← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ما جاء في القرآن الكريم. هكذا تقول مصادر الإِخباريين الإِسلامين العرب ومن هاجر إليهم ودخل في الإِسلام من بني إسرائيل الذين يمكن الاعتماد على نقلهم، لأنَّ أهل الكتاب من بني إسرائيل أقرب من غيرهم إليهم وأوعى لأخبارهم (١). وفي المصادر التاريخية الغربية الأجنبية. إشارات واضحة تعضد ما يقوله الإِخباريون الإِسلاميون من أن عادا كانوا قد استوطنوا الشام وسينا وحكموا تلك المناطق. فقد ذكر بطليموس (Forster. Woi. ٢٨٢) أن عادا قد كان لهم وجود في المناطق الممتدة من الشمال الغربي لجزيرة العرب مرورًا بأيلة (إيلات) على رأس ساحل خليج العقبة حتى المنطقة التي تسمى (بتيه بني إسرائيل) وهي في شبه جزيرة سيناء. قال الدكتور جواد على في كتابه (تاريخ العرب قبل الإِسلام) (٢) ولا يبعد هذا الموضع عن أماكن (ثمود) الذين ارتبط اسمهم باسم عاد. وقد أيد هذا الرأي (شبنكر) وجماعة من المستشرقين وهو أقرب الآراء إلى الصواب. كما دلت الحفريات على أن الأقرب إلى الصواب إلى أن (إرم ذات العماد) التي ذكرها القرآن عند التعرض لذكر قوم عاد هي في الشام لا في جنوب الجزيرة العربية. وهذا يوافق ما ذهب إليه المسعودى (وهو من أشهر المؤرخين والجغرافيين العرب) فقد ذكر أن جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم وهو الذي بني في الشام (إرم ذات العماد) وهو الذي اختط دمشق ومصيرها عندما كان ملكًا على الشام (٣) أما (موريتس) البحاثة. فقد أيد أيضًا ما ذهب إليه (بطليموس) من أن إرم (أي إرم ذات العماد) هي في مكان ما من الشام الذي كان خاضعًا لحكم قوم عاد العرب - قبل ثمود وقبل ظهور بني إسرائيل وقد سماه باللاتينى (Aramaua) وقد ساند موسل رأى

стр. 1682

(موريتس) في مطابقة المكان الذي ذكره (بطليموس). وقد أظهرت الحفريات التي قام بها المعهد الفرنسى في القدس ما يسند القول بأن عادًا كانوا ملوكًا للشام. وإن لهم وجودًا أكيدًا فيها. إذ ورد في الكتابات النبطية التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف على جبل (رم) أن اسم الموضع هو (إرم) (١) فيتضح من هذه الكتابات النبطية أن هذا الموضع من حافظ على اسمه القديم الذي صار يعرف أخيرًا برم بدلًا من (إرم) (٢). وفي عام ١٩٣٢ م. قام (Horsfield) من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية بحفريات في موضع جبل (رم)، ويقع على مسافة "٢٥" ميلًا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادي، وعلى مقربة منه (عين ماء) ووجد في جانب الجبل آثار جاهلية قديمة، وقد حملت اكتشافاته هذه واكتشافات " Sayignac" التي قام بها في ذا المكان، واكتشافات "كليدن HaroldW. Gljdden" على القول. . إن هذا المكان هو موضع "إرم" الوارد ذكره في القرآن الكريم (٣) والذي كان قد حل به الخراب قبل الإسلام، فلم يبق منه عند ظهور الإِسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام - مصر - الحجاز (٤). وينفى الأستاذ جورجى زيدان في كتابه - العرب قبل الإِسلام - ص ٧٦ أن يكون المنقبون عن الآثار وجدوا فيما عثروا عليه من آثار أي ذكر يتعلق (بعاد). ويظهر أنَّه لم يطلع على ما اطلع عليه الدكتور جواد على مما أثبتته

