والدرس المستفاد هنا بصفة رئيسية هو في قصة معارضة الفاروق عمر الصريحة بل القوية لبعض بنود معاهدة الصلح التي أَبرمها النبي الأعظم ﷺ بينه وبين المشركين.
لقد كان ابن الخطاب يرى - في قرارة نفسه ساعة عقد الصلح - أَن بعض الشروط التي اشترطها المندوب القرشي سهيل بن عمرو في المعاهدة، وقبل بها النبي ﷺ فيها مساس بكرامة الأُمة الإِسلامية تسجِّل عليها شيئًا من الدنيّة .. كان ذلك مبلغ فهمه وإحساسه وشعوره كإنسان عادي - بالنسبة للنبي ﷺ لم يكن (بالتأكيد) على مستواه في إِصابة الرأْي وبعد النظر والإحاطة بغوامض الأُمور .. وبالتالي، تلقِّيه الوحي من السماء وعدم صدوره إلا عن أمر الله تعالى.
لذلك فإن ابن الخطاب لم يكد يطَّلع على بنود وشروط المعاهدة - التي اتفق عليها ولم يبق غير التوقيع والإشهاد عليها - حتى نهض معلنًا عن معارضته الشديدة وذهب إلى النبي ﷺ ، وبصراحته المعھهودة أفصح لسيِّد الحكماء وإمام الحلماء ﷺ عن هذه المعارضة، مستنكرًا بعض الشروط التي تضمنتها هذه المعاهدة، وخاصة المتعلقة باشتراط قريش رجوع المسلمين عن مكة ذلك العام دون أَداء مناسك العمرة .. وتعهد النبي ﷺ بردّ كل من جاءَه من أبناء قريش إليهم حتى ولو كان مسلمًا .. وعدم تعهد قريش (مقابل ذلك) بأن يردوا من جاءَ إليهم مفارقًا جماعة المسلمين مرتدًا عن الإسلام.
فرأينا كيف أَن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي ﷺ معلنًا معارضته لهذه الشروط قائلًا: ألست رسول الله حقًّا؟ قال: بلى، فقال ابن الخطاب: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ . قال النبي ﷺ : بلى.
стр. 1402
فقال عمر: فلمَ نعطِ الدنيّة في ديننا إذن؟ .
فلم ينكر النبي الأعظم ﷺ على ابن الخطاب معارضته القوية الصريحة ولم يعنّفه على هذه المعارضة بل حاول إقناعه بسلامة تصرفه ﷺ حينما وافق على هذه الشروط التي تراءَى للفاروق أنها مجحفة بالمسلمين، فقد أَبلغ النبي ﷺ عمر بأَنه لا يفعل إلا ما فيه مصلحة الإِسلام والمسلمين وبالتالي لا يتصرف إلا بأمر من الله حيث قال ﷺ جوابًا على معارضة الفاروق: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري".
وحتى بعد ذلك الجواب النبوي الرفيع المقتضب، على تلك المعارضة الفاروفية العنيفة، لم يضق صدر سيِّد البشر لاستمرار ابن الخطاب في المعارضة ومناقشة الرسول واستجوابه، حيث واصل المناقشة حول الموضوع نفسه قائلًا؛ وبتلك الصراحة التي كان النبي ﷺ يكبرها في عمر لنزاهة الدافع لها في كل مناسبة: "أَوَ ليس يا رسول الله كنت تحدثنا أَنَّا سنأْتي البيت ونطوّف به"؟ .
فقال النبي ﷺ في هدوئه المعروف -: بلى. أَفأَخبرتك أنّا نأْتيه هذا العام؟ .
فقال عمر: لا.
فقال ﷺ : فإنك آتيه ومطوّف به.
وكان الفاروق قد اتصل بوزير النبي الأول أَبي بكر الصديق وأَعرب له عن معارضته لتلك الشروط وعدم استساغته لها حيث قال لأَبي بكر كما تقدم:
أَليس هذا نبي الله حقًّا؟ .
стр. 1403
قال: بلى.
فقال: أَلسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ .
قال: بلى.
قال: فلم نعْط الدنيّة في ديننا؟ .
وهنا قال الصدِّيق الفاروق (ملفتًا نظره إلى وجوب التسليم بكل ما يقوله أَو يفعله النبي ﷺ ): أَيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي الله ربه، وهو ناصره، فقال عمر: وأَنا أَعلم أَنه رسول الله.
فقال أَبو بكر: فاستمسكْ بغرزه فوالله إنه على الحق.
ندم الفاروق على المعارضة:
وقد أَعلن الفاروق - وبالصراحة المعروفة عنه - ندمه على تلك المعارضة التي أَبداها. وحدّث عمر عن نفسه .. أَنه كان يصوم ويتصدّق ويعتق، تكفيرًا عما صدر منه من تلك المعارضة التي صارح بها النبي الأعظم ﷺ .
٤ - إيضاح أهم نقطة إشكال:
لقد كان البند الذي يتضمن تعهد النبي ﷺ بأن يرد إلى المشركين من جاءَه من آبنائهم حتى ولو كان مسلمًا، ولا تتعهد قريش بردّ من جاءَها من المسلمين إليهم.
كان هذا البند - على وجه الخصوص ہے- مصدر تضايق للمسلمين لأنهم لم يهضموه ولم يستسيغوه كبشر، حتى قال قائلهم - عندما سمعوا
стр. 1404
موافقة النبي ﷺ : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ ؟ .
وقد أَصاب المسلمون (لقبول هذا الشرط) همٌّ عظيم.
غير أن النبي ﷺ بأُسلوبه الحكيم وبمنطق واقعي سليم بدَّد كل غيوم الهمَّ تلك التي خيَّمت على نفوس المسلمين فأَجابهم بصدد هذا الشرط الذي استنكروا قبوله بقوله ﷺ :
"أَما من أَراد أَن يلحق بنا منهم (أَي مسلمًا وتعهدنا بعدم السماح له بالإِقامة بيننا) فسيجعل الله تعالى له مخرجًا ولنا .. ومن أتاهم منا فأَبعده الله (أي مرتدًا) وهم أَولى بمن كفر".
وكان التفسير النبوي تفسيرًا واقعيًا ومعقولًا أَعاد للنفوس القلقة طمأْنينتها .. حتى أن عمر بن الخطاب - وهو أَشدّ الصحابه معارضة لقبول هذا الشرط - اقتنع بهذا القول النبوي وأَدرك أَن فعل الرسول ﷺ هو الصواب.
وهذا درس مهمّ أَلقاه النبي ﷺ على أَصحابه يجب الاستضاءَة بنوره في التأَني وعدم التسرّع في تفسير الأُمور واستخراج النتائج أَثناء الانفعال وفورة العاطفة، لأَن استخلاص النتائج (حينئذ) يكون مغلوطًا كما حدث حينما تسرّع بعض المسلمين في تفسير قبول النبي ﷺ ، بهذا الشرط، بأَنه يحمل المساس بكرامة المسلمين ودينهم .. ثم بان لهم خطأُ هذا التفسير عندما أكد لهم النبي ﷺ بلغة العقل لا (العاطفة) عدم وجود أَية دنيّة عليهم في قبول هذا الشرط الذي كادوا يهلكون غمًّا لدى سماعهم موافقة النبي ﷺ على قبوله.
стр. 1405
٥ - الوفاء بالعهد:
ولعل من أَبلغ الدروس في صلح الحديبية درس أَلقاه النبي القائد والحاكم في الوفاء بالعهد والتقيد بما يفرضه شرف الكلمة من الوفاء بالالتزامات التي يعطيها المسؤول الشريف في كلمته مهما ترتب على هذا الوفاء من خسائر وآلام تصيب الموفي بالعهد.
هذا الدرس الرائع نستخرجه من حادثة أبي جندل التاريخية المؤثرة.
لقد كان لرئيس وفد الشرك في مفاوضة الحديبية (سهيل بن عمرو) ابن شاب كان قد هداه الله للإسلام في مكة فاعتقله أبوه وأودعه السجن وقام بتعذيبه لحمله على العودة إلى دين الوثنية، ولكنه صبر وتحمل وظل على دينه الصحيح مسلمًا.
وصادف أَن أَبا جندل هذا (كما تقدم) تمكن من الفرار من سجن أَبيه ووصل إلى معسكر المسلمين وهو يرسف وقيوده فرمى بنفسه فارًّا بدينه بين أَظهرهم طالبًا حمايتهم لأَنه أَصبح مسلمًا منهم وإليهم.
