حليفهم (عبد الله بن أبيّ بن سلول) حرضهم على رفض الإنذار النبوى والتحصن في قلاعهم في المدينة بعد أن أوعدهم بأنه وجماعته الباطنيين المنافقين وحلفاءه من العرب الوثنيين المجاورين سيكونون إلى جانبهم في الحرب إذا ما أقدم المسلمون على محاربتهم.
وبناءً على تحريض رأس النفاق عدل يهود بني النضير عن قرارهم فرفضوا الإنذار النبوى وقرروا البقاء في المدينة، ثم اعتصموا بحصونهم استعدادًا للحرب.
وأمام هذا الرفض لم يرَ النبي ﷺ بدًا من محاربتهم فجهز جيشًا لمحاربتهم وإنقاذ يثرب من شرورهم، فضرب المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود بقيادة النبي ﷺ .
وقد شدد المسلمون الحصار على هؤلاء اليهود ولم يحاولوا اقتحام حصونهم لأن الهدف (على ما يظهر) إنما كان إجلاؤهم عن المدينة لا قتلهم.
ولم يصمد يهود بني النضير طويلًا أمام هذا الحصار الذي دام حوالي عشرين ليلة .. فقد انهارت مقاومتهم لا سيما بعد أن خذلهم حليفهم رأس النفاق (عبد الله بن أبيّ) وعصابته الباطنية المنافقة الذين لم يقدموا ليهود بني النضير أي عون حربى كما وعدوهم.
ولهذا قرر هؤلاء اليهود الدخول مع النبي ﷺ في مفاوضة على أساس الجلاء من المدينة وهو المطلب الرئيسى الذي تضمنه الإنذار النبوى قبل الحصار.
وقَبِل النبي ﷺ الدخول مع يهود بني النضير في المفاوضة ... وتم الاتفاق بين الفريقين على أن يجلو هؤلاء اليهود عن المدينة إلى أي بلاد الله شاءوا.
وقد تضمنت اتفاقية الجلاء هذه بنودًا ثلاثة وهي:
(١) يحق ليهود بني النضير أن يحملوا من أموالهم معهم، ما يقدرون على حمله.
(٢) يترك كل ما لا يقدرون على حمله من أموال منقولة وغير منقولة في المدينة لبيت مال المسلمين.
стр. 1472
(٣) يتكفل المسلمون بحماية أرواح هؤلاء اليهود وأموالهم التي يحملون ما داموا داخل المناطق الخاضعة لحكم الإسلام (١)، وهكذا لم يكن النبي ﷺ شديدًا في معاملة هؤلاء اليهود لأنه تمشيًا مع طبيعة الرسالة التي يحملها يميل إلى التسامح، ولا يميل إلى العنف وسفك الدم إلا إذا أصبح ذلك أمرًا لا مفر منه كالإجراء الحازم الذي اتخذه إزاء خونة يهود بني قريظة (٢).
بنو النضير في خيبر:
ولما كانت اتفاقية الجلاء بين النبي ﷺ وبين يهود بني النضير لا تحتم على هؤلاء اليهود الجلاء عن جزيرة العرب كليًّا .. بل تترك لهم الحرية في أن ينزلوا أي بلد أرادوا (غير يثرب) فقد اختار هؤلاء اليهود النزول في منطقة خيبر التي لا تبعد عن المدينة أكثر من سبعين ميلًا، لأنها من الناحية الحربية كانت أقوى معقل لليهود الدخلاء في جزيرة العرب .. حيث توجد بها جالية يهودية يقدر عدد حملة السلاح بينهم بعشرة آلاف مقاتل (٣).
أخطر وكر للتآمر على الإسلام:
لقد كان زعماء يهود بني النضير (وعلى رأسهم حيى بن أخطب وكنانة بين الربيع وسلَّام بن مِشكم) من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ومن أحرص أعداء الإسلام على هدم كيانهم وإبادة أتباعه وإزالتهم من الوجود.
وإذا أضفنا إلى ذلك اعتراف كافة طوائف اليهود في جزيرة العرب ليهود بني النضير بمنصب السيادة الروحية عليهم لانتمائهم (بزعمهم) إلى نبي الله هارون بن عمران ﵇، وإذا أضفنا إلى ذلك أيضًا ما يتمتع به يهود بني النضير من مركز مالى ممتاز حيث كانوا أغنى أغنياء اليهود على الإطلاق في جزيرة العرب. (واليهود على الإطلاق في كل زمان ومكان لاحتكارهم المعاملات الربوية وقدرتهم على إدارتها يجمعون من الثروات الفاحشة ما لا يقدر غيرهم على جمعه) وخاصة في البيئات البدائية المتأخرة كبيئة العرب الوثنيين التي أتاحت لليهود عامة وليهود بني النضير خاصة أن
стр. 1473
تكون في أيديهم (دون منازع) مقابض أزمة ديكتاتورية المال التي أقاموها على قواعد المعاملات الربوية التي لا يحسن أي جيل مباشرتها مثل اليهود .. هذه الديكتاتورية الملعونة التي نسفها الإسلام من القواعد بتشريعه الذي حرَّم المعاملات الربوية تحريمًا قاطعًا.
إذا أدركنا هذه الامتيازات التي يمتاز بها يهود بني النضير من ثراء فاحش وجاه واسع عريض وسيادة روحية مطلقة بين جميع فئات اليهود الدخلاء في الجزيرة اتضح لنا أي خطر داهم يهدد الإسلام والمسلمين بنزول يهود بني النضير منطقة خيبر عند نفيهم من المدينة.
خفض الأرض ورفعها:
ولا يفوتنا أن نذكر القارئ بأن النبي ﷺ لما نفى يهود بني النضير هؤلاء من المدينة تسامح معهم إلى حد جعلهم يسمح لهم بأن يحملوا من أموالهم إلى منفاهم الجديد (خيبر) كل ما يقدرون على حمله.
ولهذا فقد أوقروا من هذه الأموال (عند نفيهم) حوالي ستمائة بعير، وصلوا بها جميعًا إلى منطقة خيبر.
ولما كان الذهب والفضة هو أحرص ما يحرص اليهود على اقتنائه كما هو معروف عنهم عبر عصور التاريخ، فقد حملوا معهم إلى خيبر كل ما يملكون من الذهب والفضة وكان شيئًا عظيمًا حتى أن سلَّام بن أبي الحقيق (وهو من متوسطى أغنياء يهود بني النضير) حمل معه عند الجلاء من المدينة جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة.
وكان (وهو خارج إلى منفاه خيبر) يضرب على هذا الجلد - مشيرًا إلى ما يحتوي عليه من ذهب وفضة قائلًا: (هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلًا، ففي خيبر النخل).
وفي قول الزعيم اليهودى النضرى هذا تهديد صريح بأن يهود بني النضير لن يبخلوا باستخدام أموالهم الطائلة للقضاء على سلطان الإسلام ونفوذه، وأنهم لن يترددوا في تسخير هذه الأموال لزلزلة الأرض تحت أقدام المسلمين عند أول فرصة تسنح لهم وذلك في سبيل استعادة سلطانهم المفقود في يثرب.
стр. 1474
خيبر قاعدة للعدوان:
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر الحصينة والغنية بالموارد الزراعية الكبيرة تعاظمت قوة اليهود الدخلاء في هذه المنطقة.
حيث تلاحم سلطان المال الجبَّار الذي يملكه يهود بني النضير المنفيين مع القوة الحربية الكبيرة التي يمتاز بها يهود خيبر ويتفوقون بها على جميع الفئات اليهودية الدخيلة في جزيرة العرب حيث كانوا (بدون جدال) أشجع وأقوى الجاليات اليهودية هناك.
وبنزول يهود بني النضير منطقة خيبر أخذ الخطر الداهم يُطِل برأسه ويهدد المسلمين في يثرب من جديد لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود جالية يهودية كبيرة في يثرب لم يتعرض لها المسلمون بأية مضايقة، لأنها (حتى حملة الأحزاب المخيفة) ظلت على عهدها مع المسلمين، وهي جالية يهود (بني قريظة) التي أغوى زعماءها شيطان بني النضير حيى بن أخطب فغدرت بالمسلمين في أدق ساعات المصير في حياة كيانهم كما جاء ذلك مفصلًا في كتابينا (غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة).
قيادية بني النضير:
لقد كان يهود بني النضير سياسيين أكثر منهم حربيين، وكانت الأطماع في السيادة والسلطان لديهم أكثر من أية فئة من فئات اليهود الدخيلة في بلاد العرب.
ولهذا فإنهم لم يكادوا يطأون بأقدامهم منطقة خيبر ويجدون أنفسهم بين أقوى قوة يهودية حربية في جزيرة العرب، حتى عادت أطماعهم الواسعة في السيادة والحكم تراود مخيَّلاتهم.
ولم يجد يهود بني النضير أية صعوبة في القبض على أزمة الأمور في منطقة خيبر حيث تمكنوا بكل سهولة من فرض سيادتهم وسيطرتهم على يهود هذه المنطقة التي بمجرد نزول بني النضير فيها تغير فيها مجرى كل شيء.
وأهم تغيير طرأ على خيبر هو أنها (بعد أن ألقى سكانها اليهود
стр. 1475
بقيادهم إلى بني النضير) تحولت من منطقة حيادية إلى قاعدة للعدوان على المسلمين ووكرًا وجد فيه يهود بني النضير (أشد الناس حقدًا على النبي وصحبه) مطلق الحرية للتآمر على الإسلام ورسم الخطط للإطاحة بالمسلمين.
لو اتعظ اليهود ؟
لقد كان بإمكان يهود بني النضير أن يستخلصوا المواعظ والعبر على ضوء ما حاق بهم وبيهود بني قينقاع من نفى وتأديب نتيجة دسهم وتآمرهم ضد المسلمين عندما كانوا بين ظهرانيهم وحلفاء لهم في يثرب.
كان بإمكان سادات بني النضير (على ضوء الفشل الذريع الذي منوا به كثمرة لمحاولات الدس والتآمر ضد النبي وأصحابه والتي بذلوها طوال أربع سنوات والتي كانت حصيلتها طردهم من المدينة زجرًا لهم وتأديبًا) .. كان بإمكانهم بعد أن رحلوا من يثرب آمنين على أموالهم وأرواحهم ونزلوا خيبر على تلك الصورة .. كان بإمكانهم أن يراجعوا أنفسهم ويقنعوها بأن أعمال التآمر والخيانة والغدر وإثارة الفتن والحروب بغيًا ضد المسلمين والتي مارسوها خلال أربع سنوات، لن تعود في النهاية على القائمين بها إلا بأوخم العواقب .. لأن النصر في النهاية إنما يكون للحق والهزيمة والاندحار والتعرض للعقاب العادل الصارم إنما تحل بالباطل مهما تراءى لأصحابه أنه قوى وعتيد.
