← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

النبي ﷺ لرجال من المسلمين غابوا عن القتال. قال الواقدي: وكانت خيبر لأهل الحديبية من شهدها منهم أو غاب عنها. قال الله : ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) يعني خيبر، وقد تخلّف عنها رجال (مرّى بن سنان وأيمن بن عبيد وسبَّاع بن عرفطة الغفاري وجابر بن عبد الله وغيرهم ومات منهم رجلان فأسهم رسول الله ﷺ لمن تخلّف منهم ومن مات، وأسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل فدك (محيصة بن مسعود الحارثي وغيره)، وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال (سويد بن النعمان وعبد الله بن سعد بن خيثمة ورجل من بني خطامه .. )، وأسهم للقتلى الذين قتلوا من المسلمين. إشراك عشرة من اليهود في العنيمة: وذكر المؤرخون أن النبي ﷺ غزا بعشرة من يهود المدينة إلى خيبر فكانوا معه في الجيش، وعند تقسيم الغنيمة أسهم لهم كسهمان المسلمين، وكان معهم مملوكون منهم عمير أبو اللحم، قال عمير: ولم يسهم لي وأعطانى خرثى متاع (٢). غطفان تنجد اليهود ولكن ؟ : كنا ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن عيينة بن حصن الفزاري قائد غطفان قد رفض نصيحة الحارث بن عوف المرّى وأبي إلا أن يظاهر اليهود على النبي ﷺ . ويسارع إلى مدّهم بقوات كثيفة من غطفان، فقد تحرّك من جديد نحو خيبر بحوالى أربعة آلاف مقاتل، وهي التي عادت إلى ديارها بعد أن قطعت مرحلة نحو خيبر وذلك على أثر ما سمعت من أن قوات للمسلمين قد أخلفتها في ديارها، قبل نشوب معركة خيبر بقليل. غير أن قوات غطفان وصلت إلى خيبر بعد فوات الأوان، حيث لم تصل إلا بعد أن وجدت النبي ﷺ قد استولى على خيبر كلها، ولم يعد بها من اليهود من يحمل السلاح، حيث استسلموا جميعًا لقوات المسلمين.

стр. 1612

غطفان تطلب من النبي قسمًا من الغنيمة: غير أن قائد غطفان (عيينة بن حصن الفزاري) لم يجد من الحياء ما يمنعه من أن يطلب من النبي ﷺ إعطاءه من غنائم خيبر، فقد قال للنبي ﷺ : أعطنى يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائى ولم أكثر عليك ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل. فقال رسول الله ﷺ : كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أجزنى يا محمد، فقال النبي ﷺ : لك ذو الرقبة، قال عيينة: وما ذو الرقبة؟ قال النبي ﷺ : الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته. وكان عيينة بن حصن رأى في المنام (وهو بجيشه دون خيبر) أنه أعطى ذا الرقبة - جبلا بخيبر - وعندها تفاءل قائلًا: قد والله قد أخذت برقبة محمد. عيينة بن حصن يتحسر على اليهود: قال الواقدي: فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمرًا، والله ما كنت أرى أن أحدًا يصيب محمدًا غيركم، قلت: أهل الحصون والعدّة والثروة، أعطيتم بأيديكم (أي استسلمتم) وأنتم في هذه الحصون المنيعة وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن (١)! قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير (٢) ولكن الدبول (٣) قطعت عنّا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش، قال: قد ولّيتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى قلعة الزبير، وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، فقال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدًا.

стр. 1613

ويسمع كلامه ثعلبة بن سلّام بن أبي الحقيق -وكانوا يقولون: إنه ضعيف العقل مختلط- فقال: يا عيينة أنت غررتهم وخذلتهم وتركتهم وقتال محمد، وقبل ذلك ما صنعت ببنى قريظة (١)! فقال عيينة: إن محمدًا كادنا في أهلنا (أي أوقعنا في مكيدة) فنفرنا إِليهم حين سمعنا الصريخ ونحن نظن أن محمدًا قد خالف إليهم، فلم نرَ شيئًا فكررنا إليكم لننصركم. قال ثعلبة: ومن بقى تنصره؟ قد قتل من قتل، وبقى من بقى فصار عبدًا لمحمد وسبانا وقبض الأموال! قال يقول رجل لعيينة: لا أنت نصرت حلفاءك فلم يعدّوا عليك حلفنا! ولا أنت حيث ولّيت .. كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة (٢)! والله إني لأرى أمر محمد أمرًا ظاهرًا، ليظهرن على من ناوأه، فانصرف عيينة إلى أهله يفتل يديه، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف المرّى، قال: ألم أقل لك إنك توضع في غير شيء؟ ، والله ليظهرن محمد على ما بين الشرق والمغرب، اليهود كانوا يخبروننا هذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلّام بن أبي الحقيق يقول: إنّا نحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو (أي محمد) نبي مرسل واليهود لا تطاوعنى على هذا ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر، قال الحارث: قلت لسلّام: يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى، وهنا أحب أن تعلم اليهود بقولى فيه (٣). كيف استسلم يهود الشطر الثاني من خيبر: ذكر المؤرخون جميعهم أن من بقى على قيد الحياة من مقاتلة يهود الشطر الأول من خيبر (النطاة والشق) انهزموا والتحقوا بإخوانهم في الشطر الثاني

стр. 1614

وتحصنوا معهم في حصونهم، وهي عدة حصون أهمها ثلاثة وهي: ١ - القموص (بفتح القاف). ٢ - السلالم (بضم السين). ٣ - الوطيح، ضبطه الواقدي (بفتح الواو وكسر الطاء) (١). وبالرغم من إجماع المؤرخين على أن اليهود المعتصمين بهذه الحصون الثلاثة لم يستسلموا للقوات الإسلامية إلا بعد قتال شديد ومقاومة عنيدة، وحصار، دام أربعة عشر يومًا أو أكثر .. فإن هناك (كما ذكرنا في أول هذا الفصل) خلافًا بينهم، هل افتتح المسلمون شيئًا من هذه الحصون عن طريق الاقتحام بالقوة (كما فعلوا في حصون النطاة والشق) أم أن جميع هذه الحصون الثلاثة استسلم المدافعون عنها وسلموها للمسلمين عن طريق المفاوضة؟ رأي ابن إسحاق: يرى إمام المغازي ابن إسحاق أن حصنًا واحدًا من الحصون الثلاثة، وهو حصن القموص (بفتح أوله وضم ثانيه) قد فتحه المسلمون بقوة السلاح كما فعلوا في الشق والنطاة، فهو يقول: ولما افتتح رسول الله ﷺ (القموص) حصن بني أبي الحُقيق أتى رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها، فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت، وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: اعزبوا عنى هذه الشيطانة (٢)، ثم قال لبلال: انزعت منك الرحمة، يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما (٣)؟

стр. 1615

وهذا السياق من ابن إسحاق، يدل على أن المسلمين لم يستولوا على حصن (القموص) وهو من حصون الشطر الثاني - إلا بعد مقاومة عنيفة أبداها اليهود وفقدوا خلالها عددًا كبيرًا من القتلى. وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٦٦، أن الذي تولى فتح حصن القموص علي بن أبي طالب، وقال: إن من هذا الحصن سبيت صفية بنت حيى بن أخطب، كما قال ابن حجر. وقد سبق تحقيق المقام في ذلك. وقول صاحب السيرة الحلبية هذا، يؤيد ما ذكره ابن إسحاق من أنا حصن (القموص) اقتحمه المسلمون وفتحوه بقوة السلاح. أما الحصنان (الوطيح والسلالم) فيتفق ابن إسحاق مع باقي المؤرخين في أن اليهود المعتصمين بهما استسلموا بعد الحصار الشديد وبعد أن أيقنوا بالهلكة (١). غير أن هناك ما ينبغي الإِشارة إليه هنا، وهو أن هناك نقصًا في سرد ابن إسحاق لحوادث فتح حصون خيبر، فقد قال عند ابتدائه لوصف فتح خيبر، وتدنى رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالًا مالا، ويفتتحها حصنًا حصنًا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص (٢). فهو كما نرى لم يذكر من حصون النطاة والشق الخمسة سوى حصن ناعم، كما أن سياقه هذا يوهم بأن حصن (القموص) هو من حصون النطاة أو الشق في الشطر الأول من خيبر، بينما الذي عليه جمهرة المؤرخين أنه من حصون الشطر الثاني من خيبر، في الكتيبة. قول الواقدي: أما الواقدي (وهو الند لابن إسحاق في المغازي) فقد ذكر في كتابه (المغازي) (٣): أن اليهود بعد أن فقدوا الشطر الأول من خيبر انهزموا وتحولوا إلى الشطر

