← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وبينما كان عثمان بن عفان موجودًا في مكة بلغ النبي ﷺ وهو في الحديبية - أن قريشًا بدلًا من أن تتفهَّم نواياه السلمية وتجيبه إلى ما دعا إليه من إقامة سلام بين الفريقين، عدت على عثمان وعشرة من الصحابة كانوا معه في مكة فقتلوهم جميعًا (١). ولم يسع النبي ﷺ عندما بلغه مقتل عثمان وأصحابه على أيدي القرشيين إلا أن يستنفر أصحابه ويدعوهم إلى مقاتلة المشركين وذلك بأن دعاهم إلى مبايعته على الموت، بعد أن نزل الأمر بذلك من السماء. وقد لبَّى أصحابه جميعًا (وعددهم ألف وأربعمائة) نداءه فبايعوه تحت الشجرة في الحديبية، فامتدحهم الله تعالى وأثنى عليهم وأعلن رضاه عنهم، بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وهذه هي بيعة الرضوان المشهورة. قال الإمام الطبري في تاريخه (ج ٢ ص ٦٣٢): أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتل قال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. وفي رواية أُخرى عن سلمة بن الأكوع أنه قال: نادى منادي النبي ﷺ أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فسرنا

стр. 1332

إلى رسول الله ﷺ وهو تحت سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١). ابن الخطاب يمسك بيد الرسول للمبايعة: وعن جابر بن عبد الله (٢) أنهم كانوا أربع عشرة مائة، قال: فبايعنا رسول الله ﷺ ، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره (٣). وذكر الواقدي تفصيلًا أوسع لقصة المبايعة فقال: (وكان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه يتحارسون الليل, وكان الرجل من أصحابه يبيت على الحرس حتى يصبح يطيف بالعسكر، فكان محمد بن مسلمة على فرس النبي ﷺ يحرس - ليلة من تلك الليالي وعثمان بمكة، وكان عثمان قد أقام بمكة ثلاثًا يدعو قريشًا، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن من رسول الله ﷺ على أهليهم، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان وأصحابه قد قتلوا، فذلك حين دعا إلى البيعة. ثم إن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّي ومكرز بن حفص، فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ يؤمّ منازل بني مازن بن النجار, وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعًا, قالت أم عمارة (٤): والرسل تختلف بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فمرّ بنا رسول الله ﷺ يومًا في منزلنا. قالت: فظننت أنه يريد حاجة، فإذا هو قد

стр. 1333

بلغه أن عثمان بن عفان قد قتل، فجلس في رحالنا ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة. قالت: فأقبل الناس يبايعونه في رحالنا حتى تدارك الناس فما بقى لنا متاع إلا وطئ، فبايع رسول الله الناس يومئذ. قالت: فكأني أنظر إلى المسلمين قد تلبسوا السلاح -وهو معنا قليل-، إنما خرجنا عمّارًا، فأنا أنظر إلى غزيّة بن عمرو (كان زوجها) وقد توشّح بالسيف، فقمت إلى عمود كنا نستظل به فأخذته في يدي، ومعي سكين قد شددته في وسطي، فقلت: إن دنا مني أحد رجوت أن أقتله. فكان رسول الله ﷺ يومئذ يبايع الناس وعمر بن الخطاب آخذ بيده فبايعهم على ألا يفرّوا. وقال قائل: بايعهم على الموت. ويقال: أول الناس بايع: سنان بن أبي سنان بن محصن (١) فقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول الله ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان بن أبي سنان (٢). النبي يبايع عن عثمان: ولما كان عثمان بن عفان غائبًا في سفارته إلى قريش بمكة، بايع عنه النبي ﷺ فضرب بإحدى يديه على الأخرى (٣). وقال ابن برهان الدين: (أن النبي ﷺ قال حين بايع عن عثمان:

стр. 1334

(اللهم إنَّ عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله فأنا أبايع عنه فضرب بيمينه شماله) (١). وفي الترمذي: (وكانت يسرى رسول الله ﷺ خيرًا من أيمانهم). (٢) وفي مغازي الواقدي ج ٢ ص ٦٠٥: (فلما رجع عثمان أتى به رسول الله ﷺ إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب يمينه على شماله). عثمان يبايع النبي تحت الشجرة: وبعد أن أطلقت قريش سراح عثمان والعشرة من الصحابة دعا النبي ﷺ وجاء به وبايعه تحت الشجرة، بعد أن بايع له في غيابه. قال الواقدي: فلما رجع عثمان أتى به رسول الله ﷺ إلى الشجرة فبايعه، وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال: إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله، فأنا أبايع له فضرب يمينه على شماله (٣). قريش تسعى للصلح بعد البيعة: وبعد أن تمت البيعة في الحديبية تأكد لدى سادات مكة أن ذلك يعني الاستنفار العام بين المسلمين، وأن البيعة لا تعني تصميم المسلمين

стр. 1335

على خوض الحرب ضد قريش، فخاف القرشيون خوفًا شديدًا، لأنهم يدركون (سلفًا أن نتيجة هذه الحرب إذا ما نشبت) ستكون في غير صالحهم مستمدين هذا الإدراك من التجارب العلمية القاسية التي لمسوها في بدر وأُحد والخندق. كيف نصح سهيل بن عمرو قريشًا بالجنوح إلى السلم ! ؟ .. ولهذا فقد سارع زعماء قريش إلي طلب الصلح من المسلمين، بناءً على مشورة ونصح سهيل بن عمرو سيّد بني عامر بن لؤي. فقد كانت قريش (عندما شعرت بحراجة الموقف وازدياد حدة التوتر إلى حد الانفجار قبل البيعة) بعثت بسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى (١) وآخرين من الزعماء إلى الحديبية ليجسّوا نبض المسلمين ويطلعوا على حقيقة الموقف كما هو بين المسلمين، ثم يقدّموا تقريرًا إلى نواب دار الندوة في مكة ليتخذ هؤلاء النواب القرار النهائي بشأن هذه الأزمة التي باتت تقلق المشركين - في الواقع - أكثر مما تقلق المسلمين. ولقد اطلع سهيل بن عمرو وباقي أعضاء وفده - الذين هم في واقعهم

стр. 1336

عيونًا وجواسيس جاءوا في صورة وفد للتفاوض - اطَّلعوا على حقيقة الموقف في الحديبية وأخذوا الانطباع الصحيح عن مدى الغليان الشديد بين المسلمين ومدى استعدادهم لخوض المعركة الفاصلة إنْ هي نشبت. سهيل بن عمرو يشاهد بيعة الرضوان: ولعله من حسن طالع قريش أن يكون سهيل بن عمرو وباقي أعضاء وفده حاضرين في الحديبية ساعة مبايعة المسلمين لنبيّهم ﷺ على الموت. فقد شاهد سهيل وأصحابه إجراءات البيعة، فرأوا مظهرًا من أعظم مظاهر التفاني في خدمة العقيدة، والاستعداد للتضحية والفداء في سبيل الله، فملئت قلوبهم رُعْبًا، وقرّ في أعماق نفوسهم أنه لا يمكن لقريش أن تنتصر على هؤلاء الذين يكاد بعضهم يطأ ظهر بعض وهم يتسابقون ليشدّوا على يد نبيّهم القائد مبايعينه على الموت، والبهجة والفرح والسرور والغبطة تعلو وجوههم. لذلك عاد سهيل بن عمرو وأصحابه إلى قريش وقدّموا إلى دار الندوة تقريرًا شاملًا عما رأوا وشهدوا في الحديبية، وقد أفصحوا لنواب دار الندوة في هذا التقرير عن مخاوفهم من نتيجة الحرب إذا ما نشبت، وضمنوا هذا التقرير نصح قريش بأن تسارع إلى مهادنة المسلمين وعقد صلح معهم تضع بموجبه الحرب أوزارها. وقد استجاب نواب برلمان قريش إلى الاقتراح الداعي إلى مصالحة المسلمين، فيعيّنوا منهم وفدًا برئاسة سهيل بن عمرو ليتولى مفاوضة المسلمين من أجل إقامة الصلح.

