عبد الله بن أُبيّ وأشعر يهود خيبر بذلك، وطلب منهم أن يستعدوا ويأخذوا حذرهم، وصار يرفع من معنوياتهم بالتهوين من شأن قوة المسلمين والإشادة بقوات أولئك اليهود، وذلك في رسالة مستعجلة بعث بها أحد أعوانه إلى خيبر، ومما جاء في هذه الرسالة:
"إن محمدًا سائر إليكم فخذوا حذركم وأدخلوا أموالكم حصونكم واخرجوا لقتاله، ولا تخافوا منه، إن عددكم أكثر، وقوم محمد شرذمة قليلون عُزَّل لا سلاح معهم إلا القليل" (١).
استعداد اليهود للمواجهة:
لقد كان يهود خيبر منذ فشل خطة غزو الأحزاب التي هي من وحى اليهود وتدبيرهم في السنة الرابعة من الهجرة- يتوقعون أن يقوم المسلمون بتأديبهم عن طريق حرب وقائية شاملة، ولذلك كانوا يستعدون للمواجهة (بصفة عامة)، إلا أنهم ما كانوا يعلمون (على وجه التحديد) متى سيتحرك النبي ﷺ بجيشه لغزوهم.
إلا أنهم بعد أن تلقوا -عن طريق عملائهم المنافقين في المدينة- التفاصيل الدقيقة عن مدى قوة المسلمين، أخذوا في التهيؤ والاستعداد للمواجهة وعلى أوسع نطاق وبصورة أكثر جِدّية.
فحشدوا كافة قواهم العسكرية واتخذوا كافة الإجراءات التي يرونها ضرورية لمواجهة الغزو.
والمتتبع لأسلوب استعداد يهود خيبر للحرب، يتضح له أن خطتهبم الأساسية كانت خطة دفاعية محضة بالرغم من تفوقهم على المسلمين تفوقًا ساحقًا في كل شيء مادى.
فبالإضافة إلى إعطاء حصونهم وقلاعهم -المنيعة والحصينة أصلًا- مزيدًا من القوة والتحصين أخلوا كل الحصون والقلاع الأمامية من الذرارى والنساء ونقلوهم إلى حصون خلفية، قرروا بموجب خطة المواجهة التي وضعوها أن تكون هذه الحصون الخلفية خط الدفاع الثاني، إذا ما اجتاح
стр. 1507
المسلمون خط الدفاع الأول المتمثل في الحصون والقلاع الأمامية التي أخلوها من كل شيء، ولم يسمحوا لأحد أن يبقى فيها غير حملة السلاح الذين امتلأت بهم ساحات وأبراج هذه الحصون.
كما نقلوا (كجزء من خطة المواجهة) شيئًا عظيمًا من المواد الغذائية إلى خط الدفاع الثاني ليكون ذلك عونًا لهم على مواجهة الحصار الذي كانوا يتوقعونه.
اختلاف قادة اليهود في وضع الخطط:
وكان قادة اليهود عندما أحسوا بمسير رسول الله ﷺ إليهم بجيشه عقدوا مجلسًا عسكريًا تبادلوا فيه الرأي حول أفضل الخطط التي يجب اتباعها لمواجهة جيش الإسلام الغازى.
وأثناء بحث هذا الموضوع انقسم قادة اليهود إلى فئات ثلاث: فئة ترى أن يتحصن اليهود في الحصون والقلاع ويقاتلوا المسلمين من وراء الأسوار بحجة أن ذلك يُضْجِر المسلمين فيجبرهم في النهاية على الانسحاب دون أن يقدروا على اقتحام الحصون لمناعتها وكثرة المقاتلين فيها.
وفئة ترى أن على يهود خيبر أن يُعسْكروا خارج الحصون والقلاع ويواجهوا المسلمين في العَراء فيخوضوا معهم معركة فاصلة خاطفة بدلًا من التحصن داخل الحصون والقلاع.
وكان على رأس الفريق الثاني أحد قادتهم الكبار وهو الحارث الملقب (بأبي زينب) وهو أخو (مرحب الفارس المشهور) وكلاهما من قبيلة حِمْيَر (١).
فقد قال أبو زينب (٢) (شارحًا وجهة نظره ومحبذًا البروز للمسلمين): إني قد رأيت من سار إلى (محمد) من الحصون، لم يكن لهم بقاء بعد أن
стр. 1508
حاصرهم حتى نزلوا على حكمه، ومنهم من سبى ومنهم من قُتِل صبرًا. . ثم استرسل أبو زينب في شرح فوائد فكرة الاصطدام بالمسلمين خارج القلاع والحصون في معركة سريعة حاسمة، محاولًا إقناع زملائه من القادة بقبول فكرته الجريئة.
غر أن اقتراح أبي زينب هذا لم يلق أي تجاوب من القادة اليهود حيث رفضوه وأيَّدوا فكرة التحصن داخل القلاع ومواجهة المسلمين من وراء أسوارها قائلين: يا أبا زينب إن حصوننا هذه ليست مثل تلك، هذه حصون منيعة في ذرى الجبال، ثم خالفوه (١).
أما الفئة الثالثة فقد ذهبت في الجرأة إلى أبعد مما ذهب إليه الحارث أبو زينب، حيث اقترحت (لا ملاقاة المسلمين خارج حصون خيبر) بل اقترحت هذه الفئة القيام بغزو المسلمين في المدينة، وضربهم فيها قبل أن يتحرَّكوا بقواتهم نحو خيبر.
وكان على رأس هذه الفئة (سلّام بن مشكم النضرى) الذي كان القائد العام للقوات اليهودية في خيبر والذي يقال له في ذلك العصر: (صاحب حربهم) (٢).
فقد ذكر المؤرخون أن سلام بن مشكم قال في اجتماع لهم (محملًا حيي بن أخطب ما أصاب يهود يثرب وخاصة ما حلَّ ببنى قريظة): هذا كله عمل حُييّ بن أخطب شأمنا أولًا، وخالفنا في الرأي، فأخرجنا من أموالنا وشرفنا (٣) وقتل إخواننا (يعني بني قريظة الذين غرر بهم حيي بن أخطب
стр. 1509
فخانوا عهد المسلمين) وأشد من القتل سبأ الذرية، لا قامت يهود بالحجاز أبدًا، ليس لليهود عزم ولا رأى. فقالوا: فما الرأي يا أبا عمرو؟ (وهذه كنيته) قال: وما تصنعون برأى لا تأخذون منه حرفًا؟
فكرة غزو المدينة:
قال كنانة (وأظنه ابن أبي حُقَيق): ليس هذا بحين عتاب، قد صار الأمر إلى ما ترى. قال: محمد قد فرغ من يهود يثرب، وهو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، وصانع بكم ما صنع ببنى قريظة. قالوا: فما الرأي؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك، ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق (الأحزاب) ما صنعت بكم العرب (يعني غطفان) بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر نقضوا ذلك وخذلوكم، وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج ينصرفون عنه (١). مع أن نعيم بن مسعود هو الذي كادهم بمحمد (٢) ومعروفهم إليه، معروفهم! !
ثم كرر سلَّام بن مشكم دعوته إلى غزو النبي ﷺ في المدينة قبل أن يزحف إلى خيبر قائلًا: ثم نسير إليه (أي النبي ﷺ ) في عقر داره، فنقاتل على وتْرٍ حديث وقديم.
فقال أكثر قادة اليهود إلى رأى (سلَّام بن مِشْكم) قائلين: هذا الرأي.
ولكن ملك اليهود (كنانة بن أبي الحُقَيق) عارض فكرة غزو المدينة التي أبداها سلام بن مشكم قائلًا: إننى قد رأيت العرب (أخبرتهم) فرأيتهم أشدّاء عليه (أي النبي ﷺ ) وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك -يعني يثرب- ومحمد لا يسير إلينا أبدًا لما يعرف.
стр. 1510
فغضب سلَّام مِشكْم لمعارضة كنانة بن أبي الحُقَيق لاقتراحه وقال بحدة -مشيرًا إلى كنانة-: هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته، فكان ذلك، (حيث قتل كنانة وكل قادة اليهود في حرب خيبر) (١).
خيبر تستنجد بأعراب نجد:
على أثر المعلومات التي تلقاها يهود خيبر من عملائهم المنافقين واليهود في المدينة، والتي تفيد أن النبي ﷺ قد قرر الزحف على خيبر، سارع يهود خيبر إلى طلب النجدة من أصدقائهم القدامى وجيرانهم أعراب نجد.
فقد بعثت خيبر بوفد من زعمائها ليطوف على هذه القبائل الوثنية ويطلب منها النجدة والمساعدة لمواجهة الجيش النبوي الذي يعتبره القريقان عدوًا مشتركًا.
وكان هذا الوفد اليهودي مكوّنًا أربعة عشر رجلًا على رأسهما كنانة بن أبي الحقيق ملك خيبر الجديد، وهوذة بن قيس الوائلى أحد قادة اليهود البارزين.
وقد طاف هذا الوفد اليهودى على قبائل غطفان الوثنية طالبًا منها مَدَّه بقوات كبيرة ترابط إلى جانب يهود خيبر لمواجهة المسلمين.
مرابطة الأعراب مع اليهود في خيبر:
ولم تتردد هذه القبائل الوثنية في الاستجابة لطلب اليهود وخاصة: غطفان وبنى أسد، فقد بعثوا بعدة كتائب من رجالهم لنجدة اليهود بقيادة عيينة بن حصن الفزاري على رجال غطفان وطليحة بن خويلد الأسدي علي بني أسد. كما وعدوا بتجهيز أربعة آلاف مقاتل لمساندة اليهود. وقد رابط رجال هذه الكتائب مع اليهود في حصونهم بخيبر، ليشاركوهم في مسئولية الدفاع من هذه الحصون عندما يشن المسلمون عليها هجومهم (٢).
стр. 1511
ولم يعط أحد من المؤرخين تحديدا لعدد الرجال الذين رابطوا (من غطفان وبني أسد) إلي جانب اليهہود في حصونهہم أول الأمر، إلا أن الاحتمال قوى بأن عددهم لا يقل عن ألف مقاتل، وبهذا يكون عدد القوات التي تحصنت داخل قلاع خيبر لمواجهة المسلمين لا يقل عن أحد عشر ألفًا. . على ألف وأربعمائة مقاتل من المسلمين (فقط) أن يهاجموهم.
