← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فمكث أيامًا يخترق، وخوابي سكر (بفتح أوله وثانيه) كسرت وزقاق خمر (١) فأهريقت وعمد يومئذ رجل من المسلمين فشرب من الخمر، فرفع إلى رسول الله ﷺ فكره حين رفع إليه، فخفقه بنعليه (٢)، ومن حضره، فخفقوه بنعالهم، وكان يقال له: عبد الله الخمار، وكان رجلًا، لا يصبر كل الشراب، قد ضربه رسول الله ﷺ مرارًا، فقال عمر بن الخطاب: اللهم العنه! ما أكثر ما يضرب! فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل يا عمر، فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله فجلس معهم كأنه أحدهم. وقالت أم عمارة (٣) (وكانت ممن حضر خيبر): لقد وجدنا في حصن الصعب بن معاذ من الطعام، ما كنت أظن أنه لا يكون بخيبر، جعل المسلمون يأكلون مقامهم شهرًا وأكثر، من ذلك الحصن، فيعلفون دوابهم، ما يمنَعُ أحد منهم، ولم يكن فيه خمس وأخرج من البزوز شيء كثير يباع في المقسم، ووجد فيه خرز من خرز اليهود، فقيل لها: فمن الذي يشترى ذلك في المقسم؟ قالت: المسلمون واليهود الذين كانوا في الكتيبة فآمنوا، ومن حضر من الأعراب، فكل هؤلاء يشترى، فأما من يشترى من المسلمين، فإنما يحاسب به من المغنم. وقال الواقدي أيضًا: لما نظر عُيينة بن حصن، إلى حصن الصعب بن معاذ، والمسلمون ينقلون منه الطعام والعلف والبز قال: ما أحد يعلف لنا دوابنا ويطعمنا من هذا الطعام، فقد كان أهله كرامًا فشتمه المسلمون (٤) وقالوا: لك الذي جعل لك رسول الله ﷺ ، ذو الرقيبة (٥) فأسكت.

стр. 1577

رجحان كفة المسلمين: وهكذا (وبسقوط حصن ناعم وحصن الصعب في أيدى المسلمين) ظهر رجحان كفة المسلمين في المعركة، وبدأ اليأس والجزع يتسرَّبان إلى قلوب اليهود، وأخذت حالتهم المعنوية في الضعف، بعد أن كانوا لا يتصورّون أن قواتهم (وهي أكثر من عشرة آلاف مقاتل) ستأخذ في التقهقر أمام جيش الإِسلام الذي لا يزيد عدده على ألف وأربعمائة مقاتل، مكشوفين في العراء، أمام أبراج اليهود المشحونة بآلاف الرماة الذين لا يجيد أحد الرمي بالنبل مثلهم، كما شهد بذلك الحباب بن المنذر. لقد كان حصن ناعم (حصن أشجع رجالات اليهود وهم من أسرة مرحب الحميريين المتهودِّين)، وحصن الصعب بن معاذ يعتبران أقوى خطوط الدفاع اليهودية الأمامية التي كانوا يعلقون على مناعتها وبسالة الرجال المرابطين وراء أسوارهما أعظم الآمال في صدّ هجمات الجيش النبوى، الذي ما كان قادة اليهود يشكون لحظة، بأن هذا الجيشى سيطول به المقام أمام أسوار هذين الحصنين دون أن يتمكن من اقتحامهما، الأمر الذي - كما كان يهود خيبر يتصورون - يضطره للعودة من حيث أتى دون أن يحقق أي شيء من أهدافه .. ولكن الذي حدث كان مفاجأة مذهلة لليهود وأنصارهم، حيث تمكن الجيش الإسلامي من اقتحام هذين الحصنين الذين كان اقتحامهما بداية نهاية مقاومة اليهود في خيبر. فرقة تطهر منطقة النطاة: وتدل تقارير المؤرخين على أن هناك حصونًا أخرى في النطاة (غير حصنى ناعم والصعب) إلا أن هذه الحصون ليست ذات أهمية من الناحية العسكرية. ولهذا فإن قيادة الجيش الإسلامى لم تكلّف نفسها بضرب الحصار على هذه الحصون، أو مهاجمتها، لأن تحرّيات استخبارات الجيش النبوى أكدت أنه ليس بحصون النطاة (ما عدا حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ وقلعة الزبير) ما يخشى منه على الجيش الإسلامي، حيث اتضح أن هذه

стр. 1578

الحصون خالية تقريبًا من المقاتلين اليهود، ولم يكن بها تحصينات حربية تذكر. ومع ذلك فإن النبي القائد ﷺ قد أمر (بعد احتلال حصنى ناعم والصعب) وحدة من الجيش النبوى بالبقاء في منطقة النطاة للتفتيش في هذه الحصون وتعقب من يمكن أن يكون مختبئًا من المسلحين اليهود في هذه الحصون، ثم القضاء عليهم. لأنه -كما يظهر- بلغه أن بعضًا من محاربى اليهود لا يزالون مختفين في بعض حصون النطاة. قال الواقدي: وتحوّلت اليهود من حصن ناعم ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة إلى حصن يقال له: قلعة الزبير. فزحف رسول الله ﷺ إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم، وهو حصن منيع، وإنما هو في رأس قلعة، لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال لصعوبته وامتناعه: (وبقيت في حصون النطاة بقايا، لا ذكر لهم في بعض حصون النطاة، الرجل والرجلان، فجعل رسول الله ﷺ بإزائهم رجالًا يحرسونهم، لا يطلع أحد عليهم إلا قتلوه) (١). فتح قلعة الزبير وبعد أن استولى المسلمون على حصن الصعب بن معاذ - وهو الحصن الثاق من حصون النطاة - تحوّل اليهود إلى الحصن المسمى (بقلعة الزبير) وهو الحصن الثالث من حصون النطاة الواقعة في الشطر الأول من مدينة خيبر. وقلعة الزبير حصن منيع جدًّا يقع على قمة جبل عالية صعبة المسالك وحسب خطة انسحاب اليهود جعلوا من قلعة الزبير خط دفاعهم الثالث. فانتقلوا إلى هذا الحصن بعد أن فقدوا (حصن الصعب بن معاذ). وقد تحصّن اليهود في (قلعة الزبير المنيعة) واستعدوا فيه لقتال المسلمين، فشحنوا أبراج القلعة بالمقاتلين، ووضعوا كتائب رماة النبل في مواضع

стр. 1579

تشرف على قوات المسلمين التي كانت قد تحولت بدورها وضربت الحصار على اليهود في قلعة الزبير بعد احتلال حصن الصعب. صعوبة اقتحام الحصن: قام المسلمون بعدة محاولات لاقتحام قلعة الزبير وفتحها، ولكنهم لم يتمكنوا وذلك لمناعة هذا الحصن ووعورة المسالك المؤدية إليه ولوقوع هذه المسالك مكشوفة تحت مرمى سهانم اليهود. ومن جهة أخرى لم يقم اليهود أول الأمر بفتح أبواب الحصن لمهاجمة المسلمين أو طلب مبارزتهم كما فعلوا أثناء حصار حصن (ناعم) وحصن (الصعب بن معاذ). ويظهر أن ذلك راجع إلى اطمئنانهم إلى العلوّ الشاهق الذي يقع عليه هذا الحصن وإلى أن المسلمين لذلك لن يقدروا على اقتحامه لصعوبة الوصول إليه وفتحه بقوة السلاح. إجبار اليهود على القتال خارج الحصن: وكان المسلمون لا يرغبون في إطالة مدة الحصار على الحصن، بل يتوقون للدخول مع اليهود في معركة فاصلة خارج الحصن لأنهم جازمون أن النصر سيكون حليفهم في هذه المعركة. وبينما المسلمون يتبرَّمون بامتناع اليهود بهذه القلعة المنيعة ويديرون الفكر ويرحمون الخطط التي يمكنهم بها الاستيلاء على قلعة الزبير المستعصية، إذا بأحد اليهود واسمه (غزّال) يأتي إلى معسكر المسلمين - سرًّا - ويطلب مقابلة النبي القائد ﷺ . ولدى اجتماعه بالنبي ﷺ أخبره بأن جيشه لن يقدر على اقتحام هذا الحصن وفتحه بقوة السلاح وأن يهود قلعة الزبير لن يتضرروا بالحصار مهما طال لمناعة الحصن ولكون المدافعين عنه، لديهم من التموينات الضرورية ما يكفيهم لمدة طويلة جدًّا. إلا أن هذا اليهودى (غزّال) أخبر النبي القائد ﷺ بأنه مستعد لأن يدله

стр. 1580

على اتباع طريقة تيسِّر لهم فتح قلعة الزبير، بإجبار اليهود على الخروج مكرهين للقتال، مقابل أن يؤمِّنه المسلمون على ماله وأهله وولده .. فأعطاه النبي ﷺ الأمان له ولأهله وولده وماله. وهنا أخبر اليهودى (غزال) النبي ﷺ بأن لليهود الممتنعين بقلعة الزبير منابع من المياه سرية تحت الأرض وخزَّانات قد صممت خصيصًا لأيام الحرب ينزلون إليها أثناء الليل عبر سراديب سرّية تصلها بالقلعة فيأخذون منها حاجتهم من الماء. وبما أن هذه المنابع واقعة خارج القلعة فإنه بإمكان المسلمين الاستيلاء عليها بسهولة وعندها يجبر اليهود على الاستسلام أو الخروج للقتال بعد أن يقطع المسلمون عنهم الماء، ثم قاد هذا اليهودى (غزال) المسلمين إلى منابع المياه المذكورة فاستولوا عليها وقطعوا الماء عن اليهود المتعصمين بقلعة الزبير. وهنا أسقط في يد اليهود ررأوا أنه لا بد من اتباع أحد سبيلين: إما الاستسلام للمسلمين، أو الخروج لمقاتلتهم، واستعادة منابع المياه منهم أو يموتوا عطشًا. وقد فضَّلوا مقاتلة المسلمين ففتحوا أبواب الحصن وشنُّوا على المسلمين هجومًا عنيفًا فنشب قتال عنيف بين الفريقين انتهى بانتصار المسلمين الذين تمكنوا من إنزال الهزيمة باليهود ثم اقتحموا القلعة وفتحوها. قال الواقدي: وتحولت اليهود من حصن ناعم كلها، ومن حصن الصعب بن معاذ، ومن كل حصون النطاة، إلى حصن، يقال له: قلعة الزبير (١)، فزحف رسول الله ﷺ إليهم والمسلمون، فحاصرهم، وغلّقوا عليهم حصنهم وهو حصين منيع، وإنما هو في رأس قلعة لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال، لصعوبته وامتناعه. وأقام رسول الله ﷺ على محاصرة الذين في (قلعة الزبير) ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزّال، فقال: يا أبا القاسم، تؤمنّى على

