسلمين كل قادر على حمل السلاح. وفيما يتعلق بمساعدة الحلفاءِ، فقد نجحت قريش في إِقناع الأَحابيش بالانضمام إليها بعد أَن شوَّهت لسيّدهم الحُليس بن زبّان حقيقة موقف المسلمين السلمي وصورتهم له بأَنهم جاؤوا محاربين معتدين كما نجحت أيضًا في إقناع حلفائها (ثقيف) فانضموا وجاؤوا إليها من الطائف بقيادة سيد هم (عروة بن مسعود)، فاستطاعت بذلك قريش أن تحشد من أَبنائها ومن حلفائها قوة ضخمة ضاربة بلغت حوالي ثمانية آلاف مقاتل، كلها وقفت على أُهبة الاستعداد لمحاربة المسلمين لحساب الزعامة القرشية.

стр. 1250

المعسكر الرئيسي لقريش: وقد عسكرت قريش هذه القوات الضاربة المشتركة (بصفة رئيسية) في منطقة بلدح (١) الواقعة غربي مكة، كما أَن قريشًا أَخرجت بالفعل النساءَ والأَطفال ليكونوا موجودين في المعسكر الرئيسي في بلدح. وفيما يختص بقوات الفرسان الي قررات قريش تكليفها باعتراض النبي ﷺ وأَصحابه، فقد تحرَّك خالد بن الوليد بمئتي فارس ورابط بهم في كراع الغميم على الطريق الرئيسي الذي من المفروض أَن يمر به النبي ﷺ وأَصحابه وهم في طريقهم من المدينة إلى مكة .. وكانت لدى القائد خالد أَوامر صارمة مشددَّة بأَن يمنع المسلمين بالقوة من اجتياز الطريق كما هو قرار سادة قريش. أما فيا يتعلق بجهاز الاستخبارات، فقد أقامته قريش على أدقِّ ما يكون، فقد انتخبت عشرة رجال أَعطت قيادهم للحكم بن عبد مناف فتولَّى تنظيمهم، فوزعَّهم في رؤوس الجبال المطلة على الطريق الرئيسي الذي سيمر به النبي ﷺ وأَصحابه، فكان الأَول ينقل إلى الثاني ما يرى ويسمع من المسلمين، والثاني إلى الثالث حتى يصلي إِلى العاشر فينقله بدوره إلى قيادة قريش العليا في وادي (بلدح). وهكذا وبواسطة تنظيم هذا الجهاز من الاستخبارات تلقت قيادة قريش في بلدح كل شيء عن تحركات المسلمين أولًا بأَول، فعرفوا كل ما يريدون معرفته عن مدى قوة المسلمين، وما يقولونه ويفعلونه قبل أن يصلوا إلى حدود الحرم.

стр. 1251

قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٥٧٩): (وقدَّموا خالد بن الوليد في الخيل ووضعوا العيون على الجبال حتى انتهوا إلى جبل يقال له: وزر، وزع: ... كانت عيونهم عشرة رجال قام عليهم الحكم بن عبد مناف يوحي بعضهم إلى بعض الصوت الخفي. فعل محمد كذا وكذا حتى ينتهي ذلك إلى قريش). إطعام المرتزقة: وفيما يختص بتموين المرتزقة الموجودين مع قريش في معسكرهم، والمسمين بالحلفاء من غير القرشيين، فقد تولَّى أربعة من زعماءِ قريش إطعامهم، وهؤلاءِ الزعماءِ الذين تولوا تموين المرتزقة بالنيابة عن قريش هم سهيل بن عمرو وعكرمة بن أَبي جهل وصفوان بن أُمية وحويطب بن عبد العزَّى، وكلهم ما عدى الأَخير أَعضاء في لجنة الحرب التي كلفتها قريش في دار الندوة بمتابعة وتنفيذ قرارات البرلمان القرشي المتعلقة بصدِّ المسلمين عن البيت ومنعهم من دخول مكة مهما كانت النتائج. الاستخبارات النبوية في مكة: ك ان النبي ﷺ عند خروجه من المدينة (وفي ذي الحليفة بالذات) كلف بُسْر بن سفيان الكعبي الخزاعي بأَن يقوم بمهمة الاستخبارات في مكة، وأَمره بأَن يتوجه إليها لينقل إليه كل أَخبار القرشيين، ما يقولونه وما يفعلونه كردِّ فعل لتلقيهم نبأَ خروج المسلمين معتمرين