إنها مهمة شاقة وعسيرة على المسلمين أن يقوموا بها، وتغلب هذه القلة من المسلمين المكشوفين في العراء على تلك الكثرة الهائلة المتحصنة خلف أسوار تلك القلاع المنيعة هو نوع من المعجزات إن صح هذا التعبير.
رفض بني مرة أن ينجدوا اليهود:
وإذا كانت قبائل غطفان وبنى أسد قد استجابت لنداء عهود خيبر فأرسلت بتلك القوات من أبنائها لنجدتهم بقيادة سيدين من كبار ساداتهم (عيينة بن حصن وطليحة بن خويلد) فإن قبيلة بني مرة (التي كانت أحد الأجنحة الأربعة في القوات النجدية المحالفة لليهود التي شاركتهم في غزو المدينة عام الأحزاب) هذه القبيلة النجدية رفضت الاستجابة لنداء اليہهود فلم ترسل إليہهم ولا برجل واحد وذلك اتباعًا لنصيحة سيدها الحارث بن عوف المرّى الذي نصحها بأن لا تتورط في مساندة اليهود في خيبر كما تورطت في الاستجابة لوساوسهم حين شاركت في الحلف اليهودي الوثني الذي شُنَّ على المسلمين في حملة الأحزاب الخاسرة الشهيرة.
فقد أدرك هذا السيد المرِّي برجاحة عقله (على ضوء ما لديه من معلومات مصدرها أحبار اليهود أنفسهم) أن اليهود - عندما يهاجمهم المسلمون - سيخوضون معركة خاسرة، وإنه - لذلك - يرى أنه من العبث تقديم رقاب بني مرَّة للموت في معركة نهايتها معروفة، وهي انهزام اليهود وانتصار المسلمين، وذلك الذي جعله يمنع بني مرة من نجدة اليهود.
الحارث بن عوف ينصح عيينة بن حصن:
ولم يكتف سيد بني مرّة بإقناع قومه بعدم التورط في مساندة يهود
стр. 1512
خيبر ضد المسلمين، بل ذهب إلى سيد فزارة عيينة بن حصن ونصحه بأن لا يستجيب لنداء اليهود، وأبلغه صراحة أنه إن فعل، إنما يأتي عبثًا ويرتكب خطأ، فقد قال الحارث لعيينة ناصحًا:
"يا عيينة إنك توضعُ في غير شيء، والله -يا عيينة- ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب. . يهود يخبروننا بذلك. أشهد إني لسمعت أبا رافع سلّام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون وهو (أي محمد) نبي مرسل. . ويهود لا تطاوعنى على هذا. . ولنا منه ذِبحان. . واحد بيثرب (وقد كان) وواحد بخيبر. . فقلت له: (يا سلام) يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراة التي أُنزلت على موسى. . وما أحب أن يعلم يهود بقولى فيه" (١).
تحرك الجيش النبوى نحو خيبر:
وبينما كان اليهود يعدون العدة لمواجهة المسلمين ويتصلون بحلفائهم من قبائل نجد الوثنية لإنجادهم، كان المسلمون في المدينة يهيئون أنفسهم ويستكملون تجهيزات جيشهم للمعركة الفاصلة التي قرر النبي ﷺ خوضها مع اليهود لإنهاء وجودهم الدخيل في الجزيرة كلها.
وبعد أن أكمل النبي ﷺ حشد جيشه وإعداده في المدينة فصل به من المدينة في اتجاه خيبر، وكان ذلك في أوائل شهر محرم من السنة السابعة للهجرة.
نائب النبي على المدينة:
وقبل أن يفصل النبي ﷺ بجيشه من المدينة (وكما هي عادته في مثل هذه الظروف) أصدر ﷺ مرسومًا نبويًا عين بموجبه سباع بن عرفطة الغفاري أميرًا على المدينة يدير شؤونها نيابة عنه حتى عودته من خيبر (٢)
стр. 1513
مدى قوة المسلمين:
وكانت قوة المسلمين (كما تقدم) تبلغ ألفًا وأربعمائة مقاتل كلهم حضر الحديبية، وكان ضمن هذه القوة مائتا فارس.
وهذا أكبر عدد من الفرسان، يتوفر لدى المسلمين في جيش يغزون به في تاريخهم حتى ذلك اليوم.
أما وسائل النقل الأخرى كالجمال، فلم يذكر أحد من المؤرخين (فيما بلغني) كم كان عددها لدى الجيش الغازى.
سلاح الاستكشاف:
وقبل أن يتحرك النبي ﷺ بجيشه من المدينة كوّن وحدة للاستكشاف والاستطلاع كلها من الفرسان بقيادة أحد قادة الحرس النبوى (عبّاد بن بشر الأنصاري) وقد كانت مهمة هذه الموحدة أن تنطلق أمام الجيش النبوى لارتياد المسالك والطرق وكشفها أمام الجيش الزاحف للتأكد من خلوّها من كمائن الأعداء وجواسيسهم وللتعرف على أخبارهم.
أدلاء الجيش:
كما أن النبي ﷺ وأصحابه لما كانوا يجهلون المسالك والطرق المؤدية إلى خيبر ولا يعرفون شيئًا عن طبيعة البلاد التي سيمر بها الجيش، فقد استعانوا بأدلاء خبيرين بتلك الأرض ومسالكها ليدلوا الجيش حتى يصل إلى خيبر.
وكان من هؤلاء الأدلاء الذين اختارهم النبي القائد ﷺ حسيل بن خارجة وعبد الله بن نعيم، وكلاهما من قبيلة أشجع النجدية التي يرتاد رجالها دائمًا في الجاهلية منطقة خيبر.
طريق الجيش إلى خيبر:
تقع خيبر (كما قلنا) شمال شرقي المدينة، أما الطريق التي سلكها النبي ﷺ إلى خيبر، فقد ذكر المؤرخون (١) خرج بجيشه من المدينة فسلك ثنية
стр. 1514
الوداع (١) ثم أخذ على الزغابة (٢) ثم على نقمى (٣) ثم سلك المستناخ ثم على عصر (٤) حتى انتهى إلى الصهباء (٥) قال الواقدي: صلي ﷺ بالصهباء العصر ثم دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق والتمر فأكل ﷺ وأكلوا معه ثم قام إلى المغرب فصلى بالناس ولم يتوضأ ثم صلى العشاء بالناس.
وفي الصهباء (وهي أقرب منزل نزله النبي بجيشه من خيبر) قرر أن يكون هجومه على خيبر من ناحيتها الشمالية، ليحول بين اليهود وبين الفرار إلى الشام.
فقد استدعى الأدلاء فجاءه حسيل بن خارجة الأشجعي وعبد الله بن نعيم الأشجعي، فأخبرهما بخطته الرامية إلى مهاجة خيبر من الشمال قائلًا: امض أمامنا حتى نأخذ صدور الأودية حتى نأتى خيبر من بينها وبين الشام وبين حلفائهم من غطفان، فقال حسيل: أنا أسلك بك، فانتهى به الدليل (حسيل) إلى موضع له طرق متعددة كلها تؤدى إلى خيبر، فقال: يا رسول الله إن لها طرقًا يؤتى منها كلها، فطلب الرسول ﷺ من الدليل (حسيل) أن يسمى هذه الطرق فوصفها وسماها، فاختار الرسول ﷺ سلوك طريق منها اسمها (مرحب) فاجتازها حتى انتهت به إلى خيبر من ناحيتها الشمالية.
وقد سلك على حياض والسرير (٦) فاتبع صدور الأودية حتى هبط على
стр. 1515
الخرصة (١)، ثم نهض فسلك بين الشق (٢) والنطاة (٣).
إلقاء القبض على جاسوس:
وأثناء قيام عبَّاد بن بشر ودوريته بأعمال الاستكشاف أمام الجيش النبوى ألقوا القبض على رجل من (أشجع) بعد أن اشتبهوا فيه بأنه جاسوس لليهود.
وقد أنكر الأشجعي (أول الأمر) أن يكون جاسوسًا، إلا أن التحقيق الشديد الذي أجراه معه قائد الدورية حمله على الاعتراف بتجسسه لحساب اليهود.
فعندما سأله عبَّاد بن بشر: من أنت؟ قال: باغ أبتغى أبعْرة ضلّت لي، أنا على أثرها.
فقال له عباد: ألك علم بخيبر؟
قال: عهدى بها حديث، فيم تسألنى عنه؟
قال: عن اليهود.
قال: نعم، كان كنانة بن أبي الحقيق (٤) وهوذة بن قيس (٥) ساروا في حلفائهم من غطفان فاستنفروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فجاعوا معدّين مؤيدين بالكراع (٦) والسلاح، يقودهم عتبة بن بدر ودخلوا معهم في حصونهم، وفيها عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل الحصون التي لا ترام، وسلاح وطعام كثير لو حُصِروا لسنين لكفاهم، وماء واتِن (٧) يشربون من
стр. 1516
حصونهما، ما أرى لأحد بهم طاقة.
وهنا ترجح لدى قائد دورية الاستكشاف (عباد بن بشر) أن الأعرابي عَيْنٌ اليهود ومأجور لهم، فضربه بالسوط ضربات وقال: ما أنت إلا جاسوس لليهود، ثم شدد عليه قائلًا: اصدقنى وإلا ضربت عنقك.
قال الأشجعي: أتؤمننى على أن أصدقك؟
قال عباد: نعم.