فرحّب به المسلمون وهنأُوه. غير أَن أَباه سهيل بن عمرو لم يكد يراه بين المسلمين حتى صرخ في وجهه وانهال ضربًا على وجهه ثم أَخذ يجره بتلابيبه ويدفع به أَمامه ليعود به إلى معسكر الشرك، حتى صاح أبو جندل (مستغيثًا بالمسلمين): يا معشر المسلمين أَأَرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني أَلا ترون ما لقيت.
ويظهر أَن المسلمين سارعوا بالتدخل لحماية أَبي جندل وانتزعوه من يد أبيه المشرك ليبقى معهم لأَن تلك هي رغبته، ولأَنه أصبح منهم عضوًا في أُسرة الإسلام.
стр. 1406
لم يلجأْ سهيل بن عمرو إلى القوة لإلقاء القبض على ابنه المسلم بل لجأ إلى الاحتجاج لدى النبي القائد ﷺ وطالبه بأَن يسلم إليه ابنه أبا جندل وفقًا لاتفاقية الصلح التي ينص البند الثامن منها على التزام النبي ﷺ بأَن يرد من جاءَ إليه من قريش بغير إذن أهله.
فقد قال سهيل في احتجاجه هذا -أي موضوع ابنه - أَول ما أُقاضيك عليه، لقد لجت القضية بيني وبينك قبل أَن يأْتي هذا - يعني ابنه.
ولم يسع النبي القائد - وهو أَبرّ من أوفى بالعهد - إلا أن يقف عند كلمته ويطبق الاتفاقية نصًّا وروحًا، فقال لسهيل بن عمرو: صدقت، وسمح لسهيل بن عمرو، المشرك باعتقال ابنه المسلم وإعادته إلى مكة، رغم علمه بما في هذا التصرف من إيذاءٍ شديد لعواطف المسلمين إلا أن النبي ﷺ مع ذلك طلب من سهيل بن عمرو أن يسمح لابنه بالبقاء مع المسلمين قائلًا: فأجره لي، أَي أُتركهـ في جواري وأَماني وهي عادة متبعة عند العرب.
فقال سهيل: ما أَنا مجير لك ذلك.
فكرر النبي الطلب قائلا: بلى، فافعل.
فكرر سهيل الرفض قائلا: ما أنا بفاعل.
وهنا تدخل عضوا الوفد القرشي (حويطب بن عبد العزّى ومكرز بن عمرو) فأجارا أَبا جندل، وتعهدا بأَن لا يمسه العذاب في مكة، حيث قالا للنبي ﷺ : قد أَجرناه لك (يا محمد) لا نعذِّبه.
стр. 1407
وقد استلم سهيل بن عمرو ابنه الشاب المسلم ليزجّ به في السجن مع أمثاله من شباب قريش المسلمين الذين حال طغيان أَهلهم بينهم وبين اللحاق بالنبي ﷺ مهاجرين.
النبي يعتذر لأبي جندل:
وقد اعتذر النبي الأعظم ﷺ لأَبي جندل عندما صاح بأَعلى صوته -وأَبوه يجرّه بتلابيبه- يا معشر المسلمين أَأَرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ . اعتذر النبي ﷺ لهذا الشاب المسلم بأنه لا يستطيع أن يقوم بأيِّ عمل يخلصه من أَسر أَبيه المشرك لأَن ذلك يعني النقض للعهد الذي أعطاه النبي ﷺ لقريش قبل قليل.
فقد قال ﷺ لأبي جندل: إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأَعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا وإنّا لا نغدر بهم.
غير أن النبي ﷺ إزاءَ هذه المأْساة التي حالت بنود معاهدة الصلح بينه وبين أن يجد مخرجًا منها لأَبي جندل المسلم، طمأَن أَبا جندل وبشَّره بقرب الفرج له ولمن على شاكلته من الشباب المسلم الذين تضيق بهم سجون أَهاليهم المشركين في مكة فقد قال ﷺ لأَبي جندل - وهو يواسيه -: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا.
فاقتنع أبو جندل بالبيان النبوي واطمأَن إلى البشرى التي بشَّره بها، فاستسلم لأَبيه المشرك الذي عاد به إلى مكة. حتى جعل الله له فرجًا ومخرجًا -كما بشره الرسول ﷺ - بعد أَقل من سنة. كما سيأْتي تفصيله إن شاء الله.
стр. 1408
درس رائع واختبار قاس:
حقًّا إنه لاختبار قاس وامتحان شديد. شاب مسلم فرَّ بدينه إلى المسلمين ثم ينتزع انتزاعًا ليرمى به مرة أخرى في جحيم الشرك بعد أَن خرج منه والتجأَ إلى أُسرة الإسلام في الحديبية.
لقد تأَذّى المسلمون لهذا المنظر وتأَلموا أشد الأَلم حتى إن الكثير منهم بكى إشفاقًا على هذا الشاب الطيب المسلم وهم يرون أَباه المشرك يسحبه في جلافة الوثني الفظّ.
لقد كانت الرغبة ملحَّة في نفوسهم - بل وفي مقدورهم - أَن يخلصوا هذا الشاب الصادق الإيمان من وحشية أبيه الوثني الفظ. . فقد كانت قلوبهم وكأَنها تتمزق وهم يرون سهيل بن عمرو المشرك يسحب في وحشية وقسوة من بين أَيديهم - ابنه المؤمن والدماء تسيل من شدة ضغط مقابض السلاسل على قدميه.
حقًّا لقد كان منظرًا تبكي له القلوب قبل العيون .. ولكن ماذا عسى أَن يصنع المسلمون القادرون على تخليص هذا الفتى المسلم. . ماذا عسى أَن يصنعوا؟ .
إنهم أَمام هذا المنظر الذي بكت له قلوبهم قبل عيونهم يشعرون وكأَنَّ أيديهم مشدودة إلى الوراء. . شدها الوفاءُ بالعهد الذي أَعطاه النبي ﷺ ، قريشًا، وشرف الكلمة التي التزم تنفيذها ضمنَ نصوص معاهدة الصلح، الذي جعلهم يقفون مكتوفي الأَيدي لا يجرأُون على التعرض لسهيل بن عمرو الذي صادر حرية ابنه الشاب المسلم وأجبره على العودة ليعيش في مجتمع الوثنية الذي لا يريد العيش فيه.
стр. 1409
وقد أَشار ابن إسحاق إلى أن ما حدث لأَبي جندل قد ثقل على المسلمين ودخل عليهم منه أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا غمًّا. حتى بلغ الأَمر بالكثير منهم إلى أن يستفسروا في أَلم وحرقة - لعدم إحاطتهم بما أَحاط به علم النبي ﷺ ولقصر إدراكهم للأَبعاد والمرامي العميقة التي يدركها النبي ﷺ وهو يقْبل ذلك الشرط الذي أَملاه سهيل بن عمرو أَثناء كتابة المعاهدة والذي بموجبه أعاد النبي ﷺ إلى سهيل المشرك ابنه اللاجئ المسلم - استفسروا: لماذا يردون إلى قريش من جاء إليهم مسلمًا ولا ترد قريش إليهم من هرب إليها منهم مرتدًا؟ .
وجاءَ الجواب من الذات النبوية على هذا الاستفسار. . حكيمًا منطقيًا وواقعيًا، فلامس القلوب المؤمنة فصار لها كالبلسم. . شفاها من الغمّ الذي أَلمّ بهہاوخاصة بعد الذي حدث لأَبي جندل. . جاءَ الجواب من النبي الحكم الحليم بأن من ذهب من المسلمين إلى قريش مرتدًا، فلا رده الله. . إذ لا خير فيه. . وماذا يستفيد المسلمون من إنسان فارق دينهم؟ .
أما المستضعفون من المسلمين الذين قد يطلبون حق اللجوء عند المسلمين فيعيدهم النبي ﷺ إلى كفار مكة. فسيجعل الله لهم مخرجًا - ما في ذلك شك - ما داموا ثابتين على دينهم.
وماذا عليهم لو دفعوا ضريبة الإيمان في سجون مكة؟ لقد سبق لهم إخوة ذاقوا - في سبيل التمسك بعقيدتهم - من أشد مما يذوقون هم، من التعذيب. حتى إنَّ بعضهم مات تحت التعذيب الوحشي الرهيب فصہاروا في الذروة مع السابقين الأولين. أمثال: عمّار وأُم عمّار، وبلال، ومصعب بن عمير الذين لم يكن ما تعرّضوا له هم قسوة الإرهاب-
стр. 1410
والتجويع ووحشية التعذيب في سجون المشركين بمكة إلا أوسمة - إن صح هذا التعبير - جعلتهم حديث الدنيا وملءَ سمعها وبصرها، يلهج التاريخ بذكراهم العطرة في التضحية والفداء في سبيل العقيدة أَبد - الآبدين.
