← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قريشًا إنما تفتري وتكذب على المسلمين حينما تروِّج بين عامة العشائر والأَعراب، أَن النبي ﷺ وأَصحابه إنما جاؤوا ليهتكوا حرمة مكة فيدخلوها عنوة بقصد الحرب. ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش: لذلك عاد الوسيط الثاني إلى حلفائه قريش (بعد أَن فشل في حمل النبي على تنفيذ رغبة قريش بالانسحاب والعودة إلى المدينة دون أَن يطوف بالبيت ودونما أَية ضمانات تعطى له) عاد الوسيط حاملًا إليهم نهاية مفاوضاته الفاشلة، وحاملًا لهم التحذير ومُسْديًا لهم النصح بأَن يحنوا رؤوسهم للعاصفة لتمر بسلام، بأن يخففوا من غلوائهم. كما نصحهم (في صراحة متناهية) بأَن لا يورِّطوا أَنفسهم في صدام مسلَّح مع النبي ﷺ وأَصحابه، لأَن الهزيمة (حسب ملاحظاته وتقديراته) ستكون من نصيب حلفائه القرشيين إن هم تسرَّعوا، وتعجلوا العُدوان. وقد بانت له هذه الحقيقة التي لم يخفها عن حلفائه .. بانت له على ضوء ما لمسه ورآه من تماسك وحدة القوى الإسلامية داخل معسكر محمد بشكل لم يسبق له أَن سمع أَو رأَى مثله، وعلى ضوء ما رآه من حب عجيب بين المسلمين لنبيهم، وتفان أَعجب في حمايته والدفاع عنه. فقال عروة السادات مكة: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأَيت ملكًا قط أَطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدُّون إليه النظر، وما

стр. 1297

يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أَن يشير إلى أمر فيفعل، وما يتنخّم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأَ إلا ازدحموا عليه أَيّهم يظفر منه بشيء، وقد حزرت القوم، واعلموا إن أَردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأَيت قومًا ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأَيت نسيَّات (تصغير نسوة) معه إن كنَّ ليسلمنِّه أبدًا على حال فروا رأَيكم، وإياكم وإضجاع الرأَي (١). عروة بن مسعود ينصح قريشًا: ثم نصحهم بأَن يقبلوا ما عرض عليهم النبي ﷺ من مهادنة تنهي حالة الحرب بينهم، وحذرهم أَن يذهب بهم الطيش إلى الدخول في صدام مسلَّح مع المسلمين، لأَنه واثق من عدم انتصارهم عليهم، وكرَّر مرة أَخرى انتقاد قريش لإِصرارها على منع المسلمين من دخول الحرم فقال: (وقد عرض عليكم خطة فمادوه (٢) يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أَني أَخاف أَلا تنصروا عليه، ثم قال مستنكرًا فعل قريش في تعجّب: رجل أَتى هذا البيت معظمًا له معه الهدي ينحره وينصرف (٣). ولدى سماع سادات مكة وزعمائها حديث حليفها عروة بن مسعود (الذي هو أَشبه بالتقرير الدقيق الصحيح يقدمه لهم عن حقيقة الموقف)

стр. 1298

أُسقط في أَيديهم ورأَوا لا مناص لهم من أَن ينحنوا المعاصفة فقرروا التخلِّي عن فكرة منع المسلمين من دخول الحرم (أَبدًا) وقرروا أَن يسمحوا للمسلمين بدخول مكة , ولكن بصورة تحفظ لهم شيئًا من ماءِ وجوههم، وهي أن يعود النبي ﷺ وأَصحابه إلى المدينة هذا العام ثم يأْتوا ليدخلوا مكة ويظنون ويسعوا في العام القادم. وهو الأَمر الذي ما كانت قريش لتوافق عليه مطلقًا عندما ركبت رأْسها وأَعلنت أَنها ستمنع المسلمين من دخول مكة أَبد الآبدين. وقد أَفصحوا لحليفهم (عروة) عن مشروعهم هذا، وأَنهم سيعرضون الصلح على النبي ﷺ على أَساس هذا المشروع، رجاءَ أَن يقبله كحلّ وسط للأزمة. فقد قالوا لعروة: (راجين منهم كتمان ما صارحتهم به): - لا تتكلم بهذا يا أَبا يعفور (وهذه كنيته)، ولكن، نرده عامنا هذا ويرجع إلى قابل (أَي ليأْتي وأَصحابه ليدخلوا مكة في العام التالي)، فقال عروة (وقد بدا عليه الرضى حتى بهذا المشروع): ما أَراكم إِلا ستصيبكم قارعة ... ثم انصرف ومن معه من ثقيف إلى الطائف (١). أول انشقاق في معسكر الشرك: كان رجوع عروة بن مسعود الثقفي بقومه إلى الطائف (احتجاجًا) على تشدّد قريش وتعنُّتها) أَول انشقاق عملي في المعسكر القرشي، إِذ أَضعف انسحاب عروة بن مسعود بقومه من معسكر قريش مركز هؤلاء القرشيين إِلى حد كبيرـ

стр. 1299

ومع ذلك ومع رغبتهم في الصلح وخوفهم من الصَّدام المسلح ظلُّوا على عنادهم يتظاهرون بأَنهم مصممون على منع المسلمين من دخول مكة مهما كانت النتائج .. وذلك مناورة وأَملًا منهم في أَن يضيق المسلمون لطول المقام في الحديبية محرمين شُعْثًا غبُرًا، فيضطروا المعودة إلى المدينة دون أَن يطوفوا بالبيت، ودون أَن يحصلوا على ضمان يضمن لهم دخول مكة معتمرين. وزاد قريشًا طمعًا في هذا وشجّعها على الاستمرار في المناورة والتهديد، أَن النبي ﷺ أَعلن عدم رغبته في الحرب، وأَنه مستعد لقبول أَيّة خطة تعرضها قريش يكون فيها حقن الدم وصيانة حرمة الحرم. وبالرغم من أَن الوسطاءَ لحل المشكلة يأْتون دائمًا من جانب قريش، فكلّهم يأتي إلى النبي ﷺ وهو يحمل الطلب من قريش بأَن يعود المسلمون من حيث أَتوا -كما تقدم- فقد ظل الجو متوترًا رزاده توترًا طول احتباس المسلمين في الحديبية. فقد ثقل عليهم المقام هناك ممنوعين من دخول الحرم كل هذه المدة .. الأَمر الذي لا يمكن أَن يظلوا صابرين عليه إلى ما لا نهاية فللصبر حدود .. لا سيما وأَنهم قادرون على اقتحام مكة وموقنون بأَن القوات القرشية لن تقوى على الصمود أَمامهم إذا ما أَقدموا على ذلك. الوسيط الثالث: ك ان مكرز بن حفص (١) من شياطين قريش وعَلمًا من أَعلامها وكان مشهورًا بالمراوغة والغدر والختل.

стр. 1300

لذلك عندما فشل وسيطها الثاني (عروة بن مسعود في وساطته لدى النبي ﷺ بعثت قريش بمكرز هذا إلى الحديبية وسيطًا لدى النبي ﷺ لعله (بوساطته أَو قل: بدهائه) يحقق كسبًا لقريش في هذه الأَزمة التي بدا لقريش أَنها تزداد استعصاءَ وتعقدًا، لا سيما بعد أَن فارقها أَحد حلفائها الأَقوياءَ (عروة بن مسعود) الذي انسحب بقومه من معسكرها احتجاجًا على تعنتها وعدم إِصغائها لنصحه ومماطلتها في قبول خطة السلم التي عرضها النبي ﷺ عليها بواسطة سيد خزاعة، بديل بن ورقاءَ. فشل الوسيط الثالث: وصل الوسيط الثالث، مكرز بن حفص، إِلى الحديبية للاجتماع بالنبي ﷺ لبحث موضوع الأَزمة القائمة بين الفريقين. وعندما رآه النبي ﷺ مقبلًا، قال: هذا رجل غادر. إلا أَن النبي ﷺ استقبل مكرزًا في مقر قيادته في الحديبية ولم يرفض مقابلته بالرغم من علمه بأَنه من النوع الغادر الذي لا يوثق به. وقد أجرى مكرز مع النبي ﷺ محادثات حول مجيئه، وكانت محادثات مكرز بن حفص تتركز - على ما يظهر - حول إِبلاغ النبي ﷺ رغبة قريش في أَن يعود من حيث أَتى، وإِلا فإِن قريشًا قد صممت على منع المسلمين من دخول مكة.