قال الأعرابي: القوم (يعني يهود خيبر) مرعوبون خائفون وجِلون، لما قد صنعتم بمن كان يثرب من اليهود، وإن يهود يثرب بعثوا ابن عم لي وجدوه بالمدينة، قد قدم بسلعة يبيعها، فبعثوه إلى كِنانة بن أبي الحقيق يخبرونه بقلتكم وقلة خيلكم وسلاحكم، ويقولون له: فأصدقوهم الضرب، ينصرفوا عنكم، فإنه لم يلق قومًا يُحْسنون القتال! وقريش والعرب قد سرُّوا بمسيره إليكم لما يعلمون من موادِّكم وكثرة عددكم وسلاحكم وجودة حصونكم، وقد تتابعت قريش وغيرهم ممن يهوى محمد، تقول قريش: إن خيبر تظهر، ويقول آخرون: يظهر محمد، فإن ظفر محمد فهو ذل الدهر. . قال الأعرابي (لعباد بن بشر): وأنا أسمع كل هذا، فقال لي كِنانة بن أبي الحُقيَق: اذهب معترضًا للطريق فإنهم (أي المسلمين) لا يستنكرون مكانك، واحزرهم لنا (١) وادْنُ منهم كالسائل لهم ما تقوى به، ثم القِ إلهم كثرة عددنا ومادتنا، فإنهم لن يدعوا سؤالك، وعجّل الرجعة إلينا بخبرهم.
وبعد أن أكمل قائد الدورية (عباد) التحقيق مع الجاسوس أخذه إلى النبي القائد ﷺ فأطلعه على نتيجة التحقيق واعترافات هذا الجاسوس، فقال عمر بن الخطاب: دعنى أضرب عنقه.
فقال عباد بن بشر: لا. . جعلت له الأمان.
فقال رسول الله ﷺ لعباد بن بشر: امسكه معك يا عباد. . فأوثقه عباد رباطًا، فلما دخل رسول الله ﷺ خيبر أمر بإحضار الجاسوس فدعاه
стр. 1517
إلى الإسلام فأسلم فنجى من الموت (١).
نموذج من الانضباط العسكري الشديد:
وأثناء تحرك الجيش النبوى نحو خيبر، حدث حادث دلّ على تمسك النبي القائد ﷺ بالتزام الانضباط العسكري بين جنوده ومعاقبة المخالف لهذا الانضباط أيًا كان، فقد حدَّث أحد جنود الجيش النبوى قائلًا: فبينا رسول الله ﷺ في الطريق إن خيبر في ليلة مقمرة، إذ أبصر برجل يسير أمامه، عليه شيء يبرق في القمر كأنه في الشمس وعليه بيضة، فأنكر رسول الله ﷺ ذلك قائلًا: من هذا؟ فقيل: أبو عبس بن جبر، فقال ﷺ : أدركوه، قال أبو جبر: فأدركوني فحبسوني (أي باعتبار انفراده عن بقية الجيش مخالفة للانضباط العسكري في ظروف حربية) قال أبو جبر: وأخذني ما تقدم وما تأخر، وظننت أنه قد نزل فيّ أمر من السماء، فجعلت أتذكر ما فعلت، حتى لحقنى رسول الله ﷺ فقال (منكرًا): ما لك تقدم الناس لا تسير معهم؟ فقلت يا رسول الله: ناقتى نجيبة (والنجيبة خفيفة الحركة) فلم يعاقبه الرسول ﷺ بأكثر من الحبس الذي ناله على يد رجال الدورية من مقدمة الجيش.
النبي وخط الرجعة:
بالرغم من مرور عشرين عامًا على بزوغ شمس الإسلام، وبالرغم من مرور سبع سنوات على الوجود الإسلامي في منطقة يثرب وبالرغم من ازدياد نفوذ الإسلام وتكاثر أنصاره في هذه المنطقة فإن جميع القبائل العربية الواقعة شرقي وشمالى المدينة ظلت على عدائها الإسلام وخاصة القبائل النجدية القوية الحليفة لليهود والمجاورة لخيبر.
وعلى هذا فإن النبي ﷺ عندما فكَّر في الزحف على خيبر كان يعلم أنه سيمر بجيشه في أراض تقع تحت سلطان أعداء الإسلام. . وفي هذا دونما شك خطر لا يمكن أن يغيب عن بال النبي الأعظم والقائد الملهم.
стр. 1518
ولا شك أنه ﷺ كقائد عسكرى مسؤول- أدخل في حسابه وجود هذا الخطر، فاتخذ من الاحتياطات ما يدفع عنه وعن جيشه هذا الخطر الماثل في انتشار القبائل الوثنية عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وأمامه.
وأهم ما يمكن أن يخشاه قائد محارب يكون في الوضع الذي كان عليه النبي ﷺ وهو في طريقه إلى خيبر، هو أن يقطع عليه الأعداء خط الرجعة (عندما يكون يحارب في خيبر).
لأن القبائل التي ستكون أو بإمكانها أن تكون خلفه عندما يتوغل بجيشه نحو خيبر- هي (كما قلنا) قبائل وثنية معادية موتورة.
النبيّ يطلب من غطفان عدم مناصرة اليهود:
وليس لدينا أو لم يصل إلى علمنا مدى الإجراءات التي اتخذها النبي القائد ﷺ لتأمين خط الرجعة، ولتجنيب جيشه خطر التفاف الأعراب الوثنيين من خلفه عندما يكون قريبًا من خيبر وبعيدًا عن المدينة.
وكل ما حصلنا عليه من معلومات هو أن هناك خطة اتفق عليها اليهود والمرتزقة من غطفان تقضى بأن تقوم قبائل غطفان بمساندة اليهود ضد المسلمين عسكريًا حسب الخطة الآتية:
١ - أن تبعث قبائل غطفان بمجموعة من رجالها المسلحين إلى اليهود ليكونوا معهم في حصونهم، وقد فعلوا ذلك، فأرسلوا عدة كتائب بقيادة عيينة بن حصن وطليحة بن خويلد وحذيفة بن بدر الفزاري (١).
٢ - أن يقوم أربعة آلاف مقاتل من غطفان بحركة التفاف على المسلمين لضربهم من الخلف عندما يكونون قريبين من خيبر.
وقد تعهد زعماء خيبر لغطفان بأن يمنحوهم نصف ثمار خيبر مقابل هذه المساندة العسكرية ضد المسلمين.
ولقد نفذ الغطفانيون البند الأول من الاتفاقية قبل أن يتحرك المسلمون
стр. 1519
بجيشهم من المدينة إذ وصلت إلى خيبر عدة كتائب من جيوش غطفان وبنى أسد بقيادة طليحة بن خويلد الأسدي وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر الفزاريين فرابطت هذه القوات مع اليهود داخل قلاعهم وحصونهم (١).
وأما البند الثاني من الاتفاقية فقد شرع الوثنيون في تنفيذه، إذ لم يكد النبي ﷺ يصل بقواته إلى ضواحي خيبر حتى تحركت من خلفهم أربعة آلاف مقاتل من غطفان بقصد الالتفاف على المسلمين لقطع خط الرجعة عليهم وجعلهم بين نارين (٢).
ولا شك أن هذا قد أوقع المسلمين في موقف حرج، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قوة المسلمين الغازية لا تزيد على ألف وأربعمائة مقاتل يقابلها للأعداء أحد عشر ألف مقاتل هي في انتظارهم داخل الحصون والقلاع في خيبر وأربعة آلاف مقاتل بدأت في التحرك لتقطع خط رجعتهم من الخلف. . بل وتهاجمهم قبل أن يبدأوا (هم) الهجوم على اليهود.
فقد روى ابن إسحاق أن غطفان (وفق الخطة المتفق عليها بينه وبين اليهود) لما علموا أن النبي ﷺ قد تحرك نحو خيبر خرجوا ليظاهروا اليهود عليه وتحركت قواتهم لضرب الجيش النبوى من الخلف واستمرت في تحركها يومًا وليلة (٣).
وحين يتصور الخبير بشؤون الحرب وقوع ألف وأربعمائة محارب بين خمسة عشر ألف مقاتل يحيطون بهم من كل جانب، يدرك مدى الخطورة التي كانت عليها تلك القوة المسلمة القليلة العدد التي هي في حالة أشبه ما تكون بالتطويق.
النبي يفاوض غطفان لتخلى بينه وبين اليهود:
ونظرًا للموقف الخطير الذي صارت إليه القوات الإسلامية الغازية قبل بدئها الهجوم على خيبر، فقد قام النبي ﷺ كقائد عَسكرى مسؤول-
стр. 1520
بالاتصال بقادة قبائل غطفان ونصحهم بأن يلتزموا جانب الحياد في الصراع الذي سيدور بينه وبين خيبر، وأبلغهم (مؤكدًا لهم) بأن الله سيفتح عليه خيبر لا محالة، لأنه وعده بذلك، ووعده لن يخلفه. .
فقد بعث إلى غطفان وبنى أسد رسالة قال فيها: "أن خلوا بيني وبين القوم (يعني اليهود)، فإن الله قد وعدنى أن يفتحها لي" (أي خيبر).
ويقول المؤرخون أن النبي ﷺ ليجنب جيشه خطر مؤازرة قبائل غطفان وأسد لليهود ضده أبلغ رؤساء هذه القبائل بأنه على استعداد بأن تكون خيبر لهم إن هم أسلموا وخلّوا بينه وبين هؤلاء اليهود، وبعض المؤرخين ذكر أنه لم يشترط إسلامهم، بل طلب منهم التزام جانب الحياد فلا يعينوا اليهود عليهم، على أن يعطيهم مقابل ذلك نصف ثمار خيبر بعد فتحها (١).
ولا يستبعد أن يكون النبي القائد ﷺ في سبيل تجنيب جيشه شر مقاتلة هذه القبائل الوثنية الضاربة- قد نقدم إلى زعمائها بكلا العرضين الآخر بعد الأول.
إلا أن رؤساء هذه القبائل (على أي حال) قد ركبهم الغرور حين رأوا تلك القوات الضاربة منهم ومن حلفائهم اليهود. . خمسة عشر ألف مقاتل على وشك الإحاطة بألف وأربعمائة من المسلمين بعيدين عن حاضرتهم المدينة. . فظنوا أنهم الغالبون لا محالة وأنها ستكون حرب أحزاب ظافرة مظفرة ضد المسلمين لا كحرب الأحزاب الأولى التي اشتركت فيها قريش وقريظة حول أسوار المدينة في السنة الرابعة من الهجرة والتي كانت نتيجتها الفشل.
لذلك رفض رؤساء هذه القبائل كل العروض النبوية وأبوا أن يلتزموا جانب الحياد، فأبلغوا النبي ﷺ أنهم لن يتخلوا عن حلفائهم اليهود وأنهم سيقاتلونه إلى جانبهم (٢).