стр. 1683

الحفريات في الشام من ذكر ضريح لعاد (إرم ذات العماد) وما قاله عنهم المؤرخ الشهير (بطليموس) كما تقدم. ورغم بعض الاضطراب الذي يعتور حديث الإخباريين عن الكيفية التي ملك بها قوم عاد الشام، فإن هناك ما يشبه الاتفاق بين المؤرخين الإِسلاميين واللاتينيين واليونان على أن هناك وجودًا كان لعاد في الشام، لا سيما بعد العثور على الآثار التي أظهرتها الحفريات في فلسطين والأردن والدالة على الاسم الذي يطابق الاسم الذي أطلقه القرآن عليهم وهو اسم (إرم). ولا ينفى كون الحفريات أثبت وجود اسم عاد (إرم) مكتوب على الآثار في فلسطين والأردن وهي (حسب التقسيم الجغرافي القديم) جزء من الشام. . لا ينفى أن تكون هناك آثار أخرى مكتوبة في مناطق أخرى من الشام كمنطقة (دمشق) التي ذكر بعض الإِخباريين العرب أن ملوك عاد (العرب) هم الذين أول من أسسها وبناها. . لا ينفى أن تكون هذه الآثار الدالة على وجودهم موجودة ولكن التنقيبات لم يعثر القائمون بها على شيء منها حتى الآن. وقد يعثرون في المستقبل عليها. كما عز عشاق البحث عن الآثار. عن مدن عظيمة في أمريكا الجنوبية وبعض مناطق آسيا يعود تاريخها إلى آلاف السنين. المدة التي ملكت عاد الشام فيها أما المدة التي استمرت فيها الشام في ظل ملوك (عاد) فلم نر فيما بين أيدينا من مصادر إسلامية أو غير إسلامية ممن أشاروا إلى وقوع الشام ضمن دائرة الجبابرة من ملوك (عاد) - لم نر أحدًا في هذه المصادر، ذكر المدة والتاريخ اللتين خلالهما استمر ملوك (عاد) حكامًا للشام. وكل ما وجدناه في هذه المصادر هو الإِشارة فقط إلى عناصر من أجيال (عاد) كانوا قد ملكوا الشام. وبما أن بحثنا في هذا التمهيد. إنما هدفه إيضاح الصلة الوثيقة القديمة التي كانت للعرب بالشام قبل الإِسلام بعدة قرون مما يؤكد أن الشام كانت

стр. 1684

بلدًا عربيًّا قبل الإِسلام بالآف السنين، فإننا نكتفى بهذا القدر من تاريخ (عاد) تلك القبيلة الجبارة العاتية التي لم تبلغ أمة من الأمم حتى اليوم مثلها في قوة الجسم ومتانة البنية. ومن أراد الاطلاع على تفاصيل تاريخ ملوك هذه القبيلة التي أهلكها الله بالريح الصرصر بعد أن كفرت بالله وكذبت نبيها وأخاها هود (﵇) فليرجع إلى مصادر التاريخ الرئيسية مثل الطبري والمسعودى وابن خلدون والدينورى وأمثالهم من أئمة التاريخ. العرب هم سكان الشام الأصليون منذ فجر التاريخ إنه بعد النظر في مختلف المصادر التاريخية (إسلامية ولاتينية ويونانية وغيرها) تبيّن لنا بكل وضوح أن الشام كانت (وظلت) موطنًا للعرب منذ عهد (عاد الثانية) حتى سيطرت عليها جيوش الإِسلام في عهود الخلفاء الراشدين. وأن أجيالًا من العرب "رغم تقلب الأحوال في الشام وتعاقب الأنظمة المختلفة والمد والجزر للذين تعرض لهما سلطان العرب عبر العصور السحيقة جدًّا في الشام" ظلت هذه الأجيال العربية هي العنصر الأساسي الذي يتكون منه سكان الشام الأصليون، وما الرومان وقبلهم الإِسرائيليون الذين يظن البعض أنهم سكان الشام الأصليين إلا عناصر دخيلة على الشام بأقاليمها الأربعة (فلسطين والأرون وسورية ولبنان) جاءوا، إما مما وراء البحار (كالرومان) وإما مما وراء شرقي نهر الفرات أو غربي سيناء (مصر الفرعونية) كالإِسرائيليين. فترات حكم العرب للشام قبل الميلاد وبعده. قبل الإِسلام لقد استدرجنا البحث والتنقيب في مختلف المصادر عن تاريخ العرب في الشام قبل الميلاد وبعده - قبل الإِسلام - إلى أن نؤلف كتابًا خاصًّا بهذا الشأن اسمه (العرب في الشام قبل الإِسلام) ذكرنا فيه بالتفصيل كل ما عثرنا عليه من معلومات على الوجود العربي في الشام منذ أقدم العصور ابتداء بعهد عاد الثانية حتى ملوك الغساسنة الذين كانوا آخر من حكم الشام من العرب (باسم الرومان) قبل الإِسلام.