стр. 1581

أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق (١)، فإن أهل الشق قد هلكوا منك رعبًا، قال: فأمَّنه رسول الله ﷺ على أهله وماله، فقال اليهودى: إنك لو أقمت شهرًا تحاصرهم ما بالوا بك إن لهم شربًا ودبولًا وعيونًا تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت شربهم اصحروا (٢) لك، فسار رسول الله ﷺ إلى مائهم (الذي دلّه عليه اليهودى غزّال) فقطعه (٣). إجبار اليهود على القتال: ولقد حدث ما توقع اليهودى (غزّال) أنه سيحدث إذا ما قطع المسلمون الماء عن قلعة انربير، فبمجرد استيلاء النبي ﷺ على منابع المياه وقطعها عن اليهود، اضطر المدافعون عن الحصن إلى الخروج منه للقتال. وكان يهود النطاة - وأهل قلعة الزبير منهم - أحد اليهود وأهل النجدة منهم (٤). فخرج منه جميع المقاتلين وشنّوا على المسلمين هجومًا عنيفًا، وقاتلوهم قتال، شديدًا استماتوا فيه محاولين إبعاد المسلمين عن الحصن واستعادة منابع المياه منهم. لكن المسلمين ثبتوا لهجوم اليهود فاحتدمت العركة أمام القلعة، ثم تحول المسلمون من موقف الدفاع إلى الهجوم، فشدّوا على اليهود شدة رجل واحد، فانكشفوا أمامهم، وتسابق اليهود ليعودوا إلى القلعة ويقفلوا أبوابها للتحصن فيها كما كانوا يفعلون في معارك حصن ناعم وحصن الصعب. ولكن المسلمين لم يتركوا لهم الفرص ليفعلوا ذلك حيث طاردوهم واقتحموا الحصن بعد أن قاتلوا اليهود عند أبوابه ومنعوهم من إغلاقها ثم استولوا على الحصن.

стр. 1582

خسائر المسلمين: وقد فقد المسلمون في معركة قلعة الزبير عددًا من الشهداء (١) كما تكبد اليهود وهم يدافعون عن القلعة عشرة من القتلى (٢) إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يتحدث عن مبلغ الغنائم التي لا شك أنها وقعت في أيدى المسلمين عند احتلالهم لقلعة الزبير. فتح حصن أبي ذكرنا فيما مضى من هذا الفصل أن مدينة خيبر تتكون من قسمين: القسم الأول: تقع فيه خمسة حصون منيعة تحصَّن فيها اليهود وجعلوا منها خط الدفاع الأول عن خيبر وشحنوها بالآلاف من المقاتلين لمقاومة هجوم المسلمين وهي: ١ - حصن ناعم، فتحه المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب. ٢ - حصن الصعب بن معاذ، وقد فتحه المسلمون بقيادة الحباب بن المنذر. ٣ - وحصن أو قلعة (الزبير) ولم أعز فيما بين يدي من مصادر على اسم القائد الذي تولى قيادة المسلمين عند فتحه. وهذه الحصون الثلاثة يقال لها حصون (النطاة) لأنها تقع في منطقة تسمّى بهذا الاسم (٣). أما الحصنان الآخران فهما: ١ - حصن (أبي). ٢ - حصن البزاة. وهذان الحصنان يقعان في منطقة يقال لها (الشق) ولذلك يقال لهما حصنا الشق، وقد افتتحهما المسلمون عنوة بعد قتال ضار عنيف كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.

стр. 1583

وذكر المؤرخون أن منطقة (الشق) بها حصون كثيرة أخرى لليهود (١) ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا منها - فيما بلغني - سوى هذين الحصنين (حصن أُبيّ وحصن البزاة)، ويظهر أن ذلك راجع إلى أن المسلمين استولوا على حصون الشق كلها (ما عدا حصن أُبى وحصن البزاة) بدون قتال الأمر الذي جعل المؤرخين يكتفون بالإشارة إلى هذه الحصون فقط. وكل من حصرن النطاة وحصون الشق تقع كما قلنا في القسم الأول من مدينة خيبر وتمثل خط الدفاع الأول والأهم عن هذه المدينة، حيث دارت أعنف المعارك بين المسلمين واليهود. تحويل المعسكر النبوى إلى مكانه الأول: ذكرنا فيما مضى من هذا الفصل (وفي بداية الحديث عن معارك خيبر): أن النبي ﷺ عند بدء القتال قد عنه عسكر بجيشه في أعلى النطاة، فجعل مقر قيادته في منطقة تقع بين حصون النطاة وحصون الشق (٢)، فصار جيشه لذلك عرضة لأن يباغته اليهود في أية لحظة وخاصة أثناء الليل، وذلك لكونه عسكر بجيشه بين سلسلة من حصون منطقتى النطاة والشق (٣)، وفي موقع تكتنفه أحراش النخيل التي تُسهّل لوحدات من الجيش اليهودى أن تتسلل من حصونهم وتهاجم المسلمين ليلًا بسهولة، والهجوم الليلى هو الذي يسمّونه بالبيات. الأمر الذي حمل الخبير العسكري الشهير الحباب بن المنذر -كما تقدم- على أن ينصح النبي ﷺ ويقترح عليه تغيير مقر قيادته ونقل معسكره من هذه المنطقة بعيدًا عن حصون اليهود قائلًا: (يا رسول الله: دنوت من الحصون ونزلت بين ظهرى النخل والنّز مع أن أهل النطاة لي بهم

стр. 1584

معرفة ليس قوم أبعد مدى سهم منهم ولا أعدل رمية منهم، وهم مرتفعون علينا، وهو أسرع لانحطاط نبلهم مع أنه لا أمن من بياتهم (أي عملياتهم الهجومية في الليل) يدخلون في خَمَر النخل تحوّل يا رسول الله إلى موضع برئ من النز ومن الوباء، نجعل الحَرَّة بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلهم). وكان المكان الذي عسكر فيه النبي ﷺ بجيشه بين الشق والنطاة (أول نزوله خيبر) يقال له: (المنزلة) (١) - وكما تقدم تفصيله في هذا الفصل عمل النبي ﷺ بنصيحة الحباب بن المنذر واتبع مشورته، فتحول بعسكره من المنزلة (أعلى النطاة بينها وبين الشق) إلى وادي الرجيع فجعل فيه معسكر جيشه ومقر قيادته، وصار من هذا الوادي يجرّد حملاله العسكرية ضد اليهود - وما زال كذلك - حتى تمكنت قواته من السيطرة على جميع حصون النطاة وخاصة الحصون الحربية القوية الرئيسية الثلاثة (حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن الزبير). وباستيلاء الجيش النبوى على حصون هذه المنطقة (النطاة) انتقل النبي ﷺ بجيشه من وادي الرجيع (أسفل النطاة) إلى أعلاها، وهناك وفي المكان الأول الذي اتخذ منه معسكرًا لجيشه يومًا واحدًا فقط (أول نزوله خيبر) .. هناك في (المنزلة) عسكر بجيشه للمرة الثانية، ليدير عملياته الهجومية ضد اليهود في حصون الشق، الواقعة في القسم المتبقى من الشطر الأول من مدينة خيبر. وكان سبب انتقاله إلى (المنزلة) بين حصون النطاة والشق (المكان الذي اضطر بناءً على مشورة الحباب بن المنذر إلى التخلّى عنه في بداية الحرب) هو أن جيشه (بعد سيطرته على قلاع النطاة) لم يعد واقعًا بين نارين كما كان عندما اتخذ من هذه المنطقة أول معسكر لجيشه، في وقت كانت فيه حصون النطاة المنيعة لا تزال في أيدى اليهود الذين يعتبرون أشجع يهود

стр. 1585

خيبر (١). وأشدّهم ضراوة في القتال (٢). فهذه الحصون أصبحت تحت سيطرة قوات المسلمين، وبهذا أمن النبي ﷺ على نفسه وعلى جيشه من خطر بيات اليهود "هجماتهم الليلية المباغتة" ووقع سهامهم الحادة التي كانت (عندما كانت حصون النطاة العالية بأيديهم) تخالط المسلمين في معسكرهم وتحدث الإصابات بينهم، حيث أصيب بسهام هؤلاء اليهود في اليوم الأول من القتال خمسون من المسلمين بجراح (٣). وهكذا صار ظهر الجيش النبوى مأمونًا بعد أن تخليّ اليهود عن قلعة الزبير وهي آخر قلعة حربية هامة من قلاع النطاة. قال أهل السِّير والمغازى: فلما فرغ رسول الله ﷺ من النطاة أمر بالانتقال، والعسكر أن يحوّل من منزله بالرجيع إلى مكانه الأول (بالمنزلة)، وأمن رسول الله ﷺ من البيات ومن حرب اليهود (أي أهل النطاة) وما يخاف منهم، لأن أهل النطاة كانوا أحدَّ اليهود وأهل النجدة منهم (٤). انتقال اليهود إلى حصون الشق: وبعد أن فقد اليهود حصون وقلاع النطاة، وخسروا كبار قادتهم في معارك النطاة الضارية، تحوّلت فلولهم المدحورة إلى قلاع الشق. وقد تمركزت قراتهم الرئيسية في حضن أمامى يقال له: (قلعة أُبيّ)، وتحصّنوا في هذه القلعة استعدادًا لمقاومة جيش الإسلام الذي كان يتعقبهم في زحفه.