стр. 1301

غير أَن مكرزًا لم يسمع من النبي ﷺ جوابًا على كل ما قاله أَكثر مما أَعلنه صراحة للوسيطين السابقين (بُدَيل بن ورقاءَ وعروة بن مسعود)، وأَبلغه قريشًا رسميًّا، وهو أَنه لم يأَت لقتال، وإِنما أَتى زائرًا معظِّمًا للبيت - إلا أَنه مع ذلك مستعد لمقاتلة من يقاتله. فعاد مكرز إِلى قريش وأَبلغها تمسُّك النبي ﷺ بموقفه الذي أَعلنه للوسيطين (عروة) و (بُدَيل). الوسيط الرابع: وعندما لم يفلح مكرز بن حفص العامري في وساطته لجأَت قريش إلى سيد الأَحابيش، الحليس بن زبّان (١) حليفها الأَكبر، فطلبت منه أَن يكون وسيطها الرابع لدى النبي ﷺ عسى أَن يتمكن من حلِّ هذا النزاع الخطير لصالحها. فقد كان الحُلَيس بن زبّان ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، وكان سيدًا مطاعًا .. وكان النبي ﷺ يعرفه ويعرف فيه التأَله الشديد والتعظيم للحرم. لذلك كانت قريش - حينما اختارته وسيطها - تطمع في أَن يكون لمركزه الممتاز بين العرب، ولا يتمتع به من تقدير لدي النبي ﷺ تأْثير على الرسول ﷺ وأَصحابه، تكون نتيجته عودتهم من حيث أَتوا دون أَن يدخلوا مكة أَو يحصلوا على ضمان يضمن السماح لهم بدخولها في وقت آخر.

стр. 1302

أخطر انشقاق في معسكر قريش: غير أَن الذي حدث، هو أَن وساطة سيد الأَحابيش جاءَت لقريش بعكس ما كانت تأْمل، حيث كانت نتيجة هذه الوساطة نقطة التحول الحاسم لصالح المعسكر الإِسلامي، وتأْييدًا للمبدإِ والفكرة والتي يتمسك بها النبي ﷺ وأَصحابه، وهي أَن من حقهم الطواف بالبيت وليس لأَحد كائنًا من كان أَن يحول بينهم وبين مباشرة هذا الحق. فقد قبل الحليس بن زبّان أن يكون وسيط قريش إلى ابنها النبي ﷺ .. كانت قريش تزيَّف الحقائق وتلبس على حليفها الحليس وأَمثاله بأَن محمدًا ﷺ وأَصحابه إنما جاؤوا بغاة معتدين يريدون هتلك حرمة البيت بالحرب والقتال. فكان سيد الأَحابيش - حتى وصوله معسكر المسلمين في الحديبية - يحمل في قرارة نفسه عن المسلمين هذه الفكرة الخاطئة التي رسّبتها في الأذهان دعايات المشركين وأَبواق الوثنيين القرشيين. ما ينبغي لهؤلاء أَن يصدوا عن البيت: توجّه الوسيط الرابع (الحليس بن زبّان) من معسكر قريش داخل الحرم إلى حيث يعسكر النبي ﷺ بأَصحابه خارج الحرم في الحديبية فلما رآه النبي ﷺ مقبلًا، قال لأَصحابه: إِن هذا من قوم يتأَلهون (أَي يتعبَّدون) ويعظمِّون الإِله، ابعثوا الهدي (بفتح الهاءِ وسكون الدال، وهي الإِبل التي تساق لنحرها في الحرم تقرّبًا إلى الله) في وجهه حتى يراه، ففعلوا.

стр. 1303

فلما رأَى الحليس الهدْي يسيل عليه بقلائده من عرض الوادي قد أَكل أَوباره من طول الحبس عن محله (أَي موضعه الذي ينحر فيه من الحرم) ورأَى المسلمين قد استقبلوه يلبّون وقد شعثوا من طول المكوث على إحرامهم .. صاح (مستنكرًا تصرُّف قريش): سبحان الله ما ينبغي لهؤلاءِ أَن يصدُّوا عن البيت. أَبى الله إِلا أَن يحجّ لخّم وجُذَام ونَهد، وحِمير ويمنع ابن عبد المطلب. ثم شدد نكيره على قريش قائلًا: هلكت قريش ورب الكعبة، إنما القوم (يعني المسلمين) أَتوا عمارًا. فقال النبي ﷺ : "أَجل يا أَخا بني كنانة (١). ودون أن يفاتح سيد بني كنانة النبي ﷺ أو يفاوضه كما كلفته قريش، انصرف راجعًا إِعظامًا لما رأَى ومقتنعًا بأَن قريشًا غير محقة في تصرفها إِزاءَ المسلمين. ولما عادل إِلى قريش قال لها: إِني قدر رأَيت ما لا يحل صده، رأَيت الهدْي في قلائده قد أَكل أَوباره، معكوفًا عن محله، والرجال قد تفلوا وقملوا أَن يطوفوا بهذا البيت! أَما والله ما على هذا حالفناكم، ولا عاقدناكم على أَن تصدُّوا عن بيت الله من جاءَ معظمًا لحرمته مؤديًا لحقه وساق الهدي معكوفًا أَن يبلغ محله (٢). فغضبت قريش لصراحته، ورأَت في هذه الصراحة تقوية لحجة النبي ﷺ وإِسنادًا لمنطقه، لذلك قالت للحليس (ساخرة): اجلس إنما أَنت أَعرابي ولا علم لك (٣).

стр. 1304

سيد الأحابيش ينذر قريشًا: وهنا غضب هذا السيد الكناني لقول قريش هذا غضبًا شديدًا، ثم هددها بإلغاء الحلف الذي بينه وبينها والانحياز إلى جانب المسلمين إذا لم تقلع عن غيِّها، فتفسح الطريق للنبي وأَصحابه ليطوفوا بالبيت كسائر العرب، فقال: (يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم والذي نفس الحليس بيده لتخلّن بين محمد وبين ما جاءَ له، أَو لأَنفرن بالأَحابيش نفرة رجل واحد (١). وكان هذا الإِنذار من سيد الأَحابيش الذي أَملته عليه الرجولة، كافيًا لأَن يحداث الذعر والفزاع بين صفوف المشركين في مكة ويجعلهم يفكِّرون مليًّا في إعادة النظر في موقفهم المتعنِّت المتصلف الذي وقفوه من المسلمين. فقد كان تهديد سيد الأَحابيش بنسف التحالف الذي بينه وبين قريش إِذا لم يخلوا بين النبي وأَصحابه ليطوفوا بالبيت، يعني أن أَخطر انشقاق بل أَخطر تمرّد سيحدث في معسكر الشرك في مكة التي كانت في حالة تأَهب واستنفار للحرب. لأَن الأَحابيش الذين هم تحت قيادة الحليس بن زبّان الكناني يمثَّلون عدة قبائل قوية غير قرشية صارت قرشية بالحلف تسالم من سالم قريشًا وتحارب من حاربها. وهذه القبائل هي بنو الهون بني خزيمة، وبنو الحرث بن عبد مناف بن كنانة .. وبنو المصطلق بن خزيمة.

стр. 1305

وخروج هذه القبائل على القرشيين وإِلغاؤها الحلف الذي بينها وبينهم يعتبر بمثابة ضربة صاعقة للمعسكر القرشي وخاصة في ذلك الظرف الحرج الذي بلغ فيه التوتر ذروته بين المسلمين ومشركي مكة. لذلك اهتز المعسكر القرشي لتصريحات سيد الأَحابيش الذي كان يعني كل كلمة قالها في إِنذاره الموجه لطغاة مكة وعتاتها. فتجسد لسادات مكة ما يهددهم من خطر الانقسام بعد الموقف المشرِّف الذي وقفه سيد الأَحابيش، ضد طغيانهم. وتبين لسفهاءِ قريش وعقلائها على السواءِ أَن النفوس - حتى وإِن لم يكن أَصحابها مسلمين - ليست كلها بالتي ترضي البغي وتُقرّ العدوان والظلم والتعسف .. وذلك على ضوءِ ما سمعته من حليفها المشرك سيد الأَحابيش الذي شجب تصرفاتها التعسفية وحملَّها مسؤولية تأَزُّم الموقف الذي يهدد بانفجار حرب ليس لها من مبرر إلا العنجهية والنزق. وعلى أَثر موقف سيد الأَحابيش الحازم الجادّ المنبثق من جداول الخلق العربي الأَصيل، لم يعد لدى قريش أَدنى شك في أَن المتهورين والسفهاءِ ودعاة الحرب منها قد أَوقعوها في ورطة كبيرة، عندما استجابت لهم، فركبت رأْسها (بعد أَن نفخ الشيطان في مناخر زعمائها) فأَعلنوا بأَنهم سيصدون النبيي ﷺ وأَصحابه عن البيت، ولو استدعى ذلك امتشاق الحسام وصدّهم عن طريق الحرب. بالرغم من تأَكدهم من نوايا المسلمين السامية واستيقانهم بأَنهم لم يأْتوا محاربين وإنما معتمرين زائرين للبيت.