стр. 1685

فليرجع إلى هذا الكتاب. من يهمه الإِلمام بتفاصيل الوجود العربي في هذا الجزء الحيوى من العالم (الشام) الذي يسميه الجغرافيون القدامى (سُرة معالم). لكونه يحتل مكان وسط المعمورة في تلك العصور. أما في هذا التمهيد، فإننا سنتحدث (باختصار) عن الوجود العربي في الشام قبل الإِسلام (وبصفة خاصة عن الوجود السياسي والعسكري). عهود الحكم العربي في الشام قبل الإِسلام يمكننا - حسب ما توفرت لدينا من معلومات في مختلف المصادر التاريخية الإِسلامية والإِسرائيلية والفارسية واللاتينية واليونانية - أن نقسم الوجود العربي الحاكم في الشام قبل الإِسلام إلى عهود رئيسية ثلاثة هي: ١ - عهد ما قبل بني إسرائيل. ٢ - عهد ما قبل الميلاد وبعد ظهور بني إسرائيل. ٣ - عهد ما بعد الميلاد حتى دخول الشام في حوزة الإِسلام. عهد ملوك عاد فالعهد الأوّل هو عهد ملوك عاد ولم يعثر أحد حتى الآن من المؤرخين (وبأية وسيلة من الوسائل) على معلومات يمكن عن طريقها معرفة التاريخ الذي به ابتدأ وانتهى ملك هؤلاء العاديين للشام. كما أن أحدًا من المؤرخين (شرقيين وغربيين) لم يستطع الحصول على عدد محدد لملوك عاد الذين ملكوا الشام. وكل ما ذكره الإِخباريون الإِسلاميون أن شداد بن عاد بن عوض بن إرم ابن سام بن نوح - والمعبر عنه بعاد الثانية - هو أول من انضوت الشام تحت ملكه. ونظر الكون نبي الله نوح (﵇) هو الجد الرابع لشداد بن عاد الذي هو أول من ملك الشام من العرب (على رأى الإِخباريين) - وإذا أخذنا بعين الاعتبار الرأي القائل بأن إنسان عصر نوح وعصر جيل العاديين يعيش أكثر

стр. 1686

من ألف سنة - وهو رأى صحيح يسنده القرآن الكريم - (١) فأنه يمكن القول. . أن عادًا ملكوا الشام قبل الميلاد بأكثر من عشرة آلاف سنة. وقد تحدثنا ما أمكننا التحدث عن ملك (عاد) للشام فيما مضى من هذا التمهيد فلنكتف بهذا القدر. عهود العمالقة ورغم بعض الاضطراب الذي يعترى حديث المؤرخين عن من الذي ملك الشام من العرب يعد هلاك قوم عاد وانتهاء ملكهم فإنَّه يكاد يكون من المؤكد أن جيلًا من العمالقة هم الذين ملكوا الشام بعد (عاد) وأن منهم الشاسو (الهكسوس) الذين يطلق عليهم بعض المؤرخين اسم (الرعاة) الذين غزوا مصر عبر سينا وقهروا المصريين، وأن ملكًا لهؤلاء العمالقة كان في مصر والشام حوالي ٣٥٠٠ ق. م وأن منهم أيضًا ملوكًا كانوا يحكمون الشام حوالي ٢٠٠٠ ق. م. ويؤكد المؤرخ اليهودى (يوسفوس) أن الشاسو (الهكسوس) هم من العرب الذين جاءوا من الشام (حسبما نقل عن المؤرخ الإِسكندرى مانثون) وغلبوا على مصر وضربوا الجزية على أهلها. وكانوا يصدون محاولات الآشوريين لغزو مصر. وأن هؤلاء الهكسوس (العرب) الذين عبروا سينا إلى مصر من الشام. أقاموا لهم حامية في مصر في الحصون والقلاع بلغت ٢٤٠٠٠٠ جنديًّا.