стр. 1252

وقد صدع بسر بن سفيان بأَمر نبيه ﷺ ، فتوجَّه إلى مكة، وما هي إلا أَيام قلائل حتى كان فيها، وظلّ بسر في مكة يرصد (بطريقه الخاص) حركات القرشيين ويدوِّن في ذاكرته كل ما يراه أَو يسمعه مما تقوله وتفعله قريش، وظلَّ في مكة عدة أَيام عرف فيها كل ما يحب أن يعرفه رجل مكلَّف بمثل هذه المهمة الخطيرة التي كلِّف بها. وقد بلغ رجل الاستخبارات النبوية في إنجاح مهمته إلى حدِّ المخاطرة بروحه، حيث صاحب الجيوش المشتركة (من القرشيين والأَحلاف) في تحركاتها حتى استقرت في معسكرها الرئيسي في وادي (بلدح)، ولم يتركها إِلا بعد أَن رآها تقيم الأَبنية وتضرب الخيام في هذا الوادي مصممة على صد المسلمين عن البيت بالقوة. فقد توجَّه (بسر) بعد ذلك ليلتقى بالرسول ﷺ في (ذات الأَشطاط) من وراءِ عُسفان على مسافة غير بعيدة من حدود الحرم. وهناك أخبر النبي ﷺ بكل شيء عن قريش .. فعندما رآه النبي ﷺ قال: يا بسر ما وراءك؟ . قال: يا رسول الله تركت قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد سمعوا بمسيرك ففزعوا وهابوا أَن تدخل عليهم عنوة وقد استنفروا الأَحابيش ومن أَطاعهم، معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا لك جلود النمور ليصدُّوك عن المسجد الحرام، وقد خرجوا إلى (بلدح) وضربوا الأَبنية، وتركت عُمادهم (أَي قادتهم) يُطعمون الجزر أَحابيشهم ومن ضوَى (أي انضم إليهم) في دورهم، وقدموا الخيل عليها خالد بن الوليد .. مائتي فرس .. وهذه خيلهم بالغميم وقد وضعوا العيون على الجبال، ووضعوا الأرصاد (١).

стр. 1253

النبي يستشير أصحابه: وكما هي عادة النبي ﷺ ، وتمشيًا مع روح الشورى التي جاء بها الإسلام والمتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، جمع الرسول ﷺ أصحابه حيث يعسكر في وادي عسْفان وأطلعهم على حقيقة الموقف، مشيرًا إلى التطورات الخطيرة التي حدثت نتيجة تعنُّت قريش وإصرارها على صدّ المسلمين عن المسجد الحرام بالقوة، ذلك الإصرار، الذي تمثل بأَجلى مظاهره في خروج حوالي ثمانية آلاف مقاتل إلى وادي (بلدح) تصحبهم نساؤهم وأَطفالهم وفي مرابطة مائتي فارس على مقربة من المسلمين في كراع الغميم. فقد قال النبي ﷺ : هذا خالد بن الوليد على خيل المشركين بالغميم، ثم وقف ﷺ خطيبًا في المسلمين فأَثنى على الله بما هو أَهله، ثم قال (مستشيرًا أصحابه): "أَما بعد فكيف ترون يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين استنفروا إليَّ من أطاعهم ليصدُّونا عن المسجد الحرام؟ أترون أَن نمضي أوجهنا إلى البيت فمن صدَّنا قاتلناه، أم ترون أَن نخلف هؤلاء الذين استنفروا لنا، إلى أَهليهم، فإن اتَّبعونا اتبعنا منهم عنُق يقطعها الله، وإن قعدوا قعدوا محزونين موتورين؟ ". فقام أَبو بكر الصدِّيق فقال: الله ورسوله أَعلم، نرى يا رسول الله الله أن نمضي لوجهنا، فمن صدّنا عن البيت قاتلناه، فقال رسول الله ﷺ : "فإن خيل قريش فيها خالد بن الوليد بالغميم". فقال أبو هريرة: فلم أر أحدًا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ، وكانت مشاورته أصحابه في الحرب فقط.

