بني سليم (١) -، فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ مالى عند امرأتى، فإن علمت بإسلامى لم آخذ منه شيئًا، فأذن له رسول الله ﷺ وقال: لا بد لي يا رسول الله من أن أقول. فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء.
قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله ﷺ قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا وَمَنعَة ورجالًا وسلاحًا، فهم يتحسّسون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر! ، يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع (٢) قد سار إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها، وعندى من الخبر ما يسرُّكم. فالتبطوا (٣) بجانبي راحلتى يقولون: يا حجاج أخبرنا، فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف، فهُزِمَ هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأُسِرَ محمد أسرًا. فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم وقلت: أعينونى على جمع مالى على غرمائى، فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد (٤) وأصحابه قبل أن تسبقنى التجار إلى هناك. فقاموا فجمعوا إليّ مالى كأحسن جمع سمعت به، وجئت صاحبتى (زوجته) وكان لي عندها مال فقلت لها: مالى، لعلى ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقنى التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين.
стр. 1647
وسمع ذلك العبّاس بن عبد المطلب، فقام، فانخذل ظهره فلم يستطع القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذَى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه النبي ﷺ ، فجعله يرتجز ويرفع صوته ألّا يشمت به الأعداء، وحضر باب العبَّاس بين مَغِيظ محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين لظهور الكفر والبغى، فلمَّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منّتهم (١) ودعا غلامًا يقال له أبو زبينة، فقال له: إذهب إلى الحجاج فقل: يقول العباس: "الله أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر خقًا) فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أجلَّنى في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرًا ببعض ما تحب فاكتم عنى. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس "أبشر بالذي يسرّك" فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العبَّاس وأعتقه وأخبره بالذي قال، فقال العباس: لله عليَّ عتق عشر رقاب! فلمَّا كان ظهرًا جاءه الحجاج فناشده الله: لتكتمَنَّ عليَّ ثلاثة أيام. فواثقه العبَّاس على ذلك قال: فإني قد أسلمت ولى مال عند امرأتى ودين على الناس، ولو علموا بإسلامى لم يدفعوا إليَّ، تركت رسول الله ﷺ قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ورسوله فيها وانتثل ما فيها (٢)، وتركته عروسًا بابنة حييّ بن أخطب وقتل ابن أبي الحُقيق.
قال: فلمَّا أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العبَّاس تلك الليالى، وجعل العبَّاس يقول: يا حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر هي ريف الحجاز أجمع وأهل المَنعَة والعُدَّة في الرجال. أحقّ ما تقول؟ قال: أي والله، فاكتم عنى يومًا وليلة.
قال الواقدي: حتى إذا مضى الأجل والناس يموجون في شأن ما تبايعوا (أي تراهنوا) عليه، عمد العبَّاس إلى حلَّة فلبسها وتخلَّق الخلوق (أي تطيَّب) وأخذ في يده قضيبًا ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن عِلاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، أبا الفضل! قال: فأين
стр. 1648
الحجاج؟ قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشترى منها التي أصابت اليهود منه قبل أن تسبقه التجار إليها.
فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعى دينه، إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله ﷺ وإنما ذهب بماله هاربًا منك ومن أطك أن يأخذوه. قالت: أحقًا يا أبا الفضل؟ قال: أي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق، ثم قامت تخبر أهلها.
وانصرف العباس إلى المسجد، وقريش يتحدّثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إلى العباس وإلى حاله تغامزوا، وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ .
قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسًا على ابنة ملكهم حييّ بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبَّرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدرى، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا، فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقًّا، فكُبِتَ المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك (١).
стр. 1649
نظرة وتحليل
مقارنة بين الجيشين المسلم واليهودى:
إذا كانت معركة الأحزاب من وجهة النظر المصيرية هي أهم وأخطر معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى .. لأن الغزو كان يستهدف الكيان الإِسلامي واقتلاعه من الجذور .. فاعتبر نجاح المسلمين في صد عدوان الأحزاب (بالنسبة لحماية الكيان من الانهيار) أعظم نصر يحققه المسلمون. لأن به رسخ الكيان الإِسلامي وضرب بجذوره بعيدًا في أعماق الوجود. بعد أن كان يهتز في مهب العاصفة مائلًا نحو العدم ... إذا كان انتصار المسلمين في معركة الأحزاب هكذا كانت منزلته فإن انتصارهم على اليهود في معركة خيبر، هو (في حساب المقاييس الحربية) أعظم من أيّ انتصار حققه المسلمون في العهد النبوى.
فالمسلمون في معركة الأحزاب إذا كانوا قد انتصروا بعد العدوان. فإنهم فعلوا ذلك وهم يمتازون على ما كانوا عليه في معركة خيبر بما يلي:
١ - كانوا يحتمون وراء خندق طويل واسع عميق. ومثل هذا الخندق الذي حُفِرَ في أهمّ الواقع الصالحة لعبور جيوش الأحزاب، يعتبر (بين خطط الدفاع الحربية) أكبر عامل من عوامل الصمود، وأخطر عائق يواجهه العدو ذو القوات الكثيفة الغامرة الذي وضع خطته على أساس
стр. 1650
القيام بحرب خاطفة تقوم بها أكثرية ساحقة ضد قلة قليلة كما هي خطة قادة عدوان الأحزاب الثلاثى الفاشل .. فقد اعترف قادة جيوش الأحزاب أن أكبر سبب مادى أحبط خططهم لاحتلال المدينة هو الخندق الذي فوجئوا به حتى قالوا -هم يقفون على مشارفه مدهوشين-: "مكيدة والله ما كان العرب يعرفونها".
٢ - كانت قوات الأحزاب هي المهاجمة .. وكان المسلمون هم المدافعين .. وعادةً يكون المهاجم أكثر كُلْفة .. أما المدافع المتحصن فتكون كُلْفته أقل بكثير من كلفة المهاجم. حتى وإن كانت قواته أقل من قوات المهاجم .. هذا شيء معروف في حساب الموازين الحربية في كل عصر وزمان.
٣ - ومع كون الأحزاب هم المهاجمين فقد كانت نسبة قوات أعدائهم المسلمين المدافعين إلى قواتهم واحدًا لعشرة. بينما كانت نسبتهم إلى اليهود في خيبر واحدًا لخمسة عشر.
٤ - كانت قوات الأحزاب الغازية لفيفًا من الأعراب أكثر هم مرتزقة، ليسوا في مقام الدفاع عن النفس والأهل والولد. كما أنه ليس لهم باعث عقائدى حتى يستبسلوا في القتال. وإنما جاؤوا وشاركوا في هذا الغزو ليحصلوا على المغنم دون أن يتعرَّضوا لأى مغنم يذكر. لذلك رأوا أن ما سيحصلون عليه من غنائم - فيما لو اقتحموا الخندق عنوةً واحتلوا المدينة - لن يساوى شيئًا بالنسبة لما سيفقدون من القتلى بسيوف المسلمين على مشارف الخندق قبل أن يقتحموه. تقاعسوا عن الهجوم على المدينة واكتفوا من الغنيمة بالإِياب.
٥ - أمَّا المسلمون الذين يربضون وراء الخندق. فقد كانوا في قتالهم ينطلقون من مفهوم عقائدى، وهو ما يسمَّى بلغة هذا العصر (بالأيديولوجية) .. فقد كانوا يدافعون (بالإضافة إلى الدفاع عن الحرمات والأعراض والأموال والأرواح) عن كيان وليد .. قيامه وبقاؤه، أعزّ عليهم (في قرارة أنفسهم) من أرواحهم وأبنائهم وأموالهم وهو كيان الإِسلام .. ولذلك (مع احتمائهم بالخندق الحصين) قاتلوا الغزاة بشراسة
стр. 1651
وضراوة أبطلت عامل التفوّق العددى الذي كانت قوات الأحزاب تمتاز به.
أمَّا الحالة في معركة خيبر فقد كانت عكسًا، حيث لم يكن هناك (من وجهة النظر العسكرية المجرّدة) أي عامل مادى يتفوق به المسلمون على اليهود. بل كان يبدو واضحًا أن اليهود في خيبر كانوا في وضع حربى ممتاز، يمكن القول معه - وحسب المقاييس العسكرية المادية المجرّدة - أن لديهم كل العوامل والأسباب التي يحتاجونها للانتصار على المسلمين. وأهم هذه العوامل والأسباب هي:
١ - التفوّق العددى .. فقد كان عدد قوات اليهود عشرة آلاف مقاتل، يساندهم حوالي خمسة آلاف من حلفائهم غطفان ظلوا لهم كالاحتياطى ضد المسلمين حتى انتهت معركة خيبر، بل وحاولوا ضرب المسلمين من الخلف لحساب حلفائهم اليهود.
٢ - إزاء هذا العدد الهائل، كانت قوات المسلمين لا تزيد على ألف وأربعمائة مقاتل .. وهذا يعني أن نسبة المسلمين لليهود وحلفائهم في هذه المعركة، أحد لخمسة عشر. وهو تفوّق عددى هائل لا يشك عسكرى خبير- يتوقع نتائج المعارك حسب المقاييس المعتادة - في أن الانتصار الحاسم سيكون لليهود على المسلمين.