стр. 1616

الثاني واعتصموا مع يهود هذا الشطر بحصونهم الثلاثة (الوطيح والسلالم والقموص) واستعدوا للمقاومة، وظلوا يقاومون ممتنعين بحصونهم حتى ضرّسهم الحصار فاستسلموا، وهنا يختلف الإِمام الواقدي مع الإمام ابن إسحاق، فبينا يذكر ابن إسحاق أن المسلمين افتتحوا حصن (القموص) بقوة السلاح والحصنين الآخرين (الوطيح والسلالم) عن طريق المفاوضة، يذكر الواقدي أن جميع الحصون الثلاثة سلّمها اليهود للمسلمين عن طريق المفاوضة وأن المسلمين لم يقتحموا بقوة السلاح أي حصن من هذه الحصون وإنما فتحت بالرعب الذي قذفه الله في قلوب اليهود بعد الحصار الذي دام ١٤ يومًا. فقد قال الواقدي: (ثم تحول رسول الله ﷺ إلى الكتيبة (١) والوطيح وسلالم (حصن ابن أبي الحقيق الذي كانوا فيه)، فتحصنوا فيه أشد التحصن وجاءهم كل فلّ (٢) كان قد انهزم من النطاة والشق، فتحصنوا معهم في القموص (وهو في الكتيبة) وكان حصنًا منيعًا، وفي الوطيح وسلالم، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم مغلقين عليهم حتى همّ رسول الله ﷺ أن ينصب المنجنيق عليهم لما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم بارز، فلمَّا أيقنوا بالهلكة - وقد حصرهم رسول الله ﷺ أربعة عشر يومًا سألوا رسول الله ﷺ الصلح. قال أبو عبد الله: قلت: لإِبراهيم بن جعفر: وجد في الكتيبة خمسمائة قوس عربية. وقال: أخبرني أبي عمّن رأى كنانة بن أبي الحقيق يرمى بثلاثة أسهم في ثلاثمائة - فيدخلها في هدف شبرًا في شبر، فما هو إلا أن قيل: هذا رسول الله ﷺ قد أقبل من الشق في أصحابه - وقد تهيأ أهل القموص وقاموا على باب الحصن بالنبل، فنهض كنانة إلى قوسه فما قدر أن يوترها من الرعدة، وأومأ إلى أهل الحصون: لا ترموا! وانقمع، فما رُئِي منهم

стр. 1617

أحد حتى أجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب (١). ويدل سياق الواقدي وكل المؤرخين أن السيادة على اليهود في الشطر الثاني من مدينة خيبر كانت لبنى أبي الحقيق (رهط حيى بن أخط سيد بني النضير المنفيين من المدينة). وأن بني أبي الحُقَيق كانوا بمثابة الملوك بين يهود الشطر الثاني من مدينة خيبر. طلب اليهود المفاوضة للتسليم: فقد ذكروا جميعهم أن اليهود المتحصنين في حصون (القموص والوطيح والسلالم) في القسم الثاني من خيبر لما ضرّ سهم الحصار، وقرر النبي ﷺ أن ينصب على حصونهم آلات التدمير (المنجنيقات) وقذفهم بها أيقنوا بالهلاك ودب الذعر في قلوبهم، فقرر كنانة بن أبي الحقيق التسليم، فبعث إلى النبي ﷺ بوفد يطلب باسمه الإجماع به للتفاوض على أساس إنهاء الحرب بتسليم اليهود للمسلمين، وكان رئيس الوفد الذي أرسله كنانة اسمه (شمّاخ) (١). وعندما خرج شمّاخ (رسول كنانة بن أبي الحُقَيق) من حصن القَموص اعتقله الحرس النبوى سم جاء به إلى النبي ﷺ في مقر قيادته. وهناك أبلغ المندوب اليهودى شمّاخ النبي ﷺ أنه مبعوث من سيد اليهود كنانة بن أبي الحقيق، بعثه ليبلغه استعداد يهود الشطر الثاني من خيبر للمفاوضة، وأن ملك اليهود (كنانة بن أبي الحقيق) يرغب في الاجتماع بالنبي القائد ﷺ ويطلب السماح له بذلك. وقد وافق النبي ﷺ على الاجتماع بكنانة بن أبي الحقيق للمفاوضة. الاستسلام النهائى: فرجع اليهودى (شمّاخ) إلى كنانة بن أبي الحُقيق، وأخبره بموافقة النبي ﷺ على الاجتماع به، فأمر كنانة أصحابه بالكف عن القتال، ثم

стр. 1618

خرج إلى النبي ﷺ في نفر من زعماء اليهود. ولدى اجتماعهم بالنبي ﷺ في مقر قيادته حول الحصون حول التفاوض بين النبي ﷺ وبين كنانة بن أبي الحقيق وباقي الوفد، حول الطريقة التي يتم بها تسليم ما تبقى من منطقة خيبر للمسلمين، وهو القسم الثاني من المدينة. وقد حاول الوفد اليهودى (برئاسة كنانة بن أبي الحقيق)، الحصول على شروط وضمانات مثل التي يحصل عليها أهل الذمة الذين يقبلون الدخول في مفاوضات مع قائد الجيش الإسلامي قبل إعلان الحرب، فيعقدون معه الصلح الذي بموجبه يكون لهم حق البقاء في بلادهم مع الاحتقاظ بأموالهم وممتلكاتهم، وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى وحقن دماء الجميع، مقابل دفع شيء معين للمسلمين وهو الجزية، مع الاعتراف بسلطان الإِسلام والخضوع لأحكام قانونه. حقن الدماء والأعفاء من السبي فقط: ولكن استعداد كنانة بن أبي الحقيق ووجهاء وأعيان وقادة اليهود في الشطر الثاني من خيبر للصلح جاء متأخرًا. ذلك أنهم لم يبدوا استعدادهم للتسليم على أساس الصلح، إلا بعد أن قاوموا أشد المقاومة وامتنعوا بحصونهم، وحاربوا المسلمين وقاوموهم إلى درجة عجز الجيش الإسلامي معها عن اقتحام حصونهم الثلاثة (الوطيح والسلالم والقموص) بالرغم من المحاولات الهجومية التي استمرت حوالي نصف شهر .. الأمر الذي جعل النبي ﷺ يستعد لنصب آلات التدمير (المنجنيقات) لضرب أبراج الحصون وأسوارها ليسهل على المسلمين اقتحامها، وهو الإجراء الذي جعل كنانة بن أبي الحُقيق والمدافعين عن هذه الحصون، يوقنون بالهلاك ويفكرون في المفاوضة والتسليم بعد أن تأكدوا أن مقاومتهم لن تجدى نفعًا إذا ما تمكنت منجنيقات الجيش الإسلامي من تهديم أبراج وأسوار الحصون التي امتنع فيها هؤلاء اليهود وقرروا محاربة المسلمين حتى النهاية.

стр. 1619

تسامح القائد الأعلى النبي: وبالرغم من أن النبي ﷺ قد أدرك أن كنانة بن أبي الحقيق والوفد المرافق له، لم ينزلوا من حصونهم لمفاوضة النبي ﷺ ، إلا بعد أن انهارت مقاومتهم وأيقنوا أنهم مأخوذون عَنْوة، وأن حكمهم كحكم الذين تؤخذ حصونهم وأراضيهم عَنْوة، فيؤسر مقاتلوهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتؤخذ كل أموالهم غنيمة المسلمين دونما استثناء، كأعداء لم يسلِّموا إلا بعد حصار وحرب وقتال .. فإن النبي ﷺ قد تسامح مع هؤلاء اليهود، حيث أبرم معهم اتفاقية أهم ما حصلوا عليه فيها "حقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى" وهو أمر ما كانوا ليظفروا به لولا روح التسامح التي عاملهم بها النبي ﷺ . بنود اتفاقية التسليم: ويمكن تلخيص بنود الاتفاق النهائي هذا فيما يلي: ١ - على اليهود أن يخلوا جميع القلاع والحصون ويتركوا كل ما فيها من آلات حربية وأسلحة، ليستولى عليها الجيش الإِسلامي لتصبح جزءًا من أملاك المسلمين الغزاة. ٢ - على اليهود أن يسلموا للمسلمين كل ما في حوزتهم من أسلحة، وأن لا يحملوا سلاحًا ما داموا في خيبر. ٣ - يتعهد النبي ﷺ بحقن دماء اليهود التي جرت المفاوضة باسمهم ويعفى نساءهم وأطفالهم من الاسترقاق. ٤ - على اليهود أن يجلوا عن خيبر ويغادروها إلى الشام. ٥ - يسمح المسلمون لليهود عند جلائهم عن خيبر أن يأخذوا من الأموال ما حملت ركابهم (١).

стр. 1620

٦ - يتعهد اليهود - وعلى رأسهم سيدهم كنانة بن أبي الحقيق - أن يدلوا المسلمين على جميع الأموال بما في ذلك الكنوز المخفية ويسلموها للفاتحين. ٧ - يوافق اليهود على أن لا ذمة لهم وأن المسلمين في حل من كل التزامات هذه الاتفاقية وأن دماء اليهود وأموالهم وذراريهم حلال للمسلمين إذا ما خالفوا شيئًا من بنود هذه الاتفاقية أو غيبوا أو كتموا شيئًا مما يجب أن يظهروه. وقد تم إبرام هذه الاتفاقية في مقر قيادة النبي ﷺ وأشهد عليها رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا والزبير وعشرة من اليهود. وعقِبَ إبرام هذه الاتفاقية سلّم اليهود الحصون والقلاع المسلمين كما انتدب النبي من أصحابه من يستلم الأموال والأسلحة والمزارع والبساتين .. وبهذا وضعت الحرب أوزارها في خيبر باستيلاء المسلمين عليها استيلاءًا كاملًا بعد معارك وحروب طاحنة دامت حوالي شهرين وهي أطول مدة يقضيها رسول الله ﷺ في أية معركة. نهاية الاستعمار اليهودى: وبسقوط منطقة خيبر في أيدى المسلمين انهار آخر وأقوى معقل لسلطان اليهود الدخيل الزنيم في جزيرة العرب .. هذا السلطان الاستعمارى الذي دام في يثرب وخيبر (بصفة خاصة) حوالي ألفين من السنين، والذي ظل وجوده طيلة تلك القرون مصدر الشرور والفتن والقلاقل والحروب الأهلية الطاحنة بين العرب، التي دأب اليهود (بأساليبهم التقليدية الشريرة) على إثارتها وتغذية أسبابها للتمكين لوجودهم في بلاد العرب كأقلية دخيلة