فكأَنّ لسان حال النبي الأعظم - وهو يعيد أَبا جندل إلى أبيه المشرك وفاءً بالعهد - يقول: فليثبت إذن أَبو جندل وإخوة أَبي جندل وليحتسبوا ما ينالهم في سجون مكة من بلاء وتنكيل في سبيل الاحتفاظ بعقيدهم، فالله منجّيهم وجاعل لهم من محنتهم مخرجًا.
أَليس الله سبحانه هو القائل في حق المؤمنين الصادقين المتقين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١)؟ .
ولقد صدق الله وعده فقد جعل لأَبي جندل وإخوته من المسلمين المستضعفين في سجون أهاليهم بمكة مخرجًا، فلم تمرّ أقلّ من سنة حتى تمكنوا من الإفلات من سجون مكة وأَصبحوا قوة صار كفار مكة يخشونها بعد أن سيطرت على طرق قوافل المشركين الآتية من الشام، كما سيأْتي تفصيله فيما يلي من هذا الفصل إن شاء الله.
مكاسب الصلح العظيمة:
بالرغم من تضايق عامة المسلمين لما تحمله (في الظاهر) شروط صالح الحديبية التي قبلها النبي ﷺ واغتمّ لها عامة المسلمين، فإن هذا الصلح نتج عنه مكاسب عظيمة للمسلمين بل نصر كبير لدعوة الإسلام ظهرت جلية واضحة فيما بعد للذين تضايقوا من شروط هذا الصلح.
стр. 1411
وقد تساءَل البعض في حينه - عن حسن نية - أين هي المكاسب الملموسة التي حققها صلح الحديبية بشروطه القاسية على المسلمين وقد أقرَّ النبي ﷺ صد المسلمين عن الحرم فحلّوا إحرامهم خارجه، وعادوا من حيث أَتوا دون أن يطوفوا بالبيت، وهو الهدن الرئيسي الذي لم - يخرجوا من المدينة بقضهم وقضيضهم إلا من أَجل تحقيقه؟ ؟ .
والجواب على هذا التساؤل، هو أن النبي الأَعظم ﷺ لم يقرّ في هذا الصلح ويوافق سهيل بن عمرو على صد المسلمين عن الحرم ومنعهم من الطواف أَبد الآبدين.
وإنما وافق فقط، على أن يؤجل المسلمون دخولهم الحرم معتمرين من عامهم ذاك إلى العام الذي يليه مباشرة. وهو ما أَشار إليه النبي ﷺ وهو يحاول إقناع المعارضين للصلح من أصحابه.
وهذا يدلّ على (دبلوماسية) رفيعة وسياسة عسكرية غاية في الحصافة إن صح هذا التعبير - (دبلوماسية) حقق باتباعها النبي ﷺ حقن دماء كثيرة لم تكن له أَية رغبة في إراقتها بل يكره كل الكره أن تراق داخل الحرم. . وكان يمكن أَن تراق بسهولة وبغزارة، أولًا أَن النبي ﷺ فعل كما القادة المتجبِّرون القادرون على تحقيق أهدافهم بحدّ السيف .. وقد كان قادرًا على اقتحام مكة بحد السيف.
ولكنه - وهو الذي أَرسله الله رحمة للعالمين - فضَّل أَن يحلّ محل هذا الاقتحام الدامي، عودة سليمة للمسلمين لزيارة البيت بعد عام واحد فقط. . فقبل (لذلك) الشرط الذي أملاه المندوب القرشي والذي يقضي بأَن يرجع المسلمون هذا العام دون أن يدخلوا مكة، على أن يكون من حقهم دخولها في العام القادم.
стр. 1412
وأَيُّ إجحاف بحق المسلمين في الموافقة على هذا التأْجيل، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أَن هذا التأْجيل البسيط كان سببًا رئيسيًا في حفظ مئات -بل آلاف الأَرواح- يمكن أَن تُزهق من الفريقين لو لم يوافق النبي ﷺ على هذا التأْجيل وأَصرّ على اقتحام مكة بالقوة.
ثم ما هو الفرق بين أن يحصل الإنسان على حقه اليوم أو غدًا، ما دام أَنه قد ضمنَ الحصول على هذا الحق؟ .
وقد تضمنت معاهدة صلح الحديبية وجوب حصول المسلمين على حقهم وهو الطواف بالبيت في العام القادم.
فهل من الحكمة أو هل من مصلحة الإسلام والمسلمين أن يخاطر النبي ﷺ بأرواح المئات من أصحابه الذين هو في أمسِّ الحاجة إليهم وخاصة في تلك المرحلة المصيرية من بناء الدولة الإسلامية الوليدة التي هي أحوج ما تكون إلى الرجال لحماية الدعوة التي أَخذت جذورها في الرسوخ والانسياب في الأَعماق هل من الحكمة أو من المصلحة أن يقدم على مخاطرة قد لا تكون مأْمونة الجانب فيعرّض أصحابه للموت في حرب ستكون لا شك ضروسًا طاحنة، من أَجل التعجيل بمطلب هو قادر على تحقيقه بعد عام واحد، دون أن يضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة من دم أَصحابه؟ ؟ .
إنه كنبيّ أَرسله الله رحمة للعالمين، وكرسول جاء يحمل شعار الحب والتسامح، وكرائد ومصلح جاءَ لحقن الدماء وصيانتها، لا لسفكها وإضاعتها ما وجد إلى ذلك سبيلًا، حتى ولو كانت هذه الدماء غير دماء المسلمين. لهذا كله ولأَنه -كقائد مسؤول عن سلامة أَرواح أَصحابه، لا يمكن أن يقدم على تلك المخاطرة فيخوض حربًا مدمِّرة ضروسًا
стр. 1413
لا ضرورة لها إلَّا الاستجابة لعواطف بعض الأَصحاب التي عند جيشانها قصرت مداركهم عن فهم وإدراك ما فهمه وأدركه القائد الفذ المحنّك المسؤول، والرسول الموحى إليه من عند الله والذي لا يصدر إلا عن أمره تعالى.
شرط سطحي:
لقد قبل النبي ﷺ ذلك الشرط الذي اشترطته قريش في المعاهدة والذي بموجبه قبل النبي ﷺ الامتناع عن دخول مكة ذلك العام على أَن يدخلها وأَصحابه في العام القادم.
لقد تظاهرت قريش أنها بإملاء هذا الشرط قد انتصرت على المسلمين. بينما ذلك الشرط (في حقيقته) ليس أَكثر من غطاءٍ رقيق شفّاف، حاولت قريش - أمام السطحيين العاطفيين - أَن تغطي به هزيمتها الكبيرة في هذا النزاع الخطير الذي أثاره تصلُّفها وكبرياؤها الجاهلي. . هذه - الهزيمة المتمثلة في انحنائها للعاصفة بقبولها مبدأَ دخول المسلمين مكة واعترافها بحقهم في الطواف بالبيت، الأمر الذي كانت ترفضه وتمانع في الاعتراف به حتى توقيع مندوبها على معاهدة الصلح التي اعترفت فيها بهذا الحق.
إن كل ما كسبته قريش من هذا الشرط - الذي استعظم عامة الأَصحاب الموافقة عليه - هو أَن النبي قبل أن يؤجِّل دخول مكة للعمرة عامًا واحدًا.
وهذا أَبرز ما ظن قادة قريش، أو أوهموا السطحيين من مشركي العرب أن فيه نصرًا عظيمًا لقريش على المسلمين.
стр. 1414
بينما هو في الحقيقة لا يعدو أكثر من موافقة الرسول القائد على تأْجيل مباشرة حق سنة واحدة. . حق كانت قريش - إلى ما قبل إبرام هذا الصلح - ترفض الاعتراف به.
فكأَنَّ قريشًا بإبرامها هذا الصلح قد وقعت على الاعتراف بحق للمسلمين كانت ترفض الاعتراف به وتقسم الأَيمان الغليظة بأَنها لن تمكِّنهم من مباشرته أَبد الآبدين.
ولهذا خرجت من مكة إلى منطقة الحديبية بكل ما لديها من قوة لتبرَّ بهذا القسم الآثم وتجبر المسلمين على العودة من حيث أتوا دونما أيّ قيد أَو شرط أَو دخول في أَية مفاوضة.