стр. 1586

ضرب الحصار على القلعة: وكانت (قلعة أُبيّ) قلعة منيعة للغاية تقع على قُلَّة جبل من الصعب جدًّا اقتحامها لوعورة المسالك إليها .. ولكنها على كل حال ليست أحصن ولا أمنع من قلاع النطاة التي اقتحمها المسلمون بعد مراحل من أهوال القتال الضارى العنيف. ولهذا لم يترددوا في مهاجمتها بسرعة، فقد قام الجيش النبوى بضرب الحصار على هذه القلعة، تمهيدًا لاقتحامها، وكان النبي ﷺ بنفسه يدير دفة القتال ويجرد الحملات على القلعة المذكورة من مكان مرتفع في النزلة يقال له: (سموان) (١). شراسة اليهود في المقاومة: وقد استبسل اليهود في القتال، فقاوموا هجمات المسلمين بضراوة عهدها المسلمون منهم في معارك النطاة، فقد استماتوا في الدفاع عن (قلعة أُبيّ)، وقاتلوا المسلمين أشدّ قتال (٢). وكان قائد وحدات المسلمين التي تولّت مهاجمة حصن (أُبيّ) هو أبا دجانة الأنصاري الفارس المشهور (٣). اليهود يفتحون أبواب القلعة للمبارزة: وقد بلغت الضراوة باليهود في القتال للدفاع عن قلعة (أُبيّ) إلى أن يفتحوا أبواب هذه القلعة مستهينين بالموت ومعتدِّين بأنفسهم ومتَحدِّين قوات المسلمين المحيطة بهم، وذلك بدعوة فرسان هؤلاء اليهود، المسلمين إلى المبارزة خارج القلعة. مصرع قائدين يهوديين: فقد خرج من قلعة (أُبيّ) أحد فرسانهم يقال له: (عزول) رجال

стр. 1587

بفرسه أمام أسوار القلعة طالبًا المبارزة. فبرز له من صفوف المسلمين الحباب بن المنذر الأنصاري، وبعد أن تجاولا ساعة حمل الحباب بن المنذر على الفارس اليهودى (عزول) فقطع يده اليمنى ففرّ هاربًا إلى القلعة، إلا أن الحباب طارده حتى لحق به قبل أن يدخل القلعة فقطع رجله ثم قضى عليه. ثم عاد الحباب إلى صفوف المسلمين، وعقب مصرع القائد اليهودى (عزول) برز فارس يهودى آخر (لم يذكر المؤرخون اسمه) وصاح خارج القلعة طالبًا من المسلمين المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله اليهودى في الحال. فاستبدّت الغطرسة بهذا الفارس اليهودى، فظل مكانه يجول بفرسه طالبًا المبارزة، فأجابه إليها الفارس الأنصاري الشهير (أبو دجانة سمّاك بن خرشة)، فحمل كل منهما على صاحبه، وظلا يتعاركان بضراوة حتى تمكن أبو دجانة من قتل الفارس اليهودى المذكور. إحجام اليهود عن المبارزة وافتتاح القلعة: وبعد أن قتل القائدان اليهوديان أمام أبواب قلعة (أُبيّ) دبّ الرعب في قلوب بقية اليهود في القلعة فأحجموا عن المبارزة، ثم أغلقوا أبواب القلعة، محاولين الاعتصام بها والدفاع عنها ومقاتلة المسلمين من وراء أسوارها، ولكن قائد وحدات المسلمين المتقدمة (أبا دجانة الأنصاري) لم يترك الفرصة لليهود ليفعلوا ذلك، فقد أمر وحداته بمهاجمة اليهود بسرعة، فشنّ جند الإسلام هجومًا خاطفًا على القلعة، يتقدمهم قائدهم أبو دجانة. وقد قاوم اليهود المسلمين مقاومة شديدة، فدار حول القلعة قتال ضارٍ عنيف بين الفريقين، ولكن مقاومة اليهود - بالرغم من ضراوتها - كان مصيرها في النهاية الانهيار، حيث انهزم هؤلاء اليهود مقتحمين أسوار القلعة هربًا في كل ناحية، فاحتل السلمون القلعة واستولوا على كل ما فيها من المؤن والأسلحة والمواشى، ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه قد وقع في أيديهم أسرى من يهود هذه القلعة، الذين التجأ الباقون منهم على قيد الحياة

стр. 1588

إلى حصن النزار، وهو الحصن الثاني من حصون الشق الذي قاوم اليهود المسلمين فيه مقاومة عنيفة واعتصموا به حتى قرر النبي ﷺ أن ينصب على هذا الحصن آلات المنجنيق لتدميره كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. قال الواقدي: حدثني موسى بن عمر الحارثى، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة، قال: لما تحوّل رسول الله ﷺ إلى الشق، وبه حصون ذات عدد، كان أول حصن بدأ منها حصن أُبى، فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها: (حمران) (١) فقاتل عليها أهل الحصن قتالًا شديدًا، وخرج رجل من اليهود يقال له غزال (٢) فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب، فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزال، فكان أعزل، ورجع منهزمًا فوقع، فذفف عليه، وخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز إليه رجل من المسلمين من آل جحشى، فقُتِلَ الجحشى، وقام مكانه يدعو إلى البراز، ويبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المِغفر يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفف عليه وأخذ سلبه، درعه وسيفه، فجاء به إلى النبي ﷺ فنفله رسول الله ﷺ ذلك، وأحجموا عن البراز، فكبَّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يتقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثًا ومتاعًا وغنمًا وطعامًا، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحّموا الجدر كأنهم الظباء (٣) حتى صاروا إلى حصن النزار (٤) بالشق، وجعل يأتي من بقى من قلل النطاة إلى حصن النّزار فغلقوه وامتنعوا فيه أشد الامتناع (٥).

стр. 1589

فتح حصن النزار كان حصن (النزار) هو الحصن الثاني من حصون (الشق) والحصن الخامس والأخير من حصون القسم الأول من مدينة خيبر، والتي تحصّن فيها اليهود وقاتلوا المسلمين دفاعًا عن كل حصن منها قتالًا عنيفًا ضاريًا كما تقدم تفصيله. أمنع حصن في خيبر: وكان آخر أمل لليهود معقودًا على حصن النّزار لأنه كان أمنع وأحصن وأقوى حصن في خيبر على الإِطلاق (١) ولذلك كان قادة فلول اليهود المنهزمة من النطاة والشق، بل ويهود الشطر الثاني من مدينة خيبر (جماعة بني أبي الحقيق من بني النضير) يعتقدون أن المسلمين ستعجز وحداتهم عن اقتحام هذا الحصن لمناعته وقوة تحصيناته. النساء والذرية في حصن النزار: وقد كان اليهود في جميع الحصون الأربعة التي قاتلوا المسلمين منها في النطاة والشق لا يسمحون للنساء والذرية بالبقاء معهم في هذه الحصون الأربعة وإنما يجعلونها مناطق حربية محظور على غير المقاتلين البقاء فيها، وذلك خوفًا من أن يقع النساء والذرية سبايا في أيدى المسلمين (٢)، كان قادة اليهود (بالرغم من قوة هذه الحصون الأربعة) غير واثقين من قدرتها على الصمود طويلًا أمام هجمات المسلمين، ولهذا جرّدوها للمقاتلين فقط وأجلوا عنها النساء والصبيان، ولهذا لم يقع أحد من النساء والذرية في قبضة جيش الإِسلام، عند استيلائه على هذه الحصون الأربعة (٣).

стр. 1590

ولكن هؤلاء اليهود لشدة ثقتهم بمناعة وحصانة وقوة حصن النزار ولكونهم على ما يشبه اليقين بأن قوات المسلمين ستعجز عن فتح هذا الحصن، وأنها ستضجر من طول المقام محاصرة له دون أن تتمكن من متحه، فتعود أدراجها، أو ستُجبر على الدخول في مفاوضة مع اليهود وهم في وضع من القوة يجعلهم يحصلون على شروط أفضل في صبح يعقدونه مع المسلمين .. من أجل هذا كله شحن اليهود (حصن النزار) بأفضل ما لديهم من المحاربين، ثم جمعوا في هذا الحصن النساء والذرية وكانوا حوالي ألفين (١) ثم تحصنوا في هذا الحصن أشد التحصن وامتنعوا فيه أشد الامتناع، وصاروا يدافعون عنه دفاع المستميت، لأنهم يدركون تمام الإدراك أن سقوط هذا الحصن في أيدى المسلمين يعني سقوط الشطر الأول والأهم من مدينة خيبر، وبالتالى يعني انهيار المقاومة اليهودية انهيارًا كاملًا، قد يجعلهم غير قادرين على الدفاع عن الشطر الثاني من المدينة الذي لم يكن مستوى أهله كمستوى يهود الشق والنطاة من حيث الشجاعة والنجدة والصبر على القتال، وقد كان قادة وزعماء اليهود في الشطر الثاني من خيبر يعرفون هذا، وقد صرح به أحد قادتهم (كنانة بن أبي الحقيق النضرى) حيث قال (عند سقوط آخر حصن من حصون النطاة والشق في أيدى المسلمين): قد فرغ محمد من النطاة وليس أحد هاهنا يقاتل، قد قتلت يهود حيث قتل أهل النطاة (٢). ضرب الحصار على حصن النزار: قال ابن كثير في البداية والنهاية: (وهرب من كان في حصن (أُبيّ) من المقاتلة وتقحموا الجُدُر وكأنهم الضباب، حتى صاروا إلى حصن البزاة (يقصد حصن النزار) بالشق، وتمنعوا أشد الامتناع اهـ. وكان أهل حصن (النزار) أشد أهل الشق قتالًا (٣).