٣ - التفوّق الساحق في العتاد والسلاح .. فقد كان اليهود مع كثرتهم العددية الغامرة يتفوقون على المسلمين في ذلك تفوّقًا ساحقًا. حيث كان اليهود على غاية من جودة التسليح واستكمال عدة الحرب الدفاعية والهجومية .. وذلك لما تحت أيديهم من ثروات هائلة تمكنّهم من الحصول على أي نوج من أنواع السلاح والعتاد.
٤ - الاستراتيجية المتازة التي كان يتمتع بها المحارب اليهودى في خيبر .. فقد كان اليهود - مع تفوّقهم العددى الساحق - ووفرة العتاد لديهم وجودة التسليح بينهم - متحصنين داخل حصون وقلاع كبيرة منيعة، بنيت على قمم جبال وتلال حسب تحطيط حربى مدروس، بحيث يكاد يكون من المستحيل الإِقدام على مهاجمتها فضلًا عن اقتحامها وافتتاحها لأن هذه
стр. 1652
القلاع والحصون تقع في مرتفعات عالية وبها أبراج يكشف المرابطون فيها كلّ ما حواليها ويتمكنون بسهولة من أن يصبّوا سهامهم القاتلة على كل من يقترب منها.
٥ - وفرة المواد الغذائية .. فقد خزن اليهود في قلاعهم وحصونهم (استعدادًا للقتال) كميات هائلة من المواد الغذائية المختلفة، تكفى تموينهم عدة سنوات، كما دلّ على ذلك إحصاء الغنائم التي غنمها المسلمون عند استيلائهم على هذه الحصون والقلاع. أما الماء فقد كان متوفرًا في جميع الحصون والقلاع بصفة دائمة، الأمر الذي يمكنهم من الاستمرار في القتال سنوات عديدة.
٦ - الشجاعة .. كان يهود خيبر (وهذا يعترف لهم به التاريخ) أشجع يهود الجزيرة العربية على الإِطلاق .. فلم تكن الشجاعة تنقصهم وهم يحاربون المسلمين .. أثبت ذلك سير المعارك الضارية التى خاضوها وهم يدافعون عن حصونهم وقلاعهم حيث يمكن القول: أنهم لم يتخلّوا للمسلمين عن حصن أو قلعة إلا بعد أن دافعوا دفاعًا شرسًا عن كل شبر نها .. وخاصة قلاع وحصون الشطر الأول من مدينة خيبر .. ولا أدلَّ على هذه الحقيقة من أن جميع قادتهم - مثل مرحب وياسر وأسير والحارث وعامر - قتلوا وبأيديهم السيوف في ساحة الوغى.
٧ - الدفاع عن الدين .. كان لليهود دين عريق في القدم .. وهو وإن كان دينًا مدخولًا أصابه الشيء الكثير من التحريف والتبديل .. إلا أنهم ظلّوا متمسكين به ومتعصبّين له إلى درجة أنهم يفضّلون التضحية بكل شيء على التخلى عنه ومفارقته .. وتعصب اليهود الشديد لدينهم، يؤكده واقعهم المشهود في كل عمر وزمان .. وزاد اليهود تعصبًا لدينهم أنه دين عنصرى يعتبر بني إسرائيل وحدهم شعب الله المختار. وهو أمر يجعلهم لا يحتملون وجود أي دين إلى جانب دينهم.
فيهود خيبر إذن لهم عقيدة يتعصبون لها أشد التعصب .. وانطلاق المحارب من مفهوم عميدة راسخة (حتى وإن كانت غير صحيحة) يجعله شديد العناد والضراوة في قتاله، وخاصة إذا توهّم أن خطرًا يهدد دينه
стр. 1653
وعقيدته .. وهذا هو الذي فعله محاربو اليهود في خيبر.
٨ - عامل الحفاظ على المال والزوجة والولد والجاه والسلطان .. فقد كان يهود خيبر يقاتلون وبينهم نساؤهم وأطفالهم وهم أعز ما يحافظ عليه الإِنسان .. كذلك كان اليهود ذوي ثروات طائلة وأموال عظيمة منقولة وغير منقولة .. كما أنهم ذوي عزة وسلطان مطلقين في منطقة خيبر لا ينازعهم فيها منازع .. وكل هذه الأمور العزيزة لديهم يعلمون حق العلم أنهم (بموجب شرعة الحرب العمول بها عالميًا في ذلك العصر) سيفقدونها إذا ما تغلَّب عليهم المسلمون واحتلوا مدينتهم .. لهذا كان من البدهى أن يكون قتال اليهود (تحت تأثير عوامل الحفاظ على كل هذه الأمور) قتالًا عنيدًا شرسًا لا هوادة فيه ولا تساهل .. وهو أمر يجعل وجعل (بالفعل) مهمة المسلمين المهاجمين شاقة إلى أبعد الحدود حيث واجه الجيش الإِسلامي من يهود خيبر نوعًا من القتال لم يشهد مثله في الضراوة والشراسة في أية معركة خاضها مع الأعداء في العهد النبوى، اللهم إلا معركة حنين.
٩ - كان الجيش الإِسلامي هو المهاجم .. وكان الجيش اليهودى هو الدافع. ومن المعلوم (عسكريًا) أن مهمة المهاجم هي أشق من مهمة الدافع. كما يتوجب - بدهيًا - على من يريد القيام بهجوم في حرب شاملة أن تكون قواته أكثر عددًا من قوات عدوه. وإذا علمنا أن اليهود يتحصنون خلف أسوار وأبراج وحصون وقلاع منيعة وأن عددهم عشرة آلاف مقاتل وأن عدد المسلمين المهاجمين لا يزيد على ألف وأربعمائة مقاتل أدركنا مدى الصعوبة العظيمة التي واجهها الجيش الإِسلامي وهو يهاجم اليهود في حصونهم وقلاعهم.
وأمام كل هذا التفوق الشامل لدى اليهود في العدد والعتاد والسلاح والاستراتيجية والتمتع بالمواقع الدفاعية الحصينة الممتازة. وتوفر كل العوامل المادية التي يحتاجونها لتحقيق النصر على المسلمين. كان المسلمون ينقصهم كل شيء مادى.
стр. 1654
فقد كان الجيش الإِسلامي - بالإِضافة إلى قلة عدده - ليس لديه أية أسلحة وقائية كبيرة كالدروع الضخمة، وهي صفائح كبيرة من الحديد تبلغ عدة أمتار وتسمى في ذلك العصر بـ (الدبابات) لأن الجنود يحتمون بها ويدبون خلفها وهم يهاجمون القلاع والحصون.
بل إن أغلبية الجيش النبوى ليس لديهم الدروع العادية التي يلبسها المحارب العادى ساعة القتال حيث كان أكثرهم حاسرًا. وكانوا مع ذلك يقومون بالهجوم وهم مكشوفون أمام حصون اليهود وقلاعهما.
كذلك ليس لدى الجيش النبوى الصغير أي شيء من الأسلحة التدميرية الثقيلة التي لا بد من توفّرها لدى من يريد مهاجمة مثل حصون اليهود في خيبر .. كالمنجنيقات القاذفات بالنار والراجمات بما يخرّب الحصون. وهي أسلحة معروفة في ذلك العصر وخاصة لدى الرومان والفرس. وكان لدى اليهود أنفسهم كميات منها استولى عليها الجيش الإِسلامي، ثم استخدموها لضرب بعض الحصون التي كانت آخر ما فتح في خيبر.
وهكذا فقد كان كل شيء (حسب المقاييس المادية والتقديرات العسكرية المجرّدة) يشير إلى أن يهود خيبر سيتمكنون - بكل سهولة - من دحر المسلمين والتغلب عليهم، عندما يقومون بالهجوم.
لأن كل الأسباب والوسائل المادية وغير المادية التي يحتاجها المحارب أحصسب النصر كانت متوفرة (تمامًا) لدى هؤلاء اليهود.
ولكن الذي حدث هو العكس وهو انتصار المسلمين القلة القليلة التي ينقصها كل شيء مادى علي الكثرة اليهودية الغامرة التي توفرت لديها كل الإِمكانات المادية لكسب النصر.
فكان ذلك مفاجأة مذهلة أبطلت المقاييس العسكرية التقليدية. وأثبتت (عمليًّا) أن القوة الحربية (مهما عظمت) ليست وحدها كافية لسب الصر في المعارك.
كما أثبتت انتصار المسلمين على اليهود في خيبر أن النقص في السلاح والعتاد، والقلة في عدد الرجال لا يكونان - دائما وفي كل الأحوال -
стр. 1655
سببًا في الانهزام أو عدم تحقيق النصر المطلوب.
لعلنا هنا (وعلى ضوء هذه الحقائق) لسنا بحاجة إلى القول: أن العقيدة المستقيمة الحقة الراسخة التي كان المحارب المسلم يلتزم بها ويقاتل (بصدق ووفاء) تحت لوائها هي التي قلبت موازين القوى في معركة خيبر وكانت العامل الحاسم الأول في انتصار تلك القلة المسلمة القليلة على تلك الكثرة اليهودية الغامرة التي (مع كثرتها) العددى تتفوق تفوقًا ساحقًا في كل شيء مادى يحتاجه المحارب.
