قائد سلاح فرسانها خالد بن الوليد باعتراض سبيل المسلمين في الطريق ومحاولة الهجوم عليهم في عُسفان إن أَمكنه ذلك، وهو ما قام به خالد بن الوليد (فعلًا) كما تقدم، الأَمر الذي يعتبر (صراحة) عملًا حربيًّا تقوم به قريش (بغيًا وعدوانًا ضد المسلمين) مع كل هذا قرر النبي ﷺ أَن يتحاشى الصدام المسلح مع خالد بن الوليد الذي قطع الطريق على المسلمين بخيله محاولًا استدراجهم إِلى الاشتباك معه وجرَّهم إلى خوض حرب ما جاؤوا لها ولا يرغبون فيها.
وقد كان قرار النبي هذا نابعًا من حرصه على حقن الدماء التي لا مبرر لإِراقتها وخاصة في تلك الظروف التي لم يأْت فيها لحرب وإنما جاءَ (فقط) زائرًا لبيت الله الحرام.
لذلك قرر أَن لا يمر (في طريقه إِلى مكة) بالطريق الرئيسي الذي سدَّه خالد بن الوليد بمائتين من الفرسان، والذي لا يمكن للنبي وأَصحابه أَن يمرُّوا به دون أَن يشتبكوا مع خالد وفرسانه في صدام مسلح.
لقد كان المفروض أَن يستمر النبي ﷺ وأَصحابه في تحركهم من عسفان نحو الجنوب في اتجاه مكة (عبر التنعيم) (١) وهو الطريق الرئيسي المعتاد أَن يطرقه كل من يقصد مكة من المدينة.
ولكنه بناءً على القرار الذي اتخذه بتجنب الاشتباك مع فرسان خالد بن الوليد - وبالتالي بتجنب القتال مع قومه بصورة عامة، ما وجد إِلى ذلك سبيلًا - فقد قرر أَن يغيّر اتجاهه بحيث يمكنه المرور بأَصحابه
стр. 1262
من طريق تقضي بهم إلى مكة دون أَن تمرُّوا بالطريق الذي يرابط فيه خالد بن الوليد بفرسان قريش، فقال ﷺ : (هل من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ ) (١).
ثم قال النبي ﷺ آمرًا بتغيير اتجاه السير -: تيامنوا في هذا العمل، فإِن عيون قريش بمرِّ الظهران أَو بضجنان، فأَيكم يعرف ثنية ذات الحَنظل؟ .
وبعد أَن سأَل ما إِذا كان أَحد من أَصحابه يعرف طريقًا إِلى مكة لا تمر خيل خالد بن الوليد، ويعرف ثنيّة ذات الحنظل قال بُريدة بن الخصيب الأَسلمي: أَنا يا رسول الله عالم بها. فقال النبي ﷺ : اُسلك أَمامنا.
وقد سلك الدليل بالنبي ﷺ وأَصحابه ذات اليمين بعد أَن انحرف بهم عن الجادة، فسلك بهم طريقًا وعرًا غير مطروق، وما زالوا يسيرون في مسالك مجهولة، وعرة حتى أَفضوا إِلى سهل الحديبية، عبر مضيق (ذات الحنظل).
النبي وأصحابه يضلون الطريق عدة مرات:
وبسبب كون المسالك التي سلكها النبي ﷺ وأَصحابه مهجورة وليست من الطرق المعروفة إلا لدى أَفراد قلائل من بادية المنطقة، لقى النبي وأَصحابه عَناءً شديدًا أَثناءِ مرورهم بهذا الطريق.
стр. 1263
فقد ضلوا الطريق إلى الحديبية ثلاث مرات بعد أَن فشل ثلاثة من بني سُليم (العالمين بمسالك المنطقة) في معرفة هذا الطريق، وتحيّروا فيها، بالرغم من أَنه قد سبق لهم أَن مروا بها عدة مرات.
فقد جاءَ في (مغازي الواقدي ج ٢ ص ٥٨٣)، أَن الدليل الأَول (بريدة بن الخصيب الأَسلمي) قاد النبي وأَصحابه في طريق متعرّج كان قد سلكه عدة مرات قبال جبال سراوع قبال الغرب، فسار قليلًا تنكّبة الحجارة وتعلقه الشجر، وحار حتى كأَنه لم يعرفها قط، فقال بريدة: (وكأَنه أَعلن فشله في معرفة الطريق): فوالله إِن كنت لأَسلكها في الجمعة مررًا.
فلما رآه رسول الله ﷺ حائرًا لا يتوجه، قال له: اركب، ثم نادى رسول الله ﷺ : من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل؟ فنزل حمزة، بن عمرو الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فسار قليلًا ثم سقط بهم في خَمر الشجر فلا يدري أَين يتوجه، فقال رسول الله ﷺ اركب، ثم نادى ﷺ مرة أُخرى: من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل، فنزل عمرو بن عبد نهم الأَسلمي فقال: أَنا يا رسول الله أَدلّك، فقال: انطلق أَمامنا، فانطلق عمرو أَمامهم حتى نظر رسول الله ﷺ إِلى الثنية فقال: هذه ثنيّة ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم يا رسول الله، فلما وقف على رأْسها تحدّر به. قال عمرو: والله إنْ كان ليهمني نفسي وجدّي، إِنما كانت مثل الشراك فاتسعت لي حتى برزت وكانت محجة لا حبة، ولقد كان النفر يسيرون تلك الليلة جميعًا معطفين من سعتها يتحدثون.
стр. 1264
الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل:
وبعد الخروج من متاعب الضياع في الطريق، وبعد الوصول إِلى ثنيّة ذات الحنظل عند منقطع الوادي، طرف سهل الحديبية أَضاءَت السماءُ الأَرض تلك الليلة حتى كأَن الناس في قمر (لم تكن ليلة مقمرة) فقال رسول الله ﷺ : فوالذي نفسي بيده ما مثل هذه الثنية الليلة مثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: (وادخلوا الباب سجّدًا وقولوا حطة)، وقال الرسول ﷺ : الكلمة التي عرضت على بني إسرائيل: (لا إِله إِلا الله وادخلوا البابُ سجَّدًا) قال: باب بيت المقدس، فدخلوا من قبل أَستاههم وقالوا: (حبة في شعيرة)، وقال ﷺ : الكلمة التي عرضت على بني إِسرائيل، أَن يقولوا: "نستغفر الله ونتوب إليه".
ويقول ابن إِسحاق: إِن النبي ﷺ لما مرَّ بأَصحابه في ذلك الطريق الوعر المهجور الذي شق عليهم وأَرهقهم - وقد أَفضوا إِلى أَرض سهلة عند منقطع الوادي - قولوا: نستغفر الله ونتوب إِليه، فقالوا ذلك، فقال ﷺ : والله إِنها للحطة (١) التي عرضت على بني إِسرائيل، فلم يقولوها (٢).
أصحاب الثنية المغفور لهم:
قالوا: ثم قال رسول الله ﷺ (وهم يجتازون ثنية ذات الحنظل) هذه الثانية أَحد إِلا غفر الله له.
стр. 1265
قال أَبو سعيد الخدري (١): وكان أَخي لأَمي قتادة بن النعمان (٢) في آخر الناس، قال: فوقفت على الثنية فجعلت أَقول للناس: أَن رسول الله ﷺ قال: (لا يجوز هذه الثنية إِلا غفر له) فجعل الناس (وكانوا أَلفًا وأَربعمائة) يسرعون حتى جاز أَخى في آخر الناس، وفرقت (٣) أَن يصبح قبل أَن يجوز (٤).