стр. 1254

المقداد بن عمرو يتكلم: وقام المقداد بن عمرو الكندي (١) فقال: يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله لو سرت إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقى منا رجل. وتكلم سيد الأوس (أسيد بن الحُضَير) وقال قريبًا من قول أبي بكر الصديق. وبعد هذا التشاور تبيَّن أن جميع المسلمين موافقون على المضيِّ نحو غايتهم وهي زيارة البيت العتيق، وأَنهم مستعدون للصدام إذا ما ألجأَتهم قريش إلى ذلك بإصرارها على منعهم من دخول الحرم. مشادة بين الصديق وابن ورقاء: وإلى وادي عسفان خضر حليف المسلمين سيد خزاعة (بُدَيل بن ورقاء) وعلى مسمع من الناس قال: يا محمد لقد اغترت بقتال قومك جلابيب العرب (٢)، والله ما أَرى معك أحدًا له وجه، مع أَني أَراكم قومًا لا سلاح معكم، فجرت (لهذا القول) بينه وبين أبي بكر الصديق مشادة كلامية أغلظ له فيها القول أَبو بكر الصديق، وأَسمعه ما يكره ظنًّا منه أنه متحيز لقريش. غير أن بديلا أعلن بأن لا باعث لمقاله إلا الإخلاص لحليفه النبي وأصحابه حيث قال مجيبًا علي مقالة أبي بكر الصدَّيق: أَما والله لولا

стр. 1255

يدٌ لك عندي لأَجبتك فوالله ما أنهم أنا ولا قومي، ألا أكون أحب أن يظهر محمد، إني رأَيت قريشًا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد خرجوا إلى بلدح، فضربوا الأَبينة، معهم العوذ المطافيل (١)، ورادفوا على الطعام يطعمون الجزر من جاءهم، يتقوون بهم على حربكم، فَرِ رأيك. وعندما تبلغ النبي ﷺ نبأ شطط قريش وتصلفها وطغيانها - وإصرارها (هكذا) على منعه من زيارة البيت (بغيًا وعدوانًا) قال مبديًا أَسفه الشديد لهذا التصرف الجاهلي الأَحمق: (يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أَصابوني كان الذي أرادوا، وإن أَظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، ثم أعلن ﷺ تصميمه على المضي في نشر رسالته مهما كانت فعالية القوة إلى تحاول الوقوف في وجهها لصد تيارها قائلا: فوالله لا أَزال أَجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أَو تنفرد هذه السالفة. ثم تبلغ النبي ﷺ من عيونه (رجال استخباراته): أن أَساطين الكفر في مكة قد خرجوا بقرارهم المتهور من حيز القول إلى حيز الفعل فحشدوا كل ما لديهم من قوة وعسكروا بها في وادي بلدح .. وأنهم قد استنفروا حلفاءهم من ثقيف بقيادة عروة بن مسعود، وحلفاءُهم من

стр. 1256

الأحابيش بقيادة الحليس بن زبان (١) فأطاعوهم جميعًا وانضموا إلى معسكرهم. نذر الحرب: وهكذا (وباتخاذ قريش ذلك القرار المتعسف المخالف للقيم والتقاليد المرعية حتى بين الوثنيين العرب) تراءَت نذر الحرب في الأُفق، والتى لم يأْت لها المسلمون ولم يفكرِّوا فيها عندما خرجوا من المدينة معتمرين ملبِّين مكبِّرين. ومع كره النبي ﷺ للحرب وعدم رغبته في خوضها مع قريش، فقد أَدخل في حسابه أن قريشًا قد تُقدم على مثل هذا التصرف الأَخزق الذي أقدمت عليه .. فاتخذ كل الاحتياطات الضرورية تحسُّبًا للطواريء فظل أصحابه (في حالة استنفار واستعداد يحملون السلاح وهم في حالة الإحرام لابسين نسك العمرة). النبي يتحاشى الصدام المسلح: غير أن النبي ﷺ مع كل ما صنعته قريش من التحدِّي ومع ما قامت به من استفزاز للمسلمين وتحرُّش بهم، بتكليفها قائد

