أو أُمراءها هذه الرسائل. ورغم اختلاف تأْثير هذه الرسائل، فقد كان وصولها وانتشار خبرها بين الشعوب لصالح الدعوة الإسلامية دونما شك.
ثوار العيص، وحكومة المستضعفين في الساحل:
في حديثنا عن قضية الحديبية أشرنا إلى أَن هناك الكثير من الشباب المسلم يعانون أشد أنواع الإذلال والتعذيب والإِرهاب في سجون أَهاليهم بمكة ومنھهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو صاحب القصة المشهورة في الحديبية.
وكان النبي ﷺ كما أَشرنا في معالجتنا لقضية الحديبية قد تعهد لقريش في المعاهدة بأن يمتنع عن إعطاء حق اللجوء لمن جاءَ إليه من أبناءِ مكة وأن يرده ولا يسمح له بالإقامة في المدينة حتى وإن كان مسلمًا، وهو الشرط الذي أَملاه سهيل بن عمرو فقبله النبي ﷺ وتضايق المسلمون من قبوله أشد التضايق.
ولم يكن حادث أبي جندل ومأْساته في الحديبية الامتحان الأَول الذي اجتازه المسلمون فوفوا بالعهد حين أَعادوا أَبا جندل المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لبنود للمعاهدة كما تقدم.
ثورة المستضعفين ضد قريش:
من آثار صلح الحديبية العائدة على الجانب الإِسلامي بأعظم المكاسب، وعلى الجانب القرشي بأشد الأضرار. هو أَن مندوب قريش في معاهدة الصلح سهيل بن عمرو العامري أملى - أثناء المفاوضة -
стр. 1437
شرطًا قاسيًا قبل به النبي ﷺ وكان مثار معارضة شديدة بين جماهير أصحابه في الحديبية .. وهو أَن يتعهھد النبي ﷺ بأَن يعيد إلى قريش من أَبنائها إليها كل من جاءَ إلى المسلمين بغير إذن أَهله .. يعيده إلى المشركين حتى ولو كان مسلمًا.
العمل بهذا الشرط الذي أَملته قريش سبّب لها أَعظم النكبات وأَفدح الخسائر إِلى درجة اضطرت قريش معها إلى أَن تلجأَ إلى النبي ﷺ وتناشده الرحم بأَن يقبل بإِسقاط هذا الشرط من بنود المعاهدة فيقبل كل من جاءَه من أَبناءِ قريش ولا يردّه.
وذلك بعد أَن تسبب قيام النبي ﷺ بتنفيذ هذا الشرط في التجاء أبناءِ قريش المسلمين المتمردين عليها والفارّين من سجونها إِلى منطقة العيص في الساحل، حيث تجمع منهم ومن أَبناءِ القبائل الأُخرى ثلاثمائة مقاتل، قاموا بالثورة ضد مشركي قريش. وصاروا - بقيادة أَبي بصير - يهاجمون القوافل التجارية العائدة لها. والتي تحمل السلع دائمًا من الشام إلى مكة. ويقومون بقتل الذين يصاحبون هذه القوافل من القرشيين.
الأَمر الذي أَنزل بقريش أَفدح الخسائر في الأَموال والأَرواح ... ولما كان هؤلاءِ الثوار المسلمون هم - بحكم رابطة العقيدة - موالين للنبي وأَصحابه في المدينة. ولا يستطيع السماح لهم بالإقامة فيه. تنفيذًا لذلك الشرط الذي أَملته قريش وأُدرج ضمن بنود المعاهدة .. فقد لجأت قريش إلى النبي ﷺ وبعثت إليه تناشده الرحم أن يطلب من ثوار العيص المسلمين إنهاء ثورتهم ضد قريش، ويسمح لهم ولكل
стр. 1438
من جاءَه من أَبناءِ قريش باستيطان المدينة .. وذلك لتنجو قوافل قريش التجارية - والتجارة عمود قريش الفقري - من هجمات هؤلاءِ الثوار الشباب.
وقد استجاب النبي ﷺ لرجاء قومه - بالرغم من كونهم مشركين - وبعث إلى قائد الثوار أَبي بصير ونائبه أَبي جندل بأَن يقدموا وإخوانهم الثوار إلى المدينة ويتركوا مواقعهم في العيص، فاستجاب الثوار لأَوامر النبي ﷺ وعادوا إِلى المدينة ... كما سيأْتي تفصيله في كتابنا السابع من هذه السلسلة قريبًا إِن شاءَ الله.
стр. 1439
محمد أحمد باشميل
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٦ -
غَزْوَةُ خَيْبَر
قَدَّم للكتاب
الكولونيل عبد الله التل
قائد معركة الحفاظ على القدس
عام ١٩٤٨
المكتبة السلفية
стр. 1440
غَزْوَةُ خَيبَر
стр. 1441
مقدمة الكتاب بقلم الكولونيل عبد الله التل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد، لقد سرنى أن اطلعت على مسودة (غزوة خيبر) .. الكتاب السادس من السلسلة التاريخية التي شرع الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل في إصدارها تحت اسم (معارك الإسلام الفاصلة).
لقد رأيت في هذا الكتاب (كما في غيره من مؤلفات الأخ باشميل التاريخية) كنوزًا ثمينة من التاريخ الإسلامي الطافح بالبطولات والأمجاد .. نقب عنها قلم الأستاذ باشميل وأزال عنها الأتربة السميكة الحاجبة لها .. ثم عرضها على (حقيقتها الأصيلة الناصعة) عرضًا شيقًا وبأسلوب سهل يجعل القراء (على اختلاف درجاتهم الثقافية) يفهمون - دونما عناء أو إرهاق للذهن - حقيقة التاريخ الإسلامي المجيد.
إن الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل لم يأت بجديد في التاريخ (من حيث الجوهر)، فالتاريخ لا يحتمل الاختراع بأن يضيف إليه الكاتب ما ليس في طياته. الأمر الذي ابتعد عنه المؤلف مخالفًا بذلك كثيرًا من الكتاب الذين تناولوا التاريخ الإسلامي بالعرض والتحليل، وسمحوا للخيال (لا الحقيقة) أن يلعب دورًا كبيرًا فيما كتبوا كما فعل جورجى زيدان في سلسلته التاريخية المشهورة.
ولكن الجديد الذي أتى به الأخ الأستاذ باشميل هو الاستقراء الدقيق والعرض الواسع الأدق للتاريخ الإسلامي، ولكن داخل إطار جوهر هذا
стр. 1442
التاريخ .. إذ لم يخرج (في أية ناحية من نواحى عَرضه وبحثه وتحليله في مؤلفاته) عن إطار هذا الجوهر، الأمر الذي أعطى سلسلته التاريخية هذه قيمة تاريخية أكبر.
لأنه لم يُخْرج هذه السلسلة كقصص للتسلية وقتل الوقت، يتخللها الحديث عن الحب الموهوم والغرام المتخيَّل بقصد تشويق القارئ وجذبه لا أقل ولا أكثر .. وإنما أخرجها كمراجع حقيقية لتاريخ حقيقى يرجع إليها واثقًا من يريد الرجوع إليها والاستدلال بها.
أسأل الله تعالى أن يجزى الأخ الأستاذ باشميل خير الجزاء على هذا المجهود الذي يبذله خدمة للتاريخ الإسلامي، في وقت يتعرض فيه هذا التاريخ المشرق المجيد لحملات ظالمة يشنها عليه مفكرون محسوبون على العرب والمسلمين، قاصدين من وراء ذلك أن يقطع المسلمون (والعرب خاصة) صلتهم بهذا التاريخ الخالد الوضّاء، ولكن الله بالمرصاد لهؤلاء العملاء المأجورين فسيكبتهم انتصارًا لدينه حتى ينقلبوا خاسرين إن شاء الله.
***
إن معركة خيبر -كما سيراها القارئ في هذا الكتاب - هي من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام، وهي -كما يقول المؤلف- أطول معركة خاضها النبي ﷺ وأصحابه الكرام في عهد النبوّة. وآخر معركة انتهى بها الوجود اليهودى الذميم في جزيرة العرب.
لقد عرض المؤلف في كتابه هذا لتاريخ اليهود في خيبر- منذ وطئت أقدامهم الدخيلة هذه التربة العربية حتى تم تطهير الجزيرة من أوضارهم بالتصفية العسكرية الشاقة التي قام بها النبي محمد ﷺ وأصحابه والتي هي موضوع هذا الكتاب.
كذلك أثبت المؤلف في الفصل الأول من كتابه هذا أن العنصر اليهودى، عنصر دخيل على الجزيرة العربية، لا تربطه بعرب الجزيرة أية رابطة من دم أو لغة أو دين.
كما نوه عن أحقاد اليهود وتعصبهم وخبثهم وعزلتهم وانطوائهم على أنفسهم ومكرهم وخداعهم، مما جعل صلاتهم بعرب الجزيرة محدودة إلا
стр. 1443
في مجال التآمر والغدر والتواطؤ مع الوثنيين على ضرب المسلمين والإطاحة بهم.
وعرض المؤلف لأهمية خيبر وخطورتها (في ذلك العهد) على الإسلام والمسلمين، ولا سيما بعد أن نزح إلا من يثرب يهود بني النضير الأغنياء الأقوياء الذين هم (بين اليهود) في منزلة السادة والأشراف.
وقد تحدَّث المؤلف في شيء من التفصيل المفيد عن كيف تحولت خيبر إلى قاعدة خطيرة للعدوان والتآمر على الإسلام والمسلمين، وكيف كانت هي المُخَطط والمدَبّر والمنطلَقَ الحقيقي لغزوة الأحزاب الرهيبة التي كادت قوات الأحزاب المتحالفة فيها أن تعصف بكيان المسلمين وتقتلع جذور الإسلام كليًّا لولا عناية الله تعالى التي أنقذت الإسلام والمسلمين بمعجزة.