стр. 1306

البحث عن مخرج من الورطة: وبعد غضبة سيد الأَحابيش لتصرفات قريش الرعناءِ، وإنذاره الصريح الشديد الذي وجهه إليها أَحد سادتها وزعمائها يبحثون جدِّيًا عن مخرج ينقذهم من الورطة التي وقعوا فيها أَنفسهم ورأَت أَن هذا المخرج لن يكون بالا بعقد صلح يتم بينها وبين النبي ﷺ يحفظ لها ماء وجهها، بعد أَن أَقسمت أَن لا يدخل محمد عليها مكة أَبدًا حتى تفنى عن بكرة أَبيها. وتمهيدًا للظفر هذا الصلح الذي لا سبيل لقريش إِلى الخروج من ورطتها إِلا بالظفر به، أَخذت في ملاطفة حليفها الأَكبر سيد الأَحابيش (بعد أَن أَسمعها كلمات الرجولة والعدل) تلك التي أَداخت باطلها وأزالت عنها كل فعاليات سُكْر البغي والطغيان، حتى صَحَت كل الصحو لترى جريرة تعنتها وبطرها تكاد تحيق بها ويلاتها من كل جانب. فقد طلب سادات قريش (في رجاءٍ) من سيد الأَحابيش الذي أَعلن أَنه سينحاز إِلى جانب الحق إذا لم ترجع قريش عن غيّها فتخلي بين المسلمين وبين البيت .. طلبوا منه أَن يمنحهم الفرصة الكافية ليبحثوا عن مخرج من ورطتهم قائلين: (منه، كف عنا يا حُليس، حتى نأَخذ لأَنفسنا ما نرضى، وكان الذي يرضون هو الصلح الذي أَبرموه مع النبي ﷺ كما سيأتي. وقد أَجابهم سيد الأَحابيش إِلى ما طلبوا فلم ينسحب من حلفهم بعد أَن رأَى أَنَّ ثمار إِنذاره قد أتت أُكلها بتراجع قريش عن موقفها المتصلب وسعيها للصلح مع المسلمين. لقد أَوقعت تصريحات سيد الأَحابيش الشديدة قريشًا في مأْزق حرج للغاية، وزاد من موقفها حراجة إن ارتفعت أَصوات كثيرة (بعد تصريح

стр. 1307

سيد الأَحابيش) داخل المعسكر القرشي تستهجن الحماقة التي أَقدمت عليها قريش بمنعها المسلمين وصدّهم عن البيت بغيًا وعدوانًا. إِن قريشًا وجدت نفسها في نهاية المطاف في موقف لا تحسد عليه .. بين جذب وشد .. تتخبط في جو من الحيرة والتردُّد. فلا شيء أَثقل على نفسها من أَن يدخل محمدًا وأَصحابه وهم على هذه الهيئة من العزة والقوة والمنعة، وهم بالأَمس القريب خرجوا من مكة ضعفاءَ خائفين، يتحسسون رؤوسهم وهم يغادرون مكة في جنح الظلام خلسة. ماذا سيكون مصير مركز قريش الروحي والسياسي الممتازين بين العرب وأَكثرهم يوم ذاك لا يزال على الشرك يدين لقريش بالريادة والقيادة لمكانتها من البيت)؟ .. ماذا سيكون مصير مركزها بين عرب الجزيرة إذا ما علموا أَن محمدًا وأَصحابه البالغ عددهم أَلفًا وخمسمائة، قد دخلوا مكة آمنين مطمئنين دون أَن يلقوا من سدنة الشرك والوثنية أَية مقاومة؟ . إِن المصير معروف، وهو تصدّع وانهيار هذا المركز في نفوس كل العرب الوثنيين. هكذا كانت تتصور قريش الباغية. من هنا كانت الرغبة ملحة في نفوس سادات مكة للحيلولة دون دخول المسلمين مكة، ولو أَدَّى هذا إلى استخدام القوة المسلحة. غير أَن المشركين مع هذه الرغبة الشريرة الملحة في نفوسهم يشعرون شعورًا كاملًا بأَنهم سيكونون الخاسرين لذا ما نشبت الحرب بينهم وبين المسلمين المرابطين في الحديبية .. وهذا الشعور مصدره التجارب العملية القاسية التي مرت بقريش في معارك بدر وأُحد والخندق , حيث

стр. 1308

تلقوا على أيدي المسلمين (وهم قلة قليلة) أشنع الهزائم والاندحارات المريعة. فشبح انقضاض ثلاثمائة من المسلمين كالنمور الكاسرة على لف من فرسان مكة وصناديدها يتفوَّقون عليهم في كل شيء - لا قوة العقيدة - في بدر (وبعثرتهم في الشعاب والوهاد كما يبعثر الريح العاصف أوراق الخريف) لا يزال كابوسًا مخيفًا يرعب سادات مكة ويشدهم إلى الوراء كلما أرادوا التفكير (جدِّيًا) في الدخول في حرب ضد المسلمين لصدهم عن البيت بالقوة. وزاد الطين بلّة موقف سيد الأَحابيش الذي شجب تصرفات قريش التعسُّفية وحمَّلها مسؤولية ما قد يحدث من صدام مسلح داخل الحرم، بل وأنذرها بأَنه لن يلوِّث يده بالدم في هذا الصِّدام إذا ما أصرت قريش على عنادها وبطرها. ومن جهة أُخرى ازداد موقف المسلمين قوة لا سيما بعد أن وجدوا داخل المعسكر القرشي (كالحليس بن زبَّان) وبين جيران الحرم من غير القرشيين (كسيد خزاعة بديل بن ورقاء) من يؤيدهم ويرى الحق في جانبهم، ويلقي باللوم على قريش ويحمِّلها مسؤولية الأزمة الحادة القائمة والتي كادت تصل إلى درجة اشتعال نار الحرب. ولكن الأَمل الكاذب ظل يراود سادات مكة في تحقيق أَهدافهم العدوانية.

стр. 1309

الفصل الثالث * المشركون يهاجمون المسلمين في الحديبية. * وقوع سبعين أسيرًا في أيدي المسلمين، والنبي يعفو عنهم فيطلق سراحهم. * قريش تحتجز عثمان بن عفان في مكة، وإشاعة تقول أنه قتل. * التهاب الموقف بين المسلمين في الحديبية. * النبي ﷺ يقرر مناجزة قريش ويستنفر أصحابه للحرب. * الصحابة يبايعون النبي على الموت تحت الشجرة بالحديبية. * قريش تذعر لإعلان النبي حالة الاستنفار في الحديبية. * جلسة طارئة في برلمان مكة (دار الندوة) لبحث الموقف المتفجر. * قريش تسعى لصالح بعد سعيها لحرب. * النبي ﷺ يرحب بالصلح. * الوفد القرشي المفاوض في الحديبية. * مباحثات الصلح بين الفريقين. * اتفاق الفريقين على بنود الصلح. * معارضة المسلمين العنيفة للصلح. * عمر بن الخطاب يجادل الرسول ﷺ منتقدًا بشدة بعض شروط المشركين. * الصحابة يستجوبون النبي ﷺ حول بعض بنود الصلح.