стр. 1337

قال الواقدي: ثم إن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى ومكرز بن حفص، فلما نظرت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى ومن كان معه وعيون قريش (١) إلى ما رأت من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم للحرب، اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضيّة، فرجع حويطب بن عبد العزّى وسهيل بن عمرو ومكرز بن حفص إلى قريش، فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب رسول الله ﷺ إلى البيعة، وما جعلوا له. فقال أهل الرأي منهم: ليس خيرًا من أن نصالح محمدًا على أن ينصرف عنَّا عامه هذا ويرجع قابل، فيقيم ثلاثًا وينحر هَدْيه وينصرف ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا. فأجمعوا على ذلك، فلمّا أجمعت قريش على الموادعة والصلح بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزَّى ومكرز بن حفص وقالوا (لسهيل رئيس الوفد). إئت محمدًا فصالحه، وليكن في صلحك: لا يدخل في عامه هذا، فوالله لا يتحدّث العرب أنك دخلت (لعله: أنه دخل علينا عنوة) (٢). سهيل بن عمرو النجم اللامع: ك ان سهيل بن عمرو من النجوم اللامعة بين سادات قريش في العقل والحلم والرزانة وأصالة الرأي وبعد النظر. ولهذا كانت قريش تدّخره للقضايا المعقَّدة وتفزع إليه لحلّ المعضلات، لذلك لمّا تعقدت مشكلة الحديبية ووصلت إلى انفجار

стр. 1338

الحرب على أثر استنفار النبي ﷺ أصحابه وتعبئتهم للمعركة التي بات واضحًا لدى قريش أن المسلمين سيخوضونها على إثر ما وصلهم من خبر اعتقال المشركين عثمان والعشرة من المهاجرين وقتلهم في مكة. . لجأَت إلى هذا السيد العامريّ ليكون رئيس وفدها في مفاوضات السلام التي قرَّر برلمان مكة (دار الندوة) إجراءها مع المسلمين لإنهاء الأَزمة. هيئة الوفد القرشي: وقد تمَّ تأْليف وفد المفاوضة من ثلاثة أعضاءٍ من سادات مكة، هم: ١ - سهيل بن عمرو (عامري) رئيسًا. ٢ - حويطب بن عبد العزى (عامري) عضوًا. ٣ - مكرز بن حفص (عامري) عضوًا. المخطوط العريضة للمعاهدة عند قريش: ويظهر أن قريشًا قد وضعت في برلمانها (دار الندوة) لوفدها المفاوض المخطوط العريضة لما يجب أن تكون عليه المفاوضة في الحديبية بين الفريقين. ومهما يكن فإنه يمكن القول: إن البيعة في الحديبية قد كانت عامل تحول جذري في موقف قريش من العناد والتصلُّب والشطط إلى الاعتدال. فقد كانت نقطة الخلاف الرئيسية والتي كاد الخلاف حولها بين

стр. 1339

المسلمين وقريش يؤدي إلى حرب مدمِّرة، هو أن قريشًا كانت تصرُّ على منع المسلمين (كلّيًا) من دخول مكة ما بقى لقريش فيها سلطان. ولكن قريشًا تراجعت أخيرًا عن فكرة منع المسلمين من دخول مكة ولكن بأُسلوب يحفظ لها شيئًا من ماء الوجه بين العرب الذين شاع بينهم أن قريشًا لن تسمح للمسلمين بدخول مكة أبدًا. فقد وافقت - في قرارها الأخير في دار الندوة - على السماح - للمسلمين بدخول مكة لأَداء مناسك العمرة، ولكن ليس في هذا العام وإنما في العام القادم، وهو قرار ما كانت قريش لتتخذه لولا ذلك القرار الحازم الذي اتخذه النبي القائد ﷺ والذي بموجبه أَعلن لن ينصرف إلى المدينة حتى يناجز قريشًا. لذلك - ولخوف قريش الشديد من الحرب التي لم يعد أَمرها مجرّد كلام في الهواء، ترسله قريشًا للمزايدة -، أَعطت قريش رئيس وفدها إلى الحديبية سهيل بن عمرو صلاحيات مطلقة لإحلال السلام، على أن يركِّز أثناء المفاوضات على التمسك بمطلب واحد لا يحيد عنه، وهو أَن قريشًا لا تمانع في أن يدخل المسلمون مكة، ولكن شريطة أن يكون ذلك في العام القادم. فقد قالوا لسهيل بن عمرو: (صالح محمدًا ولا يكن في صلحه إلَّا أن يرجع عنَّا عامه هذا) (١). وتركت باقي التفاصيل والإجراءَات في صيغة معاهدة الصلح لسهيل بن عمرو يصوغها كيف شاء، وكان سهيل رجلًا صريحًا شهمًا عفّ اللسان (ديبلوماسيًا) لبقًا في محادثاته، مع منزلة عالية في دنيا

стр. 1340

الفصاحة، حيث كان يعدّ في مقدمة خطباء قريش المفوَّهين (وقد أسلم فيما بعد، وحسن إسلامه فاستشهد في معركة اليرموك الشهيرة في الشام). سهل الله لكم من أمركم: توجه سهيل بن عمرو والوفد المرافق له إلى الحديبية، وقد استبشر النبي ﷺ وبشَّر أصحابه بالفرج عندما رأى سهيلًا مقبلًا، فقال: قد سهَّل الله لكم من أمركم (١)، وقال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ قال: (سهَّل الله أَمركم، القوم ماتّون إليكم بأَرحامكم وسائلوكم الصلح فابعثوا الهدي وأَظهروا التلبية، لعلّ الله يُلِين قلوبهم، ففعلوا ذلك فارتفعت أصواتهم بالتلبية من نواحي العسكر تشق عنان السماء (٣). رغبة النبي في السلام: ولا شك أَن هذا التصرف من النبي ﷺ يدل على أَنه - بالرغم من اتخاذه القرار الحاسم بمحاربة قريش - لا يزال يأْمل في الوصول إلى حل عادل للمشكلة يضمن حقن الدماء ويضمن للمسلمين مباشرة حقهم في دخول مكة للطواف بالبيت وهو الحق الذي أصرت قريش على

стр. 1341

إهداره بقوة السلاح حين أَعلنت أَنها ستحول (بحدّ السيف) دون دخول المسلمين مكة حتى وإن كانوا جاءوا للعمرة فقط. بدء المفاوضات: كان الجو أكثر صفاءً والحالة أكثر هدوءًا في محيط الفريقين أكثر من أي وقت مضى، عندما وصل وفد قريش إلى الحديبية. فقد كانت قريش جادة هذه المرة في المفاوضة، بل وراغبة كل الرغبة في حل المشكلة لتتجنب الصدام المسلح الذي أَرعبها وشوك وقوعه والذي لم يكن لدى سادات مكة وقادة أَلويتها المؤلفة من أكثر من ثمانية آلاف مقاتل أَن قريشًا ستكون هي الخاسرة إذا ما نشب الصدام، بالرغم من أن قوات قريش تقدّر بثمانية آلاف مقاتل، بينا قوة المسلمين لا تزيد على أَلف وأَربعمائة. وقد استمد زعماءُ قريش وقادها العسكريون اعتقادهم بأَنهم - مع هذا التفوق - سيخسرون المعركة - استمدّوا هذا الاعتقاد من التجارب العملية التي لمسوها في المعارك التي خاضوها ضد المسلمين، والتي خرجوا منها بدرس لن ينسوه أَثناء بحث أَيّ نزاع بينهم وبين المسلمين، وهو أن التفوق البشري وكثرة السلاح وجودة التسليح ليس كافيًا لإحراز النصر في المعارك، إذ أن هذا التفوق الكبير يكون في حساب اليسار في علم الحساب لا وزن له ولا قيمة. لهذا سارعت قريش - عندما جدَّ الجد - إلى التفاوض مع المسلمين لتتنجب الدخول معهم في صدام حقيقي مسلح.