دروس في معركة خيبر:
إن في طيات تفاصيل (معركة خيبر الحاسمة) من نماذج البطولة والتضحية وزخم العقيدة وصدق الجهاد وقوة الإِيمان ما يجب أن يتفهمه ويعيه ويجعله شعاعًا يستضئ به على دروب الجهاد وصون الكرامات واستعادة الحقوق المسلوبة كل الذين تضع الأقدار في أيديهم مسؤولية حماية الأمة وغسل العار الذي لحق بها ولطخ جبينها ودنّس مقدساتها وأذل كرامتها بأيدى اليهود اليوم.
لقد التحم في معارك خيبر ألف وأربعمائة من أصحاب محمد ﷺ بعشرة آلاف يهودى كانوا يتحصنون في قلاع منيعة وحصون عالية، وتساندهم (كقوات احتياطية) حوالي خمسة آلاف مقاتل من أعراب نجد ذوي القوة والشجاعة والبأس، واستمرت المعارك كأعنف ما يكون طوال شهرين كاملين.
كان اليهود -كما قلنا - يتفوّقون على المسلمين في كل شيء مادى، القوة البشرية .. السلاح .. التموينات .. الاستراتيجية، والتكنولوجيا أيضًا، إذا صح هذا التعبير.
وكان المسلمون (مع هذا التفوّق اليهودى الساحق) مكشوفين أمام حصون اليهود ومستعمراتهم المحصنة أحسن تحصين.
ومع ذلك فقد كان النصر في النهاية للمسلمين على اليهود الذين قاتلوا المسلمين داخل قلاعهم وخارجها قتالًا شرسًا ضاريًا لم يعهد المسلمون مثله
стр. 1656
عَبْر صراعاتهم المسلحة مع الفئات اليهودية وغير اليهودية في جزيرة العرب في العهد النبوى.
وهذا دليل عملي قائم يؤكد أن التفوق الساحق في العدد ووفرة السلاح وجودة التسليح والعلوم الحربية (التكنولوجيا) ليس وحده الذي يضمن النصر في المعارك، وإنما الذي يضمن ذلك ويحققه هو (في الدرجة الأولى) رسوخ العقيدة الصادقة في نفس المحارب والسير في دروب الكفاح على هدى نورها والتسلح بها قبل حشد الرجال وتكديس السلاح الذي لا قيمة حربية له إذا لم تحمله يد يحرّكها قلب ملئ بالإِيمان بالله تعالى. هذا بالنسبة لنا نحن المنتسبين إلى الإِسلام: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾. "ومن طلب العزة بغير الإِسلام أذله الله" (١).
فانتصار ألف وأربعمائة من المسلمين على عشرة آلاف مقاتل من اليهود في خيبر إنما عامله الأول رسوخ عقيدة الإِسلام في نفس المحارب المسلم إلى درجة كان من أثر رسوخها وزخمها أن يرفض بعض الجند في الجيش النبوى المحارب حظه في الغنيمة (بعد النصر) ليكون جهاده جهادًا مثاليًا خالصًا لوجه الله تعالى كما فصلناه في هذا الكتاب.
فلولا عامل العقيدة السليمة لا تمكن المسلمون من التغلب على اليهود لأن كل مقوّمات النصر (من وجهة النظر العسكرية المجرّدة) متوفرة لدى اليهود حيث كان هؤلاء اليهود يتفوّقون على المسلمين في كل شيء تفوقًا ساحقًا.
خرافة التفوق التكنولوجى:
إن انتصار المسلمين على اليهود في خيبر هو دليل حي على بطلان خرافة معزوفة القول: إن سبب انتصار اليهود علينا في حرب الأيام الستة في حزيران سنة ١٩٦٧ م هو تفوّق اليهود في التكنولوجيا، خرافة وأية خرافة هذا القول.
لقد كان المحاربون اليهود في معارك خيبر يتفوقون على أجدادنا المسلمين
стр. 1657
في كل شيء مادى يحتاجه المحارب لكسب النصر، بما في ذلك ما يسمونه اليوم بـ (التكنولوجيا) حيث كان لدى يهود خيبر من الوسائل الحربية الفنية للدفاع والهجوم ما ليس لدى المسلمين منه شيء، ومع ذلك فقد هزم أولئك اليهود هزيمة ساحقة. بينما انتصر البهود علينا في حرب حزيران، وأنزلوا بنا تلك الهزيمة المخزية مع تفوقنا الساحق عليهم، في العدد ووفرة السلاح، وكل شيء مادى يحتاجه المحارب لكسب النصر.
وعليه؛ فإنه لا يمكن لعاقل منصف قبول دعوى التفوق التكنولوجى لدى اليهود، تفسير مبرر لهزيمتنا الفاضحة، وإنما التفسير الصحيح لأسباب هذه الهزيمة هو أن الإِسلام (كدين ودولة وخلق ومعاملة ومهذِّب وحافز شريف كان غائبًا كليًّا عن المعركة حيث حرصت جهات مخصوصة على إخماد صوته ومحو أيّ أثر له في نفوس المحاربين منذ الحشد لهذه المعركة - طوال عشرين عامًا - وحتى نهايتها الفاضحة الخزية. في حين أُفسِحَ المجال لشعارات مذاهب ومبادئ دخيلة مستوردة هي والإِسلام على طرفى نقيض لتحل محل الإِسلام في التوجيه المعنوى والإِعداد التربوى بين المحاربين طوال كل هذه المدة، الأمر الذي صنع الهزيمة لنا على النحو الفاضح الذي لم يشهد مثله تاريخ الأمة العربية والإِسلامية في جميع العصور.
ولا شك أن ما أصابنا إنما هو بمثابة انتقام من الله وتذكير لكى نعود إلى جادة الإسلام الذي بمعاداته ومحاربة تعاليمه والاستهزاء بها لا يمكن أن يتم لنا النصر على اليهود حتى ولو خضنا معهم ألف معركة.
ولعل أقبح ما سمعنا في دنيا الدجل والمغالطة والافتراء ما يردده عملاء الشيوعية في بلاد العرب من أن هزيمة الخامس من حزيران إنما يتمثل في تمسك العرب ببقايا الأيديولوجية الغيبية (الدين)، وأن العرب إذا، ما أرادو تحقيق نصر حاسم على إسرائيل فإن عليهم (أولًا) أن يقطعوا كل صلة تصلهم بالماضى بما في ذلك الدين، ليبنوا حاضرهم على الواقع التقدمي المستمد من تعاليم ماركس ولينين (١) لأن اتباع هذه التعاليم (بزعمهم) هو
стр. 1658
الكفيل بتحقيق النصر الساحق على اليهود.
ولست أدرى كيف يتم للعرب النصر على اليهود باتباع تعاليم هي من صنع اليهود أنفسهم، ابتدعوها وعملوا بدهاء وخبث على نشرها لتخريب المجتمعات، بينما صانوا أنفسهم عن مزالق اتباعها .. وهل الماركسية التي وفدت على بلاد العرب في أقنعة مختلفة إلا مِن اختراع الصهيونية؟ ؟ أليس كارل ماركس يهودى لحمًا ودمًا وأما وأبًا وصهيوني فكرًا ومعتقدًا؟ . فكيف إذن يريد منا هؤلاء المفكرون العملاء أن نسير على هدى تعاليم يهودية لنتصر على اليهود. إن هؤلاء الشيوعيين العرب، لو أنصفوا لرأوا أن العكس هو الصحيح، وهو أنه ليس من سبب لهزيمة الخامس من حزيران سوى الحجر على الإِسلام وقطع الصلة بينه وبين جيل العشرين سنة لتحل محله في مختلف القيادات الفكرية والتربوية وفي جميع قطاعات الجماهير من سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية نفس التعاليم الماركسية التي أغرقت روافدها (تحت مختلف الشعارات) أكثر أقطار العالم العربي، إلى درجة أنه عندما نشبت حرب الأيام الستة لم يكن أي وجود للأيديولوجية الغيبية (العقيدة الإِسلامية كما هي) في أي قطاع من قطاعات الدولة العسكرية أو السياسية أو التربوية، في أكثر البلاد العربية. وإنما الوجود والسلطان والنفوذ والسيادة والقيادة في جميع هذه القطاعات للأيديولوجية الماركسية أو مشتقاتها.
ومن هنا يتضح أن السبب في هزيمة الخامس من حزيران ليس التمسك بالعقيدة الإِسلامية (كما يزعم سماسرة الشيوعية في بلادنا) هذا التمسك الذي لا وجود له بين مختلف القطاعات في الأقطار المعنية إياها، وإنما السبب هو الاعتصام بالأيديولوجية الماركسية على حساب نبذ العقيدة الإِسلامية، هذا الاعتصام الذي بلغ من الشدة إلى درجة اعتُبرَ معها الجهر بالأيديولوجية الإِسلامية والدعوة إلى العمل بموجبها (في بعض الأقطار) جريمة تستحق عقوبة الموت، وقد لاقى رجال حتفهم على أعواد المشانق في البلاد العربية لاتهامهم بأنهم ممن يدعون إلى العمل في بلادهم المسلمة بالأيديولوجية الإِسلامية.
فما بعد هذا يحق لهؤلاء المفكرين من السماسرة اليساريين (عملاء
стр. 1659
الشيوعية في بلاد العرب) القول أن سبب هزيمة الخامس من حزيران هو التمسك بالأيديولوجية الإِسلامية؟ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.