كان بإمكان بني النضير الذين لم يكن نزوحهم إلى خيبر مطرودين مدحورين إلا حصيلة محاولاتهم السير في دروب الخيانة والتآمر، والدلوج في ظلام البغي والعدوان ونكث العهود والمواثيق .. كان بإمكانهم أن يدركوا كل ذلك فيتعظوا به .. فيخلدوا في منفاهم الجديد (خيبر) إلى الهدوء والسكينة بين بني قومهم الذين ظلوا على الحياد طيلة مراحل الصراع الدائر بين الإسلام وخصومه داخل يثرب وخارجها حتى نزل عليهم شياطين بني النضير هؤلاء فكانوا سببًا في توريطهم في حبائل العمل ضد المسلمين والتآمر على أمنهم وسلامتهم، مما كان سببًا في التعجيل بإزالة الوجود اليهودى الدخيل في خيبر على أيدى المسلمين.
стр. 1476
ولو التزم يهود بني النضير الهدوء والسكينة وأقلعوا عن ممارسة التآمر ضد المسلمين ونصحوا بنى دينهم في خيبر بذلك لكان خيرًا لهم.
ولكن الأحلام السوداء. . أحلام العودة إلى يثرب والسيطرة عليها من جديد التي زادت (باستيطانهم خيبر القوة والمنعة) مداعبتها لمخيّلاتهم. . لم تترك (لحيى بن أخطب وسلَّام بن مِشْكمَ وكنانة بن أبي الحقيق وأمثالهم من سادات بني النضير) الفرصة للتفكير في اختيار طريق السلامة، طريق السكينة والهدوء والإقلاع عن ممارسة الكيد للإسلام والتآمر على كيان المسلمين.
لذلك لم يكد يستقر بيهود بني النضير المقام في خيبر حتى عادوا (بصورة أوسع) إلى تدبر خطط التآمر على الإسلام والمسلمين.
فأخذوا يعدون العدة لجولة كبرى ضد المسلمين (يكون منطلقها خيبر) لعلهم بهذه الجولة يطيحون فيها بالإسلام ويهدمون سلطان المسلمين في عاصمتهم المدينة، فيعود لهؤلاء اليهود سلطانهم اللاشرعى عليها من جديد.
ولكن الله غالب على أمره فقد فشلت كل مخططات العدوان التي وضعها هؤلاء اليهود في خيبر، بل إن يهود بني النضير بمخططاتهم العدوانية هذه قد أحلوا قومهم (أهل خيبر) دار البوار بسبب إغرائهم وإقناعهم بجعل مدينتهم وكرًا للغدر بالمسلمين والعدوان عليهم.
لقد كان زعماء يهود خيبر يدركون ولا شك خطورة تحويل المنطقة التي يسكنونها إلى قاعدة جديدة للعدوان والتآمر على المسلمين كما يريد ذلك حيى بن أخطب وسلام بن مشكم وغيرهم من زعماء يهود بني النضير المنفيين من المدينة.
وليس ببعيد أن يكون القلق قد ساور زعماء اليهود في خيبر من أن تتعرض منطقتهم لغزو كاسح من قبل المسلمين قد يطيح بالكيان اليهودى فيها إلى الأبد كعمل تأديبى وإجراء وقائى يقوم به المسلمون إذا قبل يهود خيبر أن تصبح منطقتهم متنفسًا لأحقاد يهود بني النضير ومنطلقًا لعدوان يهدد سلامة المسلمين وأمنهم.
стр. 1477
وكل هذا لا يعني أن يهود خيبر لا يرغبون في تدمير المسلمين وهدم كيان الإسلام.
كلا. . فاليهود كلهم ملة واحدة وهم سواء من حيث البغض للإِسلام والرغبة في الإطاحة بالمسلمين في يثرب.
ولكن قد يكون مصدر شعور يهود خيبر بالقلق (إذا ما وجد هذا الشعور) إنما كان خوفهم من أن تفشل مخططات العدوان على المسلمين فيكون ذلك مجلبة لنكبة تكون فيها نهاية يهود خيبر الذين (حتى استيطان يهود بني النضير لبلادهم) لم يكن بينهم وبين المسلمين أي حرب أو نزاع مكشوف كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب.
ولم أر في كتب التاريخ أن يهود خيبر قد عارضوا زعماء بني النضير في أن تكون خيبر منطلقًا للتآمر وقاعدة للعدوان على المسلمين، ولكن الاحتمال قوى جدًّا في أن يكون زعماء يهود خيبر قد أبدوا شيئًا من العارضة خوفًا على مصيرهم كما فعل يهود بني قريظة عندما حاول شيطان بني النضير إغراءهم بالغدر بالمسلمين.
وعلى أي فقد نجح شيطان بني النضير حيي بن أخطب وباقي زملائه من زعماء بني النضير المنفيين من المدينة. . إذ استطاعوا أن يجعلوا من منطقة خيبر (بالتعاون مع أهلها) قاعدة حربية وسياسية يوجه منها اليهود أي عمل يقدرون على توجيهه ضد المسلمين للقضاء عليهم في يثرب.
لقد رضي يهود خيبر (الذين ظلوا على الحياد إزاء الصراع الناشب بين يهود يثرب والعرب قبل الإسلام وبعده) رضوا في النهاية بأن تدخل خيبر معترك هذا الصراع وأن ترمى بثقلها ضد المسلمين.
فقد وضع يهود خيبر كل إمكاناتهم الحربية والمالية في خدمة أغراض العدوان على النبي ﷺ والمسلمين في المدينة، بعد أن أعطى أولئك اليهود قيادهم لشيطان بني النضير (حيى بن أخطب) وباقي سادات بني النضير الذين فرضوا سيطرتهم السياسية وسلطانهم المالى على منطقة خيبر منذ أن نزلوها منفيين من يثرب.
فصاروا بدافع الحقد الأسود على النبي ﷺ والبغض العارم للإسلام
стр. 1478
يصلون الليل والنهار لرسم خطط التآمر على المسلمين وحبك الدسائس ضدهم، ووضع المشاريع الواسعة لإثارة العرب الوثنيين عليهم، وبمنتهى الحرية.
الأمر الذي ما كان يجرأ يهود بني النضير على ممارسته عندما كانوا يواطنون المسلمين في يثرب لاعتبارات كثيرة أهمها أن هؤلاء اليهود كانوا أقلية بين المسلمين في يثرب ومن السهل مراقبتهم والحد من نشاطهم التآمرى ضد الإسلام والسلمين.
غير أن وجودهم في منطقة يهودية ليس بها مسلم واحد (هي منطقة خيبر) كان من أكبر الأسباب في تضاعف أطماعهم في السيطرة وتكاثف أحلامهم بالعودة إلى يثرب حاكمين.
كما أن وجود بني النضير في خيبر قد هيأ لهم المناخ الكامل لتدبير المؤامرات وحبك الدسائس ورسم خطط الحرب ضد المسلمين بمنتهى الحرية.
فإذا كانت أعمالهم العدوانية التي يهدفون من ورائها إلى الإطاحة بالمسلمين في يثرب عرضة للاكتشاف بسبب كون المدينة قاعدة الإسلام الكبرى ومركز ثقل الوجود الإسلامي، وأن أي اكتشاف لأية أعمال عدوانية من جانب اليهود يعقبه قمع من جانب المسلمين. . الأمر الذي يضطر هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين إلى أن يحيطوا مؤامراتهم العدوانية وخططهم التخريبية ضد المسلمين في يثرب بسياج من السرية التامة وخاصة إذا كانت هذه المؤامرات والخطط يتطلب تنفيذها سفك الدم وإزهاق الأرواح. . فإنهم في خيبر لم يعودوا بحاجة إلى هذه السرية والتكتم عندما يعتزمون العمل ضد المسلمين على أي مستوى من المستويات العدوانية والتآمرية.
لأنه حتى السنة السابعة من الهجرة لم يكن أي وجود لسلطان المسلمين في خيبر، كما أنه حتى تلك السنة لا يوجد أي مسلم في تلك المنطقة التي كان نزول المنفيين فيها من يهود بني النضير في أواسط السنة الرابعة من الهجرة.
стр. 1479
هل فكر اليهود في غزو المدينة ؟ :
لقد دلت الأحداث وأثبتت الوقائع أن سادات يهود بني النضير (بعد أن دانت لهم خيبر) قرروا (وبمنتهى الإصرار والعناد) أن يستخدموا كل طاقات اليهود من مالية وفكرية وبشرية لهدم كيان المسلمين وإطفاء نور الإسلام في المدينة.
لقد كان كل شيء مادى في خيبر يوحى على نحو، لا يقبل الجدل، بأنه بإمكان اليهود أن يجهزوا (وبكل سهولة) جيشًا ضخمًا لغزو المسلمين في عقر دارهم وحاضرة دولتهم (المدينة).
فيهود خيبر وحدهم (وحسب تقديرات المؤرخين) قادرون على حشد تسعة آلاف مقاتل، فإذا أضفنا إليهم ألفًا من يهود بني النضير المنفيين القادرين على حمل السلاح ومباشرة القتال، اتضح لنا، أن خيبر في ذلك الوقت (وهو السنة الرابعة من الهجرة) قادرة على تجريد قوة ضاربة تبلغ عشرة آلاف مقاتل (١) لمحاربة المسلمين وغزوهم في المدينة التي لا يوجد فيها في تلك السنة أكثر من ألف مقاتل من المسلمين المخلصين.
غير أنه مع هذا لم نَر أحدًا من المؤرخين ذكر (فيما نعلم) أن هناك عزمًا قد تبلور لدى هؤلاء اليهود لأن تقوم قواتهم من خيبر بغزو المسلمين في المدينة.
وليس بالإمكان أن نجد (على وجه التحديد) تفسيرًا لإحجام اليهود في خيبر عن الإقدام على غزو المسلمين، مع توفر الإمكانات المالية والبشرية الضخمة لديهم والتي تمكنهم من أن يقوموا (في سهولة) بمثل هذا الغزو، لأنه حتى الآن لم يصل إلى يدينا شيء من مصادر التاريخ القديمة تفسر لنا سر هذا الإحجام مع رغبة هؤلاء اليهود الملحة في القضاء على المسلمين.
لماذا أحجم اليهود عن غزو المدينة ؟
إلا أنه يمكن التكهن بأن هناك سببين رئيسيين حالا دون تحرّك اليهود من خيبر لغزو المسلمين في المدينة.
стр. 1480
السبب الأول: الطبيعة المتأصلة (آنذاك): طبيعة الجبن التي تجعل هؤلاء اليهود لا يقاتلون إلا من وراء الحصون وداخل القرى المحصنة، وهي طبيعة أشار إليها القرآن الكريم بقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (١).