стр. 1342

اعتذار رئيس الوفد القرشي للنبي ﷺ وإطلاق سراح عثمان وأصحابه: كانت التحريات الأخيرة أثبتت أن المشركين في مكة احتجزوا سفير النبي ﷺ إليهم، عثمان والعشرة المهاجرين الذين دخلوا معه مكة فعلًا، ولكن لم يثبت أن قريشًا قد قامت بقتل هؤلاء الأحد عشر كما أشيع وأحدث غليانًا في صفوف المسلمين بالحديبية، وأدّى إلى إعلان الاستنفار العام بين المسلمين في الحديبية. ولقد كان سهيل بن عمرو - كما قلنا - لبقًا ورجل سياسة ودولة، وكان أكثر القرشيين بُعْدًا عن العنجهيّة والعناد والتهوّر. ولهذا فإن أول ما افتتح به رئيس وفد قريش إلى الحديبية للمفاوضة هو الاعتذار للنبي ﷺ عن عمليات التسلّل التي قامت بها بعض وحدات من جيش قريش إلى داخل المعسكر الإسلامي في الحديبية (١) بقصد الاعتداء على المسلمين غدرًا. كما اعتذر سهيل بن عمرو عن عمليّة احتجاز عثمان والمهاجرين العشرة في مكة، ووصف كل هذه العمليات بأَنها من عمل السفهاء ولكي يبرهن على قوله هذا وكبداية طيبة من جانبه، أَرسل إلى قريش في مكة بأَن تسارع (فورًا) إلى إطلاق سراح عثمان بن عفّان وأَصحابه العشرة، وأن تبعث بهم مكرّمين إلى الحديبية، وقد فعلت قريش ذلك في الحال، فوصل عثمان وأَصحابه المحتجزين إلى الحديبية ففرح المسلمون بعودتهم سالمين.

стр. 1343

النبي يطلق سراح المشركين المحتجزين: كما أن النبيّ ﷺ من جانبه قام بإطلاق سراح المشركين الذين ألقى عليهم الحرس الإسلامي في الحديبية القبض أَثناءَ محاولتهم التسلل إلى داخل المعسكر للإغتيال والتخريب، وكان من بين هؤلاءِ المعتقلين عمرو بن أَبي سفيان بن حرب (١). فقد ذكر الواقدي أَن سهيل بن عمرو قال للنبي ﷺ لدي اجتماعه به للمفاوضة في الحديبية: (إنَّ من قاتلك لم يكن من رأَي ذوي رأَينا ولا ذوي الأحلام منّا، بل كنّا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائنا. تقدم سهيل بن عمرو بهذا الاعتذار إلى النبي ﷺ وعثمان بن عفّان والمهاجرون العشرة لا يزالون محتجزين في مكة لدى المشركين. ولذلك فإن سهيل بن عمرو، لما طلب من النبيّ ﷺ (عقب هذا الاعتذار) أن يطلق سراح سفهاءِ قريش المتسلّلين، وافق على طلبه ولكن بشرط أن تقوم قريش بإطلاق سراح عثمان وأَصحابه، فوافق سهيل في الحال بعد أن صرّح بأَن المطلب النبوي مطلب عادل يجب تحقيقه. فقد قال سهيل بن عمرو للنبي ﷺ : إبعث إلينا بأَصحابنا الذين أَسرت، فقال النبي ﷺ : إنني غير مرسلهم حتى ترسل أَصحابي. فقال سهيل: أَنصفتنا، ثم بعث سهيل بن عمرو: الشتيم بن عبد مناف التَّيمي إلى قريش يطلب منهم إطلاق سراح عثمان وأصحابه قائلًا: إنكم حبستم رجالًا، من أصحاب محمد بينكم وبينهم أرحام، لم

стр. 1344

تقتلوهم، وقد كنّا لذلك كارهين، وقد أَبى محمد أَن يرسل من أَسر من أصحابكم حتى ترسلوا أَصحابه، وقد أَنصفنا، وقد عرفتم أَن محمدًا يطلق لكم أَصحابكم فبعثت قريش إلى النبي ﷺ بمن كان عندهم وكانوا أحد عشر رجلًا، وأَرسل رسول الله ﷺ إليهم أَصحابهم الذين أُسروا، أَول مرة وآخر مرّة (١). بحث بنود الصلح: بعد عملية تبادل الأسرى بين الفريقين (إن صحَّ هذا التعبير) شرع النبيّ ﷺ وسهھيل بن عمرو في التفاوض حول البنود التي يجب أن تتضمنها معاهدة الصلح التي وافق الفريقان على إقامتها من حيث المبدإِ. وقد طال البحث والجدل والأَخذ والردّ والشد والجذب حول الاتفاق على بنود الصلح، كل فريق - دونما شك - يريد بنودًا تكون لمصلحة قومه. النبي في حراسة أصحابه: وقد تعثّرت المفاوضات في كثير من مراحلها، إذ تحوّل النقاش في بعض الأَحيان إلى صخب ولغط حيث كان رئيس الوفد القرشي كلما فشل في إملاء شرط على النبيّ لا يرضاه، رفع صوته غاضبًا، إلى حدّ جعل قائدَي حرس المسلمين (عبّاد بن بشر وسلمة بن سلمة) القائمين

стр. 1345

على رأْس رسول الله يلفتان نظر سهيل بن عمرو، بأَن يلتزم حدود اللياقة في مخاطبة الرسول ﷺ فلا يرفع صوته أَكثر من اللازم. قالت أُم عمارة تصف جانبًا من المفاوضات في الحديبية: إني لأنظر إلى رسول الله ﷺ جالسًا يومئذ متربّعًا، وإن عباد بن بشر وسلمة بن سلمة بن حريش مقنَّعان بالحديد، قائمان على رأْس النبي ﷺ إذ رفع سهيل بن عمرو صوته قالا: إخفض من صوتك عند رسول الله ﷺ ، وسهيل بارك على ركبتيه، رافع صوته كأَني أَنظر إلى علم (١) في شفته وإلى أَنيابه، وإن المسلمين لحول رسول الله ﷺ ، جلوس (٢). بنود الصلح التاريخية: وبعد طول الأَخذ والرد بين المتفاوضين تقاربت وجهات النظر، وتمَّ الاتفاق بين النبي ﷺ ورئيس وفد قريش سهيل بن عمرو على حل وسط، بشأْن النقطة الرئيسية التي كانت مثار الخلاف والتوتر الذي كاد يؤدي إلى الحرب. فقد كانت قريش تصرّ على أَن لا يدخل المسلمون مكة أبدًا ما بقى لقريش فيها سلطان، ومن أجل ذلك حشدت حوالي ثمانية آلاف مقاتل وعسكرت بهم في وادي بلدح خارج مكة لتصدّ المسلمين بالقوة إنْ هم اجتازوا حدود الحرم.