ولكنها عندما رأت تصميم المسلمين على البقاء في الحديبية وأَن ذلك قد يؤدِّي إلى صدام مسلح قد يكون فيه تحطيم كيانها إلى الأَبد، وخاصة بعد المبايعة تجت الشجرة والتي لا تعنى سوى الاستنفار العام واستعداد المسلمين لخوض المعركة إذا لم يكن منها بدّ. ورأَت قريش -كما هو قرارة نفسها- أن لا طاقة لها بمقاومة المسلمين إذا ما اضطروا للهجوم، لذلك انحنت للعاصفة، فرجعت عن يمينها، فوافقت على أن يدخل المسلمون مكة للعمرة، ولكنها - كستار لتراجعها الذي هو عين الاندحار طلبت أن يكون ذلك في العام القادم.
فصح بهذا يقينًا أن الذي حصل على الكسب الحقيقي والنصر المؤزّر في هذه القضية الخطيرة التاريخية المعقدة إنما هم المسلمون- لا المشركين.
ولقد اعتبر الخبراء العسكريون والسياسيون القدامى والمعاصرون. اعتبروا رجوع النبي ﷺ بأَصحابه على تلك الصورة وبعد الظفر بتلك
стр. 1415
المعاهدة هو من أحكم وأَقوم ما يمكن أن يُقدم عليه قائد مسؤول عن الأُمَّة، يقدِّر النتائج ويحسب حسابها قبل الإقدام على العمل.
كما أن الباحثين وفلاسفة التاريخ اعتبروا صلح الحديبية نصرًا عظيمًا أَحرزه النبي ﷺ للإسلام والمسلمين.
بل إن الناظر بتفهّم وإمعان في قضية الحديبية والصلح التاريخي الذي كان خاتمة المطاف فيها، يجد أَنه قد نتج عن هذه القضية مكاسب عقائدية وسياسية وأدبية وإعلامية عادت بالنفع العظيم على الإسلام ودعوة الإسلام. . ويمكننا الإشارة إلى بعض هذه المكاسب:
١ - اعتراف قريش بكيان المسلمين:
لقد كانت قريش - منذ ظهور دعوة الإسلام في مكة ومنذ خمس عشرة سنة وحتى يوم صلح الحديبية - تعتبر النبي وأصحابه المسلمين شرذمة لا كيان لها. . لا تنظر إليهم إلا كما تنظر إلى الصعاليك من قطَّاع الطرق والخارجين على القانون الذين يجب إخضاعهم لسلطانها وإعادتهم إلى حظيرة طاعة كهنوتها الوثني أو التخلُّص منهم بأَية وسيلة الوسائل. . وما كانت قريش تفكّر أَنها في يوم من الأيام ستقعد معهم على مائدة واحدة لتفاوضهم الند للندّ وتعترف بهم في معاهدة مسجلة كأُمّة لها كيانها بل كدولة لها هيبتها ونفوذها، الأَمر الذي ترفض قريش الاعتراف (رسميًّا) بشيء منه كل الرفض حتى جاء يوم الحديبية فاعترفت فيه للمسلمين بكل ذلك ووقَّع مندوبهہاعلى وثيقة تاريخية دولية؛ تتضمن هذا الاعتراف.
стр. 1416
وهكذا تكون أُولى مكاسب صلح الحديبية السياسية - بل أهمُّها - اعتراف قريش رسميًّا بأن النبي ﷺ وأصحابه أصبحوا أُمّة لها كيانها بل دولة لها خطرها.
وقد جاء هذا الاعتراف مجسَّدًا في وثيقة معاهدة هذا الصلح التي تضمنت اثنى عشر بندًا من بينها البند الذي ينص على عقد هدنة بين المسلمين وقريش بلدة عشر سنوات.
والهدنة لا تعقد إلا بين فئتين متكافئتين- عسكريًا وسياسيًا على الأَقل.
والتكافؤ عسكريًا ودوليًا بين المسلمين وقريش، ظلَّت قريش ترفض الاعتراف به طيلة خمس عشرة سنة حتى وقَّعت على الاعتراف به رسميًّا (مرغمة) في معاهدة الحديبية.
فكأَنَّ النبي الأعظم ﷺ بنجاحه في عقد هذا الصلح التاريخي مع قريش قد انتزع منها هذا الاعتراف انتزاعًا، الأمر الذي ما كانت قريش لترغب فيه أو تتوقع حدوثه لولا صَبر النبي ﷺ وجَلَده - وتحلِّيه بضبط النفس وقدرته الفذة على المناورة باتباعه إزاءَ قريش في قضية الحديبية سياسة اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف .. بينما ركب سادات قريش رؤوسهم في هذه القضية، فاتبعوا إزاءَ المسلمين - سياسة العناد والمكابرة والشدة والعنف والتهديد والوعيد وأعلنوا أَنهم سيشنون حربًا كاملة على المسلمين في الحديبية وأَن يرجعوا من حيث أَتوا دونما قيد أَو شرط، وأن قريشًا لن تسمح لهم بدخول مكة في أي وقت وتحت أيِّ ظرف. . ثم تراجعت بل وتخاذلت وأَرسلت بوفدها إلى الحديبية ليوقِّع وثيقة هذا الصلح الذي ظنت قريش أَنه
стр. 1417
نصر لها، بينما هو في الواقع قد تجسدت فيه هزيمة سياسية كبرى نزلت بقريش التي قبلت صاغرة مبدأ دخول المسلمين مكة وقيامهم بأداءِ العمرة التي حلفت قريش أنهم لن يؤدّوها مهما كانت النتائج المترتبة على منعهم من أدائها.
٢ - تفهم المشركين لحقيقة الإسلام:
ومن المكاسب الكبرى التي جنته الدعوة الإِسلامية أَثناءَ المفاوضة في الحديبية هو أن تصرف المسلمين - وخاصة نبيّهم العظيم - طيلة الأَيام التي قضوها في الحديبية قد جعلتهم محل احترام وإِكبار كل الزعماء. والسادة الذين بعثت بهم قريش كوسطاءَ لحل المشكلة القائمة بينها وبين المسلمين.
فقد كانت وسائل قريش الإِعلامية تصوّر المسلمين بين العرب على أنهم دُعاة حرب ومصَّاصي دماءٍ معتدون. وأَنهم لم يأْتوا هذه المرة بهذا العدد الضخم إِلا للعدوان وسفك الدم الحرام داخل البلد الحرام.
غير أنه سرعان ما ينكشف زيف هذه الدعاية القرشية الكاذبة وتأْتي لقريش بعكس النتائج التي كانت قريش تسعى - من وراءِ هذه الدعاية الكاذبة - لتحقيقها.
فلا يأْتي زعيم من حلفاءِ أَو أَصدقاءِ قريش - وسيطًا إِلى الحديبية - إِلا وهو يحمل في ذهنه عن المسلمين تلك الصورة المشوّهة التي رسمتها الدعاية القرشية الكاذبة المغرضة.
ولكن سرعان ما تنكشف له الحقيقة بمجرّد أَن يتصل بهؤلاءِ المسلمين فيعود إلى قريش وقد زالت من ذهنه عن المسلمين تلك الصورة
стр. 1418
الخاطئة المعتمة وتحل محلها صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المسلمين، ترتسم في ذهنه من واقعهم المشرِّف الذي منه يتبين له أَنهم ليسوا -كما تصوَّرهم قريش - طلَّاب شر وإِنما هم دُعاة خير ليس من باعث لمجيئهم سوى تعظيم حرمات الله وزيارة بيته الحرام.
فيعود هؤلاء الوسطاءُ وهم يلقون بكل اللوّم على قريش ويحمِّلونها وحدها مسؤولية تعقيد الموقف وما قد ينتج عنه من صدام دام، وذلك بعد أَن يلمس هؤلاء الوسطاءِ بأَنفسهم شرف المقصد وحُسن النية الصادقة بين المسلمين؛ كما حدث من الوسيط الثاني عروة بن مسعود الثقفي والوسيط الثالث الحُليس بن زبّان.
وهذه كلها مكاسب أَدبية وسياسية حصل عليها المسلمون نتيجة تصرّفات نبيّهم الحكيمة إِزاءَ استفزازات قريش وتحدياتها الجاهلية. وهي مكاسب إعلامية عظيمة، ما كان المسلمون يحصلون عليها لولا التزام نبيّهم العظيم سياسة الحلم وضبط النفس في هذه القضية المعقدة.
٣ - انشقاق معسكر الشرك:
ومن المكاسب التي صاحبت صلح الحديبية الانشقاق الخطير الذي حدث داخل معسكر الشرك بين قريش وحلفائها الذين لامها قادتهم من الوسطاءِ على عنادها ومكابرتها عندما وجهوا إِليها اللوم وأَسدوا إِليها النصح بأَن لا تحول بين المسلمين وبين مباشرة حقهم الطبيعي في الطواف بالبيت بعد أَن نقلوا إِلى مسامع زعمائها أَن المسلمين ليسوا مخطئين في إِصرارهم على دخول مكة لأَداءِ مناسك العمرة كغيرهم من فئات العرب الأُخرى.
