← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ما اصطلح عليه رسول الله) وقبل أن يكمل الجملة نهض سهيل بن عمرو مرة أخرى واعترض على كلمة (رسول الله) وطلب شَطبهَا من الوثيقة قائلًا: - لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك وأاتبعتك أفترغب عن إسمك وإسم أبيك محمد بن عبد الله، فقد ظلمناك إن كنت رسول، وما منعناك أن تطوف ببيت الله. لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك، ولكن اكتب إسمك واسم ابيك (١). سيدا الأنصار يتدخلان: وعندما عارض سهيل بن عمرو وطالب بشطب كلمة (رسول الله) من صلب الوثيقة هاج المسلمون هياجًا شديدًا لهذا التصلُّف القرشي، وارتفعت أصواتهم بالاحتجاج الشديد وأصرُّوا على أن لا تُمحى كلمة (رسول الله) وقالوا للكاتب: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله. بل ذهب الغضب والإمتعاض بسيِّد الأَوس أُسَيد بن حُضَير وسيِّد الخزرج سعد بن عبادة إلى أن يتدخلا (عمليًّا) في الأمر فيأْخذا بيد الكاتب ليكف عن الكتابة، إلَّا إذا كتب في المعاهدة كلمة (رسول الله) وهدد المعارضون باستخدام السلاح واللجوء إلى الحرب لتأْديب قريش المتعجرفة، لأنهم اعتبروا ذلك إهانة لكرامة المسلمين حيث قالوا للكاتب بعد أن أمسكوا بيده ومنعوه من الكتابة -: لا تكتب إلَّا محمدًا رسول الله، وإلا فالسيف بيننا! علام نُعطي الدنيَّة في ديننا. وهكذا تلبَّد الجو بالغيوم وبدت نُذُر الحرب تظهر في الأُفق من

стр. 1367

جديد، بعد أن عاد المسلمون إلى التهديد باستخدام القوة، وأَصرّت قريش من جانبها - ممثلة في سهيل بن عمرو - على التمسك بموقفها من ضرورة شطب كلمة (رسول الله) من الوثيقة، لأَنها تعتبر توقيعها عليها وهي تحمل كلمة رسول الله - إعترافًا رسميًا بأنه رسول الله لا سيما وأَنَّ هذه الوثيقة وثيقة رسمية دولية. الرسول يحسم الخلاف: غير أن الرسول الأعظم ﷺ بحكمته وتسامحه وبعد نظره وعدم اهتمامه بالشكليات في مثل هذه المواقف المصيرية الخطيرة - حسم الخلاف وأنهى الأزمة حين أمر أصحابه بالسكوت والتزام الهدوءِ ليتصرف هو حسب ما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين، فأَطاع الصحابة أمره فسكتوا، ثم أمر الكاتب - تحقيقًا لرغبة رئيس الوفد القرشي - أن يمحو كلمة (رسول الله) ويكتب بدلًا منها كلمة (باسمك اللهم) وبهذا انتهت آخر مرحلة من مراحل النزاع الخطير وكتبت المعاهدة من نسختين وتمَّ التوقيع والإشهاد عليها من الجانبين. قال الواقدي يروي هذا القصة: فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله ﷺ وسهھيل بن عمرو، ولما التأَم الأمر وتقارب، دعا رسول الله ﷺ رجلًا يكتب الكتاب بينهم، ودعا أوس بن خولى يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا أحد الرجلين، ابن عمك علي أو عثمان بن عفان، فأمر النبي ﷺ ، عليًّا يكتب، فقال رسول الله ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف الرحمن، أُكتب كما كنا نكتب

стр. 1368

باسمك اللهم. فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: هو الرحمن. وقالوا: لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذًا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول الله ﷺ : اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك أفترغب عن اسم أبيك محمد بن عبد الله؟ . فضجَّ المسلمون منها ضجة هي أشد من الأُولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا نكتب إلا محمدًا رسول الله. وقال: فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فروة عن واقد بن عمر، قال: حدثني من نظر إلى أُسيد بن حُضَير وسعد بن عبادة أخذًا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا! علامَ نعطي هذه الدنيَّة في ديننا؟ فجعل رسول الله ﷺ يخفضهم ويوميء بيده إليهم: اسكتوا، وجعل حُويطب بن عبد العزّى يتعجب مما يصنعون، ويقبل على مِكرَز بن حفص ويقول: ما رأيت قومًا أحوط لدينهم من هؤلاء القوم! . فقال رسول الله ﷺ اكتب باسمك اللهم. فنزلت هذه الآية في سهيل حين أبى أن يقرَّ بالرحمن: (﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فقال رسول الله ﷺ : أنا محمد بن عبد الله فاكتب! فكتب باسمك اللهم (٢).

стр. 1369

الصيغة النهائية لوثيقة الصلح: وبعد أن تغلبت حكمة الرسول الأعظم ﷺ على كل العقبات التي اعترضت طريق إكمال المعاهدة وتوقيعها - سواء من جانب الصحابة أو من جانب قريش - وبعد أن اختفت المعارضة نهائيًا بين المسلمين، ولم يعد للمشركين ما يعترضون به على نصوص المعاهدة بعد أن قبل النبي الحكيم كل اعتراضاتهم، وُضِعتْ الصيغة النهائية لهذه المعاهدة التاريخية ثم تمت كتابتها في نسختين، نسخة أخذها النبي ﷺ ونُسخة أخذها سهيل بن عمرو، وهذه هي الصيغة الحرفية لهذه المعاهدة الدولية التاريخية: (باسمك اللهم؛ هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال (١) وأن بيننا عيبة مكفوفة (٢)، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده دخل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أَتى محمدًا منهم بغير إذن وليِّه رده إليه، وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد لم ترده، وأن محمدًا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابل (٣) في أصحابه فيقيم ثلاثًا، لا يدخل علينا بسلاح إلَّا سلاح المسافر، السيوف في القُرَبِ (٤).

стр. 1370

شهود الصلح من الجانبين: وبعد الانتهاء من كتابة وثيقة الصلح، وكانت نسخة واحدة فقط قال سهيل بن عمرو: تكون عندي. وقال النبي ﷺ : بل عندي، وقد حُلَّ هذا الخلاف، بأن أمر النبي ﷺ أن يكتب نسخة طبق الأصل، ففعل، فأَعطاها سهيلًا. وهنا استدعى تسعة شهود ليضعوا شهادتهم على وثيقة الصلح، سبعة من المسلمين هم: ١ - أبو بكر الصدِّيق. ٢ - عمر بن الخطاب. ٣ - عثمان بن عفان. ٤ - عبد الرحمن بن عوف. ٥ - سَعْد بن أبي وقاص. ٦ - أبو عبيدة بن الجراح. ٧ - محمد بن مسلمة الأنصاري. واثنين من المشركين وهما: ١ - حُوَيْطب بن عبد العزّى. ٢ - مكرز بن حفص بن الأَخيف. وبالتوقيع على معاهدة صلح الحديبية تقشَّعت غيوم الحرب التي كانت تغطي جوّ المنطقة نتيجة الأَزمة الحادة الخطيرة التي افتعلتها قريش والتي كادت تؤدي إلى مصادمات دامية. كما أن هذا الصلح لم ينِه أزمة الحديبية، بل تناول النزاع الجوهري القائم بين قريش والمسلمين منذ بزغت شمس الدعوة