بعيره أهم إليه من أن يستغفر له الرسول:
وعن أَبي سعيد الخدري أَن رسول الله ﷺ قال - حين نزل ليلًا: من كان معه ثقل (٥) فليصطنع (٦)، قال أَبو سعيد الخدري: وإِنما كان عامة زادنا التمر، فقلنا: يا رسول الله، إِنا نخاف من قريش أَن ترانا، فقال ﷺ : إِنهم لن يروكم، إِن الله سيعينكم عليهم، فأوقدوا النيران، واصطنع من أَراد أَن يصطنع، فلقد أَوقدوا أَكثر من خمسمائة نار. فلما أَصبحنا صلى رسول الله ﷺ الصلاة ثم قال: والذي نفسي بيده، لقد غفر الله للركب أَجمعين وإِلا رويكبًا واحدًا على جمل أَحمر، التقت عليه رجال القوم ليس منهم، فطلب في العسكر وهو يظن أَنه من أَصحاب رسول الله ﷺ فإِذا به ناحية إِلى ذرى سعيد بن عمرو بن نفيل من بني ضمرة أَهل سيف البحر، فقيل لسعيد:
стр. 1266
إن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا. قال سعيد للضَّمري: ويحك، اذهب إِلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، قال: بعيري والله أَهمُّ إِليّ من أَن يستغفر لي - وإِذا هو قد أَضلّ بعيرًا له يتبع العسكر يتوصل بهم ويطلب بعيره - وأَنه لفي عسكركم فأَدُّوا لي بعيري. فقال سعيد: تحوَّل عني لا حيَّاك الله إِلا لا أَرى قربى إِلا داهية، وما أَشعر به.
فانطلق الأَعرابي يطلب بعيره بعد أَن استبرأَ العسكر، فبينا هو في جبال سراوع إِذ زلقت نعله فتردّى فمات فما علم به حتى أكلته السباع (١).
عودة خالد إلى مكة:
وبعد أَن تأَكد لدى خالد بن الوليد أَن النبي ﷺ قد التف حوله ذات اليمين وأَنه قد وصل بأَصحابه إِلى سهل الحديبية (عبْر ذلك الطريق الوعر الغير المسلوك)، وأَنه يعتزم دخول الحرم من ناحية الغرب (عبر الحديبية) أَغاظه ذلك، لأَن النبي بانحرافه ذات اليمين فوَّت على خالد الفرصة إِذ نسف خطته المحكمة التي رسمها لملاقاة المسلمين وضربهم في موقع استراتيجي اختاره هو وعسكر فيه بفرسانه لينقَضَّ منه على المسلمين حالة وصولهم.
ولقد كرَّ خالد بفرسانه راجعًا إِلى مكة ليُبلغَ قادة قريش بما حدث ويتلقى منهم تعليمات جديدة بعد أَن نسف: الرسول ﷺ خطته الأَساسية باتجاهه بأَصحابه نحو الحديبية بدلًا من التنعم الطريق
стр. 1267
[خريطة]
(١) الطريق الذي سلكه الرسول ﷺ إلى الحديبية عن الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة.
стр. 1268
الطبيعي الرئيسي والأَقرب لمن يريد مكة قادمًا من المدينة (انظر خريطة الحرم).
لم يكن النبي ﷺ يقصد بتحاشي الصدام مع فرسان خالد في كراع الغمام علي الطريق الرئيسي ... لم يكن يقصد التراجع عن دخول مكة لأَداء مناسك العمرة .. وإنما يقصد التنزُّه عن سفك الدم وإعطاء قريش فرصة أطول لعلها تعود إلى صوابها، فتخلِّي بينه وأَصحابه وبين البيت ليطوفوا به ويسعوا سالمين ثم يعودوا من حيث أَتوا سالمين كما هي خطتهم منذ تحركوا من المدينة.
ومع رغبة النبي ﷺ في تجنب الحرب .. وابتعاده لذلك عمّا يؤدّي إلى الصدام المسلح كما فعل عندما تحاشي المرور بفرسان خالد في كراع الغميم .. مع ذلك فقد ظل الجو مكهربًا والموقف على غاية من الدقة.
فالمسلمون قد قطعوا أكثر من مائتين وخمسين ميلًا محرمين بالعمرة, وها هم بعد ذلك السفر الشاق قد وصلوا حدود الحرم ولم يبق بينهم وبين البيت العتيق الذي خرجوا لزيارته سوى عدة أَميال لا تزيد على العشرة.
ومن الصعب عليهم جدًّا، أن يعودوا إلى المدينة دون أَن يحققوا أمنيتهم التي قطعوا كل هذه المسافات الطويلة الشاقة من أجل تحقيقها وهي زيارة البيت العتيق.
وقريش من ناحيتها قد أقسمت أن لا يدخل محمد وأصحابه مكة عَنْوةً .. وحشدت لتبر بهذا القسم الآثم كل إمكاناتها العسكرية، كما
стр. 1269
استنفرت كل حلفائها من ثقيف والأحابيش ليقفوا إلى جانبها ضد المسلمين.
وها هي تغدو وتروح ينزو بها الغضب ويشتط بها الكفر ويجمح بها الشرك .. قد لجَّت في العناد وأمعنت في البغي، قد أخذ الشيطان مقودها وسار بها في دروب العناد والمكابرة.
فقد خرجت بجيوشها التي كانت ترابط بالقرب من التنعيم شمال مكة حيث من المنتظر أَن يمر النبي ﷺ بأصحابه إلى مكة .. خرجت بجيوشها إلى منطقة الحديبية وعسكر بها داخل الحرم بالقرب من الحديبية مصممة على منع النبي وأصحابه من اجتياز حدود الحرم بقوة السلاح تساندها قوات كبيرة من حلفائها ثقيف والأحابيش.
حابس الفيل:
وبهذا أصبحت الحرب بين الفريقين قاب قوسين أو أدنى .. بعد أَن أصبح كل منهما قريبًا من الآخر، فالنبي ﷺ وأصحابه بعد أَن أفضى بهم الدليل من الطريق الفرعي إلى سهل الحديبية غربي الحرم. أخذوا في التحرك نحو مكة مصممين على دخولها معتمرين ومصرِّين على مقاتلة قريش إن هي حاولت منعهم بالحرب.
غير أنه وبينما كان ﷺ يقترب وأصحابه من حدود الحرم (في منطقة الحديبية)، حدث حادث عجيب عاقه عن اجتياز حدود الحرم.
وكأَنَّ الله تعالى أراد بذلك الحادث العجيب أَن يجنِّب الفريقين مأْساة مجزرة رهيبة، كانت وشيكة الحدوث، لو اجتاز النبي ﷺ ، بأَصحابه حدود الحرم نحو مكة.
стр. 1270
فقد بركت ناقته (القَصْوى) وكانت من أَجود النوق المطاويع .. . بركت القصوى مكانها بالقرب من حدود الحرم، ولم تنهض من مبركها بالرغم من محاولة إنهاضها، فظن الناس أنها تعبت فعجزت، فقالوا: خلأَت القصوى (أي حرنت) (١)، فقال النبي ﷺ : ما خلأَت وما هو لها بخُلُق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. ثم قال ﷺ (بعد أَن أَدرك ما لم يدركه غيره): والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها (٢)، رواية: لا يسألوني (أي قريش) اليوم خطة فيها تعظيم حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها (٣).
وهذا إِعلان صريح من النبي الأعظم ﷺ بأنه مستعد (من أجل حقن الدماء ي الحرم) للتفاوض مع قريش إلى أَبعد الحدود، وأنه سيبذل كل ما في وسعه للحيلولة دون إراقة الدماء ما وجد إلى ذلك سبيلا.