стр. 1419
فقد رأَينا فيما مضى كيف غضبت قريش على سيّد الأَحابيش (الحليس بن زبّان) وهو أَقوى حاليف لها عندما صارحها بالحقيقة وأَنها تتصرف تصرّفًا سيئًا عندما تحول بين المسلمين وبين الطواف بالبيت، الأَمر الذي -كما أَشار الحليس- لا يمكن لأَيِّ عربي استساغته أَو إِقراره لأَنه بغي وظلم، ما سبق وإن أَقدم على مثله أَحد ممن سادوا أَرض الحرم عبر العصور.
ورأَينا كيف أَن زعيم الأَحابيش عندما جبهته قريش وسفَّهت رأْيه، عندما أَسمعها كلمة الحق بشأْن المسلمين - بعد أَن لمس بنفسه نزاهة مقصدهم وسلامة موقفهم - هدد قريشًا بأَنه سيلغي الحلف الذي بينه وبينها، وينسحب برجاله من تجمُّعها إِذا لم تصغ لصوت الحق فتخلِّي بين المسلمين وبين البيت ليطوفوا به.
الأَمر الذي أَزعج قريشًا وجعلها تتوسل إِلى حليفها القوي بأَن - لا ينفِّذ تهديده حتى تجد لها مخرجًا من ورطتها، بعد أَن وعدته بأَنها ستسعى لإِيجاد مخرج يكون فيه رضاه ويحفظ لها شيئًا من ماءِ وجهها ويضمن السماح للمسلمين بزيارة البيت الذي كان صدُّ قريش المسلمين عنه أَساس المشكلة ومصدر غضب سيد الأَحابيش.
وتهديد الحليس بن زبّان كان ثاني انشقاق خطير يواجهه التجمع الوثني في الحرم، مما حمل سادات قريش على التفكير جديًّا في الرجوع إِلى طريق الاعتدال والتخلي عن سياسة العنجهية والحماقة والسفه .. الأمر الذي وصل في النهاية بقريش (مكرهة) إِلى التوقيع على معاهدة هذا الصلح التاريخي.
стр. 1420
انسحاب سيد ثقيف:
كذلك رأَينا فيما مضى كيف انسحب سيد ثقيف وحليف قريش وصهرها (عروة بن مسعود) من التجمع الوثني، بعد أَن شجب تصرّفات قريش القاضية بمنع المسلمين من زيارة البيت، ووصف تصرف النبي ﷺ بالرشد والاعتدال حين لمس ذلك فيه عندما قابله في الحديبية يوم أَرسلته قريش وسيطًا يفاوض النبي ﷺ ويقنعه بالعودة إِلى المدينة.
فقد قال عروة بن مسعود لقريش: إِن محمدًا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوا ما عرض عليكم فإِني ناصح لكم، ثم صارحهم بأَنه يرجح أَن تكون الهزيمة من نصيبهم إِذا ما حاربوا النبي ﷺ قائلًا: (مع أَني أَخاف أَن لا تُنصروا عليه).
ولما أَبت قريش أَن تستجيب إِلى نصح حليفها القوي الثاني (عروة) قال غاضبًا ومحمِّلهم مسؤولية هذا العناد: (ما أَراكم إِلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش) أَيّ بسبب محاولتكم منع المسلمين من زيارة البيت. . ثم ترك التجمع الوثني وانصرف بقومه إِلى الطائف.
ومما لا جدال فيه أَن هذا الانشقاق الخطير الذي حدث في معسكر الشرك هو من المكاسب التي جناها المسلمون في هذا الصلح. . فهذا - الانشقاق كان عامل ضعف في جانب القرشيين بقدر ما كان عامل تقوية وتدعيم لمركز المسلمين. . الأَمر الذي حدا بقريش بل أَجبرها - على أَن تقبل مبدأَ الاعتراف بحق المسلمين في الطواف بالبيت، بل وتوقِّع على الاعتراف بهذا الحق في وثيقة صلح الحديبية الذي أَثبتت الأَحداث - فيما بعد - أَنه من أَعظم الانتصارات التي حققها الإِسلام على الشرك والمشركين.
стр. 1421
٤ - تأثر المشركين بواقع المسلمين:
ولعل من أكبر المكاسب التي جناها الإسلام والمسلمون من صلح الحديبية. هو أَن هنا الصلح قد أَتاح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواءِ بأَن يختلطوا بعضهم ببعض.
ولقد كان من نتيجة ذلك الاختلاط الذي حدث بعد أن أمِن الناس بعضهم بعضًا - نتيجة هذا الصلح - أَن عرف المشركون المسلمين على حقيقتهم والإِسلام كما هو. . لا كما كانت تصوّره لهم أَبواق الوثنية المغرضة في مكة.
وقد تأَثر كثير من عقلاءِ المشركين بواقع المسلمين المشرّف الذي لمسوه وشهدوه عن كثب. . تأَثر كثير من هؤلاء العقلاء الوثنيين تأَثُّرًا بالغًا. . . حتى أَنه لم تمض على صلح الحديبية - الذي أَتاح للفريقين بأَن يختلط بعضهم ببعض آمنًا - بضعة عشر شهرًا حتى دخل في الإِسلام من الوثنيين وخاصة القرشيين أَكثر من الذين دانوا بالإسلام خلال خمس عشرة سنة.
ويكفي للتدليل على صحة هذا الرأْي، هو أَن عدد المسلمين يوم أُبرم صلح الحديبية لم يزد على أَلفين - في أَكبر تقدير - .. بينما بلغ عددهم في السنة الثامنة - وقبل فتح مكة بقليل - أَكثر من عشرة آلاف.
صلح الحديبية هو الفتح العظيم:
وقد دخل أَكثر هؤلاءِ في الإِسلام بفضل الله ثم بفضل ما أَتاحه صلح الحديبية خلال سنتين من اختلاط وتعارف ومناقشة ومفاوضة
стр. 1422
حرة بين الفريقين. . ولهذا أُطلق فيما بعد على هذا الصلح اسم الفتح العظيم.
قال ابن إسحاق؛ عن الزهري: ما فتح في الإِسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أَعظم منه. . إِنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية" ووضعت الحرب وأَمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أَحد بالإِسلام يعقل شيئًا إِلا دخل فيه. . ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإِسلام قبل ذلك أَو أَكثر (١).
فقد أَتاح هذا الاختلاط والتعارف للمشركين، أَن يروا هذا الجيل - جيل الإِسلام - على حقيقته.
فقد دهش المشركون لهذا التحول السريع العجيب في المسلمين الذين تحولَّوا من كل شيء - كانوا عليه أَيام شركهم - إِلى ضده.
لقد كانوا - قبل أَيام قليلة - مثل هؤلاءِ المشركين، تحكمهم الفوضى وتستبد بهم رغبات الجسد. عبدة أَصنام. . منتهكي حرمات. . مرتكبي جرائم، لا فرق بينهم وبين الحيوان السائم.
ولكنهم اليوم أَصبحوا يتفوقون عليهم في كل شيء. . يتفوّقون عليهم في الصدق والوفاءِ والطاعة والتقيّد بالنظام، وبالجملة أَصبحوا خلقًا جديدًا يتحلون بفضائل ومحاسن ما كان للمجتمع القرشي بها من عهد. . كانت محل دهشة هؤلاءِ المشركين القرشيين وتساؤلهم! ! .
ترى ما هو السر الذي قفز بهؤلاءِ المسلمين إِلى هذه المنزلة الرفيعة
стр. 1423
من السمو الإِنساني التي جعلتهم محلّ احترام وإِكبار، حتى هؤلاء الذين خرجوا من مكة لقتالهم ومنعهم من دخول مكة بحدّ السيف؟ .
سؤال كبير ظل يجول - في إِلحاح - بخاطر عقلاءِ قريش منذ أَتاح صلح الحديبية الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين، ولمسوا فيهم ذلك التبدّل المذهل الذي جعل منهم أَرقى مثل حيّ للإِنسان الكامل الذي لا يعرف السير إِلا في طريق الخير.
لقد كان القرشيون خاصة - لكثرة دعايات ساداتهم المضللة - لا ينظرون إِلى أَصحاب محمد إلا كما ينظرون إِلى الحيوان الضار الذي لا يستحق الحياة وتلك الصورة المشوهة التي ترسمها للمسلمين في أَذهان هؤلاءِ القرشيين أَبواق دعاية سادات دار الندوة في مكة.