стр. 1346

ومن جهة أُخرى فقد صمم النبي ﷺ على أَن يدخل بأَصحابه مكة لأَداء مناسك العمرة، ومقاتلة القرشيين إن تعرّضت قواتهم المسلحة للمسلمين وحاولت صدهم عن البيت. . وبالرغم من التزام النبي ﷺ ، سبيل التريّث والتأَنّي في انتظار حل مرضٍ يكفل للمسلمين حقهم المشروع في زيارة البيت (دون إراقة دماء) فقد عمدت قريش إلى تصعيد الأَزمة وتأْزيم الموقف الذي بلغ حدّ الانفجار، عندما أَقدمت قريش على احتجاز سفير النبي ﷺ إليها عثمان بن عفّان وعشرة من المهاجرين في مكة، وزاد الحالة توتّرًا أن صاحَبَ عملية الاحتجاز التعسفيّة هذه إشاعة بأَن القرشيين قتلوا المسلمين الأَحد عشر، فقرر النبي ﷺ على أثر ذلك مناجزة المشركين واقتحام مكة عليهم بقوة السلاح، الأَمر الذي أَفزع قريشًا وأَرعبها وجعلها تسارع إلى طلب الصلح من المسلمين. الحل الوسط: وكان الحل الوسط بشأْن نقط النزاع الرئيسية هذه هو اتفاق النبيّ وقريش في هذه المفاوضات على أن يدخل المسلمون مكة للعمرة، ولكن ليس في هذه السنة، وإنَّما في العام القادم، وذلك كحل وسط رأَت قريش أنها به خرجت من الورطة التي أَوقعت نفسها فيها، مع شيء من حفظ ماء الوجه. كما أن النبي ﷺ قد رأى أنه - بهذا الحل - قد حقق للمسلمين نصرًا عظيمًا دون أن يُضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة. . وهذا النصر هو ضمان اتفاقية الصلح حقِّ المسلمين المشروع في دخول مكة لزيارة البيت،

стр. 1347

وهو ما كانت قريش تعارض فيه كل المعارضة، وتصرّ على عدم الاعتراف للمسلمين به. أما مسأَلة إرجاء مباشرة المسلمين حق دخول مكة سنة واحدة، فلا تؤثر في جوهر الانتصار الذي حققه النبي ﷺ المسلمين، لأَن هذا التأْخير أَمر سطحيّ بالنسبة لجوهر القضية، ما دام أَن المسلمين سيصلون إلى غايتهم التي جاءوا من أَجلها وهو الطواف بالبيت. ويمكن القول: إن قبول النبي ﷺ الرجوع من الحديبية ليدخل مكة في العام القادم، هو ثمن لمكاسب أَهمها حصول المسلمين على حقهم المشروع - وهو دخول مكة - دون أَن يخسروا قطرة دم واحدة، لأَن النبي ﷺ كان حريصًا كل الحرص على حقن الدماء وصونها عن الضياع (١). أهم بنود الصلح: وبتوصّل الفريقين إلى الاتفاق على حل أَعظم مشكلة، كانت مصدر التوتر ومبعث الخلاف، تمّ إبرام الصلح التاريخي في الحديبية. وقد تضمنت معاهدة الصلح هذه بنودًا أُخرى غير البند الرئيسي المتعلّق بدخول المسلمين مكة، وفيما يلي ملخّص للبنود التي تضمنتها معاهدة هذا الصلح: ١ - على المسلمين أن يرجعوا إلى المدينة دون أَن يدخلوا مكة ذلك العام.

стр. 1348

٢ - من حق المسلمين أن يأْتوا في العام القادم فيدخلوا مكة ليقضوا مناسكهم. ٣ - تلتزم قريش بعدم التعرض للمسلمين حين يدخلون مكة، بأي نوع من أنواع التعرض. ٤ - على المسلمين لدى دخولهم مكة أن لا يحملوا من السلاح إلَّا سلاح الراكب وهو السيف. ٥ - يلتزم المسلمون بأن لا يشهروا سلاحهم وهم بمكة، بل عليهم أن يتركوا السيوف في أغمادها ما داموا في مكة. ٦ - المدة المحددة التي ليس للمسلمين أن يقيموا أكثر منها في مكة، ثلاثة أيام فقط، عليهم أن يغادروا مكة بعد انقضائها فورًا. ٧ - إنهاء حالة الحرب القائمة بين المسلمين وقريش، بقيام هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، يأمن الناس فيها على انفسهم. ٨ - يلتزم النبي ﷺ بأن يردّ إلى قريش كل من جاء إليه من أبنائها بعد إبرام هذه المعاهدة، إذا كان قد جاء بغير إذن أهله، وعلى النبيّ الالتزام بذلك حتى ولو كان اللاجيء مسلمًا. ٩ - ليس على قريش أن تردّ إلى النبي ﷺ من جاء إليها من المسلمين حتى ولو كان مرتدًا عن دينه. ١٠ - تترك الحرية المطلقة للقبائل المجاورة للحرم لينضمُّوا إلى أيِّ المعسكرين شاءُوا، ويدخلوا في عهد أي الفريقين أرادوا. ١١ - تعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي من المعسكرين جزءًا من المعسكر الذي تدخل في عهده، له ما لها، وعليه ما عليها، وعليها الالتزام بما جاء في بنود المعاهدة.

стр. 1349

١٢ - أي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانًا على المعسكر الداخلة في عهده كما يعتبر هذا العدوان مبطلًا للمعاهدة. هذا الملخص هو ما يمكن تسميته بالخطوط العريضة للصلح التاريخي، هذا الذي أقرّه واتفق عليه كل من محمد بن عبد الله نبي المسلمين، وسهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضة. المعارضة الشديدة للاتفاقية: وبعد الاتفاق على القواعد الكاملة لمعاهدة الصلح هذه، وقبل تسجيل وثائقها ظهرت بين المسلمين معارضة شديدة وقوية لهذه الاتفاقية، وخاصة البند الثامن والتاسع اللذين بموجبهما يلتزم النبي ﷺ بردّ من جاءَه من المسلمين لاجئًا، ولا تلتزم قريش بردّ من جاءَها من المسلمين مرتدًّا، والبند الأول الذي يقضي بأن يعود المسلمون من الحديبية إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة ذلك العام. قد كان أشدّ الناس معارضة لهذه الاتفاقية وانتقادًا لها، عمر بن الخطاب، وأُسيد بن حُضَير سيد الأوس، وسعيد بن عبادة سيِّد الخزرج. احتجاج ابن الخطاب ومجادلته النبي ﷺ : فقد ذكر المؤرخون أنه بينما كانت الإجراءات تتخذ لتسجيل المعاهدة التي تم الاتفاق عليها نهائيًّا، إذا بعمر بن الخطاب يأتي إلى رسول الله ﷺ معلنًا معارضته لهذه الاتفاقية، وهو في حالة من الكرب والانفعال يشاركه في هذه المعارضة جمهور المسلمين الموجودين في الحديبية.

стр. 1350

ألسنا بالمسلمين وأليسوا بالمشركين ؟ فقد قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ معارضًا الاتفاقية - يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى! قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعْطى الدنيَّة في ديننا؟ . فردّ النبي ﷺ على استجوابات ابن الخطاب الشديدة، ردّ عليه فقال له: (في يقين النبيِّ وحلم السيد وحكمة القائد) أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني (١). ويظهر أن غضب ابن الخطاب ومعارضته للاتفاقية وقوة اعتقاده الغبن فيها، كانت أشدّ من أن تترك له الفرصة ليتفَّهم ما قاله له النبي ﷺ ردًّا على استجواباته، فذهب الفاروق - وهو على ذلك المستوى من الانفعال - إلى وزير النبيّ الأكبر أبي بكر الصدِّيق، فاحتجَّ لديه وأبلغه معارضته للاتفاقية التي وصفها بأنَّها تشتمل على الدنيَّة للمسلمين، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا؟ فقال أبو بكر - ناصحًا الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة -: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أُمر به، ولن نخالف أمر الله ولن يضيّعه الله (٢).