السبب الثاني: هو أن اليهود في خيبر -بالرغم من مرور عدة قرون على وجودهم في تلك المنطقة العربية- فإن علاقاتهم (بالرغم من قوتهم العسكرية وثرائهم الواسع) ليست على ما يرام مع السكان الأصليين من أعراب القبائل المحيطة بمنطقة خيبر، على الرغم من أن أحدًا من هذه القبائل لم يكن قد دان (حتى ذلك الوقت وهو السنة الرابعة من الهجرة) بدين الإسلام. وبالرغم من شراء اليهود ولاء هذه القبائل العربية الوثنية بين الحين والآخر بالرشاوى.
لذلك كان اليهود (على ما يظهر) يخشون أن تغير هذه القبائل العربية الوثنية على واحة خيبر فتنتهب خيراتها وتسبى نساءها وذراريها حينما تصبح خالية من المحاربين اليهود، عندما يزحفون بجيوشهم لغزو المسلمين في عقر دارهم (المدينة) التي تبعد عن خيبر أكثر من ثمانين ميلًا وهي مسافة بعيدة جدًّا بالنسبة لوسائط النقل في ذلك العصر.
خيبر. . وغزوة الأحزاب:
وأيًا كان سبب إحجام اليهود عن الزحف بأنفسهم على المدينة من خيبر (مع توفر كل الإمكانات لديهم للقيام بهذا الغزو) فإن فكرة الإطاحة بالمسلمين والقضاء عليهم وإطفاء شعلة دعوة الإسلام ظلت قائمة في أذهان هؤلاء اليهود تلح في نفوسهم إلحاحًا شديدًا.
وكان أشد هؤلاء اليهود إلحاحًا في السعي لإبادة المسلمين وحرصًا على نقل المعركة إلى ديارهم في المدينة بأي شكل من الأشكال. . رأس الكفر وأخطر عدو للإسلام عميد الأسرة النضرية حييَّ بن أخطب الذي أعلن -منذ اللحظة الأولى التي قابل فيها النبي ﷺ عند مقدمه من مكة
стр. 1481
مهاجرًا- بأنه سيحمل له العداوة ما بقى حيًّا (١).
فبعد استبعاد فكرة قيام اليهود أنفسهم بغزو المدينة من حساب مشاريعهم العدوانية اجتمع زعماء هؤلاء اليهود في خيبر لانتهاج أنجع السبل التي يرون أنها كفيلة بنقل المعركة بصورة جدية إلى عقر دار المسلمين للقضاء عليهم قضاء تامًّا لتتحقق أحلام يهود بني النضير السوداء في العودة إلى السيطرة على يثرب المسلمة.
مشروع الغزو الخطير:
وقد كانت نتيجة اجتماعات هؤلاء الزعماء في خيبر هو الاتفاق على مشروع قرار تقدم به (على ما يظهر) شيطان بني النضير حيّى بن أخطب.
وخلاصة هذا المشروع العدواني، هو أن يقوم وفد من زعماء خيبر بالسعى لدى جميع القبائل العربية التي لا زالت على وثنيتها وعدائها للإسلام والمسلمين لتحريضها على حرب المسلمين وإغرائها عن طريق الرشاوى والوعود لتوافق على أن تقوم منها قوات ضاربة مؤتلفة بغزو المسلمين في يثرب غزوًا شاملًا واحتلال المدينة احتلالًا كاملًا بعد إزالة الوجود الإسلامي إزالة تامة.
واتفق زعماء اليهود في خيبر على أن يكون في مقدِّمة المغريات التي يجب أن يغروا بها القبائل العربية الوثنية عند الطواف عليهم التعهد لهم بمنحهم كل ما تنتجه واحة خيبر من مختلف الحبوب والثمار لسنة واحدة بعد نجاح مشروع الغزو، على أن يساهم يهود خيبر (بسخاء كبير) في تحمل جانب كبير من تموينات هذا الغزو الكبير الذي قرر يهود خيبر (بإصرار) على إنجاحه وتحقيق أهدافه ليعودوا على أكتاف غيرهم إلى يثرب فاتحين من جديد.
وهذا يعني أن يهود خيبر قد قرروا استخدام كل إمكاناتهم المادية لإبادة المسلمين في المدينة عن طريق حرب شاملة تقوم بها قوات ضاربة لا من اليهود، ولكن من العناصر الوثنية من قريش والأعراب الذين يسهل
стр. 1482
تحشيدهم عن طريق الرشاوى والإغراء بالسلب والنهي الذي هو عماد الاقتصاد والمصدر الرئيسى للدخل القومى في مجتمع هؤلاء الأعراب الذين أكد شيطان بني النضير (حيى بن أخطب) لزملائه اليهود (وهم يبحثون مشروع نقل المعركة إلى عقر دار المسلمين) أنهم (أيّ الأعراب) سيكونون العمود الفقري لهذا الغزو الذي وضعت خطوطه العريضة في مدينة خيبر، والذي ما كان يهود خيبر يشكون في أنه سيحقق أهدافه بإزالة الوجود الإسلامي من على وجه الأرض.
خيبر تحزب الأحزاب ضد النبي ﷺ -:
وتنفيذًا لذلك القرار الخطير الذي اتفق عليه المؤتمرون من اليهود في خيبر، شكلت خيبر وفدًا من كبار زعمائها.
تحددت مهمته في الاتصال (أولًا) بمكة مقر القبائل القرشية العدو الرئيسي (يومذاك) للإِسلام والمسلمين، ثم القبائل النجدية ذات العدد والعدة وشدة البأس في القتال من غَطفَان وأسلم وفَزارة وأشجعَ وحلفائهم الذين يشكلون (بعد قريش) الخصم العنيد للإسلام. . وإقناع الجميع بضرورة إقامة اتحاد حربي وحلف عسكرى ضد المسلمين، فتشترك كل هذه القبائل الوثنية على أساسه (وبمساندة، يهود خيبر المادية) في حرب شاملة تستهدف استئصال شأفة المسلمين وإبادتهم.
أعضاء وفد التحزيب:
وقد تكون وفد التحزيب والفتنة والتخريب من الآتية أسماؤهم:
١ - حُيَيَّ بن أخطب من بني النضير.
٢ - سلام بن مِشكم. . من بني النضير.
٣ - كنانة بن أبي الحقيق. . من بني النضير.
٤ - أبو عامر (الملقب بالفاسق). . عربي من الأوس.
٥ - هوذة بن قيس الوائلى. . عربي متهود.
стр. 1483
ويلاحظ هنا أن الأعضاء اليهود في هذا الوفد كلهم من يهود بني النضير (إذا استثنينا) هوذة بن قيس الوائلى وهو (على ما يظهر) وكما يدل اسمه عربي دان باليهودية. . وهذا مما يؤكد الرأي الذي ذهبنا إليه فيما مضى وهو أن يهود بني النضير قد بسطوا سيطرتہهم الكاملة علي يہهود خيبر، وصاروا (منذ وصولهم إليهہامن منفاهم) سادتها الفعليين يديرون أهلها كما يريدون.
أما أبو عامر الراهب (كما يسميه أتباعه) و (الفاسق) كما يسميه المسلمون، فهو العربي الوثنى الوحيد في هذا الوفد. . وكان أبو عامر هذا قد لجأ إلى اليهود في خيبر بعد فشل الحملة التي قامت بها قريش والتي كانت نتيجتها معركة أحد التاريخية التي قاتل فيها أبو عامر هذا إلى جانب قريش ضد المسلمين بالرغم من أنه من الأوس ومن سكان المدينة العرب.
نجاح وفد العدوان في مهمته:
وقد خرج وفد اليهود من خيبر لأداء مهمته الموكولة إليه بعد مرور حوالي أربعة أشهر فقط على نفى عهود بني النضير من المدينة إلى خيبر.
وقد اتجه وفد خيبر أول ما اتجه إلى مكة ثم إلى نجد بالرغم من أن قريشًا تأتى من ناحية القوة العسكرية في المرتبة الثانية بعد القبائل النجدية إلا أن قريشًا كانت لها الصدارة في ميدان العداوة للنبي ﷺ والحقد على الإسلام. وسبق لها أن خاضت ضد الإسلام أعنف المعارك في بدر وأحد.
لهذا (وبالرغم من أن منازل القبائل النجدية الوثنية الداخلة ضمن نطاق مشروع التحريض على المسلمين) أقرب بكثير إلى منطقة خيبر، مقر اليهود الرئيسى ووكر التآمر ومصدر الإعداد والتخطيط لغزو المسلمين، فقد فضل وفد خيبر أن يتصل (أولًا) بزعماء قريش في مكة لإطلاعهم على مشروع اليهود العدوانى الذي أعدوه لغزو المسلمين في المدينة.
وقد استقبل مشركو مكة وفد يهود خيبر أحسن استقبال واحتفلوا بهم غاية الاحتفال، وخاصة بعد أن عرف سادات مكة أن الدافع لمجئ وفد يهود خيبر إلى مكة هو السعي للإطاحة بالمسلمين وإطفاء شعلة الدعوة الإسلامية إلى الأبد.
стр. 1484
وقد شرح زعماء وفد خيبر لقادة قريش وجهة نظر يهود خيبر وأطلعوا القرشين علي كامل تفاصيل المخطط العدواني الذي رسموه في خيبر لغزو المدينة وسحق المسلمين فيها.
وقد لقي هذا المشروع اليہهودي من قريش كل استحسان وقبول، فأعلنوا موافقتهم المطلقة عليه وتأييده، وأبدوا للوفد اليهودى استعدادهم لتنفيذه في الوقت الذي يتفق عليه الجميع.
ذلك أن سادات قريش رأوا في مشروع الغزو اليهودى فرصة ذهبية ما كانوا يحلمون بها وهي استعداد غيرهم لمشاركتہم في حرب شاملة تستهدف تحقيق ما عجزت قريش عن تحقيقه طيلة أربع سنوات وهو القضاء على المسلمين وقطع تيار دعوة الإسلام نهائيًا. . الأمر الذي فشلت قريش في تحقيقه فشلًا ذريعًا عندما ألقت بثقلها في المعركة من أجل تحقيقه، وقامت بمحاولاتها العسكرية الضخمة في حملة بدر وغزوة أحد.
حيث تحطمت سمعتها العسكرية في الأولى تحطيمًا فظيعًا على أيدى المسلمين، وعجزت في الثانية عن تحقيق أي شيء من أهدافها الرئيسية حيث عادت إلى مكة تجر أذيال الخيبة والخسران بالرغم من حشدها كل إمكاناتها المادية والبشرية والحربية في هذه المعركة.
لذلك فرحت قريش فرحَّبت بمشروع يهود خيبر ووافقت عليه دونما أي قيد أو شرط، وتم الاتفاق بين اليهود وقريش على أن يكون ميعاد ضرب الحصار على المدينة في شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة، بعد موافقة القبائل النجدية الوثنية من غطفان وسليم وأشجع وفزارة وأسد.