стр. 1621

لا يمكنها الاستقرار والبقاء في أرض غير أرضها بين شعب هي غريبة عنه (جنسًا ولغةً ودينًا ولحمًا ودمًا) إلا باستمرار التخاصم والتناحر والتفرق والتعادى بين عناصر هذا الشعب الواحد، والعمل على تصعيد أسباب الخلاف الدامى بين مختلف فئات الشعب الواحد، الذي لو توحَّد وتخلَّت عناصره (ذات القوة الذاتية العظيمة) من مساوئ التخاصم الجاهلى والتنافر القبلى، لما استطاع هؤلاء اليهود الدخلاء، أن يجدوا موطئ قدم في جزيرة العرب، ولا اضطروا إلى العودة من حيث أتوا، وهو ما حدث لهم مرغمين (بالفعل) بعد أن وحَّد بين أمة العرب تحت راية التوحيد .. الأمر الذي لو حَدَث قبل ألفين من السنين، لما استطاع اليهود الدخلاء البقاء في جزيرة العرب طيلة هذه الدة الطويلة الطويلة جدًّا. ما أشبه الليلة بالبارحة: فهل يتقى الله العرب (أو المنتسبون إلى العروبة) الذين هم سبب تفريق كلمة العرب وتصنيفهم إلى صنفين، صنف يجب أن يكون له كل شيء وصنف لا يستحق أي شيء ولا حتى البقاء حيًّا .. هل يتقى الله هؤلاء الذين يكرسون تفرقة العرب وتمزيق وحدتهم تحت شعار الوحدة والتلاقى .. هل يتقى الله هؤلاء فيعودون إلى رشدهم ويدركون الواقع المؤلم فيعملون على تغييره بصدق إخلاص؟ وهو أن الوجود اليهودى الزنيم المستعمر الدخيل في فلسطين، لا يستمد بقاءه من قوته الذاتية أو طائرات الميراج أو حتى الفانتوم أو التكنولوجيا، وإنما يستمد بقاءه البغيض من تمزيق وحدة العرب واختلاف كلمتهم، وكيد بعضهم لبعض. إن العرب يستحيل أن يتم اجتماع كلمتهم وقيام وحدتهم إلا في ظل راية الإِسلام والإسلام فقط. الغنائم في خيبر: وبعد سقوط القسم الثاني من مدينة خيبر واستسلام حصونها وقلاعها لجيش الإِسلام الظافر، أخذ المسلمون في إحصاء الغنائم، وكانت شيئًا عظيمًا لم يغنم الجيش الإسلامى مثله في أية غزوة من الغزوات التي انتصر

стр. 1622

فيها المسلمون على أعدائهم في العهد النبوى. فبالإضافة إلى الأسلحة والمعدات والآلات الحربية (مثل الدبابات والمنجنيقات) انتى استولى عليها المسلمون عند افتتاحهم قلاع الشطر الأول من خيبر، استولوا في قلاع وحصون الشطر الثاني من المدينة على كميات كبيرة من الأسلحة نذكر منها: ١ - ألف (١٠٠٠ رمح). ٢ - أربعمائة (٤٠٠ سيف). ٣ - خمسمائة (٥٠٠ قوس عربية) بجعابها (١). وهو شيء عظيم بالنسبة للمستوى العسكري في ذلك العصر. الغنائم غير الحربية: أما الغنائم غير الحربية الأخرى التي غنمها الإِسلام في هذا الفتح العظيم فهو شيء عظيم لا يمكن حصره. فبالإضافة إلى الكميات الكبيرة من الذهب والفضة التي يشهر اليهود (منذ أقدم العصور) باكتنازها، غنم المسلمون ما هو أهم وأعظم من ذلك وهو المزارع والبساتين وأحراش النخيل التي تغطى مئات الأميال المربعة من أرياف مدينة خيبر العربية. وإذا علمنا أن ما غنمه المسلمون (فقط) في الكتيبة - وهي واحة من عشرات الواحات التي تغطى أراضى خيبر - هو أربعون ألف نخلة (٢) أدركنا مدى ضخامة كميات الأراضي المزروعة المغنومة من اليهود المهزومين في خيبر. خيبر أغنى منطقة زراعية في الحجاز: ولا غرو، فقد كانت منطقة خيبر (في ذلك العمر) أغنى منطقة

стр. 1623

زراعية في الحجاز بل وجزيرة العرب على الإِطلاق. حيث كانت - ولا تزال حتى اليوم - تفيض منها بالماء مئات العيون وهو ما لا يوجد مثله في أية منطقة في الحجاز، مع جودة التربة وسعة الأراضي الصالحة لزراعة مختلف أنواع الأشجار والفواكه والحبوب كالذرة والحنطة والشعير. وقد كان العرب في ذلك العصر يسمون واحات خيبر، ريف الحجاز، وقد ارتفعت ميزانية دخل خزينة الدولة الإِسلامية باستيلاء المسلمين على واحات خيبر، إرتفاعًا كبيرًا ملحوظًا، لا سيما بعد أن رصد النبي القائد والحاكم الأعلى خمس مغانم خيبر لبيت المال للصرف منه على مصالح المسلمين العامة حسب الظروف ومتطلبات الحاجة. النبي يعيد التوراة لليهود: وعند إحصاء الغنائم وجد المسلمرن من بينها عدة أجزاء من التوراة (كتاب اليهود المقدس) وقد طلب اليهود من النبي ﷺ أن يعيد إليهم هذه الصحائف من كتابهم، فاستجاب لطلبهم، وأمر بإعادتها إليهم فأعيدت (١). ولعل في إعادة صحائف التوراة إلى اليهود البرهان الذي يلقم متهمى الإِسلام بالتعصب ومصادرة غير المسلمين في معتقداتهم وإجبارهم على اعتناق الإسلام حجرًا. فإعادة صحائف التوراة إلى اليهود (وخاصة في ذلك العصر) فيها أعظم الدليل على تسامح الإسلام وإطلاقه الحريات لمن يخالفه في العقيدة، في عصر بلغ فيه التعصب الأعمى للدين والمذهب بين الأمم الأخرى (كالرومان) إلى أن أباحوا لأنفسهم سفك دم الذين يخالفونهم في المذهب داخل إطار الدين الواحد، كما فعل حكام دولة الروم البيزنطة بمعاقبة النصارى في مصر. فكيف بمن يخالفهم في جوهر الدين ذاته؟ وأين تصرفات المسلمين الفاتحين النتصرين المتسامحة بإطلاقهم الحريات لمخالفيهم في الدين ليمارسوا شعائرهم في ظل الدولة الإسلامية كما يريدون،

стр. 1624

من تصرفات الصليبيين الذين أعماهم الحقد والتعصب؟ فلم يكتفوا بمصادرة حرية المسلمين في ممارسة شعائر دينهم، بل لجأوا إلى تخييرهم بين أمرين: إما قتلهم وتحريقهم بالنار، وإما مفارقة دين الإِسلام واعتناق النصرانية، كما حدث من الملك فيرديناند والملكة إيزابلا في الأندلس (إسبانيا) عندما كتبت لهم الغلبة على المسلمين هناك، فأقاموا لهم محاكم التفتيش الوحشية التي نفذت حكم الإعدام (ضربًا بالسيف وحرقًا بالنار) في مئات الآلاف من المسلمين ولم تتوقف هذه المجازر الرهيبة إلا بعد أن أخطر جميع المسلمين على اعتناق النصرانية حفاظًا على أرواحهم .. وكما حدث من ملك الصليبيين (قلب الأسد) عندما ذبح ثلاثة آلاف مسلم من أسرى المسلمين بالرغم من إعطائهم الأمان عند استيلائه على مدينة القدس، التي استعادها منه صلاح الدين بقوة السلاح، والذي لم يقتل أسيرًا مسيحيًا واحدًا، بالرغم من تلك المجزرة التي ارتكبها الصليبيون على يد قلب الأسد الإِنكليزى .. الذي بلغ التسامح الإِسلامي بصلاح الدين إلى أن يعوده وهو في مرضه، ويأمر طبيبه بمعالجته حتى شفى من مرضه كما تشهد بذلك مصادر التاريخ الغربي في أوروبا قبل الشرق في بلاد الإِسلام. كيف سمح النبي لليهود بالبقاء في خيبر ؟ وهكذا (وباستسلام حصون الشطر الثاني من مدينة خيبر) وضعت الحرب أوزارها في هذه المنطقة الحيوية الهامة من جزيرة العرب .. وبسقوط خيبر في أيدى المسلمين انهار أقوى وآخر معقل للوجود اليهودى الدخيل في جزيرة العرب. وقد جاء في نص اتفاقية تسليم الشطر الثاني من خيبر على أن يقوم اليهود بالجلاء عن خيبر إلى الشام ويتعهد السلمون بحقن دمائهم وإعفاء نسائهم وذراريهم من السبى والاسترقاق شريطة أن لا يكتموا أو يغيبوا شيئًا من الأموال التي هي (بموجب قوانين الحرب في ذلك العصر) ملك من أملاك المسلمين المنتصرين، وأنهم (أي اليهود) إن فعلوا ذلك برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله وحلَّت دماؤهم وحق المسلمين سبى نسائهم وذراريهم (انظر تفاصيل الاتفاقية فيما مضى من هذا الكتاب) قد نقض اليهود العهد

стр. 1625

وخانوا وغيّبوا وكتموا (١)، الأمر الذي أباح للنبي ﷺ دماءهم وأموالهم كما تنص عليه اتفاقية الجلاء صراحة. غير أن النبي ﷺ (بالرغم من نقض اليهود العهد وإبطال مفعول الاتفاقية بالخروج على نصوصها كما تقدم، لم يقتل اليهود ولم يسترق نساء وذرارى سوى رجلين اثنين هما (كنانة بن أبي الحقيق وأخوه الربيع) اللذان وقعا الاتفاقية بالنيابة عن اليهود. أما بقية اليهود وهم عدة آلاف فلم يتعرض لهم بأذى إذ أعفاهم من عقوبة النكث ونقض العهد، لأن المسؤول الأول عن هذا النكث والنقض والغدر إنما هما (كنانة بن أبي الحقيق وأخوه الربيع). السماح لليهود بالإِقامة في خيبر: إلا أن النبي ﷺ تنفيذًا لاتفاقية التسليم قرر إجلاء اليهود عن خيبر، فلم يعارض اليهود في ذلك، إلا أنهم تقدموا إلى النبي القائد ﷺ بعرض من طلبوا فيه أن يسمح لهم بالبقاء في خيبر في ظل حكم الإِسلام، ليعملوا كأجراء في أرض خيبر للعناية بمزارعها وبساتينها وتوثى فلاحتها مقابل جزء من محصولها يعطى لهم يتفق عليه الفريقان. فقد جاؤوا إلى النبي ﷺ . بعد أن علموا أنه سيخرجهم من خيبر ققالوا: يا محمد نحن أعلم منكم بخيبر، دعونا نكون فيها نعمرها لكم بشطر ما يخرج منها. وقد راقت هذه الفكرة للنبي ﷺ فقبل عرض اليهود فسمح لهم بالبقاء في خيبر وأبرم معهم اتفاقًا خلاصته أن يقوموا بعمارة الأرض واستصلاحها وعمارتها على أن يكون لهم مقابل ذلك نصف ما تخرجه أرض خيبر من ثمار، على أن يكون من حق المسلمين إخراج اليهود من خيبر متى شاؤوا.

стр. 1626

قال الزيلعى في نصب الراية ج ٣ ص ٣٩٩: وقالوا (أي اليهود) نحن أعلم بكم منها فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف وقال: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وفي صحيح البخاري: أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها. وقال ابن حزم (في جوامع السيرة): وأقر النبي ﷺ اليهود على أن يعتملوها أي أرض خيبر بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر ويقرهم على ذلك ما بدا له، فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة أبي بكر، وجمهور خلافة عمر، فلما كان في آخر خلافته بلغه أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي مات فيه أن لا يبقى في جزيرة العرب دينان، فأمر بإجلائهم عن خيبر .. اهـ. وكانت الاتفاقية كما تقدم تعطى المسلمين حق إجلاء اليهود متى شاؤوا. قال ابن إسحاق: وقال اليهود للنبي ﷺ : نحن أعلم بها (أي خيبر) منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف، وقال لهم، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم (١). اليهود في حماية المسلمين: وبعد أن قبل النبي ﷺ عرض اليهود فوافق على أن يبقوا في منطقة خيبر للعناية بزروعها والقيام بفلاحتها وإعمارها مقابل إعطائهم نصف ما تنتجه أرضها - بقى هؤلاء اليهود في ذمة المسلمين وحمايتهم آمنين على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم. وعقب موافقة النبي ﷺ على بقاء اليهود في خيبر لإعمار أرضها مقابل نصف المحصول من ثمارها أخذ اليهود يعاودون نشاطهم التجارى في المنطقة بمنتهى الحرية والأمان، وكانوا (كما هو المشهور عنهم) من أنشط الناس في الأعمال التجارية.

стр. 1627

وقد أخفى عامة اليهود أكثر ما لديهم من نقود الذهب والفضة عندما شعروا بأنهم سيخسرون المعركة، ويدل سياق الأحداث (كما هو في أمهات التاريخ) أن النبي ﷺ تسامح معهم في هذا الأمر بالرغم من علمه به وبالرغم من أن نصوص المعاهدة تلزمهم بتسليم كل ما لديهم. من أموال منقولة وغير منقولة كغنيمة حرب للجيش الإِسلامي (كما هي قوانين الحرب في ذلك العصر). ويدل على تسامح النبي ﷺ مع هؤلاء اليهود هو أنهم قد اشتروا بأموالهم الشيء الكثير من الغنائم التي غنمها الجيش في خيبر فربحوا من ذلك أرباحًا طائلة. يدل على ذلك ما رواه الواقدي: فلقد كان من اليهود حين أمّنهم رسول الله ﷺ يقبلون ويدبرون ويبيعون ويشترون، لقد أنفقوا عامة المغنم مما يشترون من الثياب والمتاع، وكانوا قد غيّبوا نقودهم وعين مالهم (١). النبي يحذر من الاعتداء على أموال اليهود: وبعد أن عقد النبي ﷺ مع اليهود اتفاقية المساقاة والمزارعة وأعطاهم الأمان صار المسلمون يقعون في حرثهم وبقلهم فشكت اليهود ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ بجمع المسلمين والجيش لما يزل في خيبر - فلما اجتمعوا حذرهم من التعرض لليهود وأخذ أي شيء من رروعهم، فقد وقف فيهم ﷺ خطبًا وقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه) - إن اليهود شكوا إليّ أنكم وقعتم في حظائرهم وقد أمّناهم على دمائهم وعلى أموالهم والذي في أيديهم من أراضيهم، وعاملناهم، وأنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. فامتثل المسلمون أمر النبي ﷺ وصاروا لا يأخذون شيئًا من ثمار الأراضي التي أعطيت لليهود إلا بثمن، ولقد بلغ بالمسلمين التحرز والتعفف إلى أن يقول اليهودى للمسلم، أنا أعطيك هذا (من الثمار) بلا

стр. 1628

ثمن فيأبى المسلم أن يأخذه إلا بثمن، بعدما سمع من النبي ﷺ ما سمع من نهى عن التعرّض لأموال اليهود (١). محاولة اغتيال النبي في خيبر: وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وتمت السيطرة التامة للمسلمين على هذه المنطقة الهامة، وبعد أن عدل النبي ﷺ عن إجلاء يهود خيبر واتفق معهم على إعمار بساتين ومزارع خيبر ومنحهم الأمان والحماية، جرت محاولة شريرة لاغتيال النبي في مدينة خيبر. وتفصيل ذلك أن امرأة يهودية اسمها زينب بنت الحارث (زوجة سلّام بن مشكم المقتول في حصن النطاة وابنة أخي مرحب (الحارث) وكلاهما قتل في المعركة، قررت اغتيال النبي ﷺ عن طريق دس السم له في الطعام. فقد عمدت إلى شاة لها فذبحتها - وكانت بالتشاور مع بعض اليهود - قد اختارت أخطر نوع من أنواع السم يقال له لابطي، لا يلبث أن يقتل متناوله في الحال، ثم وضعته في جميع أوصال الشاة، وأكثرت من هذا السم (بصفة خاصة) في الذراعين، لأنها (كجزء من حبك المؤامرة) سألت أثناء التخطيط لها: (أي أنواع اللحم أحب إلى النبي ﷺ ) فقيل لها: الذراع والكتف، وكان قصدها الرئيسى أن يقضى السم على الرسول ﷺ بمجرد تناوله أية كمية من لحم الشاة التي كانت قد شوتها وحملتها إلى معسكر النبي ﷺ بقصد إهدائها له، وكان ﷺ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ولما صلّى النبي ﷺ صلاة المغرب وعاد إلى مقر قيادته في خيبر وجد زينب اليهودية جالسة عند رحله فلما سألها ما شأنها؟ قالت: أبا القاسم هدية أهديتها لك، فقبلها وأمر بقبضها منها فقبضت ثم وضعت الشاة السمومة بين يديه ﷺ وكان معه بعض أصحابه، فقال لهم: ادنوا فتعشُّوا فدنوا فمدوا أيديهم، وتنأول رسول الله ﷺ الذراع فانتهش منها نهشًا،

стр. 1629

وازدرد لقمة، وتناول بشر بن البراء (١) عظمًا فأكل منه لقمة أيضًا، وفجأة أمر النبي ﷺ أصحابه بأن يتوقفوا عن أكل قائلًا: كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرنى أنها مسمومة، فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتى التي أكلتها فما منعنى أن ألفظها إلا كراهية أن أنَغِّص عليك طعامك فلما تسوغت ما في يدك لم أرغب بنفسي عن نفسك. أما بشر فلم يقم من مكانه حتى تحول لونه أسود من شدة تأثير السم وظل يعاني من وجعه طيلة سنة كاملة مشلولًا حتى مات متأثرًا بهذا السم. وكان بعض الصحابة قد أكلوا شيئًا من هذه الشاة أيضًا، لذلك أمر النبي ﷺ من أكل شيئًا من هذه الشاة أن يحتجم كما احتجم ﷺ نفسه على كاهله كعملية لتخفيف تأثير السم. ويقول ابن القيم: إن النبي ﷺ ظل يعافى من تأثير هذا السم طيلة أربع سنوات حتى توفاه الله تعالى. وقد روى عنه ﷺ أنه قال في وجعه الذي مات فيه: (مازلت أجد -أي أتألم- من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، لهذا أوان انقطاع الأبهر منى)، قال الزهري: فتوفي رسول الله ﷺ شهيدًا. وعلى أثر ما حدث أمر النبي ﷺ بإحضار زينب اليهودية لاستجوابها. ولدى التحقيق معها اعترفت بأنها سمّت الشاة قاصدة بذلك قتل النبي ﷺ ولما سألها النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ فقالت بكل صراحة: لقد بلغت من قومى ما لا يخفى عليك قتلت زوجى وأبي وعمّى، فقلت: إن كان نبيًّا فسيخبره الله، وإن كان ملكًا استرحنا منه؛ فعفى عنها النبي ﷺ ...

стр. 1630

وروى حماد بن سلمة أنه ﷺ عفا عنها بالنسبة لحقه الخاص غير أنه أمر بقتلها فيما بعد قصاصًا ببشر بن البراء الذي مات متأثرًا بذلك السم الذي دسته في الشاة، وقد وفق بهذا بين الروايتين بأنه عفى عنها ولم يقتلها أولًا .. غير أنه لما مات بشر قتلها قصاصًا .. والقصاص مطلوب تنفيذه على أي إنسان مسلمًا كان أو غير مسلم (١). دور المرأة في معركة خيبر: ومعركة خيبر هي ثاني معركة تشترك فيها المرأة المسلمة في العهد النبوى، فقد روى الإِمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت: فبلغ النبي ﷺ أن معه نساء، قالت: فأرسل إلينا فدعانا، قالت: فرأينا في وجهه الغضب، قال: ما أخرجكن؟ وبأمر من خرجتن؟ قلنا خرجنا نناول السهام ونسقى السويق ومعنا دواء للجرحى ونغزل الشعر فنعين في سبيل الله، قال: فمرن فانصرفن، قالت: فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهامًا كسهام الرجال، وفيه ما يدل على أن النبي ﷺ سوى النساء بالرجال في تقاسم الغنيمة. أما ابن إسحاق فقد أورد ما يتفق مع ما أورده الإِمام أحمد بصدد خروج النساء في غزوة خيبر إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما رضخ (٢) لهن من الغنيمة، ولم يجعل لهن أسهما كأسهم الرجال. وقال: حدثني سليمان بن سحيم غن أمية بنت ابن أبي الصلت - امرأة من غفار قد سماها، لي - قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك لوجهك هذا - وهو

стр. 1631

يسير إلى خيبر- فنداوى الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية (أي فتاة حديثة السن) فأردفنى رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بي يدركنى ما يدرك النساء من العادة (ولأول مرة) قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحيت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت نعم، قال ﷺ : فأصلحى من نفسك ثم خذى إناء من ماء فاطرحى فيه ملحًا ثم اغسلى ما أصاب الحقيبة ثم عودى لمركبك. قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقى فأعطانيها، وعلّقها في عنقى فوالله لا تفارقنى أبدًا، وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. وأخرج الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن أنيس الصحابي المشهور قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ومعى زوجتى وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: انقع لها تمرًا، فإذا انغمر فأمر به لتشربه، ففعلت فما رأت شيئًا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن، فأجدى زوجتى وولدى الذي ولد. الأصل جواز خروج النساء للجهاد: كل هذه الروايات المتساندة لا تدع مجالًا للشك في أن الأصل جواز خروج النساء للمساهمة في الجهاد في سبيل الله شريطة أن لا يصاحب ذلك خروج على آداب وتعاليم الإسلام .. كالأساليب التي يلجأ إليها الكثير في هذا العصر من تجنيد الفتيات بقصد الترفيه بالوسائل المرذولة، كالغناء والرقص وما شابه ذلك مما يعد تمردًا على تعاليم الإِسلام ويستنزل غضب الله تعالى على المحاربين فيحرمهم النصر ويسبب لهم الهزائم. قتلى الفريقين في المعركة: وقد استشهد في معارك خيبر ستة عشر من المسلمين:

стр. 1632

أربعة من قريش، وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر نفسها والباقون من الأنصار. عدد شهداء المهاجرين من بني أمية بن عبد مناف: ١ - ربيعة بن أكتم بن سخبرة (١) (حليفًا لهم) قتله بالنطاة الحارث اليهودى. ٢ - ثقيف بن عمرو (٢) (حليفًا لهم) قتله أسير اليهودى بالنطاة. ٣ - رفاعة بن مسروح (٣) (حليفًا لهم) قتله الحارث اليهودى بالنطاة. من بني أسد بن عبد العزّى: ١ - عبد الله بن أبي أمية بن وهب (حليفًا لهم) وهو ابن أختهم، قتل بالنطاة. من غفار: ١ - عمارة بن عقبة، قتل بسهم. من أسلم: ١ - عامر بن سنان بن الأكوع (٤) قتله سيفه حين رجع عليه وهو يبارز أحد اليهود.

стр. 1633

من أهل خيبر نفسها: ١ - الأسود الراعى، لا يعرف اسمه، قتل في اليوم الذي أسلم فيه وقصته مفصلة في هذا الكتاب. من أشجع: أ- رجل لم يذكر اسمه. شهداء الأنصار من الخزرج: أ- بشر بن البراء بن معرور (١). ٢ - فضيل بن النعمان (٢). ٣ - مسعود بن سعد بن قيس. من الأوس: ١ - محمود بن مسلمة، قتله مرحب اليهودى بواسطة سهما رماه بها من أعلى حصن ناعم. ٢ - أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان (٣). ٣ - الحارث بن حاطب (٤). (١) تقدمت ترجمة بشر في هذا الكتاب. (٢) فضيل بن النعمان الأنصاري السلمي قال في الإصابة، ذكره ابن إسحاق في المغازي في رواية يونس بن بكير وسلمة بن الفضيل وغيرهما عنه. وقال محمد بن سعد، كذا وجدناه في غزوة خيبر وطلبناه في نسب بني سلمة فلم نجده، ولا أحسبه إلا وهمًا وإنما أراد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان اهـ. (٣) أبو الضياح .. اسمه عمير بن ثابت بن أمية الأوسي شهد بدرًا وأحدًا أو الخندق والحديبية. (٤) هو الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد الأوسى الأنصاري، كان ضمن الجيش النبوى الزاحف إلى بدر، ولكن النبي ﷺ أعاده إلى المدينة من الروحاء في مهمة تتعلق ببنت عمرو بن عوف. وضرب له بسهم في غنائم بدر فكان كمن شهدها (في قول ابن إسحاق) شهد الحارث أحدًا والخندق.

стр. 1634

٤ - عروة بن مرة بن سراقة (١) ٥ - أوس بن القائد (٢). ٦ - أنيف بن حبيب (٣). ٧ - ثابت بن أثلة (٤). ٨ - طلحة بن يحيى بن مليل. من بني زهرة: ١ - مسعود بن ربيعة (حليفًا لهم من القارة). عدد قتلى اليهود: أما اليهود فقد كانت حصيلة قتلاهم في معارك خيبر ثلاثة وتسعون رجلًا قتل أكثرهم في معارك النطاة والشق بالشطر الأول من مدينة خيبر، وكان على رأس هؤلاء القتلى اليهود أحد عشر من قادتهم وزعمائهم. وهم: ١ - مرحب، قتله (مبارزة) علي بن أبي طالب، وقيل محمد بن مسلمة أمام حصن ناعم. ٢ - الحارث أبو زينب، وهو أخو مرحب، قتله (مبارزة أمام حصن ناعم) علي بن أبي طالب. ٣ - ياسر .. قتله (مبارزة) الزبير بن العوام أمام حصن ناعم. ٤ - أسير قتله (مبارزة) أمام حصن ناعم. ٥ - عامر .. قتله، علي بن أبي طالب (مبارزة أمام حصن ناعم).

стр. 1635

٦ - يوشع .. قتله الحباب بن النذر، مبارزة أمام حصن الصعب. ٧ - الديّال .. قتله عمارة بن عقبة الغفاري. ٨ - سلام بن مشكم، قتل في معارك النطاة. ٩ - عزول .. قتله الحباب بن النذر مبارزة أمام حصن (أبي) في الشق. ١٠ - كنانة بن أبي الحقيق النضرى .. أعدم في الشطر الثاني من خيبر لإِدانته بالخيانة والنكث. ١١ - الربيع بن أبي الحقيق النضرى .. أعدم أيضًا لنفس الإِدانة. هؤلاء هم القادة البارزون من اليهود الذين لقوا مصرعهم في معارك خيبر .. أما بقية قتلى اليهود في هذه المعارك والذين يبلغ عددهم ٨١ فلم يذكر أحد من المؤرخين اسم أحد منهم. قدوم مهاجري الحبشة إلى خيبر: وعقب انتهاء النبي ﷺ من فتح خيبر، قدم إليها السلمون الذين هاجروا إلى الحبشة هربًا من اضصهاد المشركين في مكة، وكانوا قد هاجروا إلى الحبشة بناءًا على تعليمات النبي الأعظم ﷺ عندما اشتد عليهم الأذى من قريش في مكة قبل الهجرة (١). وقد كان على رأس هؤلاء المهاجرين جعفر بن أبي طالب، وكان حضور هؤلاء المهاجرين من الحبشة بناءًا على طلب من النبي ﷺ بعث به إلى النجاشي ملك الحبشة، وكان مبعوثه بهذا الطلب عمرو بن أمية الضمرى (٢). وقد جاء هؤلاء المهاجرون على ظهر سفينتين حملتهم من الحبشة إلى بلاد العرب.

стр. 1636

فرح النبي بقدوم جعفر: وقد فرح النبي ﷺ بقدوم جعفر فرحًا عظيمًا، حتى إنه روى عنه أنه -عند قدوم جعفر- قام ﷺ والتزم جعفر وقبّل بين عينيه ثم قال: ما أدرى بأيهما أنا أُسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (١). فتح فدك، وتيماء، ووادي القرى: وقد بقيت بعد سقوط خيبر عدة جيوب يهودية في مناطق متفرقة حول خيبر كانت بها قوات تعتزم مقاومة المسلمين ولكنها كانت تنتظر نتائج معركة خيبر، وكان اليهود في هذه الجيوب المبعثرة في نواحى فدك (٢) ووادي القرى وتيماء لا يتوقعون أن تكون الغلبة للمسلمين على يهود خيبر، لأنهم أهل عدد وعدة ومنعة وقوة، ولكن الذي حدث كان مفاجأة ليهود هذه الجيوب الذين سارع بعضهم إلى الاستسلام للمسلمين، وبعضهم دفع الجزية لهم وقاومهم البعض الآخر ولم يستسلم إلا بعد قتال كيهود وادي القرى. استسلام يهود فدك: كان النبي ﷺ عندما أقبل إلى خيبر (وقبل أن يقوم بمهاجمتها) بعث بأحد أصحابه (محيّصة بن مسعود) إلى يهود فدك يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه ليكونوا ضمن الأسرة الإسلامية. ولكن يهود فدك كان لديهم ما يشبه اليقين، بأن المسلمين سيفشلون في هجومهم على خيبر، ولهذا أظهروا الشيء الكثير من الخبث والمماطلة إزاء دعوة النبي ﷺ إياهم إلى الإسلام، ولم يعطوا رسوله (محيّصة بن مسعود) جوابًا قاطعًا، وكأنهم كانوا ينتظرون ورود أنباء انتصار اليهود على المسلمين فيعلنون الرفض، ولكنهم فوجئوا باستسلام اليهود في حصن ناعم (وهم أقوى يهود خيبر) فانهارت لذلك معنوياتهم (أي أهل فدك)

стр. 1637

فصالحوا المسلمين على نصف الأرض. قال الواقدي: لما أقبل رسول الله ﷺ إلى خيبر فدنا منها بعث محيّصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإِسلام، ويخوّفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر ويحل بساحتهم. قال محيّصة: جئتهم فأقمت عندهم يومين، وجعلوا يتربصون، ويقولون: بالنطاة عامر، وياسر وأسير والحارث، وسيد اليهود مرحب، ما نرى محمدًا يقرب حراهم (١)، إن بها (أي خيبر) عشرة آلاف مقاتل، قال محيّصة: فلما رأيت خبثهم أردت أن أرحل راجعًا، فقالوا: نحن نرسل معك رجالًا يأخذون لنا الصلح - ويظنون أن اليهود (أي في خيبر) تمتنع - فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم وأهل النجدة منهم، ففتَّ ذلك عضدهم وقالوا لمحيّصة: أكتم عنا ما قلنا لك، ولك الحَلْي! لحلي من نسائهم، جمعوه كثيرًا، فقال محيّصة: بل أخبر رسول الله ﷺ الذي سمعت منكم، فأخبر النبي ﷺ بما قالوا. قال (محيّصة): وقدم معى رجل من رؤسائهم يقال له (نون بن يوشع) في نفر من اليهود (للمفاوضة). كيف صالح النبي يهود فدك: وقد اختلف المؤرخون في كيفية استسلام يهود فدك للمسلمين، فقال بعضهم: إنهم صالحوا النبي ﷺ أن يحقن دمائهم ويجليهم ويخلوا بينه وبين الأموال ففعل. وقال بعضهم: إنهم عرضوا على النبي ﷺ أن يخرجوا من بلادهم ولا يكون للنبي ﷺ عليهم من الأموال شيء، وإذا كان جذاذها جاءوا فجذُّوها فأبى أن يقبل ذلك. وبعض المؤرخين يشير إلى أنهم بعد رفض النبي عرضهم الأخير، قرروا المقاومة، فقال لهم مبعوث النبي ﷺ محيّصة بن مسعود -: ما لكم

стр. 1638

مَنَعة ولا رجال ولا حصون، لو بعث رسول الله ﷺ إليكم مائة رجل لساقوكم إليه، وهنا طلبوا الصلح، فصالحهم النبي ﷺ على أن لهم نصف الأرض بتربتها، ولرسول الله ﷺ نصفها (١)، قال الواقدي: وهذا القول أثبت. وقد تم الصلح بينهم وبين النبي ﷺ دون أن يبلغهم بجيشه، وقد استمروا على حالهم حتى قرر عمر بن الخطاب في خلافته إجلاء يهود خيبر ومعهم يهود فدك، فبعث من خبراء الاقتصاد والمال من الصحابة من يقوّم مزارع فدك وكل أراضيها، وبعد أن تم تقدير قيمتها دفع الخليفة إلى يهودها نصف القيمة التي بلغت خمسين ألفًا أو يزيد ثم أجلاهم مع يهود خيبر إلى الشام (٢). تقدم تفصيله في الفصل الأول من هذا الكتاب. فتح وادي القرى: يقع وادى القرى بين خيبر والمدينة، وهو واد خصب وبه مزارع عظيمة وعيون كثيرة، وكانت تقطنه -عند فتح خيبر- جماعة من اليهود على جانب لا يستهان به من القوة، ولهذا فقد كان يهود هذا الوادي هم الوحيدين من بين الفئات اليهودية التي رفضت -بعد سقوط خيبر- الاستسلام للمسلمين، وقررت مقاومتهم بحدّ السلاح .. وقد كان يهود وادي القرى (كيهود خيبر) يمتنعون بقلاع وحصون حربية، كما أنهم استغاثوا بجمع من الأعراب الوثنيين استعدادًا لمواجهة المسلمين الذين كانوا في طريقهم إلى وادي القرى من خيبر. وفعلا انضم كثير من الأعراب الوثنيين إلى يهود وادي القرى واستعدوا جميعًا لمقاتلة المسلمين بمجرد وصولهم إلي الوادي. اليهود يبدأون القتال: وكانت العادة المتبعة لدى النبي ﷺ أن لا يبدأ أحدًا بالقتال حتى ينذر

стр. 1639

ويعذر ويعرض الإِسلام، فإن أسلموا كف عنهم واعتبرهم جزءًا من الأسرة الإِسلامية. غير أن يهود وادي القرى لم يتركوا للنبي ﷺ فرصة توجيه الدعوة إليهم ليكف عن دمائهم، فبمجرد وصول الجيش الإِسلامي إلى وادي القرى (وقبل أن يحط رحاله أو يستعد للقتال) شن اليهود الهجوم على المسلمين فقتلوا رجلًا من المسلمين، وهو مدعم مولى رسول الله ﷺ ، أصابه سهم من سهام اليهود وهو يحط رحل رسول الله ﷺ . تعبئة المسلمين للقتال: وعند ذلك عبّى رسول الله ﷺ أصحابه للقتال وصفهم، فكتّب الكتائب ووزع الرايات على القادة المختارين من أصحابه لخوض المعركة. فدفع لواءه إلى سيد الخزرج سعد بن عبادة (١) ودفع راية إلى الحباب بن المنذر (٢) وراية إلى عبّاد بن بشر (٣) وراية إلى سهل بن حنيف ليتولوا قيادة المحاربين. دعوة اليهود إلى الإِسلام: ومع بداية يهود وادي القرى بالعدوان، فلم يتعجل النبي ﷺ في مقاتلتهم، بل حرصًا منه على حقن الدماء ورغبة منه في هداية هؤلاء اليهود، وجه إليهم الدعوة إلى الدخول في الإِسلام، وأكد لهم أنهم إن أسلموا سيحوزون أموالهم وستحقن دماؤهم وحسابهم على الله. رفض اليهود الدعوة ومسارعتهم للحرب: غير أن إشعال نار الحرب كان جواب يهود وادي القرى على دعوة الرسول السلمية، فقد رفض اليهود أن يردوا على دعوة رسول الله ﷺ

стр. 1640

وسارعوا إلى القتال، حيث خرج من حصونهم أحد فرسانهم وطلب المبارزة، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز فارس آخر، فخرج إليه الزبير أيضًا فقتله، صم برز يهودى آخر فبرز له علي بن أبي طالب فقتله، ثم فارسان آخران فبرز لهما أبو دجانة فقتلهما الواحد بعد الآخر، وظلت المبارزة مستمرة حتى قتل من اليهود أحد عشر رجلًا، كلما قتل رجل منهم دعا رسول الله ﷺ من بقى منهم إلى الإسلام. وقد استمر القتال بين المسلمين واليهود في الوادي طوال اليوم حتى المساء، وكان النبي ﷺ كلما حضرته الصلاة صلى بأصحابه، وبعد كل صلاة يمرر توجيه الدعوة إلى اليهود للدخول في الإِسلام، ولكنهم يرفضون ويستمرون في القتال. استسلام اليهود: وفي اليوم التالي شن المسلمون على اليهود هجومًا عامًا كاسحًا، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعلن اليهود الاستسلام وأعطوا بأيديهم إلى المسلمين، فتمَّ فتح وادي القرى عنوة، فغنمه المسلمون بأكمله. إبقاء اليهود في وادي القرى: وقد عامل النبي ﷺ يهود وادي القرى كما عامل يهود خيبر المغلوبين، إلا أنه لم يقتل أحدًا من أهل وادي القرى بعد الاستسلام. وقد سمع النبي ﷺ ليهود وادي القرى بالبقاء في الوادي وترك النخل والأرض بأيديهم على أن يقوموا برعايتها واستصلاحها وزراعتها مقابل أن يأخذوا نصف المحصول منها (تمامًا) كما فعل مع يهود خيبر. وقد أقام النبي ﷺ بوادى القرى أربعة أيام فقط. ولم أر أحدًا من المؤرخين ذكر أن المسلمين سبوا أحدًا من نساء وذرارى يهود وادي القرى، ويظهر أنهم ظفروا بالعفو كما ظفر يهود الشطر الثاني من خيبر. وباستسلام يهود وادي القرى تمّ القضاء على أقوى جيب من جوب

стр. 1641

المقاومة اليهودية في جزيرة العرب، كانت قد قاومت المسلمين بعد سقوط خيبر. يهود تيماء يدفعون الجزية: وقد كانت تيماء الواقعة في الركن الشمالي الغربي للجزيرة بها مجموعة من اليهود، وكانت بهم قوة ولهم حصون في قمم الجبال، وكان من المتوقع أن يُبْدوا شيئًا من المقاومة، إلا أنه لا بلغهم استسلام خيبر ثم فدك ووادي القرى للمسلمين، بعثوا من تلقاء أنفسهم إلى رسول الله ﷺ يطلبون الصلح ويعرضون دفع الجزية للمسلمين، فقبل منهم النبي ﷺ الجزية، وترك لهم ما بأيديهم من أموال فلم يستول المسلمون على شيء منها لأنهم بدفعهم الجزية أصبحوا أهل ذمة، شأنهم غير شأن العدو المحارب الذي لم يستسلم إلا بعد قتال وحرب .. ولهذا فإن الخليفة لمّا أجلى يهود خيبر في خلافته، لم يجل يهود تيماء بل تركهم في ديارهم أحرارًا لأنهم أهل ذمة ولم يحدث منهم ما يعتبر نقضًا للعهد الذي بموجبه حقن المسلمون دماءهم وضمنوا لهم أموالهم (١). محاولة قبيلة فزارة: كانت قبيلة فزارة الغطفانية من أعتى القبائل النجدية وأشدّها على المسلمين، وقد حاولت بقيادة سيدها عيينة بن حصن أن تمدّ يهود خيبر بأربعة آلاف مقاتل ليكونوا إلى جانبهم في القتال ضد المسلمين كما تقدم تفصيله في هذا الكتاب. كما أن قبائل غطفان (خاصة فزارة) تعتبر نفسها الحليف الأول ليهود خيبر، وقد حاول عيينة بن حصن إنجاد اليهود للمرة الثانية، ولكنه وصل خيبر بعد فوات الأوان، حيث وجد النبي ﷺ قد سيطر بقواته على جميع نواحى خيبر، فعاد عيينة بأصحابه إلى غطفان يجر أذيال الخيبة والفشل.

стр. 1642

فزارة تحاول اعتراض النبي فيتحداها: غير أن قبيلة فزارة بالرغم من الهزيمة الساحقة التي نزلت بحلفائها اليهود في خيبر، وبالرغم من خيبة الأمل التي أصيبت بها لهذه الهزيمة الساحقة، فإن رجال هذه القبيلة قد ظل الأمل يراودهما في الإِيقاع بالمسلمين والتغلب عليهم. ولهذا قررت فزارة بقيادة عيينة بن حصن أن تهاجم المسلمين مرجعهم من خيبر، فحشدت لهذا الغرض قوات كثيفة من رجالها في المناطق الواقعة على الطريق الذي سيمر به النبي ﷺ بجيشه عائدًا إلى المدينة. وعندما بلغ النبي ﷺ أن فزارة تنوى مقاتلته أرسل إليها يتحدّاها إذ عيَّن لها موضعًا أبلغها بأنه على استعداد لملاقاة رجالها فيه. غير أن قادة فزارة لم يكادوا يتبلّغون هذا التحدّى النبوى حتى خارت قواهم وخافوا خوفًا شديدًا، فعدلوا عن قرارهم، وهربوا كل مهرب وذهبوا من طريق النبي ﷺ (مذعورين) كل مذهب بعد أن علموا بتحرّك قواته في اتجاههم (١)، ويظهر أن زعماء فزارة أرادوا بإعلان محاربة المسلمين إخافتهم بأنهم سيقطعون الطريق عليهم لعل ذلك يحمل النبي ﷺ على أن يفاوض هؤلاء الزعماء ليعطيهم شيئًا من المال مقابل التخلى عن اعترض سبيله، لأنهم لا يزالون يذكرون كيف عرض عليهم (قبل معركة خيبر) ثمار خيبر مقابل أن يخلوا بينه وبين اليهود فلا يعينوهم بل يلتزموا جانب الحياد، ولكن هيهات هيهات، فشأن النبي ﷺ -عند زحفه على خيبر- غير شأنه عند عودته منها. فعند زحفه عليها كان في موقف حرج، أوقعه فيه إصرار غطفان على نجدة اليهود بأربعة آلاف مقاتل ضد المسلمين، الأمر الذي جعل النبي ﷺ وجيشه (يوم ذاك) بين نارين .. اليهود وعددهم عشرة آلاف مقاتل، وغطفان بقيادة سيد فزارة وعددهم أربعة آلاف مقاتل، بينما لا يزيد عدد المسلمين على ألف وأربعمائة مقاتل.

стр. 1643

لذلك فقد اضطر النبي ﷺ إلى أن يعرض على قائد غطفان وسيد فزارة عيينة بن حصن إعطاءهما ثمار خيبر، مقابل أن يلتزموا جانب الحياد في الصراع الذي سينشب، بين المسلمين واليهود، ولكن غطفان رفضت هذا العرض في حينه، ومع ذلك فقد كسب النبي المعركة وألغى الوجود اليهودى الدخيل بأكمله في خيبر والشمال كله. والآن وقد عاد بجيشه منتصرًا من خيبر ذلك الانتصار الساحق الرئع، فشأنه شأن آخر فهو لم يعد يخشى أحدًا - لا فزارة ولا غطفان كلها - بعد أن سحق أقوى قوة عاتية في النطقة وهي عشرة آلاف مقاتل من اليهود، هزمهم وهم أهل العدة والعدد والحصون المنيعة والقلاع الشامخة .. لذلك لم يرهب ﷺ فزارة حينما استعرضت عضلاتها وحشدت قواتها في طريق عودته، بل بعث إليها يتحدّاها ويعين مكانًا لملاقاتها فيه، فما كان منها إلا أن ولت فرارًا منه وخلت بينه وبين الطريق الذي قررت اعتراضه فيه .. فاستمر ﷺ في تحرّكه عائدا إلى المدينة فوصلها دون أن يجرأ أحد من أعراب المناطق على اعتراضه. قصة الرهان الشيقة في مكة: كان رجالات قريش (الموالون منهم والمعادون للمسلمين) ينظرون إلى نتائج معركة خيبر على أنها الفيصل القاطع في الصراع الدائر بين الكفر والإِيمان، وأنه على ضوء نتائج هذه المعركة - التي هي أعظما وأخطر معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوى - سيتقرر المصير النهائى لكل من المعسكرين المتصارعين لا في خيبر وحدها بل في الجزيرة كلها. لأنه لا توجد هناك في جزيرة العرب (يومها) قوة تناوئ المسلمين أعظم من يهود خيبر وحلفائهم الغطفانيين، سواء من ناحية العدد والعدة أو من ناحية متانة وحصانة القلاع والحصون التي يعتصم بها اليهود في خيبر، أو من ناحية الشجاعة وقوة البأس والشراسة في القتال التي يتميز بها يهود خيبر على جميع يهود الجزيرة كلهم. لذلك كان أهل مكة يترقبون بحساسية بالغة واهمام شديد أنباء المعارك الدائرة في خيبر.

стр. 1644

الجدل والرهان حول نتائج المعركة: ولأهمية المعركة في خيبر كان الحديث عنها وعن نتائجها شغل قريش الشاغل في أنديتها، وكثيرًا ما يدور الجدل في أندية قريش بشدة حول أي من الفريقين يكون له النصر في هذه المعركة الفاصلة .. المسلمون أم اليهود؟ . ففريق من المشركين في مكة - وعلى رأسهم حويطب بن عبد العزّى (١) - يصرّون على القول بأن النصر سيكون للمسلمين على اليهود وحلفائهم في هذه المعركة، وفريق - وعلى رأسهم صفوان بن أمية يصرّون على القول بعكس ذلك وهو أن النصر سيكون لليهود وحلفائهم على المسلمين. الرهان بمائة ناقة: وقد بلغ الجدال بالفريقين في مكة إلى أن يضعوا بينهم رهانًا مائة بعير يأخذها الفريق الذي يتحقق قوله. كما أن اهتمام سادات مكة بأنباء معارك خيبر قد حملهم على أن يخرجوا كل يوم عدة أميال خارج مكة يتحسسون أنباء هذه المعارك من الركبان. ولنترك الإمام الواقدي يحدّثنا عن قصة الجدل والرهان والاهتمام الشيقة هذه بكاملها، قال الواقدي: حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سئل عن الرهان الذي بين قريش حين سار رسول الله ﷺ إلى خيبر، فقال: كان حويطب بن عبد العزى يقول: انصرفت من صلح الحديبية وأنا مستيقن أن محمدًا سيظهر على الخلق وتأبى حميَّة الشيطان إلا لزوم دينى. فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي (٢) فخبَّرنا أن محمدًا سار إلى خيابر