ثم زجر ناقته فقامت، فعاد بها راجعًا عوده على بدئه (٤) آمرًا أصحابه بالنزول في الحديبية، وقرّر عدم اجتياز حدود الحرم وأَصدر بذلك أمرًا حتى إشعار آخر.
فأطاع أصحابه (وعددهم أَلف وأَربعمائة) أوامره فنزلوا على بئر في الحديبية، ويظهر أنها البئر التي يراها اليوم الذاهب إلى على يمينه بالقرب من أعلام الحرم في الشميسي.
стр. 1271
هكذا (وبالرغم من أَن النبي ﷺ قادر على اقتحام مكة عنوة بما لديه من قوات قادرة على قهر المشركين ... تعرف قريش ما سيصيبها من دمار على يدها إذا ما التحمت معها في صدام مسلح) فإنه ﷺ - رغبة منه في حقن الدماء - قد آثر التريُّث، وظل برجاله معسكرًا خارج حدود الحرم في انتظار ما تأْتي به الأقدار، مما يمكن أَن تكون فيه مصلحة الفريقين.
فلعل عقلاء قريش يہكبحون من جماح سفهاء قومهم وغلاتهم - فيتخلون عن فكرة استخدام القوة لصد المسلمين عن زيارة البيت، فيؤدِّي المسلمون العمرة دونما إراقة قطرة دم، ثم يعودون إلى عاصمتهم المدينة التي لم يخرجوا منها إلا لزيارة البيت.
وبالرغم من التزام النبي ﷺ جانب التسامح وسلوكهـ سبيل التريث ضنًا بالدماء من أَن تراق في الحرم، فقد استمرت قريش في عنادها، فأَبقت قواتها بجانب المسلمين في حالة استنفار عام .. بل لقد ذهبت في الشطط والغرور إلى أبعد من ذلك، حيث حاول بعض سفهاء المشركين الهجوم على المسلمين وأخذهم على حين غرّة في الظلام.
إلا أَن الصحابة الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية بقيادة رئيس الحرس محمد بن مسلمة الأنصاري، أحبطوا مؤامرة هؤلاء السفهاء، وحالوا بينهم وبين التسلل إلى معسكرات المسلمين التي اعتزموا التسلل إليها ليلا للقتل والاغتيال، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
فصائل حراسة المسلمين:
وعندما وصل النبي ﷺ إلى سهل الحديبية وقرر التريّث والانتظار فيها - ونظرًا لحالة التوتر الشديد التي نجمت نتيجة بغي قريش
стр. 1272
وتعنتها وتهديدها المسلمين بمنعهم من دخول الحرم عن طريق الحرب - فقد أمر بإنشاء ثلاث كتائب من أصحابه للقيام بأعمال الحراسة في الحديبية لصد أَي عدوان قد يقوم به الطائشون من القرشيين.
وكان قادة فصائل الحراسة هذه ثلاثة كلهم من الأنصار وهم:
١ - عبّاد بن بشر.
٢ - أوس بن خولى.
٣ - محمد بن مسلمة.
وكان هؤلاء القادة الثلاثة يبيتون يحرسون معسكر المسلمين بالتناوب كل ليلة يحرس واحد من رجاله المعسكر، يقوم بأعمال الدورية حول المعسكر حتى الصباح (١).
معجزة الرسول في الحديبية:
وعندما عاد النبي ﷺ بأصحابه إلى الحديبية بعد أَن قرر عدم التعجل في دخول مكة، وأعلن ما يمكن تسميته فتح باب المفاوضة لإيجاد حل سلمي للمشكلة التي بلغت بينه وبين قومه حل الانفجار وذلك بقوله: "والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطَّة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" (٢).
стр. 1273
عندما عاد إلى الحديبية نزل بأَصحابه على بئر ليس فيها من الماء إلا شيء يسير، تسابق إليه الصحابة كل يريد أَن يشرب ويسقى فرسه أو بعيره، فوجدوا أَن الماءَ الذي في البئر لا يكفي لإرواء عطش نفر قليل، وكان الصحابة ألفًا وأربعمائة أكثرهم راكبًا.
وقد تفاقم الأَمر واشتدت أزمة الماء إلى درجة خطيرة أصبحت معها حياة الصحابة ومواشيهم مهددة، لا سيما إذا أَخذنا بعين الاعتبار أنهم سيقومون بالحديبية مدة غير قصيرة، وأنه لا يوجد مصدر للماء في تلك المنطقة، وما يمكن الالتجاء إليه من مياه قريبة من الحديبية قد سيطر عليها القرشيون ومن المستحيل في ذلك الظرف المتوتر (غاية التوتر) أَن يسمحوا للمسلمين بالسقيا منها.
وعندما بلغت أزمة الماء غايتها وحار الصحابة ماذا يصنعون جاؤوا إلى رسول الله ﷺ واشتكوا له ما يعانون من نقص خطير في الماء، فلجأَ إلى ربه ، ثم أمر أحد أصحابه بأَن ينزل في عين البئر الشحيحة بالماء وأَن يغرز فيها سهمًا أعطاه إياه بيده الشريفة، ولم يكد صاحبه يغرز السهم في عين البئر حتى تدفقت منها المياه بغزارة إلى درجة أَن امتلأت البشر بالماء، فارتوى الصحابة وأرووا خيلهم، وبهذا حل الله مشكلة الماء الخطيرة، وعادت إلى الصحابة طمأنينتهم الكاملة، وتعاظم إيمانهم بنبيهم العظيم ﷺ .
فقد جاء في كتب الحديث والتاريخ أَن النبي ﷺ لما عاد راجعًا بأصحابه إلى الحديبية - وكان قد اتجه نحو مكة - نزل بالناس على
стр. 1274
ثمد (١) من ثماد الحديبية ظنون (٢) قليل من الماء تبرضًا (٣)، فاشتكى الناس إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فانتزع سهمًا من كنانته فأمر به فغرز في الثّمد فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه (٤) بعطن (٥) قال: وإنهم ليغرفون بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر، والذي نزل بالسهم في البئر ناجية بن الأعجم (٦) من أسلم، ويقال إن الذي نزل بالسهم في البئر حتى جاشت هو ناجية بن جندب الأسلمي (٧).
فكان ناجية بن الأعجم يحدّث فيقول: دعاني رسول الله ﷺ حين شُكي إليه قلة الماء، فأَخرج سهمًا من كنانته ودفعه إليّ ودعاني بدلو منم ماء البئر, فجئته به فتوضَّأ, فقال: مضمض فاه, ثم مجَّ في الدلو، والناس في حر شديد وإنما هي بئر واحدة وقد سبق المشركون إلى بلدح فغلبوا على مياهه، فقال: انزل بالماء فصبه في البئر وأثِّر (٨) ماءُها بالسهم، ففعلت فوالذي بعثه بالحق ما كنت أَخرج حتى كاد يغمرني، وفارت كما تفور القدر حتى طمّت، واستوت بشفيرها يغترفون ماءَ من جانبها حتى نهلوا من آخرهم.
стр. 1275
موقف المنافقين من هذه المعجزة:
وقد كان نفر من المنافقين (عبد الله بن أبيّ (١) والجد بن قيس (٢) حاضرين عندما جاشت البئر بالماء، فدار بينهم نقاش حول المعجزة النبوية، وقد لام بعضهم عبد الله بن أُبَيّ، على التمسك بالسير في خط النفاق بعد الذي رأَوا بأَعينهم. ولكنه أصرَّ على أَن يبقى وأصحابه في عماءِ النفاق.