ولكن ها هي الحقيقة تنسخ تلك الصورة المختلقة المشوّهة، وتحل محلها الصورة الحقيقية المشرقة لهؤلاءِ المسلمين الذين لا يكاد أحدهم يفارق دين الوثنية ويعتنق الإِسلام حتى يتبدّل فيه كل شيء: أَخلاقه. . سلوكهـ. . نفسيته. . الأَمر الذي كان مصدر الدهشة والتساؤل لدي عامة المشركين الذين أَتاح لهم صلح الحديبية الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين ومعرفتهم على حقيقتهم.
رأي سيد ثقيف في المسلمين:
ولقد أَفصح الكثير ممن أُتيح لهم الاختلاط بهؤلاءِ المسلمين أَثناءِ مفاوضة صلح الحديبية وطيلة أَيام الهدنة. . أَفصحوا عن هذه الدهشة لذلك التغيّر المذهل السريع الذي يحدثه الإِسلام في نفوس معتنقيه،
стр. 1424
وعلى تلك الصورة من الوضاءَة والإِشراق. وحتى الذين كانوا بالأَمس سفاكي دماءٍ وقطّاع طرق. . بمجرد أَن لامس هَدي الإِسلام قلوبهم، قفزوا إِلى أَعلى درجات السمو الإِنساني والانضباط الأَخلاقي المستقيم.
فهذا المغيرة بن شعبة (مثلًا) كان شابًّا صعلوكًا طائشًا فاتكًا من قطّاع الطرق، لا يرعوي - قبل اعتناقه الإِسلام - عن قتل أَو سلب أَو نهب. . تعرف ذلك عنه قبائل ثقيف كلها أَيام كان على دين الوثنية.
وآخر جرائمه الجاهلية البشعة إِقدامه - قبل أَن يعتنق الإِسلام بأَيام قلائل - على قتل إِثنى عشر رجلًا من بني مالك غَدرًا، وكانوا زملاءَ له في رحلة كانوا فيها عائدين من مصر.
هذا الشاب الذي كان (أَيام شركهـ) رمزًا للطيش والتهوّر والوحشية وقطع الطريق، رآه وسيط قريش في قضية الحديبية واقفًا على رأْس النبي ﷺ يحرسه أَمينًا على حياته بل مسؤولًا عن حمايته، بعد أَن حوّله الإِسلام من وحش كاسر إِلى إِنسان مضبوط السلوك يشعر بالمسؤولية وعلى المستوى الرفيع من الشهامة والنبل والتقيُّد بأَوامر قائده الأَعلى النبي ﷺ .
لقد غيّر الإِسلام فيه كل شيء كان يعرف به في الجاهلية.
وكم كانت دهشة زعيم ثقيف أَن يكون ابن أَخيه ذلك الفاتك القاطع للطريق في الماضي، أَمينًا على حياة نبي المسلمين.
وليس تغير أَحوال ابن أَخيه مثار دهشته ومبعث تساؤله فحسب، بل إِن اختلاط سيد ثقيف بالمسلمين، والذي أَتاحته له سفارته لقريش إِلى النبي ﷺ في الحديبية، قد مكنه من الإِلمام بأُمور كثيرة عن أَحوال المسلمين كانت محل دهشته واستغرابه أَيضًا، وكان لها الأَثر
стр. 1425
الكبير العميق في نفسه. مما جعله في النهاية يدخل في الإِسلام ويموت شهيدًا وهو يدعو قومه ثقيفًا في الطائف إِلى الإسلام.
مصارحة قريش:
ولقد كان من مكاسب صلح الحديبية أَن تأَثر عروة بن مسعود بواقع المسلمين المدهش الذي أَحاط به أَثناءَ تفاوضه مع النبي ﷺ كسفير لقريش. . فقد عاد إِلى حلفائه القرشيين من الحديبية وهو يحمل الانطباع الصحيح عن المسلمين.
ولم يخف عن حلفائه القرشيين هذا الانطباع المدهش، بل - صارحهم بالتغيّر الخطير والتحول المدهش الذي لحظه يحدث في حياة وسلوك كل من يدخل في الإِسلام، ولفت نظر القرشيين (بكل صراحة) إلى التطورات التي قد تحدث في غير صالحهم وتشهدها المنطقة نتيجة هذا التغيُّر الكامل الذي يحمله الإِسلام معه إِلى نفس كل إِنسان يدين به ويتبع نبيّه.
فقد قال لسادات مكة - عندما عاد من الحديبية -: يا معشر قريش إِني قد جئت كسرى في ملكهـ وقيصر في ملكهـ والنجاشي في ملكهـ. وإِني والله ما رأَيت ملكًا في قوم قط، مثل محمد في أَصحابه، ولقد رأَيت قومًا لا يسلمونه لشيء أَبدًا فرأَوا رأْيكم.
ومما لا شك فيه أَنَّ الانطباعات الصحيحة التي نقلها عن المسلمين عروة بن مسعود - بكل صدق وأَمانة - إلى حلفائه من سادات مكة، كان لها أَثرها البالغ في نفوس الكثير منهم.
стр. 1426
من مكاسب الصلح: اختمار الإسلام في النفوس:
ولم يكن الزعماءِ والوسطاءِ وغيرهم من المشركين الذين أَتاحت لهم قضية الحديبية - وبالتالي عقد الصلح - الاختلاط بالمسلمين ومعرفتهم على حقيقتهم، أَقل تأَثرًا من عروة بن مسعود بما لمسوا وشاهدوا من واقع المسلمين الحيّ المدهش، الذي انعقدت له أَلسنتهم دهشة وإِعجابًا.
لقد كان من طبيعة العرب الصراحة واستقباح الكذب - حتى وإِن كانوا مشركين. . ولهذا فقد نقل المشركون الذين زاروا المسلمين في الحديبية واختلطوا بهم وعاملوهم بعد إِبرام الصلح. . نقلوا إِلى الجمهور القرشي كامل انطباعاتهم عن حالة المسلمين ومجتمعهم الجديد، والذي بُنيَ على أَساس من التوحيد والذي رأَوا فيه نموذجًا حيًّا للخير والصفاءِ والمحبة والتسامح والتآلف والتكاتف وضبط هذا الدين الجديد لسلوكهم.
وأَشد ما أَدهشهم ذلك الضبط الإِداري العجيب، الذي يلتزمه المسلمون كجزءٍ أَساسي من تعاليم الدين الجديد .. هذا الضبط الذي بالتزامه خلعوا من نفوسهم عنجهية الجاهلية البغيضة، وعصبية القبلية الضيقة المقيتة، التي طالما كانت الاستجابة العاطفية لنزواتها سببًا في إِثارة حروب ظللة تأْكل الأَخضر واليابس.
لقد حلّ محل كل تلك الفوضى الجاهلية انضباط إِسلامي رائع عجيب مدهش، تكفي لتنفيذه والتقيّد به كلمة هادئة تصدر من محمد بن عبد الله، النبي الذي آمن وصدَّق به هؤلاءِ المسلمون واتبعوه - طائعين مختارين.
стр. 1427
نموذجًا حيًّا للانضباط الإسلامي:
ولعل أروع مثال حيّ للانضباط الإسلامي وكبت المسلمين لعواطفهم تقيدًا بهذا الانضباط والذي شاهده بعض سادات قريش في الحديبية فأخذوا به، ودهشوا له، يتمثل في قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي كان أشد الناس تأثرًا - في أعماق نفسه - بهذا الانضباط.
فقد رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء الوفد القرشي في المفاوضة. رأوا كيف تفجر الغضب في نفوس المسلمين، وهاجت عواطفهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو هذا يأْخذ بتلابيب ابنه المسلم ويلطمه على وجهه، ليرده إلى قريش المشركة وهو مسلم جاء يرسف في قيوده ملتجئًا إلى المسلمين في الحديبية، لينقذوه ويحموه من إرهاب أهله الوثنيين وتعذيبهم .. رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء وفده وكل من كان حاضرًا من المشركين .. رأوا أن كلمة واحدة هادئة قالها نبيهم ﷺ قد جعلتهم يكظمون غيظهم ويلجمون عواطفهم الثائرة .. نعم كلمة هادئة واحدة قالها محمد بن عبد الله ﷺ لأبي جندل:
"إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم".