стр. 1645

وأن خيابر (أي يهود خيبر) قد جمعت الجموع، فمحمد لا يفلت، إلى أن قال عباس: من شاء بايعته، لا يفلت محمد، فقلت: أنا أخاطرك (أي أراهنك)، فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس، وقال نوفل بن معاوية (١) أنا معك يا عباس، وضوى (أي مال) إليّ نفر من قريش فتخاطرنا (مائة بعير) خماسًا إلى مائة بعير، أقول أنا وحيِّزى: "يظهر محمد"، ويقول عباس وحيِّزه: تظهر غطفان (واليهود)، فاضطرب الصوت (أي ارتفع لشدة الجدال) فقال أبو سفيان بن حرب: خشيت واللات حيِّز عباس بن مرداس، فغضب صفوان (٢) وقال: أدركتك المنافية! فأسكت أبو سفيان، وجاءه الخبر بظهور رسول الله ﷺ فأخذ حويطب وحيِّزه (٣) الرهن. قالوا: وكانت الأيمُنُ تُحْلَفُ عن خيبر، وكان أهل مكة حين توجَّه رسول الله ﷺ إلى خيبر قد تبايعوا بينهم، نهم من يقول: يظهر الحليفان أسد غطفان واليهود بخيبر، وذلك أن اليهود أوعبت في حلفائها، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فكانت في ذلك بينهم بيوع عظام. قصة الحجاج بن علاط: وكان الحجاج بن علاط (٤) السلمي ثم البهزى قد نجرج يغير في بعض غاراته، فذكر له أن رسول الله ﷺ بخيبر، فأسلم وحضر مع رسول الله ﷺ خيبر، وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدرى امرأته، وكان الحجاج مكثرًا، له مال كثير، - معادن الذهب التي بأرض

стр. 1646

بني سليم (١) -، فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ مالى عند امرأتى، فإن علمت بإسلامى لم آخذ منه شيئًا، فأذن له رسول الله ﷺ وقال: لا بد لي يا رسول الله من أن أقول. فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله ﷺ قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا وَمَنعَة ورجالًا وسلاحًا، فهم يتحسّسون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر! ، يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع (٢) قد سار إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها، وعندى من الخبر ما يسرُّكم. فالتبطوا (٣) بجانبي راحلتى يقولون: يا حجاج أخبرنا، فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف، فهُزِمَ هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأُسِرَ محمد أسرًا. فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم وقلت: أعينونى على جمع مالى على غرمائى، فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد (٤) وأصحابه قبل أن تسبقنى التجار إلى هناك. فقاموا فجمعوا إليّ مالى كأحسن جمع سمعت به، وجئت صاحبتى (زوجته) وكان لي عندها مال فقلت لها: مالى، لعلى ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقنى التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين.

стр. 1647

وسمع ذلك العبّاس بن عبد المطلب، فقام، فانخذل ظهره فلم يستطع القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذَى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه النبي ﷺ ، فجعله يرتجز ويرفع صوته ألّا يشمت به الأعداء، وحضر باب العبَّاس بين مَغِيظ محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين لظهور الكفر والبغى، فلمَّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منّتهم (١) ودعا غلامًا يقال له أبو زبينة، فقال له: إذهب إلى الحجاج فقل: يقول العباس: "الله أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر خقًا) فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أجلَّنى في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرًا ببعض ما تحب فاكتم عنى. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس "أبشر بالذي يسرّك" فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العبَّاس وأعتقه وأخبره بالذي قال، فقال العباس: لله عليَّ عتق عشر رقاب! فلمَّا كان ظهرًا جاءه الحجاج فناشده الله: لتكتمَنَّ عليَّ ثلاثة أيام. فواثقه العبَّاس على ذلك قال: فإني قد أسلمت ولى مال عند امرأتى ودين على الناس، ولو علموا بإسلامى لم يدفعوا إليَّ، تركت رسول الله ﷺ قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ورسوله فيها وانتثل ما فيها (٢)، وتركته عروسًا بابنة حييّ بن أخطب وقتل ابن أبي الحُقيق. قال: فلمَّا أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العبَّاس تلك الليالى، وجعل العبَّاس يقول: يا حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر هي ريف الحجاز أجمع وأهل المَنعَة والعُدَّة في الرجال. أحقّ ما تقول؟ قال: أي والله، فاكتم عنى يومًا وليلة. قال الواقدي: حتى إذا مضى الأجل والناس يموجون في شأن ما تبايعوا (أي تراهنوا) عليه، عمد العبَّاس إلى حلَّة فلبسها وتخلَّق الخلوق (أي تطيَّب) وأخذ في يده قضيبًا ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن عِلاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، أبا الفضل! قال: فأين

стр. 1648

الحجاج؟ قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشترى منها التي أصابت اليهود منه قبل أن تسبقه التجار إليها. فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعى دينه، إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله ﷺ وإنما ذهب بماله هاربًا منك ومن أطك أن يأخذوه. قالت: أحقًا يا أبا الفضل؟ قال: أي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق، ثم قامت تخبر أهلها. وانصرف العباس إلى المسجد، وقريش يتحدّثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إلى العباس وإلى حاله تغامزوا، وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ . قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسًا على ابنة ملكهم حييّ بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبَّرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدرى، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا، فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقًّا، فكُبِتَ المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك (١).

стр. 1649

نظرة وتحليل مقارنة بين الجيشين المسلم واليهودى: إذا كانت معركة الأحزاب من وجهة النظر المصيرية هي أهم وأخطر معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى .. لأن الغزو كان يستهدف الكيان الإِسلامي واقتلاعه من الجذور .. فاعتبر نجاح المسلمين في صد عدوان الأحزاب (بالنسبة لحماية الكيان من الانهيار) أعظم نصر يحققه المسلمون. لأن به رسخ الكيان الإِسلامي وضرب بجذوره بعيدًا في أعماق الوجود. بعد أن كان يهتز في مهب العاصفة مائلًا نحو العدم ... إذا كان انتصار المسلمين في معركة الأحزاب هكذا كانت منزلته فإن انتصارهم على اليهود في معركة خيبر، هو (في حساب المقاييس الحربية) أعظم من أيّ انتصار حققه المسلمون في العهد النبوى. فالمسلمون في معركة الأحزاب إذا كانوا قد انتصروا بعد العدوان. فإنهم فعلوا ذلك وهم يمتازون على ما كانوا عليه في معركة خيبر بما يلي: ١ - كانوا يحتمون وراء خندق طويل واسع عميق. ومثل هذا الخندق الذي حُفِرَ في أهمّ الواقع الصالحة لعبور جيوش الأحزاب، يعتبر (بين خطط الدفاع الحربية) أكبر عامل من عوامل الصمود، وأخطر عائق يواجهه العدو ذو القوات الكثيفة الغامرة الذي وضع خطته على أساس

стр. 1650

القيام بحرب خاطفة تقوم بها أكثرية ساحقة ضد قلة قليلة كما هي خطة قادة عدوان الأحزاب الثلاثى الفاشل .. فقد اعترف قادة جيوش الأحزاب أن أكبر سبب مادى أحبط خططهم لاحتلال المدينة هو الخندق الذي فوجئوا به حتى قالوا -هم يقفون على مشارفه مدهوشين-: "مكيدة والله ما كان العرب يعرفونها". ٢ - كانت قوات الأحزاب هي المهاجمة .. وكان المسلمون هم المدافعين .. وعادةً يكون المهاجم أكثر كُلْفة .. أما المدافع المتحصن فتكون كُلْفته أقل بكثير من كلفة المهاجم. حتى وإن كانت قواته أقل من قوات المهاجم .. هذا شيء معروف في حساب الموازين الحربية في كل عصر وزمان. ٣ - ومع كون الأحزاب هم المهاجمين فقد كانت نسبة قوات أعدائهم المسلمين المدافعين إلى قواتهم واحدًا لعشرة. بينما كانت نسبتهم إلى اليهود في خيبر واحدًا لخمسة عشر. ٤ - كانت قوات الأحزاب الغازية لفيفًا من الأعراب أكثر هم مرتزقة، ليسوا في مقام الدفاع عن النفس والأهل والولد. كما أنه ليس لهم باعث عقائدى حتى يستبسلوا في القتال. وإنما جاؤوا وشاركوا في هذا الغزو ليحصلوا على المغنم دون أن يتعرَّضوا لأى مغنم يذكر. لذلك رأوا أن ما سيحصلون عليه من غنائم - فيما لو اقتحموا الخندق عنوةً واحتلوا المدينة - لن يساوى شيئًا بالنسبة لما سيفقدون من القتلى بسيوف المسلمين على مشارف الخندق قبل أن يقتحموه. تقاعسوا عن الهجوم على المدينة واكتفوا من الغنيمة بالإِياب. ٥ - أمَّا المسلمون الذين يربضون وراء الخندق. فقد كانوا في قتالهم ينطلقون من مفهوم عقائدى، وهو ما يسمَّى بلغة هذا العصر (بالأيديولوجية) .. فقد كانوا يدافعون (بالإضافة إلى الدفاع عن الحرمات والأعراض والأموال والأرواح) عن كيان وليد .. قيامه وبقاؤه، أعزّ عليهم (في قرارة أنفسهم) من أرواحهم وأبنائهم وأموالهم وهو كيان الإِسلام .. ولذلك (مع احتمائهم بالخندق الحصين) قاتلوا الغزاة بشراسة
следующие страницы →