стр. 1371

الإسلامية، أو منذ بدأت حالة الحرب بين المعسكرين لخمس سنوات مضت، حيث كان من أهم بنود الصلح إقامة هدنة بين الفريقين وإنهاء حالة الحرب لمدة عشر سنوات، يأْمن فيها الناس بعضهم من بعض. إنهاء حالة الحرب بين خزاعة وكنانة أيضًا: ك ما لم تنحصر نتائج الصلح الإيجابية على المعسكرين، الإسلامي والقرشي، بل انعكست نتائج هذا الصلح على قبيلتين من أعظم القبائل حالة الحرب القائمة بين هاتين القبيلتين لمدة عشر سنوات، وذلك لالتزامهما بمقررات هذا الصلح، بعد أن رضي كل منهما الدخول في أحد المعسكرين، كنانة في عهد قريش، وخزاعة في عهد المسلمين .. وذلك نتيجة التخيير الذي تضمَّنه البند العاشر والحادي عشر من هذه المعاهدة التاريخية. عداوة الإسلام جمعت بين كنانة وقريش: فقد كانت قريش وبنو كنانة (ومنهم بنو بكر) (١) على نزاع دام مع قريش، فكانت بينهم معارك في الجاهلية، وبقيت بينهم الثارات حتى ظهور الإسلام .. وقد عرفنا -كما فصَّلناه في كتابنا غزوة بدر الكبرى- كيف خافت قريش كنانة من أن تضربها من

стр. 1372

الخلف، عندما تتحرك بقواتها من مكة لملاقاة المسلمين في بدر، لأن القبيلتين كانتا في حالة حرب يوم ذاك، حتى تعهد سُراقة بن مالك بن جعشم الكناني لقريش بأن كنانة ستتوقف عن القيام بأَيِّ عمل حربي ضد قريش عندما تكون غائبة في حرب مع المسلمين. وقد ظلت العداوة قائمة بين قريش وكنانة بالرغم من العهد المؤقت الذي أعطاه سراقة بن مالك لقريش، بعدم التعرّض لها عندما تشتبك مع المسلمين في بدر. خزاعة لم تكن عدوة لقريش: أما خزاعة فلم تكن عدوة لقريش، ومنذ عصور طويلة لم يكن بينهما وبين قريش أيُّ نزاع مسلّح، بل كانت خزاعة على وئام مع قريش قبل الإسلام وبعده حتى صلح الحديبية. فقد كانت خزاعة أخوال قريش، وكان بُديل بن ورقاءَ ... سيِّد خزاعة نفسه يقيم في مكة وله بها دار وعائلة. إلَّا أن خُزاعة منذ أن ظهر الإسلام كانت تبدي الولاءَ للنبي ﷺ ، بالرغم من عدم اعتناقها للإسلام .. وقد رأَينا (كما في حملة حمراء الأسد المدرجة ضمن كتابنا الثاني - غزوة أُحد) كيف أَخلص مَعبَد بن أبي معبد الخزاعي للمسلمين - بالرغم من بقائه على شِركهـ يومها (١).

стр. 1373

ك يف انقلب العدو صديقًا: وبالرغم من أن خزاعة في جمهورها صديقة للمسلمين أَو بالأَحرى علل غير عداءٍ معاهم، فإنها لم تكن عدوة القريش كذالك. أما بنو بكر (من كنانة) فقد كانوا أعداء محاربين تقليديين لقريش، ولكن يظهر أن عداوة الفريقين الإسلام قد جعلتهما يجمدان نزاعاتهما المسلحة، بدليل اشتراك فصيلة من قبائل كنانة في معركة أُحد إلى جانب قريش بقيادة الحُليس بن زبّان الكناني، وبدليل وجود عدة كتائب من كنانة أيضًا في التجمع القرشي المسلح أثناء أزمة الحديبية، بقيادة الحُليس بن زبان أيضًا. خزاعة في عهد المسلمين؛ وكنانة في عهد قريش: ولهذا لم يكن مفاجاة أن تداخل بنو بكر بن كنانة في عهد قريش ويدخل بنو خزاعة في عهد النبي ﷺ . ويظهر أن بني بكر وخراعة، كلًّا منهما يعتبر نفسه ذا علاقة بالمفاوضات التي كانت جارية بين المسلمين والقرشيين في الحديبية. ولذلك كان هناك في الحديبية مندبون من كل من خراعة وبني بكر حاضرين أثناء المفاوضة الجارية بين النبي ﷺ وقريش، كمراقبين فقط. ويظهر أن هؤلاء المندوبين المراقبين ... البكريين والخزاعيين، قد كان لديهہم التفويض الكامل كلٌّ من قبيلتہهـ، ليتخذ الإِجراءَ الذي يراه مناسبًا حيال نتائج المفاوضات الدائرة بصفة رئيسية بين قريش والمسلمين.

стр. 1374

وبناءً على ذلك قرر مندوبو خزاعة الدخول في عهد المسلمين وأن تدخل خزاعة (مسلمها وكافرها) في عهد المسلمين، وأن تلتزم بمقررات الصلح كجزءٍ من المعسكر الإسلامي. كما قرر مندوبو بني بكر أن يدخل بنو بكر بن كنانة في عهد قريش وأن يلتزموا بما التزمت به قريش في هذه المعاهدة. وبدخول كل من القبيلتين في هذا الصلح أصبح كل منهما ملتزمًا بما يلتزم به المعسكر الذي دخل في عهده، كما صار هذا المعسكر مسؤولًا عن كل مخالفة ترتكبها القبيلة التي دخلت في عهده. غضب قريش على خزاعة لدخولها في عهد المسلمين: وقد غضبت قريش على خزاعة وأضمرت لها الشرَّ لدخولها في عهد المسلمين الذين يفصلهم عن منازلها عدة مئات من الأميال، بينما قريش تختلط منازلها بمنازل خزاعة لقرب تجاورهما الشديد. وقد تجسَّد هذا الغضب القرشي في تصريح أدلى به أحد أركان المفاوضة في الحديبية، وهو (حويطب بن عبد العزّى) قال - مخاطبًا رئيس الوفد سهيل بن عمرو - الذي خزاعة أخواله -: بادأنا أخوالك بالعداوة وقد كانوا يستترون منَّا، قد دخلوا في عهد محمد وعقده. فقال له سهيل: ما هم إلَّا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمنا قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرًا فما نصنع بهم؟ . قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر. قال سهيل: إيَّاك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم، فيقعوا

стр. 1375

بخزاعة فيغضب محمد لحلفائه، فينقض العهد بيننا وبينه، قال حويطب: حظوت والله أخوالك بكل وجه. فقال سهيل: ترى أخوالي أعزّ عليَّ من بني بكر؟ ولكن والله لا تفعل قريش شيئًا إلَّا فعلته، فإذا أعانت بني بكر على خزاعة فإنما أنا رجل من قريش، وبنو بكر أقرب إليَّ في قدم النسب، وإن كان لهؤلاءِ الخؤولة، وبنو بكر من قد عرفت لنا منهم مواطن كلها ليست بحسنة منها يوم عكاظ (١). النبي يرفض تسليم لاجئين من العبيد والشباب القرشي: وقد واجهت النبي ﷺ مشكله بعد توقيع الصلح، وهي أن بعضًا من عبيد المشركين وبعضًا من المستضعفين من أبناءِ قريش جاءوا إلى النبي ﷺ وطلبوا حق اللجوء وذلك قبل أن يتم عقد الصلح بين الفريقين. وقد كتب موالي هؤلاء العبيد وآباءُ الشباب القرشيين اللاجئين ... كتبوا إلى النبي ﷺ يطلبون إعادتهم إلى مكة، كما أن رئيس الوفد القرشي المفاوض طالب النبي ﷺ بتسليم هؤلاء اللاجئين، ولكن النبي ﷺ أبى أن يعيدهم إليهم لأنه غير ملزم بإعادتهم، ذلك أنهم قد أعطوا حق اللجوء في الحديبية قبل عقد الصلح، ولذلك رفض النبي ﷺ تسليمهم إلى قريش قائلًا: (هم عتقاءُ الله). فقد قال سهھيل بن عمرو للنبي ﷺ : قد خرج إليك ناس من أبنائنا وأرقائنا وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا

стр. 1376

وضياعنا فارددهم إلينا .. وفي رواية أُخرى كتب أهل مكة: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هربًا من الرقِّ. فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردّهم إليهم، فغضب رسول ﷺ من ذلك وقال: ما أَراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردّهم، قال: هم عتقاءُ الله (١). من ذيول أزمة الحديبية: وبالرغم من إبرام الصلح بالتوقيع على وثيقته وتبادل الوثائق بين الوثائق بين الفريقين من عناصر من القرشيين ذات مصلحة خاصة حاولت تعكير الجوِّ من جديد بغية إعادة الأَزْمة إلى سابق عهدها .. حيث أخذت هذه العناصر (بعد الصلح) تتحرش بالمسلمين وتشتم النبي ﷺ بغية استفزاز المسلمين لعلهم يقومون من جانبهم بنقض الصلح وهم لمَّا يزالوا في الحديبية. فقد جاء في جامع الأُصول (ج ٩ ص ٣٢٥) أن سلمة بن الأَكوع قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها فأتانا أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي، ثم شددت على أُولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت

стр. 1377

سلاحهم، فجعلته ضغثًا (١) في يدي، قال: قلت: والذي كرَّم وجه محمد ﷺ ، لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول ﷺ قال: وجاء عمِّي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول ﷺ على فرس مجفّف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ ، دعوهم، يكن لهم بدءُ الفجور وثناه، فعفى عنهم رسول الله ﷺ (٢). النبي يحل الإحرام في الحديبية: كان النبي ﷺ منذ قرر تحاشي الصدام المسلَّح مع قومه وسلوك كل السبل المؤدية إلى تجنب الحرب، وهو مخيّم في الحديبية خارج حدود الحرم، إلا أنه كان طيلة إقامته بالحديبية (عشرين يومًا) وهو يؤدِّي وأصحابه الصلوات المفروضة داخل الحرم (٣)، لأنه كان معسكرًا بأصحابه على أطراف الحرم. من رواسب المعارضة للصلح: وبعد أن تمت إجراءات الصلح النهائية، فأَخذ كل من الفريقين نسخة من وثيقة الصلح التاريخية، وانصرف الوفد القرشيّ راجعًا إلى مكة، قرر النبي ﷺ الانصراف إلى المدينة بأَصحابه، لذلك أمر أصحابه بأن يحلّوا إحرامهم فينحروا بُدنهم ويحلقوا رؤوسهم.

стр. 1378

غير أَن رواسب من المعارضة الشديدة للصلح بقيت في نفوسهم، فعز عليهم أن يعودوا دون أَن يقضوا مناسكهم فيطوفوا بالبيت وينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم داخل مكة، ولذلك عصوا الرسول ﷺ أول الأَمر، فلم يمتثلوا أَمره حيث التزموا الصمت فلم يجبه أَحد إلى ما أَمر به من نحر البُدن وحلق الرؤوس. النبي يعمل بمشورة امرأة: وقد اغتنم النبي ﷺ لموقف الصحابة من أَوامره التي لم ينقّذوها، فدخل خيمته غاضبًا، وكانت زوجته أُمّ سلمة موجودة معه في خيمته، فرأت عليه علامات الاستياءِ والغضب عندما دخل عليها، وكزوجة يهمها أَن تشارك زوجها همومه وأحزانه، سأَلته عن سبب ما هو عليه من الغضب، فأَخبرها بعدم استجابة أصحابه حين أمرهم بأَن يحلّوا إحرامهم فينحروا ويحلقوا. وهنا تجلّت مشاركة المرأَة المسلمة بعقلها الراجح ورأيها الصائب إِبداءِ المشورة لحل المشكلات الكبيرة ... هذه المشورة التي لم يتردد حتى من هو في مقام النبوَّه من قبولها والعمل بها، الأَمر الذي يثبت إِلى أَي مدى من العمق والبعد كانت روح الشورى تضرب بجذورها في أُصول التعاليم الإسلامية، وكيف كانت روح تعاليم هذا الدين العظيم عندما تكون لها السيادة تجعل القائد - حتى وإن كان في أَعلى مراتب القيادة والسيادة - يلتزم العمل بالمشورة الصائبة حتى وإن كانت هذه المشورة قد جاءَت من امرأَة. بل لا فرق في نظر الإِسلام بين أَن تأْتي هذه المشورة من رجل أَو امرأَة طالما أنها مشورة صائبة .. وهذا عين التكريم للمرأَة

стр. 1379

التي يزعم أَعداءُ الإسلام أَنه قد غمطها حقها وتجاهل وجودها .. وهل هناك اعتراف بوجود المرأَة واحترام لرأْيها أَكثر من أَن يستصوب نبي مرسل مشورتها ويعمل بتوجيهها لحل مشكلة اصطدم بها وأَغضبه نشؤها، وهو الذي قلَّ أَن يغضب؟ . أم سلمة تشير على النبي، فتنجح في المشورة: فقد روى المؤرخون وأَصحاب الحديث والمفسرون، أَن النبي ﷺ لما دخل على زوجته أُم سلمة غاضبًا مغتمًا، وعرفت أَن مصدر غضبه وغمه هو إضراب أَصحابه وامتناعهم عن النحر والحلق، وهو الأَمر الذي به يحلّون من إحرامهم في الحديبية، أَشارت عليه بأَن لا يفاتحهم مرة أُخرى بهذا الشأْن وإِنما يسلك طريقًا آخر بأَتباعه يجدون أَنفسهم مضطرين لتنفيذ أَمْره .. وهو أن يبدأَ نفسه (عمليًّا) بنحر هَدْيه، حيث قالت له: يا رسول الله انطلق أَنت إلى هَدْيك فانحره، فإنهم سيقتدون بك. وقد استحسن النبي ﷺ فكرة أم سلمة هذه فعمل بمشورتها فشرع (فعلًا) في نحر هَدْيه بيده الكريمة، وقد كان لعمل النبي ﷺ بمشورة أُم سلمة أَحسن الثمار، حيث -كما توقعت أُم سلمة- لم يكد يشرع في نحر هديه بيده حتى أخذ أصحابه يتسابقون كلٌّ إلى نحر هديه لينحره اقتداءً بالنبي ﷺ . قال الطبري -بسنده إلى المسور بن مخرمة-: فلما فرغ رسول الله ﷺ من قضيتّه (أَي الصلح) قال لأَصحابه: قوموا فانحروا، ثم

стр. 1380

احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فلما لم يقم منهم أَحد، قام فدخل على أُم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أُم سلمة: يا نبي الله، أَتحب ذلك! أُخرج ثم لا تُكلم أَحدًا منهم حتى تنحر بُدنُتك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج، فلم يُكلم أَحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه ودعا حلقه فحلقه فلما رأَوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. وكان الذي حلقه خِراش بن أُمية بن الفضل الخزاعي. وقال الواقدي: إن رسول الله ﷺ دخل على أُمّ سلمة زوجته مغضبًا شديد الغضب، وكانت معه في سفره ذلك - فاضطجع فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارًا لا تجيبني. فقال: عجبًا يا أُمّ سلمة! إِني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارًا، فلم يجيبني أَحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي وينظرون في وجهي! ! . قالت، فقلت: يا رسول الله انطلق أَنت إلى هَدْيك فانحره فإِنهم سيقتدون بك. قالت: فاضطبع (١) رسول الله ﷺ بثوبه، ثم خرج وأَخذ الحربة ينهم (٢) هَدْيه. قالت أُم سلمة، فكأَني أَنظر إليه حين يهوي بالحربة إلى البُدنَة رافعًا صوته: بسم الله والله أَكبر. قالت: فما هذا إلَّا أَن رأَوه نحر، فتواثبوا إلى الهَدْي، فازدحموا حتى خشيت أَن يغم بعضهم بعضًا.