هذه الكلمة الهادئة التي قالها النبي ﷺ لأبي جندل عندما طلب حق اللجوء إلى المسلمين، رأى سهيل بن عمرو وباق أعضاء وفده من المشركين كيف قيدت ألفًا وأربعمائة من أصحاب النبي ﷺ إذ رأوا جميعهم أن العهد الذي أعطاه نبيهم في وثيقة الصلح لا يسمح لهم بأن يتخذوا أَي إجراءٍ يحول بين سهيل بن عمرو المشرك، وبين استلام ابنه المسلم، فلم يحرّكوا ساكنًا لحماية أَبي جندل، مع -
стр. 1428
ما يغتلم في نفوسهم من غيظ وحنق على المشركين. وعلى سهيل بن عمرو بالذات، وبالرغم من قدرتهم الكاملة على حماية أبي جندل الذي لم يستطيعوا أَن يصنعوا له شيئًا سوى تشييعه بالدموع وهو يغادر معسكرهم وأبوه يأْخذ بتلابيبه ويلاطم وجهه في وحشية المشرك الغليظ الفظ.
لأَن تلك الكلمة النبوية الهادئة التي أسمعها النبي ﷺ أبا جندل - وهو يوصيه بالصبر - قد جعلت لهؤلاء المسلمين حدودًا يقفون عندها في تصرفاتهم إزاءَ مأْساة أَخيهم في الإسلام أبي جندل.
فقد اعتبروا تلك الكلمة النبوية الهادئة بمثابة أَمر لهم بأَن لا يتخطوا في مساعدتهم أخاهم في الإسلام أبا جندل حدود المواساة بالتشجيع والحثِّ على الصبر والثبات حتى يكشف الله عنه الغمة ويجعل له مخرجًا. ولقد وقفوا - بالفعل - عند هذا الحد نزولًا عند رغبة قائدهم ونبيّهم الذي حرص كل الحرص على أَن يقوم المسلمون بتطبيق معاهدة ذلك الصلح نصًّا وروحًا.
كل هذه الانطباعات المشرقة المدهشة عن المسلمين ومجتمعهم الجديد، قد نقلها حاضرو صلح الحديبية من أعضاء الوفد القرشي وغيرهم إلى الجماهير القرشية في مكة، وإلى جيران مكة من كنانة وخزاعة كما هـہي، فتأثروا بها غاية التأثُّر.
وازداد ذالك السؤال الكبير إلحاحًا في نفوس العقلاء من قريش وجيران الحرم .. ترى ما هو السر في هذا كله؟ ؟ .
وما هو التفسير الحقيقي لقيام هذا المجتمع المتماسك المتحد الفاضل الذي قوامه هؤلاء الأصحاب من اتباع محمد ﷺ الذين تطلق عليھهم أبواق
стр. 1429
الدعاية القرشية - تبغيضًا فيهم وتحقيرًا لشأنهم - اسم الصباة؟ . هذا المجتمع الذي لا يسع أيّ عاقل - مهما كان مذهبه وعقيدته - إلا أَن يجلّ أعضاءه ويحترمهم، بل ويوَد أَن يكون أُحد أفراد هذا المجتمع العظيم؟ ؟ .
وعلى ضوء البحث الحر والمقارنة النزيهة، وجد العقلاء من مشركي مكة وغيرهم، الجواب الصحيح على هذا السؤال الكبير، وتوصلوا إلى التفسير الصحيح لسبب قيام هذا المجتمع الفاضل المتكامل.
وهو أَن الإسلام، ولا شيء سوى الإسلام، هو الذي أقام هذا المجتمع وصار الالتزام بتعاليمه والقيام بتكاليفه، مصدر كل ما يتحلى به أفراد هذا المجتمع المحمدي من فضائل الاستقامة وضبط السلوك وسمو الأخلاق وانتظام الشمل واتحاد الكلمة.
وهنا، واقتناعًا بهذا التفسير الصحيح - والنبي ﷺ لمّا ينزل قل طريقه من الحديبية إلى المدينة - تأَثر ذوو العقول الكبيرة من سادات مكة بما نقل إليهم من انطباعات صحيحة عن هذا المجتمع الإسلامي الفاضل الجديد فاختمرت في نفوس هؤلاء العقلاء فكرة الدخول في الإسلام والانخراط في سلك الأسرة الإسلامية التي كان حسن بنائها وفضائل شمائل أفرادها - التي شهد بها العائدون إلى مكة من شاهدي صلح الحديبية - حديث مكة كلها.
وظل هؤلاء العقلاة القرشيون ينتظرون الفرصة السانحة لإعلان دخولهم في الإسلام وانضمامهم إلى هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، الذي لم يغادر أفراده الحديبية إلا بعد أَن تركوا عنهم الانطباعات الخيِّرة
стр. 1430
التي فعلت في ناموس عقلاء المشركين من قرشيين وغيرهم ما يشبه فعل السحر.
وكان من الزعماء والقادة الذين تأثروا بواقع المسلمين الحيّ المشرف في الحديبية، فاختمرت في نفوسهم فكرة اعتناق الإسلام .. خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة.
فلم تمضِ سنة واحدة على أحداث الحديبية المثيرة حتى وقف فارس قريش وقائد أعنَّة خيلها خالد بن الوليد - الذي خرج أيام أزمة الحديبية يقود المئات من فرسان قريش لمنع المسلمين من دخول الحرم أو إبادتهم - رقف على الصفا وصك بها قريشًا صك الجندل حيث صارحهم بأن محمدًا ﷺ حامل رسالة صدق وصاحب دعوة حق. وأَنَّ على كل ذي عقل أَن يتبعه.
فقد صاح خالد بأعلى صوته: يا معشر قريش. لقد استبان لكل ذي لبّ أَن محمدًا ﷺ ليس بساحر ولا كذاب. وأَن على كل ذي عقل أَن يتبعه.
ثم أخذ سلاحه وركب فرسه واتجه نحو المدينة ليعلن إسلامه يرافقه صاحباه وصديقاه عثمان بن طلحة العبدري وعمرو بن العاص السهمي اللذين كانا على رأيه.
وهكذا كان صلح الحديبية - وما صاحبه من أحداث، وترتب عليه من أمور - مثار إحساسات عميقة، وتحريك مشاعر بعيدة الأغوار في نفوس العقلاء ممن كانوا على الشرك، فقادتهم هذه الإحساسات إلى الإسلام فدخلوا فيه .. وليس بعيدًا عن الحقيقة - بل هو عينها -,
стр. 1431
ذلك القول: إن صلح الحديبية من أعظم الانتصارات ذات الأَثر البعيد الفعال في توطيد دعائم الإسلام وبناء دولته (١).
стр. 1432
التفرغ ليهود خيبر والشمال:
كذلك من مكاسب صلح الحديبية - بل ولعله من أهم هذه المكاسب السياسية - هو تفرغ النبي ﷺ لتصفية الحساب عسكريًّا مع يهود خيبر الذين يعتبرون (بحق) أخطر عنصر محارب عدو للمسلمين في جزيرة العرب.
فقد كانت تقبع في خيبر (قبل صلح الحديبية) أشد العناصر اليهودية حقدًا على النبي ﷺ تدعمها عشرة آلاف مقاتل من اليهود، لديهم جميعًا الرغبة الشديدة الملحة في الانقضاض على المسلمين ومحوهم من الوجود.
стр. 1433
الأمر الذي يحتم على المسلمين العمل بحزم على إزالة هذا الخطر اليهودي الذي يهدد وجودهم بالزوال وذلك يستدعي نقل المعركة إلى عقر دار اليهود في خيبر لإنهاء الوجود اليهودي في الجزيرة كلها.
وهو ما حدث بالفعل في غزوة خيبر، التي هي موضوع كتابنا السادس (من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة) وهو الكتاب التالي لكتابنا الخامس هذا.
فقد زحف النبي ﷺ بأَلف وأَربعمائة مقاتل نحو خيبر. ونقل المعركة إلى عقر دار اليهود، مسافة خمسة أيام تقريبًا، وفي هذه المعركة قضى على الوجود اليهودي الدخيل الذي كانت تدافع عنه أقوى قوة ضاربة في جزيرة العرب.
وحسب مقياس العلوم العسكرية - ما كان النبي ﷺ ليتمكن من نقل المعركة خارج المدينة مسافة خمسة أيام ليصارع على امتداد هذه المسافة عشرة آلاف مقاتل من اليهود ودون أَن يترك أية قوة حربية لحراسة المدينة، لولا أنه - في ظل صاح الحديبية - قد أمن جانب أعظم خصم وألد عدوّ تقليدي هو (قريش) التي لم تكن أقل رغبة من اليهود في القضاء على الكيان الإسلامي والتي تدعمها قوة حربية لا تقل عن ثمانية آلاف مقاتل.