стр. 1687

كذلك يذكر الإِمام ابن خلدون أن العمالقة كانوا حوالي ٢٠٠٠ ق م ملوكًا للشام وأن القبط استنصروهم. فسيطروا على مصر واستعبدوا القبط. فكان من نسلهم فرعون إبراهيم وفرعون يوسف وفرعون موسى. وإن فرعون إبراهيم اسمه (سنان بن الأشل) وفرعون يوسف اسمه (الريان بن الوليد) وفرعون موسى اسمه (الوليد بن مصعب). وهي أسماء عربية صريحة. العمالقة السكان الأصليون للشام وإذا كان هناك ما يشبه الإِجماع بين المؤرخين (من مختلف الأجناس) على أن ملكًا عظيمًا كان للعمالقة في الشام وما حواليها كمصر والعراق وجزيرة العرب منذ ٤٥٠٠ ق م فإن أحدا من المؤرخين (فيما وصل إلى علمنا) لم يضع أية قائمة لملوك هؤلاء العمالقة الموغلين في القدم، ولا جدولًا لسنى حكمهم التي استمروا طوالها ملوكًا على الشام. كما أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر شيئًا مفصلًا ذا بال عن أعمالهم في الشام في تلك العهود السحيقة التي مضى على بدئها أكثر من خمسة آلاف سنة. اللهم إلا ما كان لأحفادهم من الأنباط والتدمريين الذين تحدث المؤرخون (وخاصة المغربيون) عن أعمالهم وعدد ملوكهم وسنى حكمهم بإسهاب وتفصيل. إلا أن مما لا مشاحات فيه أن نسل العمالقة ظلوا (منذ آلاف السنين) حتى عهد آل أذينة من ملوك (تدمر) هم السكان الأصليين للشام. وأن ملوكًا من أعقابهم ظلوا يحكمون الشام كلها وأجزاء منها أحيانًا عبر أحقاب طويلة. كان الملك فيهم (على ما يبدو) بين مد وجزر إلى أن برزت من أعقابهم على مسرح التاريخ بروزًا كبيرًا إمبراطوريتان عظيمتان في الشام هما إمبراطورية (الأنباط) الذين جاء ذكرهم في التاريخ (كمحاربين) أول ما جاء في القرن السابع قبل الميلاد. وإمبراطورية آل أذينة الذين أخذ ذكرهم في الشهرة والنبوغ حوالي عام ٧٠ م إلى أن بلغوا ذروة المجد والسؤدد في أواخر القرن الثالث للميلاد في عهد الإِمبراطورة زينوبيا (الزباء) (١).