стр. 1310

* النبي يقنع أصحابه فيكفون عن المعارضة. * خزاعة تداخل في عهد المسلمين، وبنو بكر في عهد قريش. * توقيع اتفاقية الصلح وتبادل الوثائق. * المسلمون يحلون إحرامهم ويعودون إلى المدينة. اعتقال سبعين متسللا من المشركين: بالرغم من الانشقاق الخطير الذي حدث في صفوف المشركين نتيجة معارضة سيد الأَحابيش الحليس بن زبّان وعروة بن مسعود لتصرّف قريش المتعنِّت ازاء المسلمين، هذا التصرف الطائش الذي انسحب (احتجاجًا عليه) سيد ثقيف عروة بن مسعود من التجمع القرشي بقومه إلى الطائف، وهدد أيضًا (احتجاجًا على هذا التصرف الأخرق) الحُليس ابن زبّان بالتمرّد على قريش والانسحاب من تجمعها بقومه الأحابيش كما تقدم .. بالرغم من هذا الانشقاق الخطير في معسكر الشرك، فإن قريشًا (بدلًا من أن تسلك سبيل الاعتدال وتخفف من تصلفها وغلوائها وتحرشها بالمسلمين) أخذ سفهاؤها في تصعيد الأَزمة وزيادة حدّة التوتر إلى درجة كادت تصل بالتوتر إلى حد انفجار الحرب. فبينما كان النبي وأصحابه في الحديبية محافظين على ضبط النفس وعاملين - بكل الوسائل - على قفل كل باب يمكن يؤدي فتحه إلى إشعال نار الحرب بينهم وبين قريش، وبينما كان العقلاء في المعسكر القرشي نفسه - أمثال الخليس بن زبان وقائد الأحابيش الحلفاء - يتوقعون من سادات مكة أن يضعوا حدًّا لتسلط الغلاة المتطرفين في معسكرهم، فيجنحوا المسلم ويعملوا على تجنب ما من شأنه الاقتراب

стр. 1311

بالفريقين إلى حافة الحرب، إذا بقريش ترسل العنان لسفائها - ومتطرفيها ليذهبوا في تصعيد الأزمة وتعقيدها إلى درجة العدوان على المسلمين بالهجوم عليهم - عن طريق التسلل - في معسكرهم بالحديبية. فقد ذكر جمهرة المؤرخين أن سبعين من فرسان المشركين تسللوا في جماعات أثناء الليل إلى معسكر المسلمين لعلهم ينالون منهم (بالقتل أو الأسر) غدرًا في غلس الظلام، إلا أن رجال دوريات الحراسة إلى أقامها النبي ﷺ عند نزوله الحديبية كانوا لهم بالمرصاد، حيث حبطوا جميع مخططات هؤلاء المتسللين، الذين انتهى بهم التسلل إلى الوقوع في أسر دوريات المسلمين مجموعة بعد أخرى، حتى بلغ عدد الذين ألقى عليهم الحرس الإسلامي القبض أثناء الليل سبعين فارسًا، أتى بهم الحراس مقيدين إلى مقر قيادة النبي الأعظم ﷺ في الحديبية. وكان هؤلاء المتسللون الأشرار قد نجحوا - في غلس الظلام - من أسر بعض الصحابة حيث هاجموهم غدرًا وهم عزل آمنون، إلا أن دوريات المسلمين استنقذت هؤلاء الأسرى المسلمين عندما ألقت القبض على السبعين من المتسللين المشركين. النبي يعفو عن المتسللين ويطلق سراحهم: غير أن النبي ﷺ بالرغم من هذا التصرف من قبل المشركين المتسللين الذي يحتل كل معاني البغي والاستفزاز، قد عفى عنهم فأطلق سراحهم جميعهم، قائلًا لأصحابه: دعوهم يكن لهم بدءُ الفجور (١)

стр. 1312

نشوب القتال في الحديبية: فقد ذكر الواقدي التي مغازيه (ج ٢ ص ٦٠٢) أَن قريشًا بعثت ليلًا خمسين رجلًا عليهم مكرز بن حفص، وأمروهم أَن يطيفوا بالنبي ﷺ رجاء أَن يصيبوا منهم أحدًا أو يصيبوا منهم غرّة، فاعتقلهم محمد بن مسلمة - قائد إحدى فصائل الحراسة الليلية -، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ ، فجاء جمع آخر من المسلحين القرشيين إلى النبي ﷺ وأصحابه - بلغهم وقوع الخمسين أَسرى في أيدي المسلمين - وهاجموا المسلمين فنشب قتال بين الفريقين استخدمت فيه الحجارة والنبال، إلا أَن المسلمين تمكنوا من دحر المهاجمين بعد أَن أسروا عدة منهم. وذكر الطبري في تاريخه (ج ١ ص ١٧٠) عن إياس بن مسلمة عن أبيه: أنه ألقى القبض وحده على أربعة من المتسللين المشركين، قال سلمة: فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله ﷺ وجاء عمّي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده مجففًا (١) حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: دعوهم يكن لهم بدءُ الفجور، فعفا عنهم، قال: فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (٢). وذكر سلمة - فيما ذكره الطبري أيضًا - أنه وحده اعتقل ستة من المتسللين وأنقذ - بالاشتراك مع زملاء له - كل المسلمين الذين وقعوا في أسر المتسللين في الحديبية فقال: فشددنا على من في أيدي المشركين

стр. 1313

منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلًا إلا استنقذناه، وغلبنا على من في أيدينا منهم، فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، ما يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فأَتيت بهم النبي ﷺ فلم يسلب ولم يقتل، وعفا (١). قريش تقتل رجلا من المسلمين: بل لقد بلغ البغي بقريش إلى أَن أقدمت على قتل أحد أصحاب النبي ﷺ بقصد استفزاز المسلمين، وكان هـہدف السفهہاء الذين أقدموا على القتل استدراج المسلمين إلى الدخول في حرب شاملة تجعل المتعقِّلين في المعسكر القرشي أمام الأمر الواقع، فيخوضوا حربًا هم لها كارهون ... ولكن النبي ﷺ فوّت على هؤلاء المتطرّفين فرصتهم، إذ التزم جانب الحكمة والحلم والتروّي، فلم يسمح لأن يكون ذلك العدوان الطائش باعثًا للمسلمين على خوض حرب شاملة لا يرغبون فيها. فقد روى الطبري في تاريخه - بإسناده إلى قتادة - أَن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: زنيم، اطلع الثنيّة من الحديبية، فرماه المشركون فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثنى عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم نبي الله: "هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليَّ ذمة؟ " قالوا: لا، قال: فأرسلهم رسول الله ﷺ . المبعوث النبوي عثمان في مكة: بالرغم من محاولات إحلال السلام التي بذلت جديًّا - بنيَّة صادقة -

стр. 1314

من قبل النبي الأعظم ﷺ ، ومن قبل بعض الوسطاء الآخرين، فقد ظل الموقف في الحديبية وفي بلدح (١) متوترًا بل زاده توترًا، أَن قام سبعون من سفهاء المشركين بالتسلل - ليلًا - إلى معسكر المسلمين في الحديبية للعدوان، وتمكنوا من قتل رجل من أصحاب النبي ﷺ . ولكن النبي ﷺ وهو سيد الحكماء وإمام العقلاء لم يقفل باب الأمل في التوصل إلى حلّ سلمي لهذه الأزمة الخطيرة التي بدت مؤشراتها تشير إلى أنها ستتحول إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر .. حرب أعلن النبي الأعظم ﷺ أنه سيعمل على تجنبها ما وجد إلى ذلك سبيلًا. كان النبي ﷺ ليؤكد لأهله وعشيرته نواياه السلمية في مجيئه هذا - قد بعث حال نزوله الحديبية مبعوث خاص إلى قريش، يبلغها - وهي في بلد حسب هذه النوايا وينصحها بالتعقل والتخلي عن فكرة الحرب وكان مبعوثه الخاص هذا -كما تقدم - هو خراش بن أُمية الكعبي ثم الخزاعي. غير أَن الحمية الجاهلية والعنجهية الوثنية لم تترك فرصة لسادات مكة لينظروا بتعقل في العرض السلمي النبوي الذي حمله إليهم مبعوثه الخاص، فلم يكتفوا برفض هذا العرض السلمي وعدم النظر فيه، بل حاول سفاؤهم قتل حامله خراش بن أُمية، بمجرد علمهم أنه جاءَ يہحمل هذا العرض، فعاد المبعوث النبوي الأول دون أَن يتمكن من إبلاغ قريش هذا العرض السلمي، وقال للنبي ﷺ يا رسول الله ابعث رجلًا - أمنع مني - أي أقوى وأكثر عصبية بين قريش.