قال ناجية بن الأعجم: وكان على لماء يومئذ نفر من المنافقين، الجد بن قيس وأوس، وعبد الله بن أبي، وهم جلوس ينظرون إلى الماء، والبئر تجيش بالرواء وهم جلوس على شفيرها، فقال أوس بن خولى (٣) لعبد الله بن أبي: ويحك يا أبا الحباب، أما آن لك أَن تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شيء؟ وردنا بئرًا يتبڑرَّض ماؤهھا - يتبرّض: يخرج في القعب جرعة ماءٍ - فتوضأ رسول الله ﷺ في الدلو ومضمض فاه في الدلو، ثم أفرغ الدلو فيها ونزل بالسهم فحثحثها فجاشت بالرواء. قال: يقول ابن أُبَيّ: قد رأَيت مثل هذا، فقال: أوس: قبَّحك الله وقبَّح رأيك.
стр. 1276
نموذج من نفاق ابن أُبي:
وقد بلغ رسول الله ﷺ عدم تسليم عبد الله بن أُبي بمعجزته ﷺ ، الآنفة الذكر وسخريته منها أثناء مناقشة أوس بن خولى له.
ولذلك عندما جاء عبد الله بن أبي إلى مجلس رسول الله ﷺ (وكان ابن أُبي سيدًا من سادات الخزرج)، قال له النبي ﷺ : (أَي أَبا الحباب، أَين رأَيت مثل ما رأَيت اليوم؟ ) فقال: ما رأَيت مثله. قط، فذكَّره النبي ﷺ بما قاله لأوس بن خولى قائلا: (فلم قلت ما قلت؟ ) فلم ينكر ابن أبي مقالته النكراء, بل أُسقط في يده فقال (ليتجنب نقمة المسلمين): أستغفر الله، قال ابنه عبد الله بن عبد الله: (وكان من أبرّ وأصلح شباب الصحابة: استغفر له يا رسول الله, فاسغفر له ﷺ .
مقالة الجد بن قيس المنافق:
وكان الجد بن قيس زعيمًا في قومه الأنصار، وكان لا يبعد عن ابن أُبَي من حيث النفاق والبغض للنبي ﷺ ولكنه خرج معه ليس للعمرة، وإنما لتخذيل الناس عنه وبث الفتنة في نفوسهم إن أمكنه ذلك.
فقد ذكر الواقدي عن أبي قتادة أنه قال: لما نزلنا على الحديبية، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ما كان خروجنا إلى هؤلاء القوم بشيء، نموت من العطش عن آخرنا، قال أبو قتادة: قلت لا تقل هذا يا أبا عبد الله، فلم خرجت؟ قال: خرجت مع قومي: فلم تخرج معتمرًا؟ قال: لا والله ما أحرمت. قال أبو قتادة: ولا نويت
стр. 1277
العمرة؟ قال: لا، فلما دعا رسول الله ﷺ الرجل فنزل بالسهم، وتوضأ رسول الله ﷺ في الدلو ومج فاه فيه، ثم ردَّه في البئر فجاشت البئر بالرواء, قال أبو قتادة: فرأَيت الجد مادًّا رجليہهـ على شفير البئر في الماءِ، فقلت: أبا عبد الله أين ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئًا. قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرته قبل ذلك للنبي ﷺ قال: فغضب الجد وقال: بقينا مع صبيان من قومنا لا يعرفون لنا شرفًا ولا سنًّا، لبطن الأَرض اليوم خير من ظهرها، قال أبو قتادة: وقد كنت ذكرت قوله للنبي ﷺ ، فقال: ﷺ ابنه خير منه. قال أَبو قتادة: فلقيني نفر من قوي فجعلوا يؤنِّبونني ويلومونني حين رفعت مقالته إلى رسول الله ﷺ ، فقلت لهم: بئس القوم أنتم، ويحكم، عن الجد بن قيس تذبون؟ قالوا: نعم، كبيرنا وسيدنا. فقلت: وقد والله طرح رسول الله ﷺ سؤدده عن بني سلمة، وسوَّد علينا بِشر بن البرَاء بن معرور (١)، وهدمنا المنامات التي كانت على باب الجد وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم القيامة.
يمتنع عن المبايعة تحت الشجرة:
وقال أبو قتادة: فلما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة (في الحديبية) فرَّ الجد بن قيس، فدخل تحت بطن البعير، فخرجتُ أَعدو، وأخذت بيد رجل كان يكلمني فأَخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك ما أدخلك ها هنا؟ أفرارًا مما نزل به الروح القدس؟ قال: لا، ولكني
стр. 1278
رعبت وسعيت الهيعة (١) قال الرجل: لا نضحت عنك أَبدًا، وما فيك خير، فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت، لزم أَبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن، فقيل له في ذلك، فقال: والله ما كنت لأُصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبية: كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك: كذا وكذا واستحيت من قومي يروني خارجًا ولا أَشهده (٢).
الغلام الذي أعجب الرسول بفصاحته:
كانت قبيلة خزاغة اليمنية (مسلمها وكافرها) على ولاء المسلمين ولهذا فإن النبي ﷺ وأصحابه لما نزلوا الحديبية (وكانت قريبة من منازل خزاعة) أَحبت خزاعة إظهار مشاعر الود والصداقة للمسلمين فأَهدى عمرو بن سالم (٣) وبسر بن سفيان الخزاعيان غنمًا وجزورًا للمسلمين أَهدى عمرو، وبُسْر غنمًا لرسول الله ﷺ وأَهدى عمرو بن سالم جَزورًا لسعد بن عبادة، وكان صديقًا له، فجاء سعد بالغنم إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ : وعمرو قد أَهدى لنا ما ترى فبارك الله في عمرو (٤).
стр. 1279
قال الواقدي: (المغازي ج ٢ ص ٥٩٢)، وكان الذي جاء بالهدية غلام منهم، فأَجلسه رسول الله ﷺ بين يديه، والغلام في بردة بلية، فقال: يا غلام، أَين تركت أَهلك؟ قال: تركتهم بضجنان وما والاه. فقال: كيفَ تركت البلاد؟ فقال الغلام: تركتها وقد تيسرت, قد أَمشر (١) عضاها، وأَغدق إذخزها (٢) وأَسلب ثمامها (٣) وأَبقل حمضها (٤) وانبلَّت الأَرض فتشبعت شاتها إلى الليل، وشبع بعيرها إلى الليل مما جمع من خوص وضمد الأَرض (٥) وبقل ... وتركت مياههم كثيرة تشرع فيها الماشية، وحاجة الماشية إلى الماء قليل لرطوبة الأَرض، فأَعجب رسول الله ﷺ لسانه، فأَمر رسول الله ﷺ بكسوة للغلام، وقال الغلام: إني أُريد أَن أَمسّ يدك أَطلب بذلك البركة، فقال رسول الله: أَدن مني، فدنا فأخذ يد رسول الله ﷺ فقبّلهھا، ومسح رسول الله ﷺ على رأْسه وقال: بارك الله فيك فكان قد بلغ (الغلام) سنًّا، وكان له فضل وحال في قومه حتى توفي زمن الوليد بن عبد الملك اهـ.
النبي يبلع قريشًا نواياه السلمية رسميًّا:
وعندما استقر المقام بالنبي ﷺ في الحديبية، (ولما كان قد استبعد فكرة الحرب (أَساسًا) منذ خروجه من المدينة) بعث إلى قريش
стр. 1280
من يبلغهم رسميًّا, أَنه ﷺ لم يأْت للحرب، وإنما جاءَ مسالمًا, لا هدف له من مجيئه سوى أَداءِ مناسك العمرة ثم الانصراف بعد ذلك إلى المدينة، وطلب من مبعوثه الخاص (خِراش بن أُميَّة الكعبي (١) في رسالة شفوية حمَّله إياها إلى قريش) أن يبلغهم ذلك، ويحاول إِقناعهم بأَن يتركوا التصلب، فلا يتسببوا في إثارة حرب مدمرة لا ضرورة لها، وذلك بأَن يخلوا بينه وأَصحابه وبين مكة ليقضوا مناسكهم ثم يعودوا إلى المدينة.