стр. 1257

فرسانها خالد بن الوليد بأَن يربط بمائتين من الفرسان في الطريق الرئيسي بين عسفان ومكة لاعتراض المسلمين ومنعهم من المرور بالقوة .. فإنه ﷺ قرر أن يتحاشى الصدام المسلح مع قومه ما أمكنه ذلك حرصًا منه على حقن الدماء التي ليس شيئًا أبغض إليه من إراقتها بدون مبرر وخاصة في تلك الظروف التي لم يأْت فيها لحرب أَو قتال وإنما جاء فقط لزيارة البيت الحرام. ولذلك قرر أن لا يمر في طريقه إلى مكة بالطريق الرئيسي الذي يأتي من ناحية الشمال وينتهي عند حدود الحرم جنوبًا عند التنعيم ثم مكة. غير أنه يظهر أن خالد بن الوليد قائد فرسان المشركين قد سار في طريق التحدى بسرعة مذهلة وبصورة جعلت النبي ﷺ وأصحابه أمام امتحان صعب للغاية. فقد تحرّك خالد بفرسانه من كراع الغميم إلى وادي عُسفان حيث يعسكر النبي ﷺ بالمسلمين، وقصد خالد من ذلك (دونما شك) هو تحدّي المسلمين وإثارتهم، ومحاولة اقتناص فرصة يتمكن فيها قائد سلاح فرسان مكة من ضرب المسلمين فيها ضربة قاتلة. وقد كان تصرُّف خالد المتحدي هذا كافيًا لأن يجعل المسلمين يُعجِّلون بالصدام ويقابلون استفزازات خالد المثيرة بالهجوم عليه، لا سيما وأَنه جاءَ في صورة المهاجم المعترض المتحدي .. نعم لقد كان يمكن أن يحدث ذلك من جانب المسلمين، لولا أنهم عرفوا أن نبيهم ﷺ لا يرغب في مقاتلة قومه ما وجد إلى تجنب هذا القتال سبيلًا. ولهذا كظموا غيظهم أَمام استفزاز وإثارة قائد سلاح فرسان المشركين مع

стр. 1258

قدرتهم التامة على تأْديبه وردعه ووضع حد (بحد السيف) لتحدِّيه واستفزازه. ولقد بالغ خالد بن الوليد الذي كان قائد أَول قوة المشركين يواجهها المسلمون في رحلتهم السلمية التاريخية هذه .. بالغ في التحدِّي والاستفزاز إِلى أَن وقف بخيَّالته المائتين بين المسلمين وبين القبلة وقت أَداءِ الصلاة في عُسفان مستفزًا بذلك مشاعرهم ومستعرضًا عضلات قريش ومُدخلا في روع المسلمين بأَن صنيعه هذا هو أَحد مظاهر قوة قريش العسكرية الضاربة القادرة على منع المسلمين من دخول مكة في صورة من الصور. سلاح فرسان الفريقين في حالة المواجهة: وإِزاءَ تصرف خالد بن الوليد هذا، أَمر النبي ﷺ قائد سلاح فرسان المسلمين (عبّاد بن بشر) أَن يقف بفرسانه إِزاءَ فرسان خالد لصد أَية محاولة قد يقوم بها خالد على حين غرَّة بالهجوم على المسلمين، فصفَّ عباد بن بِشر فرسانه، وبهذا أَصبح خيَّالة الفريقين في حالة مواجهة كاملة. ومع هذا فقد تلقى قائد سلاح فرسان المسلمين (على ما يظهر) أَمرًا من النبي ﷺ بأَن لا يباشر أَي قتال ضد فرسان خالد بن الوليد إِلا في حالة واحدة هي حالة الدفاع عن النفس ومنع أَية محاولة قد يقوم بها خالد للهجوم على النبي وأَصحابه.