стр. 1315

ولما كانت فكرة السلام في هذه الأَزمة الخطيرة تحتلّ المقام الأَول في ذهن النبي الأعظم ﷺ بين الحلول التي يمكن اتباعها فقد قام من جانبه "بالرغم مما أقدمت عليه قريش من حماقات واستفزازات طيلة البضعة عشر يومًا التي مرّت على الأزمة قام من جانبه النبي ﷺ بمحاولة سلمية أُخرى، وكانت هذه المحاولة الجديدة عن طريق مبعوث خاص آخر بعث به إلى قريش في معسكرها بوادي بلدح وفي مكة ذاتها. عمر بن الخطاب يعتذر عن الوساطة: فقد رأى النبي الأعظم ﷺ أن ينتدب عمر بن الخطاب ليكون مبعوثه الخاص إلى قريش يدعوها إلى السلام، وطرح فكرة الحرب جانبًا. فاستدعى الرسول ﷺ عمر وأبلغه بأنه يرغب في أَن يكون رسوله إلى قريش، ليمرض عليهم من جديد نفس العرض السلمي الذي حمله إليهم خراش بن أُمية، فلم يتمكن من إبلاغهم إياه لمحاولتهم الفتك به قبل أَن يفاتحهم بشأن هذا العرض. غير أَن عمر بن الخطاب اعتذر للنبي ﷺ عن القيام بهذه المهمة، وأعطى لهذا الاعتذار مبرِّرات معقولة جدًّا، وهي شدّة العداوة التي بين عمر بن الخطاب وبين المشركين، وضعف عصبيته القبلية بين قريش. فقد قال ابن الخطاب (معتذرًا): يا رسول الله إني أخاف على نفسي وليس لي من بني عدي بن كعب أحدٌ يمنعني، وقد عرفت قريش - عداوتي إياها وغلظتي عليها.

стр. 1316

ثم أشار على النبي ﷺ بأن يبعث إلى قريش رجلًا ذا عصبية ومنعة في قومه بمكة, ليكون بمأْمن من القتل .. لا سيما بعد الذي حدث لِخراش بن أُمية الذي كاد أَن يقتله المشركون لولا حماية الأحابيش له، وإعادته سالمًا إلى الحديبية. وكان الرجل (ذا العصبية القوية في قومه) والذي أشار ابن الخطاب على النبي ﷺ أَن يبعثه، هو (عثمان بن عفان) لأنه ينتسب إلى بني عبد شمس بن عبد مناف، وهي من أقوى القبائل القرشية ذات القوة والعدد والنفوذ في مكة. فقد قال ابن الخطاب للنبي ﷺ حينما اعتذر عن القيام بدور الوساطة -: ولكني أدلّك على رجل أعزّ مني (يعني في قومه بمكة): عثمان بن عفّان. فقبل النبي ﷺ اعتذار عمر بن الخطاب، واستصواب مشورته بشأن إرسال عثمان بن عفان مبعوثًا خاصًّا إلى قريش. فقد استدعى النبي ﷺ عثمان وقال له: (اذهب إلى قريش فأخبرهم أنَّا لم نأْتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف (١). فصدع عثمان بأمر نبيِّه الكريم، وفي ذلك الجوّ المكهرب المشحون بالتوتر الشديد توجه عثمان إلى مكة ليبلغ ساداتها حقيقة موقف النبي ﷺ ونواياه السلمية المحضة، في رسالة (بعضهم يقول خطية، وبعضهم يقول شفوية) حملها عثمان إلى سادات قريش وزعمائها.

стр. 1317

محاولة الاعتداء على عثمان ولم يكن ابن الخطاب مخطئًا في تقديراته بأن قريش لن تتورّع عن الفتك بمن تجده من أصحاب النبي ﷺ حتى ولو كان عند أستار الكعبة. لقد اجتاز عثمان بن عفان حدود الحرم بمفرده قاصدًا مكة غير مبال بخطر الموت الذي قد يتعرض له على أيدي السفهاء من قريش الذين وفعلًا كاد المشركون المتهوّرون أَن يقتلوا عثمان أولًا أَن أَجاره أَحد أفراد قبيلته (العزيزة في مكة)، ففي ضواحي مكة وفي وادي (بلدح) (١) التقى عثمان بدورية مسلحة من فرسان قريش فكادوا أَن يفتكوا به لولا وجود أَبان بن سعيد بن العاص بن أَبي العاص بن أُمية بن عبد شمس, الذي كان ضمن رجال الدورية. عثمان في معسكر قريش ببلدح: ففي أَطراف مع مسكر التجمع القرشي في وادي (بلدح) غربي مكة، التقت دورية مساحة من فرسان قريش بعثمان فحاولوا الفتك به (بعد أَن عرفوه) لولا أَن أبان بن سعيد بن العاص (٢) الأَموي كان بينهم, فحال

стр. 1318

بين رجال الدورية وبين الاعتداءِ على عثمان، حيث أُعلن حمايته لابن عمه إِذ نادي: يا معشر قريش إِن عثمان بن عفان في جواري فكفّوا عن عثمان. قيمة الجوار في الجاهلية: وهذا الإِعلان من أَبان بن سعيد كافٍ لأَن يشلّ أي يريد صاحبها أن يمسَّ عثمان بن عفان بسوءٍ، ذلك أن قانون الجوار عند العرب في الجاهلية (وهو قانون غير مكتوب) له مكان القداسة، مجمعون على احترامه والعمل به، ولا يخرق هذا القانون إلا الذي لا يبالي أَن يعرض نفسه وقبيلته لحرب ضروس مدمِّرة. فقد كان المتعارف عليه أَن من حق أيِّ فرد في القبيلة أَن يُعطى جواره ويعلن حمايته لأَيّ إنسان أراد .. وإذا ما فعل ذلك، فإن قبيلة المجير تصبح - تلقائيًا - ملزمة بتحمل مسؤولية هذا الجوار، وهي حماية الإنسان الذي يجيره الفرد المنتسب إليها.

стр. 1319

وحسب قواعد قانون الجوار هذا كفَّ رجال الدورية القرشيون عن عثمان بن عفان، لأَنهم يعرفون أن التعرض له بسوء سيعرّضهم لمتاعب ومصاعب عديدة بعد أن أصبح (بإعلان هذا الجوار) في حماية بني عبد شمس جميعًا، وهي قبيلة لها ثقلها العظيم بين القبائل القرشية. اجتماع عثمان بسادات المشركين في بلدح: وفي وادي (بلدح) خارج مكة حيث تعسكر قريش وحلفاؤها بقواتهم الضاربة، اجتمع عثمان بن عفان بقادة قريش وأَبلغهم الرسالة التي كلفه النبي ﷺ أَن يبلغهم إياها، والمتضمنة تخييرهم بين أَحد أَمرين: إمّا الدخول في الإسلام، وإما إقامة سلام بينهم وبين المسلمين، وترك النبي ﷺ وسائر العرب، على أَن يلتزم القرشيون الحياد التام إِزاء أَي صراع دام ينشب بين النبي ﷺ وبقية مشركي العرب، كما تضمنت الرسالة أَيضًا إبلاغ قريش رسميًّا أَنَّ النبي ﷺ لم يأْت للحرب ولا رغبة له فيها، وإنما جاء معتمرًا، وأَنه فور انتهائه وأَصحابه من نحر الهدي وإكمال مناسك العمرة سيغادرون مكة عائدين إلى المدينة. ولكن قريشًا رفضت كل هذه الحلول السلمية التي تضمنتها الرسالة النبوية الكريمة وأصروا على التشبث بموقفهم المتعنّت. خلاصة الرسالة النبوية إلى قريش: وقد ذكر الواقدي خلاصة هذه الرسالة الهامة فقال: (فخرج عثمان حتى أَتى بَلدَح، فيجد قريشًا هنالك، فقالوا: أَين تريد؟ قال: بعثني

стр. 1320

رسول الله ﷺ إليكم يدعوكم إلى الله وإلى الإسلام تدخلون في الدين كافة، فإن الله مظهر دينه ومعزّ نبيّه، وأُخرى تكفّون، ويلي هذا منه غيركم، فإِن ظفروا بمحمد فذلك ما أَردتم، وإن ظفر محمد كنتم بالخيار، أَن تدخلوا فما دخل فيه الناس أَو تقاتلوا وأَنتم وافرون جامّون، إن الحرب قد نهكتكم وذهبت بالأَماثل منكم .. وأُخرى أَن رسول الله ﷺ يخبركم أَنه لم يأْتِ لقتال أحد، إنَّما جاءَ معتمرًا معه الهَدْي عليه القلائد ينحره وينصرف، فجعل عثمان يكلمهم فيأْتيهم بما لا يريدون، ويقولون قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدًا، ولا دخلها علينا عنوة فارجع إلى صاحبك فأَخبره أَنه لا يصل إلينا (١). عثمان في مكة: وبعد أَن أبلغ عثمان رسالة النبي ﷺ إلى كبار قادة قريش الموجودين في المعسكر بوادي (بَلداح) قرر أَن يتوجّه إلى مكة نفسها ليبلغ الرسالة النبوية من لم يكن حاضرًا في بلدح من سادات قريش. وعندما علم أَبان بن سعيد (مُجِير عثمان) برغبة ابن عمه في دخول مكة قرَّر أَن يكون في صحبته ليعرّف الناس أَنه في جواره فلا يعتدى عليه أَحد، فقد أَحضر أَبان فرسه وأَردف عثمان خلفه ثم انطلق به نحو مكة، ولما وصل مكة رأَى الناس عثمان وكانوا يعرفونه، وكانت رغبتهم جامحة في أَن يفتكوا به كأَحد الأَركان من أَصحاب محمد، ولكنَّهم لما رأَوه رديفًا لأبان بن سعيد بن العاص على فرسه، عرفوا أَنه في جواره فكفّوا عن أَذاه على مضض.