وكان مبعوث النبي ﷺ إلى قريش رجلًا من خزاعة (جارة قريش والتي ليست على خلاف معها بل كانت أَقرب ما تكون إلى الحياد).
وقد ذهب خراش بن أُمية - الذي يمكن تسميته بمبعوث السلام - ذهب إلى قريش حيث تعسكر بقضها وقضيضها وحلفائها ونسائها - وأطفالها في وادي بَلدح .. ذهب ليبلغها عرض الرسول ﷺ المتضمن دعوتها إلى التخلي عن فكرة الحرب والجنوح إلى السلم، ولكن مبعوث السلام لم يكد يصل إلى معسكر قريش ليبلغ أَشرافها رسالة النبي ﷺ ، حتى حال بينه وبين ذاك المتهوِّرون منهم، فهاجموه وعقروا الجمل الذي كان يركبه وحاولوا قتله، لولا أَن حماه عقلاؤهم من ذلك، وكان الذي حاول قتله عكرِمة بن أَبي جهل.
стр. 1281
قال الواقدي: وكان أَول من بعث رسول الله ﷺ إلى قريش - خراش بن أُميَّة الكعبي على جمل لرسول الله ﷺ يقال له الثعلب, ليبلِّغ أشرافهم عن رسول الله ﷺ ما جاءَ له ويقول: إنما جئنا معتمرين معنا الهَدْي معكوفًا، فنطوف بالبيت ونحلّ وننصرف، فعقروا جمل النبي ﷺ ، والذي ولى عقره عكرمة بن أَبي جهل وأَراد قتله، فمنعه مَنْ هناك من قومه حتى خلوا سبيله، فرجع إلى النبي ﷺ ولم يكد، فأَخبر النبي ﷺ بما لقى فقال: يا رسول الله ابعث رجلًا أَمنع مني (١)
وسيط السلام الأول:
ويذكر المؤرخون أن أول وفد من عرب المنطقة المجاورة للحرم قابل النبي ﷺ هو وفد خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح (٢) رسول الله ﷺ بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع (٣) لا يخفون عليه بتهامة شيئًا.
فقد جاءَ الوفد منهم برئاسة بُديل بن ورقاءَ فسلموا على رسول الله ﷺ ثم قال بُدَيل بن ورقاءَ - وكأَنه يحاول التوسط لتخفيف حدة التوتر بين الفريقين -: قد جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد استنفروا لك الأَحابيش ومن أَطاعهم، معهم العُوذ
стр. 1282
المطافيل - النساء والصبيان - يقسمون بالله لا يخاون بينك وبين البيت حتى تَبيدَ خضراؤهم.
وقد أَجاب النبي ﷺ على الوسيط سيد خزاعة بقوله ﷺ : "إِنَّا لم نأْتِ لقتال أَحد، إِنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا قاتلناه، وقريشٌ قوم قد أَضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأْمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس، والناس أَكثر منهم، فإِن ظهر أَمري على الناس كانوا بين أَن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أَو يقاتلوا وقد جمعوا، والله لأَجهدنَّ على أَمري هذا حتى تنفرد سالفتي (١) أَو ينفذ الله أَمره".
بديل بن ورقاء يتأثر بقول النبي ﷺ وينصح قريشًا بقبول عرضها السلمي:
ويظهر أَنَّ سيد خزاعة لم يأْت وسيطًا من قبل قريش، وإنما جاءَ من تلقاءِ نفسه باذلًا مساعيه الحميدة ليكون داعية سلام بين الفريقين، كزعيم له وزنه وتأْثيره، لا يزال في موقف المحايد، خارجًا عن دائرة الصراع بين المسلمين وقريش، لأَنه لم يكن حتى تلك الساعة قد أَسلم، وإنما كانت بہينه وبين النبي ﷺ اتفاقية موادعة (معاهدة عدم إعتداءٍ) كما أَنه وقومه ليسوا في حالة حرب مع قريش.
والمتعمق فيما قاله النبي ﷺ لوسيط السلام بُدَيل بن ورقاءَ يجد
стр. 1283
أَنه قول يحمل كل معاني الحصافة والمرونة والاتزان مع إعلان الثقة والقدرة العسكرية.
فهذا الرد النبوي الكريم يضمن الرغبة الصادقة الأَكيدة في السلم وحقن الدماءِ، إلا أَنه في الوقت نفسه يتضمن التصريح بعدم الخوف من الحرب، بل الترحيب بها إذا ما فرضتها قريش الشرك على المسلمين وعلى نفسها، بغيًا وبطرًا، كما تضمن الرد النبوي إبلاغ قريش بأَن تزيل من مخيِّلتها (وإلى الأَبد) فكرة الأَمل في أَية تنازلات يعطيها النبي ﷺ على حساب الإِخلال بجوهر دعوته, مهما كانت الظروف والأَحوال.
ولقد وعى بديل بن ورقاءَ ما سمع من النبي ﷺ بل وتأَثَّر به غاية التأَثر، وكان عمرو بن سالم الذي كان ضمن الوفد الخزاعي، أَحد الذين تأَثَّروا بما سمع من النبي ﷺ من دعوة صادقة إلى السلام إلى درجة أَنه كان يقول (وهو عائد مع بُدَيل وكأَنه يخاطب قريشًا): والله لا تُنصَرون على من يعرض هذا أبدًا (يعني العرض السلمي الذي كلَّف النبي ﷺ بُدَيل بن ورقاءَ - ضمنًا - أَن يعرضه على قريش حين يلقاها.
يطلبون مقاطعة الوفد الخزاعي:
وقبل أَن يصل ساعي السلام بُدَيل بن ورقاءَ ووفده إلى معسكر قريش في وادي (بَلْدح) حاول بعض المتطرفين من سادات قريش الشباب حمل قريش على مقاطعة وفد السلام لأَنهم أَدركوا سلفًا أَنه ما جاءَ إلا ساعيًا لإِحلال السلام والعمل على منع نشوب الحرب بين النبي
стр. 1284
وقومه، فقد قال هؤلاء المتطرفون: هذا بدَيل وأَصحابه إنما جاؤوا يريدون أَن يستخبروكم، فلا تسأَلوهم عن حرف واحد.
فلما رأَى بُدَيل وأصحابه أَنهم لا يستخبرونهم قال بُديل: إِنا جئنا من عند محمد، أَتحبُّون أَن نخبركم؟ فقال عِكرِمة بن أَبي جهل والحكم بن العاص: لا والله ما لنا حاجة بأَن تخبرنا عنه، ولكن أَخبروه عنا أَنه لا يدخلها علينا عامه هذا أَبدًا حتى لا يبقى منا رجل.
وكان عروة بن مسعود سيد ثقيف حاضرًا يسمع ما يدور من حديث بين وفد خزاعة والمتطرفين من قريش، لأَن عروة حليف قريش، وجاءَ من الطائف بقومه ليساندها عسكريًّا ضد المسلمين إذا ما نشبت الحرب بينهما.