стр. 1351

اشتداد الكرب على المسلمين: ولم يكن ابن الخطاب وحده مكروبًا من شروط القرشيين في هذا الصلح، بل كان أكثر الصحابة متأَلِّمين من هذه الشروط، وغير مرتاحين للموافقة عليها، ولكن ليس كلُّهم كابن الخطاب جرأَة في الإفصاح عن ما يريدون الإفصاح في مثل هذه المواقف، لقد كان الصحابة كارهين للصلح ومشاركين لابن الخطاب في الشعور بالامتعاض والغمِّ والهمِّ نتيجة قيام هذا الصلح الذي لم يدركوا أبعاده كما أدركها النبي الأعظم ﷺ . فقد كانوا لا يشكُّون في أنهم سيدخلون مكة للرؤيا التي رأى رسول الله ﷺ وهو في المدينة بأنه سيدخل مكة ويأخذ مفتاح الكعبة. ولذلك صُدِموا صدمة شديدة عندما قام الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش على أساس أن يعود المسلمون. دون أن يدخلوا مكة فكادوا - يهلكون لهذه الصدمة النفسية العنيفة. وقد باحثوا النبي ﷺ حول ما يختلج في صدورهم حول هذا الأمر المزعج بالنسبة لهم وتقدموا إليه بعدة أسئلة، ولكن بغير الأسلوب الشديد الذي عبر به عمر بن الخطاب في معارضته. قال أبو سعيد الخدري - يصف امتعاض الصحابة وكرههم الصلح، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصلح، لأنهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رسول الله ﷺ أنه حلق رأسه، وأنه دخل البيت، فأخذ مفتاح الكعبة، وعرَّف مع المعرِّفين، فلما رأوا الصلح دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهہلكون.

стр. 1352

وقال عمر ورجال معه من أصحاب النبي ﷺ : يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرِّفين؟ وهَدْينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال رسول الله ﷺ : قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا. فقال رسول الله ﷺ : أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة (١). حادثة أبي جندل المؤثرة: وبينما كان المسلمون في حالة من الضيق والكرب يراجعون رسول الله ﷺ لإعادة النظر في بنود الصلح التي اعتبروها ماسَّة بكرامتهم ومخيبة لآمالهم - كما صرَّح بذلك كبير معارضيهم عمر بن الخطاب أمام الرسول الأعظم ﷺ وبينما كان النبي الحكيم الحليم يحاول تهدئتهم وإقناعهم بأن لا حيف ولا غمط في اتفاقية الصلح التي تم الوصول إليها بينه وبين سهيل بن عمرو، وبينما أخذ البعض من الصحابة في تفهم أبعاد هذه الاتفاقية ومدى مكاسبها بالنسبة للمعسكر الإسلامي ... إذا بحادث مؤثِّر يحدث فجأَة، يلهب الموقف من جديد ويضاعف من ألم المسلمين ويزيد من كربهم ويعمِّق في نفوسهم من الكره للصلح الذي كانوا في الأصل كارهين له. ومستعدِّين لإبطاله وعدم الالتزام به، لولا احترامهم الشديد المطلق لنبيّهم الذي رغب في هذا الصلح ووافق عليه.

стр. 1353

فعندما انتھهى النبي ﷺ ومندوب قريش سهھيل بن عمرو، من المفاوضات التي انتهت بالاتفاق على بنود الصلح، ولم يبق سوى تسجيل وثائقه للتوقيع عليها، إذا بأحد الشباب المسلم من المضطهدين في مكة، يطلع على المسلمين يرسف في قيوده والسيف في يده طالبًا من المسلمين في الحديبية حق اللجوء ليفرّ بدينه من المناخ الشركي الخانق، وقد تمكن هذا الشاب المؤمن الصابر من الاحتماء بمعسكر المسلمين حيث وصل إلى حيث يجلس رسول الله ﷺ مع الوفد القرشي المفاوض. وقد زاد الأمر تعقيدًا، وكاد يؤدِّي إلى نسف اتفاقية الصلح والعودة بالأزمة الخطيرة إلى أشد مما كانت عليه قبل الاتفاق، هو أن هذا - الشاب اللاجيء المسلم، هو ابن رئيس وفد قريش المفاوض، سهيل بن عمرو، الذي لم يكد يرى ابنه المسلم (أبا جندل) حتى استشاط غضبًا، ونهض من مجلس النبي ﷺ في عصبية جاهلية - إلى ابنه الذي فرّ من سجنه بمكة، فضربه على وجهه، ثم أخذ يجرُّه بتلابيبه ويدفع به أمامه ليعيده إلى معسكر المشركين تمهيدًا لإعادته إلى سجنه بمكة. وعندما اعتدى سهيل بن عمرو المشرك على ابنه المسلم بالضرب، وأخذ يدفعه بعنف لإعادته إلى المعتقل صاح أبو جَنْدل مستغيثًا بالمسلمين يا معشر المسلمين أَأُردّ إلى المشركين فيفتنونني في ديني (١)؟ . فالتهبت عواطف المسلمين من جديد ضد اتفاقية الصلح، وساد الموقف توترًا جديدًا، كاد ينسف الاتفاقية، بعد أن تدخَّل المسلمون - لحماية أبي جندل المسلم من أبيه المشرك، إذ انتزعوه منه (على ما يظهر)

стр. 1354

ليبقى معهم، لأن تلك رغبته الخاصة، ولأنه أصبح منهم، عضوًا في الأُسرة الإسلامية الكبرى. ولم يحاول سهيل بن عمرو انتزاع ابنه بالقوة من أيدي المسلمين، بل لجأ إلى الاحتجاج لدى النبي ﷺ وطلب بتسليم ابنه المسلم - تطبيقًا للبند الثامن من الاتفاقية الذي ينص على التزام النبي ﷺ ، بإعادة كل من جاءه مسلمًا من أَبناءِ المشركين إلى أهله. فقد قال سهيل بن عمرو في احتجاجه: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردّوه (١) (أي ابنه أبا جندل) وقد حاول النبي ﷺ الاعتذار عن تسليم أبي جندل لأبيه، بأَن المعاهدة لم يجر تسجيلها والتوقيع عليها قائلًا: "إننا لم نقض الكتاب بعد" (١). ولكنَّ سهيل بن عمرو أصرَّ على تسلم ابنه محتجًا بأن الاتفاقية تعتبر في حكم المنتهية، وهدَّد بأَنه سيلغي الاتفاقية إذا لم يتسلم ابنه أبا جندل، حيث قال: "هذا أول ما أقاضيك عليه، لقد لجّت (٢) القضية بيني وبينك قبل أَن يأْتيكَ هذا - يعني ابنه - والله لا أُكاتبك على شيء حتى تردّه إِليّ" (٣). تسليم أبي جندل للمشركين: ولم يسَع محمد بن عبد الله ﷺ وهو أبرّ من أوفى بالعهد - إلَّا أن يقف عند كلمته، ويطبق الاتفاقية نصًّا وروحًا ويسلم أبا جندل المسلم

стр. 1355

إلى أبيه المشرك، فسلَّمه على ما في ذلك من إيلام للنفوس المؤمنة، لأن الوفاءَ بالعهد - عند من هو في منزلة رسول الله - أسمى من العواطف. النبي يعتذر لأبي جندل: وقد اعتذر النبيّ ﷺ للشاب المسلم أبي جندل بأَنه لا يمكنه القيام بأَيِّ عمل يحول بين أبيه وبين اعتقاله، لأن ذلك لو فعله، يعتبر نقضًا للعهد الذي أَعطاه لقريش، وغدرًا لا يرضى أبو جندل نفسه أن يقدم عليه أحد من المسلمين العاديين فضلًا عن سيدهم وقائدهم فإن الله جاعل لك ولمن معك (أي من المستضعفين) فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنَّا لا نغدر (١) ". أبو جندل يستسلم ويطيع أمر الرسول: وقد اقتنع أبو جندل كل الاقتناع بما قاله النبي ﷺ فأطاع أَمر الرسول ﷺ فاستسلم لأَبيه المشرك وكله ثقة واطمئنان بأن الله سيجعل له ولإخوته المستضعفين من الشباب المسلم في مكة مخرجًا، لأن النبيَّ ﷺ بشرّه بذلك، والمؤمن الثابت لا يمكن أن يكون لديه أدنى ريب في صدق ما يقوله الرسول ﷺ ، ولذلك عاد أبو جندل يرسف في قيوده إلى سجنه الرهيب بمكة وهو قرير العين هادئ البال للبشرى التي