وفد اليهود التحزيبي في نجد:
وبعد أن حصل وفد يہهود خيبر علي موافقة قريش علي مشروع الغزو الذي جاءوا يحملونه من خيبر والذي يستهدف القضاء على الإسلام والمسلمينن، توجه رجال هذا الوفد اليہهودي صوب صحاري نجد للاجتماع بسادات وزعماء القبائل الوثنية فيها ليعرضوا عليهم مشروعهم العدواني
стр. 1485
ويشرحوا أهدافه ويطلبوا موافقتهم عليه كما وافق عليه زعماء قريش في مكة.
ولقد طاف رجال هذا الوفد بين مضارب القبائل الرئيسية المحاربة في نجد. باذلين كل إمكاناتهم المادية والإعلامية لإغراء هذه القبائل بالمسلمين وتحريضها على حرجهم، شارحين لهم (وبأسلوب الدعاية اليهودية الماكرة الخبيثة المعروفة) أن اشتراك هذه القبائل في غزو المسلمين سيعود عليها بأعظم المكاسب، لا سيما وأن هذا الغزو يستهدف وضع حد لخطر تزايد نفوذ سلطان المسلمين الذين هم العدو المشترك لكل الفئات الثلاث (اليهود. . وقريش. . والوثنين في نجد) والذين قد أوترتهم جميعًا الهزائم التي أنزلها بهم المعسكر الإسلامي في مختلف الصدامات الدامية التي نشبت بينهم.
الترحيب بالوفد اليهودى في نجد:
ولدى وصول وفد خيبر إلى نجد لقى من الترحيب وحسن الاستقبال ما لا يقل عما لقيه من زعماء قريش في مكة.
لأن الفريقين في مكة ونجد يلتقون (مع يهود خيبر) عند نقطة رئيسية واحدة وهي الكره الشديد للإسلام، والعداوة للنبي محمد ﷺ . . بالإضافة إلى غرام هؤلاء البدو الوثنيين من أعراب نجد بالسلب والنهب الذي هو (منذ أقدم العصور) قوام حياتهم الاقتصادية.
لذلك لم يتردد زعماء العشائر النجدية في الموافقة (من حيث المبدأ) على مشروع الغزو الذي جاء يحمله إليهم شيطان بني النضير حيي بن أخطب وباقي أعضاء وفده من خيبر.
إلا أنه إذا كانت الرغبة في نقل المعركة إلى المدينة بغزو المسلمين فيها قد اتحدت (من حيث الأصل) بين يهود خيبر والوثنيين في مكة ونجد، فإن الباعث لدى هؤلاء الفرقاء الثلاثة لم يكن واحدًا، إذ لكل منهم غايته المحددة وهدفه المخصوص الذي يختلف عن هدف الآخر.
فإذا عرفنا (كما هو الواقع) أن باعث رغبة قريش في غزو المسلمين
стр. 1486
وخضد شوكتہهم هو باعثًا سياسيًا وعقائديًا، حيث صار القلق (بشدة) يساور قريشًا من أن تتم السيطرة للإسلام على جزيرة العرب، فيكون ذلك سببًا في هدم مركز قريش الروحى والأدنى بين قبائل عرب الجزيرة الوثنيين الذين ينظرون إلى قريش نظرة التبجيل ويكنون لهم قسطًا وافرًا من الاحترام والاعتراف بالسيادة الروحية، باعتبار الأماكن التي يقدسها هؤلاء العرب على اختلاف مذاهبهم الوثنية تقع ضمن أراضى قريش وفي ظل سيادتها وتحت حمايتها.
وإذا عرفنا أن مبعث الرغبة الملحة لدى جهود خيبر (واضعى خطوط هذا المشروع العدوانى) في القضاء على المسلمين هو (في الدرجة الأولى) الانتقام والانفراد بالسلطان وفرض ديكتاتورية المال من جديد على يثرب. . فإن الباعث لدى أعراب نجد (في الدرجة الأولى) هو الحصول على المال لأنهم أقوام عاشوا عمرهم على السلب والنهب.
ولهذا وجد هؤلاء الأعراب في مشروع الغزو الذي عرضه عليهم وفد خيبر، فرصة قد تحقق لهم ما يمنّون النفس به (منذ أمد بعيد) من انتهاب خيرات واحات المدينة عن طريق السلب والنهب إذا ما واتاهم الحظ فنجحوا في التغلب على المسلمين واحتلال عاصمتهم المدينة بالاشتراك مع قريش واليہهود كما هو أساس المشروع اليہهودي للغزو.
مساومة أثناء المفاوضة:
ومع فرحة أعراب نجد بمشروع اليهود العدوانى ورغبتهم في المشاركة في غزو المدينة، فإنهم (وقد علموا حرص اليهود الشديد على تنفيذ هذا المشروع) أظهروا بعض التحفظ أثناء المفاوضة مع وفد خيبر ليجبروا هؤلاء اليهود على الدخول معهم في مساومة يحصلون في ظلها على شيء من المال من هؤلاء اليهود الذين يكتنزون منه الشيء الكثير.
وقد أدرك أعضاء وفد خيبر ما يهدف إليه أولئك الأعراب النجديون من وراء التحفظ المصطنع الذي أبدوه أثناء المفاوضة. . فدخلوا معهم في المساومة التي انتهت بأن يتعهد يهود خيبر بإعطاء القبائل النجدية الوثنية التي
стр. 1487
تشترك (وفق المخطط اليہهودي) في غزو المدينة. . كل ما تنتجه خيبر من ثمار النخيل وباقي مختلف الزروع لسنة واحدة.
وعلى أساس هذا الاتفاق قبلت أربع قبائل نجدية رئيسية الاشتراك في غزو المسلمين حسب التخطيط اليہهودي.
وهذه القبائل هي: (١) أشجع، (٢) أسْلم، (٣) أسد، (٤) فَزارة. وكل هؤلاء من غطفان.
وكأن الاتفاق بين الوفد اليهودي وبين هذہ القبائل النجدية خاتمة مساعي الوفد اليہهودي الناجحة.
إذ تم (كما يريد هذا الوفد) تكوين أكبر اتحاد عسكري وثني يهودي شهدته الجزيرة العربية ضد المسلمين.
وقد حدد اليهود والقبائل الوثنية النجدية بالاتفاق مع قريش ميعادًا لاحتشاد جيوش هذا الاتحاد الآثم حول المدينة للهجوم عليها وهو شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة.
وقد كانت نسبة قوات كل من الفرقاء في جيش هذا الاتحاد العسكري الخطير كما يلي:
١ - القبائل النجدية ٦٠٠٠ ستة آلاف مقاتل.
٢ - قريش وأحلافها ٤٠٠٠ آربعة آلاف مقاتل.
٣ - اليهود ١٠٠٠ ألف مقاتل من يهود المدينة (بني قريظة) تعهد سيد بني النضير (حُيَيّ بن أخطب) للقبائل النجدية وقريش أن ينضم هذا الألف من اليهود إلى قوات الاتحاد بمجرد عسكرتها في ضواحي المدينة.
وهكذا لم يعد وفد العدوان اليهودي الذي خرج بمخططه الإجرامي من خيبر، لم يعد هذا الوفد إلا وأعضاؤه يجّرون خلفهم عشرة آلاف مقاتل من مشركى العرب أخذت مواقعها حول المدينة في الميعاد المحدد وأحاطتها كما يحيط البحر الهادر بالجزيرة الصغيرة.
وكانت قوة المسلمين التي عليها أن تواجه هذه القوات الوثنية الضاربة لا يزيد عددها (في أصح التقديرات) على ألف مقاتل.
стр. 1488
آخر حلقة في سلسلة الإجرام اليهودي:
وكانت آخر حلقة في سلسلة مساعى يهود خيبر الإجرامية للقضاء على الإسلام وسحق المسلمين وإبادتهم، هي نجاح شيطان بني النضير حيي بن أخطب في إقناع يهود بني قريظة القاطنين في المدينة (وعددهم حوالي ألف مقاتل) بأن يغدروا خلفائهم المسلمين فينقضوا العهد الذي بينهم وينضموا إلى قوات الأحزاب الغازية فيضربوا قوات الجيش الإسلامي من الخلف ساعة الصفر.
وهھكذا أوقع نجاح هذا المخطط اليہهودي الإجرامي الذي نسجت خيوطه في خيبر. . أوقع المسلمين في أقسى محنة عرفها تاريخهم منذ بزغت شمس الإسلام.
حيث وجد هؤلاء المسلمون الذين - لا تزيد قوتهم على ألف مقاتل - أنفسهم بين براثن أخطبوط الأحزاب الرهيب الذي بلغت قواته العسكرية المتحدة (بعد خيانة يهود بني قريظة) أحد عشر ألف مقاتل كانوا (بالإضافة إلى هذا العدد الغامر) يتفوقون على المسلمين في كل شيء مادى.
ولقد أطبقت قوات الأحزاب هذه على المسلمين من كل جانب في حصار خانق مرعب رهيب ظل يضغط بعنف متزايد على عنق القلة المسلمة حتى درجة الاختناق.
ولعل أصدق وصف لتعاظم الخطر وتفاقم المحنة التي جلبها يهود خيبر بسعيهم الإجرامي للمسلمين في غزو الأحزاب المرغبة تلك، هو الوصف الذي جاء في سورة الأحزاب وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١).
فقد وصل المسلمون في تلك الغزوة المخيفة التي (بدافع من الحقد الأسود) أثار يهود خيبر عواصفها المزلزلة، وصلوا إلى قاب قوسين أو أدنى من الانہهيار والزوال.
стр. 1489
لشدة ما تقاطر على هؤلاء المسلمين من محن وتحالف ضدهم من بلايا وويلات أخذ بعضها برقاب بعض. . وظلت (طيلة ليالى العدوان الحالكة تلك (تضغط - بضراوة وقسوة - على رئة الكيان الإسلامي دونما أي تراخ حتى كادت تقطع أنفاسه إلى الأبد.
الأمر الذي كان يوحى على نحو ساحق (بالنسبة للواقع المادى المحسوس الماثل على السطح) بأن سقوط المدينة في أيدى قوات الأحزاب واليهود أمر لا مفر منه.
وأن مسألة هذا السقوط، هي مسألة وقت فقط. . قد يمتد لعدة أيام أو ينتهى في خلال ساعات، لأن ميزان مصير المسلمين في تلك الأيام الأخيرة الحالكة، وصلت شوكته حدود الصفر، وأخذت تهتز وكأنها مائلة نحو إعلان نهاية المسلمين.
وما كان يهود خيبر، الرأس المفكر والمدبر لهذا الغزو المرعب المخيف. . ما كان هؤلاء اليهود يشكون لحظة في هذه النهاية التي يشير كل شيء مادي محسوس بأنها محتومة. . وقد كادت تكون كذلك، لولا أن الله تعالى أنقذ المسلمين بمعجزة من عنده، حيث تغير الموقف (في اللحظات الأخيرة من ساعات المصير) لصالح المسلمين فجاة، وعلى خلاف ما كان يتوقع الفريقان المتحاربان كلاهما.