стр. 1591

إخلاء جميع حصون الشق ما عدا (النزار): وفي منطقة الشق كانت حصون كثيرة، ولكن يظهر أن اليهود أخلوها وتجمّعوا كلّهم في حصن (النزار) لمناعته وقوة تحصينه، ثم هربوا جميعًا (بعد سقوط حصن النزار) إلى حصون الكتيبة في الشطر الثاني من خيبر (١). الهجوم على حصن النزار: وبعد أن سقطت قلعة (أُبيّ) -كما تقدم- وانهزم الدافعون عنها إلى (حصن النزار) سارع المسلمون إلى مطاردتهم فلم يتركوا لهم فرصة يستريحون فيها، بل سارعوا إلى ضرب الخناق عليهم بقيادة النبي الأعظم ﷺ ، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ليستسلموا. مقاومة اليهود العنيفة: ولكن اليهود قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة، إلا أنهم بالرغم من شدة مقاومتهم العنيدة لم يخرجوا من حصن (النزار) للاشتباك مع قوات المسلمين بالهجوم عليها، ولم يطلب فرسانُهم البارزة كما كانوا يفعلون أثناء محاصرة المسلمين لهم في حصون (ناعم والصعب بن معاذ والزبير وأُبيّ) في النطاة والشق. وكل ما فعله هؤلاء اليهود في حصن (النزار) هو أنهم شحنوا أبراجه ومسالحه الأخرى بالمقاتلة (وخاصة رماة النبل) واعتصموا به وصاروا يمطرون المسلمين بسيول من نبالهم، وكانوا مهرة في الرمي، كما صاروا يسلطون جنادل الحجارة على المسلمين من قلل الحصن الذي يقع على جبل مرتفع منيع (٢) بغية إبعادهم عن أسواره.

стр. 1592

النبي يُجرح بنبال اليهود: وكان المسلمون يردون على رمي اليهود برمي شديد مثله بالنبال، إلا أن نبال اليهود كانت أشد فعالية في جند الإِسلام وذلك لكون اليهود يسلطونها من أبراج قلعة (النزار) العالية التي يعسكر المسلمون تحتها. وكان النبي ﷺ يشترك مع المسلمين في قذف اليهود بالنبال أثناء الترامى بالسهام، ويظهر أن رماة اليهود كانوا يركّزون رمى سهامهم الغزيرة بصفة خاصة على الموقع الذي يرابط فيه النبي القائد ﷺ حول الحصن المحصور، لذلك جرِحَ النبي ﷺ نتيجة إصابته ببعض سهام اليهود، كما أصابت بعض نبال اليهود ثيابه فمزقتها وهو يدير العمليات ضدهم (١). نصب المنجنيق على الحصن: ويدل سياق المؤرخين على أن يهود قلعة (النزار) قد صمدوا طويلًا، وصدُّوا كل المحاولات التي قامت بها وحدات من مشاة الجيش النبوى لاقتحام الحصن وفتحه بقوة السلاح، وذلك راجع إلى تحصين قلعة النزار ووعورة الوصول إليها حيث تقع على أعلى قمة جبل، ثم كثرة المدافعين عنها وشدة تيقظهم، وعنادهم في المقاومة. الأمر الذي جعل المسلمين يضيقون من طول المقام حول الحصن محاصرين بدون نتيجة. لذلك قرر النبي القائد ﷺ استخدام آلات التدمير لضرب أبراج الحصين وأسواره لتدميرها وفتح ثغرات كبيرة فيها ليتمكن مشاة المسلمين من اقتحام الحصن عن طريقها، ولم يكن هناك مجال للخيل في عمليات الهجوم على الحصن لعدم وجود أي طريق تقدر الخيل على سلوكه ولذلك كانت هجمات المسلمين مقتصرة على وحدات من المشاة. وكان المسلمون قد غنموا في حصن الصعب بن معاذ في النطاة بعض المنجنيقات، وهي الآلات الوحيدة التي تستخدم في ذلك الزمن لتدمير الحصون كما غنموا بعض الدبابات التي تحمى صفايحها الحديدية المشاة أثناء

стр. 1593

زحفهم على القلاع المنيعة من وقع نبال العدو. وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين التي عجزت عن اقتحامه، أمر النبي ﷺ بنصب آلات المنجنيق (١) لتدمير الحصن وإجبار اليهود إما على الاستسلام أو الانسحاب. ومع تحدث بعض المؤرخين عن قصة نصب النبي ﷺ آلات المنجنيق على حصن النزار بعد أن استعصى فتحه، فإن أحدًا منهم لم يذكر هل قذف النبي ﷺ هذا الحصن بقذائف هذه الآلات التدميرية أم لا؟ ولكن القرائن تدل على أنه فعل ذلك، فقد تمكن المسلمون من اقتحام حصن النزار بعد أن نصبوا المنجنيق عليه، ولا شك أن هناك قتالًا عنيفًا في ار بين المسلمين ويهود حصن النزار داخل الحصن بعد أن فتحت قذائف المنجنيق في أسوار الحصن ثغرات وأحدثت فيه قذائف اللهب حرائق مكنت المسلمين من الوصول إلى داخل الحصن، بدليل أن اليهود انهزموا من هذا الحصن شر هزيمة، بعد أن تركوا للمسلمين غنائم كثيرة ومن بينها ألفان من السبايا من النساء والذرية (٢)، "فرَّ بقية المقاتلة اليهود مذعورين وتركوهم في حصق النزار" .. فلا شك إذن (وهذا مجرد استنتاج) أن الذي يسَّر للمسلمين افتتاح هذا الحصن المنيع العاقى الحصين هو قذفه بقذائف آلات المنجنيق التي أمر النبي ﷺ بنصبها على ذلك الحصن، وإلا فكيف تنزل بيهود هذا الحصن العاتى المنيع تلك الهزيمة المدمّرة التي جعلتهم يفرون إلى القسم الثاني من المدينة مذعورين تاركين في الحصن نساءهم وذراريهم يقعون في قبضة المسلمين؟ . كيف تنزل بهم هذه الهزيمة، وهم الذين صمدوا للحصار وصدّوا كل محاليلات المسلمين الهجومية حتى برم المسلمون وضجروا من طول المرابطة حول هذا الحصن؟ الأمر الذي حدا بالنبي القائد ﷺ إلى أن يأمر بنصب آلات التدمير على الحصن باعتبارها آخر وأقوى سلاح يمكن استخدامه ضد اليهود في هذا الحصن المنيع

стр. 1594

لإِجبارهم على الدخول في معركة فاصلة كانوا يتحاشون الدخول فيها مع المسلمين. وهناك قرينة أخرى تدل على أن يهود حصن النزار، لم ينسحبوا من الحصن إلا بعد قتال مرير ضار داخل الحصن، ذلك أنهم لو انسحبوا من الحصن دونما اشتباك والتحام مع المسلمين (ونتيجة خوفهم فقط من قصف المنجنيق) لتمكنوا من التسلل في غلس الظلام بنسائهم وأطفالهم، ولا تركوهم وعددهم يربو على الألفين في هذا الحصن. قصة تحتاج إلى تمحيص: وذكر بعض الإخباريين (١) أن اليهود لما طال صمودهم وقاوموا حصار المسلمين طويلًا، وأصابت سهامهم بنان النبي ﷺ بجراح، وهو يقود عملية الحصار، ويرمى يهود (حصن النزار) بالنبل، أخذ بيده الكريمة كفًّا من الحصى فرمى به حصن النزار المذكور، حتى رجف وساخ في الأرض بمن فيه من اليهود، حتى جاء المسلمون، وأخذوهم باليد أخذًا. وهذا يعني أن اليهود دافعوا عن حصن النزار بشراسة وعناد استماتة حالت بين المسلمين وبين اقتحام الحصن وافتتاحه بالأساليب الحربية التقليدية، وأن هذا الحصن (لذلك) إنما فتح بمعجزة حيث ساخ هذا الحصن في الأرض حتى أصبح أثرًا بعد عين، فسهل على المسلمين أن يقبضوا على جميع من فيه من اليهود بكل سهولة بعد أن حصبه النبي الأعظم ﷺ بكف من الحصى. ونحن لا نميل إلى الأخذ بهذا الخبر، لا لأننا ننكر المعجزات التي يكرم الله بها أنبياءه، كلا، فمعجزات الأنبياء ثابتة بالتواتر، وإنما لأن كل الذين رأيناهم أوردوا هذه القصة لم يذكروا لها أي سند متصل بسلسلة من الثقات كما هي الطريقة المفروض اتباعها عن أهل الحديث، وخاصة في نقل مثل هذه المعجزة الخارقة للعادة، وإنما اكتفى هؤلاء الإِخباريون بذكر هذه القصة دونما أي سند.

стр. 1595

حصن النزار آخر حصن كان فيه قتال: قال الواقدي: فلما فتح رسول الله ﷺ حصن النزار بقيت حصون في الشق، فهرب أهلها منها حتى انتهوا إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم، وكان محمد بن مسلمة يقول: ونظر رسول الله ﷺ إلى حصن النزار فقال: هذا آخر حصون خيبر كان فيه قتال، لما فتحنا هذا الحصن لم يكن بعده قتال حتى خرج رسول الله ﷺ من خيبر (١). كيف صارت صفية اليهودية أما للمؤمنين: وكان من السبايا اللواتي وقعن في أيدى المسلمين، صفية بنت سيد يهود بني النضر (حيي بن أخطب) ألد أعداء النبي ﷺ وزوجة كنانة بن أبي الحقيق سيد خيبر، وكانت صفية قبلًا، زوجة لسلّام بن مشكم النضرى، فطلقها قبل أن يدخل بها كما ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية. القمر في حجر صفية: كانت صفية (وهي تحت كنانة بن أبي الحقيق) رأت في المنام كأنَّ قمر السماء قد وقع في حجرها، فلما قصَّت رؤياها على زوجها كنانة بن أبي الحقيق (ملك خيبر) غضب ثم لطمها على وجهها لطمة شديدة أخضَّرت لها عينها، ثم قال لها: أتتمنين ملك يثرب (يعني النبي ﷺ ) أن يصير بعلك (٢). كيف تزوج النبي صفيّة ؟ بالرغم من إجماع المؤرخين على أن صفيّة قد وقعت من جملة السبايا في أيدى المسلمين، فقد اختلفوا في الطريقة التي بها وقعت سبيّة مع السبايا .. فقد ذكر ابن هشام أن صفية أُخذت من حصن القموص، حصن زوجها (كنانة بن أبي الحقيق) الواقع في القسم الثاني من خيبر (٣).