стр. 1688

كذلك مما يدلّ على أن عنصر العمالقة ظل ذا شأن في الشام عبر الأحقاب، ورغم تغلب بعض الأمم الأخرى على الشام. هو أن ما أشار إليه المؤرخون الإِفرنج أن ملكًا اسمه (جنيدب) وملكتين اسم إحداهما (زبيبة) والأخرى سمسى (شمس) كانوا يحكمون أجزاء من الشام عام ٨٥٣ - ٧٣٠ ق. م وكانوا جميعًا قد حاربوا الأشوريين (١). كما تقدم في هذا التمهيد. ملوك الأنباط أما العهد الرئيسى الثاني من العهود الرئيسية للعرب الذين ملكوا الشام فهو عهد الأنباط الذين هم من أحفاد العمالقة العرب. فقد ظهر هؤلاء الأنباط في الشام كشعب شديد الشكيمة وذا مقدرة قتالية فائقة كقبائل بدوية شديدة المراس ثمَّ ملوك كوَّنوا لهم إمبراطورية مترامية الأطراف. ظهروا هكذا حوالي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتعاقب منهم على الملك في الشام ١٨ ملكًا، أولهم الحارث الأوّل تسنم سدة الملك في منطقة البطرا (البتراء) عام ١٦٩ ق. م وآخرهم، مالك الثالث تولى الملك من عام ١٠١ حتى ١٠٦ بعد الميلاد. وقد ازدهر ملك العمالقة الأنباط بالتدريج حتى تحول إلى إمبراطورية مترامية الأطراف شملت الشام كلها وسيناء وجانبًا من دلتا النيل. غربًا وما بين النهرين في العراق شرقًا. وحتى وادي القرى وتبوك وديار ثمود في الجزيرة العربية جنوبًا (٢). محاربة الأنباط لليونان كما قلنا. كان الأنباط شعبًا بدويًا محاربًا قوى الشكيمة وحتى قبل أن تتكون مملكتهم وينصب عليها ملوك ذو تيجان كانوا كعشائر محاربة قوية الشكيمة. يحاربون الإِمبراطوريات ويهزمون جيوشها ففي حوالي عام ٣١٢ ق. م هزمت عشائر الأنباط جيوش الإِسكندر المقدونى التي كان يقودها قائد جيوشه

стр. 1689

الشهير (أنطيغونس) حيث أبادوا قوات هذا القائد الذي كان يقودها للسيطرة على عاصمتهم بطرا (البتراء) فهزموه شر هزيمة فنجا بجلدته (وما كاد) ولم يبق معه من جيشه على قيد الحياة سوى خمسين مقاتلًا، رغم أنَّه كان يقول في ذلك الهجوم أربعة آلاف جندى من المشاة، وستمائة فارس أبيدوا على أيدى عشائر الأنباط ولم يبق منهم سوى قائد الجيش وخمسين جنديًّا. وذلك على أثر مطاردة عنيفة قام بها عشائر الأنباط للجيش اليونانى. الذي كان قد باغت ديارهم في حالة غياب المحاربين عنها. فأحرز بعض الانتصارات حيث جاس خلال الديار. وقتل كل من قاومه من الأنباط الذين هاجمهم جيشه وباغتهم في ديارهم بعد منتصف الليل. واستولى على كل ما وصلت إليه يده من الماشية والذهب والفضة والبخور والتوابل وكل المنقولات. ثمَّ انسحب تاركًا بلاد الأنباط خرابًا. فتعقبه المقاتلون منهم الذين كان أكثرهم غائبًا ساعة هجوم المقدونيين. فانتقموا من جيش الإِسكندر شر انتقام حيث أبادوه عن بكرة أبيه ولم ينج منه سوى خمسين فارسا تمكنوا من الإِفلات على صهوات الخيل من بينهم قائد الجيش (أنطيغونس) (١). هجوم الأنباط على اليهود واحتلالهم القدس وكما انتصر الأنباط على المقدونيين عام ٣١٢ ق. م ولقنوهم درسًا لا ينسونه. فإنهم (وبقيادة ملكهم الحارث) حاربوا اليهود وأنزلوا بهم الهزائم حتى ضربوا الحصار على أورشليم وطوقوها بخمسين ألفًا من المشاة والفرسان وكادت تسقط في أيديهم لولا اضطرار الملك الحارث لفك هذا الحصار. ليسوى ما بينه وبين الرومان الذين احتل قائدهم (سكورس) دمشق التابعة لمملكة (بطرا) وذلك عام ٦٦ - ٦٥ ق. م وفعلًا سوى الملك الحارث ذلك النزاع فصالح الرومان في ذلك. وعاد الملك الحارث في ذلك الوقت إلى ضرب الحصار على القدس، فاحتلها بالاشتراك مع جيوش الرومان الذين نكلوا باليهود وشردوهم بعد أن دمروا أورشليم وخربوا الهيكل وأزالوه من الوجود (٢).