стр. 1521
وذكر الإمام الواقدي في كتابه المغازي (ج ٢ ص ٦٥٠ تحقيق الدكتور مارسدن جونس، نشر جامعة أكسفورد): أن النبي ﷺ لما علم بمظاهرة غطفان اليهود عليه ومدَّهم بكتائب مسلحة ضد المسلمين، بعث ﷺ بسيد الخزرج سعد بن عبادة إلى قائد غطفان عيينة بن حصن (وكان في حصن مرحب وقتئذ ينسق مع اليهود على ما يظهر).
ولما علم عيينة أن سعدًا مبعوث إليه من النبي ﷺ أراد أن يدخله الحصن، فاعترض على ذلك القائد اليهودى مرحب قائلا: لا تدخله فيرى خلل حصننا ويعرف نواحيه التي يؤتى منها، ولكن تخرج إليه، فقال عيينة: لقد أحببت أن يدخل فيرى حصانته ويرى عددًا كثيرًا، فأبى مرحب أن يدخله.
فخرج عيينة واجتمع بسعد عند باب الحصن، فأبلغ سعد عيينة رسالة رسول الله ﷺ قائلًا: إن رسول الله ﷺ أرسلنى إليك يقول: إن الله قد وعدنى خيبر فارجعوا وكفُّوا، فإن ظهرنا عليها فلكم تمر خيبر سنة، فقال عيينة: إنا والله ما كنا نسلّم حلفاءنا لشئ، وإنا لنعلم ما لك ولمن معك بما ها هنا طاقة هؤلاء (يعني اليهود) قوم أهل حصون منيعة، ورجال عددهم كثير، وسلاح، إن أقمت هلكت ومن معك، وإن أردت القتال عجَّلوا عليك بالرجال والسلاح، ولا والله، ما هؤلاء كقريش، قوم ساروا إليك، إن أصابوا منك غرّة، فذاك الذي أرادوا وإلا انصرفوا، وهؤلاء يماكرونك الحرب ويطاولونك حتى تملّهم.
هذه هي الرسالة التي طلب عيينة بن حصن من سعد بن عبادة أن يبلغها النبي ﷺ ردًّا على رسالته الآنفة الذكر.
غير أن سعدًا قبل أن يعود إلى النبي ﷺ قال لعيينة بن حصن: اشهد ليحضرنك في حصنك (١) هذا حتى تطلب الذي كنا عرضنا
стр. 1522
عليك، فلا نعطيك إلا السيف، وقد رأيت يا عيينة من قد حللنا بساحته من يهود يثرب، مزِّقوا كلَّ ممزق.
وبعد ذلك رجع سعد إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما قال عيينة. . وقال سعد: يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعدك ومظهر دينه، فلا تعط هذا الأعرابي (يعني عيينة) تمرة واحدة، يا رسول الله، لئن أخذه السيف ليسلمنهم وليهربن إلى بلاده كما فعل ذلك قبل يوم الخندق.
فلما يئس رسول الله ﷺ من أن تقبل غطفان العرض الذي عرضه عليها من إعطائها تمر خيبر سنة واحدة، أمر قواته بالهجوم على الحصن الذي ترابط فيه قوات غطفان مع اليهود وهو حصن ناعم (حصن) مرحب وكان أول حصن يفتحه المسلمون، بعد أن هرب الغطفانيون منه قبل الهجوم عليه كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وتنفيذًا لقرار محاربة غطفان الرسول ﷺ في صف اليهود أصدروا أمرهم إلى الكتائب من بني أسد وغطفان (والتي كانت قد رابطت مع اليهود في حصونهم قبل أن يتحرك النبي ﷺ من المدينة) بأن تظل مكانها إلى جانب اليهود. . أما القوات الرئيسية من هذه القبائل الوثنية وهي أربعة آلاف مقاتل فقد أخذت في التحرك من الوراء لتضرب المسلمين ساعة الصفر من الخلف.
تأزم الموقف لدى المسلمين:
ونتيجة إصرار غطفان وأسد على محاربة المسلمين إلى جانب اليهود أصبح الموقف بالنسبة للمسلمين موقفًا دقيقًا وحرجًا. . إلا أن ذلك لم يفتّ في عضدهم ولم يثنهم عن عزمهم، فقد استمروا في تحركهم في اتجاه خيبر واثقين من نصر الله تعالى وقد وعدهم ذلك، والله لن يخلف وعده. . ولذلك فقد سار المسلمون في طريقهم نحو المعركة الفاصلة وكلهم ثقة واطمئنان، فلم يكن لتلك القوات الضاربة من الأعداء (اليهود وغطفان وأسد والتي قررت منازلتهم مجتمعة) لم يكن لها أي أثر ضار على معنوياتهم الحربية، لأنهم بعد وعد الله الذي وعدهم لم يعودوا يزنوا الأمور ويقيسوها
стр. 1523
بموازين ومقاييس مادية صرفة من حيث العدد والعدة ولو فعلوا ذلك لأدخل في روعهم أنهم الهالكون. . لأن قدرة ألف وأربعمائة على مواجهة خمس عشر ألفًا هي (في عرف المقاييس والتقديرات العسكرية المجردة) كقدرة العصا على مواجهة السيف.
ولكن الثقة بالله والاطمئنان إلى وعده بالنصر وزخم العقيدة الصافية الذي يدفعهم إلى الإمام. . كل ذلك كان قاعدتهم التي فها ينطلقون وعلى ضوئها الأمور يزنون.
وباختصار، فإن النبي ﷺ وأصحابه عندما استمروا في زحفهم على خيبر ليواجهوا خمسة عشر ألف مقاتل وهم (فقط) ألف وأربعمائة. . عندما فعلوا ذلك، لم يقيسوا الأمور حسب موازين الأرض وإنما قاسوها حسب موازين السماء واعتمادًا على صلتهم برب الأرض والسماء الذي لم يكن تحركهم من المدينة إلا في سبيل مرضاته ولإعلاء كلمته.
ولهذا فقد كانت نفس كل واحد منهم مشحونة بطاقات روحية هائلة تجعله في قرارة نفسه موقنًا بأنه قادر على أن يواجه بمفرده مائة من أعدائه ويتغلب عليهم.
وهذا هو سر صمودهم وثباتهم وعدم اكتراثهم بتلك القوات الضاربة من الأعراب واليهود التي أجمعت على حربهم وهم بعيدون عن أرضهم.
الانتصار بالرعب:
وعلى كل حال، وبالرغم من أن كل شيء (حسب المقاييس المادية المجردة) هو ضد المسلمين وإلى جانب اليهود وحلفائهم في هذه الحرب التي قرر النبي ﷺ خوضها لإنهاء الوجود اليهودى الزنيم، فقد مضى المسلمون لسبيلهم وساروا نحو خيبر على تعبئتهم وحسب الخطة التي رسموها لخوض المعركة، غير مبالين بتلك القوات الضاربة من اليهود والأعراب.
بشائر النصر قبل الاشتباك:
وقبل أن يحدث أي اشتباك مسلَّح بين المسلمين وأعدائهم بدت بشائر
стр. 1524
النصر للمسلمين تلمع في الأفق، وبدأت الصفوة من أصحاب محمد ﷺ ترى وعد الله لها بالنصر يظهر جليًّا في صور شتى وهو يكاد يتجسد، فقويت نفوسهم (وهي القوية أصلًا) وازدادوا عزمًا على عزم، وصار لديهم اليقين الذي لا يخالطه أي شك أن قوات أعدائهم المحيطة بهم من جانب والتي لا تقل عن خمسة عشر ألف مقاتل لا تلبث أن يهزمها الله وينزل الرعب في قلوبها فتنداح أمامهم ساعة الروع كما ينداح الورق اليابس أمام العاصفةِ في فصل الخريف.
غطفان ترجع هاربة إلى بلادها قبل نشوب القتال:
لقد جاء في الحديث النبوى الصحيح أن النبي ﷺ قال: "نُصِرتُ بالرعب".
وهذا هو الذي حدث بالفعل للقوات الرئيسية من قبائل غطفان وهي القوات انتى بلغت أربعة آلاف مقاتل، وخرجت من ديارهم تسير خلف المسلمين وهم سائرون إلى خيبر وتتعقبهم قاطعة عليهم خط الرجعة ومقررة الهجوم عليهم من الخلف لإرباكهم وجعلهم بينها وبين حلفائها من يهود خيبر الهدف الرئيسى لتحركات الجيش النبوى.
فقد ذكر المؤرخون أن هذه القوات النجدية الوثنية الضاربة بينما كانت تتحرك في إثر النبي ﷺ وأصحابه لتضربهم من الخلف لحساب يهود خيبر حلفائها إذا بقادة هذه القوات يسمعون صريخ من خلفهم يصيح فيهم منذرًا إياهم بأن كتائب من المسلمين قد خلفوهم وأغاروا على ديارهم ومضاربهم وأنهم على وشك استياق أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم.
قال ابن إسحاق: بلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا، ليظاهروا (١) يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة (أي مرحلة) سمعوا خلفهم في أموالهم، ظنوا أن القوم (أي المسلمين) قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر (٢). كما سمع الذين مع
стр. 1525
اليهود في حصونهم صوت نفس الصائح فانسحبوا وتركوا اليهود وحدهم.