وما زال الموقف آخذًا في التحول عكسًا وبشكل سريع ضد مصلحة اليهود وقوات الأحزاب حتى انفرط عقد تحالفها بعد أن نشب الخلاف والشقاق بين مختلف أجنحتها، فاندحرت بعد أن فكت الحصار عن المدينة تجر خلفها أذيال الهزيمة والفشل تاركة عناصر الخيانة والغدر والتآمر من المسلمون مهم جزاء غدرهم وتآمرهم. والذي أنزلوه فعلًا بيهود بني قريظة حيث أعدم المسلمون من هؤلاء اليهود حوالي ثمانمائة مقاتل وصادروا كل ممتلكاتهم.
وقد فصلنا كل الأحداث التي سبقت وواكبت عمليات الأحزاب في هذا الغزو المخيف، فصلناها في كتابنا (غزوة الأحزاب) وهو الكتاب الثالث من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة. كما فصلنا الحملة التأديبية التي
стр. 1490
فيها أباد المسلمون كل المقاتلين من خونة بني قريظة فصلناها في كتابنا (غزوة بني قريظة) وهو الكتاب الرابع من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة.
فليرجع إلى هذين الكتابين من أراد الاطلاع على التفاصيل الدقيقة لما حدث في حملة الأحزاب المحيفة المرعبة وما حدث في العمليات العسكرية التي قام بہها المسلمون لقطع دابر اليہهود النا كثين الغادرين المتآمرين من بني قريظة في يثرب (١).
اليهود في خيبر بعد فتحها:
وعندما تمت السيطرة الكاملة للمسلمين على خيبر (كما هو مفصل في هذا الكتاب) كانت اتفاقية التسليم النهائية التي بموجبها استسلم يهود الشطر الثاني من المدينة، تنص على أن يجلو جميع اليهود منها إلى الشام، غير أن اليهود عرضوا على النبي ﷺ أن يبقوا في خيبر ليقوموا باستصلاحها وزراعة أراضيها لأنهم أخبر بها، فقبل النبي ﷺ عرضهم وسمح لهم بالبقاء فيها ليعملوا في زراعتها مقابل حصولهم على نصف المحصول من ثمارها، واشترط في الاتفاقية على أن من حق المسلمين أن يخرجوا اليهود من خيبر متى أرادوا (٢).
إجلاء اليهود في عهد الفاروق:
وقد استمر اليہهود في خيبر، بأيديهم أرضها يعملون فيها حسب الاتفاقية، طوال عهد النبي ﷺ وخلافة الصديق، إلى أن أجلاهم الخليفة الثاني.
والسبب في إجلائهم أولًا: أن اتفاقية المساقاة والمزارعة التي عقدها
стр. 1491
النبي ﷺ تنص على أن من حق المسلمين إجلاءهم متى أرادوا، وثانيًا أن اليهود بالرغم من تمتعهم بكامل الحرية بعد السماح لهم بالعمل في خيبر بعد هزيمتهم، ظلت روح التآمر والكيد للمسلمين تسيطر على نفوسهم الشريرة.
فقد ارتكبوا أعمالًا ضد المسلمين تدل على أنهم لن يكفوا عن العمل ضدهم حتى وإن لم يعد لهم سلطان أو نفوذ في خيبر.
وقد بدأوا بممارسة أعمالهم الشريرة ضد المسلمين والنبي ﷺ لا يزال على قيد الحياة، فمن ذلك أنهم قاموا باغتيال عبد الله بن سهل أحد أصحاب النبي ﷺ في منطقة النطاة، وبالرغم من أن المقتول وجد جثة في ديارهم، والقرائن تدل على أنهم قتلوه، فإن النبي ﷺ لم يعاقبهم، لأن التحقيقات التي أجراها مع إليهہود لم تثبت إدانتہهم من وجهھة نظر القانون الإسلامي، ولذلك أمر النبي ﷺ بدفع دية القتيل من بيت مال المسلمين (١) غير أن اغتيال عبد الله بن سهل ظل عالقًا بأذهان المسئولين في المدينة كقرينة من القرائن على إجرام اليهود.
استخدام اليهود لبعض النصارى في اغتيال المسلمين:
وفي عهد الخليفة الفاروق كثرت مؤامرات الاغتيال والتخريب من قبل اليهود في خيبر، ومن ذلك أن مظهر بن رافع الحارثي (٢) استقدم عشرة من نصاري الشام يعملون بأرضه فأقبل حتى نزل بہهم خيبر فأقام بهہاثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود وقال لهم: أنتم نصارى ونحن يهود، وهؤلاء قوم قد قهرونا بالسيف، وأنتم عشرة رجال أقبل رجل واحد منهم يسوقكم من أرض الخمر والخير إلى الجهد والبؤس، وتكونون في رق شديد، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه، قالوا: ليس معنا سلاح فدسّ اليہهود إِليہهم سكينين أو ثلاثة فخرجوا، وقد اعتزموا تنفيذ ما أوحى إليهم به اليهود.
стр. 1492
فلما وصلوا إلى ثبار (١) في طريقهم إلى المدينة - مع مظهر بن عبد الله الحارثى - قال مظهر لأحدهم: ناولنى كذا وكذا، فأقبلوا إليه جميعهم قد شهروا سكاكينهم فخرج مظهر يعدو إلى سيفه ولكنهم بعجوا بطنه قبل أن يخرج السيف من قرابه، وبعد أن قتلوه عادوا إلى خيبر، فآواهم اليهود وأخفوهم ثم زودوهم وأعطوهم قوة فلحقوا بالشام.
الخليفة يأمر بجلاء اليهود:
فلما جاء خبر مقتل مظهر إلى الخليفة الفاروق وقف خطيبًا في المدينة وقال: أيها الناس إن اليهود فعلوا بعبد الله ما فعلوا (٢) وفعلوا بمظهر بن رافع مع عدْوتهم على عبد الله بن سهل في عهد رسول الله ﷺ ، لا شك أنهم أصحابه (أي مظهر بن رافع) ليس لنا عدو غيرهم، فمن كان له بها (أي خيبر) مال فليخرج فأنا خارج فقاسمٌ ما كان بها من الأموال وحاد حدودها وموف ارفها (٣) ومجلى اليهود منها، فإن رسول الله ﷺ قال لهم: (أقركم ما أقركم الله) وقد أذن الله في جلائهم إلا أن يأتي رجل منهم بعه أو بينة من النبي ﷺ أنه أقرَّه فأقِره، فقام طلحة بن عبيد الله فقال: قد والله أصبت يا أمير المؤمنين ووفقت. فقال له عمر: من معك على مثل رأيك؟ قال: المهاجرون جميعًا والأنصار، فسرّ بذلك عمر.
وكان عمر (مع ذلك بلغه عن النبي ﷺ عن الثقات) أنه قال (وهو في مرض موته): لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، فأرسل إلى يهود خيبر و (فدك) يخبرهم بأنه قد قرَّر إجلاءهم إلا من كان عنده عهد من رسول الله ﷺ (٤).
стр. 1493
تعويض يهود فدك عند الجلاء:
وقد أجلى الخليفة الفاروق يهود خيبر جميعًا ويهود فدك، لأن فدك تعتبر من أرباض خيبر إذ لا تبعد عنها إلا عدة أميال.
وقد أجلى الخليفة هؤلاء اليهود بعد أن سمح لهم باصطحاب جميع ما يملكون من أموال منقولة، هذا بالنسبة ليهود خيبر، أما بالنسبة ليهود (فدك) فقد دفع لهم الخليفة عمر تعويضًا عادلًا عن نصف الأرض التي كانت بأيديهم (١)، لأنها كانت لهم بموجب اتفاقية التسليم بينهم وبين النبي ﷺ (٢).
أما يهود وادي القرى ويهود تيماء، فلم يخرجهم الخليفة من الجزيرة (٣) فيهود تيماء أهل ذمة صالحوا المسلمين على دفع الجزية ولم يحاربوا (٤)، وأما يہهود وادي القري فلربما أن عدم إجلائهم (كيہهود خيبر) راجع إلى عهد لديهم من رسول الله ﷺ يحق لهم بموجبه البقاء في الوادي، والله أعلم.
стр. 1494
الفصل الثاني
• التہهيؤ للغزو.
• النفير العام بين أصحاب الحديبية.
• النبي يرفض انخراط المخلفين عن الحديبية في الجيش.
• المسلمون والطابور الخامس في المدينة.
• خيبر تستعد لمواجهة المسلمين.
• اليہهود يستنجدون بغطفان ضد المسلمين.
• النبي يعرض على غطفان ثمار خيبر مقابل التزامهم الحياد فيرفضون.
• غطفان تخذل اليهود وتعود إلى بلادها فجأة.
• التفاوت الهائل في كل شيء بين القوتين المتحاربتين.
• اختلاف قادة اليهود حول خطة الدفاع عن خيبر.
• أحد زعماء اليهود يقترح عليهم الزحف على المدينة.
стр. 1495
وعد الله المسلمين بفتح خيبر
ذكرنا في كتابنا (صلح الحديبية) أن الله تعالى قد وعد المسلمين بأنهم سيفتحون خيبر وسيحصلون فيها على غنائم كبيرة، وذلك في قرآن أنزله تعالى على نبيه، وهو راجع من الحديبية بعد إبرام ذلك الصلح التاريخي مع مشركي مكة، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) أي فتح خيبر (٢)، كذا قاله أصحاب المغازي والسير.
ولقد كان هذا الوعد الإلهي بمثابة تطمين للمسلمين وتثبيتًا لعزائمهم، فلم يعد لأحد منهم (وعلى رأسهم نبيهم الكريم) شك في أن الله سيفتح عليهم خيبر ويجعلها بواحاتها الخضراء الواسعة وحدائقها النضرة غنيمة لهم جزاء ثباتهم ووقوفهم إلى جانب نبيهم العظيم في السَّراء والضَّراء، كما أن وعبد الله لهم بفتح خيبر بمثابة عزاء لهم عما لاقوه من كرب نفسي نتيجة قبول النبي ﷺ للشرط الذي صُدُّوا بموجبه عن المسجد الحرام عام الحديبية.
ابتهاج المسلمين بغزو خيبر:
وعندما أعلن النبي ﷺ استنفار أصحابه للزحف علي خيبر، عمَّت المسلمين موجة من الفرح والابتهاج، لأنهم كانوا حريصين كل الحرص على الجهاد الذي هو السبيل الوحيد لنيل أعلى الدرجات عند الله تعالى عن طريق الاستشهاد في سبيله.
عدم قبول تجنيد المخلفين:
جاء في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) أن النبي ﷺ لما اعتزم القيام بالعمرة إلى مكة في السنة السادسة من الهجرة طلب من كل المنتسبين إلى الإسلام في الحاضرة والبادية أن يصحبوه في هذه العمرة، وأمر مناديًا ينادى بذلك.