стр. 1321

وفي مكة أبلغ أبان بن سعيد عثمان بن عفان بأَن له مطلق الحرية أَن يبقى في مكة أَية مدة يشاء وأَن يذهب فيها إلى حيث يشاءَ، وأَن يتصل بمن يشاءَ من سادات مكة ممن لم يكن قد اجتمع بهم في بلدح. عثمان عند أبي سفيان: ولما كان أَبو سفيان بن حرب هو سيِّد بني أمية وكل عبد شمس وزعيم قريش الكبير، فقد نزل أَبان بن سعيد بعثمان عليه في داره، فاستقبل أبو سفيان عثمان فيها. وكان أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وزعماء قرشيون آخرون غير حاضرين في معسكر قريش (ببلدح) حين بلَّغ عثمان وجوه القوم وقادتهم رسالة النبي ﷺ . ولذلك اجتمع عثمان بهؤلاء الزعماء (صفوان بن أُمية وأبي سفيان بن حرب وبقية الزعماء) في مكة فأبلغهم رسالة النبي ﷺ وقال لهم: مثلما قال لزملائهم من الزعماء والقادة في وادي بلدح. ولكن جواب أبي سفيان وصفوان وبقية الزعماء في مكة لم يكن يختلف عن القادة الذين في معسكرهم ببلدح، حيث كان جوابهم في مكة الرفض الكامل لكل ما جاءَ في الرسالة النبوية جملة وتفصيلا. قريش تطلب من عثمان أن يطوف فيرفض: ولما كان عثمان في ضيافة قومه بني أمية وفي جوارهم لم يجرؤ أَحد من المشركين على التعرّض له بأَي أَذى، بل صاروا يتودَّدون إليه، فقد

стр. 1322

قالوا له: إن شئت أَن تطوف بالبيت فطف به، وما كانوا ليقولوا له ذلك لولا أَنه في جوار بني عبد شمس وحمايتهم. غير أَن عثمان رفض عرض القرشيين فقال: ما كنت لأَفعل حتى يطوف رسول الله ﷺ (١). وشاع بين المسلمين في الحديبية بأَن عثمان طاف بالبيت، فقال الصحابة: يا رسول الله وصل عثمان إلى البيت فطاف، فقال الرسول ﷺ : ما أظن عثمان يطوف بالبيت ونحن محصورون، قالوا: يا رسول الله وما يمنعه وقد وصل إلى البيت؟ فقال ﷺ : ظني به أَلّا يطوف حتى نطوف (٢). بئس ما ظننتم: فلما رجع عثمان إلى الحديبية قال له الصحابة: اشتفيت من البيت يا عبد الله؟ ؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، لو كنت بها سنة والنبي ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت، ولقد دعتني قريش إِلى أَن أَطوف فأَبيت ذلك عليها، فقال المسلمون لرسول ﷺ : كان أَعلم بالله تعالى وأحسننا ظنًّا (٣). مبعوث السلام يزور المستضعفين في مكة: وقد انتهز مبعوث النبي ﷺ قريش عثمان بن عفان فرصة وجوده في مكة والحرية الكاملة التي أُعطيت له في ظلّ جوار قومه بني

стр. 1323

أَمية المشركين .. انتهز فرصة وجوده هذه، فقام بزيارة المستضعفين المسلمين من النساء والرجال الذين ظلوا يعيشون داخل المجتمع القرشي المشرك في مكة، لعدم تمكنهم من الهجرة واللحاق بالمسلمين في المدينة، إما لكونهم من النساء، وإما لكونهم من الذين لا عصبية لهم في قريش تحميهم من الاضطهاد، كالموالي أَو كالأَفراد الذين استوطنوا مكة وهم ليسوا من أَهلها. فقد قام عثمان بزيارة هؤلاء المستضعفين المسلمين في مكة (فردًا فردًا) وبشَّرهم بأَن عهد التخلص من الظلم الوثني قد أَزف وأَن اليوم يكونون فيه أَحرارًا لا يستخفون فيه بدينهم من أَحد بمكة لقريب جدًّا، وقد كان هذا التبشير ضمن رسالة خاصة حملها عثمان إلى هؤلاء المستضعفين من النبي محمد ﷺ . فقد قال عثمان نفسه - فيما يرويه المحدثون عنه ضمن قصة سفارته إلى قريش ... : ثم كنت أَدخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء - مستضعفين فأَقول: إنَّ رسول الله ﷺ يبشركم بالفتح ويقول: "أَظلّكم حتى لا يستخفى بمكة الإِيمان"، قال عثمان: فقد كان الرجل منهم والمرأَة تنتعب حتى أَظن أَنه يموت فرحًا بما خبّرته، فيسأَل عن رسول الله ﷺ فيخفي المسأَلة، ويشتد ذلك على أَنفسهم، ويقولون: اقرأْ على رسول الله ﷺ منا السلام، إنَّ الذي أَنزله بالحديبية لقادر أن يدخله مكة (١).

стр. 1324

إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان: لقد مضى على المسلمين في سهل الحديبية حوالي عشرين يومًا وهم محصورون ممنوعون من دخول الحرم. وكانوا طيلة هذه الأَيام مُحرمين، لا يقلّمون ظفرًا ولا يقطعون شعرًا ولا يمسّون طيبًا، ولا يقربون إمرأَة، قد شعث واتَّسخ شعرهم وقمل بعضهم، لطول بقائهم محرِمين، ولا يخفى ما في طول المكث بالإحرام من مشقة نفسية وجسدية على المحرم. ولا شك أن صحة الكثير منهم باتت معرّضة للخطر، نتيجة هذا الحبس والإِحصار الذي لا مبرّر له، والذي نالهم بسبب تهديد قريش باستخدام السلاح ضد المسلمين والدخول معهم في حرب ضروس إن اجتہازوا حدود الحرم ... حرب ما كان مخفف آلام البشرية ومنقذ الإنسانية والداعية الأَول المسلم والمحبة والسلام، راغبًا فيها بل حريصًا كل الحرص على تجنبّها، ولذلك لم تكن واردة ضمن برنامجه منذ تحرّك في رحلته الروحية السلمية من المدينة، والتي كان شعارها الوحيد: (إننا لم نأْتِ لقتال أَحد إِنما جئنا لنطوف بهذا البيت) (١). لقد بذل النبي ﷺ بروحه السمحة العالية المحبة للسلام - والكارهة للحرب - بذل كل ما وسعه لإِحلال السلام بينه وبين قومه وعشيرته، وإبعاد شبح الحرب البغيض التي بدا واضحًا أن كبرياءَ سفهاء قريش الوثنية تتوق إلى إشعال نيرانها، ظنًّا من هؤلاء السفهاءِ أَنهم بخوضهم هذه الحرب ضد المسلمين بالقرب من مكة قد يستعيدون

стр. 1325

ما فقدوه من كرامة عسكرية في بطاح بدر وسمعة حربية وسياسية عند مشارف الخندق قرب أَسوار المدينة. بذل النبي الأَعظم ﷺ كل ما في وسعه ليجنب أَصحابه المؤمنين في الحديبية، وقومه وعشيرته المشركين في مكة شرور وويلات هذه الحرب، وذلك في مختلف العروض السلمية البناءة الهادفة، التي تقدم بها إلى أهله وعشيرته في مختلف المواقف والمناسبات. عرضها للوسطاء الذين بعثت بهم قريش لمفاوضته ومناقشته، بل وبعث بها (إلى زعماءِ قريش في مكة) سفراءَ من خاصته وبطانته لعله ينجح في إقناع قريش بالجنوح إلى السلم، والتخلي عن فكرة الحرب التي لم يكن لدى قريش من مبرّر لها أَو موجب، لا سيما وأَن سادات مكة قد تبلغوا (بما لا يدع مجالًا للشك) أَن النبي ﷺ وأَصحابه لم يأْتوا للحرب ولم تكن لهم أَية رغبة فيها، بدليل أَن كلَّ شيء في مخيماتهم بالحديبية يدل على أَنه ليس بينهم أَية علامة تدل على نيّة للحرب، وإنما كل شيء يشير (كما شهد بذلك رسل قريش ووسطاؤها والمحايدون الذين قاموا بزيارة المسلمين في معسكرهم) إلى السلم والسلم فقط. تضايق المسامين من طول المكث: لقد بدا واضحًا أَن المسلمين باتوا متضايقين لطول مكثهم في الحديبية دونما الوصول إلى حلّ يدخلون بموجبه مكة لأَداء مناسك العمرة والتحلل من إِحرامهم الذي أَجبرهم بغي قريش وشططها على الالتزام بمواجباته الشاقة حوالي عشرين يومًا.