وأعطى الإمام الواقدي تفصيلات أوسع عن هذه القصة فقال: (بعد أن ذكر كيف رفض عيينة بن حصن قائد غطفان العرض الذي بموجبه تعهد النبي ﷺ إعطاءهم تمر خيبر لسنة إن هم خلّوا بينه وبين اليهود): إن غطفان سمعوا صائحًا يصيح لا يدرون من السماء أو من الأرض: يا معشر غظفان أهلكم أهلكم، الغوث، الغوث بحيفاء -صيحَ ثلاث مراث- لا تربة ولا مال، قال: فخرجت غطفان على الصعب والذلول، وكان أمرًا صنعه الله لنبيه. فلما أصبحوا أُخبر كنانة بن أبي الحقيق (سيد خيبر) وهو في الكتيبة (١) بانصرافهم فسُقِطَ في يديه، وذل، وأيقن بالهلكة وقال: كنا من هؤلاء الأعراب في باطل، إنَّا سرنا فيهم فوعدونا النصر وغرونا، ولعمرى لولا ما وعدونا من نصرهم ما نابذنا محمدًا بالحرب، ولم نحفظ كلام سلام بن أبي الحقيق (٢) إذ قال: لا تستنصروا بهؤلاء الأعراب (يعني غطفان) أبدًا، فإنا قد بلوناهم، وجلباهم لنصر بني قريظة ثم غروهم. فلم نر عندهم وفاء لنا، وقد سار فيهم حُييّ بن أخطب وجعلوا يطلبون الصلح من محمد، ثم زحف محمد إلى بني قريظة وانكشفت غطفان راجعة إلى أهلها (٣).
ثم يستمر الواقدي في سرد قصة انسحاب غطفان مرعوبين فيقول: فلما انتهى الغطفانيون إلى أهلهم بحيفاء وجدوا أهلهم على حالهم فقالوا: هل راعكم شيء؟ قالوا: لا والله، فقالوا (أي أهلهم): لقد ظننا أنكم قد غنمتم، فما نرى معكم غنيمة ولا خيرًا! ! فقال عيينة بن حصن لأصحابه: هذا والله من مكائد محمد وأصحابه، خدعنا والله! فقال له الحارث بن عوف المرّى (٤): بأي شيء؟ قال عيينة: إنا في حصن النطاة
стр. 1526
بعد هدْأة (الهَدْأة أول الليل) إذ سمعنا صائحًا يصيح، لا ندرى من السماء أو من الأرض: أهليكم أهليكم بحيفاء -صيح ثلاثة- فلا تربة ولا مال، فقال الحارث بن عوف: يا عيينة والله لقد غَبِرت (أي بقيت) إن انتفعت. والله إن الذي سمعت لمن السماء، والله ليظهرنّ محمد على من ناوأه حتى لو ناوأته الجبال لأدرك منها ما أراد. فأقام عيينة أيامًا في أهله ثم دعا أصحابه للخروج إلى نصر اليهود، فجاءه الحارث بن عوف فقال: يا عيينة أطعنى وأقم في منزلك ودع نصر اليهود، مع أنى لا أراك ترجع إلى خيبر إلا وقد فتحها محمد، ولا آمن عليك.
فأبى عيينة أن يقبل قوله وقال: (لا أسلم حلفائى لشئ) (١). ثم تحرك عيينة بمن أطاعه من غطفان محاولًا إمداد يهود خيبر ومساندتهم ضد المسلمين، إلا أنه لم يصل خيبر حتى وجد النبي ﷺ قد استولى عليها كلها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
стр. 1527
الفصل الثالث
• دعوة اليهود إلى الإسلام.
• اليهود يرفضون الدعوة.
• الهجوم على خيبر.
• ضراوة القتال وعنفه.
• شراسة اليهود في المقاومة.
• مصرع قادة اليهود مبارزة أمام حصونهم.
• تحقيق المقام حول قاتل الفارس اليهودى، مرحب.
• النبي يُجرح بنبال اليهود أثناء القتال.
• سقوط خمس قلاع في أيدى المسلمين.
• انهيار مقاومة اليهود في القسم الأول من خيبر.
• سيطرة المسلمين على الشطر الأول والأهم من خيبر.
• انسحاب بقايا المقاتلين اليهود إلى الشطر الثاني من خيبر.
• تحقيق المقام في تزوج النبي ﷺ من ابنة سيد اليهود (صفيّة) بعد أسرها.
стр. 1528
وصول المسلمين إلى خيبر:
استمر النبي ﷺ في زحفه نحو خيبر، وبينما هو يسير بالجيش طلب من أحد أصحابه (وهو عامر بن الأكوع) أن يحدو لهم: والحداء هو إنشاد يرفع به الحادي صوته مع الترنيم فتنشط لذلك الإبل في سيرها.
فنزل عامر بن الأكوع عند رغبة الرسول ﷺ وأخذ يحدو للجيش بهذه الأبيات:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
وذكر المؤرخون أن النبي ﷺ أُعجب بحداء ابن الأكوع فقال: يرحمك الله.
وكان النبي ﷺ إذا قال لإنسان يرحمك الله، قتل شهيدًا، ولهذا قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ : وجبت يا رسول الله .. (أي الشهادة) هلا أمتعتنا به؟ .
وفعلًا رزق الله عامر بن الأكوع الشهادة في معركة خيبر، حيث بارز أحد اليهود، وأثناء البراز أراد أن يضرب ساق اليهودى بسيفه (وكان قصيرًا) فعاد عليه السيف فأصاب عين ركبته فمات متأثرًا بالجرح الذي أصابه من سيفه، فقال البعض: إن عامر بن الأكوع قد حبط عمله على اعتبار أنه قتل نفسه (بزعمهم) فاغتم أخوه سلمة بن الأكوع (١) لهذا القول، ولما رآه رسول الله كذلك أخذ بيديه وقال له: ما لك؟ .
قال: فداك أبي وأمى، زعموا أن عامرًا حبط عمله، فقال النبي ﷺ : كذب من قال، إن له أجرين (وجمع بين أصبعيه): إنه لجاهِدٌ مجاهدٌ، قلَّ عربي مشى بها مثله.
أربعوا على أنفسكم:
وفي غزوة خيبر -والجيش في طريقه إليها- رفع بعض الجيش أصواتهم
стр. 1529
بالدعاء والتكبير، فأحدثوا ضجة، فقال النبي ﷺ : أيها الناس اربعوا على أنفسكم (أي ارفقوا بها) فإنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا.
وفي هذا الحديث الشيء العظيم من التربية والتوجيه وهو من قواعد التربية الإسلامية إذ أنه يدل على حب النبي ﷺ للهدوء والنظام وكرهه للضوضاء وارتفاع الأصوات (حتى ولو كان بذكر الله) في ظروف الحرب التي تتطلب الهدوء والسكينة.
دعاء النبي ﷺ -:
وعندما وصل النبي ﷺ وأشرف على منطقة خيبر، أمر الجيش بالوقوف ثم دعا بهذا الدعاء:
"اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها"، كم قال لأصحابه "أقدموا باسم الله" (١).
مفاجأة اليهود:
وقد عمّى الله على اليهود فلم يعلموا إلا والمسلمون يصبِّحون خيبر، وذلك بالرغم من أن الطابور الخامس (من المنافقين ويهود يثرب) قد أخبروا اليهود بتحرك المسلمين.
وقد كان وصول النبي ﷺ بجيشه إلى خيبر (ليلًا) ولم تكن سياسته الحربية إنشاب القتال مع العدو في الليل إلا إذا اضطر كما حدث في معركة الخندق.
ويظهر أن اتباع هذه السياسة راجع إلى أن قيام المسلمين بالهجوم وخوض المعارك مع الأعداء على أرض يجهلونها ولا يعرفون شيئًا عن طبيعتها فيه مخاطرة كبرى بمصيرهم، وهذا (والله أعلم) هو الذي حمل النبي ﷺ على أن يبيت بجيشه بالقرب من خيبر، ولا يبدأ بالهجوم إلا في
стр. 1530
الصباح. وكان اليهود (حتى اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ مشارف خيبر) يَصْحَون من نومهم قبل الفجر فيرتدون أسلحتهم لأنهم كانوا يتوقعون أن يقوم المسلمون بمهاجتهم في أية لحظة وكانوا فوق ذلك يستعرضون المقاتلين اليهود كل يوم استعدادًا للمواجهة وتقوية لقلوبهم إلا أن الله تعالى أخذهم بالنوم ليلة وصول النبي ﷺ بجيشه، فلم يلبسوا السلاح كعادتهم، قبل الفجر، بل ناموا ولم يتحركوا، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا وأفئدتهم ترجف، ولم يشعروا إلا وجيش الإسلام أمام حصونهم.
فقد فتحوا الحصون صباح ذلك اليوم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحى والكرازين والمكاتل متجهين نحو مزارعهم، فلما رأوا المسلمين صاحوا (في جزع): محمد والخميس، ثم ولوا هاربين إلى حصونهم. فلما رآهم النبي ﷺ قال: -مبشرًا بالفتح- "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
لا تمنوا لقاء العدو:
ومن الآداب والمواعظ الحربية التي وجهها النبي القائد ﷺ إلى جيشه، هو أنه عند الهجوم قال ﷺ لأصحابه (وكأنه لحظ عليهم التلهف للقتال): لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإنكم لا تدرون ما تبتلون به، فإذا لقيتموه، فقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تقتلهم أنت.
ثم علمهم بعض أساليب الحرب ساعة الالتحام، فقال ﷺ : "ثم الزموا الأرض جلوسًا، فإذا غشوم فانهضوا وكبروا".
كيف بدأ القتال:
تنقسم مدينة خيبر (يوم فتحها) إلى شطرين في كل منهما عدة حصون وقلاع حربية، إلا أن أهم هذه القلاع والحصون ثمانية يقع منها خمسة في الشطر الأول من خيبر، وحيث دارت أعنف المعارك بين المسلمين
стр. 1531
واليهود .. وهذه الحصون الخمسة هي:
١ - حصن ناعم، وهو أول ما هاجمه المسلمون وأمامه قتل (مرحب) الذي كان يتولى وإخوته الدفاع عنه.
٢ - حصن الصعب بن معاذ، وهو أعظم حصن فتحه المسلمون فوجدوا فيه المواد الغذائية والعتاد الحربى ما تقووا به إلى حد بعيد.
٣ - حصن (قلعة الزبير).
٤ - حصن (أبيّ).
٥ - حصن النزار (وبعضهم يسميه حصن البزاة).
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها (النّطاة) أما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى (بالشق)، فالمؤرخون يقسمون الشطر الأول من المدينة إلى قسمين (الشق والنطاة).
وحصون الشق والنطاة كانت بمجموعها تمثل خط الدفاع الأول عن المدينة كلها، وقد افتتح المسلمون الحصون هذه كلها عنوة بعد قتال مرير ضارٍ حيث دارت حولها أعنف المعارك.