стр. 1259

صلاة الخوف في عسفان: وقد اضطر النبي ﷺ إِزاءَ تحفز خيالة المشركين، وتحرشهھم بالمسلمين - أَن يصلي بالمسلمين صلاة الخوف، وهي صلاة خاصة بمن هم في حالة حرب، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها من صور الصلاة المعتادة. خالد يحاول مهاجمة المسلمين وقت الصلاة: وقد حاول قائد فرسان مكة أَن يشن هجومًا كاسحًا على المسلمين وهم في حالة الصلاة، إِلا أَن النبي ﷺ تنبَّه لذلك فصلى بأَصحابه صلاة الخوف، وبهذا أَحبط على خالد بن الوليد خطته التي بها أَراد أن يأْخذ المسلمين علي حين غرَّة فيضربهم وهم في صلاتهم آمنين. قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٥٨٢): (ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فصفَّ خيله فيما بين رسول الله ﷺ وبين القبلة، وهي مائتا فارس، وأَمر رسول الله ﷺ ، عبَّاد بن بشر فتقدم في خيله فقام بإِزائه فصف أَصحابه، فحانت صلاة الظهر فأَذَّن بلال وأَقام، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة وصفَّ وصفَّ الناس خلفه يركع بهم ويسجد، ثم سلم فقاموا ما كانوا عليه من التعبئة، فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرَّة أو كنا حملنا عليهم لأَصبنا منها، ولكن تأْتي الساعة صلاة هي أَحب إليهم من أَنفسهم وأبنائهم (يعني صلاة العصر). (وكان خالد بهذا القول قد قرر الهجوم عليهم وقت صلاة العصر، ولا شك أَنه سينزل بهم خسائر فادحة لو صلوا صلاتهم العادية، ولكن

стр. 1260

النبي ﷺ أَحبط محاولة خالد الغادرة إِذ صلى بأَصحابه صلاة الخوف) قال الواقدي: (فحانت العصر فأَذَّن بلال، وأَقام، فقام رسول الله ﷺ مواجهًا القبلة والعدو وأَمامه وكبر رسول الله ﷺ وكبر الصفان جميعًا، ثم ركع وركع الصفان جميعًا، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونه، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود بالصف الأَول وقاموا معه، سجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأَخر الصف الذي يلونه، وتقدم الصف المؤخر، فكانوا يلون رسول الله ﷺ فقاموا جميعًا، ثم ركع رسول الله ﷺ فركع الصفَّان جميعًا، ثم سجد رسول الله ﷺ وسجد الصف الذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو، فلما رفع رسول الله ﷺ رأْسه من السجدتين سجد الصف المؤخر السجادتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى رسول الله ﷺ جالسًا فتشهد، ثم سلم عليهم، فكان ابن عباس يقول: هذه أَول صلاة صلّاها رسول الله ﷺ في الخوف. وعن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلّاها بعد بعسفان بينهما أَربع سنين (١)، قال الواقدي: وهذا أَثبت عندنا. الحديبية بدلا من التنعيم: ومع كل ما أَقدمت عليه قريش من تحدّ واستفزاز بحشد جيوشها وإعلانها أَنها ستصد المسلمين عن المسجد الحرام، وبالرغم من تكليفها