стр. 1326

وأَخذت حدّة التوتر تتزايد نتيجة تضايق المسلمين من طول الاحتباس في الحديبية، ونتيجة استمرار قريش في تمسكها بموقفها المتعنّت المتصلّف، رغم العروض السلمية العادلة المنصفة التي عرضها النبي ﷺ على سادات مكة حقنًا للدماء والمتضمنة أَن توافق قريش على السماح للمسلمين بزيارة البيت على أَن يغادر هؤلاء مكة إلى المدينة بمجرد تحللهم من إحرامهم المتلبسين به منذ خروجهم من المدينة. المسلمون واقتحام مكة بالقوة: لقد كان رأْي الصحابة أَن يقوموا باقتحام مكة وشقّ طريقهم إليها بحدّ السيف، ما دام أَن جميع المحاولات السلمية الصادقة ظلت تُبذَل من جانب النبي ﷺ طيلة حوالي عشرين يومًا دون أَن تلقى من جانب القرشيين أَية استجابة أَو حتى تخفّف غطرستهم وشططهم. وكان بإمكان المسلمين أَن يقتحموا مكة ويحتلوها بالرغم من الفارق الكبير بينهم وبين قريش في العدد، حيث أَن القوات القرشية وحلفاءها يفوقون عدد المسلمين عدة أَضعاف، ولكن التجارب في بدر وأُحد والخندق وكل المعارك التي خاضها المسلمون ضد أَعدائهم أَثبتت أَن النصر دائمًا ليس للكثرة الغامرة وإنَّما لمن يحمل العقيدة الصادقة. غير أَن المسلمين مع رغبتهم العارمة في دخول مكة وقدرتهم على اقتحامها بالقوة لكسر طوق الحصار الذي فرضته قريش عليهم بدافع من كبرياءِ الوثنية والعنجهية الجاهلية ليس إلا، فإن هناك شيئًا واحدًا قد قيَّدهم تقييدًا كاملًا عن الإِقدام على ما يريدون، وهو رغبة النبي

стр. 1327

الأَعظم ﷺ الذي يدرك ما لا يدركون - في تجنب القيام بأَي عمل يكون من شأْنه زيادة حدة التوتر والإِسراع إلى إِراقة الدماءِ. وهكذا فإن النبي ﷺ إزاء كل ما أَقدمت عليه قريش من حماقات تمثَّلت في استفزازتها للمسلمين والإصرار على اللجوءِ إلى السلاح لمنعهم من دخول الحرم، التزم ضبط النفس وكظم الغيظ، ولم يتسرَّع في الإِقدام على أَية خطوة من شأْنها قدح شرارة الحرب إلى أَعلن - على لسان مبعوثيه الخاصين إلى قريش وأَمام رسالها ووسطائها الذين زاروه في معسكره بالحديبية - كرهه لها ورغبته الأَكيدة الصادقة في تجنبها، وأَنها آخر ما يفكر فيه من الوسائل لإِقناع قريش بالتسليم بحق النبي وأَصحابه في الطواف بالبيت وتركهم يباشرون هذا الحق. بيعة الرضوان نقطة التحول في حل الأزمة: ك ان النبي ﷺ يعني كل كلمة يقولها عندما أَعلن في اليوم الأَول الذي نزل فيه بأَصحابه الحديبية، بأَنه قد استبعد نهائيًا فكرة محاربة قومه عن طريق البدءِ بالهجوم، وأَنه مستعد لفتح الحوار معهم، وعلى استعداد لقبول أَية خطة سلام يعرضونها يكون فيها للحفاظ على صلة الرحم وصون حرمة الحرم عن سفك الدماء حين قال: "لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسأَلوني فيها صلة الرحم إلَّا أَعطيتهم إياها" (١) وفي رواية: "أَما والله لا يسأَلوني اليوم خطة في تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها" (٢). ثم أَمر أَصحابه بالعودة حيث عسكروا في الحديبية

стр. 1328

وكان قد ترك الحديبية وأخذ في الاتجاه لاجتياز حدود الحرم، وكان ساعتها - وقبل أن يُدْلي بهذا التصريح السلمي الهام - قد رسخ في أذهان أصحابه الألف والأربع مائة أنه سيستخدم السلاح لمقاتلة قريش (في اليوم الأول من وصوله) إن هي حاولت التعرُّض له ومنعه من دخول مكة بالقوة. ولذلك استعدّ أصحابه للحرب تحسبًا لأي طارئ، إلَّا أن تصريحه الهام هذا، وابتعاده بأصحابه عن حدود الحرم قد جعل نشوب الحرب بينه وبين قومه أمرًا بعيد الإحتمال. وقد ظلت فكرة السلم والبعد عن الحرب والحرص على صون دماء الفريقين من أن تراق في حرم الله، هي السائدة لدى النبي القائد ﷺ ولهذا فإنه ﷺ كنبيّ جاء رحمة للعالمين أولًا، وكقائد حكيم يحرص على هداية قومه وصلة أرحامهم وأن يبرَّهم وإن عقّوه ثانيًا) ابتعد وأمر أصحابه بالابتعاد عن أية مزايدات كلامية أو تصريحات عنترية يكون من شأنها إلهاب الموقف والاقتراب بالفريقين إلى حافة حرب لم يأتِ لها ولا رغبة له فيها، ولهذا ظل ﷺ شعاره الرئيسي دعوة قومه - وعشيرته إلى السلام في كل حديث أو حوار يدور بينه وبينهم طيلة إقامته محصورًا في الحديبية. فعل ذلك بالرغم من أن قومه من أهله وعشيرته لم يتركوا وسيلة من وسائل الاستفزاز والتحدِّي له ولأصحابه إلا واتبعوها، فملأوا الدنيا بالمزايدات الكلامية والتصريحات العنترية، واستنفروا حلفاءهم للحرب سفهًا وبطرًا ورئاء الناس، وأخذوا فوق ذلك (في استفزاز ملهبًا للأعصاب) يستعرضون - أمام النبي وأصحابه - عضلاتهم العسكرية بإقامة استعراضات حربية لمختلف كتائب جيوشهم من خيالة ومشاة على

стр. 1329

مرمى الحجر من المسلمين, بل ذهبوا في سفههم إلى أبعد من ذلك، حيث تسللت عدة وحدات من فرسانهم إلى داخل معسكر المسلمين في الحديبية أثناءَ الظلام, بغية إثارة المسلمين واستدراجهم إلى الحرب التي لم يأتوا لها، ولن يكونوا خاسرين إذا ما خاضوها، ولكنها أوامر النبي الأعظم الذي لا يصدر إلا عن أمر ربه. تحول المسلمين نحو الحرب، جعل قريشًا تطلب السلم: وبالرغم من كل هذه الحماقات ظل النبي شعاره هو هو، لم يتغير (الدعوة إلى السلام وحقن الدماء) وظلت قريش من جهة أخرى ممعنة في غرورها وبطرها تهدد بالحرب وتصرّ على منع المسلمين من دخول مكة مھهما كانت النتائج. غير أنه ظهر على سطح الأحداث (فجأة) حادث، أوجد تغييرًا جذريًّا في موقف المسلمين، جعلهم يتحولون من موقف الصبر والسلم إلى موقف الحرب، وذلك حينما اتخذ النبي ﷺ قرارًا حاسمًا بمحاربة قريش والدخول معها في معركة حاسمة. الأمر الذي كان له من ناحية أُخرى الأثر الحاسم في تبخير العنجهية من أدمغة سادات مكة واختفاء التصريحات العنترية والمزايدات الكلامية، وجعل سادات مكة يبحثون عن السلم بنفس الرغبة الملحّة التي كانوا بها يسعون إلى الحرب. وذلك عندما جاءت الفكرة وذهبت السكرة (كما يقول المثل) على أثر القرار الحاسم الذي اتخذه النبي ﷺ وأعلن بموجبه الاستنفار