أما الشطر الثاني من خيبر فتوجد به حصون وقلاع حربية إلا أن أهمها ثلاثة حصون فقط، وهي:
١ - حصن القموص الخاص (ببنى أبي الحقيق من يهود بني النضير).
٢ - حصن الوطيح.
٣ - حصن السلالم.
وهذه الحصون الثلاثة مع مناعتها وقوتها وكثرة المحاربين فيها قد سلمت دون أن يحدث حولها اشتباك كما حدث حول حصون النطاة والشق، إنما سلم أهلها بعد أن ضرسهم الحصار الشديد الذي ضربه المسلمون عليهم، فطلبوا المفاوضة وسلموا على أساس الصلح والجلاء كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
стр. 1532
عدم التناسق في وصف المؤرخين للمعركة:
بالرغم من أن معركة خيبر هي من أكبر وأطول المعارك الحاسمة التي خاضها النبي ﷺ فإن رصيدها من التفاصيل في وصف العمليات الحربية في أُمهات التاريخ غير متكامل كما يجب.
فلا شك أن كل حصن من الحصون التي فتحها المسلمون بقوة السلاح (وهي ثمانية حصون) كان لفتحه قصة يتوق القارئ إلى معرفتها بالتفصيل.
ولكن المؤسف هو أن أغلبية المؤرخين ﵏ يكتفون أحيانًا بالإشارة العابرة فقط إلى فتح الحصن دونما ذكر للتفاصيل، كما أن الوصف في سير المعركة في كل أُمهات التاريخ وصف مبعثر، وأحيانًا يستفيضون حيث ينبغي الإيجاز، ويوجزون حيث ينبغي التوسع والاستفاضة، ويقدمون ما ينبغي تأخيره ويؤخرون ما ينبغي تقديمه.
وهذا كله يجعل مهمة المؤرخ الحديث (الذي يرغب في أن يقدم للقراء وصفًا سهلًا متناسقًا) مهمة صعبة، وهذا الذي حدث لنا بالفعل، فإننا لم نلاق فيما ألفَّنا عن المعارك الفاصلة من الصعوبة في ربط الحوادث بعضها ببعض وتنسيقها وترتيبها مثلما لاقينا في تأليفنا لهذا الكتاب، وقد بذلنا الجهد قدر المستطاع ونرجو أن نكون قد أرضينا القارئ الكريم.
دعوة اليهود إلى الإِسلام .. وعدم ذكر الجزية:
كان أول شيء أقدم عليه النبي القائد ﷺ أن دعا اليهود إلى الإسلام ليدخلوا فيه فينصرف عنهم بعد أن يكونوا جزءًا من الأسرة الإسلامية.
وتلك طريقة الإسلام المتبعة عند أول لقاء يحدث في ميدان الحرب بين المسلمين وأهل الكتاب.
ويحدِّثنا البخاري أن علي بن أبي طالب كان أول قائد عرض على هؤلاء اليهود الإِسلام قبل القتال، وذلك بأمر من رسول الله ﷺ .
فقد استدعى النبي ﷺ علي بن أبي طالب (ليلة الدخول) فأعطاه الراية
стр. 1533
فقال علي: يا رسول الله .. أقاتلهما حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ أنقذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لِأنْ يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم (١).
وقد أبى اليهود الدخول في الإِسلاء، فهاجم المسلمون حصونهم حتى تم النصر للمسلمين عليهم.
لماذا لم يطالبوا بالجزية:
وهنا سؤال قد يعرض للقارئ وهو أن طريقة المسلمين مع أهل الكتاب (واليهود منهم) هي أنهم عندما يقومون بغزوهم لا يباشرون القتال ضدهم حتى يخيِّروهم بين واحد من ثلاث: إما الدخول في الإسلام فيكونون بذلك جزءًا من الأسرة الإِسلامية، وإما أن يدفعوا الجزية مقابل حمايتهم، وإلا فالقتال.
لكن النبي ﷺ عندما قام بغزو اليهود في خيبر لم يعرض عليهم دفع الجزية بل عرض عليهم الإسلام، ولما رفضوا الدخول فيه قاتلهم .. فلماذا لم يعرض عليه أن يدفعوا الجزية مقابل حمايتهم وإقرارهم على أرضهم وأموالهم والتكفُّل بصيانة أرواحهم وأعراضهم من قبل قوات الأمن الإِسلامية كما يفعل دائمًا مع غيرهم من أهل الكتاب؟ وكما فعل مع يهود تيماء ونصارى نجران ومجوس هجر؟
يجيب بعض المؤرخين على هذا السؤال بقولهم: إن القرآن لم يكن قد نزل بتشريع قبول الجزية من أهل الكتاب وقت قيام النبي ﷺ بمحاربة اليهود في خيبر.
وهذا الجواب مع كونه قد يكون صحيحًا من حيث كون تشريع الجزية لم ينزل إلا بعد فتح خيبر، إلا أننا نعتقد (وهذا مجرد اجتهاد) أنه حتى لو كان التشريع بقبول الجزية نزل قبل غزو خيبر، فإن النبي ﷺ لا يمكن أن يعتبر يهود خيبر من الذين يمكن الاطمئنان إلى التعاهد معهم على دفع الجزية
стр. 1534
ليبقى لهم بعد مطلق الحرية مع التزام المسلمين بحمايتهم، بل لا بد من هدم سلطانهم ومحو كيانهم عن طريق الحرب أو يستسلموا دونما قيد أو شرط كخونة ومتآمرين سيظلون مصدر تهديد لأمن وسلامة المسلمين إذا لم تحتل مواقعهم ويقضى عليهم فيها كقواعد للعدوان على الإِسلام والمسلمين.
وقد أثبتت التجارب (عبر سبع سنوات ذهب فيها النبي ﷺ أقصى حدود التسامح مع هؤلاء اليهود) .. أثبتت بأن هؤلاء اليهود أشبه بغدة السرطان في الجسم لا يجدى معها علاج سوى استئصالها كليًّا.
فقد حصل اليهود (في ظل التسامح الإِسلامي) على ما هو أكرم لهم من قبول النبي ﷺ الجزية منهم، وهو قبول النبي ﷺ عن طيب خاطر وصفاء نية- أن يكون هؤلاء اليهود حلفاء للمسلمين ومواطنين لهم، آمنين على أرواحهم وأعراضيم أحرارًا في دينهم، دون أن يأخذ المسلمون منهم درهمًا واحدًا مقابل ذلك. مع كون السلطان المطلق لهم في يثرب، فقد كانوا (بموجب معاهدة يثرب) أمة مع المسلمين لهم ما هم وعليهم ما عليهم، الأمر الذي يمكن تسميته بأنهم كانوا (بموجب هذه المعاهدة) أمة ذات كيان مستقل تتساوى مع أمة الإسلام في جميع الحقوق دونما تمييز (١).
ولكن بماذا قابل اليهود هذا التسامح وحسن المعاملة وكرم المواطنة الذي جعلهم (بالرغم من كونهم أقلية يهودية أجنبية بين أكثرية عربية إسلامية) لا يشعرون بأي تغيير في حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي كانوا عليها قبل سيطرة الإسلام على يثرب؟
قابل اليهود كل هذا التسامح والكرم وشرف المقصد وحسن المعاملة بالغدر والخيانة والتآمر والعدوان ونقض العهود والمواثيق في أدق الساعات وأحرج الظروف .. خُلُقٌ إسرائيلي قبيح لازمهم ولا يزال يلازمهم منذ أن لعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم.
стр. 1535
فقد عانى النبي ﷺ وأصحابه (في يثرب) من هذا الخلق اليهودى أشد المتاعب وواجه أخطر المشاكل وتعرض لشتى المؤامرات، ومع ذلك ظل التسامح مع هؤلاء اليهود والصفح عنهم شعار النبي ﷺ حيث كان يقابل غدرهم وتآمرهم بالكف عن دمائهم التي كان قادرًا على سفكها.
وآخر إجراءات العفو والتسامح التي اتبعها النبي ﷺ مع هؤلاء اليهود، هي معاملته يهود بني النضير في المدينة حيث حقن دماءهم وأعفى نساءهم وذراريهم من السبى وسمح لهم بأن يهاجروا إلى أي مكان شاؤوا آمنين على أرواحهم وما قدروا على حمله من أموالهم.
غير أن هؤلاء اليهود لم يكد يستقر بهم المقام في (خيبر) حتى جعلوا منها أخطر قاعدة للعدوان على الإِسلام والمسلمين فلاقى المسلمون نتيجة وجود هذه القاعدة أشد المتاعب وأخطر الأهوال التي كادت تعصف بوجودهم وتمحو كيانهم على النحو الذي فصلناه في كتابينا (غزوة الأحزاب وبنى قريظة).
فأثبت هؤلاء اليهود بذلك (وبما لا يدع مجالًا للشك) أنهم -ما بقوا على قيد الحياة- لن يرضوا بغير هدم كيان الإِسلام واستئصال شأفة المسلمين، مهما بلغ المسلمون معهم في الصفح وحسن المعاملة، ومهما أعطى اليهود من عهود وأبرموا من مواثيق.
لذلك كان من البديهى (بل من الضرورى) أن لا يسلك النبي القائد ﷺ غير سبيل القضاء على هؤلاء اليهود وسحق كيانهم إتقاءً لشرهم وقطعًا لتيار خطر عدوانهم الذي ما كان ليتوقف لولا أن النبي ﷺ نقل المعركة إلى ديارهم واحتل قواعد عدوانهم، فضمن بذلك أمن وسلامة المسلمين من شر عدوان وغدر هؤلاء اليهود.