لا يفلح قوم فعلوا هذا أبدًا:
إلا أَنه كسيِّد حاذق محنَّك ذي عقل راجح وتجارب عديدة استهجن صنيع عِكْرِمة بن أَبي جهل والمتطرفين من الشباب القرشي الطائش فقال: والله ما رأَيت كاليوم قط رأَيًا أعجب، وما تكرهون أَن تسمعوا من بُدَيل وأَصحابه؟ ، فإِن أَعجبكم أَمر قبلتموه، وإِن كرهتم شيئًا تركتموه، لا يفلح قوم فعلوا هذا أَبدًا.
وقد مال عقلاءِ مكة وأشرافها (فيهم الحارث بن هشام (١) وصفوان بن أُمية) إِلى الأَخذ بنصيحة عروة بن مسعود، فأَسكتوا المتطرفين من
стр. 1285
أَبنائهم، ثم قالوا لبُدَيل بن ورقاءِ ورجال وفد السلام الذين معه: أَخبرونا بالذي رأَيتم والذي سمعتم.
فأَبلغهم رجال الوفد الخزاعي بما قالوه للنبي ﷺ وما قاله لهم، ثم أَبلغوهم العرض الذي عرضه النبي ﷺ الذي يدعوهم فيه إلى إِقامة سلم بين المسلمين وقريش يأْمن فيه كلٌّ من الجانبين الآخر ولو لمدة معينة، تبدأُ هذه المدة بالسماح للمسلمين بأَداءِ مناسك عمرتهم، وتقف قريش أَثناءِها موقف الحياد عندما يشتبك النبي ﷺ مع باقي العناصر الوثنية، فإن انتصر النبي على باقي العرب دخلت قريش فيما يدخل فيه العرب، وإن لم ينتصر، تستطيع قريش أَن تقاتل المسلمين وهي على جانب كبير من القوة.
стр. 1286
قريش ترفض عروض السلام النبوية:
هذه خلاصة العرض النبوي للسلام والذي حمله بُدَيل بن ورقاء الذي تبرع مشكورًا وجعل من نفسه ومن أَصحابه (كما يقولون) حمامة سلام بين الفريقين.
وبعد أَن أَبلغ بُدَيل بن ورقاءَ وأَصحابه رسالة النبي السلمية إلى قريش، قال لهم - ناصحًا ومنتقدًا في آن واحد -: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد وإن محمدًا لم يكن باعث حرب، ولم يأْت لقتال وإِنما جاءَ زائرًا لهذا البيت ... فشتموه واتهموه بالتحيُّز للمسلمين ثم أَصرُّوا على موقفهم المتعنِّت قائلين: (حتى وإن كان جاءَ محمد ولا يريد قتالًا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أَبدًا، أَيريد محمد أَن يدخلها علينا في جنوده معتمرًا .. تسمع العرب أَنه قد دخل علينا عَنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا كان هذا أبدًا، ومنَّا عين تطرف (١).
الوسيط الثاني:
غير أَن عروة بن مسعود الثقفي (٢)، نصح حلفاءَه بالتزام جانب الاعتدال وأَنكر عليهم رفض العرض النبوي الذي حمله إليهم بديل بن ورقاء الخزاعي.
стр. 1287
لقد كان عروة بن مسعود هذا سيدًا مطاعًا في قومه وكان (كما تقدم حليفًا لقريش ومرابطًا مع قومه ثقيف في معسكر قريش أَثناءِ أَزمة الحديبية، وكان فوق ذلك له نسب وصهر في قريش، إذ كانت أُمه سيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
وكان هذا السيد الثقفي بحكم وجوده وحكم مركزه القيادي في معسكر قريش (كقائد لقوات القبائل الثقفية الحليفة) يرقب الأَحداث والتطورات في أَزمة الحديبية، وكان يطلّع (بدقة) على ما يدور بين النبي ﷺ وقريش حول هذه الأَزمة الحادة، مما جعله يدرك الصورة الصحيحة لموقف النبي ﷺ وأصحابه، وهي الصورة التي أعطت قريشًا حلفاءُها من ثقيف والأَحابيش عكسها إذ زعمت لهم أَن محمدًا ﷺ وأصحابه جاؤوا معتدين بقصد إهانة قريش والمسّ بكرامتها وإنهاءِ وجودها، ولم تذكر لهم الحقيقة أَو شيئًا منها، وهي أَنَّ النبي وأَصحابه لم يأْتوا إلا معتمرين مسالمين, وأَن فكرة الحرب لم يكن لها أَيّ وجود في أَذهان النبي وأَصحابه منذ أَن غادروا المدينة في اتجاه مكة.
стр. 1288
وعلى أَساس الإدراك الصحيح والتقييم للموقف (كما هو) لدى عروة بن مسعود، ولدى سيّد الأَحابيش الحُليس بن زبَّان تبين لهما أَن النبي وأَصحابه لم يكونوا مخطئين ولا معتدين حينما جاؤوا محرمين، قاصدين تعظيم البيت فحسب، لأَن ذلك حق لهم كسائر العرب، ليس من حق أَحد أَن يحول بينهم وبين مباشرته.
وتكوَّن لدي عروة بن مسعود (آنيذ) أَن العرض النبوي الذي يدعو فيه قريشًا إلى السلم والموادعة ونبذ الحرب عرض عادل وخُطة رشد لا يجوز لقريش أَن ترفضها، لأَن هذا الرفض يجعل قريشًا (أَمام العرب) في الموقف البغيض الذي أَراد سادات مكة أَن يضعوا النبي ﷺ فيه.
ولهذا فقد وجَّه عروة بن مسعود اللوم صراحة إلى حلفائه القرشيين، ونصحهم بأَن يقبلوا العرض النبوي القائم على أَساس إنشاء معاهدة سلام يمكن المسلمين والقرشيين.
فقد قال لهم: يا معشر قريش تتهموني؟ قالوا: ما أَنت عندنا بمتهم، ثم قال لهم: أَلستم الوالد وأَنا الولد؟ وقد استنفرت لكم أَهل عكاظ لنصرتكم، فلما بلحّوا (١) عليّ نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أَطاعني، فقالوا: قد فعلت، فقال: إني ناصح لكم شفيق عليكم، لا أَدخر عنكم نصحًا، وإن بُديلًا قد جاءَكم بخطة رُشْد (يعني العرض النبوي) لا يردّها أَحد إلا أَخذ شرًّا منها فاقبلوها منه.
ثم اقترح عليهم أَن يكون مبعوثهم ووسيطهم إلى النبي ﷺ ليتفاوض معه ويتباحث حول هذا النزاع عساه أَن يتوفق لحل هذه
стр. 1289
المشكلة الخطيرة التي كادت (بسبب تصلّف قريش وعنادها) أَن تتحول إلى حرب ضروس مدمِّرة، كلا الفريقين يخشى الإِقدام عليها.
فقد قال عروة القريش: ابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده (يعني الخطة التي عرضها النبي ﷺ على قريش، وأَكون لكم عينًا عليه آتيكم بخبره (١).
عروة بن مسعود في معسكر المسلمين:
فوافقت قريش على أَن يكون عروة مبعوثها إلى النبي ﷺ ، فذهب عروة إلى الحديبية، وهناك استقباله النبي ﷺ كوسيط يمكن أَن يكون في وساطته إِبعاد لشبح الحرب الذي أَصبح مطلًا بوضوح نتيجة بغي قريش وعنادها.