стр. 1356

بشَّره بها نبيّه: "فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا"، وفعلًا لم تمض سنة على مأْساة أبي جندل المؤلمة في الحديبية حتى كتب الخلاص له ولسبعين من إخوته الشباب في مكة، إذ تمكنُّوا (وبصورة لا يدري أحد كيف تمت) من الهرب من سجون الشرك في مكة، وكونوا لهم تجمعًا ثوريًا إسلاميًا في الساحل على طريق قوافل المشركين بين مكة والشام، كما سيأتي تفصيله في هذا الكتاب إن شاء الله. ازدياد الكرب على المسلمين: وبعد أن أعاد النبہي ﷺ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو تزايد ضغط الكرب والهمّ والغہمّ على نفوس المسلمين حتى كادوا يهہلكون. وقد بلغ الألم النفسي بالمسلمين (للحالة المؤلمة التي عاد عليها أبو جندل إلى معتقل الشرك ومناخ الكفر) إلى درجة أنهم صاروا يبكون توَّجعًا لما حلَّ بأبي جندل، الشاب الطيب المثالي المسلم، الذي أخذه أبوه المشرك الفظّ يجره في وحشية وقسوة أَمامهم دون أن يقوموا بأيِّ عمل لإنقاذه، مع قدرتهم التامة على ذلك. سهيل بن عمرو يرفض شفاعة الرسول في ابنه: وكان الرسول الأعظم ﷺ بعد أن سلَّم بحق سهيل بن عمرو في اعتقال ابنه ووافق على تسليمه - طلب من سهيل أن يتركهـ له، ويتنازل عن حقه في اعتقاله، لا سيما أنه جاء بمحض اختياره راغبًا في الالتحاق بالمسلمين، ولكن سهيلًا رفض هذا الطلب، وأصرّ على استعادته فكان له ما أراد لأَن ذلك حق له كفلته شروط الصلح.

стр. 1357

عضوا الوفد القرشي يجيران أبا جندل: غير أن العضوين في وفد قريش وهما (حويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص) لما رأَيا إلحاح النبيّ ﷺ على سهيل بن عمرو في أن يترك ابنه ويعفيه خوفًا عليه من التعذيب ورأيا سهيلًا يرفض شفاعة النبي ﷺ استحيا، فأبلغا النبي ﷺ بأن أبا جندل سيكون في حمايتهما من شرّ أَبيه، فقالا: يا محمد نحن نجيره لك، وفعلًا أبلغا سهيل بن عمرو بأن ابنه أصبح في جوارهما، ثم أدخلاه فسطاطًا، فكف أبوه عن إيذائه (١) وكان هذا أول فرج ينال أبا جندل مصداقًا لقول النبي ﷺ له: "فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا". وقد روى الإمام الواقدي قصة أبي جندل المؤثرة هذه فقال: "فبينما الناس على ذلك قد أصطلحوا، والكتاب لم يُكتب، أقبل أبو جندل بن سهيل، قد أفلت يرسف في القيد متوشحًا السيف، خلا له أسفل مكة، فخرج من أسفلها، حتى أتى رسول الله ﷺ وهو يكاتب سهيلًا، فرفع سهيل رأسه، فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه سهيل فضرب وجهه بغصن شوك، وأخذ بلبتّه وصاح أبو جندل بأعلى صوته يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرًّا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزّى لمكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قطّ أشد حبًّا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض أما إني أقول لك لا تأْخذ من محمد نصفًا أبدًا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عَنْوة! فقال مكرز: أنا أرى ذلك: قال الواقدي: وقال سهيل النبي ﷺ : هذا

стр. 1358

أَوّل ما قاضيتك عليه، ردُّوه، فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال سهيل: والله لا أُكاتبك على شيء حتى تردّه إليَّ فردّه رسول الله ﷺ ، فكلَّم رسول الله ﷺ سهلًا أن يتركه فأَبى. فقال مكرز بن حفص وحويطب: يا محمد نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطًا فأجاره، وكفَّ أبوه عنه. ثم رفع رسول ﷺ صوته فقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنَّ الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا! إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنا لا نغدر. تفجر المعارضة بين المسلمين من جديد: وكان استحكام حلقات محنة أبي جندل وتعاظم مأساته بإعادته إلى أبيه رغمًا عن إرادته سببًا في تفجير المعارضة للصلح من جديد داخل المعسكر الإسلامي، فقد طغى الحزن والأسى على نفوس المسلمين واعتبروا ما نال أبا جندل من إهانة على يد أبيه المشرك دون أن يستطيع المسلمون حمايته، بسبب التزامات نبيِّهم في الصلح .. اعتبروا ذلك أول القطاف المرّ لثمار صلح الحديبية، فعادوا إلى المعارضة من جديد، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله ﷺ وعاودوا مناقشته واستجوابه مبہدين ألمهھم ومعارضتھهم للصلح، ومتسائلين: كيف ولماذا يعودون إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة، وقد وعدهم رسول الله ﷺ ذلك وهم بالمدينة؟ .

стр. 1359

التفكير في التمرد ولكن ! بل لقد فكَّر بعضهم - لشدة ما ناله من الحزن والأسى - في التمرّد والخروج لمقاتلة المشركين في الحديبية رغم اتفاقيَّة الصلح، لولا أَنْ عصمه الله من الإقدام على هذا التمرد. فقد روى عن كبير المعارضين للصلح (الفاروق عمر بن الخطاب) أنه قال في خلافته - فيما رواه عنه ابن عبَّاس وكان يتحدّث عن صلح الحديبية - ارتبت ارتيابًا لم أرتبه منذ أسلمت إلَّا يومئذ، ولو وجدت ذلك اليوم (يوم الصلح) شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضيّة لخرجت ثم جعل الله ﵎ عاقبتها خيرًا ورشدًا وكان رسول الله ﷺ أعلم (١) وفي رواية أُخرى أَنَّ عمر قال: ما زلت أصوم وأتصدَّق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلَّمت يومئذ. وقال أبو سعيد الخدري جلست إلى عمر بن الخطاب يومًا فذكر القضيَّة (أي صلح الحديبية) فقال: لقد دخلني يومئذ من الشك، وراجعت النبي ﷺ يومئذ مراجعة ما راجعته مثلها قط؛ ولقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابًا وصمت دهرًا، وإني لأذكر ما صنعت خاليًا فيكون أكبر همي، ثم جعل الله عاقبة القضية خيرًا، فينبغي للعباد أن يتَّهموا الرأي، والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي: لو كنا مائة رجل على مثل رأْيي ما دخلنا فيه أبدًا، فلما وقعت القضيَّة أسلم في الهدنة أكثر ممّن كان أسلم من يوم دعا رسول الله ﷺ إلى يوم الحديبية وما كان في الإسلام فتح أعظم من الحديبية.