стр. 1690

صلة الأنباط بالرومان أما صلة الأنباط (العرب) بالرومان (قبل الميلاد وبعده) فقد كانت متقلبة، فقد كان أباطرة روما، قبل الميلاد وبعده يحاولون القضاء على مملكة الأنباط واحتلال عاصمتهم بطرا (البتراء) لتتم لروما السيطرة الكاملة على الشام ومصر. ولكنهم كثيرًا ما يصطدمون بمقاومة عنيفة من ملوك دولة البادية القوية الشكيمة فيكفون عن عدوانهم. فيلجؤون إلى المهادنة وأحيانًا إلى محالفة ملوك (البتراء) وعندما يرون أن الفرصة قد سنحت لهم لضرب ملوك الأنباط والإِطاحة بهم لا يترددون في ذلك لذلك كانت الحرب (إن نشبت) بين عرب البتراء وبين الرومان سجالًا. وكثيرًا ما يُلحق الأنباط أشنع الهزائم بالرومان ومن يحالفهم ضد ملوك (البتراء) مثلما فعلوا بـ (هيروديس اليهودى) عميل الرومان وعاملهم على مملكة (يهوذا) والذي (بمساندة الرومان) حاول إخضاع الملك العربي (الحارث) ملك بطرا (البتراء) فاصطدمت جيوش الحارث بجيوش (هيروديس) على حدود مملكة الأنباط. وتم النصر الساحق لملك الأنباط (الحارث) على هيروديس. حيث شتت شمل جيوشه. فاستنجد (هيروديس) بسيده (طيباريوس) قيصر روما ليعينه للقضاء على الملك العربي (الحارث) فحاول القيصر إنجاد (هيروديس عميله) لتدمير مملكة الأنباط. فتحرك القائد الروماني فيتليوس (Vitellius) بأمر من القيصر لنجدة (هيروديس) ومساندته في محاولته القضاء على ملك الأنباط (الحارث). ولكن القائد الروماني عجز عن تنفيذ المهمة. فلم يتمكن من إنجاد (هيروديس) فظل مكسور الجناح يجتر آلام الهزيمة الشنعاء التي أنزلها به ملك البتراء العربي الحارث. حتى تضعضع حال الملك (هيروديس) فقبض عليه الرومان - بعد أن غضبوا عليه - ثمَّ نفوه إلى أسبانيا مبعديه بذلك عن عرشه في مملكة إسرائيل الواقعة ضمن دائرة النفوذ الروماني. حدثت هذه الأحداث الخطيرة عام ٣٦ - ٣٧ بعد الميلاد. . هكذا جاء في تاريخ اليهودى (يوسيفوس) ص ٢١٤ - ٢١٥ (١).