стр. 1596

إلا أن الواقدي ذكر أن صفية وقعت سبيَّة في أيدى المسلمين في حصن (النزار) الذي يقع في الشطر الأول من مدينة خيبر الذي لا يوجد فيه شيء من حصون ابن أبي الحقيق، ويذكر سبب ذلك فيقول: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، قلت لجعفر بن محمود: كيف صارت صفية في حصن النزار في الشق، وحصن آل أبي الحقيق بسلالم (أي في القسم الثاني) ولم يسب في حصون النطاة من النساء والذريَّة أحد ولا بالشق، إلا حصن النزار؟ . فقال: إن يهود خيبر أخرجوا النساء والذرية إلى الكتيبة وفرّغوا حصن النطاة للمقاتلة، فلم يسب أحد منهم إلا من كان في حصن النزار، صفيّة وابنة عمها ونسيّات معها .. وكان كنانة بن أبي الحقيق قد رأى أن حصن النزار أحصن ما هنالك فأخرجها في الليلة التي تحوّل رسول الله ﷺ في صبيحتها إلى الشق حتى أُسرت وبنت عمّها ومن كان معهما من ذرارى اليهود، وبالكتيبة من اليهود ومن نسائهم وذراريهم أكثر من ألفين (١). وفي مكان آخر قال الواقدي وروى عن صفية نفسها قالت: وجعلت اليهود ذراريها في الكتيبة وجرّدوا حصون النطاة للمقاتلة، فلما نزل رسول الله ﷺ خيبر وافتتح حصون النطاة ودخل عليَّ كنانة فقال: قد فرغ محمد من النطاة، وليس ها هنا أحد يقاتل، وقد قُتِلَت اليهود حيث قُتل أهل النطاة وكذبتنا العرب (يعني غطفان الذين خذلوا اليهود ولم يقاتلوا إلى جانبهم) فحوّلنى إلى حصن النزار بالشق - قال وهو أحصن ما عندنا - فخرج حتى - أدخلنى وابنة عمّى ونسيّات معنا، فسُبيتُ في النزار قبل أن ينتهى النبي ﷺ إلى الكتيبة (٢). تخيير النبي صفية بين الإسلام والرجوع إلى أهلها اليهود: وكانت صفية قد وقعت (كما في صحيح البخاري) في سهم أحد أصحاب النبي ﷺ وهو دحْية الكَلبي (٣) فجاء رجل إلى النبي ﷺ فذكر

стр. 1597

له شأنها وقال أعطيت دحية صفيّة سيدة قريظة والنضير، أنها لا تصلح إلا لك، فقال: ادعوه بها، فلما نظر إليها قال: خذ جارية من السبى غيرها، ففعل، واصطفاها النبي ﷺ لنفسه حيث تزوجها بعد أن أعتقها (١). وبهذا الزواج الاختيارى (٢) أصبحت صفيّة بنت حيى بن أخطب (سيد يهود بني النضير وألد أعداء النبي ﷺ ) إحدى أُمَّهات المؤمنين، تتساوى في جميع الحقوق مع عائشة بنت أبي بكر الصديق وحفصة بنت عمر بن الخطاب وكل زوجات النبي ﷺ . تفنيد تهمة خبيثة: وبهذه المناسبة هنا نقطة لا بد من الإِشارة إليها وتوضيحها، وهي أن حادثة استرجاع النبي ﷺ صفية من دِحْية الكلبى واصطفائها ﷺ لنفسه زوجة قد جعلت بعض مرضى النفوس (وخاصة أعداء الإِسلام من اليهود وغيرهم) يتهمون الرسول الأعظم ﷺ بأنه ما استرجع صفيّة وتزوجها إلا بدافع رغبة جسدية. بينما الحقيقة التي يؤكّدها سياق القصة هي أن الدافع لجعل النبي ﷺ صفية زوجة له أسمى وأشرف من ذلك، وهو أن صفية بنت ملك وزوجة ملك، ومثلها لا يوهب كما توهب السبايا الأخريات. ولهذا استرجعها النبي ﷺ من دِحْية، مما يدل على الباعث الإِنسانى النبيل الذي فيه تكريم لهذه السيدة العظيمة في قومها، وذلك حسب القاعدة الإسلامية الشريفة (أكرموا عزيز قوم ذل) .. وليس أكرم لها وأجبر لخاطرها من أن تكون زوجة النبي ﷺ بدلًا من أن تكون مملوكة عند رجل من عامة الناس. بل إن هناك ما هو أقوى في الدلالة على أن باعث استرجاع النبي ﷺ لصفية من دحية الكلبى ليس الرغبة الجسدية كما يدَّعى مرضى

стр. 1598

النفوس، وإنما هو أسمى من ذلك وأرفع، وهو مواساة هذه السيدة العظيمة في قومها وإعزازها وتكريمها .. الأقوى في الدلالة على ذلك هو أن النبي ﷺ لما استرجع صفية أعتقها وبعد أن أصبحت حرّة خيَّرها بين أن تعود معززة مكرّمة إلى أهلها اليهود وبين أن تسلم وتكون زوجة للنبي ﷺ طائعة مختارة. غير أن الله تعالى قذف في قلبها الإِسلام فتخلَّت عن اليهودية باختيارها، فتزوجها النبي ﷺ فصارت إحدى أُمَّهات المؤمنين وكانت من أطيبهن نفسًا وأرجحهن عقلًا. فقد روى الواقدي عن أُبي بن أُبى سبرة عن أبي حرملة عن أخته أم عبد الله عن ابنة أبي القين المزنيّ قالت: كنت آلف صفية من بين أزواج النبي ﷺ وكانت تحدثنى عن قومها وما كانت تسمع منهم ثم ذكرت حديثًا طويلًا إلى أن قالت، فقالت صفية: "فسُبيتُ في (حصن النزار) (١) قبل أن ينتهى رسول الله ﷺ إلى الكتيبة (أحد الأودية في الشطر الثاني من خيبر) فأرسل بي إلى رحله ثم جاءنا حين أمسى فدعانى، فجئت وأنا مقنّعة حييّة فجلست بين يديه فقال: إن أقمت على دينك لم أُكرهك، وإن اخترت الله ورسوله فهو خير لك. قالت: أختار الله ورسوله والإسلام فأعتقنى رسول الله ﷺ وتزوجنى" (٢). وعن صفية ﵂ أنها قالت: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وما من أحد أكره إلى منه، قتل أبي وزوجى وقومى، فقال: يا صفية أما إني اعتذر إليك مما صنعت بقومك إن قومك صنعوا كذا وكذا (وأخذ يعدد الأسباب التي حملته على أن يفعل بهم ما فعل)، قالت صفية: وما زال يعتذر إلى حتى ذهب ذلك من نفسي، فما قمت من مقعدى ومن الناس أحدٌ أحب إلي منه ﷺ ثم قالت: ما رأيت أحدًا قط أحسن خلُقًا من رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1599

فلو لم يكن باعث استرجاع صفية من دِحْية الكلبى هو باعث إنسانى شريف ما خيّرها النبي ﷺ بعد أن حررها من رق الأسر - بين أن تعود إلى أهلها حرّة معززة مكرمة وبين أن يتزوجها لتكون إحدى أمَّهات المؤمنين. ولو أراد ﷺ أخذها لنفسه جارية سريّة لفعل، ولا يمكن أن يجد طاعن أي مجال للطعن في تصرفه ﷺ لأن قوانين الحرب المتفق علها بين جميع الشعوب والأمم والتي عمل بها الإِسلام وطبقها (كعمل حربي مقابل) (١) في ذلك العصر تبيح للنبي ﷺ أن يعامل صفية كنوع من الرقيق فيتخذها لنفسه جارية دونما أخذ موافقتها لأنها أسيرة حرب تعتبر مملوكة بموجب قانون الحرب الدولى المعمول به في ذلك العصر. ولكن النبي ﷺ تكريمًا لهذه السيدة العظيمة في قومها أبي إلا أن يخصها من بين جميع السبايا بإعطائها مطلق الحرية في أن تختار أي السبيلين تريد بمحض إرادتها: العودة إلى عشيرتها مع البقاء على دينها أو الدخول في الإِسلام لتكون زوجة لرسول الله ﷺ لا فرق بينها وبين ابنة أبي بكر الصديق في الحقوق والواجبات، فاختارت الزواج من رسول الله ﷺ بمحض اختيارها. وكان النبي ﷺ يبالغ في إكرام هذه السيدة ويراعى شعورها لعلمه بما هي عليه من حساسية وشعور مرهف، كامرأة عزيزة في قومها فقدت الوالد والزوج (كلاهما ملك على قومه). فقد كانت صفية نفسها تتحدث عن هذه المعاملة النبيلة والمواساة النابعة من أشرف قلب، فقد قالت: كنت ألقى من أزواج النبي ﷺ ، يفخرن عليّ، يقلن: يا ابنة اليهودى وكنت أرى رسول الله ﷺ يلطف لي ويكرمنى، فدخل علي يومًا وأنا أبكى فقال: ما لك؟ فقلت: أزواجك