стр. 1360

وروى البخاري في صحيح به عن عمران بن حصين (١) قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف (٢) من صفِّين أتيناه نستخيره، فقال: اتّهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلَّا سَهُلْنَ بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خُصْمًا إلا انفجر علينا خُصْم، ما ندري نأْتي له (٣). ابن الخطاب يغري أبا جندل بقتل أبيه المشرك: وبالرغم من تفكير بعض الصحابة - وعلى رأسهم الفاروق عمر - في التمرُّد بمقاتلة المشركين رغم الاتفاق على الصلح بين النبي ﷺ وسهيل بن عمرو - كما صرح بذلك ابن الخطاب وعمران بن حصين -

стр. 1361

فقد عصمهم الله من هذا الأمر الخطير، فكظموا غيظهم وابتلعوا آلامهم فظلوا عند أوامر النبي ﷺ القاضية بعدم محاربة المشركين .. والتزموا بها. غير أن عمر بن الخطاب قام بمحاولة لقتل رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو المشرك، دون أن يكون ذلك مخلًا بالتزامات النبي ﷺ المنصوص عليها في معاهدة الصلح، وذلك بأن لجأ عمر إلى أبي جندل وأخذ يشجعه على قتل أبيه المشرك، ولكنَّ أبا جندل مع رغبته في ذلك أبلغ عمر بأنه كمسلم يلتزم بما التزم به نبيه محمد ﷺ ، لا يمكنه قتل سهيل، لأن ذلك يُعدّ خروجًا على أوامر النبي ﷺ ، وهذا ما لا يرغب فيه أبو جندل. فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب - حين كان في شدة الانفعال - مشى إلى جنب أبي جندل، وأبوه يترّه ويدفعه، فقال: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، وإنما هو رجل وأنت رجل ومعك السيف، قال عمر: فرجوت أن يأْخذ السيف ويضرب أباه، فضنَّ الرجل بأبيه. فقال عمر: يا أبا جندل: إن الرجل يقتل أباه في الله، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله (١)، فرجل برجل! قال: وأقبل أبو جندل على عمر فقال: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله ﷺ عن قتله وقتل غيره، قال عمر: فقال لي أبو جندل: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله مني (٢).

стр. 1362

يا عمر لعله يقوم مقامًا يحمد عليه: وعندما بلغ النبي ﷺ أن عمر بن الخطاب أغرى أبا جندل بأبيه سهيل بن عمرو ليقتله قال ﷺ : يا عمر لعله أن يقوم في الله مقامًا يحمد عليه (١). عودة المعارضة إلى مناقشة النبي ﷺ : وبعد حادثة أبي جندل المؤلمة المؤثرّة عاد الصحابة إلى تجديد المعارضة للصلح، وذهبت مجموعة منهم إلى رسول الله ﷺ بينهم عمر بن الخطاب لمراجعته، وإعلان معارضتهم مجددًا للصلح، إلَّا أن النبي الأعظم ﷺ استطاع هذه المرة - بما أعطاه الله من صبر وحكمة وحلم وقوة حجة - أقنع المعارضين بوجاهة الصلح، وأنه في صالح المسلمين وأنه نصر لهم، لا نصرًا لأعدائهم كما يتوهمون، فسلّموا نهائيًّا بوجهة نظر الرسول ﷺ وأنَّها الحق والصواب، بمن فيهم كبير المعارضين عمر بن الخطاب، الذي بعد أن أفاق من الصدمة النفسية - ندم ندمًا شديدًا على ما بدر منه من معارضة ومجادلة شديدة للنبيّ ﷺ حتى صار (كما قال): يتصدق ويُعتق الرقاب تكفيرًا عن ما ردّ به على رسول الله ﷺ بهذا الصدد. فقد قال الواقدي في مغازيه: إن عمر بن الخطاب ورجال معه من الصحابة، قالوا (في استجوابهم): يا رسول الله، ألم تكن حدَّثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرّفين؟ - وهَدْينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! .

стр. 1363

فقال رسول ﷺ : قلت لكم في سفركم هذا؟ . قال عمر: لا. فقال رسول ﷺ : أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكَّة وأعرِّف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أُحد إذ تُصْعِدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أُخراكم؟ . أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟ . أنسيتم يوم كذا؟ . وجعل رسول الله ﷺ يذكرهم أمورًا - أنسيتم يوم كذا؟ ، وجعل رسول الله ﷺ يذكرهم أمورًا - أنسيتم يوم كذا؟ ، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله يا نبيّ الله، ما فكّرنا فيما فكَّرت فيه لأنت أعلم بالله وبأمره، قال الواقدي: فلمَّا دخل رسول الله ﷺ عام القضيَّة وحلق رأسه قال: هذا الذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح أخذ مفتاح الكعبة فقال: ادعوا لي عمر بن الخطاب! فقال: هذا الذي قلت لكم. فلمّا كان في حجة الوداع بعرفة قال لعمر: أي عمر هذا الذي قلت لكم؟ قال عمر: أي رسول الله ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية (١). أبو عبيدة ينصح ابن الخطاب بالكف عن المعارضة: نعود إلى موضوع المعارضة. واستمر ابن الخطاب في المعارضة، وعاد يقول للنبي ﷺ : علام نعْطي الدنيَّة في ديننا؟ .

стр. 1364

قال الواقدي: ولقىَ عمر من القضيَّة أَمرًا كبيرًا، وجعل يردّ على رسول االله ﷺ الكلام ويقول علام نُعْطي الدنيَّة في ديننا؟ فجعل رسول االله ﷺ يقول: أنا رسول الله ولن يضيّعني! قال: فجعل (عمر) يردُّ على النبي ﷺ الكلام حتى قال: يقول أبو عبيدة بن الجراح: أَلا تسمع يا ابن الخطاب رسول ﷺ يقول ما يقول؟ تعوَّذ بالله من الشيطان واتهم رأيك. عمر يرجع عن المعارضة ويندم أشد الندم قال عمر: فجعلت أتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم حياءً، فما أَصابني قط شيء مثل ذلك اليوم، ما زلت أصوم وأتصدّق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ. فكان ابن عباس يقول: قال لي عمر في خلافته - وذكر قضية الحديبية -: ارتبت ارتيابًا لم أرتبه منذ أسلمت، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج رغبة عن القضية لخرجت، ثم جعل الله ﵎ عاقبتها خيرًا ورشدًا، وكان رسول الله ﷺ أعلم (١). وقال عمر (في رواية أُخرى): ما زلت أتصدّق وأصوم وأُصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا (٢).

стр. 1365

تسجيل المعاهدة وتبادل الوثائق: وبعد أن انتهت عاصفة المعارضة في صفوف الجانب الإسلامي المصلح واقتنع المعارضون بأنهم كانوا على خطإ في معارضتهم - بعد ما شرح لهم الرسول ﷺ أبعاد المكاسب العظيمة التي سيظفر بها المعسكر الإسلامي نتيجة إبرام هذا الصلح - عاد الوفدان - الإسلامي برئاسة الرسول الأعظم، والقرشي برئاسة سهيل بن عمرو - عادا إلى الاجتماع، لوضع الصيغة النهائية المفصلة للصلح الذي اتفق الوفدان من حيث المبدإِ على وضع خطوطه العريضة وقواعده الرئيسية. الخلاف حول صيغة المعاهدة: ولدى الشروع في وضع الصيغة النهائية للمعاهدة وكتابتها لتكون نافذة المفعول رسميًّا، حدث خلاف بين الوفدين حول بعض النقاط، كاد يعود بالأزمة إلى ما كانت عليه، فعندما شرع النبي ﷺ في إملاءِ الصيغة للمعاهدة المتفق على جوهرها أمر الكاتب بأن يبدأ المعاهدة بكلمة (بسم الله الرحمن الرحيم) وهنا اعترض رئيس الوفد القرشي سهيل بن عمرو وقال: لا أعرف الرحمن، اكتب (باسمك اللهم)، وعندها ثارت ثائرة الصحابة فضجُّوا محتجين على اعتراض سهيل، وأصروا على رفض اعتراض سهيل بن عمرو، وقالوا: هو الرحمن ولا تكتب إلا الرحمن، ولكن النبي ﷺ تمشيًا مع سياسة الحكمة والمرونة والحلم - أجاب سهيل بن عمرو وقال للكاتب: (اكتب باسمك اللهم) (١)، واستمر في الإملاء فأمر الكاتب أن يكتب: (هذا