стр. 1381

وفي الحديبية قال النبي ﷺ عند التحلل من الإحرام -: رحم الله المحلِّقين. وقالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم المحلِّقين، قالوا يا رسول الله: والمقصرين؟ قال: والمقصّرين. ولما سأَل الصحابة: يا رسول الله، فلمَ ظاهرت الترحُّم للمحلِّقين دون المقصّرين؟ أَجاب قائلًا: لأَنهم لم يشكّوا (١). قصة جمل أبي جهل: وكان لأَبي جهل بن هشام جمل مَهْرى (٢) نجيب كان معه في معركة بدر الكبرى، وقد غنمه المسلمون فيما غنموا عقب انتصارهم الحاسم في تلك المعركة التاريخية. وقد بقى هذا الجمل النجيب ضمن السلاح العام للدولة يغزو عليه المسلمون المغازي، كما كان هذا الجمل الفحل يضرب في لقاح رسول الله ﷺ ، فاستاقه (معها) عيينة بن حصْن الفزاري حينما أَغارت غطفان على الغابة في غزوة ذات قرد (٣). وإغاظة لمشركي مكة ... ساق النبي ﷺ جمل أَبي جهل هذا ضمْن الهدي الذي تقرر نحره في مكة في عمرة الحديبية. وفي الحديبية، وبينما كان هذا الجمل المهري النجيب يرعى مع

стр. 1382

الهدْي المحصور خارج الحرم، قاده الشوق إلى موطنه الأَصليّ مكة، فهرب من الحديبية، وبالرغم من أَن المسافة بين الحديبية ومكة لا تقل عن خمسة عشر ميلًا، وبالرغم من مضيّ خمس سنوات على غيابه عن دار مالكه أَبي جهل في مكة، فقد اهتدى تمامًا إلى دار أَبي جهل حيث لم يشعر أَهل مكة إلَّا وهو بارك أَمام هذه الدار فعرفوه فتمسّكوا به .. وكان شروده من الحديبية قبل عقد الصلح. مائة ناقة ثمنًا لجمل أبي جهل: إلَّا أَنَّ هذا الجمل ذا الذِكْرى المؤلمة جدًّا لمشركي مكة، لم يقع في أَيدي أَهل مكة إلا بعد أَن تمَّ عقد الصلح في الحديبية، وبعد وصول الوفد القرشي المفاوض عائدًا إلى مكة. وقد خرج في أَثر الجمل عمر بن غنمة السّلمي (١) يطلبه ليعيده إلى الحديبية لأَنه من جملة الهَدْي المطلوب نحره في الحديبية. إلا أَنَّ المتعصبين من سفهاءِ المشركين رفضوا تسليم الجمل لابن غنمة، فاتصل الأخير بسهيل بن عمرو - بصفته المسؤول عن تنفيذ شروط صلح الحديبية وطلب منه إعادة الجمل، فلم يتردد سهيل في إصدار الأَوامر إلى المتعصبين بإعادة الجمل إلى المسلمين تنفيذًا لاتفاقية صلح الحديبية.

стр. 1383

فلم يجد هؤلاء السفهاء المتعصبون بدًا من إطاعة أوامر قطب قريش في مفاوضة الصلح سهيل بن عمرو، غير أنهم عرضوا على المسلمين مائة ناقة مقابل التخلِّي عن هذا الجمل لقيمته المعنوية (في نظرهم) لأَنه يعود لقائد عام جيشهم في معركة بدر الكبرى أَبي جهل بن هشام. وقد أُبلغَ النبي ﷺ بهذا العرض القرشي السخي، فأَبلغهم أنه يمكنه قبول هذا العرض أولًا أَنَّ الجمل المذكور قد سيق وسُمِّي في الهَدي فقال ﷺ : لولا أَنّا سمّيناه في الهدي فعلنا، فأُعيد الجمل إلى الحديبية فنُحر هناك عن سبعة، أَحدهم أبو بكر وعمر (١). نحر عشرين بدنة عند المروة: ولما كانت الحرب قد انتهت بين المسلمين وقريش نتيجة صلح الحديبية، بعث النبي ﷺ بعشرين بَدنَة من الهدى لتنحر في مكة لإطعام أَهلها منها. وكان الذي دخل بها مكة رجل من أَسلم، نحرها عند المروة وقسّم لحمها هناك حسب تعليمات الرسول الأَعظم ﷺ . مدة الإقامة في الحديبية: وقد أقام النبي ﷺ محصورًا في الحديبية عشرين يومًا وبعضهم يقول: إنها خمسة عشر يومًا، بعدها حل النبي ﷺ وأصحابه إحرامهم خارج الحرم ثم عادوا إلى المدينة.

стр. 1384

العودة إلى المدينة: وبعد أَن انتهت مشكله الحديبية بعقد الصلح التاريخيّ بين المسلمين وقريش، قفل النبي ﷺ وأَصحابه راجعين إلى المدينة. وقد سلك النبي ﷺ في عودته إلى المدينة نفس الطريق الذي سلكه في مجيئه إلى الحديبية، ما عدا الطريق الفرعي الذي اضطر إلى سلوكه عندما قرر تحاشي الصدام المسلَّح مع فرسان خالد بن الوليد. فقد مرّ بمرّ الظهران (المسمّى اليوم: وادي فاطمة) ثم عُسفان حتى وصل المدينة سالكًا الطريق الرئيسي المعتاد وهو الطريق الغربي. المجاعة في طريق العودة: وكان المسلمون - نتيجة طول احتباسهم بالحديبية - قد نفدت أَزوادهم، فلم يصلوا عسفان حتى فشت المجاعة بينهم، وكانوا ألفًا وأَربعمائة. فشكوا حالهم إلى رسول الله ﷺ من الذي هم عليه من الجوع، وكان معهم ظهر (أَي جمال للركوب والنقل) فاستأْذنوا رسول الله ﷺ في نحرها ليدفعوا بلحمها الجوع فأَذن لهم. النبي يعمل بمشورة ابن الخطاب: وقد بلغ عمر بن الخطاب إذن النبي ﷺ بنحر ظهر القوم، فجاءَ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإن يك في الناس بقيّة ظَهْر يكن أَمثلَ، ولكن ادعهم بأَزوادهم ثم ادع الله فيها.

стр. 1385

فأَمر رسول الله ﷺ بالأَنطاع فبسطت، ثم نادى مناديه: من كان عنده بقيّة من زاد فلينثره على الانطاع. قال أَبو شريح الكعبي (١) فلقد رأَيت من يأْتي بالتمرة الواحدة وأَكثره لا يأْتي بشيء، ويأْتي بالكف من الدقيق، والكف من السويق، وذلك كله قليل، فلما اجتمعت أَزوادهم وانقطعت موادّهم مشى رسول الله ﷺ إليها فدعا فيها بالبركة، ثم قال: قرِّبوا أَوعيتكم فجاؤوا بأَوعيتهم. قال أَبو شريح: فأَنا حاضر، فيأْتي الرجل فيأْخذ ما شاء من الزاد حتى إن الرجل ليأْخذ ما لا يجد له محملًا، فلما ارتحلوا مُطروا ما شاؤوا وهم صائفون، فنزل، رسول الله ﷺ ونزلوا معه، فشربوا من الماءِ، فقام رسول الله ﷺ فخطبهم، فجاءَ ثلاثة نفر، فجلس اثنان مع النبي ﷺ ، وذهب واحد معرضًا، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فتاب الله عليه، وأما الثالث فأَعرض الله عنه.