стр. 1496
غير أنه بالرغم من كثرة المنتسبين إلى الإسلام في تلك الفترة، فإنه لم يستجب لهذا النداء النبوى إلا عدد قليل من أصحابه الأوفياءُ وهم الصفوة المختارة الذين أعلن الله تعالى رضاءه عنهم وهم يبايعون النبي ﷺ تحت الشجرة في الحديبية بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١) الآية، وكان عدد الصفوة المختارة من هؤلاء الرجال ألف وأربعمائة.
أما المنافقون من أهل المدينة وضعاف الإيمان من الأعراب (وعدد الجميع غير قليل) وهم الذين سماهم الله بالمخلفين. . فقد تخاذلوا فلم يستجيبوا يومها لنداء الرسول ﷺ إذ قرروا عدم مصاحبته في هذه الرحلة التاريخية لأداء العمرة.
وذلك لما رسخ في أذهانهم المريضة من أن النبي ﷺ سيلاقي متاعب شديدة في هذه الرحلة وأنه ومن معه قد يتعرضون لحرب ضروس تشنها عليهم قريش التي كانت أيامها في حالة حرب مع المسلمين.
ولما كان رصيد هؤلاء المنافقين من الإيمان غير موجود فقد انعدم في نفوسهم باعث التضحية وركوب الأخطار في سبيل الله، عكس المؤمنين الصادقين الذين لبُّوا نداء نبيهم وقرروا الذهاب معه إلى مكة مهما كانت الأخطار التي يتوقعون (دونما شك) أنها ستحف بهذه الرحلة.
وذكرنا في الكتاب الخامس (صلح الحديبية) أن المحلفين من منافقى الأعراب وأهل المدينة (لينجوا بأنفسهم من المخاطر التي قد يتعرض لها النبي ﷺ ومن يصاحبه في هذه العمرة) تثاقلوا وتخلفوا عن ركب الإيمان، متعللين بشتى الأعذار الكاذبة. . ومن ذلك أن اشتغالهم بأهليهم وأموالهم لا يسمح لهم بأن يكونوا مع النبي ﷺ في هذه الرحلة، وهو عذر باطل فنَده القرآن وردَّه عليهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
إلى أن قال تعالى كاشفًا دخائل أنفسهم المريضة: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ
стр. 1497
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (١).
ومع هذا التخاذل والتلكُّؤ فقد تركهم النبي ﷺ وشأنهم فلم يتخذ ضدهم أيَّ إجراء بل وحتى لم يندد بهم حتى أنزل الله فيهم قرآنًا كشف واقعهم السئ المشين.
ومضى رسول الله ﷺ وأصحابه لشأنهم وخرجوا من المدينة لأداء العمرة، وقد لقوا كثيرًا من المتاعب إلا أن الله تعالى أيَّدهم بنصره وتوفيقه فعادوا سالمين بعد أن سجلوا أعظم نصر أدبي وسياسي وعقائدي كما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة - صلح الحديبية -.
وعقب عودة المسلمين من الحديبية عظمت هيبتہم وتعاظم سلطانہهم بعد أن ارتفع رصيدهم من القوة فور توقيعهم على صلح الحديبية التاريخي وبعد أن فرضوا هيبتهم على قريش (عدوهم الرئيسى) بإجبارها على الاعتراف بهم وعقد هدنة تضع الحرب أوزارها بموجبها عشر سنوات.
وعندما أعلن النبي ﷺ التعبئة بين أصحابه للزحف على خيبر، تقدم هؤلاء المخلفون إلى النبي ﷺ وأكدوا رغبتهم في الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر ومشاركة المسلمين في شرف الجهاد.
ولم يكن هدفهم في الواقع من إبداء هذه الرغبة نيل شرف الجهاد في سبيل الله كما هو شأن الصفوة المختارة من أصحاب محمد ﷺ الذين صاحبوه في عمرة الحديبية. . وإنما كان هدف هؤلاء المخلفين هو المشاركة في الحصول على الغنائم العظيمة التي وعد الله بها المؤمنين في خيبر، والتي أيقن هؤلاء المخلفون أن النبي ﷺ وأصحابه سيظفرون بها لا محالة.
غير أن النبي ﷺ وقد أخبره الله تعالى بحقيقة غايات هؤلاء المخلفين من إبداء الرغبة في الاشتراك في غزو خيبر، وأنها غايات وأهداف مادية دنيوية صرفة بعيدة كل البعد عن نية الجهاد وقصد الاستشهاد في سبيل الله، أبي ﷺ عليهم أن يشاركوه في هذا الغزو، لأن الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا
стр. 1498
كشف حقيقتهم وأمر نبيه بأن يمنعهم من الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر فقال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ (١).
وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهى أعلن النبي ﷺ أنه لن يشترك معه في غزو اليهود في خيبر إلا أصحاب الشجرة الذين حضروا الحديبية وعددهم ألف وأربعمائة.
أما الذين تخلفوا عن الحديبية (وهم الذين عناهم القرآن بالمنع) فقد قال لهم النبي ﷺ لما جاءوه يستأذنونه في الخروج معه إلى خيبر قال لهم: لا تخرجوا معى إلا راغبين في الجهاد، فأما الغنيمة فلا (٢).
وجاء في السيرة الحلبية أن النبي ﷺ أمر مناديًا ينادى بأن الذين تخلفوا عنه عام الحديبية ويرغبون في الخروج معه إلى خيبر فإنهم لن يعطوا شيئًا من غنائمها.
وكأنَّ النبي ﷺ أراد بهذا (على ما يظهر) امتحان هؤلاء المخلفين ومعرفة الصادق منهم من الكاذب.
ذلك أنهم بتخلفهم عن النبي ﷺ في تلك الرحلة التاريخية المحفوفة (فعلًا) بالأخطار. . الرحلة التي انتہهت بصلح الحديبية. . أثبتوا أنهم ليسوا على مستوى الإيمان واليقين الذي يحتم عليهم (وقد انتسبوا إلى أسرة الإسلام) أن يكونوا إلى جانب النبي ﷺ في السراء والضراء وفي المنشط والمكره.
إذ ظهر بما لا يدع مجالًا للشلك أن باعث تخلفهم عن الرسول ﷺ عام الحديبية إنما كان (فقط) خوفهم من أن يكون المسلمون عرضة لحرب ضروس تشنها عليهم قريش في هذه الرحلة، وبهذا أدانوا أنفسهم بأنهم
стр. 1499
ليسوا مع المسلمين إلا إذا تأكد لديهم أن في ذلك مغنمًا دون التعرض لأى مغرم، وهذه هي صفات النفعيين الانتهازيين الذين تأتى فئة الباطنيين من المنافقين هؤلاء في مقدمتهم.
ولذلك كان منع النبي ﷺ لهم من الانخراط في سلك الجيش الزاحف على خيبر إلا من كان راغبًا في الجهاد الصادق، ولن يكون هناك دليل على صدقه سوى موافقته على أن لاحظ له في الغنيمة إذا ما اشترك في قتال اليهود في خيبر. . كما أبلغ النبي ﷺ هؤلاء المخلفين صراحة - كان منعه ﷺ لهم بمثابة لوم لهم على تخلفهم عنه عام الحديبية، وفي الوقت نفسه كان اختبارًا لمن يمكن أن يكون الله تعالى قد أصلحه.
إلا أنه (فيما وصل إلى علمنا) لم يثبت أن أحدًا من هؤلاء المخلفين قَبلَ إسقاط حقه في الغنيمة وانخرط في الجيش النبوى مخلصًا الجهاد لله . . ولذلك فإنه لم يشهد معارك خيبر سوى أصحاب الشجرة ممن حضروا صلح الحديبية وعددهم ألف وأربعمائة.
النساء في الجيش:
إلا أن النبي ﷺ سمح لعشرين امرأة من نساء الصحابة بالخروج مع الجيش لمساعدة المحاربين في الإسعاف وإغاثة الجرحى بالماء والطعام أثناء القتال وما شابه ذلك، وكان من بين هؤلاء النسوة صفية عمة رسول الله ﷺ وأم سُليم وأم عطية الأنصارية وأم عمارة.
فقد روى عن إحداهن أنها قالت: قلت: يا رسول الله إن نسوة قد أردن الخروج معك نعين المسلمين ما استطعنا فقال: على بركة الله (١).
وهؤلاء النسوة (بالتأكيد) لسن كلهن ممن حضر الحديبية، إلا أنه لا يكن اعتبارهن في عداد المخلفين، لأن الأمر بمصاحبة الرسول ﷺ في تلك الرحلة لا يتناولهن وإنما يتناول الرجال فقط، ولهذا لا يمكن اعتبارهن من المخلفين. . لذلك لم يمانع الرسول ﷺ في أن يكن معه في غزوة خيبر وفي هذه الغزوة خرج معه من نسائه زوجته أم سلمة (٢).
стр. 1500
نموذج من الديمقراطية الصحيحة:
وقد بقيت بالمدينة بقية من اليهود لم تنلهم التصفية التي نالت بني قريظة الخونة الغادرين لأن هذه البقية من اليہهود لم يكن لها يد في الغدر الذي أقدمت عليه قريظة. . ولهذا لم يتعرض لهم النبي ﷺ لا بنفى ولا بقتل ولا بحبس، فظلوا في المدينة أحرارًا في ذمة وعهد المسلمين.
إلا أن هؤلاء اليهود بالرغم من المعاملة العادلة التي يعاملهم بها المسلمون ظل هواهم مع إخوانہهم يہهود خيبر، بل لم يتورعوا عن التحزب والتعصب لهم داخل المدينة علنًا.
فقد روى الواقدي في كتابه (المغازي ج ٢ ص ٦٣٤) أن البقية من يهود المدينة الذين ظلوا في عهد وذمة المسلمين (بعد تأديب بني قريظة) لما علموا بتجهز المسلمين لغزو خيبر شق عليهم ذلك لأنهم موقنون أن احتلال المسلمين لخيبر يعني إِنہهاء الوجود اليہهودي الدخيل في الجزيرة. . فلم يجدوا مانعًا من التعبير عن عطفهم على يهود خيبر وامتعاضهم من المسلمين. لاعتزامهم الزحف علي خير.
إحراج اليهود للمسلمين:
وكان اليهود أصحاب ثروات كبيرة، فكان المسلمون يقترضون منهم لقلة ما بأيديهم من الأموال فلا يكاد أحد من المسلمين يسلم من أن يكون عليه دين ليہهودي في المدينة. وقد استغل اليہهود ذلك لصالح يهود خيبر فحاولوا تعويق المسلمين عن الغزو بمطالبتهہم (فورًا) بتسديد ما عليہهم من ديون.