стр. 1600

يفخرن عليَّ ويقلن: يا ابنة اليهودى قالت فرأيت رسول الله ﷺ قد غضب ثم قال: إذا قالوا لك أو فاخروك فقولى: أبي هارون وعمّى موسى (١). وأضاف صاحب كتاب (سمط النجوم العوالى ج ٢ ص ١٦٠) إلى البواعث التي ذكرنا باعثا آخر فقال: إن صفية بنت حيى بن أخطب، هي بنت ملك وزوجة ملك من ملوك اليهود وليست ممن توهب لدِحية لكثرة من كان من الصحابة مثل دِحية وفوقه، وقلة من كان في السبى مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغيير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه فإن في ذلك رضي للجميع. أكرموا عزيز قوم ذل: ثم إننا إذا نظرنا بعين الإنصاف، وجدنا (من خلال تصرفات سادات المسلمين وقادتهم) أن إكرام العزيز (وخاصة العنصر النسائي) الذي ذلّ بعد عزة وانخفض بعد رفعة، خلق إسلامي أصيل سار عليه صاحب الرسالة العظمى محمد ﷺ ومن بعده من الخلفاء الراشدين والأئمة والحكام المهتدون. ولعل من أبرز ما يؤكد تغلغل هذا الخُلُق النبيل في نفوس الفاتحين المسلمين بعد الرسول الأعظم ﷺ اقتداء به تلك المعاملة النبيلة التي عامل بها الخليفة الفاروق (بتوصية من مستشاره عليّ بن أبي طالب) بنات الملك كسرى الثلاث اللواتي وقعن سبايا في يد الجيش الإِسلامي المنتصر في بلاد الفرس في عهد ابن الخطاب. فقد ذكر المؤرخون أن الجيش الإِسلامي بعد إستيلائه على مملكة فارس أحضر إلى المدينة سبايا كثيرات من بنات الفرس، وكان بينهن ثلاث من بنات الملك كسرى (يزدجرد) فأمر الخليفة الفاروق ببيعهن في المزاد العلنى من جملة السبايا، ولكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لفت نظر الخليفة الفاروق إلى أنه ينبغي معاملتهن معاملة خاصة لأنهن بنات ملك حيث

стр. 1601

قال: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السّوقة. ولما استشاره الفاروق: كيف تكون معاملتهن؟ قال: يقوّمن، ومهما بلغ ثمهن قام به من يختارهن .. فاستصوب الفاروق رأى علي، فقوّمن، فاشتراهن على ثم أعتقهن، فزوّج إحداهن ابنه الحسين، وزوّج الثانية محمد بن أبي بكر الصديق، وزوّج الثالثة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وذلك تكريمًا لهن وجبرًا لخواطرهن، لأنهن عزيزات ذللن بعد عزة الملك، وقد سعدن بهذا الزواج سعادة أنستهن مآسى الماضي، وقد أنجب الحسين بن علي من ابنة كسرى ابنه على الملقب زين العابدين ﵃ أجمعين، فجميع فروع الدوحة الهاشمية الكريمة بعد علي بن الحسين قد أنجبتهم ابنة الملك كسرى، ولهذا لمّا تجادل هشام بن عبد الملك وزيد بن علي بن الحسين حول مطالبة زيد بالخلافة، قال له هشام: كيف تطمع أن تكون خليفة وأنت ابن أمة، فأجابه زيد: لقد نال ابن أمة ما هو أعلى من الخلافة: النبوة نالها إسماعيل وهو ابن أمة، فأفحم هشام ولم يتكلم. وهكذا يتضح نبل القصد وشرف الغاية في كل عمل يعمله النبي ﷺ وصحابته الكرام، كما تنكشف أمام أضواء هذه الحقيقة المشرقة الناصعة خبث نوايا وسوء مقاصد الذين يفسرون تزوج النبي ﷺ من صفية ذلك التفسير المقصود به الطعن في مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فانظر كيف أعتق النبي ﷺ صفية بنت ملك اليهود ومنحها مطلق الحرية لأن تبقى على دينها وتعود إلى عشيرتها اليهود وبين أن تدخل في الإِسلام وتكون زوجة له، ثم انظر كيف أكرم علي بن أبي طالب بنات الملك كسرى حيث أعتقهن وزوجهن أبناء أرفع الناس منزلة بعد رسول الله ومن هم (في نظر بنات كسرى من الناحية الاجتماعية) في درجة أبناء الملوك (علي بن الحسين وعبد الله بن عمر ومحمد بن أبي بكر) كلهم أبناء خلفاء، والخلفاء من زاوية النظرة الكسروية هم الملوك. فهل يفهم الحاقدون على الإِسلام ونبي الإسلام وخلفاء الإِسلام هذه الحقائق المشرقة والمفاسد النبيلة السامية التي يحاولون طمسها بألوان قاتمة كالحة من الشكوك الباغية الظالمة؟ .

стр. 1602

الفصل الرابع • زحف المسلمين على الشطر الثاني من خيبر. • فرض الحصار على حصون اليهود في هذا الشطر. • استسلام اليهود النهائي في خيبر. • اتفاقية الجلاء. • تحقيق المقام: هل فتح الشطر الثاني من خيبر عنوة أم صلحًا؟ . • السماح لليهود بالبقاء في خيبر لفلاحتها مقابل نصف المحصول. • محاولة اغتيال النبي ﷺ في خيبر بعد فتحها. • عودة مهاجرى الحبشة إلى خيبر بعد فتحها. • استسلام يهود فدك للمسلمين دون قتال. • القتال في وادي القرى بين المسلمين واليهود. • استسلام يهود وادي القرى. • يهود تيماء يصالحون المسلمين ويدفعون الجزية. • كيف تلقى أهل مكة نبأ انتصار المسلمين في خيبر. • قتلى الفريقين في المعركة. • عودة النبي بجيشه إلى المدينة.

стр. 1603

لقد تمت للجيش الإِسلامي السيطرة: خيبر بسقوط قلعة (البزاة) في أيديهم، وهي آخر قلعة من القلاع الخمس التي اعتصم بها المحاربون اليهود التي جعلوا منها الواحد بعد الآخر خطوط دفاع رئيسية للدفاع عن خيبر كلها ضد الجيش الإسلامي المهاجم الذي كان يستهدف في هجومه (بصفة رئيسية) احتلال منطقة خيبر كلها لإِنهاء الوجود اليهودى الدخيل الزنيم في تلك البقعة من الوطن العربي المسلم. وكما رأينا، فقد قاتل اليهود عن كل حصن من هذه الحصون الخمسة قتالًا لا يسع المؤرخ المنصف إلا أن يصفه بأنه قتال كان يتسم بالشجاعة والجرأة والاستماتة بل والمغامرة، رأينا كيف أن المحاربين اليهود كانوا يفتحون أبواب قلاعهم ويتحدون المسلمين طالبين المبارزة بالسيف بل رأينا كيف كانوا يفتحون أبواب حصونهم ويخرجون لملاقاة المسلمين خارج هذه الحصون فيصدون هجماتهم ويُحبطونها مرارًا وتكرارًا إلى درجة اغتم لها القائد الأعلى النبي ﷺ ، بل لقد بلغت الجرأة والاقدام باليهود المدافعين عن هذه الحصون الخمسة إلى أن يفتحوا أبوابها ويشنوا هجمات عنيفة مضادة يكشفون بها المسلمين ويطاردونهم حتى المقر الذي يرابط فيه القائد الأعلى النبي ﷺ . الأمر الذي يدل على أن يهود خيبر يختلفون (من حيث الشجاعة والجرأة والصبر على القتال) عن يهود يثرب الذين (بالرغم من كونهم أكثر عددًا من يهود خيبر) لم يثبت (ولا مرة واحدة) أنهم في نزاعهم المسلح مع المسلمين قد واجهوهم في أية معركة وجهًا لوجه خارج حصونهم كما فعل يهود خيبر الذين (كما شهد التاريخ) بأن خيبر لم تسقط في أيدى المسلمين إلا بعد أن سقط جميع قادتها المحاربين قتلى في ميدان القتال (١).

стр. 1604

الزحف على الشطر الثاني من خيبر: بعد أن خسر اليهود الشطر الأول من مدينة خيبر، والذي وقع بأكمله في يد الجيش النبوي، وبعد أن سقطت في أيدى جند الإِسلام القلاع الخمس التي (قاتل اليهود بشراسة وضراوة عن كل قلعة منها في النطاة والشق) تحوّل المنهزمون اليهود من هذه الحصون إلى الشطر الثاني من مدينة خيبر والتحقوا بإخوانهم المتحصنين في القلاع الواقعة في ذلك الشطر، وكانت قلاعًا منيعة كثيرة أهمها (القَمُوص والوَطِيح والسلالم). وكانت قلعة (القموص) أقوى وأمنع حصون الشطر الثاني من خيبر، وكانت هذه القلعة الكبيرة الحصينة لأبناء أبي الحُقيق وهم عائلة حُيَيّ بن أخطب ثم من بني النضير المنفيين من المدينة بسبب محاولتهم الشهيرة التي دبروها لاغتيال النبي ﷺ وهو آمن في ديارهم، وحالة عهد وتحالف قائمين بينه وبينهم. هل فتح الشطر الثاني من خيبر؛ صلحًا أم عنوة ؟ اختلف الإِخباريون الإِسلاميون هل تم استيلاء المسلمين على الشطر الثاني من مدينة خيبر عنوة أم صلحًا وبدون قتال؟ فقد ذكر بعضهم أن الشطر الثاني فتح صلحًا وأن مقاومة اليهود انهارت بعد فقدهم الشطر الأول من المدينة، فلم يبدوا أية مقاومة بل سارعوا إلى طلب المفاوضة ثم استسلموا للنبي ﷺ على أساس الصلح، ومن أجل ذلك يقول هذا الفريق إن النبي ﷺ لم يقسم خيبر كلها بين المسلمين وإنما قسم نصفها وأبقى القسم الآخر تحت تصرفه دونما قسمة ليصرفه في مصالح المسلمين باعتباره فيئًا (١) وليس غنيمة وحجتهم ما رواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله ﷺ قسم خيبر نصفين: نصفًا له، ونصفًا للمسلمين (٢).