من هنا (والله أعلم) جاء السبب في أن النبي ﷺ وخلفاءه من بعده (وبعد التشريع بقبول الجزية من أهل الكتاب) لم يعاملوا يهود خيبر كما يعاملون بقية أهل الكتاب من مختلف الطوائف من الاكتفاء بإعطائهم الجزية، لأن هؤلاء اليهود أصبح لهم حكم الخونة الناكثين الذين تكرر منهم الغدر والخيانة والتمرد والتآمر وأثبتت التجارب المتكررة أنهم لا يمكن أن يفوا
стр. 1536
بعهد أو يلتزموا بميثاق .. وقيول المسلمين الجزية من يهود خيبر هو ميثاق من المواثيق .. وعقد مثل هذا الميثاق -مع هؤلاء اليهود- قد أثبتت التجارب عبر السنوات السبع أن لا فائدة منه مطلقًا، بل قد يكون فرصة جديدة يغتنمها هؤلاء اليهود ليسددوا ضربة غدر جديدة للإطاحة بالمسلمين كما فعل بنو النضير حين حزبوا الأحزاب، وبنو قريظة حين نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين في أدق ساعات مصيرهم.
لهذا (والله أعلم) لم يقبل النبي من يهود خيبر إلا أحد أمرين إما الدخول في الإسلام فالاندماج في الأسرة الإِسلامية، وإما الصدام المسلح حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا .. ويدلنا على صحة ما ذهبنا إليه في هذا التحليل والاستنتاج أن النبي ﷺ حين أصر على محاربة يهود خيبر دون أن يعرض عليهم أن يدفعوا الجزية ليبقى لهم كيانهم وأموالهم، قد قبل (في نفس الوقت) الجزية من يهود تيماء وترك لهم كل أموالهم ولم يعاملهم كمحاربين فتركوا أحرارًا فلم يأخذ منهم أسيرًا ولم يسبِ منهم امرأة أو طفلًا وكذلك فعل مع يهود (فدك) حين صالحهم وقبل منهم نصف أراضيهم وتركوا أحرارا في بلادهم بالرغم من أن (فدك) تعتبر من ضواحي خيبر.
ولا شك أن النبي ﷺ لم يسلك هذا المسلك في التمييز في المعاملة بين يهود تيماء وفدك وبين يهود خيبر، إلا لأن الأولين لم يشكلوا الخطر الذي يشكله يهود خيبر على أمن وسلامة الكيان الإِسلامي بعدوانهم المتواصل ومؤامراتهم التي لم تنقطع إلا حينما سحق المسلمون كيانهم الزنيم الدخيل بالاستيلاء على خيبر .. ولأن يهود تيماء والشمال وفدك، لم يكن لهم أية يد في أعمال التحريض والتحزيب والعدوان الآثم المخيف الذي رسمت مخططاته في خيبر وقامت به الأحزاب بقيادة سادات خيبر أنفسهم عام الخندق (السنة الرابعة من الهجرة).
بدء المعركة:
رفض يهود خيبر الدعوة إلى السلام والتي حملها إليهم علي بن أبي طالب متمثلة في دعوتهم إلى الدخول في الإِسلام لتحقن دماؤهم وليكونوا مع
стр. 1537
العرب المسلمين على قدم المساواة في جميع الحقوق ولينجوا من ظلام الكفر إلى نور التوحيد.
لقد كان جواب يهود خيبر (وكانوا معتزين بكثرة عددهم وقال عتادهم وعدتهم) كان جوابهم على دعوة السلام الرفض البات، بل كان الجواب من اليهود هو البدء بالحرب حيث شنوا في اليوم الأول من وصول النبي ﷺ إلى خيبر هجومًا عنيفًا على المسلمين كان من نتيجته استشهاد عدد منهم وإصابة خمسين بجراح نقلوا على أثرها إلى مركز الإِسعاف في معسكر المسلمين (١).
تنظيم القيادات وتوزيع الرايات:
أخذ ﷺ في تعبئة جيشه وتوزيع القيادات، بعد أن أصرَّ اليهود على رفض دعوة السلام وقرروا سلوك سبيل الحرب.
العلم النبوي:
كان العلم النبوى (علم القيادة العليا) يوم خيبر، علمًا أبيضًا يقال له: العقاب، وكان مكتوبًا فيه بالسواد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهذا اللواء هو الذي دفعه النبي ﷺ إلى على أبي طالب في اليوم الأول حينما أمره بدعوة اليهود إلى السلام والدخول في الإِسلام (٢).
أربع رايات للمهاجرين والأنصار:
وقبل الهجوم وزَّع النبي ﷺ أربع رايات على أربع قيادات، رايتين للمهاجرين وأعطاهما لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ورايتان للأنصار وأعطاهما لسعد بن عبادة والخباب بن المنذر وذكر ابن سعد وابن إسحاق أن الرايات لم تكن إلا يوم خيبر، وإنما كانت (قبل ذلك
стр. 1538
اليوم) الألوية، وهذا يعني أن هناك فرقًا في عرف ذلك العصر بين الراية واللواء (١).
الحراسة:
كذلك أنشأ ﷺ قوة للحراسة تقوم بالدوريات أثناء الليل لترقب حركات العدو والطواف حول قلاعه وحصونه، وكان من بين الذين يتولون حراسة المعسكر الإسلامي ويقومون بالدورية ليلًا عمر بن الخطاب (٢). أما قيادة المعسكر وإدارة شؤونه في الرجيع فقد أسندت إلى عثمان بن عفّان (٣).
اجتياح مزارع اليهود .. وحرق بعض النخيل:
يستفاد من أحاديث المؤرخين أن أول عمل حربى قام به النبي ﷺ بعد إنذار اليهود - هو الشروع في الاستيلاء على مزارعهم: ونخيلهم، كما قام المسلمون بقطع النخيل إرهابا للعدو وكان جملة ما قام المسلمون بقطعه من النخيل أربعمائة نخلة، ثم نهى النبي ﷺ عن القطع فتوقف المسلمون، وكانت المزارع التي استولى عليها المسلمون والنخيل التي قطعوها تقع في الشق الأول في منطقة (النطاة) والشق الأول من مدينة خيبر والتي شهدت أعنف المعارك (٤).
مهمة صعبة للغاية:
والمتتبع لمراحل القتال في خيبر يتضح له أن المسلمين كانوا قد واجهوا متاعب عظيمة ومشقات كبيرة وهم يحاولون إنهاء الوجود اليهودى في خيبر.
стр. 1539
فبالإضافة إلى مناعة القلاع والحصون المشحونة بالمقاتلين اليهود الذين يفوقون المسلمين أضعافًا مضاعفة، كانت هناك رداءة الجو، فقد أُصيب كثير من المسلمين بالحُمّى وهم لمّا يبدأوا الهجوم على اليهود لأن خيبر منذ القدم مستوطَنٌ للحُمّى بسبب وجود كثرة المستنقعات فيها، وقد أثّرت هذه الحُمَّى على قوى المسلمين الجسدية، ولكن ذلك لم يثنهم عن عزمهم فواصلوا القتال بصبر وجَلدَ حتى تمَّ لهم النصر.
كيف بدأ الهجوم:
هناك اختلاف بين المؤرخين في أي من حصون خيبر كان عرضة للهجوم الأول من قبَل المسلمين، إلا أنه بعد الاستقراء والمقارنة ترجح لدينا أن جمهرة المؤرخين يقولون: إن حصون النطاة والشق (وهي التي تقع في الشطر الأول من مدينة خيبر) كانت أول ما هاجمه المسلمون في خيبر وهي خمسة حصون.
وكان حصن (ناعم) أول حصن من حصون النطاة هاجمه المسلمون.
لقد كانت مهمة اقتحام حصون وقلاع خيبر مهمة صعبة للغاية، فهي حصون منيعة، وفتحها يتطلب آلات تدميرية مثل المنجنيق وباصقات لهب النفط التي كان استعمالها شائعًا لدى كثير من الأم ومنهم يهود خيبر أنفسهم، ولكن المسلمين عندما جاؤوا إلى خيبر لديكن لديهم أي شيء من هذه الآلات التدميرية.
ولهذا فقد لاقوا صعوبة كبيرة للمقاومة العنيدة التي أبداها اليهود المتحصنون وراء أسوار هذه الحصون.
معسكر المسلمين الأول:
كان النبي ﷺ كما ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب- قد قرر أن يهاجم خيبر من الناحية الشمالية في أعلى (النطاة) ليحول بين اليهود وبين الشام، ويمنع غطفان من أن تمدهم بالمقاتلين.
وفعلًا جعل النبي ﷺ أول مقر لقيادته في أعلى النطاة في منطقة
стр. 1540
مكشوفة (١) بالقرب من حصن (ناعم) (٢) الذي كان أول حصن هاجمه المسلمون في خيبر، هو حصن مرحب فارس اليهود المشهور الذي قتله علي بن أبي طالب.
فقد ألح النبي ﷺ على حصن ناعم (في اليوم الأول من القتال)، واشترك هو نفسه ﷺ في القتال أثناء الهجوم على هذا الحصن.
وكان ﷺ يمتطى صهوة جواد اسمه الظرب (بفتح أوله وكسر ثانيه)، ويلبس درعين ومغفرًا وعليه بيضة، وفي يده قناة وتُرْس (٣).
وأمام حصن لدعم دار القتال عنيفًا بين المسلمين واليهود، فقد شدد المسلمون الهجوم على هذا الحصن وظلوا يهاجونه طوال اليوم.
ولكنهم لاقوا من اليهود (بقيادة مرحب وأخوته ياسر والحارث) مقاومة عنيفة، إلى درجة أن كل هجمات المسلمين على الحصن باءت بالفشل في ذلك اليوم وهو اليوم الأول من القتال. بل إن اليهود بلغوا في الاستماتة للدفاع عن حصن ناعم إلى أن يفتحوا أبواب الحصن ويقوموا بهجوم معاكس كاسح، فسالت كتائبهم على المسلمين من الحصن بقيادة الحارث (أبي زينب أخي مرحب)، وقد تلقته كتائب الأنصار .. وبعد قتال ضار خارج الحصن تمكن الأنصار من دحر القائد اليهودى الحارث وطاردوهم حتى أدخلوهم الحصن فأغلقوا على أنفسهم الأبواب.