فقد روي الواقدي (ج ٢ ص ٦٣٤) أن أحد الصحابة الغازين مع النبي ﷺ قال: فلما تجهزنا نريد خيبر، لم يبق أحد من جهود المدينة له على أحد من المسلمين حق إلا لزمه، وكان لأبي الشحم (أحد اليهود) عند عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي خمسة دراهم في شعير أخذه لأهله، فلزمه فقال: أجلنى فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقك إن شاء الله، إن الله قد وعد نبيّه خيبر أن يغنمه إياها، وكان عبد الله بن أبي
стр. 1501
حدرد ممن شهد الحديبية، فقال: يا أبا الشحم، إنَّا نخرج إلى ريف الحجاز (يعني خيبر) في الطعام والأموال، فقال أبو الشحم (حسدًا وبغيًا):
تحسب أن قتال خيبر مثلما تلقونه من الأعراب، فيها (والتوراة) عشرة آلاف مقاتل، قال ابن أبي حدرد: أي عدو الله تخوفنا بعدونا وأنت في ذمتنا وجوارنا، والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله ألا تسمع إلى ما يقول هذا اليهودى، وأخبرته بما قال أبو الشحم، فسكت رسول الله ﷺ ولم يرجع إليه شيئًا، إلا أني رأيت رسول الله ﷺ حرك شفتيه بشيء لم أسمعه، قال اليهودى لرسول الله ﷺ : يا أبا القاسم هذا قد ظلمني وحبسني بحقي وأخذ طعامي، قال رسول الله ﷺ : أعطه حقه.
قال عبد الله: فخرجت فبعت أحد ثوبى بثلاثة دراهم وطلبت بقية حقه فقضيته، ولبست ثوبى الآخر وكانت عليّ عمامة فاستدفأت بها، وأعطانى سلمة بن أسلم ثوبًا آخر فخرجت في ثوبين مع المسلمين ونفلنى الله خيرًا وغنمت امرأة بينها وبين أبي الشحم اليهودى قرابة فبعتها منه بمال (١).
وقفة للتدبر والإمعان:
إن الإنسان المتجرد المنصف (أيًا كان مذهبه أو دينه). لا يسعه إلا أن يقف أمام هذه الحادثة، وقفة تدبر وتبصر واعتبار ليرى مزيدًا من إشراقات العدل والحرية والديمقراطية الصحيحة (التي جاء بها وحافظ عليها الإسلام محافظة دقيقة فنعم في ظلها بالحرية الكاملة (دونما أية مضايقة أو إزعاج) حتى الذين لا يدينون بالإسلام، الأمر الذي لم يبلغ شأوه أي قانون في العالم حتى هذه الساعة.
فھهذا يهہودي (أبو الشحم) تحت حكم الإسلام وفي ظل سلطان دولته يبلغ به التمتع بالحرية الكاملة التي أعطاه إياها الإسلام إلى أن يعبر (وهو في دار الإسلام وتحت سلطانه وفي ظروف هي - بالنسبة للمسلمين - ظروف حربية استثنائية وطوارئ) أصرح تعبير عن عطفه بل وتأييده إلى حد
стр. 1502
التعصب ليهود خيبر الذين هم عدو محارب للمسلمين الذين يقع أبو الشحم اليہهودي تحت سلطانہهم وفي قبضة أيديهم بحيث يستطيعون إنزال ما يريدون به من عقاب دون أن يجد من يحميه.
ولكن ما الذي حدث؟ لقد سخر هذا اليهودي من قوة المسلمين الذين هو في ذمتهم وتحت سلطانهم، وعظم من قوة يهود خيبر وتمني لهم النصر على المسلمين، وخوّفهم بعددهم وعديدهم حتى أغضب أحد جنود الإسلام، وعندما رفع هذا الجندي (أبو حدرد) أمره رسول الله ﷺ لم يتخذ ضد هذا اليهودي أي إجراء، بل أمر الجندي المشتكي بأن يدفع إلى اليهودى ما عليه له من دين قائلًا: أعطه حقه.
فهل يرى أدعياء الديمقراطية في هذا العصر (شرقيين كانوا أم غربيين) أنهم يستطيعون معاملة من يخالفهم في العقيدة والمذهب والاتجاه ممن هو تحت سلطانهم معاملة النبي محمد ﷺ لهذا اليهودى (أبي الشحم) وخاصة إذا ارتكب هذا المخالف شيئًا مما ارتكبه أبو الشحم؟
لا أظن أن أحدًا (وخاصة من أدعياء الديمقراطية في المعسكر الاشتراكي) يستطيع الاقتراب مجرد الاقتراب (في معاملته للخصوم) من المعاملة الشريفة التي عامل بها نظام الإسلام الحكيم مثل هذا اليهودى من الخصوم والمخالفين.
يهود المدينة والتجسس على المسلمين:
ولم يكتف يهود يثرب بالتعبير عن عطفهم على عهود خيبر والتعصب لهم، بل بلغت بهم الجرأة إلى أن يتجسسوا على المسلمين لحساب يهود خيبر، فقد بعثوا بأعرابى من أشجع استأجروه ليحمل إلى قادة يهود خيبر كل ما يحتاجون من معلومات عن الجيش الإسلامي ويطلبون منهم الصمود في وجه المسلمين، وقد وقع هذا الجاسوس في قبضة دورية للجيش الإسلامي كانت تقوم بالاستطلاع، كما سيأتي تفصيله في موضعه أن شاء الله.
стр. 1503
عدم التورية في غزوة خيبر:
لم يوري النبيُّ ﷺ في غزوة خيبر هذه (كما هي عادته في أكثر غزواته البعيدة) بل أعلن التعبئة العامة وأعلم الناس أنه يريد خيبر.
ولعل ذلك راجع (في الدرجة الأولى) إلى أن المسلمين باتوا آمنين على المدينة من أن تكون عرضة لأي هجوم من قبل الأعراب الوثنين المجاورين بعد تلك الحملات العسكرية التأديبية التي جردها عليهم النبي ﷺ فخضد بها شوكتهم. . وإلى أن قيام المسلمين بالزحف على خيبر لم يعد سرًّا يمكن إخفاؤه، لأن إليهہود في خيبر (منذ فشل العدوان الآثم الذي دبروه مع الأحزاب على المدينة في السنة الرابعة من الهجرة) وهم يتوقعون أن يقوم النبي ﷺ بنقل المعركة إلى عقر دارهم في خيبر.
فكانوا لذلك يستعدون للحرب بإقامة المسالح وتشييد الحصون والقلاع وشحنها بالمقاتلين تحسبًا للهجوم المنتظر عليهم. كما أن صلح الحديبية قد أمن به المسلمون جانب قريش.
ولا يستبعد أن يكون اليهود قد بثوا الأرصاد والعيون في المسالك والطرق المؤدية من المدينة إلى خيبر لمراقبة ما يتوقعون من تحركات يقوم بها الجيش النبوى. لقد حدث ذلك بالفعل كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
المنافقون طابور اليهود الخامس:
بل إن يهود خيبر ليسوا بحاجة إلى أن يبعثوا بالأرصاد والجواسيس لينقلوا إليهم حقيقة الموقف في المدينة وليبلغوهم كيف ومتى يعتزم النبي التحرك بجيشه لغزوهم.
فقد كان الباطنيون من المنافقين الذين يحملون الهوية الإسلامية في الظاهر والمقيمون بين أظهر المسلمين. . كان هؤلاء المنافقون بمثابة الرَّتْل الخامس العامل لحساب يهود خيبر بين صفوف المسلمين في المدينة.
فقد كان هؤلاء المنافقون (منذ بزغت شمس الإسلام ووصل شعاعه إلى يثرب) يشكلون مع اليهود في المدينة جبهة قوية مناوئة للإسلام والمسلمين.
стр. 1504
اليهود يمثلون المعارضة الصريحة والمعاداة السافرة. والمنافقون يقفون وراء هؤلاء اليهود كعناصر سرية مساندة. . تشجعهم على التحرش بالمسلمين وتشدُّ من عضدهم، بل وتمد إليهم يد العون المادى والأدبى جهرًا، إن أمكن، وسرًا إذا لم يمكن الجهر.
وقد خلق هذا الطابور الخامس (من المنافقين) للمسلمين متاعب كثيرة ومشاكل معقدة بالتواطؤ مع العناصر اليهودية عندما كان كيانها الدخيل لا يزال قائمًا في المدينة.
ولقد عرف التاريخ كيف كان هؤلاء المنافقون يقفون موقف العطف والتأييد لليهود في أي خلاف ينشب بينهم وبين المسلمين.
فقد عرفنا كيف كأن المنافقون يشجعون يہهود بني قينقاع علي العصيان والتمرد والتحرش بالمسلمين. وكيف حرضوا يہهود بني النضير علي عدم الرضوخ للإنذار النبوى بالجلاء.
وعندما اضطر النبي ﷺ إلى محاصرة هؤلاء اليهود لتأديبهم على ما ارتكبوا من نكث للعهود ونزل هؤلاء اليهود على حكم النبي ﷺ بعد حصار دام حوالي نصف شهر. . لم يُخْفِ الرتل الخامس من هؤلاء المنافقين جزعهم الشديد لهذا الحادث.
ولم يكتموا جزعهم وخوفهم على مصير يهود بني قينقاع الذين كان الموت ينتظرهم كخونة متمردين ناكثين أُرغموا على الاستسلام بالقوة.
وكان أشد هؤلاء المنافقين جزعًا وخوفًا على مصير حلفائه بني قينقاع، رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول، الذي حمله الخوف على مصير اليهود على أن يقدِّم إلى الرسول القائد ﷺ التمًاسا يطلب فيه منه أن يقن دماءهم، وكان هذا المنافق سيدًا من سادات الخزرج، وحليفًا لهؤلاء اليہهود.
وقد عفى النبي ﷺ عن هؤلاء اليهود وحقن دماءهم بناء على التماس عبد الله بن أبيّ الذي ألح على النبي ﷺ في الشفاعة إلى حد المضايقة والإحراج حيث أمسك هذا المنافق بدرع النبي ﷺ وقال له - عندما لم ير
стр. 1505
منه استجابة لالتماسه-: والله لا أرسلك حتى تحسن في حلفائى، فقال له النبي ﷺ : هم لك (١).
الرتل الخامس وبنو النضير:
ولعل أبرز أدوار التعاطف والتلاحم بين الرتل الخامس من المنافقين وبين أصدقائهم اليهود هو دور هؤلاء المنافقين في حوادث فتنة يهود بني النضير الذين يعتبرون من أصدقاء عبد الله بن أُبيّ وفئته الباطنيين من الطابور الخامس.
فعندما ضرب النبي ﷺ الحصار على هؤلاء اليهود في المدينة -عقب اكتشاف مؤامرة الاغتيال التي دبروها لقتل النبي- وكاد هؤلاء الهود يرضخون للإنذار الذي وجِّه إليهم من قبل النبي ﷺ بأن يجلوا من المدينة، بعث إليهم زعيم الطابور الخامس (المنافقين) عبد الله بن أُبيّ بن سلول يحثهم على الصمود في وجه المسلمين ورفض إنذارهم، كما وعدهم بأنه وجماعته الباطنيين وحلفاءهم من الأعراب الوثنيين سيكونون إلى جانبهم ضد المسلمين.