لقد تركت الجماهير العربية (أكثرها عن طواعية واختيار وقليل منها عن كراهية) قيادها لخصوم الأيديولوجية الإِسلامية المبشرين بالأيديولوجية الماركسية طوال عشرين عامًا، فماذا كانت النتيجة؟ ؟ كانت النتيجة قيام خصوم العقيدة الإِسلامية هؤلاء بصبع أشنع هزيمة عرفها العرب في تاريخهم ولم يحدث ذلك في ظل التمسك بالأيديولوجية الغيبية (عقيدة الإِسلام).
حتى يحمل الفكرون من عملاء الشيوعية، هذه العقيدة مسؤولية هزيمتهم هذه. وإنما حدث في ظل الاعتصام بالعقيدة الماركسية نفسهما.
فلا أظن عاقلًا يستطيع القول: إن القيادات المسؤولة عن هزيمة الخامس من حزيران كانت تنطلق (في حربها وسلمها وسلوكها الخاص والعام وأساليبا التربوية والتوجيهية بين محكوميها) من مفهوم العقيدة الإسلامية.
وإنما كانت - ولا زالت - تنطلق في كل ذلك من مفهوم عقيدة ماركس ولينين .. فصحَّ يقينًا أن الهزيمة إنما نزلت بهم في غياب الإِسلام عن المعركة غيابًا كليًّا .. وفي حضور العقيدة اليسارية المنبثقة من الفلسفة الماركسية التي كانت ولا زالت هي الرائد والموجِّه لهذه القيادات في السلم والحرب والسياسة والاقتصاد والتربية والتوجيه.
فلا معنى (إذن) لدعوة المفكرين اليساريين إلى أن ينسلخ الذين صنعوا هزيمة الخامس من حزيران عن الأيديولوجية الإِسلامية. إذ أن انسلاخهم عن هذه الأيديولوجية كان تامًّا قبل أن يخوضوا حرب الخامس من حزيران.
ولا معنى كذلك للقول أيضًا بأن الانسلاخ عن العقيدة الإِسلامية واستبدالها بالعقيدة الماركسية سيضمن النصر المؤزر للعرب على اليهود في المعركة القادمة .. إذ لو كان ذلك صحيحًا لتم النصر على اليهود في حرب حزيران لليساريين العرب الذين تمثل جيوشهم أقوى قوة ضاربة في الشرق
стр. 1660
الأوسط لأنه لم يكن لهؤلاء اليساريين (ومنذ عشرين عامًا) أي ارتباط بالعقيدة الإسلامية في أي مجال عن مجالات الحياة والسلوك الخاص والعام. وإنما ارتباطهم طيلة هذه المدة وحتى اليوم (فكرًا وعقيدة وسلوكًا) كان بالعقيدة الماركسية فحسب.
ولو أنصف هؤلاء المفكرون؛ لدعوا إلى نبذ الماركسية وردم روافد الشعارات المنبثقة منها، في العالم العربي. لأن التجربة العملية أثبتت (على محك معركة حزيران) إفلاس هذه الشعارات حيث كان الالتزام بها (لا بالإِسلام) السبب الأول في تمزيق الأمة العربية وتفجير براكين الحقد والبغضاء بين مختلف طبقاتها. وبالتالى كان السبب المباشر في ضياع شرف وهيبة وكرامة الأمة العربية والإِسلامية على يد اليهود يوم أنزلوا بنا تلك الهزيمة الفاضحة التي ما كانت لتنزل بنا (والله) لو أن العرب تمسكوا بالإِسلام تمسكًا حقيقيًّا، وجعلوا عقيدته السامية - لا العقيدة الماركسية الفاسدة - منطلقها إلى المعركة.
اللهم ألهم قادتنا الرشد والسداد من كانوا وأينما كانوا ليعودوا إلى المنبع الصافى؛ منبع الإِسلام فينهلوا وشعوبهم منه كما نهل محمد ﷺ وأصحابه فتم لهم العزة والنصر على أعدائهم في كل موطن رغم قلتهم وكثرة أعدائهم.
стр. 1661
أهم مراجع هذا الكتاب
اسم الكتاب اسم المؤلف
تفسير ابن كثير ابن كثير
فتح القدير (تفسير) محمد بن علي الشوكانى
في ظلال القرآن (تفسير) سيد قطب
الكشاف الزمخشري
صحيح البخاري البخاري
صحيح مسلم مسلم
زاد المعاد ابن القيم
تاريخ العرب قبل الإِسلام الدكتور جواد علي
سيرة ابن هشام محمد بن إسحاق
الأغانى أبو الفرج الأصهانى
الصداقة والصديق أبو حيان التوحدي
صبح الأعشى أحمد بن علي النقشبندى
المغني في الفقه ابن قدامة
الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف علاء الدين المرداوى
كشاف القناع منصور بن يونس البهوتى
شبهات حول الإسلام محمد قطب
جمع الفوائد محمد بن محمد بن سليمان
زاد المسلم (تفسير) ابن الجوزي
سقوط الجولان خليل مصطفى
غاية المنتهى الشيخ مصطفى السيوط الرحيباني
стр. 1662
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الطبري (تاريخ) محمد بن جرير الطبري
القانون الدولى العام الدكتور سموحى فوق العادة
محمد نبي ورجل دولة الدكتور مونتجمرى وات
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه عباس محمود العقاد
ما يقال عن الإِسلام عباس محمود العقاد
فقه السنَّة السيد سابق
الرسول القائد اللواء الركن محمود شيت خطاب
الأدب المفرد البخاري
تفسير الإِمام محمد عبده السيد رشيد رضا
حياة محمد ورسالته مولانا محمد علي
السيرة الحلبية ابن برهان الدين
قصة السيرة محمد الغزالي
سمط النجوم العوالى عبد الملك بنحسين العصامي
البداية والنهاية إسماعيل بن كثير
الكامل في التاريخ محمد بن الأثير
جوامع السيرة علي بن حزم
آثار المدينة عبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء علي بن أحمد السمهودي
دائرة معارف القرن الرابع عشر-
العشرين محمد فريد وجدي
لسان العرب ابن منظور الأفريقى المصري
نيل الأوطار محمد بن علي الشوكانى
اليهود في القرآن عفيف عبد الفتاح طبارة
الطبقات الكبرى ابن سعد
معجم البلدان ياقوت الحموى
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق
معجم النساء عمر رضا كحالة
стр. 1663
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الأعلام خير الدين الزركلي
ديوان الحماسة أبو تمام الطائى
العرب قبل الإِسلام جورجي زيدان
الأبطال توماس كارليل
حضارة العرب جوستاف لوبون
التشريع الجنائى في الإِسلام الشهيد عبد القادر عودة
الإِصابة ابنحجر العسقلاني
الاستيعاب ابن عبد البر
أيام العرب في الإِسلام محمد أبو الفضل علي النجاوي
الروض الأنف السهيلي
نهاية الأرب القلقشندي
معجزة محمد رسول الله عبد العزيز الثعالبي
قصص الأنبياء عبد الوهاب النجار
تاريخ ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون
مروج الذهب المسعودي
معجم قبائل العرب عمر رضا كحالة
معجم البكرى البكري
تاريخ الإِسلام السياسي الدكتور حسن إبراهيم حسن
تاريخ الأمة العربية محمد أسعد طلس
عجائب الأقاليم السبعة محمد بن موسى الخوارزمي
حياة محمد ( ﷺ ) محمد حسين هيكل
بهجة المحافل يحيى بن أبي بكر العامري
إمتاع الأسماع المقريزي
تهذيب تاريخ ابن عساكر عبد القادر بن أحمد بن مصطفى الدمشقي
عصر النبي ( ﷺ ) محمد عزة دروزة
البدء والتاريخ أبو زيد أحمد بن سهل البلخي
مغازى الواقدي محمد بن عمر بن واقد
صورة الأرض ابن حوقل
стр. 1664
اسم الكتاب - اسم المؤلف
الآثار الباقية من القرون الخالية محمد بن أحمد البيرونى
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم المقدسي المعروف بالبشارى
أنساب الأشراف أحمد بن يحيى البلاذرى
جمهرة أنساب العرب علي بن أحمد بن حزم
جمهرة رسائل العرب أحمد زكى صفوت
مجمع البيان في تفسير القرآن الفضل بن الحسن الطبرسى
جامع الأصول من أحاديث الرسول المبارك بن محمد بن الأثير الجزرى
مسند الإِمام زيد زيد بن علي بن الحسين
نصب الراية عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعى
النهاية في غريب الحديث المبارك بن محمد بن الأثير الجزرى
منهاج السنة النبوية أحمد بن تيمية
جزيرة العرب حافظ وهبه
صفة جزيرة العرب الهمدانى
نسب قريش المصعب بن عبد الله الزبيرى
المجتمعات الإِسلامية في القرن الأول شكرى فيصل
فتوح البلدان أبو الحسن البلاذرى
الحرية عند العرب إبراهيم حداد
تاريخ اليعقوبى أحمد بن أبي يعقوب
جزيرة العرب جان جاك بيربى
الوثائق السياسية في العهد النبوى والخلافة الراشدة الدكتور محمد حميد الله
لمحات من تاريخ العالم جواهر لال نهرو
المحبّر محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي
قصة الحضارة ول. ديورانت
فجر الإسلام أحمد أمين
عيون الأخبار محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة
معالم تاريخ الإِنسانية هـ. ج. ولز
تاريخ الشعوب الإِسلامية كارل بروكلمان
شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام محمد بن أحمد بن علي الفاسى
стр. 1665
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تاريخ الأمم الإِسلامية المختصر في تاريخ البشر محمد الخضرى
نخبة الدهر في عجائب البر والبحرشمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري
عبقرية محمد عباس محمود العقاد
غزوة بدر الكبرى المؤلف
غزوة أحد المؤلف
غزوة الأحزاب المؤلف
غزوة بني قريظة المؤلف
تهذيب الصحاح محمود بن أحمد الزنجاني
مجمع الزوائد علي بن أبي بكر الهيتمى
الجامع الصغير الإمام السيوطي
صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار محمد بن عبد الله بن بليهد
صحيح الترمذي الإِمام الترمذي
سنن أبو داود الإِمام أبو داود
الفاروق القائد محمود شيت خطاب
تاج العروس من جوامع القاموس محمد مرتضى الزبيدي
стр. 1666
محمّد أحمد باشميل
من معارك الإسلام الفاصِلة
- ٧ -
غزوة مؤتة
المكتبة السلفية
стр. 1667
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثالثة
١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م
عنيت بطبعه
دار المطبعة السلفية
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة تليفون: ٨٤٠٣٦٤
стр. 1668
بسم الله الرحمن الحيم
كلمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم .. اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وصل اللهم على خيرة خلقك نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-١ -
وبعد أيها القارئ الكريم، فهذا هو الكتاب السابع من سلسلتنا التاريخية (معارك الإسلام الفاصلة)، إن هذا الكتاب يقدم لك (بصفة رئيسية) دراسة عن أول عمل عسكرى ضخم تقوم به القوات الإِسلامية في العهد النبوى، خارج الجزيرة العربية، وداخل أراضى الشام، التابعة يوم ذاك للإِمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطا). التي هي أعظم دولة في العالم آن ذاك.