فبالرغم من أَن قريشًا كانت بعواطفها ومشاعرها مع يهہود خيبر تتمنى لهم النصر على المسلمين, إلا أن إبرامها صلح الحديبية مع المسلمين قد ألزمها بأن تقف موقف الحياد من القتال الذي ظل يدور بين المسلمين واليهود في خيبر والشمال حوال شهرين اثنين حتى انتهى بانتصار
стр. 1434
المسلمين الساحق على العناصر اليهودية جميعًا في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء وكل مناطق الشمال.
ومن هنا صح (يقينًا) القول: إن تفرغ القوات الإسلامية الكامل الذي مكَّنها من أَن ترمي بكامل ثقلها لمحاربة اليهود في خيبر والشمال. والتغلُّب عليهم, هو من المكاسب والثمرات السياسية العظيمة التي جناها المسلمون نتيجة إبرامهم الصلح مع مشركي قريش وحلفائها الكنانيين في الحديبية.
نقل المعركة إلى الشام:
كذلك تمكن النبي ﷺ في ظل الحديبية - من أن يقوم بأول وأعظم حملة عسكرية في حياته خارج حدود الجزيرة العربية، لإشعار الإمبراطورية البيزنطية بقدرة المسلمين العسكرية التي ما كانت هذه الإمبراطورية تحسب لها حسابًا قبل أن تجتاز حدود الشام وتتوغل مسافة ثمانين ميلًا داخل الأَراضي الرومانية في منطقة الأُردن.
ففي خلال الهدنة بين المسلمين وقريش. جهَّز النبي ﷺ حملة عسكرية قوامها ثلاثة آلاف مقاتل - وهي أعظم جيش تمّ حشده في العهد النبوي حتى ذلك الوقت - .. وأمر النبي ﷺ هذا الجيش بأن يطأَ بلاد الروم في الشام ويتوغل فيها ما أمكنه التوغل.
فتوغل الجيش النبوي حتى وصل إلى قرية يقال لها (مؤْتَة)، وهنالك دارت أعنف وأول معركة بين المسلمين والجيوش الرومانية, وقد سمّيت هذه المعركة الخالدة باسم هذه القرية.
стр. 1435
لم ينتصر المسلمون عسكريًّا في هذه المعركة الطاحنة .. ولكنهم حققوا انتصارات معنوية وسياسية عظيمة، بها صححوا ما كان مرتسمًا في أذهان قادة الجيوش الرومانية من فهم خاطئ عن حقيقة الجندي الإسلامي. حيث أذهلت شجاعة وبسالة هذا الجندي قادة الرومان - وجعلتهم يزيلون من أذهانهم - وإلى الأبد - الفكرة الخاطئة المرتسمة عن قصور وضعف الجنديّ المسلم.
حيث صمد في هذه المعركة ثلاثة آلاف جندي من المسلمين في وجه ألف مقاتل من الرومان، وتمكنوا من الانسحاب بانتظام ودونما أيّ فوضى أو اضطراب، بعد أَن فقدوا قادتهم الثلاثة وأنزلوا بالجيوش الرومانية أفدح الخسائر .. الأمر الذي أرعب الرومان وجعلهم يعدلون عن غزو الجزيرة العربية، بعد أَن كان هذا الغزو مقررًا لقيام لدى القيادة الرومانية في دمشق.
دعوة ملوك الشرق الأوسط إلى الإسلام:
كما أَن قيام هدنة الحديبية مكَّن النبي ﷺ من التفرّغ للعمل على إيصال دعوته - بطريق رسمي - إلى خارج حدود جزيرة العرب.
حيث قام في فترة الهدنة بالاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط ودعوتهم إلى الدخول في الإسلام. وذلك عن طريق رسائل خاصة بعث بها إليهم في السنة السابعة من الهجرة حيث بعث إلى كل ملك أو أمير واحدًا من أصحابه برسالة يدعوه فيها وشعبه إلى الدخول في الإسلام .. وقد كان لهذه الرسائل آثارها المختلفة في الأقطار التي تلقَّى ملوكها
стр. 1436
أو أُمراءها هذه الرسائل. ورغم اختلاف تأْثير هذه الرسائل، فقد كان وصولها وانتشار خبرها بين الشعوب لصالح الدعوة الإسلامية دونما شك.
ثوار العيص، وحكومة المستضعفين في الساحل:
في حديثنا عن قضية الحديبية أشرنا إلى أَن هناك الكثير من الشباب المسلم يعانون أشد أنواع الإذلال والتعذيب والإِرهاب في سجون أَهاليهم بمكة ومنھهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو صاحب القصة المشهورة في الحديبية.
وكان النبي ﷺ كما أَشرنا في معالجتنا لقضية الحديبية قد تعهد لقريش في المعاهدة بأن يمتنع عن إعطاء حق اللجوء لمن جاءَ إليه من أبناءِ مكة وأن يرده ولا يسمح له بالإقامة في المدينة حتى وإن كان مسلمًا، وهو الشرط الذي أَملاه سهيل بن عمرو فقبله النبي ﷺ وتضايق المسلمون من قبوله أشد التضايق.
ولم يكن حادث أبي جندل ومأْساته في الحديبية الامتحان الأَول الذي اجتازه المسلمون فوفوا بالعهد حين أَعادوا أَبا جندل المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لبنود للمعاهدة كما تقدم.
ثورة المستضعفين ضد قريش:
من آثار صلح الحديبية العائدة على الجانب الإِسلامي بأعظم المكاسب، وعلى الجانب القرشي بأشد الأضرار. هو أَن مندوب قريش في معاهدة الصلح سهيل بن عمرو العامري أملى - أثناء المفاوضة -
стр. 1437
شرطًا قاسيًا قبل به النبي ﷺ وكان مثار معارضة شديدة بين جماهير أصحابه في الحديبية .. وهو أَن يتعهھد النبي ﷺ بأَن يعيد إلى قريش من أَبنائها إليها كل من جاءَ إلى المسلمين بغير إذن أَهله .. يعيده إلى المشركين حتى ولو كان مسلمًا.
العمل بهذا الشرط الذي أَملته قريش سبّب لها أَعظم النكبات وأَفدح الخسائر إِلى درجة اضطرت قريش معها إلى أَن تلجأَ إلى النبي ﷺ وتناشده الرحم بأَن يقبل بإِسقاط هذا الشرط من بنود المعاهدة فيقبل كل من جاءَه من أَبناءِ قريش ولا يردّه.
وذلك بعد أَن تسبب قيام النبي ﷺ بتنفيذ هذا الشرط في التجاء أبناءِ قريش المسلمين المتمردين عليها والفارّين من سجونها إِلى منطقة العيص في الساحل، حيث تجمع منهم ومن أَبناءِ القبائل الأُخرى ثلاثمائة مقاتل، قاموا بالثورة ضد مشركي قريش. وصاروا - بقيادة أَبي بصير - يهاجمون القوافل التجارية العائدة لها. والتي تحمل السلع دائمًا من الشام إلى مكة. ويقومون بقتل الذين يصاحبون هذه القوافل من القرشيين.
الأَمر الذي أَنزل بقريش أَفدح الخسائر في الأَموال والأَرواح ... ولما كان هؤلاءِ الثوار المسلمون هم - بحكم رابطة العقيدة - موالين للنبي وأَصحابه في المدينة. ولا يستطيع السماح لهم بالإقامة فيه. تنفيذًا لذلك الشرط الذي أَملته قريش وأُدرج ضمن بنود المعاهدة .. فقد لجأت قريش إلى النبي ﷺ وبعثت إليه تناشده الرحم أن يطلب من ثوار العيص المسلمين إنهاء ثورتهم ضد قريش، ويسمح لهم ولكل
стр. 1438
من جاءَه من أَبناءِ قريش باستيطان المدينة .. وذلك لتنجو قوافل قريش التجارية - والتجارة عمود قريش الفقري - من هجمات هؤلاءِ الثوار الشباب.
وقد استجاب النبي ﷺ لرجاء قومه - بالرغم من كونهم مشركين - وبعث إلى قائد الثوار أَبي بصير ونائبه أَبي جندل بأَن يقدموا وإخوانهم الثوار إلى المدينة ويتركوا مواقعهم في العيص، فاستجاب الثوار لأَوامر النبي ﷺ وعادوا إِلى المدينة ... كما سيأْتي تفصيله في كتابنا السابع من هذه السلسلة قريبًا إِن شاءَ الله.
стр. 1439
محمد أحمد باشميل
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٦ -
غَزْوَةُ خَيْبَر
قَدَّم للكتاب
الكولونيل عبد الله التل
قائد معركة الحفاظ على القدس
عام ١٩٤٨
المكتبة السلفية