لقد كان سيد ثقيف يعلم يقينًا بأَن الحق في جانب النبي وأَصحابه وأَن الخطأَ كل الخطأَ في أَن تصر قريش على منعهم من دخول مكة لزيارة البيت وأَداء مناسك العمرة، ومع ذلك فإنه كوسيط سياسي لقوم هم حلفاؤه وأَصهاره، فإنه قد تجاهل هذه الحقيقة أَثناء محادثاته التي أَجراها مع النبي ﷺ في الحديبية، بل حاول في هذه المحادثات إلقاء اللوم على النبي ﷺ وتحميله مسؤولية تصعيد الأَزمة التي بدت وكأَنها تتحول إلى حرب يتفانى فيها الفريقان، قاصدًا بذلك إقناع النبي ﷺ بل تخويفه ليخرج عروة حلفاءه من ورطتهم، وذلك لن يكون إلا بأن يعود النبي ﷺ وأَصحابه دون أَن يدخلوا مكة، ودونما
стр. 1290
أَيّ قيد أَو شرط، وهذا ما حاول عروة بن مسعود أَن يركّز في محادثاته لتحقيقه.
فقد قال عروة بن مسعود للنبي ﷺ : أَجمعت أَوشاب الناس (١) ثم جئت بهم إلى بيضتك (أَي أَصلك) لتفضها بهم.
ثم أَخذ عروة يضرب على وتر الإِشارة بقوة قريش العسكرية والتلويح بأَنها قادرة على منع النبي وأَصحابه من دخول الحرم إن هم أَصرُّوا على دخوله فقال: (إنها قريش قد خرجت معها العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أَن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، يا محمد إِني تركت قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي على أَعداد (٢) الحديبية، قد استنفروا لك أَحابيشهم ومن أَطاعهم، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أَنت من قتالهم بين أَحد أَمرين، أَن تجتاح قومك، ولم نسمع برجل اجتاح أَصله قبلك، أَو بين أَن يخذلك من نرى معك.
ثم حاول عروة أَن يضعف من ثقة النبي ﷺ في أصحابه ويدخل في روعه أَنه لا يمكنه الاعتماد عليهم إذا تحول النزاع إلى حرب شاملة بينه وبين قريش، فقال: (وأَيم الله يا محمد لكأَني بهؤلاء قد انكشفوا عنك إِني لا أَرى معك إلا أَوباشًا من الناس لا أَعرف وجوههم وأَنسابهم، خليقًا بهم أَن يفروا ويدعوك (٣).
стр. 1291
مشادة بين الصديق وعروة بن مسعود:
وكان أَبو بكر الصدّيق واقفًا خلف النبي ﷺ أَثناء المحادثات فغضب غضبًا شديدًا لقول عروة بن مسعود الذي هدّد فيه النبي ﷺ ، بقوة قريش وتنقّص أَصحابه، وقال أَبو بكر العروة (غاضبًا): أَعضض بظر اللات، (واللات صنم ثقيف) أَنحن نفرّ عنه؟ ؟ .
فقال عروة: من هذا يا محمد؟ .
فقال النبي ﷺ : هذا أَبو بكر بن أَبي قحافة.
فقال عروة (يخاطب أَبا بكر): أَما والله لولا يد لك عندي لم أَجزك بها بعد لا أَجبتك (١).
مفارقة رائعة:
ومن عجائب المفارقات التي يستشف منها الدليل القاطع على قدرة تعاليم الإِسلام على تحويل الإِنسان من شيطان مريد إلى آدمي مثالي فاضل نبيل، أَن المغيرة بن شعبة (٢) الثقفي (ابن أَخي عروة بن مسعود)
стр. 1292
كان أَحد الذين يتولون حراسة النبي الأَعظم ﷺ أثناء محادثاته مع عروة.
وكان المغيرة (قبل أَن يهديه الله للإسلام) شابًّا صعلوكًا سكيرًا قاطع طريق، غير أَن اعتناقه للإسلام حوَّله إلى إنسان آخر، صار من الصفوة المختارة والشباب المؤمن القوي الذين اختيروا للقيام بمهمة حراسة النبي ﷺ في ذلك الجوّ الملبد بغيوم الحرب.
стр. 1293
يقرع عمه بقائم السيف:
وكان من عادة العرب في الجاهلية أَن يمسك الزي بلحية الذي يراه نِدًّا له أَثناء الحديث، وعلى هذه القاعدة، كان عروة بن مسعود يمسك بلحية رسول الله ﷺ أَثناءَ المناقشة .. الأمر الذي استهجنه المغيرة بن شعبة، فانتهر عمه وزجره وقرع يده بقائم السيف قائلا:
اكفف يدك عن مسِّ لحية رسول الله قبل أَن لا تصل إليك فاستعظم عروة (الزعيم) هذا التهديد من الحارس المغيرة قائلا:
ويحك ما أَفظَّك وأَغلظك.
وكان النبي ﷺ يبتسم للذي يجري بين عروة المشرك وبين بن أَخيه المسلم.
ولما كان المغيرة لابسًا عُدةً الحرب ومكفَّرًا بالدرع لم يعرفه عمَّه عروة، ولذلك سأل النبي ﷺ وهو يكاد يتميَّز من الغيظ -: (يا محمد ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أَصحابك، والله إِني لا أَحسب فيكم أَلأَم منه ولا شرّ منزلة.
فتبسم رسول الله ﷺ لهذه المفارقة العجيبة وقال: هذا ابن أَخيك المغيرة بن شعبة.
فازداد غيظ عروة وكاد أَن يجن من الغضب، وقال: أَي غُدْرُ (أَي يا غادر): والله ما غسلت غدرتك بعكاظ إِلا بالأَمس وقد أَورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر (١)؟ .
حاول عروة بن مسعود تخويف النبي ﷺ ليعود من حيث أَتى، وحاول التأْثير (عن طريق التلويح بعظمة قوة قريش) بأَن من مصلحته ومصلحة أَصحابه أَن يزيلوا من أَذهانهم فكرة الأَمل في الطواف بالبيت ما دام القريش سلطان في مكة.
ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وأَصرَّ النبي ﷺ على أَن من حقه ومن حق أَصحابه أَن يدخلوا مكة ويطوفوا متى شاءوا، إلا أَنهم لن يتعجلوا الأَمور لنيل هذا الحق عن طريق اقتحام مكة بحدِّ السلاح .. وذلك رغبة منهم في حقن الدماء وأَملًا منهم في يصحو عقلاءُ قريش من سكرة طغيانهم فينتهجوا أَي نهج به يحولون دون سفك الدماءِ، ويفسحون الطريق للمسلمين ليباشروا حقهم الطبيعي في زيارة بھيت الله الحرام شأْنهم في ذلك شأْن كل العرب.
وهكذا انتهت المفاوضة بين النبي ﷺ وعروة بن مسعود، دون أَن يتم التوصل إلى أَي اتفاق ينهى الأَزمة .. إِلا أَنه من خلال هذه المحادثات أَكدت لعروة بن مسعود صدق نوايا المسلمين السلمية وأَنهم (فعلًا) إنما جاؤوا في رحلة روحية خالصة (معتمرين لا محاربين) وأَن
стр. 1296
قريشًا إنما تفتري وتكذب على المسلمين حينما تروِّج بين عامة العشائر والأَعراب، أَن النبي ﷺ وأَصحابه إنما جاؤوا ليهتكوا حرمة مكة فيدخلوها عنوة بقصد الحرب.
ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش:
لذلك عاد الوسيط الثاني إلى حلفائه قريش (بعد أَن فشل في حمل النبي على تنفيذ رغبة قريش بالانسحاب والعودة إلى المدينة دون أَن يطوف بالبيت ودونما أَية ضمانات تعطى له) عاد الوسيط حاملًا إليهم نهاية مفاوضاته الفاشلة، وحاملًا لهم التحذير ومُسْديًا لهم النصح بأَن يحنوا رؤوسهم للعاصفة لتمر بسلام، بأن يخففوا من غلوائهم.