стр. 1605

وفريق آخر قال: إن خيبر بشطريها فتحت عنوة ولم يفتح أي شيء منها صلحًا، وهذا هو الصحيح الذي يدل عليه سياق جمهرة المحدِّثين وأهل السيَر .. فكل حصون اليهود في خيبر (كما رأيت وكما سترى فيما يأتي إن شاء الله) فتحت بقوة السلاح وعن طريق الإِقتحام والإِلتحام ما عدا حصنين في الشطر الثاني من المدينة وهما (الوطيح والسلالم) استسلم أهلهما للمسلمين بعد حصار شديد وتهديد بالضرب بالمنجنيق، وقد استسلموا مقابل حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، والاستسلام على هذه الصورة يعتبر استسلام بعد قتال وحصار فيدخل تحت حكم العنوة لا الصلح. روى أبو داود عن ابن شهاب فقال: بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال. قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر، إنها كانت عنوة كلها مغلوبًا عليها، بخلاف فدك، فإن رسول الله ﷺ قسم أراضيها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية. ولم يختلف العلماء: أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد، أو توقف؟ . فقال الكوفيون: الإِمام مخير بين قسمتها، كما فعل رسول الله ﷺ بأرض خيبر، وبين إيقافها، كما فعل عمر بسواد العراق، وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار، وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة: من إيقافها لن يأتي بعده من المسلمين. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: "لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر سهمانا. وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا، كما قال ابن

стр. 1606

إسحاق، وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحًا وبعضها عنوة: فقد وهم وغلط، وإنما دخلت الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم فلما لم يكن أهل دينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية شومين، ظن أن ذلك لصلح، ولعمرى أن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضهما، حكم سائر أرض خيبر، كلها عنوة، غنيمة مقسومة بين أهلها، وربما شبّه على من قال: إن نصف خيبر صلح، ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار "أن رسول الله ﷺ قسم خيبر نصفين: نصفًا له، ونصفًا للمسلمين". قال أبو عمر (ابن عبد البر): لو صح هذا لكان معناه: أن النصف له سائر من وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهم للنبي ﷺ ، وطائفة معه في ثمانية عشر سهمًا ووقع السهم لسائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية سم خيبر، وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحًا، ولو كانت صلحًا لملكها أهلها، كما يملك أهل الصلح (من الكفار) أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا، ما قاله ابن إسحاق، دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب، هذا آخر كلام أبي عمر (ابن عبد البر) (١)، قال ابن القيم. قلت ذكر مالك عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح، قال مالك: والكتيبة (بضم الكاف وفتح التاء) أرض خيبر (أي حقولها الزراعية) وهو أربعون ألف عذق، وقال مالك: عن الزهري عن ابن المسيب: "أن رسول الله ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة" اهـ. وذكر ابن كثير: أن النبي ﷺ قسم خيبر نصفين .. نصفًا لنوائبه ونصفًا بين المسلمين .. الشق والنطاة وما حيز معهما من الشطر الأول من خيبر هو نصف المسلمين الذي قسمه النبي ﷺ بينهم، والوطيح والسلالم والكتيبة وما حيز معها وهو الشطر الثاني من خيبر لم يقسمه ﷺ وإنما

стр. 1607

رصده لنوائب المسلمين ومصالحهم العامة (١). استسلام الشطر الثاني من خيبر بعد القتال: والواقع الذي يدل عليه سياق أصحاب المغازي والسير حميعًا أن يهود الشطر الثاني من مدينة خيبر قد تحصنوا في حصونهم واستعدُّوا لمقاتلة المسلمين وقاتلوهم وقد كانت مقاومة يهود الشطر الثاني من العناد والعنف إلى درجة عجز معها المسلمون عن اقتحام هذه الحصون بالرغم من استمرار الحصار الخانق عليها أكثر من نصف شهر. الأمر الذي جعل النبي ﷺ يأمر بنصب آلات التدمير (المنجنيق) على هذه الحصون لتدميرها، وعندما نُصِبَتْ أيقن اليهود بالهلاك فبعثوا إلى النبي ﷺ يطلبون المفاوضة على أساس التسليم، فتمت المفاوضة بين الفريقين على أن يستسلم اليهود مقابل حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى، وهذا (كما ستراه مفصلا إن ثاء الله) استسلام لا صلح، لأن هذا الاستسلام إنما جاء بعد حصار شديد وقتال عيف. القول الفصل: ولعل القول الفصل الذي يزيل الالتباس الذي نشأ عند بعض المؤرخين من كون مزارع الكتيبة (الشطر الثاني من مدينة خيبر) لم يقسمها النبي ﷺ وإنما رصدها لمصالح المسلمين هو ما أورده الإمام الواقدي من أن سبب ذلك أن أراضى الكتيبة كانت (عند قسمة أراضى خيبر بين المسلمين) الخمس الذي (بموجب قانون الغنائم في سورة الأنفال) يرصد لمصالح المسلمين، ومعنى هذا أن أراضى القسم الثاني من مدينة خيبر لم تكن فيئا غير مقسوم وإنما كانت غنيمة شملها التقسيم كسائر أراضى خيبر. قال الواقدي (المغازي ج ٢ ص ٦٩٢): وحدثني قدامة بن موسى، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزام، قال: كتب إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته أن افحص لي عن الكتيبة (أراضى القسم الثاني من

стр. 1608

خيبر)، قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله ﷺ لما صالح بني أبي الحُقَيق جزأَ النطاة والشق والكتيبة خمسة أجزاء، وكانت الكتيبة جُزءًا منها، ثم جعل رسول الله ﷺ خمس بعرات، وأعلَمَ في بعرة منها، فجعلها لله، ثم قال: اللهم اجعل سهمك (يعني الخمس الخاص بمصالح المسلمين) في الكتيبة، فكان أول ما خرج منها الذي فيه مكتوب على الكتيبة، فكانت الكتيبة، خمس النبي ﷺ ، وكان السهمان أغفالًا، ليس عليها علامات، وكانت فوضى للمسلمين على ثمانية عشر سهمًا، قال أبو بكر: فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بذلك. وقال الواقدي أيضًا عن حزام بن سعد بن محيصة أنه قال: لمّا خرج سهم النبي ﷺ وكان الشق والنطاة أربعة الأخماس للمسلمين فوضى. وحدثني عبد الله بن عون عن أبي مالك الحميرى، عن سعيد بن المسيّب، وحدّثنى محمد (أي ابن عبد الله)، عن الزهري، قال: الكتيبة خمس رسول الله ﷺ قال: فكان رسول الله يطعم من أطعم من في الكتيبة وينفق على أهله منها، قال ابن واقد: والثبت عندنا أنها خمس النبي ﷺ من خيبر، لأن رسول الله ﷺ لم يطعم من الشق والنطاة أحدًا وجعلها سهمانا للمسلمين، وكانت الكتيبة التي أطعم فيها، كانت الكتيبة تخرص ثمانية آلاف وسق تمر، فكان لليهود نصفها أربعة آلاف وكان يزرع في الكتيبة شعير، فكان يحصد منها ثلاثة آلاف صاع فكان للنبي ﷺ نصفه، ألف وخمسمائة صاع شعير، وكان يكون فيها نوى فربما اجتمع ألف صاع فيكون لرسول الله ﷺ نصفه، فكل هذا قد أعطى منه رسول الله ﷺ المسلمين من الشعير والتمر والنوى (١). دروس في النزاهة والعفة: وفي فتح خيبر ألقى النبي ﷺ على أصحابه دروسًا عالية، كان التمسك بها قاعدة القواعد لنزاهة الجندى المحارب المجاهد في سبيل الله تعالى، وكانت درسًا في التمسك بالنظام ورهبة الخروج عليه حتى في أحقر الأمور التي قد

стр. 1609

لا يُؤبه لها. فقد نهى أشد النهي عن أن يأخذ الجندى أي شيء من الغنيمة قبل أن تقسم مهما قلَّ. فقد نادى منادى النبي ﷺ : إن الغلول (١) عار وشنار يوم القيامة، أدّوا الخيط والمخيط. قال الواقدي: فباع يومئذ فروة ابن عمرو (الموكل ببيع الغنائم) المتاع، فأخذ عصابة فعصب بها رأسه ليستظل بها من الشمس، ثم رجع إلى منزله وهي عليه فذكر فخرج فطرحها، وأخبر بها رسول الله ﷺ فقال: عصابة من نار عصبت بها رأسك، وسأل رسول الله ﷺ يومئذ من الفئ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : لا يحل لي من الفئ خيط ولا مخيط، ولا آخذ ولا أعطى، فسأله رجل عقالًا، فقال ﷺ : حتى تقسّم الغنائم ثم أعطيك عقالًا وإن شئت مرارًا (٢). نموذج نادر في صدق الجهاد لله: وفي معركة خيبر ظهرت نماذج من نوع مثالى بلغت أعلى درجات الكمال في صدق الجهاد والحرص على بذل الروح بسخاء ما بعده سخاء في سبيل مرضاة الله تعالى. فقد روى البيهقي والنسائي: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئًا، فقسّمه، وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم (٣). فلما جاء الأعرابى (إياه) دفعوا إليه قسمه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته. لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة. فقال النبي ﷺ : إن تصدق الله يصدقك، ثم نهضوا إلى قتال العدو،