وعندما انهارت مقاومة يهود بني النضير وقبلوا شرط الجلاء الذي أملاه المسلمون، ونزل واستوطن هؤلاء اليهود خيبر إلى جانب إخوانهم، ظلوا على صلة وثيقة بأصدقائهم المنافقين في المدينة (٢).
وظل هؤلاء المنافقون يقومون بين صفوف المسلمين بأعمال الطابور الخامس لحساب يهود خيبر حيث صاروا يتجسسون على المسلمين، فينقلون من أخبار وأسرار المسلمين كل ما يهم يهود خيبر معرفته والإلمام به.
رأس النفاق يشعر اليهود بغزو المسلمين:
ولا أدلّ على ذلك من أن النبي ﷺ لما اعتزم الزحف على خيبر، سارع
стр. 1506
عبد الله بن أُبيّ وأشعر يهود خيبر بذلك، وطلب منهم أن يستعدوا ويأخذوا حذرهم، وصار يرفع من معنوياتهم بالتهوين من شأن قوة المسلمين والإشادة بقوات أولئك اليهود، وذلك في رسالة مستعجلة بعث بها أحد أعوانه إلى خيبر، ومما جاء في هذه الرسالة:
"إن محمدًا سائر إليكم فخذوا حذركم وأدخلوا أموالكم حصونكم واخرجوا لقتاله، ولا تخافوا منه، إن عددكم أكثر، وقوم محمد شرذمة قليلون عُزَّل لا سلاح معهم إلا القليل" (١).
استعداد اليهود للمواجهة:
لقد كان يهود خيبر منذ فشل خطة غزو الأحزاب التي هي من وحى اليهود وتدبيرهم في السنة الرابعة من الهجرة- يتوقعون أن يقوم المسلمون بتأديبهم عن طريق حرب وقائية شاملة، ولذلك كانوا يستعدون للمواجهة (بصفة عامة)، إلا أنهم ما كانوا يعلمون (على وجه التحديد) متى سيتحرك النبي ﷺ بجيشه لغزوهم.
إلا أنهم بعد أن تلقوا -عن طريق عملائهم المنافقين في المدينة- التفاصيل الدقيقة عن مدى قوة المسلمين، أخذوا في التهيؤ والاستعداد للمواجهة وعلى أوسع نطاق وبصورة أكثر جِدّية.
فحشدوا كافة قواهم العسكرية واتخذوا كافة الإجراءات التي يرونها ضرورية لمواجهة الغزو.
والمتتبع لأسلوب استعداد يهود خيبر للحرب، يتضح له أن خطتهبم الأساسية كانت خطة دفاعية محضة بالرغم من تفوقهم على المسلمين تفوقًا ساحقًا في كل شيء مادى.
فبالإضافة إلى إعطاء حصونهم وقلاعهم -المنيعة والحصينة أصلًا- مزيدًا من القوة والتحصين أخلوا كل الحصون والقلاع الأمامية من الذرارى والنساء ونقلوهم إلى حصون خلفية، قرروا بموجب خطة المواجهة التي وضعوها أن تكون هذه الحصون الخلفية خط الدفاع الثاني، إذا ما اجتاح
стр. 1507
المسلمون خط الدفاع الأول المتمثل في الحصون والقلاع الأمامية التي أخلوها من كل شيء، ولم يسمحوا لأحد أن يبقى فيها غير حملة السلاح الذين امتلأت بهم ساحات وأبراج هذه الحصون.
كما نقلوا (كجزء من خطة المواجهة) شيئًا عظيمًا من المواد الغذائية إلى خط الدفاع الثاني ليكون ذلك عونًا لهم على مواجهة الحصار الذي كانوا يتوقعونه.
اختلاف قادة اليهود في وضع الخطط:
وكان قادة اليهود عندما أحسوا بمسير رسول الله ﷺ إليهم بجيشه عقدوا مجلسًا عسكريًا تبادلوا فيه الرأي حول أفضل الخطط التي يجب اتباعها لمواجهة جيش الإسلام الغازى.
وأثناء بحث هذا الموضوع انقسم قادة اليهود إلى فئات ثلاث: فئة ترى أن يتحصن اليهود في الحصون والقلاع ويقاتلوا المسلمين من وراء الأسوار بحجة أن ذلك يُضْجِر المسلمين فيجبرهم في النهاية على الانسحاب دون أن يقدروا على اقتحام الحصون لمناعتها وكثرة المقاتلين فيها.
وفئة ترى أن على يهود خيبر أن يُعسْكروا خارج الحصون والقلاع ويواجهوا المسلمين في العَراء فيخوضوا معهم معركة فاصلة خاطفة بدلًا من التحصن داخل الحصون والقلاع.
وكان على رأس الفريق الثاني أحد قادتهم الكبار وهو الحارث الملقب (بأبي زينب) وهو أخو (مرحب الفارس المشهور) وكلاهما من قبيلة حِمْيَر (١).
فقد قال أبو زينب (٢) (شارحًا وجهة نظره ومحبذًا البروز للمسلمين): إني قد رأيت من سار إلى (محمد) من الحصون، لم يكن لهم بقاء بعد أن
стр. 1508
حاصرهم حتى نزلوا على حكمه، ومنهم من سبى ومنهم من قُتِل صبرًا. . ثم استرسل أبو زينب في شرح فوائد فكرة الاصطدام بالمسلمين خارج القلاع والحصون في معركة سريعة حاسمة، محاولًا إقناع زملائه من القادة بقبول فكرته الجريئة.
غر أن اقتراح أبي زينب هذا لم يلق أي تجاوب من القادة اليهود حيث رفضوه وأيَّدوا فكرة التحصن داخل القلاع ومواجهة المسلمين من وراء أسوارها قائلين: يا أبا زينب إن حصوننا هذه ليست مثل تلك، هذه حصون منيعة في ذرى الجبال، ثم خالفوه (١).
أما الفئة الثالثة فقد ذهبت في الجرأة إلى أبعد مما ذهب إليه الحارث أبو زينب، حيث اقترحت (لا ملاقاة المسلمين خارج حصون خيبر) بل اقترحت هذه الفئة القيام بغزو المسلمين في المدينة، وضربهم فيها قبل أن يتحرَّكوا بقواتهم نحو خيبر.
وكان على رأس هذه الفئة (سلّام بن مشكم النضرى) الذي كان القائد العام للقوات اليهودية في خيبر والذي يقال له في ذلك العصر: (صاحب حربهم) (٢).
فقد ذكر المؤرخون أن سلام بن مشكم قال في اجتماع لهم (محملًا حيي بن أخطب ما أصاب يهود يثرب وخاصة ما حلَّ ببنى قريظة): هذا كله عمل حُييّ بن أخطب شأمنا أولًا، وخالفنا في الرأي، فأخرجنا من أموالنا وشرفنا (٣) وقتل إخواننا (يعني بني قريظة الذين غرر بهم حيي بن أخطب
стр. 1509
فخانوا عهد المسلمين) وأشد من القتل سبأ الذرية، لا قامت يهود بالحجاز أبدًا، ليس لليهود عزم ولا رأى. فقالوا: فما الرأي يا أبا عمرو؟ (وهذه كنيته) قال: وما تصنعون برأى لا تأخذون منه حرفًا؟
فكرة غزو المدينة:
قال كنانة (وأظنه ابن أبي حُقَيق): ليس هذا بحين عتاب، قد صار الأمر إلى ما ترى. قال: محمد قد فرغ من يهود يثرب، وهو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، وصانع بكم ما صنع ببنى قريظة. قالوا: فما الرأي؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك، ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق (الأحزاب) ما صنعت بكم العرب (يعني غطفان) بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم، وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج ينصرفون عنه (١). مع أن نعيم بن مسعود هو الذي كادهم بمحمد (٢) ومعروفهم إليه، معروفهم! !
ثم كرر سلَّام بن مشكم دعوته إلى غزو النبي ﷺ في المدينة قبل أن يزحف إلى خيبر قائلًا: ثم نسير إليه (أي النبي ﷺ ) في عقر داره، فنقاتل على وتْرٍ حديث وقديم.
فقال أكثر قادة اليهود إلى رأى (سلَّام بن مِشْكم) قائلين: هذا الرأي.
ولكن ملك اليهود (كنانة بن أبي الحُقَيق) عارض فكرة غزو المدينة التي أبداها سلام بن مشكم قائلًا: إننى قد رأيت العرب (أخبرتهم) فرأيتهم أشدّاء عليه (أي النبي ﷺ ) وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك -يعني يثرب- ومحمد لا يسير إلينا أبدًا لما يعرف.
стр. 1510
فغضب سلَّام مِشكْم لمعارضة كنانة بن أبي الحُقَيق لاقتراحه وقال بحدة -مشيرًا إلى كنانة-: هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته، فكان ذلك، (حيث قتل كنانة وكل قادة اليهود في حرب خيبر) (١).
خيبر تستنجد بأعراب نجد:
على أثر المعلومات التي تلقاها يهود خيبر من عملائهم المنافقين واليهود في المدينة، والتي تفيد أن النبي ﷺ قد قرر الزحف على خيبر، سارع يهود خيبر إلى طلب النجدة من أصدقائهم القدامى وجيرانهم أعراب نجد.
فقد بعثت خيبر بوفد من زعمائها ليطوف على هذه القبائل الوثنية ويطلب منها النجدة والمساعدة لمواجهة الجيش النبوي الذي يعتبره القريقان عدوًا مشتركًا.
وكان هذا الوفد اليهودي مكوّنًا أربعة عشر رجلًا على رأسهما كنانة بن أبي الحقيق ملك خيبر الجديد، وهوذة بن قيس الوائلى أحد قادة اليهود البارزين.
وقد طاف هذا الوفد اليهودى على قبائل غطفان الوثنية طالبًا منها مَدَّه بقوات كبيرة ترابط إلى جانب يهود خيبر لمواجهة المسلمين.
مرابطة الأعراب مع اليهود في خيبر:
ولم تتردد هذه القبائل الوثنية في الاستجابة لطلب اليهود وخاصة: غطفان وبنى أسد، فقد بعثوا بعدة كتائب من رجالهم لنجدة اليهود بقيادة عيينة بن حصن الفزاري على رجال غطفان وطليحة بن خويلد الأسدي علي بني أسد. كما وعدوا بتجهيز أربعة آلاف مقاتل لمساندة اليهود. وقد رابط رجال هذه الكتائب مع اليهود في حصونهم بخيبر، ليشاركوهم في مسئولية الدفاع من هذه الحصون عندما يشن المسلمون عليها هجومهم (٢).