كما نصحهم (في صراحة متناهية) بأَن لا يورِّطوا أَنفسهم في صدام مسلَّح مع النبي ﷺ وأَصحابه، لأَن الهزيمة (حسب ملاحظاته وتقديراته) ستكون من نصيب حلفائه القرشيين إن هم تسرَّعوا، وتعجلوا العُدوان.
وقد بانت له هذه الحقيقة التي لم يخفها عن حلفائه .. بانت له على ضوء ما لمسه ورآه من تماسك وحدة القوى الإسلامية داخل معسكر محمد بشكل لم يسبق له أَن سمع أَو رأَى مثله، وعلى ضوء ما رآه من حب عجيب بين المسلمين لنبيهم، وتفان أَعجب في حمايته والدفاع عنه.
فقال عروة السادات مكة: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأَيت ملكًا قط أَطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدُّون إليه النظر، وما
стр. 1297
يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أَن يشير إلى أمر فيفعل، وما يتنخّم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأَ إلا ازدحموا عليه أَيّهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا إن أَردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأَيت قومًا ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأَيت نسيَّات (تصغير نسوة) معه إن كنَّ ليسلمنِّه أبدًا على حال فروا رأَيكم، وإياكم وإضجاع الرأَي (١).
عروة بن مسعود ينصح قريشًا:
ثم نصحهم بأَن يقبلوا ما عرض عليهم النبي ﷺ من مهادنة تنهي حالة الحرب بينهم، وحذرهم أَن يذهب بهم الطيش إلى الدخول في صدام مسلَّح مع المسلمين، لأَنه واثق من عدم انتصارهم عليهم، وكرَّر مرة أَخرى انتقاد قريش لإِصرارها على منع المسلمين من دخول الحرم فقال: (وقد عرض عليكم خطة فمادوه (٢) يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أَني أَخاف أَلا تنصروا عليه، ثم قال مستنكرًا فعل قريش في تعجّب: رجل أَتى هذا البيت معظمًا له معه الهدي ينحره وينصرف (٣).
ولدى سماع سادات مكة وزعمائها حديث حليفها عروة بن مسعود (الذي هو أَشبه بالتقرير الدقيق الصحيح يقدمه لهم عن حقيقة الموقف)
стр. 1298
أُسقط في أَيديهم ورأَوا لا مناص لهم من أَن ينحنوا المعاصفة فقرروا التخلِّي عن فكرة منع المسلمين من دخول الحرم (أَبدًا) وقرروا أَن يسمحوا للمسلمين بدخول مكة , ولكن بصورة تحفظ لهم شيئًا من ماءِ وجوههم، وهي أن يعود النبي ﷺ وأَصحابه إلى المدينة هذا العام ثم يأْتوا ليدخلوا مكة ويظنون ويسعوا في العام القادم.
وهو الأَمر الذي ما كانت قريش لتوافق عليه مطلقًا عندما ركبت رأْسها وأَعلنت أَنها ستمنع المسلمين من دخول مكة أَبد الآبدين.
وقد أَفصحوا لحليفهم (عروة) عن مشروعهم هذا، وأَنهم سيعرضون الصلح على النبي ﷺ على أَساس هذا المشروع، رجاءَ أَن يقبله كحلّ وسط للأزمة.
فقد قالوا لعروة: (راجين منهم كتمان ما صارحتهم به): - لا تتكلم بهذا يا أَبا يعفور (وهذه كنيته)، ولكن، نرده عامنا هذا ويرجع إلى قابل (أَي ليأْتي وأَصحابه ليدخلوا مكة في العام التالي)، فقال عروة (وقد بدا عليه الرضى حتى بهذا المشروع): ما أَراكم إِلا ستصيبكم قارعة ... ثم انصرف ومن معه من ثقيف إلى الطائف (١).
أول انشقاق في معسكر الشرك:
كان رجوع عروة بن مسعود الثقفي بقومه إلى الطائف (احتجاجًا) على تشدّد قريش وتعنُّتها) أَول انشقاق عملي في المعسكر القرشي، إِذ أَضعف انسحاب عروة بن مسعود بقومه من معسكر قريش مركز هؤلاء القرشيين إِلى حد كبيرـ
стр. 1299
ومع ذلك ومع رغبتهم في الصلح وخوفهم من الصَّدام المسلح ظلُّوا على عنادهم يتظاهرون بأَنهم مصممون على منع المسلمين من دخول مكة مهما كانت النتائج .. وذلك مناورة وأَملًا منهم في أَن يضيق المسلمون لطول المقام في الحديبية محرمين شُعْثًا غبُرًا، فيضطروا المعودة إلى المدينة دون أَن يطوفوا بالبيت، ودون أَن يحصلوا على ضمان يضمن لهم دخول مكة معتمرين.
وزاد قريشًا طمعًا في هذا وشجّعها على الاستمرار في المناورة والتهديد، أَن النبي ﷺ أَعلن عدم رغبته في الحرب، وأَنه مستعد لقبول أَيّة خطة تعرضها قريش يكون فيها حقن الدم وصيانة حرمة الحرم.
وبالرغم من أَن الوسطاءَ لحل المشكلة يأْتون دائمًا من جانب قريش، فكلّهم يأتي إلى النبي ﷺ وهو يحمل الطلب من قريش بأَن يعود المسلمون من حيث أَتوا -كما تقدم- فقد ظل الجو متوترًا رزاده توترًا طول احتباس المسلمين في الحديبية.
فقد ثقل عليهم المقام هناك ممنوعين من دخول الحرم كل هذه المدة .. الأَمر الذي لا يمكن أَن يظلوا صابرين عليه إلى ما لا نهاية فللصبر حدود .. لا سيما وأَنهم قادرون على اقتحام مكة وموقنون بأَن القوات القرشية لن تقوى على الصمود أَمامهم إذا ما أَقدموا على ذلك.
الوسيط الثالث:
ك ان مكرز بن حفص (١) من شياطين قريش وعَلمًا من أَعلامها وكان مشهورًا بالمراوغة والغدر والختل.
стр. 1300
لذلك عندما فشل وسيطها الثاني (عروة بن مسعود في وساطته لدى النبي ﷺ بعثت قريش بمكرز هذا إلى الحديبية وسيطًا لدى النبي ﷺ لعله (بوساطته أَو قل: بدهائه) يحقق كسبًا لقريش في هذه الأَزمة التي بدا لقريش أَنها تزداد استعصاءَ وتعقدًا، لا سيما بعد أَن فارقها أَحد حلفائها الأَقوياءَ (عروة بن مسعود) الذي انسحب بقومه من معسكرها احتجاجًا على تعنتها وعدم إِصغائها لنصحه ومماطلتها في قبول خطة السلم التي عرضها النبي ﷺ عليها بواسطة سيد خزاعة، بديل بن ورقاءَ.
فشل الوسيط الثالث:
وصل الوسيط الثالث، مكرز بن حفص، إِلى الحديبية للاجتماع بالنبي ﷺ لبحث موضوع الأَزمة القائمة بين الفريقين.
وعندما رآه النبي ﷺ مقبلًا، قال: هذا رجل غادر.
إلا أَن النبي ﷺ استقبل مكرزًا في مقر قيادته في الحديبية ولم يرفض مقابلته بالرغم من علمه بأَنه من النوع الغادر الذي لا يوثق به.
وقد أجرى مكرز مع النبي ﷺ محادثات حول مجيئه، وكانت محادثات مكرز بن حفص تتركز - على ما يظهر - حول إِبلاغ النبي ﷺ رغبة قريش في أَن يعود من حيث أَتى، وإِلا فإِن قريشًا قد صممت على منع المسلمين من دخول مكة.