стр. 1610

فأتى به إلى النبي ﷺ وهو مقتول. فقال ﷺ : هو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه. فكفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدّمه فصلى عليه، وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك قتل شهيدًا وأنا عليه شهيد (١). وكان رجل أسود مع النبي ﷺ يمسك دابّته عند القتال يقال له كركرة، فقتل يومئذ، فقيل: استشهد كركرة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه ليحرق في النار على شملة غلها، فقال رجل: أخذت شراكين يومئذ كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : شرا كان من نار، وتوفّى يومئذ رجل من أشجع، وأنهم ذكروه لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيّرت وجوه الناس لذلك فقال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم غلّ في سبيل الله، قال زيد بن خالد الجهني ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خراز اليهود لا يسوى درهمن، وكان نفر من المسلمين أصابوا خرزًا من خرز اليهود، وكانوا رفقاء، فقال المحدّث لهذا الحديث: لو كان الخرز عندكم اليوم لم يَسْوَ درهمين، فأتِي بذلك رسول الله ﷺ بعدما فرغ من المقسم فقالوا: يا رسول الله، نسينا هذا الخرز عندنا! فقال ﷺ : كلكم يحلف بالله أنه نسيه؟ فحلفوا جميعًا أنهم نسوه، فدعا رسول الله ﷺ بسرير الموتى فسجى عليهم بالرباط، ثم صلى عليهم صلاة الموتى، وكان رسول الله ﷺ يجد الغلول في رحل الرجل فلا يعاقبه، ولم يسمع أنه أحرق رحل أحد وجد في رحله، ولكنه يعنف ويؤنّب ويعرّف الناس به (٢). إشراك غائبين في الغنيمة: وكان من عادة النبي ﷺ أن لا يشرك في الغنيمة غائبًا عن المعركة، ولكنه في بدر أشرك في الغنيمة ثمانية لم يشهدوا القتال (٣). وفي خيبر أسهم

стр. 1611

النبي ﷺ لرجال من المسلمين غابوا عن القتال. قال الواقدي: وكانت خيبر لأهل الحديبية من شهدها منهم أو غاب عنها. قال الله : ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) يعني خيبر، وقد تخلّف عنها رجال (مرّى بن سنان وأيمن بن عبيد وسبَّاع بن عرفطة الغفاري وجابر بن عبد الله وغيرهم ومات منهم رجلان فأسهم رسول الله ﷺ لمن تخلّف منهم ومن مات، وأسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل فدك (محيصة بن مسعود الحارثي وغيره)، وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال (سويد بن النعمان وعبد الله بن سعد بن خيثمة ورجل من بني خطامه .. )، وأسهم للقتلى الذين قتلوا من المسلمين. إشراك عشرة من اليهود في العنيمة: وذكر المؤرخون أن النبي ﷺ غزا بعشرة من يهود المدينة إلى خيبر فكانوا معه في الجيش، وعند تقسيم الغنيمة أسهم لهم كسهمان المسلمين، وكان معهم مملوكون منهم عمير أبو اللحم، قال عمير: ولم يسهم لي وأعطانى خرثى متاع (٢). غطفان تنجد اليهود ولكن ؟ : كنا ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن عيينة بن حصن الفزاري قائد غطفان قد رفض نصيحة الحارث بن عوف المرّى وأبي إلا أن يظاهر اليهود على النبي ﷺ . ويسارع إلى مدّهم بقوات كثيفة من غطفان، فقد تحرّك من جديد نحو خيبر بحوالى أربعة آلاف مقاتل، وهي التي عادت إلى ديارها بعد أن قطعت مرحلة نحو خيبر وذلك على أثر ما سمعت من أن قوات للمسلمين قد أخلفتها في ديارها، قبل نشوب معركة خيبر بقليل. غير أن قوات غطفان وصلت إلى خيبر بعد فوات الأوان، حيث لم تصل إلا بعد أن وجدت النبي ﷺ قد استولى على خيبر كلها، ولم يعد بها من اليهود من يحمل السلاح، حيث استسلموا جميعًا لقوات المسلمين.

стр. 1612

غطفان تطلب من النبي قسمًا من الغنيمة: غير أن قائد غطفان (عيينة بن حصن الفزاري) لم يجد من الحياء ما يمنعه من أن يطلب من النبي ﷺ إعطاءه من غنائم خيبر، فقد قال للنبي ﷺ : أعطنى يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائى ولم أكثر عليك ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل. فقال رسول الله ﷺ : كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أجزنى يا محمد، فقال النبي ﷺ : لك ذو الرقبة، قال عيينة: وما ذو الرقبة؟ قال النبي ﷺ : الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته. وكان عيينة بن حصن رأى في المنام (وهو بجيشه دون خيبر) أنه أعطى ذا الرقبة - جبلا بخيبر - وعندها تفاءل قائلًا: قد والله قد أخذت برقبة محمد. عيينة بن حصن يتحسر على اليهود: قال الواقدي: فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمرًا، والله ما كنت أرى أن أحدًا يصيب محمدًا غيركم، قلت: أهل الحصون والعدّة والثروة، أعطيتم بأيديكم (أي استسلمتم) وأنتم في هذه الحصون المنيعة وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن (١)! قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير (٢) ولكن الدبول (٣) قطعت عنّا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش، قال: قد ولّيتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى قلعة الزبير، وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، فقال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدًا.

стр. 1613

ويسمع كلامه ثعلبة بن سلّام بن أبي الحقيق -وكانوا يقولون: إنه ضعيف العقل مختلط- فقال: يا عيينة أنت غررتهم وخذلتهم وتركتهم وقتال محمد، وقبل ذلك ما صنعت ببنى قريظة (١)! فقال عيينة: إن محمدًا كادنا في أهلنا (أي أوقعنا في مكيدة) فنفرنا إِليهم حين سمعنا الصريخ ونحن نظن أن محمدًا قد خالف إليهم، فلم نرَ شيئًا فكررنا إليكم لننصركم. قال ثعلبة: ومن بقى تنصره؟ قد قتل من قتل، وبقى من بقى فصار عبدًا لمحمد وسبانا وقبض الأموال! قال يقول رجل لعيينة: لا أنت نصرت حلفاءك فلم يعدّوا عليك حلفنا! ولا أنت حيث ولّيت .. كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة (٢)! والله إني لأرى أمر محمد أمرًا ظاهرًا، ليظهرن على من ناوأه، فانصرف عيينة إلى أهله يفتل يديه، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف المرّى، قال: ألم أقل لك إنك توضع في غير شيء؟ ، والله ليظهرن محمد على ما بين الشرق والمغرب، اليهود كانوا يخبروننا هذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلّام بن أبي الحقيق يقول: إنّا نحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو (أي محمد) نبي مرسل واليهود لا تطاوعنى على هذا ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر، قال الحارث: قلت لسلّام: يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى، وهنا أحب أن تعلم اليهود بقولى فيه (٣). كيف استسلم يهود الشطر الثاني من خيبر: ذكر المؤرخون جميعهم أن من بقى على قيد الحياة من مقاتلة يهود الشطر الأول من خيبر (النطاة والشق) انهزموا والتحقوا بإخوانهم في الشطر الثاني

стр. 1614

وتحصنوا معهم في حصونهم، وهي عدة حصون أهمها ثلاثة وهي: ١ - القموص (بفتح القاف). ٢ - السلالم (بضم السين). ٣ - الوطيح، ضبطه الواقدي (بفتح الواو وكسر الطاء) (١). وبالرغم من إجماع المؤرخين على أن اليهود المعتصمين بهذه الحصون الثلاثة لم يستسلموا للقوات الإسلامية إلا بعد قتال شديد ومقاومة عنيدة، وحصار، دام أربعة عشر يومًا أو أكثر .. فإن هناك (كما ذكرنا في أول هذا الفصل) خلافًا بينهم، هل افتتح المسلمون شيئًا من هذه الحصون عن طريق الاقتحام بالقوة (كما فعلوا في حصون النطاة والشق) أم أن جميع هذه الحصون الثلاثة استسلم المدافعون عنها وسلموها للمسلمين عن طريق المفاوضة؟ رأي ابن إسحاق: يرى إمام المغازي ابن إسحاق أن حصنًا واحدًا من الحصون الثلاثة، وهو حصن القموص (بفتح أوله وضم ثانيه) قد فتحه المسلمون بقوة السلاح كما فعلوا في الشق والنطاة، فهو يقول: ولما افتتح رسول الله ﷺ (القموص) حصن بني أبي الحُقيق أتى رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت، وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: اعزبوا عنى هذه الشيطانة (٢)، ثم قال لبلال: انزعت منك الرحمة، يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما (٣)؟

стр. 1615

وهذا السياق من ابن إسحاق، يدل على أن المسلمين لم يستولوا على حصن (القموص) وهو من حصون الشطر الثاني - إلا بعد مقاومة عنيفة أبداها اليهود وفقدوا خلالها عددًا كبيرًا من القتلى. وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٦، أن الذي تولى فتح حصن القموص علي بن أبي طالب، وقال: إن من هذا الحصن سبيت صفية بنت حيى بن أخطب، كما قال ابن حجر. وقد سبق تحقيق المقام في ذلك. وقول صاحب السيرة الحلبية هذا، يؤيد ما ذكره ابن إسحاق من أنا حصن (القموص) اقتحمه المسلمون وفتحوه بقوة السلاح. أما الحصنان (الوطيح والسلالم) فيتفق ابن إسحاق مع باقي المؤرخين في أن اليهود المعتصمين بهما استسلموا بعد الحصار الشديد وبعد أن أيقنوا بالهلكة (١). غير أن هناك ما ينبغي الإِشارة إليه هنا، وهو أن هناك نقصًا في سرد ابن إسحاق لحوادث فتح حصون خيبر، فقد قال عند ابتدائه لوصف فتح خيبر، وتدنى رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالًا مالا، ويفتتحها حصنًا حصنًا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص (٢). فهو كما نرى لم يذكر من حصون النطاة والشق الخمسة سوى حصن ناعم، كما أن سياقه هذا يوهم بأن حصن (القموص) هو من حصون النطاة أو الشق في الشطر الأول من خيبر، بينما الذي عليه جمهرة المؤرخين أنه من حصون الشطر الثاني من خيبر، في الكتيبة. قول الواقدي: أما الواقدي (وهو الند لابن إسحاق في المغازي) فقد ذكر في كتابه (المغازي) (٣): أن اليهود بعد أن فقدوا الشطر الأول من خيبر انهزموا وتحولوا إلى الشطر
следующие страницы →