-٢ -
ولصلة العرب بالشام صلة موغلة في القدم حيت يعتبر الكثير (ومنذ عهد عاد الثانية وعبر آلاف السنين) الرقعة الممتدة من بحر العرب على المحيط الهندي مرورًا بالقوس الممتد من رأس الخليج عند البصرة في الشرق ورأس
стр. 1669
الخليج عند أيلة (أيلات) في الغرب حتى جبل اللكام في آسيا الصغرى (تركيا) في الشمال، والمسمى بالهلال الخصيب أرضًا عربية لا يتجزأ بعضها عن بعض) (١).
ولكون المصادر التاريخية أثبتت أن الشعب الرئيسى (دائمًا) من سكان الشام عبر القرون - حتى ظهور الإِسلام - هم من العرب، رغم تعاقب المتسلطين الأجانب عبر الأحقاب على الشام - فقد عقدنا فصلًا خاصًّا (وهو الفصل الأول من هذا الكتاب) تحدثنا فيه بإيجاز، عن تاريخ العرب في الشام قبل الإِسلام .. لا سيما وأن معركة (مؤتة التاريخية التي هي موضع دراستنا في هذا الكتاب، كان رأس الحربة فيها ضد الجيش الإِسلامي، هم العرب المتنصرة من قضاعة وغسان وغيرهم، بدليل أن مالك بن رافلة المتنصر الذي قتل في معركة (مؤتة بأيدى المسلمين كان يقود مائة ألف عربي كانوا إلى جانب الرومان ضد الإِسلام، كما أن سدوس بن عمرو، أخا شرحبيل بن عمرو الغساني - عامل الرومان على البلقاء - قد لقى مصرعه داخل الجزيرة العربية قرب وادي القرى وهو يقوم بأعمال الاستخبارات والاستطلاع لحساب وزارة الحرب الرومانية التي كان رجالها يحتشدون جنوب الشام لملاقات المسلمين.
-٣ -
أسباب غزوة مؤتة
كان الرسول ﷺ وحتى السنة الخامسة من الهجرة، منهمكًا في الانشغال في الداخل بأعداء رئيسيين ثلاثة، هم:
أ - قريش جنوب المدينة.
ب - غطفان ومن لف لفها من قبائل نجد الخطيرة شرقي المدينة.
ج - يهود خيبر شمالي شرقي المدينة.
غير أنه ﷺ عقب انتصاره السوقى التاريخي في معركة الصمود الحاسمة،
стр. 1670
معركة الأحزاب (الخندق) على ذلك الثلاثى المتحالف، شعر، وشعر أيضًا أعداؤه أن الإِسلام أخذت جذوره تضرب بعيدًا في الأعماق داخل الجزيرة العربية، وكان الخوف والرعب منه قد أخذ ينوش قلوب أعدائه بمختلف فئاتهم.
فأمن جانب غطفان، أخطر أعدائه، وذلك بعد أن أنهكهم بالحملات العسكرية السريعة التي كان يجردها عليهم، وكانت خاتمة المطاف في خضد شوكتهم وإعطائهم درسًا عمليًّا بأن المسلمين أقوى مما يتصور أولئك الأعراب الأقوياء المحاربون الأشداء .. هي فشلهم في عملية الأحزاب العسكرية الشهيرة التي كانت غطفان فيها العمود الفقرى .. ستة آلاف منهم كانوا في قوة الأحزاب البالغ عددها عشرة آلاف حشدها اليهود بغية إنهاء الوجود الإسلامي في السنة الرابعة للهجرة.
-٤ -
ففي السنة الخامسة من الهجرة شعر المسلمون بأن قوتهم الذاتية (بعد اجتياز محنة الأحزاب الرهيبة) قادرة على الصمود والتصدى عسكريًا لأية قوة في الجزيرة، تريد النيل منهم، ومنعهم أيَّ حق يستحقون مباشرته.
وكانوا - منذ هاجر النبي ﷺ إلى المدينة - محرومين من زيارة البيت في مكة بسبب الحظر المتعسف الذي فرضته قريش - عندما كانت في مركز القوة - على المسلمين ومنعتهم بموجبه من دخول مكة حتى وإن كانوا معتمرين أو حجاجًا.
ففي هذه السنة تحرك من المدينة ألف وأربعمائة ن المسلمين تحت قيادة الرسول الأعظم ﷺ متجهين جنوبًا نحو مكة بقصد العمرة (زيارة البيت العتيق)، فصدهم المشركون عند حدود الحرم ومنعوهم من دخوله، فجرت بين الفريقين مراسلات ومفاوضات أدَّت في النهاية (بعدى مشادات كادت تؤدى إلى حرب شاملة) أدَّت إلى ذلك الصلح التاريخي المسمى (صلح الحديبية).
стр. 1671
كان من أهم مكاسب المسلمين في هذا الصلح، اعتراف قريش بالمسلمين كأمة ذات كيان، وإنهاء حالة الحرب بين المسلمين وقريش لمدة عشر سنين، وتسليم مشركى مكة بحق المسلمين في زيارة البيت والقيام بنسك العمرة رغم بقاء مكة تحت سيطرة الوثنية.
-٥ -
من الناحية السياسية استفاد الرسول ﷺ من صلح الحديبية بأن أمن جانب قريش (فترة من الزمن) استطاع فيها أن ينجز أعمالًا جسامًا، كان القيام بها ذا أثر فعَّال في تثبيت كيان الإِسلام وتدعيم مركز المسلمين. أهم هذه الأعمال:
١ - التفرغ ليهود خيبر الذين كانوا مع المسلمين في حالة حرب .. أنهى الرسول ﷺ وجودهم في أوائل السنة السادسة للهجرة بعد معارك عنيفة استمرت حوالي شهرين (١).
٢ - الاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط لإِسماعهم صوت الإِسلام ودعوتهم إلى الدخول فيه وإلفات نظرهم إلى قيام أمة جديدة ذات خطر وكيان تسمى أمة الإِسلام (٢).
٣ - التفرغ للجار الخطر (الرومان) وإلقاء درس حربى عملى عليهم بأن اجتاز جند الإِسلام (ولأول مرة) حدود الشام، وقاتلوا الرومان على أرضهم حيث نشبت في الشام معركة (مؤتة) الحاسمة التي هي موضوع دراستنا الرئيسية في هذا الكتاب.
-٦ -
هكذا حدثت معركة مؤتة في فترة الصلح القائم بين المسلمين وبين
стр. 1672
قريش، وذلك قبل أن ينقض القرشيون وحلفاؤهم هذا الصلح.
كانت الهدنة فرصة (كما قلنا) بالنسبة للمسلمين لا بد من الاستفادة منها، فقد قرر النبي الحكيم والقائد السياسي والعسكري المحنك - وقد تراءت في الأفق أطماع الإِمبراطورية الرومانية في المسلمين والسميطرة على جزيرة العرب وصار عملاؤهم العرب المتنصرة يقتلون أصحاب النبي ﷺ غدرًا وبالجملة - رأى أن يبعث بقوة حربية من خيرة أصحابه (هي أكبر قوة استطاع حشدها حتى ذلك الوقت منذ ظهور الإِسلام) رأى أن يبعث بهذه القوة - الحربية إلى مشارف الشام لتتوغل داخل ذلك البلد الذي يعتبر بعضًا من ممتلكات الدولة البيزنطية، ويطأها غازيًا، لإِعطاء الرومان وعملائهم المتنصرة من العرب درسًا حربيًّا قاسيًا يشطب من أذهانهم جميعًا ما رسخ فيها مما آلفوه عن المقاتل العربي قبل أن يدين بالإِسلام، والذي كان (بصورة رئيسية) إنما يقاتل كرًّا وفرًّا وفي حركات خاطفة بغية السلب والنهب فقط، ثم ينسحب سواء كسب أم خسر. إنه أسلوب بدائى في القتال لا يتناسب وأساليب اللجيونات والتفوق التكنولوجى الذي يمتاز بها الجيش الروماني.
-٧ -
كان الرومان وعملاؤهم العرب المتنصرة ينطلقون في معاملتهم المسلمين من هذه النظرة الخاطئة، وعلى أساس هذه النظرة الخاطئة، قتلوا (غدرًا أو غيلة) خمسة عشر من فضلاء الدعاة المسلمين من أصحاب النبي ﷺ في مكان يقال له ذات الطلح داخل الشام، قتلوهم، وهم في مهمة سلمية إنسانية، هدفها نشر الإِسلام بالحسنى وطريق الإِقناع، فكان ذلك من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى نشوب معركة (مؤتة) الفاصلة، والتي استشهد فيها قادة الجيش الإسلامي الثلاثة، وتعرض الجيش النبوى الصغير فيها لمحنة قاسية لم يخلصه منها إلا مهارة القائد الفذ المحنك خالد بن الوليد الذي يشترك ولأول مرة جنديًّا ثم قائدًا في جيش إسلامي.
стр. 1673
-٨ -
فللأسباب التي ذكرنا، حشد الرسول ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل من أصحابه من أهل البادية والحاضرة وعمن لهم (قبل أن يتحركوا من المدينة) قادة ثلاثة بالتناوب.
١ - زيد بن حارثة مولاه.
٢ - جعفر بن أبي طالب ابن عمه إذا قتل زيد.
٣ - إذا قتل جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري،
وقد اجتازت القوة النبوية حدود الشام عبر (معان) المدينة التاريخية الشهيرة حتى وصلت منطقة الكرك (لواء البلقاء اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية)، وهناك في مشارف قرية يقال لها (مؤتة) دارت المعركة التاريخية الفاصلة التي سميت واشتهرت فيما بعد في التاريخ بمعركة (مؤتة).
-٩ -
لقد كانت معركة (مؤتة) بحق معركة رهيبة طاحنة، ولا أدل على ذلك من أن القادة الثلاثة للجيش الإِسلامي قتلوا جميعهم الواحد تلو الآخر، كما قتل كذلك بشر كثير من المسلمين لم يحص عدده، وسقط أيضًا خلق أكثر من القوات الرومانية وحلفائها، كما صرع قائد المتنصرة العرب المرتزقة مالك بن رافلة، وسدوس بن عمرو، أخو حاكم المنطقة شرحبيل بن عمرو الغساني.
واستمرت المعركة (على ما ذكره ابن برهان الدين في السيرة الحلبية) ستة أيام، أبدى فيها المسلمون من ضروب الشجاعة والتضحية والثبات والفداء ما لا مزيد عليه.
-١٠ -
وللحقيقة والتاريخ فقد هزم المسلمون -بعد مصرع قادتهم الثلاثة-
стр. 1674
هزيمة منكرة لم يهزم مثلها قوم (قط).
غير أن خالد بن الوليد لما توّلى القيادة بعد الهزيمة، أعاد للجيش الإِسلامي تنظيمه، ثم جعله ينزل بالرومان هزيمة منكرة لم يهزموا مثلها. ثم أنقذ الجيش الإِسلامي الصغير، فانسحب به (في غمرة الاضطراب الذي ساد صفوف الجيش الروماني). . انسحب به على تعبئة تامة وانتظام كامل، فاستحق بذلك أعلى وسام يمنحه الرسول ﷺ مسلمًا من أصحابه (سيف الله).
لأن خالدًا بتوفيق الله، ثم بمهارته العسكرية، وشجاعته النادرة، وصلابة إرادته، تمكن من أن يسحب رؤوس ثلاثة آلاف مقاتل مسلم من تحت مطرقة الموت التي أخذ مائتا ألف مقاتل رومانى وحليف عربي يهوون بها على رؤوس أفراد ذلك الجيش الإِسلامي الصغير الذي أنهكته الحرب، وفقد قادته الثلاثة وسقط لواؤه على الأرض فتمزق شمل وحداته تمزقًا مريعًا.
- ١١ -
إن معركة مؤتة - على ما أصاب المسلمين فيها من كرب وبلاء. وعلى ما تعرضوا له فيها من أخطار، وأقدموا عليه من مجازفة بلغت في عرف هذا العصر حد الانتحار، تحمل أروع صور الصمود والتضحية والثبات، وفيها الدروس كل الدروس عن معاني العقيدة الحقيقية الصحيحة، ومعطياتها السخية، ودفقاتها الزاخرة بروافد الإِيمان التي تجعل من حاملها إعصارًا يزلزل الشوامخ، وجبلًا يهزأ بأعتى. الأعاصير.
فالتمسك بالعقيدة - عقيدة الإِسلام - وعلى ذلك المستوى الذي بلغه أبطال مؤتة، هو الذي به يستطيع المسلمون (عربًا كانوا أم غير عرب) استعادة الحقوق المسلوبة، والحفاظ على الكرامات المعرضة للهدر والضياع.
فكم هو جدير بأصحاب الأيديولوجيات المستوردة إلى الشرق لجعلها منطلقًا لاسترجاع ثالث الحرمين وما ضاع من حقوق المسلمين في فلسطين
стр. 1675
وغير فلسطين، كم هو جدير بهم أن يدرسوا الأيديولوجية التي من فوق أرضها الصلبة ثبت ثلاثة آلاف مقاتل سبعة أيام يصارعون جيشًا قوامه مائتا ألف مقاتل، فأبدوا من ضروب الشجاعة والبذل والتضحية والفداء، ما يجعل الذي يتغنى به الماركسيون من بطولات عصابات تشى غيفارا وهوشى منّه وماوتسى تونج صفرًا من اليسار في حساب البطولات.
- ١٢ -
إن تاريخ أمتنا العربية التي هي جزء من أمتنا الإِسلامية الكبرى طافح بأعمال البطولات الخالدة التي يجب أن تكون معقد اعتزازنا عند الافتخار، ومرجع دراستنا عندما يجئ دور الاقتداء والاتعاظ والاعتبار. فنحن مستغنون كل الاستغناء عن التغنى بأمجاد غيرنا، والتأسى والاقتداء برجال لا يمتون إلينا ولا إلى تاريخنا بأية صلة.
وكم هو رائع (بل وعظيم) أن يفطن لمثل هذه الحقيقة ويدعو للتمسك بها أمثال (اللواء الركن مصطفى طلاس) فيقول - معقبًا في غير ارتياح على احتفال بعض بني قومه بالعيد المئوى لزعيم الشيوعية العالمية فلاديمير لينين -. . "في التاريخ أمثلة تدل دلالة قاطعة على أن ما من أمة تعرّضت أراضيها للغزو الأجنبي والاحتلال، إلا هبَّت تنشد ماضيها وتبحث عما فيه من أمجاد. لعلها تجد ما يبعث الحياة في حاضرها، فتبرهن على أصالتها ودورها في الحضارة الإِنسانية. وحسب معلوماتى التاريخية ليس ثمة أمة داهمها الغزو كما ذكرت، واحتلت أجزاء من أراضيها احتلالًا استيطانيًا، بل وربما هددت بالسحق والإِبادة والتشريد، ثمَّ انبرت تفاخر بتاريخ غير تاريخها وتحتفل بقادة غير قادتها، وهي إن فعلت ذلك، إذن كان مثلها (مثل القرعاء، تتباهى وتفاخر بشعر جارتها).
أقول هذا عندما رأيت الصور والملصقات تغص بها الشوارع في دمشق العربية، لرجل لا يمتّ إلى تاريخنا بصلة غير صلة الإِنسانية، مع تقديرى
стр. 1676
العميق لمناقبه الفذة، قررت أن أكتب شيئًا مهما كان قليلًا في ذكرى الرسول العربي" (١).
حقًّا إنه ليس أحد أحق بالرثاء من أمة تتجاهل تاريخها الزاخر بالأمجاد والبطولات والطافح بذكرى الأبطال الخالدين ثمَّ تدلج في ظلام المبادئ الهدامة المستوردة باحثة عن نفايات البشر وشذاذ الآفاق والسفاحين الملحدين لتجعل منهم مثلها الأعلى في النضال وقدوتها المثلى في التربية والسلوك.
إن نتيجة مثل هذا التصرف، لن تكون إلا كما كانت، الاندحار يتلوه الاندحار، والهزيمة تتلوها الهزيمة حتى تعود أمة محمَّد ﷺ إلى الانتهال من منبع الإِسلام الصافى الشافى الذي انتهل منه أبطال معركة (مؤتة) فسجلوا من الانتصارات في العهد النبوى وما تلاه من عهود زاهرة، ما حشى فم التاريخ بذكراهم العاطرة، التي ظلت وستظل إلى الأبد أُنشودة الدهر المفضلة التي يتغنى بها. .
إلى الإِسلام من جديد أيها المسلمون (عربًا كنتم أم غير عرب) إلى حقيقة الإِسلام المتمثلة في التمسك به قولًا وعملًا، لا إلى القشور التي لا تعدو الانتساب إلى هذا الدين الخالد فحسب، إلى الإِسلام الحقيقي إن كنتم تتوقون حقًّا إلى أن يكون الله معكم لينصركم على أعدائكم. وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم فلا عزة لكم ولا نصر بغير الإِسلام. وتذكروا دائمًا قول الفاروق عمر بانى دولة الإِسلام العظمى. . "من طلب العزة بغير الإِسلام أذله الله".
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا لما فيه فلاحنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
محمَّد أحمد باشميل
جدة. . . المملكة العربية السعودية
١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م
стр. 1677
الفصل الأوّل
* العرب في الشام قبل الإِسلام.
* ملوك آل عاد في الشام.
* صلة الرومان بعرب الشام.
* مملكة الأنباط.
* مملكة آل أذنية (تدمر).
* مملكة قضاعة.
* مملكة الغساسنة.
* عرب الشام ومعركة مؤتة.
قبل الدخول في تفاصيل معركة مؤتة الفاصلة، نرى أنَّه لا بد من إعطاء القارئ الكريم (أولًا) لمحة عن صلة العرب بالشام (قبل الإِسلام) حكامًا أو مواطنين. . محكومين أو مالكين حاكمين.
وثانيًا عن ارتباطهم بالرومان الذين سيطروا على الشام قبل الميلاد وبعده وخاصة في عهود الأباطرة البيزنطين الذين كان الصدام بينهم وبين المسلمين أول ما كان في معركة مؤتة التاريخية، والتي كان العرب المتنصرة والمرتزقة الوثنيين الموالين للرومان رأس الحربة في القتال الذي دار في هذه المعركة التاريخية (معركة مؤتة) التي هي موضوع كتابنا هذا.
стр. 1678
الشام بلد عربي منذ آلاف السنين .
هناك ما يشبه التظافر بين الأخباريين المسلمين والأجانب المستشرقين والإِسرائيلين وغيرهم على أن الشام كانت موطنًا للعرب قبل الميلاد بل وقبل ظهور بني إسرائيل بعدة قرون، وأنهم أول من حكم الشام وأن ملوك الأرض الذين أول من ملك الشام في التاريخ إنما كانوا من العرب.
إلى هذا الرأي ذهب وقال به فيلسوف التاريخ المشهور الإِمام عبد الرحمن بن محمَّد بن خلدون الحضرمي الكندى المغربي، وكذا المؤرخ الرحالة الجغرافي الشهير المسعودى (١).
ويسند هذا الرأي كثير من المستشرقين الذين يؤكدون أن القوس المتكوِّن من العراق والشام والمسمى بالهلال الخصيب هو امتداد طبيعى لجزيرة العرب وأن ما يحتويه هذا الهلال الخصيب من أقطار هو وطن للعرب منذ قرون عديدة قبل الميلاد وقد عد المستشرقون الهلال الخصيب هذا من الناحية الطبيعية وحدة لا يستطاع فصلها عن الجزيرة (العربية) وامتدادًا طبيعيًا لها منذ فجر التاريخ (٢).
وقد ذكر الباحثون المختصون بتاريخ العرب قبل الإِسلام (مثلًا) أن ملكًا عربيًّا اسمه جندب " Cindibu . . . . ." كان أحد ملوك الشام العظام في عام ٨٥٣ ق. م. وإنه أقام تحالفًا عسكريًا مع أحد ملوك الأرميين وانضم إلى هذا الحلف اثنا عشر ملكًا من ملوك المناطق المجاورة. جميعهم كوّنوا حلفًا عسكريًا لمواجهة شلمنصر الثالث أحد ملوك الآشوريين الجبابرة الذي غزا الشام وأوقع بالملك العربي (جندب) وحلفائه في معركة (قرقر) وهي مدينة
стр. 1679
تقع شمال حماه، وأن الملك جندب قدَّم لقوات الحلفاء التي هو أحد قادتها ألف بعير واشترك بنفسه في الحرب مع سبعين ألف جندى ضد شلمنصر الثالث ملك آشور، الذي هزم الملك العربي وحلفاءه في هذه الحرب عام ٨٥٣ قبل الميلاد (١).
وتفيد تقارير المؤرخين غير الإِسلاميين. أن خسارة الملك العربي جنيدب (أو جندب) وحلفائه في معركة قرقر (وحسب رواية شلمنصر ملك آشور التي دونها على أحد الأعمدة في بابل) بلغت خمسة وعشرين ألفًا وخمسمائة مقاتل (٢).
المملكة العربية التي حاربت الآشوريين قبل الميلاد
كذلك تفيد مصادر التاريخ الأوربى أن ملكة عربية اسمها زبيبى (زبيبة) كانت حوالي ٧٣٨ ق. م قد انضمت في حلف عسكرى إلى أعداء ملك آشور من ملوك الطوائف في الشام فسيطرت على طرق القوافل المارة بها إلى بابل في العراق. فجرد عليها ملك آشور (تغلث فلاسر الثالث) حملة عسكرية قوية فقاتلته ولكنه تغلب عليها في النهاية حتى أخضعها فاضطرت لعقد صلح معه دفعت بموجبه الجزية للأشوريين. وذلك عام ٧٣٨ ق. م (٣).
كذلك تشير المصادر الأفرنجية إلى أن ملكة عربية أخرى أسمها سمسى. Samchi (شمس) كان مقر ملكها (مؤاب وفلسطين) قد عقدت حلفًا عسكريًا مع ملك (دمشق) المعادى لملك آشور فصارت قواتها من رجال البادية تغير على قوافل الآشوريين الآتية من الجنوب وتستولى عليها. فجهز ملك آشور عليها قوات ضخمة فانتصر عليها بعد أن احتل مدينتين رئيسيتين من مدن مملكتها وتغلب على معسكرها. فاضطرت لأنَّ تخضع وتدفع الجزية له
стр. 1680
(إبلا جمالا ونوقًا) بعد أن خسرت في المعارك التي خاضتها ضد ملك آشور مائة ألف مقاتل وثلاثون ألف جمل وعشرون ألفًا من الماشية. . وجدت هذه الأرقام في نصوص دونها ملك آشور (تغلب فلاسر) نفسه على لوحة من اللوحات سجل عليها هذا الملك الآشورى تاريخ حياته الحربى (١).
بقايا العمالقة
وإذا صح ما جاء في هذه المصادر الأجنبية (وحسب ما دون في اللوحات الملكية الآشورية) فإن الملك العربي جنيدب (جندب) والملكتين (زبيبة) و (شمس) يكونون من العمالقة الذين ظلت بقاياهم تتواجد في الشام وتتناسل حتى ظهرت منهم عائلة آل أذينة المالكة في البادية كقوة عربية ذات شأن عظيم. . قبيل الميلاد بحوالى ٧٠ عامًا. وظلت تتعاظم قوتها الحربية حتى أسست مملكة (تدمر) التاريخية الشهيرة التي أدخلت الرومان بعد الميلاد وقضت على سلطانهم في المشرق وخاصة في عهد الملك أذينة بن أذينة وزوجه الداهية ذات الهمة العالية زينوبيا (الزباء) التي بلغ بها الطموح وعلو الهمة وقوة العزيمة إلى أن تعبر بقواتها مضيق البوسفور وتضرب الحصار على القسطنطينية، واضعة أمام نصب عينيها احتلال روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية العتيدة (٢).
العرب أول من ملك الشام من البشر .
يدل سياق الإِخباريين أن العرب أول من ملك الشام، وكان أول مَلك منهم حكم الشام بل ومصر والهند وسائر ممالك المشرق هو شداد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. الذي كانت قاعدة ملكه الأحقاف (حضرموت) بجنوب الجزيرة العربية. وعاد هذه التي ملكت الشام وهي عاد الثانية وهي قبيلة عربية. ويصنفها الإخباريون ضمن العرب العاربة والعرب البائدة. وقد ظلت عاد ملوكًا للشام حتى عتوا وطغوا فأهلكهم الله على نحو
стр. 1681
ما جاء في القرآن الكريم. هكذا تقول مصادر الإِخباريين الإِسلامين العرب ومن هاجر إليهم ودخل في الإِسلام من بني إسرائيل الذين يمكن الاعتماد على نقلهم، لأنَّ أهل الكتاب من بني إسرائيل أقرب من غيرهم إليهم وأوعى لأخبارهم (١).
وفي المصادر التاريخية الغربية الأجنبية. إشارات واضحة تعضد ما يقوله الإِخباريون الإِسلاميون من أن عادا كانوا قد استوطنوا الشام وسينا وحكموا تلك المناطق.
فقد ذكر بطليموس (Forster. Woi. ٢٨٢) أن عادا قد كان لهم وجود في المناطق الممتدة من الشمال الغربي لجزيرة العرب مرورًا بأيلة (إيلات) على رأس ساحل خليج العقبة حتى المنطقة التي تسمى (بتيه بني إسرائيل) وهي في شبه جزيرة سيناء. قال الدكتور جواد على في كتابه (تاريخ العرب قبل الإِسلام) (٢) ولا يبعد هذا الموضع عن أماكن (ثمود) الذين ارتبط اسمهم باسم عاد. وقد أيد هذا الرأي (شبنكر) وجماعة من المستشرقين وهو أقرب الآراء إلى الصواب.
كما دلت الحفريات على أن الأقرب إلى الصواب إلى أن (إرم ذات العماد) التي ذكرها القرآن عند التعرض لذكر قوم عاد هي في الشام لا في جنوب الجزيرة العربية. وهذا يوافق ما ذهب إليه المسعودى (وهو من أشهر المؤرخين والجغرافيين العرب) فقد ذكر أن جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم وهو الذي بني في الشام (إرم ذات العماد) وهو الذي اختط دمشق ومصيرها عندما كان ملكًا على الشام (٣) أما (موريتس) البحاثة. فقد أيد أيضًا ما ذهب إليه (بطليموس) من أن إرم (أي إرم ذات العماد) هي في مكان ما من الشام الذي كان خاضعًا لحكم قوم عاد العرب - قبل ثمود وقبل ظهور بني إسرائيل وقد سماه باللاتينى (Aramaua) وقد ساند موسل رأى
стр. 1682
(موريتس) في مطابقة المكان الذي ذكره (بطليموس).
وقد أظهرت الحفريات التي قام بها المعهد الفرنسى في القدس ما يسند القول بأن عادًا كانوا ملوكًا للشام. وإن لهم وجودًا أكيدًا فيها. إذ ورد في الكتابات النبطية التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف على جبل (رم) أن اسم الموضع هو (إرم) (١) فيتضح من هذه الكتابات النبطية أن هذا الموضع من حافظ على اسمه القديم الذي صار يعرف أخيرًا برم بدلًا من (إرم) (٢).
وفي عام ١٩٣٢ م. قام (Horsfield) من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية بحفريات في موضع جبل (رم)، ويقع على مسافة "٢٥" ميلًا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادي، وعلى مقربة منه (عين ماء) ووجد في جانب الجبل آثار جاهلية قديمة، وقد حملت اكتشافاته هذه واكتشافات " Sayignac" التي قام بها في ذا المكان، واكتشافات "كليدن HaroldW. Gljdden" على القول. . إن هذا المكان هو موضع "إرم" الوارد ذكره في القرآن الكريم (٣) والذي كان قد حل به الخراب قبل الإسلام، فلم يبق منه عند ظهور الإِسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام - مصر - الحجاز (٤).
وينفى الأستاذ جورجى زيدان في كتابه - العرب قبل الإِسلام - ص ٧٦ أن يكون المنقبون عن الآثار وجدوا فيما عثروا عليه من آثار أي ذكر يتعلق (بعاد). ويظهر أنَّه لم يطلع على ما اطلع عليه الدكتور جواد على مما أثبتته
стр. 1683
الحفريات في الشام من ذكر ضريح لعاد (إرم ذات العماد) وما قاله عنهم المؤرخ الشهير (بطليموس) كما تقدم.
ورغم بعض الاضطراب الذي يعتور حديث الإخباريين عن الكيفية التي ملك بها قوم عاد الشام، فإن هناك ما يشبه الاتفاق بين المؤرخين الإِسلاميين واللاتينيين واليونان على أن هناك وجودًا كان لعاد في الشام، لا سيما بعد العثور على الآثار التي أظهرتها الحفريات في فلسطين والأردن والدالة على الاسم الذي يطابق الاسم الذي أطلقه القرآن عليهم وهو اسم (إرم).
ولا ينفى كون الحفريات أثبت وجود اسم عاد (إرم) مكتوب على الآثار في فلسطين والأردن وهي (حسب التقسيم الجغرافي القديم) جزء من الشام. . لا ينفى أن تكون هناك آثار أخرى مكتوبة في مناطق أخرى من الشام كمنطقة (دمشق) التي ذكر بعض الإِخباريين العرب أن ملوك عاد (العرب) هم الذين أول من أسسها وبناها. . لا ينفى أن تكون هذه الآثار الدالة على وجودهم موجودة ولكن التنقيبات لم يعثر القائمون بها على شيء منها حتى الآن. وقد يعثرون في المستقبل عليها. كما عز عشاق البحث عن الآثار. عن مدن عظيمة في أمريكا الجنوبية وبعض مناطق آسيا يعود تاريخها إلى آلاف السنين.
المدة التي ملكت عاد الشام فيها
أما المدة التي استمرت فيها الشام في ظل ملوك (عاد) فلم نر فيما بين أيدينا من مصادر إسلامية أو غير إسلامية ممن أشاروا إلى وقوع الشام ضمن دائرة الجبابرة من ملوك (عاد) - لم نر أحدًا في هذه المصادر، ذكر المدة والتاريخ اللتين خلالهما استمر ملوك (عاد) حكامًا للشام. وكل ما وجدناه في هذه المصادر هو الإِشارة فقط إلى عناصر من أجيال (عاد) كانوا قد ملكوا الشام.
وبما أن بحثنا في هذا التمهيد. إنما هدفه إيضاح الصلة الوثيقة القديمة التي كانت للعرب بالشام قبل الإِسلام بعدة قرون مما يؤكد أن الشام كانت
стр. 1684
بلدًا عربيًّا قبل الإِسلام بالآف السنين، فإننا نكتفى بهذا القدر من تاريخ (عاد) تلك القبيلة الجبارة العاتية التي لم تبلغ أمة من الأمم حتى اليوم مثلها في قوة الجسم ومتانة البنية. ومن أراد الاطلاع على تفاصيل تاريخ ملوك هذه القبيلة التي أهلكها الله بالريح الصرصر بعد أن كفرت بالله وكذبت نبيها وأخاها هود (﵇) فليرجع إلى مصادر التاريخ الرئيسية مثل الطبري والمسعودى وابن خلدون والدينورى وأمثالهم من أئمة التاريخ.
العرب هم سكان الشام الأصليون منذ فجر التاريخ
إنه بعد النظر في مختلف المصادر التاريخية (إسلامية ولاتينية ويونانية وغيرها) تبيّن لنا بكل وضوح أن الشام كانت (وظلت) موطنًا للعرب منذ عهد (عاد الثانية) حتى سيطرت عليها جيوش الإِسلام في عهود الخلفاء الراشدين. وأن أجيالًا من العرب "رغم تقلب الأحوال في الشام وتعاقب الأنظمة المختلفة والمد والجزر للذين تعرض لهما سلطان العرب عبر العصور السحيقة جدًّا في الشام" ظلت هذه الأجيال العربية هي العنصر الأساسي الذي يتكون منه سكان الشام الأصليون، وما الرومان وقبلهم الإِسرائيليون الذين يظن البعض أنهم سكان الشام الأصليين إلا عناصر دخيلة على الشام بأقاليمها الأربعة (فلسطين والأرون وسورية ولبنان) جاءوا، إما مما وراء البحار (كالرومان) وإما مما وراء شرقي نهر الفرات أو غربي سيناء (مصر الفرعونية) كالإِسرائيليين.
فترات حكم العرب للشام قبل الميلاد وبعده. قبل الإِسلام
لقد استدرجنا البحث والتنقيب في مختلف المصادر عن تاريخ العرب في الشام قبل الميلاد وبعده - قبل الإِسلام - إلى أن نؤلف كتابًا خاصًّا بهذا الشأن اسمه (العرب في الشام قبل الإِسلام) ذكرنا فيه بالتفصيل كل ما عثرنا عليه من معلومات على الوجود العربي في الشام منذ أقدم العصور ابتداء بعهد عاد الثانية حتى ملوك الغساسنة الذين كانوا آخر من حكم الشام من العرب (باسم الرومان) قبل الإِسلام.
стр. 1685
فليرجع إلى هذا الكتاب. من يهمه الإِلمام بتفاصيل الوجود العربي في هذا الجزء الحيوى من العالم (الشام) الذي يسميه الجغرافيون القدامى (سُرة معالم). لكونه يحتل مكان وسط المعمورة في تلك العصور.
أما في هذا التمهيد، فإننا سنتحدث (باختصار) عن الوجود العربي في الشام قبل الإِسلام (وبصفة خاصة عن الوجود السياسي والعسكري).
عهود الحكم العربي في الشام قبل الإِسلام
يمكننا - حسب ما توفرت لدينا من معلومات في مختلف المصادر التاريخية الإِسلامية والإِسرائيلية والفارسية واللاتينية واليونانية - أن نقسم الوجود العربي الحاكم في الشام قبل الإِسلام إلى عهود رئيسية ثلاثة هي:
١ - عهد ما قبل بني إسرائيل.
٢ - عهد ما قبل الميلاد وبعد ظهور بني إسرائيل.
٣ - عهد ما بعد الميلاد حتى دخول الشام في حوزة الإِسلام.
عهد ملوك عاد
فالعهد الأوّل هو عهد ملوك عاد ولم يعثر أحد حتى الآن من المؤرخين (وبأية وسيلة من الوسائل) على معلومات يمكن عن طريقها معرفة التاريخ الذي به ابتدأ وانتهى ملك هؤلاء العاديين للشام. كما أن أحدًا من المؤرخين (شرقيين وغربيين) لم يستطع الحصول على عدد محدد لملوك عاد الذين ملكوا الشام. وكل ما ذكره الإِخباريون الإِسلاميون أن شداد بن عاد بن عوض بن إرم ابن سام بن نوح - والمعبر عنه بعاد الثانية - هو أول من انضوت الشام تحت ملكه.
ونظر الكون نبي الله نوح (﵇) هو الجد الرابع لشداد بن عاد الذي هو أول من ملك الشام من العرب (على رأى الإِخباريين) - وإذا أخذنا بعين الاعتبار الرأي القائل بأن إنسان عصر نوح وعصر جيل العاديين يعيش أكثر