стр. 1386

الفصل الرابع * القرآن يتحدث عن صلح الحديبية ويصفه بالفتح المبين. * القرآن يبشر أهل الحديبية بفتح خيبر. * فضل أصحاب بيعة الرضوان في القرآن والحديث. * الدروس المستفادة من صلح الحديبية. * مكاسب الصلح العظيمة للمسلمين. * كيف اعترفت قريش بكيان المسلمين رسميًّا. * كيف وضع النبي أسس احترام المعارضة النزيهہة. * قصة أبي جندل المؤثرة. * ثوار العيص ضد قريش. * حكومة المستضعفين في الساحل. * قريش تطلب إلغاء أهم شرط فرضته في المعاهدة. القرآن وصلح الحديبية: وقد تحدّث القرآن الكريم عن صلح الحديبية فأشاد بهذا الصلح التاريخي، وأَشار إلى مكاسبه العظيمة، والتي لم يدر كلها عامة الصحابة على حقيقتها كما أدركها النبيّ ﷺ ، فعارضوا الصلح (لذالك) معارضة شديدة (١).

стр. 1387

كما أَن القرآن الكريم أعلن أَن صلح الحديبية، هو أَعظم نصر يحققه المسلمون , لذلك وصفه تعالى بالفتح المبين وذلك في سورة الفتح التي نزلت على النبي ﷺ وهو في طريقه عائد من الحديبية فقال تعالى مشيدًا بصلح الحديبية وواصفًا إيّاه بالفتح المبين: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١) .. وعامة المفسّرين والمحدّثين -كما في صحيح البخاري على أَن سورة الفتح نزلت في صلح الحديبية، وأَن المراد بالفتح في هذه السورة هو صلح الحديبية التاريخي (٢). ثناء الله على أهل الحديبية: وفي هذه السورة أَثنى الله تعالى على أَصحاب الشجرة الذين بايعوا النبي في الحديبية على الموت وأَعلن رضاءه عنهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣). السكينة هنا (كما قاله المفسرون): الطمأْنينة وهي بيعة الرضوان. والفتح القريب: الصلح. وأَشاد تعالى بعظمة عمل المبايعين في الحديبية، معتبرًا مبايعتهم لرسوله، مبايعة لذاته تعالى وهذا أَعلى مراتب التكريم فقال تعالى:

стр. 1388

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وفي سورة الفتح ندَّد القرآن بالمنافقين والمشركين من الأَعراب الذين مرّ عليهم النبي ﷺ بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى مصاحبته في رحلته التاريخية تلك، فتثاقلوا ثم امتنعوا ظانِّين أَن النبي ﷺ ، وأَصحابه ينهزمون أَمام قريش، قائلين: إِنما خرج محمد وأَكله رأْس (٢) يقدم على قوم موتورين فأَبوا أَن ينفروا معه لذلك فقال تعالى منددًا بهؤلاءِ المنافقين والمشركين: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣). كما فضح فئة أُخرى من المنافقين الذين أُغرقوا في النفاق إِذ طلبوا من الرسول أَن يستغفر لهم بعد أَن رأوه يعود منتصرًا وأَصحابه معافين، وهم (أَي المنافقون) قد خذلوه وتخلّوا عنه حين استعان بهم واستنفرهم فاعتذروا بانشغالهم بأموالهم وأولادهم، بينما هم في الحقيقة يظنُّون أَن النبيّ وأصحابه ستكون مقبرتهم هناك في الحرم على أَيدي قريش، لذلك امتنعوا عن مرافقتهم في هذه الرحلة التاريخية التي انتهت بهذا الصلح العظيم .. فقد فضح الله النوايا الخبيثة وكشفها لرسوله ليكون على حذر منهم ومن دسائسهم فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ

стр. 1389

الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١)، بل ظننتم أَن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أَهليهم أبدًا وزُين ذلك في قلوبكم وظننتم ظنّ السوء وكنتم قومًا بورًا" (٢). كما أَشار القرآن في سورة الفتح إلى تعنّت قريش وتعصبُّها الجاهلي في صدّها المسلمين عن الحرم وإلى الحكمة الخفيّة التي غابت عن البعض في صلح الحديبية فعارضوه، كما أَشار إِلى أَنَّ من أَسباب اتباع نبيّه طريق الصلح بدلًا من الحرب، هو أَن هناك مسلمين بين المشركين في مكة، أو سلك النبيّ ﷺ طريق الحرب فانتصر لأَبيد كثير من هؤلاءِ المسلمين المستضعفين على أَيدي الجيش النبوي دونما علم منه فيصيبهم من ذلك بلاءً عظيمًا، فقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (أَي محبوسًا بالحديبية) وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا - يقول: لو خرجوا من عند المشركين - لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) أَي لسلطناكم عليهم فاقتحمتم عليهم مكة بالسيف ولكن الحكمة - لا تعلمونها جعلنا القضية تسوّى عن طريق الصلح بدلًا من الحرب التي لو خضتموها لانتصرتم فيها على قريش، ومن هذه الحكمة، حماية المستضعفين المسلمين من معرّة الجيش الإسلامي المنتصر الذي لا يمكنه

стр. 1390

التمييز (ساعات الالتحام) بين المسلم والمشرك. كما أَشار القرآن إلى نجاح هذا الصلح بحقن دماء الفريقين وكفّ بعضهم عن بعض فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١). كما أَكد القرآن في هذه السورة للمسلمين بأَنهم لو قاتلوا أَهل مكة عام الحديبية لهزموهم ولتغلَّبوا عليهم، ولكن لحكمة يجهلها المسلمون وبانت لهم فيما بعد - حال الله تعالى دون نشوب القتال بين الفريقين فقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٢). كما ندّد القرآن بتعنُّت قريش واستفزازها للمسلمين، وتصلف مندوبهہافي المفاوضة سهيل بن عمرو وسيره في المفاوضة بروح جاهلية وحميّة وثنية حين رفض كتابة اسم (الرحمن الرحيم) في افتتاحية وثيقة الصلح. كما أَشاد القرآن في الوقت نفسه بحكمة النبي ﷺ وصبره أَمام استفزازات قريش وتحدّياتها الجاهلية. وأَثنى على المسلمين لكبتهم لعواطفهم الفوَّارة والتزامهم السكينة وإِطاعتهم أَمر نبيّهم رغم كرههم للصلح, فقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ

стр. 1391

اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١). وكذلك أَكد القرآن الكريم للمسلمين وهم عائدون من الحديبية. أَكد لهم أَن ما أَخبرهم به نبيهم من أَنهم سيدخلون مكة حق ولا شك في وقوعه .. وأَنهم لا بد وأَن يدخلوا مكة معتمرين رافعي رؤوسهم (تمامًا) كما أَخبرهم نبيهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (٢). كما لفت نظر الذين لم يُدركوا الحكمة من هذا الصلح فكرهوه وعارضوه ... لفت نظرهم إِلى أَن هذا الذي كرهوا حدوثه له مكاسب عظيمة وأَنه فتح وانتصار للجماعة الإِسلامية فقال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢). تبشير المسلمين بفتح خيبر: كذلك أَنزل الله تعالى قرآنًا يبشر فيه المسلمين بفتح خيبر وأَنهم سيظفرون بغنائم عظيمة في خيبر. وأَشار القرآن إلى أَن المخلفين من المنافقين والأَعراب سيحاولون الانخراط في سلك الجيش النبوي الذي سيتحرك (ولابد) لفتح خيبر، وذلك محاولة منهم للمشاركة في المغانم لا في الأَجر والثواب وتثبيت

стр. 1392

دعائم الإِسلام، وحذَّر القرآن النبي ﷺ أَن يسمح لهؤلاء المخلفين بالاشتراك في غزوة خيبر، وأَن لا يسمح إلَّا لمن خاطر بحياته واتَّبع النبي ﷺ وخرج معه إلى الحديبية غير هيّاب ولا وجل. فقال تعال مبشرًا بفتح خيبر وكاشفًا وقع المنافقين المشركين: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ (أي خيبر) (١) وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال تعالى مشيرًا إلى الذين سيحاولون (من الذين تخلفوا عن الحديبية) الاشتراك في حملة خيبر من أَجل الحصول على الغنيمة فقط: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). قال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية خاصة بالأَعراب الذين تخلّفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية أَخبر الله فيها نبيّه بأَن هؤلاء المخلَّفين عند ذهاب - المسلمين لفتح خيبر سيسأَلون أَن يخرجوا معهم إلى المغنم وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأَعداء ومجالدتهم ومصابرتهم فأَمر الله تعالى رسوله أَن لا يأْذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أَهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا شاركهم فيها غيرهم من الأَعراب المتخلفين فلا يقع ذلك شرعًا ولا قدرًا.