غير أن اليهود عاودوا الهجوم من جديد ففتحوا أبواب الحصن وشنوّا (بقيادة أُسَير أحد أفراد عائلة مرحب) هجمات عنيفة، فصمد لهم المسلمون، ولكن اليهود ضغطوا عليهم بعنف حتى كشفوهم وأخذوا في مطاردتهما حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ فاشتد ذلك عليه (٤)
стр. 1541
خمسون جريحًا وشهيد واحد:
وقد تكبد المسلمون في اليوم الأول من القتال (أمام حصن مرحب .. ناعم) خسائر لا يستهان بها، إذ أصيب منهم خمسون رجلًا بجراح نتيجة تعرضّهم لنبال اليهود التي كانوا يصبونها عليهم من أبراج الحصن (١)، وقد نقل هؤلاء الجرحى جميعًا في اليوم التالي إلى وادي الرجيع للمعالجة في مركز الإسعاف هناك بعد أن حول النبي ﷺ مقر قيادته إلى هذا الوادي بمشورة الحباب بن المنذر (٢) كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
محمود بن مسلمة أول شهيد في خيبر:
كما أنه في اليوم الأول هذا قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة الأنصاري، فكان أول شهيد يخرّ صريعًا في معركة خيبر.
ولم يقتل محمود بن مسلمة في المعركة، وإنما قتل غيلة وهو يتفيَّأ ظلال أحد الأبنية التابعة لحصن ناعم التي ما كان يظن أن بها أحدًا من المقاتلين اليهود.
فقد انحاز محمود (بعد أن قاتل قتال الأبطال وكان ذلك اليوم صائفًا شديد الحر) انحاز إلى ذلك الظل ليستريح قليلًا فألقى عليه مرحب اليهودى حجر رحى، فأصابت رأسه فتحطمت عليه البيضة حتى سقطت جلدة جبينه على وجهه، فجئ به إلى رسول الله ﷺ فرد الجلدة كما كانت ثم عصب رأسه (٣)، وبعدها نُقل إلى مركز الإسعاف فظل تحت العلاج في وادي الرجيع ثلاثة أيام حتى فارق الحياة.
تغيير مقر قيادة النبي:
وفي هذا اليوم (اليوم الأول من القتال) الذي لاقى فيه المسلمون
стр. 1542
مصاعب شديدة ومنوا بخسائر لا يستهان بها، لاحظ أحد القادة الكبار من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار (وهو الحباب بن المنذر)، لاحظ أن المكان الذي اتخذه النبي ﷺ مقرًّا لقيادته غير صالح من الناحية (الاستراتيجية) فأشار على النبي ﷺ لذلك بأن يتحول منه ويختار مكانًا غيره صالحًا لأن يكون مقرًا لقيادته.
فقد تفقد الحباب المكان فوجد أن حصون النطاة المراد مهاجمتها تقع على مرتفعات عالية، ووجد أن معسكر المسلمين مكشوف تمامًا أمام تلك الحصون (ومنها حصن ناعم) ولحظ أن نبال اليهود المصوّبة من الحصون تخالط المسلمين داخل معسكرهم، الأمر الذي جعل خمسين من المسلمين يصابون بجراح مختلفة. كما لاحظ أن معسكر الجيش يقع في منطقة موبوءة حيث النخيل ونزّ الماء (١)، فقد ذكر المؤرخون أن الحباب بن المنذر جاء إلى النبي ﷺ في اليوم الأول من القتال (وهو يهاجم حصن ناعم) فقال: يا رسول الله إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أُمرت به فلا نتكلمَّ فيه، وإن كان الرأي تكلمنا.
فقال النبي ﷺ : بل هو الرأي. فقال الحباب: يا رسول الله دنوت من الحصن ونزلت بين ظهرى النخل والنزّ مع أن أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم فهم ولا أعدل رمية فهم (أي أنهم مهرة في تصويب الرمي) وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم، مع أنى لا آمن من بياتهم (أي هجومهم في الليل)، يدخلون في خَمَر (٢) النخل، تحوَّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النّز ومن الوباء، نجعل الحرّة بيننا وبينهم، حتى لا ينالنا نبلهم.
فاستصوب النبي ﷺ رأى الحباب بن المنذر قائلًا: لقد أشرت بالرأى، إذا أمسينا تحوّلنا (٣).
стр. 1543
استمرار القتال حتى المساء:
إلا أن النبي ﷺ رأى أن يستمر في مقاتلة أهل حصن ناعم حتى يخيّم الليل، ليتمكن من تغيير مقر قيادته في الليل، فقال للحباب بن المنذر: نقاتهلم اليوم.
وعملًا بمشورة الحباب بن المنذر، استدعى النبي ﷺ الصحابي المشهور محمد بن مسلمة الأنصاري قائد حرس النبي ﷺ وطلب منه أن يبحث عن موقع أصلح من الموقع الذي عسكر فيه ذلك اليوم ليتحوّل إليه قائلًا: انظر لنا منزلًا بعيدًا من حصونهم بريئًا من الوباء نأمن فيه بياتهم.
فامتثل محمد بن مسلمة لأمر النبي القائد ﷺ ، فانطلق يرتاد المواقعٍ مفتشًا عن مكان يطابق الوصف الذي وصفه النبي ﷺ ليكون معسكرًا جديدًا للجيش، وبعد بحث دقيق وجد ابن مسلمة المكان المناسب الصالح لأن يعسكر فيه الجيش كما يريد النبي ﷺ وهو وادي الرجيع (١).
فرجع إلى النبي ﷺ وهو إمام حصن ناعم يقاتل، فقال: يا رسول الله، وجدت لك منزلًا، وذكر له وادي الرجيع، فقال النبي ﷺ على بركة الله .. إلا أن النبي ﷺ ظل يقاتل يومه ذلك إلى الليل، يقاتل أهل النطاة (التي فيها يقع حصن ناعم). يقاتل من أسفلها، وحشدت اليهود يومئذ، فقال الحباب: لو تحولت يا رسول الله، فقال ﷺ : إذا أمسينا إن شاء الله تحوّلنا.
واشتدّ رمى اليهود حتى جعلت نبالهم تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه، وجعل المسلمون يلقطون نبلهم ثم يردونها عليهم.
تحوّل المسلمين إلى وادي الرجيع:
وفي مساء ذلك اليوم (اليوم الأول للقتال) تحوّل النبي ﷺ بجيشه إلى وادي الرجيع الذي اختاره له محمد بن مسلمة الأنصاري (٢).
стр. 1544
وقد اتخذ النبي ﷺ من وادي الرجيع مقرًا لقيادته، كما جعله قاعدة لإدارة العمليات الحربية ضد اليهود في حصون النطاة (وخاصة حصن ناعم) يغدو بالمسلمين من معسكره في هذا الوادي للقتال على راياتهم، فإذا أقبل المساء عاد بقواته إلى المعسكر في الرجيع.
وقد أنشأ النبي ﷺ مركزًا للإسعاف داخل معسكره في هذا الوادي لمعالجة المسلمين في المعارك، حيث ينقل هؤلاء الجرحى من الميدان ساعة إصابتهم. وفي وادي الرجيع تمت معالجة الخمسين الذين أصيبوا بجروح في اليوم الأول من القتال أمام حصن ناعم.
عثمان بن عفان قائد المعسكر:
وقد أسند النبي ﷺ قيادة معسكر الجيش في الرجيع إلى عثمان بن عفان، ويقع وادي الرجيع في أعلى النطاة التي دارت فيها أعنف المعارك بين المسلمين واليهود، وهذا يعني أن النبي ﷺ قاتل اليهود (أول يوم) من أسفل النطاة، ثم قاتلهم (بعد أن تحوّل إلى الرجيع) من أعلاها حتى فتح الله عليه خيبر (١).
شدة الانضباط العسكري عند المسلمين:
وفي بداية حصار المسلمين لحصن (ناعم) حدثت حادثة ألقى بعدها النبي ﷺ على أصحابه درسًا في الانضباط العسكري وخطورة عدم التقيد بأوامر القائد العام للجيش، وأن الجندى لا يمكن أن يُقْدِم على أي عمل حتى يأذن قائده بذلك.
فقد ذكر المؤرخون أن النبي ﷺ (وهو يستعد للهجوم على حصن ناعم في النَّطاة) نهى عن القتال حتى يتلقى الجند الإِذن منه بذلك.
ولكنَّ رجلًا من جند الإسلام (وهو من قبيلة أشجع النجدية) رأى
стр. 1545
رجلًا يهوديًّا فحمل عليه يريد قتله، غير أن فارس خيبر مرحبًا المشهور، اعترض الأشجعي فقتله.
فقال الناس: يا رسول الله، استشهد فلان، فقال ﷺ : أبَعد ما نَهَيتُ عن القتال؟ .
فقالوا: نعم.
فأمر رسول الله ﷺ مناديًا، فنادى: لا تحلّ الجنة لعاص (١)، مشيرًا بذلك إلى مخافة الأشجعي المسلم الذي خالف الانضباط العسكري، فقاتلَ اليهودَ قبل أن يأذن النبي القائد ﷺ بالقتال.
وهذا يثبت أن المسلمين كانوا أسبق الأمم بالشدة والصرامة في الشؤون العسكرية وخاصة في ظروف الحرب، فهذا رجل مسلم قتله يهودى، في ساحة القتال، ولكن النبي ﷺ مع ذلك، لم يرق له تصرّف الأشجعي المسلم، فاعتبره عصيانًا كما تقدم.
بساطة الإسلام ويسره:
وأثناء حصار حصن ناعم، أسلم عبدٌ حبشى كان مملوكًا لليهود فقاتل مع المسلمين ثم قُتِلَ فدخلَ الجنة، دون أن يسجد لله سجدة، لأنه قتل في اليوم الذي أسلم فيه وقبل أن يَحين موعد الصلاة.
فقد ذُكِرَ في التاريخ أن عبدًا حبشيًّا اسمه (أسلم) كان مملوكًا لأحد سادات خيبر الخمسة (عامر الذي قُتِلَ مع مرحب)، هذا العبد كان يرعى الغنم لعامر اليهودى، فلمّا رأى أهل خيبر يتحصنون ويستعدون للقتال، سألهم، فقالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، قال: فوقعت تلك الكلمة في نفسه، فأقبل بغنمه يسوقها إلى رسول الله ﷺ ، ثم طلب مقابلته فسمح له بذلك، فلما دخل عليه قال له: يا محمد ما تقول؟ ما تدعو إليه؟ فقال له النبي ﷺ بكل بساطة-: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله.