خمسون جريحًا وشهيد واحد:
وقد تكبد المسلمون في اليوم الأول من القتال (أمام حصن مرحب .. ناعم) خسائر لا يستهان بها، إذ أصيب منهم خمسون رجلًا بجراح نتيجة تعرضّهم لنبال اليهود التي كانوا يصبونها عليهم من أبراج الحصن (١)، وقد نقل هؤلاء الجرحى جميعًا في اليوم التالي إلى وادي الرجيع للمعالجة في مركز الإسعاف هناك بعد أن حول النبي ﷺ مقر قيادته إلى هذا الوادي بمشورة الحباب بن المنذر (٢) كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
محمود بن مسلمة أول شهيد في خيبر:
كما أنه في اليوم الأول هذا قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة الأنصاري، فكان أول شهيد يخرّ صريعًا في معركة خيبر.
ولم يقتل محمود بن مسلمة في المعركة، وإنما قتل غيلة وهو يتفيَّأ ظلال أحد الأبنية التابعة لحصن ناعم التي ما كان يظن أن بها أحدًا من المقاتلين اليهود.
فقد انحاز محمود (بعد أن قاتل قتال الأبطال وكان ذلك اليوم صائفًا شديد الحر) انحاز إلى ذلك الظل ليستريح قليلًا فألقى عليه مرحب اليهودى حجر رحى، فأصابت رأسه فتحطمت عليه البيضة حتى سقطت جلدة جبينه على وجهه، فجئ به إلى رسول الله ﷺ فرد الجلدة كما كانت ثم عصب رأسه (٣)، وبعدها نُقل إلى مركز الإسعاف فظل تحت العلاج في وادي الرجيع ثلاثة أيام حتى فارق الحياة.
تغيير مقر قيادة النبي:
وفي هذا اليوم (اليوم الأول من القتال) الذي لاقى فيه المسلمون
стр. 1542
مصاعب شديدة ومنوا بخسائر لا يستهان بها، لاحظ أحد القادة الكبار من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار (وهو الحباب بن المنذر)، لاحظ أن المكان الذي اتخذه النبي ﷺ مقرًّا لقيادته غير صالح من الناحية (الاستراتيجية) فأشار على النبي ﷺ لذلك بأن يتحول منه ويختار مكانًا غيره صالحًا لأن يكون مقرًا لقيادته.
فقد تفقد الحباب المكان فوجد أن حصون النطاة المراد مهاجمتها تقع على مرتفعات عالية، ووجد أن معسكر المسلمين مكشوف تمامًا أمام تلك الحصون (ومنها حصن ناعم) ولحظ أن نبال اليهود المصوّبة من الحصون تخالط المسلمين داخل معسكرهم، الأمر الذي جعل خمسين من المسلمين يصابون بجراح مختلفة. كما لاحظ أن معسكر الجيش يقع في منطقة موبوءة حيث النخيل ونزّ الماء (١)، فقد ذكر المؤرخون أن الحباب بن المنذر جاء إلى النبي ﷺ في اليوم الأول من القتال (وهو يهاجم حصن ناعم) فقال: يا رسول الله إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان عن أمر أُمرت به فلا نتكلمَّ فيه، وإن كان الرأي تكلمنا.
فقال النبي ﷺ : بل هو الرأي. فقال الحباب: يا رسول الله دنوت من الحصن ونزلت بين ظهرى النخل والنزّ مع أن أهل النطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم فهم ولا أعدل رمية فهم (أي أنهم مهرة في تصويب الرمي) وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم، مع أنى لا آمن من بياتهم (أي هجومهم في الليل)، يدخلون في خَمَر (٢) النخل، تحوَّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النّز ومن الوباء، نجعل الحرّة بيننا وبينهم، حتى لا ينالنا نبلهم.
فاستصوب النبي ﷺ رأى الحباب بن المنذر قائلًا: لقد أشرت بالرأى، إذا أمسينا تحوّلنا (٣).
стр. 1543
استمرار القتال حتى المساء:
إلا أن النبي ﷺ رأى أن يستمر في مقاتلة أهل حصن ناعم حتى يخيّم الليل، ليتمكن من تغيير مقر قيادته في الليل، فقال للحباب بن المنذر: نقاتهلم اليوم.
وعملًا بمشورة الحباب بن المنذر، استدعى النبي ﷺ الصحابي المشهور محمد بن مسلمة الأنصاري قائد حرس النبي ﷺ وطلب منه أن يبحث عن موقع أصلح من الموقع الذي عسكر فيه ذلك اليوم ليتحوّل إليه قائلًا: انظر لنا منزلًا بعيدًا من حصونهم بريئًا من الوباء نأمن فيه بياتهم.
فامتثل محمد بن مسلمة لأمر النبي القائد ﷺ ، فانطلق يرتاد المواقعٍ مفتشًا عن مكان يطابق الوصف الذي وصفه النبي ﷺ ليكون معسكرًا جديدًا للجيش، وبعد بحث دقيق وجد ابن مسلمة المكان المناسب الصالح لأن يعسكر فيه الجيش كما يريد النبي ﷺ وهو وادي الرجيع (١).
فرجع إلى النبي ﷺ وهو إمام حصن ناعم يقاتل، فقال: يا رسول الله، وجدت لك منزلًا، وذكر له وادي الرجيع، فقال النبي ﷺ على بركة الله .. إلا أن النبي ﷺ ظل يقاتل يومه ذلك إلى الليل، يقاتل أهل النطاة (التي فيها يقع حصن ناعم). يقاتل من أسفلها، وحشدت اليهود يومئذ، فقال الحباب: لو تحولت يا رسول الله، فقال ﷺ : إذا أمسينا إن شاء الله تحوّلنا.
واشتدّ رمى اليهود حتى جعلت نبالهم تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه، وجعل المسلمون يلقطون نبلهم ثم يردونها عليهم.
تحوّل المسلمين إلى وادي الرجيع:
وفي مساء ذلك اليوم (اليوم الأول للقتال) تحوّل النبي ﷺ بجيشه إلى وادي الرجيع الذي اختاره له محمد بن مسلمة الأنصاري (٢).
стр. 1544
وقد اتخذ النبي ﷺ من وادي الرجيع مقرًا لقيادته، كما جعله قاعدة لإدارة العمليات الحربية ضد اليهود في حصون النطاة (وخاصة حصن ناعم) يغدو بالمسلمين من معسكره في هذا الوادي للقتال على راياتهم، فإذا أقبل المساء عاد بقواته إلى المعسكر في الرجيع.
وقد أنشأ النبي ﷺ مركزًا للإسعاف داخل معسكره في هذا الوادي لمعالجة المسلمين في المعارك، حيث ينقل هؤلاء الجرحى من الميدان ساعة إصابتهم. وفي وادي الرجيع تمت معالجة الخمسين الذين أصيبوا بجروح في اليوم الأول من القتال أمام حصن ناعم.
عثمان بن عفان قائد المعسكر:
وقد أسند النبي ﷺ قيادة معسكر الجيش في الرجيع إلى عثمان بن عفان، ويقع وادي الرجيع في أعلى النطاة التي دارت فيها أعنف المعارك بين المسلمين واليهود، وهذا يعني أن النبي ﷺ قاتل اليهود (أول يوم) من أسفل النطاة، ثم قاتلهم (بعد أن تحوّل إلى الرجيع) من أعلاها حتى فتح الله عليه خيبر (١).
شدة الانضباط العسكري عند المسلمين:
وفي بداية حصار المسلمين لحصن (ناعم) حدثت حادثة ألقى بعدها النبي ﷺ على أصحابه درسًا في الانضباط العسكري وخطورة عدم التقيد بأوامر القائد العام للجيش، وأن الجندى لا يمكن أن يُقْدِم على أي عمل حتى يأذن قائده بذلك.
فقد ذكر المؤرخون أن النبي ﷺ (وهو يستعد للهجوم على حصن ناعم في النَّطاة) نهى عن القتال حتى يتلقى الجند الإِذن منه بذلك.
ولكنَّ رجلًا من جند الإسلام (وهو من قبيلة أشجع النجدية) رأى
стр. 1545
رجلًا يهوديًّا فحمل عليه يريد قتله، غير أن فارس خيبر مرحبًا المشهور، اعترض الأشجعي فقتله.
فقال الناس: يا رسول الله، استشهد فلان، فقال ﷺ : أبَعد ما نَهَيتُ عن القتال؟ .
فقالوا: نعم.
فأمر رسول الله ﷺ مناديًا، فنادى: لا تحلّ الجنة لعاص (١)، مشيرًا بذلك إلى مخافة الأشجعي المسلم الذي خالف الانضباط العسكري، فقاتلَ اليهودَ قبل أن يأذن النبي القائد ﷺ بالقتال.
وهذا يثبت أن المسلمين كانوا أسبق الأمم بالشدة والصرامة في الشؤون العسكرية وخاصة في ظروف الحرب، فهذا رجل مسلم قتله يهودى، في ساحة القتال، ولكن النبي ﷺ مع ذلك، لم يرق له تصرّف الأشجعي المسلم، فاعتبره عصيانًا كما تقدم.
بساطة الإسلام ويسره:
وأثناء حصار حصن ناعم، أسلم عبدٌ حبشى كان مملوكًا لليهود فقاتل مع المسلمين ثم قُتِلَ فدخلَ الجنة، دون أن يسجد لله سجدة، لأنه قتل في اليوم الذي أسلم فيه وقبل أن يَحين موعد الصلاة.
فقد ذُكِرَ في التاريخ أن عبدًا حبشيًّا اسمه (أسلم) كان مملوكًا لأحد سادات خيبر الخمسة (عامر الذي قُتِلَ مع مرحب)، هذا العبد كان يرعى الغنم لعامر اليهودى، فلمّا رأى أهل خيبر يتحصنون ويستعدون للقتال، سألهم، فقالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، قال: فوقعت تلك الكلمة في نفسه، فأقبل بغنمه يسوقها إلى رسول الله ﷺ ، ثم طلب مقابلته فسمح له بذلك، فلما دخل عليه قال له: يا محمد ما تقول؟ ما تدعو إليه؟ فقال له النبي ﷺ بكل بساطة-: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله.
стр. 1546
فقال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله ؟ قال ﷺ : لك الجنة إنْ مت على ذلك.
فوقع الإسلام في قلبه، فأسلم.
درس في الأمانة:
ثم قال الحبشى: يا رسول الله إن هذه الغنم عندي أمانة فكيف أصنع بها؟
فقال ﷺ أخرجها من العسكر ثم صح بها وارمها بحصيات فإن الله سيؤدى عنك أمانتك.
فقام الحبشى فأخذ حفنة من حصباء فرمى بها في وجهها وقال: ارجعى إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقًا يسوقها حتى دخلت حصن مرحب، فعلم اليهودى أن عبده قد أسلم ..
قالوا: فخرج علي بن أبي طالب حاملًا الراية لمقاتلة يهود حصن ناعم، وتبعه الحبشى فقاتل اليهود حتى قتل، فاحتُمِل إلى مركز الإسعاف، فرآه رسول الله ﷺ فقال لأصحابه: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصلِّ لله سجدة قط (١).
وفي رواية أخرى أن رجلًا أسود جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رجل أسود اللون قبيح الوجه منتن الريع لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل: أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فتقدم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول، فقال: حسَّن الله وجهك وطَّيب ريحك وكثَّر مالك ثم قال: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبّته عنه ويدخلان فيما بين جلده وجبّته (٢).
стр. 1547
حصن ناعم أقوى حصون النطاة:
دلت المعارك الضارية التي خاضها المسلمون أمام حصن (ناعم) للاستيلاء عليه .. دلت على أنه أمنع وأقوى حصون خيبر وأن المدافعين عنه من اليهود هم أشجع يهود خيبر وأشدهم مراسًا في القتال.
ويكفي للتدليل على ذلك أن مرحبًا فارس خيبر هو الذي كان يتولى قيادة الدفاع عن هذا الحصن المنيع، يساعده في ذلك فارسان لا يقلان عنه شجاعة وجرأة وهما أخواه (ياسر والحارث) وكل هؤلاء القادة الثلاثة قتلوا مبارزة بأيدى المسلمين ولم يتمكن المسلمون من فتح حصن ناعم إلا بعد أن قضوا على هؤلاء الفرسان المغامرين الثلاثة كما سيأتي تفصيله.
تشديد الحصار على حصن ناعم:
وبالرغم من ضروب الاستبسال التي أبداها آل مرحب وجنودهم في الدفاع عن هذا الحصن، وبالرغم من التعب الذي لقيه المسلمون بسبب المقاومة العنيفة التي أبداها اليهود، وبالرغم من وخامة المنطقة وتعرض كثير من جيش النبي ﷺ لوباء الحمى (١) فقد أمر النبي ﷺ بمضاعفة الضغط وتشديد الحصار على اليهود في هذا الحصن المنيع الذي يعتبر خط الدفاع الأول عن خيبر.
قتل مرحب وافتتاح حصنه:
استمر اليهود في مقاومتهم الشرسة، وألحّ النبي ﷺ في الهجوم على الحصن بغية فتحه، فدفع بالكتيبة من المهاجرين والأنصار تلو الكتيبة لمهاجة حصن ناعم، ولكن هذه الكتائب كلها عجزت عن اقتحام الحصن وفتحه لمناعته وشدة مقاومة اليهود.
стр. 1548
قال في (إمتاع الأسماع) يصف صعوبة القتال وضراوته أمام هذا الحصن: وقد دفع لواءه إلى رجل من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئًا، فدفعه إلى رجل آخر منهم فرجع ولم يصنع شيئًا ودفع لواء الأنصار إلى رجل منهم فرجع ولم يصنع شيئًا.
فحث ﷺ على الجهاد، وسالت كتائب يهود: إمامهم الحارث أبو زينب (أخو مرحب) يهدّ الناس هدًا فساقهم صاحب راية الأنصار حتى انتهوا إلى الحصن وخرج (أُسير) أحد قادة اليهود فكشف الأنصار حتي انتهى إلى رسول الله ﷺ فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ وأمسى مهمومًا.
ولم يتضعضع موقف المدافعين عن الحصن إلا بعد قتل قائده مرحب.
مقتل عامر بن الأكوع:
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٧ أن مرحب اليهودى خرج أثناء محاصرة حصنه يتبختر بسيفه طالبًا البراز وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تَلهَّب
فبرز إليه عامر بن سنان بن الأكوع (١) وهو يقول:
قد علمت خيبر أنى عامر ... شاكى السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس (٢) عامر فذهب يُسفِلُ له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، وقد سبق تفصيل هذا عند قصة حداء عامر لرسول الله ﷺ أثناء الطريق.
من الذي قتل مرحب ؟
هناك خلاف بين المؤرخين وأصحاب الحديث حول الذي تولى قتل
стр. 1549
فارس اليهود (مرحبًا) .. فريق يرى أن الذي تولى قتله هو محمد بن مسلمة الأنصاري، وعلى رأس هذا الفريق إمام أهل المغازي محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة.
ويرى الواقدى أن محمد بن مسلمة بارز مرحبًا، ثم قطع رجليه وتركه جريحًا يجود بنفسه حتى مر به علي بن أبي طالب فدفَّف عليه واحتز رأسه.
أما الفريق الثالث فيرى أن الذي قتل مرحبًا هو الإمام علي بن أبي طالب .. وبالنظر في أقوال الفرقاء يتضح للباحث المنصف أن الذي تولى قتل مرحب فكان فتح الحصن على يده هو الإمام علي بن أبي طالب.
ونحن هنا سنورد باختصار رواية كل من الفرقاء الثلاثة. ولنبدأ برأى ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: لما خرج مرحب أمام حصنه وطلب البراز، قال رسول الله ﷺ : من لهذا؟ قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس، فقال له النبي ﷺ فقم إليه، اللهم أعنه عليه، قال فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العُشَر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، وهنا حمل القائد مرحب علي بن مسلمة فأهوى إليه بسيفه فاتقاه بدرقته وكانت من جِلْد سميك فوقع سيف مرحب فيها فعضت به فأمسكته، وهنا ضربه محمد بن مسلمة حتى قتله (١).
ويمثل هذا القول قال: موسى بن عقبة عن الزهري (٢).
أما الواقدي، فقد ذكر أن محمد بن مسلمة لما بارز (مرحبًا) قطع رجليه، وبعد أن طرحه أرضًا قال له مرحب: أجهز عليّ، فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه أخي محمود بن مسلمة، فمرّ به علي بن أبي طالب وقطع
стр. 1550
رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله ﷺ فأعطى رسول الله ﷺ محمد ن مسلمة سيفه ورمحه ومِغفره وبيضته وكان مكتوبًا على سيفه بالعبرية:
هذا سيف مَرحَبْ ... من يَذقهُ يُعطب (١)
وكان هذا البيت من الشعر بالعبرية، ترجمه إلى اللغة العربية رجل من اليهود (٢).
رواية البيهقي وغيره:
أما قصة قتل الإِمام على لمرحب، فقد أوردها كثير من المؤرخين وأصحاب الحديث، ولنقتصر هنا على رواية البيهقي، وقبل إيرادها يجمل أن نذكر ما أورده المقريزى من أن الإِمام على قتل الحارث قبل أخيه مرحب.
فقد جاء في إمتاع الأسماع أن النبي ﷺ لما لم ينجح القادة الذين هاجموا حصن ناعم قال: لأعطينَّ الراية رجلًا يحبه الله ورسوله يفتح الله عليه، ثم استدعى علي بن أبي طالب ثم دفع إليه اللواء ودعا له بالنصر، وكان أول من خرج إليه الحارث -أخو مرحب- فانكشف المسلمون وثبت على فاضطربا ضربات فقتل عليُّ الحارث، وانهزم اليهود إلى حصنهم.
أما رواية البيهقي فقد جاء فيها (كما في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٦) أن رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (٣) فلبث اليوم واليومين، لا يخرج فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر، فقاتل قتالًا شديدًا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبِرَ بذلك رسولُ الله ﷺ فقال: لأعطينَّها غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عَنْوة وليس ثَمَّ علي، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك.
стр. 1551
فأصبح وجاء علي بن أبي طالب على بعير له حتى أناخ قريبًا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قَطَرى، فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ قال: رمدت بعدك، قال: ادن منى، فتفل في عينيه فما رجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر (١) يمانى وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحَبُ ... شاكى السلاح بطلٌ مجرَّبُ
إذا الليوث أقبلت تلهب ... وأحجمت عن صولةِ المغلَّب
فقال علي:
أنا الذي سمتنى أمى حيدرة ... كالليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالصاع كيل السندرة
قال: فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع (السيف) في الأضراس وأخذ المدينة.
وقد عقب الحافظ البزار على قصة بعث أبي بكر وعمر وعدم قدرتهما على الفتح فقال: إن في سياق الحديث غرابة ونكارة وفي إسناده من هو متهم بالتشيّع (٢).
هذه هي خلاصة الأقوال في قصة مقتل مرحب، غير أننا إذا تفحصنا مختلف الروايات ترجع لدينا أَن الذي قتل قائد القوات اليهودية في حصن ناعم (مرحبا) هو الإمام علي، يؤكد هذا الترجيح أن الإِمام مسلم (وإن لم يرو قصة عجز أبي بكر وعمر عن الفتح) إلا أنه روى أن قاتل مرحب هو الإِمام علي بن أبي طالب (٣). وكذلك الإِمام البخاري روى في صحيحه ما يشدّ من أزر رواية مسلم (فبالرغم من أنه لم يرو قصة عجز أبي بكر وعمر عن
стр. 1552
الفتح ولم يذكر أن عليًّا هو الذي قتل مرحبًا، إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ أعطى عليًّا الراية -بعد أن قال: لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله- فتم على يده فتح الحصن (١).
الزبير يقتل ياسر أخا مرحب:
ويدل سياق المؤرخين -كما تقدم- أن أعنف قتال شهدته خيبر هو القتال الذي دار حول حصن ناعم (حصن آل مرحب وهم من حِمْير على ما ذكره ابن إسحاق) وقد رأينا كيف بلغ اعتداد اليهود الرابطين في هذا الحصن بأنفسهم إلى أنهم خرجوا أكثر من مرة وهاجموا المسلمين حتى كشفوهم وطاردوهم حتى ألجأوهم إلى مقر قيادة النبي ﷺ الأمر الذي اغتم له الرسول ﷺ واستدعى الإِمام على وأسند إليه مهمة افتتاح هذا الحصن المنيع الذي أعيى المسلمين فتحه.
وبالرغم من تمكن الإِمام علي بن أبي طالب من القضاء على مرحب كبير القادة المدافعين عن الحصن، فإن الحصن لم يستسلم للمسلمين في الحال، بل ظل اليهود محتفظين به يدافعون عنه بضراوة .. يدلنا على ذلك أن ياسر الذي خلف أخويه (مرحبًا والحارث في القيادة) ظل يدافع عن الحصن بضراوة، بل لقد ذهبت به الشجاعة والجرأة (بعد أن لقى أخواه مصرعهما) إلى أن يتحدّى المسلمين، حيث خرج من الحصن تحرسه قوات كثيفة من اليهود وركز رمحه أمام الحصن وأخذ يجول بفرسه وهو يطلب المبارزة قائلًا:
قد علمت خيبر أنى ياسر ... شاكى السلاح بطل مغامِرُ
إذا الليوث أقبلت تُبادِرُ ... وأحجمت من صولتى المخاطر
إنَّ حماى فيه موت حاضر
وكان اليهودى ياسر من أشجع قادتهم وأشدهم بأسًا .. فخرج إليه الزبير بن العوام، فخشيت عليه أمه صفية (عمة رسول الله ﷺ ) فقالت: يا رسول الله .. إنه يَقتُلُ ابنى، فقال النبي ﷺ : بل ابنك يقتله إن شاء
стр. 1553
الله .. وقد رد الزبير على شعر ياسر بقوله:
قد علمت خيبر أنى زبَّار ... قِرْم لقِرم غيرُ نِكْسِ فرَّار
وابن حماة المجد وابن الأخيار ... ياسر لا يغررك جمع الكُفَّار
فجمعهم مثل السراب الجرّار
فتجاولا برهة بعدها تمكن الزبير من قتل خصمه ياسر (١)، وبقتله فقد الدافعون عن حصن ناعم قادتهم الكبار الثلاثة فأثر ذلك تأثيرًا كبيرًا في معنوياتهم الأمر الذي يسرّ للمسلمين اقتحام الحصن وفتحه بقيادة علي بن أبي طالب.
وبعد أن قتل الزبير قائد اليهود (ياسرًا) قال النبي ﷺ للزبير: فداك عم وخال، لكل نبي حواريّ وحوارى الزبير ..
قال ابن كثير في البداية والنهاية: فكان الزبير إذا قيل له: إن كان سيفك يومئذ لصارمًا، فيقول: ما كان صارمًا ولكننى أكرهته.
مصرع القائد اليهودى الرابع:
وجاء في إمتاع الأسماع ص ٣١٦ أن قائدًا يهوديًّا رابعًا لقى مصرعه مبارزة أمام الحصن على يد علي بن أبي طالب، واسم هذا القائد (عامر).
كما قتل أمام حصن ناعم أيضًا قائدًا يهوديًّا خامسًا (مبارزة) قتله محمد بن مسلمة الأنصاري.
استيلاء المسلمين على حصن ناعم:
وبعد مصرع هؤلاء القادة اليهود الخمسة (مرحب والحارث وعامر وياسر وأُسير) انهارت المقاومة في صفوف اليهود المدافعين عن الحصن الذي شدد المسلمون الهجوم عليه حتى اقتحموه ففتحوه، فكان هذا الحصن أول وأهم حصن من حصون خيبر يحتله المسلمون.
стр. 1554
تفصيلات الواقدي لفتح حصن ناعم:
بالرغم من أن معارك حصن ناعم هي أعنف معارك خيبر على الإِطلاق، إلا أن عامة المؤرخين في أمَّهات التاريخ لم يعطوا وصفًا مفصلًا متناسقًا مترابطًا للقتال عند هذا الحصن، بل كان وصفهم وصفًا مبعثرًا غير مترابط.
ولعل أحسن وصف في كتب التاريخ وأقربه إلى التنسيق هو الوصف الذي جاء في مغازى الواقدي التي نشرتها جامعة أكسفورد بتحقيق الدكتور مارسدن جونس.
ولأهمية هذا الوصف بالنسبة للقارئ فإنا سنورده هنا بالرغم من أننا قد ذكرنا نبذًا منه التقطاها بصعوبة من هنا وهناك في أمَّهات التاريخ.
قال الواقدي (يصف معركة حصن ناعم): فلقد انتهى رسول الله ﷺ إلى حصن ناعم ومعه المسلمون -وحصون ناعم عدَّة- فرمت اليهود يومئذ بالنبل، وتَرس أصحاب رسول الله ﷺ عن رسول الله، وعلى رسول الله ﷺ يومئذ ذرعان ومغفر وبيضة، وهو على فرس يقال له: الظرب، في يده قناة وتُرْس، وأصحابه محدقون به، وقد كان دفع لواءه إلى رجل من أصحابه من المهاجرين، فرجع ولم يصنع شيئًا ثم دفعه إلى آخر فرجع ولم يصنع شيئًا، ودفع رسول الله ﷺ لواء الأنصار إلى رجل منهم، فخرج ولم يعمل شيئًا، فحث رسول الله ﷺ المسلمين، فسالت كتائب اليهود أمامهم أبو زينب يقدم اليهود يَهُدّ الأرض هدًّا، فأقبل صاحب راية الأنصار، فلم يزل يسوقهم حتى انتهوا إلى الحصن فدخلوه، وخرج أُسَير اليهودى يقدم أصحابه معه عاديته (١)، وكشف راية أصحاب الأنصار حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ في موقفه، ووجد رسول الله ﷺ في نفسه حدة شديدة، وقد ذكر لهم الذي وعدهم الله، فأمسى رسول الله ﷺ مهمومًا.
стр. 1555
سعد بن عبادة الجريح:
وقد كان سعد بن عبادة (١) رجع مجروحًا وجعل يستبطئ أصحابه، وجعل صاحب راية المهاجرين يستبطئ أصحابه ويقول: أنتم، وأنتم، فقال رسول الله ﷺ : إن اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إن محمدًا يقاتلكم على أموالكم نادوهم، قولوا: لا إله إلا الله، ثم قد أحرزتم بذلك أموالك ودماءكم، وحسابكم على الله، فنادوهم بذلك (والقتال على أشدّه) فنادت اليهود: لا نفعل ونترك عهد موسى والتوراة بيننا.
فقال رسول الله ﷺ لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار، أبشر يا محمد بن مسلمة غدًا، إن شاء الله يُقتَل قاتلُ أخيك (وقاتل أخيه، مرحب) وتول عادية اليهود.
فلمَّا أصبح أرسل إلى علي بن أبي طالب وهو أرمد، فقال: ما أبصر سهلًا ولا جبلًا، قال فذهب إليه فقال: افتح عينيك ففتحهما، فتفل فيهما، قال علي: فما رمدت حتى الساعة، ثم دفع إليه اللواء، ودعا له ومن معه من أصحابه بالنصر.
فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته فانكشف المسلمون وثبت علي، فضرب ضربات فقتله علي، ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم. وخرج مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر أنِّي مرحبُ ... شاكى السلاح بطل مجرَّبُ
أضربِ أحيانًا وحينًا أُضْرَبُ
فحمل عليه فقطرَّه (٢) على الباب وفتح الباب، وكان للحصن بابان.
ومن طريق آخر يورد الواقدي أن الذي قتل الحارث (أبا زينب أخا مرحب) هو أبو دجانة (٣) وليس علي بن أبي طالب، فقد قال: وحدثني
стр. 1556
ابن أبي سبرة عن خالد بن رباح، عن شيوخ من بني ساعدة قالوا: قتل أبو في دجانة الحارث أبا زينب، وكان يومئذٍ معُلْمًا بعمامة حمراء، والحارث معلم بعمامة فوق مِغفره، وياسر وأسير وعامر (كلهم من قادة اليهود) معلمين.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، قال: نزلتُ بأريحا، زمن سليمان بن عبد الملك، فإذا حيّ من اليهود، وإذا رجل يهدج من الكِبَر، فقال: ممن أنتم، قلنا من الحجاز، فقال اليهودى: واشوقاه إلى الحجاز، أنا ابنُ الحارث اليهودى فارس خيابر، قتله يوم خيبر رجل من أصحاب محمد يقال له: أبو دجانة، يوم نزل محمد خيبر وكنَّا ممن أجلى عمر بن الخطاب إلى الشام، فقلت: ألا تسلم؟ قال: أما إنه خير لي لو فعلت، ولكن أعيَّر، تعيّرنى اليهود، تقول: أبوك ابن سيِّد اليهود لم يترك اليهودية، قتل عليها أبوك وتخالفه؟
وقال أبو رافع: كنا مع على حين بعثه النبي ﷺ بالراية فلقى على رجلًا على باب الحصن فضرب عليًّا واتقاه بالتُّرس علي، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه الحصن.
قال الواقدي: ويقال: إن مرحبًا برز كالفحل الصؤول يرتجز وهو يقول:
قد علمت خيبر إني مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرَّب
أضرب أحيانًا وحينا أُضْرَبُ
يدعو للبراز فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس فائذن لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فأذن له رسول الله ﷺ في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج محمد فصاح: يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم فخرج إليه مرحب وهو يرتجز:
قد علمت خيبر إني مرحب.
وخرج محمد بن مسلمة وهو يقول:
قد علمت خيبر إني ماض حدو ... إذا شئت وسمّ قاض
стр. 1557
قال وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه، قال: فحالت بينهما عشرات (١) أصلها كمثل أصل الفحل من النخل وأفنان منكسرة، فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعشر حتى قطع كل ساق لها، وبقى أصلها قائمًا، كأنه الرجل القائم وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، وبدر مرحب محمدًا، فيرفع السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدرقة، فلحج (٢) سيفه، وعلى مرحب درع مشمَّرة فيضرب محمد ساقى مرحب فقطعها، ويقال لما اتقى محمد بالدرقة وشمَّرت الدرع عن ساقى مرحب حين رفع يديه بالسيف، فطأطأ محمد بالسيف فقطع رجليه ووقع مرحب، فقال مرحب: اجهز عليَّ يا محمد! قال محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه ومر به عليّ فضرب عنقه وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله والله ما قطعت رجليه ثم تركته إلا ليذوق الموت، كما ذاقه أخي، مكث ثلاثًا يموت، وما منعنى من الإِجهاز عليه شيء، قد كنت قادرًا بعد أن قطعت رجليه أن أُجهز عليه، فقال عليّ: صدق، ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ودرعه ومغفره وبيضته، فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب، لا يدرى ما هو حتى قرأه يهودى من يهود تيماء فيه:
هذا سيف مرحبْ ... مَنْ يذُقْهُ يُعطَبْ
وحدثني محمد بن الفضل، عن أبيه عن جابر، وحدثني زكريا بن زيد، عن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة ومجمّع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمّع بن حارثة، قالوا جميعًا: محمد بن مسلمة قتل مرحبًا.
قالوا وبرز أُسَير، وكان رجلًا إيّدًا، وكان إلى القِصَر، فجعل يصيح من يبارز، فبرز له محمد بن مسلمة فاختلفا ضربات، ثم قتله محمد بن مسلمة، ثم برز ياسر، وكان من أشدّائهم، وكانت معه حربة يحوش (٣)
стр. 1558
بها المسلمين حوشًا، فبرز له على فقال الزبير: أقسمت عليك إلَّ خليت بيني وبينه، ففعل عليّ، وأقبل ياسر بحربته يسوق بها الناس، فبرز له الزبير، فقالت صفية (عمة رسول الله ﷺ ): ابنى يقُتْلَ يا رسول الله فقال: بل ابنك يقتله، قال: فاقتتلا، فقتله الزبير، فقال له رسول الله ﷺ : فداك عم وخال، وقال النبي ﷺ لكل نبي حواريّ، وحواريَّ الزبير وابن عمتى، فلما قتل مرحب وياسر، قال رسول الله ﷺ : ابشروا، قد ترحَّبت خيبر وتيسرت.
وبرز عامر وكان رجلًا طويلًا جسيمًا، فقال رسول الله ﷺ حين طلع عامر أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز، يخطر بسيفه وعليه درعان مقنَّع في الحديد يصيح: من يبارز؟ فأحجم الناس عنه فبرز إليه على فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئًا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفَّف (١) عليه فأخذ سلاحه.
فلما قتل الحارث ومرحب وأسير وياسر وعامر، مع ناس من اليهود كثير (٢) ولكن إنما سمّى هؤلاء المذكورون، لأنهم كانوا أهل شجاعة، وكانوا هؤلاء جميعًا في حصن ناعم.
ولما رمى محمود بن مسلمة من حصن ناعم، حمل إلى الرجيع (معسكر الجيش) فمكث ثلاثة أيام يموت، وكان الذي دليّ عليه الرحا مرحب، فجعل محمود يقول لأخيه محمد: يا أخي، بنات أخيك لا يتبعن الأفياء (٣) يسألن الناس، فيقول محمد بن مسلمة: لو لم تترك مالًا لكان لي مال، ومحمود كان أكثرهما مالًا -ولم تنزل يومئذ فرائض البنات- فلما كان اليوم الذي مات فيه محمود بن مسلمة، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، فقال رسول الله ﷺ من يبشر محمود بن مسلمة أن الله قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله فخرج جعالة بن سراقة إليه فأخبره، فسرّ بذلك، وأمره أن يقرئ رسول الله ﷺ السلام منه، قال: فأقرأته من
стр. 1559
رسول الله ﷺ ، وقال: محمود لا أراه يذكرنى؟ ؟ ، وكان رسول الله ﷺ يبيت في الرجيع (١) فمات (أي محمود) خلافه، فلما رجع رسول الله ﷺ إلى منزله، وقد جَرحَ عامر بن (سنان) بن الأكوع نفسه، حمل إلى الرجيع فمات، فقبر عامر معه في غار، فقال محمد (بن مسلمة) أقطع لي (٢) عند قبر أخي، قال ﷺ : لك حُضْر (٣) الفرس، فإن عملت فلك حُضْر فرسين (٤) اهـ.
اليهودي الذي طلب الأمان فأعطيه:
وقرب انهيار مقاومة اليهود في حصن ناعم وبينما كان عمر بن الخطاب يقوم بأعمال الدورية ليلًا (والمسلمون على وشك اقتحام حصن ناعم) ألقى رجاله من الحرس (حول المعسكر) القبض على رجل من اليهود فأتى به إليه، فأمر به عمر أن تضرب عنقه، ظنًّا منه أنه جاسوس لليهود، ولكن اليهودى قال لابن الخطاب: اذهب بي إلى نبيكّم حتى أكلمه، فأمسكه عمر، وانتهى به إلى باب رسول الله ﷺ فوجده يصلى، فدخل عليه به، فقال ﷺ لليهودى: ما وراءك ومن أنت؟ قال: تؤمّنى يا أبا القاسم وأصدقك؟ فقال ﷺ : نعم. فقال اليهودى (واسمه سمّاك) (٥) خرجت من حصن النطاة (٦) من عند قوم ليس لهم نظام، تركتهم يتسللون من الحصن في هذه الليلة. فقال رسَول الله ﷺ لليهودى: فأين يذهبون؟ قال إلى أذل إلى الشق (٧) وقد رعبوا منك حتى أن أفئدتهم لتخفق، وهذا
стр. 1560
حصن اليهود فيه السلاح والطعام والودك (١) وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضًا، قد غيبوا ذلك في بيت من حصنهم (أي حصن الصعب) تحت الأرض، قال رسول الله ﷺ لليهودى: وما هو؟ قال منجنيق مفككة ودبابتان وسلاح من دروع وبيض وسيوف (٢). فإذا دخلت الحصن غدًا (وأنت تدخله) قال رسول الله ﷺ : إن شاء الله، قال اليهودى: إن شاء الله .. أوقفك عليه (أي مستودع الأسلحة السرى) فإنه لا يعرفه أحد من اليهود غيرى، ثم قال اليهودى: وأخرى! قيل ما هي قال: تستخرجه (أي السلاح)، ثم انصب المنجنيق على حصن الشق وتدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك، وكذلك تفعل بحصن الكتيبة (٣).
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إني أحسبه قد صدق، فقال اليهودى: يا رسول الله أحقن دمى، فقال ﷺ : أنت آمن، قال: ولى زوجة في حصن النزار فهبها لي، قال ﷺ : هي لك، ثم سأل رسول الله ﷺ لسماك اليهودى هذا: ما لليهود حولّوا ذراريهم من النطاة؟ قال: جرّدوها للمقاتلة، وحولوا الذرارى إلى الشق والكتيبة.
قالوا ثم دعا رسول الله ﷺ اليهودى سمّاك إلى الإِسلام، فقال: انظرني أيامًا ففعل ﷺ .
الوفاء لليهودى بالعهد:
وترك النبي ﷺ اليهودى سماك وشأنه حرًّا، وانشغل ﷺ بإدارة دفة المعارك، وعندما وضعت الحرب أوزارها واستولى المسلمون على جميع
стр. 1561
حصون خيبر، وكان آخرها حصن (النزار)، أسلم اليهودى سماك، بعد أن وفّى له النبي ﷺ بما وعده، فأعطاه زوجته واسمها (نفيلة) وكانت مع نساء اليهود وذراريهم في حصن (النزار)، قال كعب بن مالك: رأيت اليهودى سماك يأخذ بيد امرأة حسناء (وهي امرأته نفيلة) (١).
عدد الخسائر:
وهكذا بعد معارك شديدة كانت سجالًا بين المسلمين واليهود حول حصن ناعم تمكن المسلمون في النهاية بقيادة علي بن أبي طالب من اقتحام هذا الحصن والاستيلاء عليه.
وتدلّ لهجة المؤرخين كما تقدم -على أن القتال حول حصن مرحب وهو (حصن ناعم) أعنف قتال دار بين المسلمين واليهود، وقد دام هذا القتال حول الحصن أكثر من خمسة عشر يومًا لاقى المسلمون فيها مقاومة عنيدة شرسة بلغت إلى حدّ قيام اليهود المدافعين عن هذا الحصن بعدة هجمات مضادة هزموا المسلمين فيها حتى أوصلوا حيث يعسكر القائد الأعلى النبي ﷺ ، الأمر الذي أزعجه كما تقدم، وجعله يحضّ المسلمين على الجهاد ويُبدل القائد الذي كان يتولى قيادة الجند المكلف بفتح حصن مرحب.
ومن هنا يمكن القول: أن تمكن المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب من فتح حصن ناعم جعل جيش الإِسلام يدخل إلى النصر على اليهود في خيبر من أوسع أبوابه.
فاليهود وإن لم يستسلموا كليًّا بعد سقوط حصن (ناعم) إلا أن انهزامهم وفشلهم في الاحتفاظ بهذا الحصن المنيع وقتل المسلمين أمامه لأشجع شجعان اليهود (وهم .. مرحب .. وأخويه .. ياسر .. والحارث .. وعامر) ضعضع من معنويات يهود خيبر، وجعلهم يكادون يفقدون الثقة بأنفسهم بعد أن بلغت هذه الثقة إلى حد الغرور والاستهانة بقوات المسلمين كما رأينا في أول القتال حيث فتح اليهود باب حصن ناعم، وحملوا على المسلمين حتى طاردوهم إلى حيث يقف النبي ﷺ وهيئة أركان قيادته.
стр. 1562
وبالرغم من إجماع المؤرخين على أن القتال كان عنيفًا، ودام طويلًا أمام (حصن ناعم) إلا أن أحدًا لم يذكر عدد القتلى (تحديدًا) من الجانبين، وإن كان جاء ذكر القادة اليهود الخمسة الذين صرعوا مبارزة أمام الحصن وكلهما من الحميريين قوم مرحب (وهم مرحب، وياسر والحارث وعامر وأُسَير) وذكر ثلاثة من شهداء المسلمين وهم (محمود بن مسلمة وعامر بن سنان بن الأكوع والعبد الحبشى) إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء القلى من الفريقين هم (فقط) حصيلة معارك (حصن ناعم)، بل أن القرائن لتدل على أن القتلى بين الفريقين أكثر من ذلك، بدليل أن خمسين من المسلمين أصيبوا (في اليوم الأول من القتال) بجراحات مختلفة نقلوا على أثرها إلى مركز الإسعاف في معسكر الرجيع (١).
كما أن اليهود في اليوم الذي اقتحم فيه المسلمون حصن مرحب (حصن ناعم) قد دافعوا عن الحصن دفاعًا عنيدًا، مما يجعل الإِصابة بينهم كثيرة.
الغنائم والمعدات:
كذلك عند وصف استيلاء المسلمين على (حصن ناعم) لم يشر أحد من المؤرخين إلى مبلغ الغنائم وكميات السلاح التي استولى عليها المسلمون عند فتحهم هذا الحصن الذي يعتبر أقوى وأمنع حصن في خيبر.
ويمكن القول أن المسلمين لم يحصلوا على شيء يُذكر لأن اليهود تحسبًا للطوارئ (كما سيأتي) نقلوا النساء والذرية إلى حصن النزار أحصن وآخر حصون الشطر الأول من خيبر.
* * *
فتح حصن الصعب
كان حصن (الصعب بن معاذ) من حصون النطاة، المنطقة الواقعة في القسم الأول من مدينة خيبر.
ويعتبر هذا الحصن: الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة والتحصين، بعد حصن مرحب (حصن ناعم) الذي سيطر عليه المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة.
стр. 1563
وكان قادة اليهود عندما رسموا خطة الدفاع عن خيبر، وقرروا ضمن خطتهم أن يكون حصن مرحب (المسمى بحصن ناعم) خط الدفاع الأول لمكانه الاستراتيجى، نقلوا منه (قبل وصول المسلمين) النساء والأطفال وكل أمواهم إلى حصن النزار ولم يتركوا في حصن (ناعم) سوى حَمَلة السلاح الذين عليهم أن يدافعوا عن الحصن.
وذلك ليسهل عليهم الانسحاب من حصن ناعم إلى خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) ولتكون نساؤهم وذراريهم وأمِوالهم في مأمن إذا ما قدر للمسلمين أن يستولوا على حصن ناعم. وفعلًا، فإن مقاومة اليهود عندما انهارت وعجزوا عن صدّ هجوم المسلمين على حصن ناعم، تمكنوا بكل سهولة من الانسحاب إلي خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) ويدلنا على ذلك أن أحدًا من اليهود لم يقع في أسر المسلمين، أثناء معارك حصن ناعم، فلم أرَ (فيما بين يدي من مصادر التاريخ أن أسيرًا واحدًا من اليهود قد وقع في أيدى المسلمين.
محاصرة حصن الصعب:
وبعد أن تمكن المسلمون من الاستيلاء على حصن ناعم (بقيادة علي بن أبي طالب) وتحوُّلِ اليهود إلى خط الدفاع الثاني (حصن الصعب بن معاذ) وجَّه المسلمون هجومهم على الحصن فضربوا عليه الحصار تمهيدًا لاقتحامه وفتحه.
النبي يعطي الراية الحباب بن المنذر:
وكما أعطى النبي ﷺ الراية وقيادة المحاربين لعلي بن أبي طالب للقيام بمهمة فتح حصن ناعم أعطى الراية وقيادة الجيش للحباب بن المنذر الأنصاري للقيام بالهجوم على حصن الصعب بن معاذ فتولى أمر الهجوم حتى فتحه (١).
المجاعة في بعض وحدات الجيش:
وقد حدث نقص خطير في المواد الغذائية بين عدة كتائب من الجيش الإِسلامي إلى حدّ المجاعة نتيجة طول الحصار وشراسة الردود في القتال أثناء
стр. 1564
الدفاع عن الحصون التي كانوا يعتصمون بها.
قال معتّب الأسلمي: أصابنا معشر أسْلم خصاصة (١) في خيبر فأقمنا عدة أيام على حصن النطاة، لا نفتح شيئًا فيه (٢) طعام، فأجمعت أسلم أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ أسماء بن حارثة، فقالوا: إيت محمدًا رسول الله ﷺ فقل له: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف، فجاء أسماء بن حارثة فقال: يا رسول الله، إن أسلم (٣) تقول: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع الله لنا، فدعا لهم رسول الله ﷺ ، ثم قال: والله ما بيدى ما أقريهم (٤) ثم صاح فقال: اللهمّ افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعامًا وأكثره ودكًا (٥) وقالت أم مطاع (٦) الأسلمية -وكانت قد شهدت خيبر مع رسول الله ﷺ قالت: لقد رأيت أسلم حين شكَوا إلى رسول الله ﷺ من شدة الحال فندب الناس، فنهضوا، فرأيت أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ، وإن عليه لخمسمائة مقاتل فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه الله، كان عليه قتال شديد، برز رجل من اليهود يقال له: يوشع يدعو إلى البراز، فبرز إليه الحباب بن النذر، فاختلفا ضربات، فقتله الحباب، وبرز آخر يقال له: الدَّيال، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري (٧) فيضربه ضربة على هامته، وهو يقول خذها وأنا الغلام الغفاري فقال الناس: بطل جهاده، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: ما باس به يؤجر ويحمد (٨).
стр. 1565
النهي عن لحم الحمر الأهلية:
وقد بلغ الجوع ببعض وحدات جيش الإِسلام بعد أن نفدت مواده الغذائية نتيجة طول الحصار، بلغ الجوع ببعض هذه الوحدات إلى أن يذبحوا الحمير ليأكلوها .. فقد قال رهم الغفار: أصابنا جوع شديد، ونزلنا خيبر زمان البلح، وهي أرض وخيمة حارة شديد حرّها، فبينا نحن محاصرون (حصن الصعب بن معاذ) فخرج عشرون حمارًا أو ثلاثون، فلم يقدر اليهود على إدخالها، وكان حصنهم مَنعة، فأخذها المسلمون فانتحروها وأوقدوا النيران وطبخوا لحومها في القدور، والمسلمون جياع، ومرّ بهما رسول الله ﷺ وهم على تلك الحال، فسأل فأخبر فأمر مناديًا ينادى: إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن الحُمُر الإِنسية -قال: فكفّوا القدور- وعن متعة النساء وعن أكل ذي ناب ومخلب.
أما لحوم الخيل فقد أذن فيها (١).
وكانوا أبو اليَسَر (٢) يحدث أنهم حاصروا حصن الصعب بن معاذ ثلاثة أيام، وكان حصنًا منيعًا، وأقبلت غنمًا لرجل من اليهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول الله ﷺ : من يطعمنا من هذه الغنم؟ فقلت: أنا يا رسول الله، فخرجت أسعى مثل الظبى، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ موليًا قال: اللهم متعنا به! قال: فأدركت الغنم، وقد دخل أولها الحصن فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتها تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس معى شيء، حتى أتيت بهما رسول الله ﷺ فأمر بهما فذبُحتا، ثم قسمهما فما بقى أحد من أهل المعسكر الذين هم معه محاصرين الحصن إلا أكل منها، فقيل لأبي اليسر: وكم كانوا؟ قال: كانوا عددًا كثيرًا فيقال:
стр. 1566
أين بقية الناس؟ فيقول في الرجيع بالمعسكر، فسمع أبو اليسر -فيما بعد وقد كبر وصار شيخا كبيرًا- وهو يبكى في شيء غاظه من بعض ولده، فقال: لعمرى بقيت بعد أصحابي ومتّعوا بي وما أمتع بهم؟ ! لقول رسول الله ﷺ : اللهم متعنا به، فبقى فكان من آخرهم.
عدد المدافعين عن حصن الصعب:
كان حصن الصعب (الذي تحوَّل إليه اليهود من حصن ناعم) يتولى الدفاع عنه وحده خمسمائة مقاتل (١) من اليهود بقيادة قائدين منهم، أحدهما يقال له (الدَّيال) والثاني يقال له (يوشع).
كان حصن الصعب منيع الأسوار عالى الأبراج وكان مشحونًا بالمقاتلة اليهود وبينهم رماة بالنبل على غاية من المهارة في إصابة الهدف.
المبارزة أمام الحصن:
وذكر المؤرخون أن اليهود دافعوا عن حصن الصعب بن معاذ بشراسة وضراوة لا تقلان عن الضراوة والشراسة التي دافعوا بهما عن حصن (ناعم) بل كان دفاعهم عن حصن الصعب بن معاذ أشد وأقوى لأنه كان يضم كثيرًا من الأموال والعتاد الحربى وآلات حربية مختلفة.
وعندما أخذت قوات الإسلام مواقعها وضربت الحصار على اليهود في حصن الصعب، خرج كبير قادة اليهود على فرسه أمام الحصن وطلب المبارزة على الطريقة العربية التقليدية المعروفة، وكان اسم هذا القائد اليهودى (يوشع) فخرج لملاقاته حامل لواء جيش الإسلام والمكلف بقيادة الهجوم على الحصن، الحباب بن المنذر بن الجموح فنازله (مبارزة) وبعد كرّ وفر ومقارعة عنيفة بالسيوف تمكن قائد قوات المسلمين من قتل القائد اليهودى يوشع.
بعد مصرع القائد اليهودى يوشع غضب اليهود أشد الغضب، وفي الحال خرج قائد يهودى ثانٍ هو (الديال) وركز رمحه أمام الحصن وطلب من المسلمين المبارزة.
стр. 1567
فخرج إليه عمارة بن عقبة الغفاري فجرت المطاردة منهما على فرسيهما كل يريد القضاء على قرينه وبعد مبارزة شاقة حمل عمارة بن عقبة الفارس على الديال حملة صادقة فسدّد إليه ضربة من سيفه فكانت القاضية.
وكان تمكُّن المسلمين من قتل القائدين اليهوديين الكبيرين مبارزة أمام حصن الصعب بداية سيئة لليهود المدافعين عن الحصن.
معركة التراشق بالسهام:
وقد استشاط اليهود غضبًا لمصرع قائديهم (يوشع والديال) فقاموا بهجوم عنيف معاكس على المسلمين مهدوا له بقذف شديد من سهامهم التي صبُّوها كالمطر على المسلمين من أبراج الحصن، وقد ركز اليهود (أثناء قذفهم المسلمين بالسهام) على الموقع الذي يقف فيه القائد الأعلى النبي ﷺ بغية إصابته، وكان يهود خيبر من أمهر رماة النبل.
وقد تساقطت نبال اليهود المصوّبة من مقاذف الحصن حول النبي ﷺ فأقام المسلمون من أنفسهم تُرْسًا (١) حول النبي القائد ﷺ الذي كان راكبًا جواده يرقب المعركة .. وذلك حماية لذاته الشريفة من أن يصيبها شيء من سهام اليهود التي أرسلوها نحوه كالمطر طمعًا منهم في أن يتمكنوا من قتله.
وكان المسلمون يردون على قذف اليهود بقذف مثله من نبالهم، ولكن أثر رمى المسلمين على اليهود ليس كأثر رميهم على المسلمين، لأن اليهود كانوا يتسترون وراء أسوار وجدران حصنهم بيما كان السلمون مكشوفين لليهود أمام الحصن.
ولم يذكر أحد من المؤرخين أن سهام اليهود قد أصابت أحدًا من المهاجمين المسلمين غير أنه من المحتمل جدًّا أن تكون هناك إصابات بينهم نتيجة قذفهم بالسهام من الحصن، وقد ذكر بعض المؤرخين (٢) أن عددًا من المسلمين سقطوا قتلى قبل افتتاح الحصن، ولم يذكر هل قتلوا بنبال اليهود أم بطريقة أخرى.
стр. 1568
هجوم اليهود المضاد:
وبعد معركة التراشق بالسهام وانتصار المسلمين في عمليات المبارزة أمام حصن الصعب شدّد المسلمون من حصارهم حول الحصن وحاولوا اقتحامه بهجوم عام إلا أنهم قوبلوا من قبل اليهود المدافعين عن الحصن بمقاومة عنيفة حالت بينهم وبين اقتحام الحصن.
بل إن اليهود بلغ بهم الاستبسال والشراسة في الدفاع عن حصن الصعب إلى أن يفتحوا أبواب هذا الحصن ويقوموا بهجوم مضادّ كاسح عنيف كشفوا به قوات المسلمين وهزموها وطاردوها حتى المكان الذي يقف فيه النبي القائد ﷺ وكادوا في هجومهم المضادّ يصلون إلى النبي ﷺ إلا أنه ﷺ ثبت مكانه كعادته في مثل هذه المواقف الحرجة وأخذ يثبّت المسلمين أمام هجوم اليهود الكاسح ويحضّهم على الجهاد حتى أن الرسول ﷺ عندما انهزم المسلمون (ما عدا قائدهم الحباب بن المنذر) أمام هجوم اليهود الكاسح -نزل ﷺ من علي فرسه كأنه يوطّن المسلمين على الثبات، وأمام نداءات الرسول ﷺ الموجّهة إلى أصحابه بأن يثبتوا ويواجهوا اليهود المهاجمين مواجهة المجاهد الصابر المحتسب، عاد إلى هؤلاء الأصحاب المنهزمين رشدهم فعادوا إلى ميدان القتال وأخذوا يتحلّقون حول نبيهم الأعظم ﷺ الذي كان يلقى عليهم الدروس -عمليًّا- كيف يكون الثبات ساعة الكرب والشدة .. وبهذا صمدوا في وجه هجوم اليهود الكاسح فأوقفوه فاضطر اليهود إلى أن يعودوا إلى حصنهم ويغلقوا الأبواب على أنفسهم بعد أن تركوا عددًا من قتلاهم في الميدان. قال الواقدي في ص ٦٦٢ لكنهم أخذوا يرمون بالحجارة. وقالت أم عمارة ٦٦١ تذكر انهزام أصحاب سعد بن عبادة.
وكان قائد المسلمين في حرب (حصن الصعب بن معاذ) الحباب بن المنذر قد ثبت مكانه يقاتل اليهود بشراسة وثبات عندما انكشف رجاله أمام هجوم اليهود المضادّ، ولهذا فإن المسلمين المنهزمين عندما ثبتوا بعدما رفع الرسول ﷺ من روحهم المعنوية بثباته مكانه وحضّهم على الجهاد جمعوا صفوفهم وعادوا من جديد إلى التجمع خلف قائدهم الحباب بن المنذر الذي قام بتنظيمهم في الحال ثم شنّ بهم في نفس الوقت هجومًا عنيفًا على
стр. 1569
حصن الصعب بغية اقتحامه فطارد اليهود حتى أدخلهم حصنهم الذي أغلقوا أبوابه.
ولكنه لقى من اليهود مقاومة عنيدة حالت بينه وبين اقتحام الحصن، فقد اقترب المسلمون من أسوار الحصن في هجوهم، ولكن اليهود أطلقوا عليهم سيولًا جارفة من سهامهم، كما قذفوهم من أسوار الحصن قذفًا شديدًا بالحجارة التي أعدُّوها لمثل ذلك الموقف .. فتراجع المسلمون عن الحصن أمام انهمار السهام والحجارة التي سلّطها عليهم المدافعون عن الحصن.
الهجوم اليهودى المعاكس مرة أخرى:
واغتنم اليهود فرصة تباعد المسلمين المهاجمين عن أسوار الحصن فشنّوا في الحال على المسلمين هجومًا معاكسًا ثانيًا كان أعنف من الهجوم الأول، حيث فتحوا أبواب حصنهم وحملوا على المسلمين حملة منكرة، ولكن المسلمين هذه المرة ثبتوا مع قائدهم (الحباب) وقابلوا هجوم اليهود بهجوم مضادّ آخر، فدارت أمام الحصن معركة طاحنة استمات فيها الفريقان وقد سقط في هذا القتال من المسلمين عدد من القتلى، ولكن النصر كان في النهاية لهم حيث تمكنوا من صدّ هجوم اليهود، فدحروهم حتى ولوَّا منهزمين فدخلوا حصنهم وأغلقوا على أنفسهم الأبواب.
قال المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع ص ٣١٧): ولما أقام المسلمون على حصن الصعب يومين عدا بهم الحباب بن المنذر في اليوم الثالث ومعه الراية فقاتلهم أشد قتال، وبكّر رسول الله ﷺ فتراموا بالنبل، وقد ترّس المسلمون على رسول الله ﷺ ثم حملت اليهود حملة منكرة، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ ، وهو واقف قد نزل عن فرسه ومدعم (١) يمسك الفرس، وثبت الحباب برايته يراميهم على فرسه.
فندب رسول الله ﷺ الناس وحضّهم على الجهاد فأقبلوا حتى زحف بهم الحباب، واشتد الأمر فانهزمت اليهود وأغلقوا الحصن عليهم، ورموا على جدره بالحجارة رميًا كثيرًا، فتباعد عنهم المسلمون، ثم كرّوا
стр. 1570
فخرجت اليهود وقاتلوا أشد قتال، فقتا ثلاثة من المسلمين ثم هزمهم الله تعالى.
قال الواقدي: حدثني خالد بن إلياس عن جعفر بن محمود في محمد عن محمد بن مسلمة قال: كنت فيمن ترّس عن النبي ﷺ ، فجعلت (عند اشتداد هجوم اليهود) أصيح بأصحابه: تراموا بالجحف! ففعلوا، فرمونا (أي اليهود) حتى ظننت أن لا يقلعوا، فرأيت رسول الله ﷺ رمى بسهم فما أخطأ رجلًا منهم، وتبسم إليّ رسول الله ﷺ انفرجوا ودخلوا الحصن.
وحدّث الواقدي أيضًا عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال "يصف القتال العنيف أمام حصن الصعب بن معاذ": لما انتهينا إلى حصن الصعب بن معاذ وغزا بنا الحباب بن المنذر بن الجموح، ومعه راكنا وتبعه المسلمون، وقد أقمنا على حصن الصعب يومين نقاتلهم أشد القتال، فلما كان اليوم الثالث بكر رسول الله ﷺ فخرج رجل من اليهود (من الحصن) كأنه الدقل (١) وخرج وعاديته (٢) معه فرموا بالنبل ساعة سراعًا، وترّسنا عن رسول الله ﷺ وأمطرونا بالنبل، فكأن نبلهم الجراد، حتى ظننت أن لا يقلعوا، ثم حملوا حملة رجل واحد، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ ، وهو واقف، قد نزل عن فرسه، ومدعم (مولاه) يمسك فرسه، وثبّت الحباب رايتنا، والله ما يزال يراميهم على فرسه.
وندب رسول الله المسلمين وحضّهم على الجهاد ورغّبهم فيه، وأخبرهم أن الله قد وعده خيبر يغنّمه إياها، قال: فأقبل الناس جميعًا حتى عادوا إلى صاحب رايتهم، ثم زحف بهم الحباب، فلم يزل يدنو قليلًا قليلًا، وتراجع اليهود على أدبارها حتى لحَمَها الشر فانهزموا سراعًا ودخلوا الحصى وغلقّوا
стр. 1571
عليهم، ووافوا على جُدُر -وله جدر دون جدر- (أي سور خلف سور) فجعلوا يرموننا بالجندل (١) رميًا كثيرًا، ونحّونا عن حصنهم بوقع الحجارة حتى رجعنا إلى موضع الحباب الأول.
ثم إن اليهود تلاومت بينها، وقالت: ما نستبقى لأنفسنا؟ قد قتل أهل الجد والجلد في حصن ناعم، فخرجوا مستميتين ورجعنا إليهم فاقتتلنا على باب الحصن أشدّ قتال.
وقتل يومئذ ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أبو صياح، وقد شهد بدرًا، ضربه رجل منهم بالسيف فأطن قحف (٢) رأسه، وعديّ بن مرة بن سراقة، طعنه أحد اليهود بالحربة بين ثدييه فمات، والثالث، الحارث بن حاطب وقد شهد بدرًا، رماه رجل من الحصن فدمغه، وقد قتلنا منهم على الحصن عدّة، كلما قتلنا منهم رجلًا حملوه حتى يدخلوه الحصن.
مصرع سلَّام بن مشكم:
وفي معارك حصون النطاة لقى سلَّام بن مِشكمَ أحد سادات اليهود من بني النضير وزوج زينب بنت الحارث أخي مرحب التي دسّت السِم للنبي ﷺ في الشاة بغية قتله -كما سيأتي تفصيله إن شاء الله- لقى سلَّام هذا مصرعه أثناء القتال بين المسلمين واليهود في النطاة.
وبالرغم من إشارة المؤرخين إلى أن سلَّام بن مِشكم كان القائد العام لقوات اليهود المحاربة في منطقة النطاة التي شهدت أعنف المعارك بين المسلمين واليهود، وبالرغم من الإشارة إلى أن هذا القائد اليهودى الكبير قد لقى مصرعه في معارك النطاة، فإن أحدًا من المؤرخين -فيما بلغني- لم يذكر أن القائد (سلَّام بن مشكم) قد كان له أي دور حربى يُذكر، بالرغم من أنهم أكدوا أنه قتل في معارك النطاة. إلا أن أحدهم (وهو الإمام الواقدي) قد أعطى تفسيرًا لعدم مباشرة سلَّام بن مِشكم القتال (كزملائه من قادة يهود النطاة مثل مرحب وياسر والحارث وأُسَير ويوشع) وهو أنه كان مريضًا، وبالرغم من مرضه المقعد، لم يترك النطاة حتى قتل، بالرغم
стр. 1572
من نصح أصحابه له بأن يهرب إلى منطقة (الكتيبة) ليكون في مأمن، لأن خبراء اليهود كانوا يتوقعون أن أهل الكتيبة لن يقاتلوا المسلمين بل سيصالحونهم.
قال الواقدي: قال عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث "للنبي ﷺ ": قتلت أبي (١)، قال: قُتِلَ يوم خيبر أبوها الحارث، أشجع اليهود، وأخوه زبير قتل يومئذ، فكان زوجها سيّدهم وأشجعهم (سلام بن مِشكمَ)، مريضًا، وكان في حصون النطاة، فقيل له: إنه لا قتال فيكم، فكن في الكتيبة، قال: لا أفعل أبدًا، فقُتِل وهو مريض، وهو (أي سلَّام بن مِشكمَ) أبو الحكم الذي يقول فيه الربَّيع بن أبي الحُقيق:
ولما تداعوا بأسيافهم ... فكان الطعانُ دعونا سلاما
وكنا إذا ما دعونا به ... سقينا سُراةَ العدوَّ السِّماما
وهو (أي سلَّام بن مشكم) صاحب حربهم (أي قائدهم الحربى الأعلى) ولكن الله شغله بالمرض (٢).
انهزام اليهود وفتح الحصن:
وبالرغم من أن يهود المدافعين عن حصن الصعب بن معاذ أغلقوا الأبواب عند تراجعهم أمام الحباب بن المنذر ورجاله، إلا أن الاضطراب قد عمّهم، وأخذت معنوياتهم في الانهيار، ولحظ ذلك قائد الهجوم على الحصن (الحباب بن المنذر) فاغتنم فرصة اضطراب اليهود وتدنى معنوياتهم، فرسم في الحال خطة لاقتحام حصن الصعب وفتحه.
وبموجب هذه الخطة شنّ القائد الحباب برجاله هجومًا عامًّا خاطفًا على الحصن، فاقتحموه وقاتلوا بضراوة حتى افتتحوه واستولوا على كل ما فيه من أسلحة وأرزاق، وكانت شيئًا عظيمًا فرّج الله به الضائقة التي كان يعانى منها الجيش الإسلامي الذي نفدت تمويناته بسبب طول إقامته محاصرًا لحصون خيبر.
стр. 1573
وقد سقط قتلى كثيرون من اليهود الذين كانوا يدافعون عن حصن الصعب بن معاذ، كما وقع عدد منهم في الأسر.
معدات ثقيلة وأسلحة يستولى عليها المسلمون في حصن الصعب:
وبالإِضافة إلى المواد الغذائية الكثيرة التي استولى عليها المسلمون في هذا الحصن، وجدوا -تحت الأرض مدفونًا- آلات حربية وأسلحة كثيرة مختلفة، بينها دروع وسيوف ومنجنيقات "وهي آلات قاذفة مهمتها تدمير القلاع والحصون" كما وجدوا من الالآت الحربية دبابات (وهي آلات من الحديد على شكل صفائح كبيرة العرض والطول تصنع ليتقدم خلفها الجنود لتحميهم من السهام والحراب عندما يريدون مهاجمة حصن أو قلعة لفتحها).
والدبابات آلات واقية متطورة لا تستعملها في تلك العصور إلا الجيوش الرومانية والفارسية لكونها أرقى الجيوش تنظيمًا في العالم آنذاك.
ولا يدرى أحد كيف حصل يهود خيبر على هذه الدبابات التي لا يعرف أن أحدًا كان يصنعها أو يستعملها في جزيرة العرب في ذلك الوقت أو قبله.
ولا يستبعد أن يكون يهود خيبر قد جلبوها من الشام أو أنهم كانت لهم خبرة بصنعها فصنعوها محليًا في خيبر عندما شعروا بخطر الغزو الإِسلامي.
ثم أن الذي يثير سؤالًا آخر هو أن الدبابات التي غنمها المسلمون من يهود حصن الصعب هي آلات هجومية تستخدم في الهجوم على المدن والقلاع، فهل كان اليهود يعدّون العدة لغزو المدينة فأعدوا هذه الدبابات ليستخدموها في الهجوم على المدينة؟
إن الجواب على هذا السؤال (بنعم) هو التفسير الصحيح لوجود هذه الدبابات لدى اليهود في خيبر وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الدبابات هي آلات هجومية بينما المعركة في خيبر بالنسبة لليهود هي معركة دفاعية لا تحتاج إلى هذه الدبابات.
стр. 1574
آداب حربية نبوية:
وعندما استولى المسلمون على حصن ابن معاذ نادى منادى النبي القائد ﷺ بمنع أخذ أي شيء من الغنائم قبل قسمتها ما عدا الضرورى الذي يحتاجه الإِنسان لحينه فقال: (كلوا واعلفوا ولا تحتملوا -يعني لا تخرجوا به إلى بلادكم- فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم وعلف دوابهم، ولم يمنع أحد من شيء، ولم يخمّس (١) ثم نقلت الغنائم والأسلاب إلى معسكر الجيش النبوى.
إراقة الخمر وكسر آنيتها:
وقد وجد المسلمون في حصن الصعب ضمن متروكات اليهود المنهزمين كميات كبيرة من الخمر المعتَّق فأمر النبي ﷺ بكسر آنيتها وإراقتها.
وضرب رجل من الجند المسلمين من هذه الخمر يقال له: "عبد الله الخمَّار" فخفقه رسول الله ﷺ بنعليه وأمر من حضروه فخفقوه بنعالهم (٢).
لا تلعنه:
وقد لعن عمر بن الخطاب هذا الرجل لشربه الخمر فقال النبي ﷺ لا تلعنه - فإنه يحب الله ورسوله.
ثم راح عبد الله كأنه أحدهم فجلس معهم.
كما وجد الجيش في حصن الصعب آنية من نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب فقال النبي ﷺ : اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها، واشربوا (٣).
وقد وصف الواقدي معركة حصن الصعب فقال: (فيما رواه عن أبي سبرة أحد الذين شهدوا فتح خيبر): ثم حمل صاحب رايتنا، وحملنا معه، وأدخلنا اليهود الحصن وتبعناهم في جوفه فلما دخلنا عليهم الحصن، فكأنهم
стр. 1575
غنم، فقتلنا من أشرف لنا (١)، وأسرنا منهم، وهربوا في كل وجه يركبون الحرّة (٢) يريدون حصن قلعة الزبير، وجعلنا ندعهم يهربون (أي أن عسكر الإِسلام لم يتعقبّوا اليهود المنهزمِين من الحصن)، وصعد المسلمون على جدره، فكبّروا عليه تكبيرًا كثيرًا، ففتتنا أعضاد اليهود بالتكبير، لقد رأيت فتيان أسلم وغفار فوق الحصن يكبِّرون، فوجدنا والله من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك، من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك.
ونادى منادى رسول الله ﷺ : كلوا واعلفوا ولا تحتملوا، يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم، فكان المسلمون يأخذون من ذلك الحصن مقامهم، طعامهم وعلف دوابهم، لا يُمْنَعُ أحد أن يأخذ حاجته، ولا يُخَمَّس الطعام، ووجدوا فيه من البز والآنية، ووجدوا خوابى السكر (٣)، فأمروا فكسروها، فكانوا يكسرونها حتى سال السكر في الحصن، والخوالى (٤) كبار لا يطاق حملها، وكان أبو ثعلبة الخشني (٥) يقول: وجدنا فيه آنية من نحاس وفخار، كانت اليهود تأكل فيها وتشرب، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: اغسلوها واطبخوا فيها واشربوا، وقال أسخنوا فيها الماء (٦) ثم اطبخوا بعد .. وكلوا واشربوا، وأخرجنا منه غنمًا كثيرًا، وبقرًا وحُمرًا، أخرجنا منه آلات كثيرة للحرب، ومنجنيقًا ودبابات وعدّة، فنعلم أنهم كانوا يظنون أن الحصار يكون دهرًا، فجعل الله خزيهم.
وحدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لقد خرج من أطم (٧) من حصن الصعب بن معاذ من البز عشرون عكمًا محزومة من غليظ متاع اليمن، وألف وخمسمائة قطيفة، يقال قدم كل رجل بقطيفة على أهله، ووجد عشرة أحمال خشب، فأمر به فأخرج من الحصن ثم أحرق،
стр. 1576
فمكث أيامًا يخترق، وخوابي سكر (بفتح أوله وثانيه) كسرت وزقاق خمر (١) فأهريقت وعمد يومئذ رجل من المسلمين فشرب من الخمر، فرفع إلى رسول الله ﷺ فكره حين رفع إليه، فخفقه بنعليه (٢)، ومن حضره، فخفقوه بنعالهم، وكان يقال له: عبد الله الخمار، وكان رجلًا، لا يصبر كل الشراب، قد ضربه رسول الله ﷺ مرارًا، فقال عمر بن الخطاب: اللهم العنه! ما أكثر ما يضرب! فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل يا عمر، فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله فجلس معهم كأنه أحدهم.
وقالت أم عمارة (٣) (وكانت ممن حضر خيبر): لقد وجدنا في حصن الصعب بن معاذ من الطعام، ما كنت أظن أنه لا يكون بخيبر، جعل المسلمون يأكلون مقامهم شهرًا وأكثر، من ذلك الحصن، فيعلفون دوابهم، ما يمنَعُ أحد منهم، ولم يكن فيه خمس وأخرج من البزوز شيء كثير يباع في المقسم، ووجد فيه خرز من خرز اليهود، فقيل لها: فمن الذي يشترى ذلك في المقسم؟ قالت: المسلمون واليهود الذين كانوا في الكتيبة فآمنوا، ومن حضر من الأعراب، فكل هؤلاء يشترى، فأما من يشترى من المسلمين، فإنما يحاسب به من المغنم.
وقال الواقدي أيضًا: لما نظر عُيينة بن حصن، إلى حصن الصعب بن معاذ، والمسلمون ينقلون منه الطعام والعلف والبز قال: ما أحد يعلف لنا دوابنا ويطعمنا من هذا الطعام، فقد كان أهله كرامًا فشتمه المسلمون (٤) وقالوا: لك الذي جعل لك رسول الله ﷺ ، ذو الرقيبة (٥) فأسكت.
стр. 1577
رجحان كفة المسلمين:
وهكذا (وبسقوط حصن ناعم وحصن الصعب في أيدى المسلمين) ظهر رجحان كفة المسلمين في المعركة، وبدأ اليأس والجزع يتسرَّبان إلى قلوب اليهود، وأخذت حالتهم المعنوية في الضعف، بعد أن كانوا لا يتصورّون أن قواتهم (وهي أكثر من عشرة آلاف مقاتل) ستأخذ في التقهقر أمام جيش الإِسلام الذي لا يزيد عدده على ألف وأربعمائة مقاتل، مكشوفين في العراء، أمام أبراج اليهود المشحونة بآلاف الرماة الذين لا يجيد أحد الرمي بالنبل مثلهم، كما شهد بذلك الحباب بن المنذر.
لقد كان حصن ناعم (حصن أشجع رجالات اليهود وهم من أسرة مرحب الحميريين المتهودِّين)، وحصن الصعب بن معاذ يعتبران أقوى خطوط الدفاع اليهودية الأمامية التي كانوا يعلقون على مناعتها وبسالة الرجال المرابطين وراء أسوارهما أعظم الآمال في صدّ هجمات الجيش النبوى، الذي ما كان قادة اليهود يشكون لحظة، بأن هذا الجيشى سيطول به المقام أمام أسوار هذين الحصنين دون أن يتمكن من اقتحامهما، الأمر الذي - كما كان يهود خيبر يتصورون - يضطره للعودة من حيث أتى دون أن يحقق أي شيء من أهدافه .. ولكن الذي حدث كان مفاجأة مذهلة لليهود وأنصارهم، حيث تمكن الجيش الإسلامي من اقتحام هذين الحصنين الذين كان اقتحامهما بداية نهاية مقاومة اليهود في خيبر.
فرقة تطهر منطقة النطاة:
وتدل تقارير المؤرخين على أن هناك حصونًا أخرى في النطاة (غير حصنى ناعم والصعب) إلا أن هذه الحصون ليست ذات أهمية من الناحية العسكرية.
ولهذا فإن قيادة الجيش الإسلامى لم تكلّف نفسها بضرب الحصار على هذه الحصون، أو مهاجمتها، لأن تحرّيات استخبارات الجيش النبوى أكدت أنه ليس بحصون النطاة (ما عدا حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ وقلعة الزبير) ما يخشى منه على الجيش الإسلامي، حيث اتضح أن هذه
стр. 1578
الحصون خالية تقريبًا من المقاتلين اليهود، ولم يكن بها تحصينات حربية تذكر. ومع ذلك فإن النبي القائد ﷺ قد أمر (بعد احتلال حصنى ناعم والصعب) وحدة من الجيش النبوى بالبقاء في منطقة النطاة للتفتيش في هذه الحصون وتعقب من يمكن أن يكون مختبئًا من المسلحين اليهود في هذه الحصون، ثم القضاء عليهم.
لأنه -كما يظهر- بلغه أن بعضًا من محاربى اليهود لا يزالون مختفين في بعض حصون النطاة.
قال الواقدي: وتحوّلت اليهود من حصن ناعم ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة إلى حصن يقال له: قلعة الزبير.
فزحف رسول الله ﷺ إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم، وهو حصن منيع، وإنما هو في رأس قلعة، لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال لصعوبته وامتناعه: (وبقيت في حصون النطاة بقايا، لا ذكر لهم في بعض حصون النطاة، الرجل والرجلان، فجعل رسول الله ﷺ بإزائهم رجالًا يحرسونهم، لا يطلع أحد عليهم إلا قتلوه) (١).
فتح قلعة الزبير
وبعد أن استولى المسلمون على حصن الصعب بن معاذ - وهو الحصن الثاق من حصون النطاة - تحوّل اليهود إلى الحصن المسمى (بقلعة الزبير) وهو الحصن الثالث من حصون النطاة الواقعة في الشطر الأول من مدينة خيبر.
وقلعة الزبير حصن منيع جدًّا يقع على قمة جبل عالية صعبة المسالك وحسب خطة انسحاب اليهود جعلوا من قلعة الزبير خط دفاعهم الثالث.
فانتقلوا إلى هذا الحصن بعد أن فقدوا (حصن الصعب بن معاذ).
وقد تحصّن اليهود في (قلعة الزبير المنيعة) واستعدوا فيه لقتال المسلمين، فشحنوا أبراج القلعة بالمقاتلين، ووضعوا كتائب رماة النبل في مواضع
стр. 1579
تشرف على قوات المسلمين التي كانت قد تحولت بدورها وضربت الحصار على اليهود في قلعة الزبير بعد احتلال حصن الصعب.
صعوبة اقتحام الحصن:
قام المسلمون بعدة محاولات لاقتحام قلعة الزبير وفتحها، ولكنهم لم يتمكنوا وذلك لمناعة هذا الحصن ووعورة المسالك المؤدية إليه ولوقوع هذه المسالك مكشوفة تحت مرمى سهانم اليهود.
ومن جهة أخرى لم يقم اليهود أول الأمر بفتح أبواب الحصن لمهاجمة المسلمين أو طلب مبارزتهم كما فعلوا أثناء حصار حصن (ناعم) وحصن (الصعب بن معاذ).
ويظهر أن ذلك راجع إلى اطمئنانهم إلى العلوّ الشاهق الذي يقع عليه هذا الحصن وإلى أن المسلمين لذلك لن يقدروا على اقتحامه لصعوبة الوصول إليه وفتحه بقوة السلاح.
إجبار اليهود على القتال خارج الحصن:
وكان المسلمون لا يرغبون في إطالة مدة الحصار على الحصن، بل يتوقون للدخول مع اليهود في معركة فاصلة خارج الحصن لأنهم جازمون أن النصر سيكون حليفهم في هذه المعركة.
وبينما المسلمون يتبرَّمون بامتناع اليهود بهذه القلعة المنيعة ويديرون الفكر ويرحمون الخطط التي يمكنهم بها الاستيلاء على قلعة الزبير المستعصية، إذا بأحد اليهود واسمه (غزّال) يأتي إلى معسكر المسلمين - سرًّا - ويطلب مقابلة النبي القائد ﷺ .
ولدى اجتماعه بالنبي ﷺ أخبره بأن جيشه لن يقدر على اقتحام هذا الحصن وفتحه بقوة السلاح وأن يهود قلعة الزبير لن يتضرروا بالحصار مهما طال لمناعة الحصن ولكون المدافعين عنه، لديهم من التموينات الضرورية ما يكفيهم لمدة طويلة جدًّا.
إلا أن هذا اليهودى (غزّال) أخبر النبي القائد ﷺ بأنه مستعد لأن يدله
стр. 1580
على اتباع طريقة تيسِّر لهم فتح قلعة الزبير، بإجبار اليهود على الخروج مكرهين للقتال، مقابل أن يؤمِّنه المسلمون على ماله وأهله وولده .. فأعطاه النبي ﷺ الأمان له ولأهله وولده وماله.
وهنا أخبر اليهودى (غزال) النبي ﷺ بأن لليهود الممتنعين بقلعة الزبير منابع من المياه سرية تحت الأرض وخزَّانات قد صممت خصيصًا لأيام الحرب ينزلون إليها أثناء الليل عبر سراديب سرّية تصلها بالقلعة فيأخذون منها حاجتهم من الماء.
وبما أن هذه المنابع واقعة خارج القلعة فإنه بإمكان المسلمين الاستيلاء عليها بسهولة وعندها يجبر اليهود على الاستسلام أو الخروج للقتال بعد أن يقطع المسلمون عنهم الماء، ثم قاد هذا اليهودى (غزال) المسلمين إلى منابع المياه المذكورة فاستولوا عليها وقطعوا الماء عن اليهود المتعصمين بقلعة الزبير.
وهنا أسقط في يد اليهود ررأوا أنه لا بد من اتباع أحد سبيلين: إما الاستسلام للمسلمين، أو الخروج لمقاتلتهم، واستعادة منابع المياه منهم أو يموتوا عطشًا.
وقد فضَّلوا مقاتلة المسلمين ففتحوا أبواب الحصن وشنُّوا على المسلمين هجومًا عنيفًا فنشب قتال عنيف بين الفريقين انتهى بانتصار المسلمين الذين تمكنوا من إنزال الهزيمة باليهود ثم اقتحموا القلعة وفتحوها.
قال الواقدي: وتحولت اليهود من حصن ناعم كلها، ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة، إلى حصن، يقال له: قلعة الزبير (١)، فزحف رسول الله ﷺ إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم وهو حصين منيع، وإنما هو في رأس قلعة لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال، لصعوبته وامتناعه.
وأقام رسول الله ﷺ على محاصرة الذين في (قلعة الزبير) ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزّال، فقال: يا أبا القاسم، تؤمنّى على