стр. 1261

قائد سلاح فرسانها خالد بن الوليد باعتراض سبيل المسلمين في الطريق ومحاولة الهجوم عليهم في عُسفان إن أَمكنه ذلك، وهو ما قام به خالد بن الوليد (فعلًا) كما تقدم، الأَمر الذي يعتبر (صراحة) عملًا حربيًّا تقوم به قريش (بغيًا وعدوانًا ضد المسلمين) مع كل هذا قرر النبي ﷺ أَن يتحاشى الصدام المسلح مع خالد بن الوليد الذي قطع الطريق على المسلمين بخيله محاولًا استدراجهم إِلى الاشتباك معه وجرَّهم إلى خوض حرب ما جاؤوا لها ولا يرغبون فيها. وقد كان قرار النبي هذا نابعًا من حرصه على حقن الدماء التي لا مبرر لإِراقتها وخاصة في تلك الظروف التي لم يأْت فيها لحرب وإنما جاءَ (فقط) زائرًا لبيت الله الحرام. لذلك قرر أَن لا يمر (في طريقه إِلى مكة) بالطريق الرئيسي الذي سدَّه خالد بن الوليد بمائتين من الفرسان، والذي لا يمكن للنبي وأَصحابه أَن يمرُّوا به دون أَن يشتبكوا مع خالد وفرسانه في صدام مسلح. لقد كان المفروض أَن يستمر النبي ﷺ وأَصحابه في تحركهم من عسفان نحو الجنوب في اتجاه مكة (عبر التنعيم) (١) وهو الطريق الرئيسي المعتاد أَن يطرقه كل من يقصد مكة من المدينة. ولكنه بناءً على القرار الذي اتخذه بتجنب الاشتباك مع فرسان خالد بن الوليد - وبالتالي بتجنب القتال مع قومه بصورة عامة، ما وجد إِلى ذلك سبيلًا - فقد قرر أَن يغيّر اتجاهه بحيث يمكنه المرور بأَصحابه

стр. 1262

من طريق تقضي بهم إلى مكة دون أَن تمرُّوا بالطريق الذي يرابط فيه خالد بن الوليد بفرسان قريش، فقال ﷺ : (هل من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ ) (١). ثم قال النبي ﷺ آمرًا بتغيير اتجاه السير -: تيامنوا في هذا العمل، فإِن عيون قريش بمرِّ الظهران أَو بضجنان، فأَيكم يعرف ثنية ذات الحَنظل؟ . وبعد أَن سأَل ما إِذا كان أَحد من أَصحابه يعرف طريقًا إِلى مكة لا تمر خيل خالد بن الوليد، ويعرف ثنيّة ذات الحنظل قال بُريدة بن الخصيب الأَسلمي: أَنا يا رسول الله عالم بها. فقال النبي ﷺ : اُسلك أَمامنا. وقد سلك الدليل بالنبي ﷺ وأَصحابه ذات اليمين بعد أَن انحرف بهم عن الجادة، فسلك بهم طريقًا وعرًا غير مطروق، وما زالوا يسيرون في مسالك مجهولة، وعرة حتى أَفضوا إِلى سهل الحديبية، عبر مضيق (ذات الحنظل). النبي وأصحابه يضلون الطريق عدة مرات: وبسبب كون المسالك التي سلكها النبي ﷺ وأَصحابه مهجورة وليست من الطرق المعروفة إلا لدى أَفراد قلائل من بادية المنطقة، لقى النبي وأَصحابه عَناءً شديدًا أَثناءِ مرورهم بهذا الطريق.

стр. 1263

فقد ضلوا الطريق إلى الحديبية ثلاث مرات بعد أَن فشل ثلاثة من بني سُليم (العالمين بمسالك المنطقة) في معرفة هذا الطريق، وتحيّروا فيها، بالرغم من أَنه قد سبق لهم أَن مروا بها عدة مرات. فقد جاءَ في (مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٣)، أَن الدليل الأَول (بريدة بن الخصيب الأَسلمي) قاد النبي وأَصحابه في طريق متعرّج كان قد سلكه عدة مرات قبال جبال سراوع قبال الغرب، فسار قليلًا تنكّبة الحجارة وتعلقه الشجر، وحار حتى كأَنه لم يعرفها قط، فقال بريدة: (وكأَنه أَعلن فشله في معرفة الطريق): فوالله إِن كنت لأَسلكها في الجمعة مررًا. فلما رآه رسول الله ﷺ حائرًا لا يتوجه، قال له: اركب، ثم نادى رسول الله ﷺ : من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل؟ فنزل حمزة، بن عمرو الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فسار قليلًا ثم سقط بهم في خَمر الشجر فلا يدري أَين يتوجه، فقال رسول الله ﷺ اركب، ثم نادى ﷺ مرة أُخرى: من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل، فنزل عمرو بن عبد نهم الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فقال: انطلق أَمامنا، فانطلق عمرو أَمامهم حتى نظر رسول الله ﷺ إِلى الثنية فقال: هذه ثنيّة ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم يا رسول الله، فلما وقف على رأْسها تحدّر به. قال عمرو: والله إنْ كان ليهمني نفسي وجدّي، إِنما كانت مثل الشراك فاتسعت لي حتى برزت وكانت محجة لا حبة، ولقد كان النفر يسيرون تلك الليلة جميعًا معطفين من سعتها يتحدثون.