كما فصَّل الأسباب التي جعلت النبي ﷺ ينتهج سياسة الشدة في معاملة هؤلاء اليهود، ويقرر نقل المعركة إلى عقر دارهم في خيبر لتصفيتهم تصفية نهائية عن طريق الحرب، بعد أن تأكد لديه أن اللين والتسامح مع هؤلاء اليهود لا يزيدهم إلا جرأة في مجال الغدر والعدوان والتآمر على المسلمين.
ثم شرح المؤلف بشيء من التفصيل المرغوب المعارك التي دارت للاستيلاء على حصون خيبر، وأثبت بالأسانيد أن الرسول ﷺ كان قمة في الشجاعة والإقدام، وقدوة في التسامح والرحمة، وأن صحابته ﵊ كانوا نماذج نادرة في التاريخ كله من حيث الصبر والطاعة والإيمان والشجاعة. وأثبت كذلك أن القلة المؤمنة الصابرة تغلب الكثرة الكافرة. فلم يخض المسلمون تحت قيادة محمد ﵊ معركة إلّا كانوا قيها قلة مؤمنة منتصرة. ولم يطمس المؤلف الحقائق التي عرفت عن يهود خيبر من حيث شجاعتهم واستماتتهم في الدفاع عن حصونهم، وإنما شرح ذلك بأسلوب صادق صريح جعل للمعارك أهمية ورونقا وطعمًا.
ولكم تمنيت أن يصل هذا الكتاب وكتب الأستاذ باشميل الأخرى إلى أيدى ضباطنا وجنودنا في الجيوش العربية كافة، ليطلعوا على صحائف
стр. 1444
مشرقة من تاريخ نبيهم العظيم وصحابته الأبطال البررة الذين قبسوا من شجاعة الرسول وسماحته وكرم أخلاقه ما جعلهم يوطدون دعائم الإسلام في ظروف قاسية مريرة رغم ما لاقوه من أحقاد اليهود وجبروتهم وطغيانهم ومكرهم وغدرهم، ولكى يقارن ضباط الجيوش العربية وجنودها بين بطولات كتائب المسلمين الأولى وهزائمنا في حزيران يوم هرب أكثر من ربع مليون ضابط وجندى أمام قلة قليلة من هؤلاء اليهود، مما ألحق بالمسلمين عارًا أبديًا لا يمحوه إلا عودة هذه الأمة لدينها وتاريخها وأصولها العريقة ونبذ المبادئ الزائفة المستوردة من أعداء أمتنا وديننا.
وتحية إلى الأستاذ محمد أحمد باشميل الذي كرس حياته للدفاع عن دينه وأمته ووطنه والإسهام في إحياء التراث الإسلامي بأسلوب شائق وقلم حر صادق هو في صراع دائم مع الباطل، راجيًا له دوام التوفيق، مؤملًا أن يواصل إصدار الكتب عن معارك الإسلام الحاسمة كالقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت.
عمان
عبد الله التل
قائد معركة القدس سنة ١٩٤٨
стр. 1445
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد المؤلف
الحمد لله ولا نعبد إلا إيّاه، وصلى الله وسلم على نبيه ورسوله محمد الذي اختاره لأداء رسالته واجتباه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.
وبعد، فهذا هو الكتاب السادس (١) من سلسلتنا التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة) نضعه بين أيدى القراء الكرام، آملين أن نكون قد وُفّقنا في إخراجه، ونسأله تعالى أن يجعل كل أعمالنا خالية ومبرّأة من شوائب السمعة والرياء وخالصة لوجهه تعالى، إنه مقلب القلوب وهو على كل شيء قدير.
- ١ -
يتضمن هذا الكتاب تفاصيل أطول معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى، وهي معركة خيبر التي بانتصار المسلمين فيها تم اقتلاع جذور الوجود اليهودى الدخيل في منطقة خيبر التي هي آخر وأقوى معقل للوجود الأجنبي في جزيرة العرب.
وامتدادًا لاستسلام يهود خيبر (وعددهم عشرة آلاف مقاتل) للمسلمين، استسلمت للمسلمين بقايا جيوب المقاومة اليهودية في (فدك)
стр. 1446
و (وادي القرى) و (تيماء) وكل مناطق الشمال.
وبذلك انتهت آخر مرحلة من مراحل الوجود اليهودى العابث الزنيم، الذي ظل يعبث بسكان جزيرة العرب أكثر من ألفى سنة. وبالقضاء على الكيان اليهودى العابث في خيبر، بدأ سكان الجزيرة (في ظل الإسلام الوارف) يتذوقون حلاوة الأمن والاستقرار، وأخذت أقاليم الجزيرة العربية تلفها (بسرعة) أجنحة دولة الإسلام الفتية، فبعد أقل من تسعة أشهر مضت على سقوط خيبر سقط في أيدى المسلمين أعظم معقل للشرك والوثنية وهي مكة المكرمة، ولم تمض سنتان على تطهير المسلمين خيبر من سلطان اليهود حتى دانت كل نواحى الجزيرة العربية بدين الإسلام.
- ٢ -
كان النبي ﷺ منذ هاجر من مكة إلى المدينة، ومنذ دانت يثرب بالإسلام وخضعت لحكمه والتزمت بتعاليمه - وهو يعامل اليهود الموجودين في المنطقة معاملة اللين، وينتهج إزاءهم سياسة الصفح والتسامح كلما قاموا بنقض حلف أو خالفوا نصوص معاهدة، أو حتى لجأوا إلى تدبير مؤامرة تستهدف حياته ﷺ أو هدم أركان النظام الإسلامي الوليد.
فقد كان يستبعد في معاملاته التأديبية (لهؤلاء اليهود عنصر الشدة والعنف) حتى أن كل العقوبات التي أنزلها بهم جزاء تآمرهم وغدرهم ونكثهم للعهود، لم يصل منها شيء إلى سفك الدم وإزهاق الأرواح.
فكان النفي من المدينة مع مصادرة بعض الممتلكات، هو أقصى عقوبة ينزلها النبي ﷺ بهؤلاء اليهود، بالرغم من إدانتهم بما يبيح قتلهم، وبالرغم من قدرة النبي ﷺ على إبادتهم.
لأن الهدف من العقوبة (كما هي روح الإسلام في التسامح) ليس الانتقام وإشفاء الغليل بالولوغ في الدم، وإنما الهدف دفع الخطر وحسم مادة الشر واستئصال أسباب القلق والمشاغبة، ليعيش المجتمع الجديد في جوّ من الهدوء والاطمئنان بعيدًا عن حياة الدس والفوضى والأحقاد والضغائن .. حياة ما قبل الإسلام حيث اليهود لهم اليد الطولى في تغذيتها وتصعيدها، لأن كيان هؤلاء اليهود الدخلاء لا يقوم إلا على انتشار
стр. 1447
الأمراض الاجتماعية الفتاكة التي عملوا (في غفلة من الزمن) على تعميقها في مختلف قطاعات المجتمع العربي الجاهلى الوثنى.
وما دام أن حسم شر هؤلاء اليهود ودفع خطرهم يمكن تحقيقه بنفيهم وإبعادهم عن يثرب وأهلها، فقد استبدل النبي ﷺ عقوبة هؤلاء اليهود المستحقين للقتل بنفيهم من المدينة ليذهبوا أحرارًا إلى حيث شاءوا من بلاد الله خارج الجزيرة أو داخلها.
- ٣ -
وآخر من عفا عنهم النبي ﷺ واكتفى بنفيهم من المدينة - بعد أن ثبتت إدانتهم بنكث العهد ومحاولة اغتياله - هم يهود بني النضير، الذين حاولوا الغدر به حين شرعوا في عملية اغتياله وهو في ديارهم آمنًا في ظل حلف قائم بينه وبينهم (١).
لقد اختار يهود بني النضير (عند نفيهم من المدينة) مدينة خيبر، فأقاموا بها وجعلوا منها وطنًا لهم بدلا من المدينة. لأن خيبر بها أعظم قوة حربية لليهود في بلاد العرب.
لقد كان من المفروض أن يرعوى هؤلاء اليهود فيجنحوا للسلم ويقدروا روح التسامح التي عاملهم بها النبي ﷺ بالرغم من ثبوت شروعهم في جريمة اغتياله وهو في ديارهم آمنًا وفي حالة عهد وتحالف معهم، حيث كف عن دمائهم (مع قدرته على سفكها) وسمح لهم عند نفيهم من المدينة أن يحملوا معهم كل ما يقدرون علي حمله من الأموال، فحملوا أغلاها، وقد حملوا معهم إلى خيبر شيئًا عظيمًا من الذهب والفضة، لأن يهود بني النضير يعتبرون من أغنى الفئات اليهودية في جزيرة العرب.
ولكن طبيعة اليهود (هي .. هي) لا تتغير (غدر، وفتك عند المقدرة، وهدوء واستكانة عند العجز)، طبيعة لا أخلاقية ذميمة تلازمهم في كل عصر وزمان.
стр. 1448
ولهذا فإنه لم يكد يستقر بهم المقام في (خيبر) ويشعروا بأنهم على شيء من القوة والمنعة حتى شرعوا في تحويل خيبر إلى قاعدة رئيسية للعدوان والتآمر على المسلمين.
وكان من أخطر نتائج هذا التآمر (غزوة الأحزاب الرهيبة) التي تعرض لها النبي وأصحابه في المدينة، وعانوا من محنها وأهوالها ما لم يعانوا مثله في أية مرحلة من مراحل صراعهم مع أعداء الإسلام كما فصلناه في كتابينا (غزوة بني قريظة وغزوة الأحزاب).
- ٤ -
لقد كانت هذه الغزوة الرهيبة (القرشية الغطفانية في مظهرها واليهودية في جوهرها) بمثابة درس قاس وعاه المسلمون، واتضح لهم على ضوئه أن العنصر اليهودى، خبيث كالسرطان، لا يفيد معه أي علاج غير الاستئصال، وأنك إن لم تستأصله وتجتثه بسرعة اجتثَّ الحياة واستأصلها من جسدك.
واتضح للقيادة الإسلامية في المدينة على أثر هذا الدرس القاسى الذي استفادته من غزوة الأحزاب الرهيبة، أن مقابلة غدر اليهود وخيانتهم وتآمرهم ونكثهم باللين والتسامح بقصد إصلاحهم وترويض نفوسهم الشريرة، وإعطائهم الفرصة ليعودوا إلى جادة الصواب ويتبعوا الحق الذي عرفوه فجحدوه، إنما هو بمثابة مسكنات، لا تجدى في القضاء على هذا السرطان (الوجود اليهودى) وإنما تمنحه الفرصة ليغتال الحياة والعافية (ببطء) في الجسد الذي يكون فيه.
- ٥ -
وعلى أساس هذه النظرة الواقعية الجديدة التي أوجدتها (لدى القيادة الإسلامية في المدينة) كوارث وبلايا حملة الأحزاب الباغية، التي كادت تعصف بالكيان الإِسلامي كله وتقتلعه من الجذور، والتي جاءت من خيبر قبل أن تجئ من مكة وصحارى نجد. وعلى أساس هذه النظرة عدل النبي الأعظم ﷺ عن سياسة اللين التي كان ينتهجها إزاء تصرفات هذا العنصر المخرب الهدام.
стр. 1449
فالتزم (في معاملة هؤلاء اليهود الذين اتضح من تصرفاتهم أنهم لن يرضوا بأقل من الإِطاحة به وقطع تيار دعوته) التزم في معاملتهم سياسة الحزم والشدة والعنف، لا رغبة في الانتقام وشفاء الغليل، فالنبي ﷺ كما دلت تصرفاته الحكيمة بعيدًا كل البعد عن هذه الروح، وإنما كان باعث هذه السياسة الحازمة الجديدة التي انتهجها مع هؤلاء اليهود (بعد زلزلة الأحزاب) هو الرغبة الشريفة في أن يسود المنطقة جوّ من الطمأنينة والأمن والاستقرار .. دلت التجارب العملية المتكررة على أنه لا يمكن توفيره للناس ما بقى لليهود سلطان أو نفوذ في جزيرة العرب كلها.
- ٦ -
وأول نتيجة لالتزام هذه السياسة الصادمة الجديدة إزاء تكرار غدر اليهود وتآمرهم، إنزال المسلمين (في السنة الرابعة من الهجرة) تلك العقوبة الصارمة بيهود بني قريظة في المدينة حيث تم إعدام حوالي ثمانمائة منهم جزاء ارتكابهم -ضد المسلمين- تلك الجرائم الخسيسة البشعة التي حوت معاني الغدر والخيانة والنكث والتآمر، والتي أقدموا عليها في أحرج ظرف يمر به المسلمون، بقصد المشاركة في القضاء عليهم ومحو كيانهم من الوجود .. حيث انقلبوا على المسلمين وناصبوهم العداء بل وأعلنوا عليهم الحرب، وهم في أحرج موقف يواجهون فيه ساعة مصيرهم، وعقربها يهتز زاحفًا نحو الصفر ليعلن نهايتهم على أيدى قوات الأحزاب الضاربة المحيطة بالمدينة من كل جانب .. لولا المعجزة التي جاءت من عند الله بدحرهم وتشتيت شملهم.
فقد كان بين يهود بني قريظة والمسلمين معاهدة حلف عسكرى (بالإِضافة إلى معاهدة عدم الاعتداء) تنص بأن يلتزم الفريقان معًا بواجب الدفاع عن يثرب ضد أي عدوان خارجى ضد أي منهما (١).
غير أن يهود بني قريظة عندما أطبقت جيوش الأحزاب الضاربة على المسلمين في المدينة نقضوا تلك المعاهدة غدرًا وخيانة، مستغلين وقوع
стр. 1450
المسلمين في ذلك المأزق الحرج.
ولم يكتف بنو قريظة بنقض العهد وإلغاء الحلف الذي بينهم وبين المسلمين، بل سارعوا إلى وضع أيديهم في أيدى الغزاة، الأمر الذي ضاعف من محنة المسلمين وزاد من كربهم، حيث جعلهم تصرّف بني قريظة هذا بين شقّى الرحا .. جيوش الأحزاب من الإمام ويهود بني قريظة (حلفاء الأمس) من الخلف بضواحى المدينة. وكم هو فظيع أن ترى حليفك، قد انحاز إلى أعدائك الغزاة وشهر السلاح ليضربك به من الخلف في الوقت الذي تتوقع فيه أن يكون واقفًا بهذا السلاح إلى جانبك لصد العدوان عليك كحليف يزن كلمته التي أعطاها بميزان الشرف، ولكنهم اليهود وكفى.
ومن هنا (وعلى قدر بشاعة الجريمة التي ارتكبها يهود بني قريظة) جاء العقاب صارمًا رادعًا كأعنف ما يكون .. ثمانمائة مقاتل من يهود بني قريظة أعدمهم النبي ﷺ في ليلة واحدة بعد محاكمة نزيهة عادلة (١).
- ٧ -
لقد كانت محاكمة يهود بني قريظة وما نتج عنها من عقوبة حازمة صارمة، نقطة التحوّل الأولى في سياسة قيادة المسلمين في المدينة من اللين إلى الشدة في معاملة اليهود الغادرين.
إذ تكوّن لدى المسلمين (على ضوء التجارب المريرة المتلاحقة) اقتناع كامل بأن انتهاج سياسة اللين والعفو والتسامح إزاء ما يرتكبه اليهود من جرائم الغدر والنكث والخيانة والتآمر، لم ولن تغيِّر من طبيعة الدس والتخريب والتآمر السابحة في دماء هؤلاء اليهود، شيئًا، بل أطمعتهم ووسَّعت من دائرة الأحلام التي كانت تراود كبار زعمائهم بالعودة إلى يثرب وبسط ظل سلطانهم الأسود الدخيل عليها من جديد.
ولم يعد هناك شك لدى قيادة المسلمين العليا في المدينة - بعد الذي حدث في غزوة الأحزاب المزلزلة - أن خيبر (بعد أن استوطنها المنفيون من يهود بني النضير) أصبحت القاعدة الرئيسية للعدوان على المسلمين، وأن
стр. 1451
هؤلاء اليهود لن يكفوا عن السعي -بكل الوسائل- للقضاء على المسلمين مهما بلغ المسلمون في التسامح والعفو.
لذلك صار من البدهي - بل من المحتم على المسلمين والحال هذه - أن تكون خطوتهم التالية (بعد تصفية الوجود اليهودى في يثرب) غزو اليهود في خيبر لهدم سلطانهم، وذلك كعمل حربى وقائى لا بد من القيام به، لضرب قواعد العدوان ونسف أوكار الكيد والتآمر، والتي إن لم يضربها المسلمون ويدمِّروها سيظل كيانهم معرضا للخطر الدائم في أية لحظة من قبل هذه القواعد اليهودية التي نسجت في أوكارها بخيبر خيوط مشروع حرب الأحزاب العدوانية الشاملة ضد المسلمين، والتي لا يستبعد أن يحوك اليهود في ظلماتها، (إذا ما تركوا وشأنهم أحرارًا) مؤامرة حرب أحزاب شاملة ثانية ضد المسلمين قد تكون أعظم وأخطر من حرب الأحزاب الأولى (١).
- ٨ -
وعلى ضوء التقييم الصحيح للأحداث وربط الأسباب بالمسببات وعلى ضوء التحليل الدقيق لبواعث عدوان الأحزاب المخيف على المسلمين، اتضح للقيادة العليا في المدينة أن قوات الأحزاب الوثنية التي تمكن المسلمون (بأعجوبة) من دحرها، وقوات بني قريظة التي أنزل المسلمون بها ذلك العقاب الصارم الرادع .. اتضح للمسلمين أن كل هذه القوات لا تمثل في الواقع إلا ذنب الأفعى، وأن الذي يمثل رأس هذه الأفعى على الحقيقة هو العناصر اليهودية التي كانت لا تزال قابعة في أوكارها بخيبر.
لذا فإن نجاح القيادة الإسلامية في المدينة في صد العدوان الوثنى الرهيب أمام الخندق، وتمكنها من إبادة عناصر الغدر والخيانة من يهود بني قريظة إنما هو فقط بمثابة قطع ذنب الأفعى لا غير.
ذلك أن كل ما لاقاه المسلمون على أيدى الأحزاب الوثنية وعصابات
стр. 1452
الغدر القرظية من أهوال وويلات وزلازل جعلت المدينة بإسلامها ودمائها وأعراضها وأموالها في مهب العاصفة .. ما كان ليحدث لولا خيبر التي انبعثت منها وحدها شرارة كل تلك الأهوال والمصائب التي حاقت بالمسلمين في المدينة.
وحيث أن قطع ذنب الأفعى مع الإِبقاء على رأسها لا يعني شيئًا لمن يريد حماية نفسه من خطر هذه الأفعى القاتلة، فإن إتباعه الرأس الذنب أمر لا بد له من الإِقدام عليه.
وعلى أساس هذا المنطق السليم قرر النبي ﷺ القيام بغزو خيبر ليتبع ذنب الأفعى رأسها، فنسف آخر وأخطر معقل لليهود الدخلاء في جزيرة العرب باحتلاله منطقة خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة.
ثم تداعت بعد سقوط خيبر بقية الأوكار اليهودية في فدك وتيماء ووادي القرى، فوقعت جميعها في أيدى المسلمين.
وبذلك تخلصت جزيرة العرب من داء أخطر غدة سرطان كانت تفتك طيلة قرون عديدة بكيانات الشعوب التي كان يواطنها هؤلاء اليهود الدخلاء.
ولعل في الدور الرئيسى الذي قامت به العقيدة الإسلامية في مجال الانتصارات الساحقة التي حققها في خيبر ألف وأربعمائة من المسلمين ينقصهم كل شيء إلَّا الإيمان على أربعة عشر ألف مقاتل من اليهود وأحلافهم الذين لا ينقصهم أيّ شيء يحتاجونه لكسب الحرب سوى الإيمان .. لعل في تفهم المسلمين -والعرب خاصة- لدور العقيدة الرئيسى هذا حافزًا يحفزهم على العودة إلى ربهم والتمسك بالعقيدة الإسلامية الصادقة .. هذا التمسك الذي بدونه يستحيل عليهم بلوغ ما يصبون إليه ويتوقون من عزة وكرامة واستقرار وانتصار.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا جميعًا الرشد ويجنبنا مزالق الانحراف لنسير على
стр. 1453
صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بهدايته وتوفيقه من خيار هذه الأمة، إنه سميع مجيب.
محمد أحمد باشميل
جدة .. المملكة العربية السعودية
١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م
стр. 1454
موجز عن تاريخ اليهود في خيبر
* كيف ومتى جاء اليهود إلى خيبر.
* حياد يهود خيبر عبر القرون
* لماذا تحولت خيبر إلى قاعدة للعدوان على المسلمين، بعد حيادها؟ ؟ !
* دور خيبر في عدوان الأحزاب على المسلمين عام الحندق.
* كيف تم إجلاء اليهود من خيبر.
قبل الدخول في تفاصيل معركة خيبر الفاصلة والتي (بانتصار المسلمين الساحق فيها) تلاشى الوجود اليهودى الدخيل من جزيرة العرب نهائيًا .. قبل الدخول في تفاصيل هذه المعركة، لا بد من إعطاء القارئ الكريم لمحة عن تاريخ وأعمال وتصرفات يهود خيبر قبل أن يقوم النبي ﷺ بغزوهم والقضاء على سلطانهم.
جغرافية خيبر:
تعتبر خيبر -ولا تزال منذ أقدم العصور- واحة واسعة ذات تربة خصبة معطاء وذات عيون ومياه غزيرة.
وتربتها تربة جيدة للغاية، تصلح لزراعة الحبوب والفواكه على اختلاف أنواعها، كما أنها تعتبر من أكبر واحات النخيل في جزيرة العرب.
ويكفى لصحة هذا القول أن المسلمين أحصوا من النخيل ما بالنطاة (وهو أحد أودية خيبر الكثيرة) فوجدوا بها أربعين ألف نخلة.
стр. 1455
وتقع خيبر في الشمال الشرقي للمدينة وعلى بعد حوالي سبعين ميلا منها ..
متى جاء اليهود إلى خيبر:
منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة كانت منطقة يثرب والمناطق الشرقية والغربية وكل المنطقة الشاسعة الممتدة في الحجاز من يثرب حتى الحدود الشمالية المتاخمة للشام خاضعة لسلطان العمالقة، وهم قوم جبابرة من العرب البائدة (١).
بل كانت المناطق التي تشمل كل ساحل الخليج العربي وعمان ونجد والحجاز حتى الشام كانت خاضعة لسلطان العمالقة منذ تبلبلت الألسنة وبعد التفرق بعد عهد النمرود بن كنعان بن حام بن نوح.
أما صلة بني إسرائيل بمنطقة خيبر فهناك اختلاف بين المؤرخين في الوقت الذي اتصل فيه هذا العنصر الدخيل بخيبر.
فبعضهم يقول: إن الوجود اليهودى الدخيل في خيبر يعود إلى التاريخ الذي استوطن فيه اليهود منطقة يثرب بعد وفاة نبي الله موسى ﵇ على أثر عودة الحملة العسكرية التي ذكر الإخباريون الإِسلاميون أن نبي الله موسى أرسلها (قبيل موته) لإِخضاع وإبادة جبابرة العمالقة الذين يقطنون يثرب والمناطق الشمالية والشرقية والغربية من الحجاز بما في ذلك خيبر. هذه الحملة التي (كما يقول المؤرخون الإِسلاميون) مات نبي الله موسى
стр. 1456
وهي في طريق عودتها من الحجاز بعد أن أبادت جميع العمالقة المفسدين فلم يسمح لها خلفاء النبي موسى ﵇ بالإقامة في الشام بسبب أن رجال هذه الحملة أبقوا على أسير واحد من العمالقة لم يقتلوه، وذلك مخالف لشريعة اليهود، التي تقضى كما في الإصحاح العشرين من سفر التثنية في التوراة بإعدام جميع أسرى العدو.
ويقول هؤلاء المؤرخون أن رجال هذه الحملة لما منعهم خلفاء النبي موسى من دخول الشام عادوا إلى الحجاز واستوطنوا يثرب والمناطق الشمالية والشرقية من الحجاز وأن يهود خيبر، هم من بقايا رجال هذه الحملة التي استوطنت يثرب وخيبر منذ حوالي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد.
وقد ذكر هذا القول ابن خلدون وأبو الفرج الأصبهاني والسمهودى (١) وغيرهم.
ويرى الفريق الآخر من المؤرخين (وبينهم بعض الأوربيين) أن الوجود اليهودى في خيبر لم يكن إلا بعد الميلاد بحوالى ثمانين سنة.
ومن هذا الفريق الإمام الطبري الذي ذكر في تاريخه أن أول قدوم اليهود إلى الحجاز إنما كان بعد أن وطئ بختنصّر الشام وخرّب بيت المقدس.
وقد أشار الدكتور جواد علي في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٦ ص ١٧ قائلًا: (وزعم أن يهود خيبر من نسل (ركاب) المذكور في التوراة - الملوك الثاني الإصحاح العاشر الآية ١٥ - ٢٨ - وأن يونادب (جندب) تبدّى مع أبنائه ومن اتبعه وعاش عيشة تقشف وزهد وخشونة وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب وأقاموا فيها قلاعًا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم وقد أُخرجوا منها وأُجلوا عنها في زمان عمر بن الخطاب) اهـ.
وبعض المؤرخين يذكرون أن يهود خيبر ليسوا من بني إسرائيل، وإنما
стр. 1457
هم من أبناء العرب الذين دانوا باليهودية، وقد ذكر ابن إسحاق (كما رواه عنه ابن هشام) أن عائلة مرحب فارس خيبر المشهور الذي قتله علي بن أبي طالب هو من قبيلة حمير.
وهناك رأي آخر يشير إلى أن صلة بني إسرائيل بخيبر ويثرب كلها إنما كانت في عهد نبي الله الملك داود، (أي بعد موسى وقبل المسيح).
وقد ذكر هذا الرأي السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج ١ ص ١٥٨ فقال:
إن نبي الله داود غزا العماليق في المدينة فسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا عن آخرهم.
وذكر بعض المؤرخين أن سبب نزول اليهود خيبر والحجاز هو أن بعض علمائهم كانوا يجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل، نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها (خيبر) فنزلوها ومضى أشرافهم وأكثرهم إلى يثرب فنزلوها واستوطنوها.
نقل هذا (أيضًا) السمهودى في كتابه (وفاء الوفاء) ج ١ ص ١٦٠ عن ابن النجار، إلا أنه (كما هي عادة المؤرخين القدامى) لم يحدد التاريخ الذي جاء فيه هؤلاء اليهود إلى خيبر ويثرب. وإنما اكتفى بذكر السبب فقط.
والذي لا جدال فيه (حسب ما رواه الإخباريون الإسلاميون) هو أن اليهود لجأوا إلى الحجاز (وخيبر من الحجاز) في فترتين رئيسيتين:
الفترة الأولى حوالي عام ١٢٠٠ قبل الميلاد بعيد وفاة نبي الله موسى ﵇.
والفترة الثانية بعد الميلاد عقب استيلاء الرومان على فلسطين وتخريب الهيكل عام ٧٠ ميلادية وعقب تنكيل (هيدريان) بالعبرانيين عام ١٢٢ م.
وقد أشار سفر (صموئيل الأول) من التوراة إلى أن اليهود سكنوا يثرب وأعالى الحجاز (وخيبر من أعالى الحجاز) سكنوها (كما يقول السفر)
стр. 1458
منذ العهد الذي أرسل فيه نبي الله موسى ذلك الجيش لإبادة العمالقة في منطقة يثرب وخيبر وكل أعالى الحجاز (١).
وقد جزم الدكتور جواد على الذي هو أكثر المؤرخين اعتناء بتاريخ العرب قبل الإسلام جزم في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) (٢) بعدم صحة ما تناقَله الإخباريون من أن الوجود اليهودى في خيبر وكل أعالى الحجاز يرجع إلى أواخر عهد النبي موسى ﵇ قائلًا:
أما متى دخل اليهود منطقة يثرب وكيف استقروا في خيبر والمناطق الأخرى فعلم ذلك عند الله. وليس الذي يرويه أهل الأخبار عن إرسال موسى جيشًا إلى الحجاز واستقرار ذلك الجيش في يثرب بعد فتكه بالعماليق وبعد وفاة موسى، ثم ما يذكرونه من هجرة داود مع سبط يهوذا ثم عودته إلى إسرائيل (٣) .. وأمثال هذا إلا قصصًا من هذا النوع الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، لا أستبعد أن يكون مصدره يهود تلك المنطقة أو من أسلم منهم لإثبات أنهم ذوو نسب وحسب في هذه الأرضين قديم .. وأنهم كانوا ذوي بأس شديد، وأن تاريخهم في هذه البقعة يمتد إلى أيام الأنبياء وابتداء إسرائيل وأنهم لذلك الصفوة المختارة من العبرانيين.
غير أن الدكتور جواد على إذا كان قد نفى أن يكون اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب وباقي مناطق الشمال قبل الميلاد (كما يذكر المؤرخون الإسلاميون) فإنه أكد صحة أخبار استيطانهم لهذه المناطق بعد الميلاد على أثر ظهور الرومان واستيلائهم على فلسطين فقد قال في كتابه المذكور: (٤)
(أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالى الحجاز على أثر ظهور الروم في بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح)
стр. 1459
ولست أدرى لماذا اعتبر الدكتور جواد على أخبار المؤرخين الإسلاميين التي تقول بوجود اليهود في خيبر وكل مناطق الشمال قبل الميلاد أخبارًا غير صحيحة، وجزم بصحة روايات الإخباريين الذين قالوا: أن هجرة اليهود إلى خيبر وغيرها من المناطق إنما كان بعد الميلاد؟
إن الدكتور جواد على لم يقدم لنا دليلا قاطعًا على صحة ما ذهب إليه، سوى الافتراض والافتراض لا يكون أساسًا صحيحًا من الناحية التاريخية.
لقد قال الدكتور جواد علي: فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين اهـ.
والحقيقة أن كل أخبار ما قبل الإسلام من تاريخ الأمم الغابرة لا يمكن الجزم بصحتها أو ببطلانها، بل هي محتملة أن تكون قد حدثت وأن لا تكون قد حدثت فهي دائما (سواء ما كان منها قبل الميلاد أو بعده) محل الافتراض، اللهم إلا ما ورد بها نص صريح في القرآن أو الحديث يؤكد صحتها.
وعليه فإنه إذا كان (كما قال الدكتور جواد علي): يحتمل أن يكون يهود خيبر وباقي المناطق هم من نسل المهاجرين الفارين من اضطهاد الرومان بعد الميلاد عام ٧٠، أو ١٢٢، فإنه يحتمل كذلك أن يكون هؤلاء اليهود هم من نسل الذين عادوا إلى الحجاز قبل الميلاد عقيب وفاة النبي موسى ﵇، وأنهم استوطنوا خيبر ويثرب وباقي المناطق قبل الميلاد كما يقول الطبري وابن إسحاق وصاحب الأغانى وكل الإخباريين الإسلاميين.
لأن الذين رووا هجرة بعض اليهود إلى الحجاز عقب خراب الهيكل بعد الميلاد، هم أنفسهم الذين رووا هجرة بعض هؤلاء اليهود عقيب وفاة النبي موسى ﵇ قبل الميلاد.
وإذا كان شيوع قصة خراب الهيكل بعد الميلاد هو سند الدكتور جواد على في تصحيح ما ذهب إليه أو رجحه من أن هجرة اليهود إلى خيبر
стр. 1460
إنما كانت بعد الميلاد، وإبطال ما ذكره المؤرخون الإسلاميون من وجود اليهود في خيبر والحجاز قبل الميلاد، فإن هناك قصة روتها أصدق المصادر (وهو القرآن) وهي قصة انهيار سد مأرب ونزوح اليمانيين إلى يثرب عقيب هذا الانهيار .. هذه القصة التي هي أكثر شيوعًا بين المؤرخين العرب أصحاب الاختصاص من قصة خراب الهيكل ترجح أكثر فأكثر أن العنصر اليهودى الدخيل كان موجودًا في المنطقة قبل الميلاد وقبل خراب الهيكل وقبل تنكيل هدريان باليهود في فلسطين.
ذلك أن قصة هجرة أجداد الأوس والخزرج من اليمن إلى منطقة الحجاز عقيب انهيار سد مأرب وسكناهم إلى جانب اليهود في يثرب وصراعهم معهم حتى تغلبوا عليهم تكاد تكون (بين عامة المؤرخين) من الأخبار المتواترة.
فهذه القصة - مع افتقارها إلى التحديد الدقيق في الوقت بالسند الصحيح - هي على كل حال ترجح كفة القائلين بوجود اليهود في المنطقة قبل الميلاد أكثر من كفة القائلين بأنهم لم يهاجروا إلى خيبر وباقي المناطق إلا بعد خراب الهيكل وهو ما قال الدكتور جواد على أنه يستند إلى أساس صحيح.
نقول هذا لأنه يكاد يكون من المتواتر أن انهيار سد مأرب في اليمن وهجرة الأوس والخزرج إلى الحجاز وتصارعهم مع اليهود في يثرب إنما كان قبل خراب الهيكل بعشرات السنين، إذ أنه كان على أقل تقدير في أوائل السنة الميلادية.
وهذا يعني أن اليهود كانوا موجودين في خيبر ويثرب قبل الميلاد، لأن سلطان اليهود الدخيل لا يمكن أن يكون على تلك القوة في المنطقة إلا بعد أن يكون قد مر عليهم عشرات السنين قبل الميلاد .. إذ لم يكن هناك خلاف بين المؤرخين في أن الأوس والخزرج الذين هاجروا من اليمن في أوائل القرن الميلادي الأول إلى الحجاز قد وجدوا اليهود هناك وظلوا ينازعونهم السلطان عشرات السنين حتى تغلبوا عليهم في يثرب .. وهذا (دونما شك) يرجح ما ذهب إليه المؤرخون الإسلاميون من أن اليهود قد استوطنوا خيبر ويثرب إما عقيب وفاة النبي موسى ﵇ وإما في عهد الملك (النبي)
стр. 1461
داود ﵇ على ما ذكره الطبري وغيره.
وهذا مجرد ترجيح في مجال الافتراض، لأن قصة هجرة الأوس والخزرج إلى يثرب وقصة هجرة اليهود في كلا الفترتين لا يمكن تحديد أي منهما تحديدًا دقيقا لأنهما (كما قلنا) من الأخبار التي تحتمل الصحة والبطلان والتحديد فيهما لا يكون إلا من باب الافتراض، لأن أخبار ما قبل الإسلام لا يمكن الجزم بإثباتها أو نفيها اللهم إلا ما ورد فيه نص إسلامي صريح بهذا النفي أو ذاك الإثبات.
اليهود عنصر دخيل في الجزيرة:
وعلى كل حال -وسواء استوطن اليهود خيبر وباقي المناطق قبل الميلاد أو بعده- فإن المجمع عليه عند جميع المؤرخين (إسلاميين وأجانب) أن اليهود في خيبر ويثرب وباقي المناطق هم أجانب دخلاء مستعمرون لا تربطهم بأي من سكان هذه المناطق في جزيرة العرب آية رابطة من لغة أو دين أو دم، وإنما هم غزاة، أو لاجئون سيطروا على خيبر ويثرب وباقي المناطق في غفلة من الزمن وفي وقت كان العرب الوثنيون فيه تمزقهم روح الجاهلية القبلية الضيقة التي ساهم وجودها وتحكمها في المجتمع العربي .. في التمكين لهؤلاء اليهود الدخلاء في هذه المناطق من جزيرة العرب .. الذين زادوا المجتمعات العربية فسادًا على فساد، كما هي طبيعة العنصر اليهودى الذي لا يكون له نفوذ في أرض إلا وأشاع فيها الفساد وبذر بذور الشحناء وأشعل نيران التفرقة والتخاصم بين أهلها.
وقد ظل العنصر اليهودى الدخيل هذا شأنه منذ استوطن خيبر وباقي الأجزاء الأخرى من الجزيرة العربية حتى اقتلع النبي ﷺ جذور هذا العنصر نهائيًا بالعمليات الحربية التي قام بها في خيبر وباقي النقاط الأخرى التي كانت واقعة تحت سلطان هؤلاء اليهود المحتلين.
شجاعة يهود خيبر وقوة وحدتهم:
وشئ يجب أن لا يغيب عن بال المؤرخ وهو أن يهود خيبر كانوا (عبر العصور) بالإضافة إلى تفوقهم على جميع اليهود من ناحية الشجاعة والصبر على القتال .. كانوا غاية من الموحدة والتماسك فيما بينهم .. عكس
стр. 1462
اليهود الآخرين الذين لم ينجو من آفات الاختلاف -بل والاقتتال فيما بينهم أحيانًا-. كما أن يهود خيبر لم ينشب بينهم وبين جيرانهم العرب الوثنيين أي نزاع مسلح. مما ساهم في جعلهم أقوى قوة يهودية دخيلة في بلاد العرب.
فإذا كان يهود يثرب (مثلًا) لم يسلموا من نشوب حرب أهلية قبلية فيما بينهم فرقت وحدتهم وصدعت كيانهم، كما حدث بين بني قينقاع وبنى النضير من تخاصم وتقاتل وعداء شديد ظل أثره باقيًا بينهما حتى بعد ظهور الإسلام ومخاصمة الفريقين له.
إذا كان يهود يثرب قد تعرضوا لهذه الانشقاقات والاصطدامات الدامية فيما بينهم عبر وجودهم في يثرب .. فإن يهود خيبر لم يرو أحد من المؤرخين (فيما أعلم) أنهم تعرضوا (منذ أن وطئت أقدامهم منطقة خيبر) لشئ مما تعرض له يهود يثرب من اختلافات شديدة واصطدامات دامية.
الأمر الذي جعل يهود خيبر (طيلة وجودهم الاستعمارى) في هذه المنطقة متحدين لم تبدد شيئًا من طاقاتهم العسكرية أو وحدتهم السياسية حروب أهلية أو نزاعات قبلية كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب.
كما أن يهود يثرب، إذا كانوا قد تعرضوا في الفترة التي مرت على وجودهم (قبل الإسلام) لضربات عسكرية عنيفة من جيرانهم العرب كادت تقتلع وجودهم وتهدم كيانهم في يثرب كما حدث لهم في أوائل القرن الأول من الميلاد على أيدى المهاجرين اليمانيين من منطقة (مأرب) - الأوس والخزرج - الذين منذ استقرارهم في يثرب ظلوا ينازعون هؤلاء اليهود السلطان لاستئثارهم بالمناطق الزراعية الخصبة (دونهم) في المدينة. ولنظرة هؤلاء اليمانيين إلى هؤلاء اليهود كعنصر أجنبي دخيل على بلاد العرب، الأمر الذي ساعد على إشعال نار المقت في نفوس اليمانيين، حتى تمكنوا من خضد شوكتهم بمساعدة إخوتهم الغساسنة اليمانيين الذين خفوا لنجدتهم من الشام. ثم من قهرهم نهائيًا بقيادة مالك بن العجلان الذي وضع حدًّا (قبل الإسلام) لسلطان هؤلاء اليهود المطلق على يثرب.
فقد ذكر المؤرخون أن الضربة العنيفة التي أنزلها الأوس والخزرج باليهود بقيادة سيد الأوس والخزرج مالك بن العجلان (قبل الإسلام بعدة
стр. 1463
قرون) كادت تستأصل شأفة العنصر اليهودى الدخيل لولا أن زعماء هؤلاء اليهود انحنوا للعاصفة فسلموا بالهزيمة ثم (لكى ينجوا من الهلاك) قبلوا الانضواء (بالحِلف) تحت لواء مختلف القبائل اليمنية المنتصرة عليهم (الأوس والخزرج) فاندمجوا فيهم، وبذلك ضمنوا سلامة أرواحهم وممتلكاتهم, ولكن على حساب التسليم بهدم سلطانهم السياسي والعسكري الذي كان سائدًا على يثرب.
وهكذا فإن يهود يثرب إذا كانت الهزات العنيفة التي زلزلت سلطانهم ومزقت وحدتهم، سواء بسبب تعرضهم لهجمات المهاجرين اليمانيين الضاربة أو بسبب النزاعات القبلية المسلحة التي نشبت بين اليهود أنفسهم قبل ظهور الإسلام بعدة قرون، فإن يهود خيبر ظلوا (طيلة وجودهم الاستعمارى) بمنجاة عن مثل هذه الهزات الخطيرة التي ذهبت بسلطان اليهود في يثرب.
الأمر الذي أبقى على وحدة يهود خيبر وتماسكهم. وذلك دونما شك من أعظم أسباب تفوقهم في القوة والمنعة والشجاعة على جميع العناصر اليهودية الدخيلة المبعثرة في ذلك الركن من جزيرة العرب.
فالمؤرخون مجمعون على أن يهود خيبر أشجع وأقوى العناصر اليهودية المحاربة في جزيرة العرب دونما استثناء.
ولعل أكبر دليل على صحة هذا القول، هو أن يهود يثرب (بالرغم من كونهم أكثر عددًا وأوسع ثراءًا من يهود خيبر) فإنهم قد جبنوا عن مواجهة المسلمين في أية معركة فاصلة، إذ فضّلوا الاستسلام ثم النفي على خوض أية معركة فاصلة عندما وصلوا في عدائهم للمسلمين إلى درجة النزاع المسلح كما حدث لبنى قينقاع ثم بني النضير وأخيرًا بني قريظة (١).
стр. 1464
ولن نذهب بعيدًا لتأييد هذا القول فالتاريخ ينبؤنا بأن المسلمين في نزاعهم المسلح مع العناصر اليهودية الدخيلة في بلاد العرب لم يلاقوا من المقاومة مثلما لاقوا من يهود خيبر حيث اشتبكوا معهم في معارك ضارية دافع فيها اليهود عن معاقلهم حصنًا حصنًا .. ولم تستسلم حصونهم إلا بعد أن سقط جميع قادتهم وزعمائهم قتلى في هذه المعارك.
ولقد جعلت هذه الشجاعة والشراسة التي أبداها يهود خيبر في مقاومتهم .. جعلت بعض المؤرخين (منهم بعض الأوروبيين) يعتقدون أن يهود خيبر هم من أصل عربي دانوا (على مدى العصور) باليهودية. وقد ذكر إمام المغازي ابن إسحاق أن أُسرة آل مرحب اليهودية في خيبر هم من قبيلة حمير اليمنية (١).
стр. 1465
حياد يهود خيبر:
ذاكم هو موجز عن تاريخ صلة يهود خيبر بجزيرة العرب قبل الإسلام .. وشئ آخر يجب أن لا يغيب عن البال (وقد يحتاج إلى تفسير)، وهو أن يهود خيبر بالرغم من شدة بأسهم في الحرب وكثرة عددهم .. وبالرغم من أنهم يتفقون في العقيدة والمذهب مع يهود يثرب. فإن يهود خيبر هؤلاء، قد ظلوا طيلة مئات السنين (قبل الإسلام) على الحياد بالنسبة للنزاعات المسلحة العنيفة التي نشبت وظلت ناشبة عشرات السنين بين العرب اليمانيين (الأوس والخزرج) النازحين من اليمن وبين يهود يثرب كما تقدم وكما هو مفصل في كتابنا (غزوة بني قريظة).
فلم يذكر (فيما وصل إلى علمي) أحد من المؤرخين أن يهود خيبر (قبل الإسلام) خفوا لنجدة إخوتهم يهود يثرب بالرغم من أنهم لا تفصلهم عنهم سوى مسافة قصيرة لا تزيد على مائة ميل .. بينما نرى الغساسنة تفصلهم عن إخوتهم في يثرب آلاف الأميال حيث كانوا يقطنون سوريا آن ذاك (١).
موقف خيبر عند ظهور الإسلام:
لا شك أن يهود خيبر كإخوتهم يهود يثرب لم يكن موقفهم من الإسلام عند ظهوره موقف الترحيب، بل موقف المعارضة هذا مما لا جدال فيه وأثبتته الأحداث فيما بعد.
إلا أن يهود خيبر هؤلاء ظلوا (حتى السنة الرابعة من الهجرة) على الحياد بالنسبة للصراع الذي كان دائرًا بين المسلمين ويهود يثرب الذين حاولوا - بكل الوسائل - تقويض دعائم الدعوة الإسلامية والقضاء على نبيِّ الإسلام ﷺ .
فلم يرو أحد من المؤرخين (فيما أعلم) أن يهود خيبر قاموا بأي عمل عدائي مسلح ضد المسلمين منذ ظهر الإسلام حتى السنة الرابعة للهجرة وهي السنة التي اختار فيها يهود بني النضير أن تكون خيبر منفى لهم
стр. 1466
عندما تم إجلاؤهم عن المدينة بموجب اتفاقية الصلح التي تمت بينهم وبين النبي ﷺ عقب ضربه الحصار على حصونهم في يثرب بعد اكتشاف مؤامرة الاغتيال التي دبروها لقتله ﷺ عندما كان في ديارهم آمنًا. (١)
ولم يرو أحد من المؤرخين أن يهود خيبر قاموا بتقديم أي عون مادى لإخوتهم يهود يثرب عندما تحول الخلاف بينهم وبين المسلمين إلى نزاع مسلح .. بل ظل يهود خيبر على الحياد حيال هذا النزاع المسلح إلى أن نزل عليهم شيطان بني النضير (حيى بن أخطب) منفيًا وقومه من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة.
التحول الخطير في موقف خيبر:
ففي هذه السنة طرأ تحوّل خطير على موقف الحياد الذي كانت خيبر تلتزمه إزاء النزاعات المسلحة التي نشبت عبر العصور بين المشركين العرب (الأوس والخزرج) وبين يهود يثرب قبل الإسلام، ثم بين هؤلاء اليهود وبين المسلمين بعد بزوغ شمس الإسلام.
وكر للتآمر على المسلمين:
فلم يكد بنو النضر (بقيادة شيطانهم حيى بن أخطب) ينزلون على خيبر ويستقر بهم المقام فيها حتى تحولت من منطقة حيادية إلى أخطر وكر تحاك فيه الدسائس وترسم فيه خطط التآمر على الإسلام والمسلمين تحت إشراف سادات يهود بني النضير المنفيين من المدينة.
لمحة من تاريخ بني النضير:
وبالرغم من أننا قد ذكرنا الشيء الكثير عن تاريخ يهود بني النضير في كتبنا الثلاثة (غزوة أُحد) و (غزوة الأحزاب) و (غزوة بني قريظة) إلا أنه يستحسن إعطاء القارئ هنا لمحة عن تاريخ هؤلاء اليهود الذين بنزولهم على خيبر طرأ عليها ذلك التحول الخطر الذي كان سببًا في نسف ما تبقى من الكيان اليهودى الدخيل في جزيرة العرب.
لقد كان بنو النضير إحدى القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث التي
стр. 1467
استوطنت منطقة يثرب العربية منذ عدة قرون.
والفئات أو القبائل الرئيسية الثلاث هم:
١ - بنو النضير.
٢ - بنو قينقاع.
٣ - بنو قريظة.
ويعتبر يهود بني النضير أقوى الفئات اليهودية الثلاث وأكثرهم نفوذًا بين اليهود في يثرب كما يعتبر بنو النضير أغنى يهود يثرب على الإطلاق.
يضاف إلى ذلك أن بني النضير يعتبرون أنفسهم أرفع اليهود نسبًا وأرقاهم حسبًا ويرون أن لهم السيادة والشرف على جميع فئات اليهود لأنهم (بزعمهم) من نسل نبي الله هارون بن عمران ﵇ ولهذا يقال لهم ولإخوانهم بني قريظة: (الكاهنين) لانتسابهم بزعمهم إلى النبي هارون بن عمران الذي يسميه اليهود بالكاهن (١).