стр. 1393

وبعد أَن أَمر الله تعالى نبيّه بأَن يمنع المخلفين من الأَعراب عن الحديبية من المشاركة في غزو خيبر , وأَن لا يسمح بالاشتراك في غزو خيبر إِلا للذين استجابوا له وخرجوا معه إِلى الحديبية على ما في ذلك الخروج من مخاطرة - أَمره أَن يدعو هؤلاءِ الأَعراب المخلفين بأَن في الجهاد، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا - وإِن تتولوا كما توليتم من قبل - أَي أَيام الحديبية التي تثاقلتم وتخلفتم عنها - يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). وفي هذه الآية الكريمة تصريح بأَن معارك عنيفة ستدور (بعد خيبر) بين المسلمين وبين أَقوام شہداد البأْس ... وقال حدثت هذه المعارك الرهيبة في حُنين واليمامة وفارس والروم وقد فاز فوزًا عظيمًا من خاضها من المسلمين إيمانًا واحتسابًا. فضل أصحاب الشجرة: لا شك أَن الصحابة الذين رافقوا النبي ﷺ في رحلته التاريخية هذه قد أَثبتوا بفعلهم هذا أَنهم على أَعلى مستويات الإِيمان واليقين، وأَنهم أَصحاب إِيمان لا تشوبه أَية شائبة، وأَنهم على درجة من الشجاعة لم يبالغها غيرهم ممن يعاصرهم. ذلك أَنهم رافقوا نبيّهم في هذه الرحلة وهم على يقين بأَنهم سيلاقون متاعب شديدة ومصاعب عديدة، وأَن رحلتهم هذه قد تقودهم إلى

стр. 1394

حرب ضروس يخوضونها مع قريش، بل كانوا وهم يتأَهبون الخروج من المدينة على ما يشبه اليقين بأَن هذه الحرب سيندلع لهبها بينهم وبين قريش التي هي في حالة حرب معهم ... تتحيّن الفرص للانتقام منهم لما أَصابها في بدر على أَيديهم. ولكن ذلك لم يفتّ في عضدهم ولم يكن - بأَي حال من الأَحوال - باعث تردّد في نفوسهم يجعلهم (كغيرهم من ضعف الإِيمان) يفكرون في القعود عن مرافقة رسول الله ﷺ في هذه الرحلة المحفوفة بالأَخطار جدًّا. بذلك استحقوا أَن يوصفوا بأَنهم خير أَمّة وأَشجع عصبة، وزاد هؤلاءِ الأَصحاب شرفًا ورفعة عند الله ورسوله أَن تسابقوا وهم في الحديبية إلي مبايعة الرسول ﷺ على الموت تحت الشجرة عندما بلغ طغيان قريش وتصلفها حدًّا لم يترك للنبي ﷺ اختيارًا في استنفار أَصحابه وإعلان عزمه على خوض الحرب ضد قريش لوضع حد لبغيها وطغيانها. ثناء الله على أصحاب الشجرة: وفد نزلت آيات وجاءَت أحاديث نبوية كلها تشيد بمواقف هؤلاء الأَصحاب المشرّفة وتبشرهم بالسعادة الأَبدية جزاءِ أَعمالهم المجيدة التي بها أثبتوا (في ساعة العسرة) عمق إيمانهم وصدق إسلامهم وشدة إِخلاصهم ووفائهم في وقت تخاذلت فيه فئات منتسبة إِلى الإِسلام تحت تأْثير خوفها من أَن يدخل المسلمون في حرب مع قريش في هذه الرحلة التي كانت (فعلًا) محفوفة بأَخطار هذه الحرب. ففي القرآن الكريم قال الله تعالى مشيدًا بهذه الصفوة المختارة من

стр. 1395

أَهل الحديبية -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١). وقال تعالى - وصفًا مبايعة أهل الحديبية بأَنها مبايعة له تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). وفي صحيح البخاري قال جابر بن عبد الله: قال لنا رسول الله ﷺ أَنتم خير أَهل الأَرض وكنا -أَي يوم الحديبية- أَلفًا وأَربعمائة, ولو كنت أَبصر اليوم لأَريتكم مكان الشجرة (٣). وعن جابر أَيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار أَحد ممن بايع تحت الشجرة رواه الشعبي مسندًا. أهل الحديبية مثل أهل بدر: وفي حديث آخر قال النبي ﷺ : "يا أيها الناس إِن الله غفر لأَهل بدر والحديبية، وقال ابن عبد البر في غزواته: ما يعدل بدرًا أَو يقرب منها إِلا غزوة الحديبية. وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان.

стр. 1396

دروس في قضية الحديبية: وقبل اختتام الحديث عن صلح الحديبية ولما لهذه القضية التاريخية من أَثر مصيري في تاريخ الإسلام، فإِنه يجدر بنا أَن نشير إلى ما يمكن أَن يكون دروسًا يستفيد منها في دينه ودنياه كل من ينظر فيها ويعيها كما يجب. فقد تلقى الصحابة عن الرسول الأَعظم ﷺ ضمن تصرفاته في قضية الحديبية المعقدّة - دروسًا في الحكمة والحلم والصبر وضبط النفس والسياسة الصائبة وبُعد النظر، والوفاء بالعهد والحيطة والحزم والحذر والتسامح والشورى وعدم الاستبداد مع احترام المعارضة. إنها دروس لعمر والله جديرة بأَن يتدبرها ويعيها ويسير على ضوئها الرادة والقادة من أُمّة الإسلام، في معالجة المشاكل ومواجهة الأَزمات وحل المشكلات. ١ - الحيطة والحذر: ولعل أَول درس تعلمه الصحابة من النبي ﷺ في هذه القضية هو الحيطة والحذر، فبالرغم من أَنه ﷺ قد خرج معتمرًا لا يريد حربًا، وبالرغم من إعلانه ذلك لئلا تظن قريش أَنه يريد غزوها، وبالرغم من أَنه وعامة أَصحابه قد تجردوا من كل مخيط وارتدوا لباس الإِحرام بالعمرة، فقد قدم بين يديه طلائع من الفرسان بقيادة عبّاد بن بشر حسبانًا للطوارئ وللقيام بأَعمال الاستكشاف؛ كما زود أَصحابه بكافة الأَسلحة اللازمة.