стр. 1264

الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل: وبعد الخروج من متاعب الضياع في الطريق، وبعد الوصول إِلى ثنيّة ذات الحنظل عند منقطع الوادي، طرف سهل الحديبية أَضاءَت السماءُ الأَرض تلك الليلة حتى كأَن الناس في قمر (لم تكن ليلة مقمرة) فقال رسول الله ﷺ : فوالذي نفسي بيده ما مثل هذه الثنية الليلة مثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: (وادخلوا الباب سجّدًا وقولوا حطة)، وقال الرسول ﷺ : الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل: (لا إِله إِلا الله وادخلوا البابُ سجَّدًا) قال: باب بيت المقدس، فدخلوا من قبل أَستاههم وقالوا: (حبة في شعيرة)، وقال ﷺ : الكلمة التي عرضت على بني إِسرائيل، أَن يقولوا: "نستغفر الله ونتوب إليه". ويقول ابن إِسحاق: إِن النبي ﷺ لما مرَّ بأَصحابه في ذلك الطريق الوعر المهجور الذي شق عليهم وأَرهقهم - وقد أَفضوا إِلى أَرض سهلة عند منقطع الوادي - قولوا: نستغفر الله ونتوب إِليه، فقالوا ذلك، فقال ﷺ : والله إِنها للحطة (١) التي عرضت على بني إِسرائيل، فلم يقولوها (٢). أصحاب الثنية المغفور لهم: قالوا: ثم قال رسول الله ﷺ (وهم يجتازون ثنية ذات الحنظل) هذه الثانية أَحد إِلا غفر الله له.

стр. 1265

قال أَبو سعيد الخدري (١): وكان أَخي لأَمي قتادة بن النعمان (٢) في آخر الناس، قال: فوقفت على الثنية فجعلت أَقول للناس: أَن رسول الله ﷺ قال: (لا يجوز هذه الثنية إِلا غفر له) فجعل الناس (وكانوا أَلفًا وأَربعمائة) يسرعون حتى جاز أَخى في آخر الناس، وفرقت (٣) أَن يصبح قبل أَن يجوز (٤). بعيره أهم إليه من أن يستغفر له الرسول: وعن أَبي سعيد الخدري أَن رسول الله ﷺ قال - حين نزل ليلًا: من كان معه ثقل (٥) فليصطنع (٦)، قال أَبو سعيد الخدري: وإِنما كان عامة زادنا التمر، فقلنا: يا رسول الله، إِنا نخاف من قريش أَن ترانا، فقال ﷺ : إِنهم لن يروكم، إِن الله سيعينكم عليهم، فأوقدوا النيران، واصطنع من أَراد أَن يصطنع، فلقد أَوقدوا أَكثر من خمسمائة نار. فلما أَصبحنا صلى رسول الله ﷺ الصلاة ثم قال: والذي نفسي بيده، لقد غفر الله للركب أَجمعين وإِلا رويكبًا واحدًا على جمل أَحمر، التقت عليه رجال القوم ليس منهم، فطلب في العسكر وهو يظن أَنه من أَصحاب رسول الله ﷺ فإِذا به ناحية إِلى ذرى سعيد بن عمرو بن نفيل من بني ضمرة أَهل سيف البحر، فقيل لسعيد:
следующие страницы →