стр. 1330

العام بين جميع وحدات جيشه المرابطة في الحديبية لتكون على أهبة الاستعداد لمناجزة المشركين بالزحف على مكة. فقد عمّ الذعر صفوف المشركين وانتاب قادتهم الخوف والفزع للقرار الحاسم الذي اتخذه النبي ﷺ بمحاربة قريش، وصار لذلك هم سادات المشركين محصورًا في إيجاد وسيلة لإبعاد شبح الحرب ولإحلال السلام بين الفريقين، وهو ما ظلّ النبي ﷺ يدعو إليه (صادقًا) طيلة عشرين يومًا، وتأباه قريش وترفضه في غطرسة بغيضة. فبعد أن كان النبي ﷺ يسعى في تحقيق السلام فيبعث بالمبعوث تلو الآخر إلى قريش لتحقيق هذه الغاية، تغير الموقف عكسًا وانقلبت قريش نفسها تسعى جاهدة طالبة إحلال السلام، وانتهت مساعيها (وهي لا تكاد تصدِّق) إلى إقامة صلح بينها وبين المسلمين تحقن بموجبه الدماء وتضع الحرب أوزارها لمدة عشر سنين، ويُمكن المسلمين بموجبه من دخول مكة وزيارة البيت الذي حرموا زيارته طوال سبع سنوات كاملة. سبب اتخاذ النبي القرار بإعلان الحرب: أما سبب التحوّل الفجائي الحاسم في موقف المسلمين نحو الحرب، فهو أن النبي ﷺ قد بعث كما تقدم (ضمن مساعيه السلمية) عثمان بن عفان إلى مكة لإبلاغ قريش حقيقة نوايا المسلمين السلمية، وأنهم لا يرغبون في الحرب، ومحاولة إقناع قريش بالتخلي عن مواقفها المتصلفة المشبعة بروح الحرب الظالمة، كي يتاح للمسلمين أداء مناسكهم وإبلاغ الهدي محلَّه.

стр. 1331

وبينما كان عثمان بن عفان موجودًا في مكة بلغ النبي ﷺ وهو في الحديبية - أن قريشًا بدلًا من أن تتفهَّم نواياه السلمية وتجيبه إلى ما دعا إليه من إقامة سلام بين الفريقين، عدت على عثمان وعشرة من الصحابة كانوا معه في مكة فقتلوهم جميعًا (١). ولم يسع النبي ﷺ عندما بلغه مقتل عثمان وأصحابه على أيدي القرشيين إلا أن يستنفر أصحابه ويدعوهم إلى مقاتلة المشركين وذلك بأن دعاهم إلى مبايعته على الموت، بعد أن نزل الأمر بذلك من السماء. وقد لبَّى أصحابه جميعًا (وعددهم ألف وأربعمائة) نداءه فبايعوه تحت الشجرة في الحديبية، فامتدحهم الله تعالى وأثنى عليهم وأعلن رضاه عنهم، بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وهذه هي بيعة الرضوان المشهورة. قال الإمام الطبري في تاريخه (ج ٢ ص ٦٣٢): أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتل قال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. وفي رواية أُخرى عن سلمة بن الأكوع أنه قال: نادى منادي النبي ﷺ أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فسرنا

стр. 1332

إلى رسول الله ﷺ وهو تحت سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١). ابن الخطاب يمسك بيد الرسول للمبايعة: وعن جابر بن عبد الله (٢) أنهم كانوا أربع عشرة مائة، قال: فبايعنا رسول الله ﷺ ، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره (٣). وذكر الواقدي تفصيلًا أوسع لقصة المبايعة فقال: (وكان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه يتحارسون الليل, وكان الرجل من أصحابه يبيت على الحرس حتى يصبح يطيف بالعسكر، فكان محمد بن مسلمة على فرس النبي ﷺ يحرس - ليلة من تلك الليالي وعثمان بمكة، وكان عثمان قد أقام بمكة ثلاثًا يدعو قريشًا، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن من رسول الله ﷺ على أهليهم، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان وأصحابه قد قتلوا، فذلك حين دعا إلى البيعة. ثم إن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّي ومكرز بن حفص، فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ يؤمّ منازل بني مازن بن النجار, وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعًا, قالت أم عمارة (٤): والرسل تختلف بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فمرّ بنا رسول الله ﷺ يومًا في منزلنا. قالت: فظننت أنه يريد حاجة، فإذا هو قد

стр. 1333

بلغه أن عثمان بن عفان قد قتل، فجلس في رحالنا ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة. قالت: فأقبل الناس يبايعونه في رحالنا حتى تدارك الناس فما بقى لنا متاع إلا وطئ، فبايع رسول الله الناس يومئذ. قالت: فكأني أنظر إلى المسلمين قد تلبسوا السلاح -وهو معنا قليل-، إنما خرجنا عمّارًا، فأنا أنظر إلى غزيّة بن عمرو (كان زوجها) وقد توشّح بالسيف، فقمت إلى عمود كنا نستظل به فأخذته في يدي، ومعي سكين قد شددته في وسطي، فقلت: إن دنا مني أحد رجوت أن أقتله. فكان رسول الله ﷺ يومئذ يبايع الناس وعمر بن الخطاب آخذ بيده فبايعهم على ألا يفرّوا. وقال قائل: بايعهم على الموت. ويقال: أول الناس بايع: سنان بن أبي سنان بن محصن (١) فقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول الله ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان بن أبي سنان (٢). النبي يبايع عن عثمان: ولما كان عثمان بن عفان غائبًا في سفارته إلى قريش بمكة، بايع عنه النبي ﷺ فضرب بإحدى يديه على الأخرى (٣). وقال ابن برهان الدين: (أن النبي ﷺ قال حين بايع عن عثمان:

стр. 1334

(اللهم إنَّ عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله فأنا أبايع عنه فضرب بيمينه شماله) (١). وفي الترمذي: (وكانت يسرى رسول الله ﷺ خيرًا من أيمانهم). (٢) وفي مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٥: (فلما رجع عثمان أتى به رسول الله ﷺ إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب يمينه على شماله). عثمان يبايع النبي تحت الشجرة: وبعد أن أطلقت قريش سراح عثمان والعشرة من الصحابة دعا النبي ﷺ وجاء به وبايعه تحت الشجرة، بعد أن بايع له في غيابه. قال الواقدي: فلما رجع عثمان أتى به رسول الله ﷺ إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له فضرب يمينه على شماله (٣). قريش تسعى للصلح بعد البيعة: وبعد أن تمت البيعة في الحديبية تأكد لدى سادات مكة أن ذلك يعني الاستنفار العام بين المسلمين، وأن البيعة لا تعني تصميم المسلمين

стр. 1335

على خوض الحرب ضد قريش، فخاف القرشيون خوفًا شديدًا، لأنهم يدركون (سلفًا أن نتيجة هذه الحرب إذا ما نشبت) ستكون في غير صالحهم مستمدين هذا الإدراك من التجارب العلمية القاسية التي لمسوها في بدر وأُحد والخندق. كيف نصح سهيل بن عمرو قريشًا بالجنوح إلى السلم ! ؟ .. ولهذا فقد سارع زعماء قريش إلي طلب الصلح من المسلمين، بناءً على مشورة ونصح سهيل بن عمرو سيّد بني عامر بن لؤي. فقد كانت قريش (عندما شعرت بحراجة الموقف وازدياد حدة التوتر إلى حد الانفجار قبل البيعة) بعثت بسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى (١) وآخرين من الزعماء إلى الحديبية ليجسّوا نبض المسلمين ويطلعوا على حقيقة الموقف كما هو بين المسلمين، ثم يقدّموا تقريرًا إلى نواب دار الندوة في مكة ليتخذ هؤلاء النواب القرار النهائي بشأن هذه الأزمة التي باتت تقلق المشركين - في الواقع - أكثر مما تقلق المسلمين. ولقد اطلع سهيل بن عمرو وباقي أعضاء وفده - الذين هم في واقعهم
следующие страницы →