стр. 1397

كما أنه بعث له عينًا - رجل استخبارات - إلى مكة ليوافيه أثناء الطريق بمدى تأْثير خروجه بين القرشيين، ورد الفعل بينهم ليتخذ لكل أَمر عدته ويرسم لكل شيء خطته. وفعلًا لم يكد يصل بأَصحابه منطقة أشطاط بعسفان قرب مكة حتى عرف - عن طريق استخباراته - كل ما يجب أن يعرف عن أهل مكة الذين هو معهم في حالة حرب منذ معركة بدر الكبرى. وقد استفاد ﷺ من المعلومات الهامة التي تلقاها من رجل استخباراته، فاستطاع (كما تقدم) تجنب الاصطدام المسلح مع طلائع فرسان قريش بقيادة خالد بن الوليد في كراع الغميم بعد أن غيَّر وجهته ناحية اليمين، وبهذا تفادى إِشعال نار حرب لم يكن راغبًا في إشعالها. ٢ - ضبط النفس ساعة الاستفزاز: والدرس الثاني الذي ألقاه النبي ﷺ على أصحابه عمليًّا فوعوه، والذي يجب أن يعيه كل من هو في مركز المسؤولية ومرتبة القيادة والريادة، هو خلق ضبط النفس والسيطرة على الأعصاب والصبر - والتحمل عند تحدي الجهلاء واستفزاز السفهاء هذا الخلق الذي تحلى به النبي القائد والتزمه في أشد الساعات حرجًا وتجنِّيًا على المسلمين، مع أَنه كان قادرًا على أَن يكيل الصاع صاعين للمستفزين المتهّورين؛ ولكنه لم يفعل لأَن ذلك لم يكن ضروريًّا. لقد خرج النبي ﷺ من المدينة (خروجه ذاك) وهدفه الأول

стр. 1398

والأَخير هو زيارة البيت الحرام وهو هدف سلمي محض عَلِمته قريش وتبلغته من المسلمين رسميًّا للإِعذار. ولكنَّ قريشًا التي كانت كلمة الفصل في كل أمورها (يوم ذاك) للعقلية الوثنية الحمقى، أَبت إلا أن تصدّ النبي ﷺ وأصحابه عن زيارة البيت. فبمجرد علمها بخروج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة نفخ الشيطان في مناخر زعمائها المشركين، فأَعلنوا التعبئة العامة واستنفروا كل ما لديهم من قوات عسكرية ثم خرجوا بها إلى ما وراء حدود مكة استعدادًا لمحاربة المسلمين ومنعهم (بحدّ السيف) من زيارة البيت. فعلوا ذلك بالرغم من أَن المعلومات التي حصلت عليها استخباراتهم، أَكدت لهم أَن النبي ﷺ وأَصحابه لم يجيئوا لحربهم وإنما جاؤوا زائرين ومعظمين للبيت العتيق يسوقون الهَدْي بين أيديهم قد ارتدوا ملابس الإحرام ... ولكنها الجاهلية العمياء حادت بالمشركين عن جادة الصواب. لقد كان خروج قريش بجيوشها ومرابطة خالد بن الوليد بفرسانها على الطريق الرئيسي في كراع الغميم تحديًا مثيرًا واستفزازًا خطيرًا في الإمكان أن يتسبب بسهولة في إشعال نار حرب ضروس بين المسلمين والمشركين على حدود أَو داخل الحرم، تسفك فيها دماءُ غزيرة لا يرغب النبي ﷺ في سفكها وتزهق فيها أرواح كثيرة كان ﷺ حريصًا كل الحرص على أَن لا يزهق شيء منها. لقد كان باستطاعة النبي القائد ﷺ أَن يتخذ من طغيان قريش وتحدِّيها واستفزازها مبرِّر للدخول معها في صدام مسلح فيمر حيث

стр. 1399

يعسكر فرسان خالد بن الوليد ويقتحم عليه حدود الحرم بحدّ السيف لا سيما وأنَّ قريشًا تعرف (سلفًا) أن قواتها ستكون هي الخاسرة إذا ما هاجمها النبي ﷺ ليشق طريقه نحو مكة بالقوة. لأَن وراءه ألفًا وأربعمائة من نوع أولئك المغاوير الأشاوس الذين عرفهم مشركو مكة في ساحات الوغى حق المعرفة، حيث حطم ثلاثمائة منهم يوم بدر جيش مكة الضخم المؤلف من ألف مقاتل يمثلون صفوة فرسان وصناديد قريش ومحاربيها ... كما أنزل سبعمائة منهم (يوم أُحُد) تلك الهزيمة المخجلة بثلاثة آلاف مقاتل أَعدَّتهم قريش لاجتثاث الإسلام ومحو كيانه من الوجود. غير أن النبي ﷺ مع قدرته على كل ذلك - قابل استفزاز قريش وتحدِّيها بالحلم والصبر، ورد على سفهها وشططها بالرزانة والتعقل حتى إنه عندما بلغه أن قريشًا قد ركبت رأْسها وأَبت إلا محاربته قال في أَسف بالغ كلمته التاريخية الخالدة تلك: "يا ويح قريش لقد أَكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أَصابوني كان الذي أرادوا، وإن أَظهرني الله عليهم دخلوا في الإِسلام وافرين، وإن يفعلوا قاتلوا وبهم قوة". ثم أَمر أَصحابه بأَن يسلكوا طريقًا لا يمر على عسكر قريش المرابطين في كراع الغميم، لا جبنًا ولا خوفًا من الحرب، ولكن ضنًّا بالأَرواح من أَنْ تزهق وحرصًا على الدماء من أن تراق في غير ما ضرورة موجبة. وفعلًا، كم - بهذا التصرف النبوي الحكيم - أرواح حفظت كان يمكن أن تزهق المئات منها، لو لم يتصرَّف النبي القائد هذا التصرف

стр. 1400

الذي به تحاشى الاصطدام مع عسكر قريش ... أَرواح كان الكثير من أَصحابها على رأْس جيش المشركين، ثم صاروا فيما بعد قادة لجيوش الإِسلام دكُّوا عروش كسرى وعصفوا بكراسي قيصر مثل: خالد بن الوليد وعكرمة بن أَبي جهل وصفوان بن أُمية وعمرو بن العاص وسهيل بن عمرو، الذين - وأَمثالهم من صناديد قريش - كان يمكن أن يخرّوا صرعى في المعركة لو لم يغيَّر النبي ﷺ اتجاهه بأَصحابه وينزل بهم على الحديبية. وهكذا فإن كل قائد مسؤول يجب عليه أن يقف عند هذا التصرف النبوي ليستخلص منه الدروس في ضبط النفس وعدم التسرع في مثل هذه المواقف ووزن الأُمور بموازين مصلحة الأمة والدين لا بموازين - العاطفة والعنجهية والهوى والعنتريات الفارغة. ٢ - احترام المعارضة النزيهة: والدرس الثالث المستخلص من قضية الحديبية هو أن النبي ﷺ وضع قواعد احترام المعارضة، وعدم التعرض للمعارض بأَي أَذى مهما كانت منزلة هذا المعارض .. شريطة أَن تتوفر سلامة النية لدى هذا المعارض، وأَن يكون باعث معارضته الحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين. أَما إِذا كانت المعارضة باعثها الهوى أَو المصلحة الشخصية أَو العمل على ترسيخ قواعد مبدإ يخالف الإسلام ومصلحة الأُمة فإنها معارضة يجب قمعها فليست جديرة بأَيِّ احترام.

стр. 1401

والدرس المستفاد هنا بصفة رئيسية هو في قصة معارضة الفاروق عمر الصريحة بل القوية لبعض بنود معاهدة الصلح التي أَبرمها النبي الأعظم ﷺ بينه وبين المشركين. لقد كان ابن الخطاب يرى - في قرارة نفسه ساعة عقد الصلح - أَن بعض الشروط التي اشترطها المندوب القرشي سهيل بن عمرو في المعاهدة، وقبل بها النبي ﷺ فيها مساس بكرامة الأُمة الإِسلامية تسجِّل عليها شيئًا من الدنيّة .. كان ذلك مبلغ فهمه وإحساسه وشعوره كإنسان عادي - بالنسبة للنبي ﷺ لم يكن (بالتأكيد) على مستواه في إِصابة الرأْي وبعد النظر والإحاطة بغوامض الأُمور .. وبالتالي، تلقِّيه الوحي من السماء وعدم صدوره إلا عن أمر الله تعالى. لذلك فإن ابن الخطاب لم يكد يطَّلع على بنود وشروط المعاهدة - التي اتفق عليها ولم يبق غير التوقيع والإشهاد عليها - حتى نهض معلنًا عن معارضته الشديدة وذهب إلى النبي ﷺ ، وبصراحته المعھهودة أفصح لسيِّد الحكماء وإمام الحلماء ﷺ عن هذه المعارضة، مستنكرًا بعض الشروط التي تضمنتها هذه المعاهدة، وخاصة المتعلقة باشتراط قريش رجوع المسلمين عن مكة ذلك العام دون أَداء مناسك العمرة .. وتعهد النبي ﷺ بردّ كل من جاءَه من أبناء قريش إليهم حتى ولو كان مسلمًا .. وعدم تعهد قريش (مقابل ذلك) بأن يردوا من جاءَ إليهم مفارقًا جماعة المسلمين مرتدًا عن الإسلام. فرأينا كيف أَن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي ﷺ معلنًا معارضته لهذه الشروط قائلًا: ألست رسول الله حقًّا؟ قال: بلى، فقال ابن الخطاب: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ . قال النبي ﷺ : بلى.