أعداء النبي ﷺ رقم (١):
وإذا استعرضنا تاريخ مراحل النزاع والصراع بين المسلمين ويهود يثرب (منذ ظهور الإسلام) وجدنا أن يهود بني النضير هم أشد الفئات اليهودية عداوة للمسلمين وأكثرهم جرأة على النبي ﷺ وأشدهم تحرشًا بالمسلمين وإعناتًا لنبيهم ﷺ وخاصة زعماءهم (حيى بن أخطب وأخيه ياسر، وسلَّام بن مِشكمَ).
ويكفى للتدليل على ذلك أن نورد هنا قصة رواها إمام المغازي محمد بن إسحاق، هذه القصة تحكى واقع البغض العارم والحقد القاتل الذي يغتلم في قلوب سادات بني النضير للنبي الأعظم ﷺ وتوطيد هؤلاء اليهود أنفسهم على العمل ضد النبي ﷺ حتى الممات بالرغم من تأكدهم من أنه النبي المنتظر الذي بشَّر به موسى ﵇ كما يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة.
стр. 1468
فقد روى ابن إسحاق أن سيدى بني النضير (حيى بن أخطب وأخاه ياسر) لما علما بوصول النبي ﷺ أول ما وصل مهاجرًا - ذهبا وقابلاه في (قبَا) ليلة وصوله ولدى هذه المقابلة تأكد لهما من صفاته إنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة .. وبدلا من أن يتبعا الحق الذي عرفاه فيؤمنا بالنبي ﷺ تأججت نيران الحقد والبغض والحسد له في نفوسهما.
وقد تجسد هذا الحسد والبغض والجحد للحق في مناقشة سرية بينهما عقب انصرافهما من مجلس النبي ﷺ في (قُبَاء) فقد سأل ياسر بن أخطب أخاه حييا قائلا أهو، هو؟ (يعني النبي ﷺ ).
حيى: نعم والله.
ياسر: أتعرفه وتثبته؟ ؟
حيى: نعم.
ياسر: فما في نفسك منه؟ .
حيى: عداوته ما بقيت (١).
سمعت هذا النقاش أو الحوار إحدى أمهات المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب وهي لما تزل صبية في المدينة تلعب في مجلس أبيها وعمها (٢).
ولم يحنث سيد بني النضير الخبيث قسمه فقد ظل وكل بني النضير على عداوتهم الشديدة للنبي ﷺ ولم يتركوا سبيلا للكيد للإسلام والتآمر عليه وعلى نبيه بقصد قطع تيار دعوته إلا وسلكوها دونما تردد.
فقد ظل يهود بني النضير (وعلى رأسهم شيطانهم حيى بن أخطب) يثيرون المتاعب ويضعون العراقيل في وجه النبي ﷺ بقصد إطفاء شعلة الدعوة الإسلامية مستغلين تسامح النبي ﷺ والحرية الكاملة التي أعطاهم إياها الإسلام في شؤونهم الخاصة ومتسترين وراء معاهدة التحالف التي أبرمها النبي ﷺ معهم ومع سائر الفئات اليهودية عند قدومه إلى يثرب.
стр. 1469
التآمر على حياة النبي ﷺ -:
ولم يكتف يهود بني النضير بالسعى (بمختلف الوسائل) لإثارة الفتنة بين مختلف الفئات والقبائل داخل المجتمع الإسلامي في يثرب بقصد شل حركة الدعوة الإسلامية وإطفاء نورها .. ولم يكف هؤلاء اليهود النجاح الذي حققوه بإنشاء طبقة باطنية خطيرة تعمل لتخريب العقيدة الإسلامية وتمزيق وحدة المسلمين وهي طبقة المنافقين الذين يعملون ضد الإسلام ضمن إطار المجتمع الإسلامي لانتسابهم إلى الإسلام في الظاهر .. والذين في واقعهم ليسوا إلا أجهزة تخريب باطنية سرية تعمل لحساب اليهود (وخاصة بني النضير).
ولم يكتف يهود بني النضير بكل تلك الأعمال الممقوتة التي باشروها ضد الإسلام والمسلمين وكادوا بها أن يقوضوا دعائم المجتمع الإسلامي الناشئ الجديد بما أثاروا (خلال الأربع السنوات) من فتن ودسائس ومؤامرات داخل المجتمع الإسلامي والتي وصل نجاحهم فيها أحيانًا إلى أن جعلوا الحيين الرئيسيين (الأوس والخزرج) يشهر أحدهما السلاح في وجه الآخر بعد اعتناقهما الإسلام (١).
لم يكتف يهود بني النضير بذلك كله، بل وصلت بهم الجرأة والتمادى في الغي واستغلال التسامح النبوى إلى أن يفكروا في التخلص من النبي ﷺ شخصيًا بالقتل، ويرسموا لذلك مخطط اغتيال غادر بشع، ويحاولوا تنفيذ هذا المخطط الجهنمى بقتل النبي ﷺ غدرًا وهو آمن في ديارهم وأعزل من السلاح وعلى بعد عدة أميال من المدينة.
إلا أن النبي ﷺ اكتشف مؤامرة اغتيالية في ديارهم قبل تنفيذها بقليل، فغادر ديار هؤلاء اليهود بطريقة سرية مستعجلة وبذلك نجا من تلك المؤامرة الدنيئة فأحبط مفعول ذلك المخطط الخبيث الذي كان يهود بني النضير قاب قوسين أو أدنى من تنفيذه.
стр. 1470
إجلاء بني النضير إلى خيبر:
وكان (حتى تاريخ تلك المؤامرة) يوجد بين النبي ﷺ ويهود بني النضير عهد تحالف ومعاهدة عدم اعتداء واتفاق تعايش سلمى حافظ المسلمون عليها كل المحافظة وطبقها النبي ﷺ في معاملته لهؤلاء اليهود نصًّا وروحًا.
غير أن النبي ﷺ بعد اكتشافه تلك المؤامرة اليهودية تأكد لديه أنه من المستحيل الركون إلى هؤلاء اليهود والتعايش معهم أو الوثوق بما أعطوا من عهود ومواثيق لأنه بات واضحًا (على ضوء التجارب العملية) أن هؤلاء اليهود لا يتمسكون بالعهود والمواثيق التي يبرمونها مع غيرهم إلا عندما تكون في صالحهم وأنهم لا يتورعون عن خرقها والتنكر لها عندما يرون أن ذلك يعود عليهم بالنفع ويكون في مقدورهم الإقدام عليه، كما فعلوا عندما ظنوا أن الفرصة قد واتتهم للغدر بالنبي ﷺ وقتله بين منازلهم غِيلة بالرغم من المعاهدة القائمة بينه وبينهم والتي اعتمادًا عليها وفي ظلها جاء ﷺ إلى منازل هؤلاء اليهود آمنًا أعزلا من السلاح لأن من طبيعة العرب (حتى في جاهليتهم) الوفاء بالعهد واعتبار الإخلال بالعهد سُبَّة خالدة يأنف العرب من التلوث بأرجاسها .. ولكنهم اليهود، يضعون العهود والمواثيق تحت أقدامهم عندما يرون أنهم لم يعودوا بحاجة إليها.
وقد اعتبر النبي ﷺ تلك المحاولة الخطيرة التي قام بها يهود بني النضير لقتله بين منازلهم في ظل المعاهدة القائمة بين الفريقين اعتبر تلك المحاولة عملا ناسفًا لمعاهدة التحالف واتفاقية عدم الاعتداء القائمة بين المسلمين وهؤلاء اليهود، فأرسل في الحال إنذارًا إلى هؤلاء اليهود خاصة بأن يغادروا المدينة في خلال عشرة أيام فقط وأنهم إن لم يخرجوا من المدينة فإنه سيلجأ إلى محاربتهم كأعداء حربيين لا عهد لهم ولا ذمة بعد الذي أقدموا عليه من محاولة اغتياله بين منازلهم.
ولم يحاول يهود بني النضير نفى التهمة الموجهة إليهم لأنها أقوى من أن تقبل النفي، ولم يقدّموا أي اعتذار عما بدر منهم من خيانة وغدر، بل قبلوا (في أول الأمر) الإنذار واعتزموا مغادرة المدينة لولا أن رأس النفاق
стр. 1471
حليفهم (عبد الله بن أبيّ بن سلول) حرضهم على رفض الإنذار النبوى والتحصن في قلاعهم في المدينة بعد أن أوعدهم بأنه وجماعته الباطنيين المنافقين وحلفاءه من العرب الوثنيين المجاورين سيكونون إلى جانبهم في الحرب إذا ما أقدم المسلمون على محاربتهم.
وبناءً على تحريض رأس النفاق عدل يهود بني النضير عن قرارهم فرفضوا الإنذار النبوى وقرروا البقاء في المدينة، ثم اعتصموا بحصونهم استعدادًا للحرب.
وأمام هذا الرفض لم يرَ النبي ﷺ بدًا من محاربتهم فجهز جيشًا لمحاربتهم وإنقاذ يثرب من شرورهم، فضرب المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود بقيادة النبي ﷺ .
وقد شدد المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود ولم يحاولوا اقتحام حصونهم لأن الهدف (على ما يظهر) إنما كان إجلاؤهم عن المدينة لا قتلهم.
ولم يصمد يهود بني النضير طويلًا أمام هذا الحصار الذي دام حوالي عشرين ليلة .. فقد انهارت مقاومتهم لا سيما بعد أن خذلهم حليفهم رأس النفاق (عبد الله بن أبيّ) وعصابته الباطنية المنافقة الذين لم يقدموا ليهود بني النضير أي عون حربى كما وعدوهم.
ولهذا قرر هؤلاء اليهود الدخول مع النبي ﷺ في مفاوضة على أساس الجلاء من المدينة وهو المطلب الرئيسى الذي تضمنه الإنذار النبوى قبل الحصار.
وقَبِل النبي ﷺ الدخول مع يهود بني النضير في المفاوضة ... وتم الاتفاق بين الفريقين على أن يجلو هؤلاء اليهود عن المدينة إلى أي بلاد الله شاءوا.