стр. 1366

ما اصطلح عليه رسول الله) وقبل أن يكمل الجملة نهض سهيل بن عمرو مرة أخرى واعترض على كلمة (رسول الله) وطلب شَطبهَا من الوثيقة قائلًا: - لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك وأاتبعتك أفترغب عن إسمك وإسم أبيك محمد بن عبد الله، فقد ظلمناك إن كنت رسول، وما منعناك أن تطوف ببيت الله. لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب إسمك واسم ابيك (١). سيدا الأنصار يتدخلان: وعندما عارض سهيل بن عمرو وطالب بشطب كلمة (رسول الله) من صلب الوثيقة هاج المسلمون هياجًا شديدًا لهذا التصلُّف القرشي، وارتفعت أصواتهم بالاحتجاج الشديد وأصرُّوا على أن لا تُمحى كلمة (رسول الله) وقالوا للكاتب: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله. بل ذهب الغضب والإمتعاض بسيِّد الأَوس أُسَيد بن حُضَير وسيِّد الخزرج سعد بن عبادة إلى أن يتدخلا (عمليًّا) في الأمر فيأْخذا بيد الكاتب ليكف عن الكتابة، إلَّا إذا كتب في المعاهدة كلمة (رسول الله) وهدد المعارضون باستخدام السلاح واللجوء إلى الحرب لتأْديب قريش المتعجرفة، لأنهم اعتبروا ذلك إهانة لكرامة المسلمين حيث قالوا للكاتب بعد أن أمسكوا بيده ومنعوه من الكتابة -: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله، وإلا فالسيف بيننا! علام نُعطي الدنيَّة في ديننا. وهكذا تلبَّد الجو بالغيوم وبدت نُذُر الحرب تظهر في الأُفق من

стр. 1367

جديد، بعد أن عاد المسلمون إلى التهديد باستخدام القوة، وأَصرّت قريش من جانبها - ممثلة في سهيل بن عمرو - على التمسك بموقفها من ضرورة شطب كلمة (رسول الله) من الوثيقة، لأَنها تعتبر توقيعها عليها وهي تحمل كلمة رسول الله - إعترافًا رسميًا بأنه رسول الله لا سيما وأَنَّ هذه الوثيقة وثيقة رسمية دولية. الرسول يحسم الخلاف: غير أن الرسول الأعظم ﷺ بحكمته وتسامحه وبعد نظره وعدم اهتمامه بالشكليات في مثل هذه المواقف المصيرية الخطيرة - حسم الخلاف وأنهى الأزمة حين أمر أصحابه بالسكوت والتزام الهدوءِ ليتصرف هو حسب ما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فأَطاع الصحابة أمره فسكتوا، ثم أمر الكاتب - تحقيقًا لرغبة رئيس الوفد القرشي - أن يمحو كلمة (رسول الله) ويكتب بدلًا منها كلمة (باسمك اللهم) وبهذا انتهت آخر مرحلة من مراحل النزاع الخطير وكتبت المعاهدة من نسختين وتمَّ التوقيع والإشهاد عليها من الجانبين. قال الواقدي يروي هذا القصة: فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله ﷺ وسهھيل بن عمرو، ولما التأَم الأمر وتقارب، دعا رسول الله ﷺ رجلًا يكتب الكتاب بينهم، ودعا أوس بن خولى يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا أحد الرجلين، ابن عمك علي أو عثمان بن عفان، فأمر النبي ﷺ ، عليًّا يكتب، فقال رسول الله ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف الرحمن، أُكتب كما كنا نكتب

стр. 1368

باسمك اللهم. فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: هو الرحمن. وقالوا: لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذًا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول الله ﷺ : اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك أفترغب عن اسم أبيك محمد بن عبد الله؟ . فضجَّ المسلمون منها ضجة هي أشد من الأُولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا نكتب إلا محمدًا رسول الله. وقال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فروة عن واقد بن عمر، قال: حدثني من نظر إلى أُسيد بن حُضَير وسعد بن عبادة أخذًا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا! علامَ نعطي هذه الدنيَّة في ديننا؟ فجعل رسول الله ﷺ يخفضهم ويوميء بيده إليهم: اسكتوا، وجعل حُويطب بن عبد العزّى يتعجب مما يصنعون، ويقبل على مِكرَز بن حفص ويقول: ما رأيت قومًا أحوط لدينهم من هؤلاء القوم! . فقال رسول الله ﷺ اكتب باسمك اللهم. فنزلت هذه الآية في سهيل حين أبى أن يقرَّ بالرحمن: (﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فقال رسول الله ﷺ : أنا محمد بن عبد الله فاكتب! فكتب باسمك اللهم (٢).

стр. 1369

الصيغة النهائية لوثيقة الصلح: وبعد أن تغلبت حكمة الرسول الأعظم ﷺ على كل العقبات التي اعترضت طريق إكمال المعاهدة وتوقيعها - سواء من جانب الصحابة أو من جانب قريش - وبعد أن اختفت المعارضة نهائيًا بين المسلمين، ولم يعد للمشركين ما يعترضون به على نصوص المعاهدة بعد أن قبل النبي الحكيم كل اعتراضاتهم، وُضِعتْ الصيغة النهائية لهذه المعاهدة التاريخية ثم تمت كتابتها في نسختين، نسخة أخذها النبي ﷺ ونُسخة أخذها سهيل بن عمرو، وهذه هي الصيغة الحرفية لهذه المعاهدة الدولية التاريخية: (باسمك اللهم؛ هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال (١) وأن بيننا عيبة مكفوفة (٢)، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده دخل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أَتى محمدًا منهم بغير إذن وليِّه رده إليه، وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد لم ترده، وأن محمدًا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابل (٣) في أصحابه فيقيم ثلاثًا، لا يدخل علينا بسلاح إلَّا سلاح المسافر، السيوف في القُرَبِ (٤).

стр. 1370

شهود الصلح من الجانبين: وبعد الانتهاء من كتابة وثيقة الصلح، وكانت نسخة واحدة فقط قال سهيل بن عمرو: تكون عندي. وقال النبي ﷺ : بل عندي، وقد حُلَّ هذا الخلاف، بأن أمر النبي ﷺ أن يكتب نسخة طبق الأصل، ففعل، فأَعطاها سهيلًا. وهنا استدعى تسعة شهود ليضعوا شهادتهم على وثيقة الصلح، سبعة من المسلمين هم: ١ - أبو بكر الصدِّيق. ٢ - عمر بن الخطاب. ٣ - عثمان بن عفان. ٤ - عبد الرحمن بن عوف. ٥ - سَعْد بن أبي وقاص. ٦ - أبو عبيدة بن الجراح. ٧ - محمد بن مسلمة الأنصاري. واثنين من المشركين وهما: ١ - حُوَيْطب بن عبد العزّى. ٢ - مكرز بن حفص بن الأَخيف. وبالتوقيع على معاهدة صلح الحديبية تقشَّعت غيوم الحرب التي كانت تغطي جوّ المنطقة نتيجة الأَزمة الحادة الخطيرة التي افتعلتها قريش والتي كادت تؤدي إلى مصادمات دامية. كما أن هذا الصلح لم ينِه أزمة الحديبية، بل تناول النزاع الجوهري القائم بين قريش والمسلمين منذ بزغت شمس الدعوة
следующие страницы →