стр. 1402

فقال عمر: فلمَ نعطِ الدنيّة في ديننا إذن؟ . فلم ينكر النبي الأعظم ﷺ على ابن الخطاب معارضته القوية الصريحة ولم يعنّفه على هذه المعارضة بل حاول إقناعه بسلامة تصرفه ﷺ حينما وافق على هذه الشروط التي تراءَى للفاروق أنها مجحفة بالمسلمين، فقد أَبلغ النبي ﷺ عمر بأَنه لا يفعل إلا ما فيه مصلحة الإِسلام والمسلمين وبالتالي لا يتصرف إلا بأمر من الله حيث قال ﷺ جوابًا على معارضة الفاروق: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري". وحتى بعد ذلك الجواب النبوي الرفيع المقتضب، على تلك المعارضة الفاروفية العنيفة، لم يضق صدر سيِّد البشر لاستمرار ابن الخطاب في المعارضة ومناقشة الرسول واستجوابه، حيث واصل المناقشة حول الموضوع نفسه قائلًا؛ وبتلك الصراحة التي كان النبي ﷺ يكبرها في عمر لنزاهة الدافع لها في كل مناسبة: "أَوَ ليس يا رسول الله كنت تحدثنا أَنَّا سنأْتي البيت ونطوّف به"؟ . فقال النبي ﷺ في هدوئه المعروف -: بلى. أَفأَخبرتك أنّا نأْتيه هذا العام؟ . فقال عمر: لا. فقال ﷺ : فإنك آتيه ومطوّف به. وكان الفاروق قد اتصل بوزير النبي الأول أَبي بكر الصديق وأَعرب له عن معارضته لتلك الشروط وعدم استساغته لها حيث قال لأَبي بكر كما تقدم: أَليس هذا نبي الله حقًّا؟ .

стр. 1403

قال: بلى. فقال: أَلسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ . قال: بلى. قال: فلم نعْط الدنيّة في ديننا؟ . وهنا قال الصدِّيق الفاروق (ملفتًا نظره إلى وجوب التسليم بكل ما يقوله أَو يفعله النبي ﷺ ): أَيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي الله ربه، وهو ناصره، فقال عمر: وأَنا أَعلم أَنه رسول الله. فقال أَبو بكر: فاستمسكْ بغرزه فوالله إنه على الحق. ندم الفاروق على المعارضة: وقد أَعلن الفاروق - وبالصراحة المعروفة عنه - ندمه على تلك المعارضة التي أَبداها. وحدّث عمر عن نفسه .. أَنه كان يصوم ويتصدّق ويعتق، تكفيرًا عما صدر منه من تلك المعارضة التي صارح بها النبي الأعظم ﷺ . ٤ - إيضاح أهم نقطة إشكال: لقد كان البند الذي يتضمن تعهد النبي ﷺ بأن يرد إلى المشركين من جاءَه من آبنائهم حتى ولو كان مسلمًا، ولا تتعهد قريش بردّ من جاءَها من المسلمين إليهم. كان هذا البند - على وجه الخصوص ہے- مصدر تضايق للمسلمين لأنهم لم يهضموه ولم يستسيغوه كبشر، حتى قال قائلهم - عندما سمعوا

стр. 1404

موافقة النبي ﷺ : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ ؟ . وقد أَصاب المسلمون (لقبول هذا الشرط) همٌّ عظيم. غير أن النبي ﷺ بأُسلوبه الحكيم وبمنطق واقعي سليم بدَّد كل غيوم الهمَّ تلك التي خيَّمت على نفوس المسلمين فأَجابهم بصدد هذا الشرط الذي استنكروا قبوله بقوله ﷺ : "أَما من أَراد أَن يلحق بنا منهم (أَي مسلمًا وتعهدنا بعدم السماح له بالإِقامة بيننا) فسيجعل الله تعالى له مخرجًا ولنا .. ومن أتاهم منا فأَبعده الله (أي مرتدًا) وهم أَولى بمن كفر". وكان التفسير النبوي تفسيرًا واقعيًا ومعقولًا أَعاد للنفوس القلقة طمأْنينتها .. حتى أن عمر بن الخطاب - وهو أَشدّ الصحابه معارضة لقبول هذا الشرط - اقتنع بهذا القول النبوي وأَدرك أَن فعل الرسول ﷺ هو الصواب. وهذا درس مهمّ أَلقاه النبي ﷺ على أَصحابه يجب الاستضاءَة بنوره في التأَني وعدم التسرّع في تفسير الأُمور واستخراج النتائج أَثناء الانفعال وفورة العاطفة، لأَن استخلاص النتائج (حينئذ) يكون مغلوطًا كما حدث حينما تسرّع بعض المسلمين في تفسير قبول النبي ﷺ ، بهذا الشرط، بأَنه يحمل المساس بكرامة المسلمين ودينهم .. ثم بان لهم خطأُ هذا التفسير عندما أكد لهم النبي ﷺ بلغة العقل لا (العاطفة) عدم وجود أَية دنيّة عليهم في قبول هذا الشرط الذي كادوا يهلكون غمًّا لدى سماعهم موافقة النبي ﷺ على قبوله.

стр. 1405

٥ - الوفاء بالعهد: ولعل من أَبلغ الدروس في صلح الحديبية درس أَلقاه النبي القائد والحاكم في الوفاء بالعهد والتقيد بما يفرضه شرف الكلمة من الوفاء بالالتزامات التي يعطيها المسؤول الشريف في كلمته مهما ترتب على هذا الوفاء من خسائر وآلام تصيب الموفي بالعهد. هذا الدرس الرائع نستخرجه من حادثة أبي جندل التاريخية المؤثرة. لقد كان لرئيس وفد الشرك في مفاوضة الحديبية (سهيل بن عمرو) ابن شاب كان قد هداه الله للإسلام في مكة فاعتقله أبوه وأودعه السجن وقام بتعذيبه لحمله على العودة إلى دين الوثنية، ولكنه صبر وتحمل وظل على دينه الصحيح مسلمًا. وصادف أَن أَبا جندل هذا (كما تقدم) تمكن من الفرار من سجن أَبيه ووصل إلى معسكر المسلمين وهو يرسف وقيوده فرمى بنفسه فارًّا بدينه بين أَظهرهم طالبًا حمايتهم لأَنه أَصبح مسلمًا منهم وإليهم. فرحّب به المسلمون وهنأُوه. غير أَن أَباه سهيل بن عمرو لم يكد يراه بين المسلمين حتى صرخ في وجهه وانهال ضربًا على وجهه ثم أَخذ يجره بتلابيبه ويدفع به أَمامه ليعود به إلى معسكر الشرك، حتى صاح أبو جندل (مستغيثًا بالمسلمين): يا معشر المسلمين أَأَرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني أَلا ترون ما لقيت. ويظهر أَن المسلمين سارعوا بالتدخل لحماية أَبي جندل وانتزعوه من يد أبيه المشرك ليبقى معهم لأَن تلك هي رغبته، ولأَنه أصبح منهم عضوًا في أُسرة الإسلام.
следующие страницы →