وقد تضمنت اتفاقية الجلاء هذه بنودًا ثلاثة وهي:
(١) يحق ليهود بني النضير أن يحملوا من أموالهم معهم، ما يقدرون على حمله.
(٢) يترك كل ما لا يقدرون على حمله من أموال منقولة وغير منقولة في المدينة لبيت مال المسلمين.
стр. 1472
(٣) يتكفل المسلمون بحماية أرواح هؤلاء اليهود وأموالهم التي يحملون ما داموا داخل المناطق الخاضعة لحكم الإسلام (١)، وهكذا لم يكن النبي ﷺ شديدًا في معاملة هؤلاء اليهود لأنه تمشيًا مع طبيعة الرسالة التي يحملها يميل إلى التسامح، ولا يميل إلى العنف وسفك الدم إلا إذا أصبح ذلك أمرًا لا مفر منه كالإجراء الحازم الذي اتخذه إزاء خونة يهود بني قريظة (٢).
بنو النضير في خيبر:
ولما كانت اتفاقية الجلاء بين النبي ﷺ وبين يهود بني النضير لا تحتم على هؤلاء اليهود الجلاء عن جزيرة العرب كليًّا .. بل تترك لهم الحرية في أن ينزلوا أي بلد أرادوا (غير يثرب) فقد اختار هؤلاء اليهود النزول في منطقة خيبر التي لا تبعد عن المدينة أكثر من سبعين ميلًا، لأنها من الناحية الحربية كانت أقوى معقل لليهود الدخلاء في جزيرة العرب .. حيث توجد بها جالية يهودية يقدر عدد حملة السلاح بينهم بعشرة آلاف مقاتل (٣).
أخطر وكر للتآمر على الإسلام:
لقد كان زعماء يهود بني النضير (وعلى رأسهم حيى بن أخطب وكنانة بين الربيع وسلَّام بن مِشكم) من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ومن أحرص أعداء الإسلام على هدم كيانهم وإبادة أتباعه وإزالتهم من الوجود.
وإذا أضفنا إلى ذلك اعتراف كافة طوائف اليهود في جزيرة العرب ليهود بني النضير بمنصب السيادة الروحية عليهم لانتمائهم (بزعمهم) إلى نبي الله هارون بن عمران ﵇، وإذا أضفنا إلى ذلك أيضًا ما يتمتع به يهود بني النضير من مركز مالى ممتاز حيث كانوا أغنى أغنياء اليهود على الإطلاق في جزيرة العرب. (واليهود على الإطلاق في كل زمان ومكان لاحتكارهم المعاملات الربوية وقدرتهم على إدارتها يجمعون من الثروات الفاحشة ما لا يقدر غيرهم على جمعه) وخاصة في البيئات البدائية المتأخرة كبيئة العرب الوثنيين التي أتاحت لليهود عامة وليهود بني النضير خاصة أن
стр. 1473
تكون في أيديهم (دون منازع) مقابض أزمة ديكتاتورية المال التي أقاموها على قواعد المعاملات الربوية التي لا يحسن أي جيل مباشرتها مثل اليهود .. هذه الديكتاتورية الملعونة التي نسفها الإسلام من القواعد بتشريعه الذي حرَّم المعاملات الربوية تحريمًا قاطعًا.
إذا أدركنا هذه الامتيازات التي يمتاز بها يهود بني النضير من ثراء فاحش وجاه واسع عريض وسيادة روحية مطلقة بين جميع فئات اليهود الدخلاء في الجزيرة اتضح لنا أي خطر داهم يهدد الإسلام والمسلمين بنزول يهود بني النضير منطقة خيبر عند نفيهم من المدينة.
خفض الأرض ورفعها:
ولا يفوتنا أن نذكر القارئ بأن النبي ﷺ لما نفى يهود بني النضير هؤلاء من المدينة تسامح معهم إلى حد جعلهم يسمح لهم بأن يحملوا من أموالهم إلى منفاهم الجديد (خيبر) كل ما يقدرون على حمله.
ولهذا فقد أوقروا من هذه الأموال (عند نفيهم) حوالي ستمائة بعير، وصلوا بها جميعًا إلى منطقة خيبر.
ولما كان الذهب والفضة هو أحرص ما يحرص اليهود على اقتنائه كما هو معروف عنهم عبر عصور التاريخ، فقد حملوا معهم إلى خيبر كل ما يملكون من الذهب والفضة وكان شيئًا عظيمًا حتى أن سلَّام بن أبي الحقيق (وهو من متوسطى أغنياء يهود بني النضير) حمل معه عند الجلاء من المدينة جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة.
وكان (وهو خارج إلى منفاه خيبر) يضرب على هذا الجلد - مشيرًا إلى ما يحتوي عليه من ذهب وفضة قائلًا: (هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلًا، ففي خيبر النخل).
وفي قول الزعيم اليهودى النضرى هذا تهديد صريح بأن يهود بني النضير لن يبخلوا باستخدام أموالهم الطائلة للقضاء على سلطان الإسلام ونفوذه، وأنهم لن يترددوا في تسخير هذه الأموال لزلزلة الأرض تحت أقدام المسلمين عند أول فرصة تسنح لهم وذلك في سبيل استعادة سلطانهم المفقود في يثرب.
стр. 1474
خيبر قاعدة للعدوان:
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر الحصينة والغنية بالموارد الزراعية الكبيرة تعاظمت قوة اليهود الدخلاء في هذه المنطقة.
حيث تلاحم سلطان المال الجبَّار الذي يملكه يهود بني النضير المنفيين مع القوة الحربية الكبيرة التي يمتاز بها يهود خيبر ويتفوقون بها على جميع الفئات اليهودية الدخيلة في جزيرة العرب حيث كانوا (بدون جدال) أشجع وأقوى الجاليات اليهودية هناك.
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر أخذ الخطر الداهم يُطِل برأسه ويهدد المسلمين في يثرب من جديد لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود جالية يهودية كبيرة في يثرب لم يتعرض لها المسلمون بأية مضايقة، لأنها (حتى حملة الأحزاب المخيفة) ظلت على عهدها مع المسلمين، وهي جالية يهود (بني قريظة) التي أغوى زعماءها شيطان بني النضير حيى بن أخطب فغدرت بالمسلمين في أدق ساعات المصير في حياة كيانهم كما جاء ذلك مفصلًا في كتابينا (غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة).
قيادية بني النضير:
لقد كان يهود بني النضير سياسيين أكثر منهم حربيين، وكانت الأطماع في السيادة والسلطان لديهم أكثر من أية فئة من فئات اليهود الدخيلة في بلاد العرب.
ولهذا فإنهم لم يكادوا يطأون بأقدامهم منطقة خيبر ويجدون أنفسهم بين أقوى قوة يهودية حربية في جزيرة العرب، حتى عادت أطماعهم الواسعة في السيادة والحكم تراود مخيَّلاتهم.
ولم يجد يهود بني النضير أية صعوبة في القبض على أزمة الأمور في منطقة خيبر حيث تمكنوا بكل سهولة من فرض سيادتهم وسيطرتهم على يهود هذه المنطقة التي بمجرد نزول بني النضير فيها تغير فيها مجرى كل شيء.
وأهم تغيير طرأ على خيبر هو أنها (بعد أن ألقى سكانها اليهود
стр. 1475
بقيادهم إلى بني النضير) تحولت من منطقة حيادية إلى قاعدة للعدوان على المسلمين ووكرًا وجد فيه يهود بني النضير (أشد الناس حقدًا على النبي وصحبه) مطلق الحرية للتآمر على الإسلام ورسم الخطط للإطاحة بالمسلمين.
لو اتعظ اليهود ؟
لقد كان بإمكان يهود بني النضير أن يستخلصوا المواعظ والعبر على ضوء ما حاق بهم وبيهود بني قينقاع من نفى وتأديب نتيجة دسهم وتآمرهم ضد المسلمين عندما كانوا بين ظهرانيهم وحلفاء لهم في يثرب.
كان بإمكان سادات بني النضير (على ضوء الفشل الذريع الذي منوا به كثمرة لمحاولات الدس والتآمر ضد النبي وأصحابه والتي بذلوها طوال أربع سنوات والتي كانت حصيلتها طردهم من المدينة زجرًا لهم وتأديبًا) .. كان بإمكانهم بعد أن رحلوا من يثرب آمنين على أموالهم وأرواحهم ونزلوا خيبر على تلك الصورة .. كان بإمكانهم أن يراجعوا أنفسهم ويقنعوها بأن أعمال التآمر والخيانة والغدر وإثارة الفتن والحروب بغيًا ضد المسلمين والتي مارسوها خلال أربع سنوات، لن تعود في النهاية على القائمين بها إلا بأوخم العواقب .. لأن النصر في النهاية إنما يكون للحق والهزيمة والاندحار والتعرض للعقاب العادل الصارم إنما تحل بالباطل مهما تراءى لأصحابه أنه قوى وعتيد.
كان بإمكان بني النضير الذين لم يكن نزوحهم إلى خيبر مطرودين مدحورين إلا حصيلة محاولاتهم السير في دروب الخيانة والتآمر، والدلوج في ظلام البغي والعدوان ونكث العهود والمواثيق .. كان بإمكانهم أن يدركوا كل ذلك فيتعظوا به .. فيخلدوا في منفاهم الجديد (خيبر) إلى الهدوء والسكينة بين بني قومهم الذين ظلوا على الحياد طيلة مراحل الصراع الدائر بين الإسلام وخصومه داخل يثرب وخارجها حتى نزل عليهم شياطين بني النضير هؤلاء فكانوا سببًا في توريطهم في حبائل العمل ضد المسلمين والتآمر على أمنهم وسلامتهم، مما كان سببًا في التعجيل بإزالة الوجود اليهودى الدخيل في خيبر على أيدى المسلمين.