стр. 1691

كما أن الأنباط تضطرهم الظروف أحيانًا إلي مهادنة الرومان وبصورة أقرب إلى الخضوع والتبعية، وأحيانًا إلى المصادقة والتحالف والمشاركة في حروب ضد عدو مشترك. الرومان يزحفون إلى بطرا فيصالحهم ملكها العربي ففي حوالي عام ٤٧ قبل الميلاد وفي عهد ملك الأنباط (مالك الأول) تعاظم سلطان الرومان في الجهات الشمالية من الشام. فطمع قائدهم (سكورس Scaurus) فزحف بجيوش كثيفة قاصدًا إسقاط الملك النبطى (مالك الأوّل) وتدمير عاصمة ملكه بطرا (البتراء) وبقية مدنه. فلما بلغ الملك (مالك) نبأ هذا الزحف الشامل - وكان مالك هذا حكيمًا بعيد النظر - قام بمعادلة بين قواته وبين قوات (سكورس) الروماني الزاحفة. فرأى أنَّه من الانتحار مقاومة الرومان والإِصرار على محاربتهم لأنَّ جيوش المملكة غير قادرة على مقارعة جيوش القيصر. فراسل القائد الروماني وجرت مفاوضات بين الفريقين انتهت بالصلح بين الأنباط والرومان على أن يدفع ملك الأنباط للرومان مبلغًا من المال. وتم على أثر ذلك التحالف بين الرومان والأنباط. كان موقف الأنباط في هذا التحالف (دونما شك) أشبه بموقف التابع. رغم بقاء المملكة مستقلة في البتراء. يدلّ على هذه التبعية القائمة في صورة تحالف. أن ملك الأنباط (مالك الأوّل) شارك بقوات من جيشه جيوش يوليوس قيصر في حصارها للإسكندرية عام ٤٧ قبل الميلاد. وذلك في عهد ملكة مصر الخليعة (كلوبطره) صاحبة أنطونيو والتي قضى القيصر عليها وأزال ملكها. الرومان يطيحون نهائيًا بمملكة الأنباط ورغم ما يبديه الرومان من صداقة لملوك الأنباط. فإن أطماعهم في السيطرة على مملكة البتراء العربية ظلت كامنة في نفوسهم. فظلوا لذلك يتحينون الفرص لإِزالة هذه المملكة العظيمة من الوجود. فكانوا يفشلون في كل محاولة يقومون بها لتحقيق أطماعهم. بسبب تماسك الأنباط وقوة شكيمتهم لكون الروح البدوية القتالية في نفوسهم متأصلة باقية، والبادية في كل زمان ومكان يكونون أشد الناس صبرًا على القتال وحفاظًا على الكرامة.

стр. 1692

غير أن الترف وروح الدعة والتمتع بلذائذ التمدن القاتلة حلت (بمرور الزمن) محلّ التقشف وخشونة البادية بين مختلف طبقات الشعب النبطى، فهبطت الروح القتالية العالية التي كان يمتاز بها الجند البدوى النبطى وكانت مصدر هيبته التي كانت تملأ نفوس الرومان فيتهيبون الاعتداء على الأنباط رغم قلة عدد المحاربين في هؤلاء الأنباط. وكثرة الرومان الغامرة. وعندما شعر الرومان بركون الأنباط إلى الترف وبهبوط روحهم القتالية التي كانوا يمتازون بها. قامت جيوشهم (بمساندة المصريين) بالزحف على مملكة الأنباط، فلم يجدوا منهم تلك المقاومة الشرسة التي يلقونها منهم في مختلف العصور. لذلك أزال الرومان (وبسهولة) مملكة الأنباط من الوجود بعد أن احتلوا (ولأول مرة) عاصمة ملكهم الصخرية الجبلية (البتراء) وذلك في عهد الإِمبراطور (تراجان) عام ١٠٦ بعد الميلاد وكان الملك النبطى الذي قضى الرومان على الملكة في زمانه هو مالك الثالث وهو الثامن عشر من ملوك الأنباط (١). مملكة تدمر العربية تدمر (بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم) مدينة صحراوية بالشام وهي تقع في أطراف البادية التي تفصل الشام عن العراق، وكأنها واحة في الصحراء أو جزيرة في الماء، تبعد عن دمشق ١٥٠ ميلا نحو الشمال الشرقي، ونحو مائة ١٠٠ ميل من حمص، وسفر خمسة أيام على الإِبل بن الفرات، شكلها منبسط تحيطها جبال تفصل بينها وبين صحراء البادية الممتدة من أطرافها. فتدمر عبارة عن أطراف بادية من الشمال، فكل ما وراءها نحو الجنوب رمال قاحلة، لا ماء فيها ولا نبات، كانت تلك البادية مثلثًا. رأسه (تدمر) في الشمال وساقاه حدود العراق في الشرق، ومشارف الشام في الغرب وقاعدته شمالي جزيرة العرب (٢).

стр. 1693

متى بنيت ومن الذي بنى تدمر ؟ إن هدفنا من هذا التمهيد إنما هو إعطاء القارئ لمحة عن صلة العرب (بتدمر العتيدة) ثمَّ صلة عرب تدمر بالشام كلها، ثم صلة عرب تدمر بالرومان قبل الإِسلام. ومع ذلك فإننا لا نرى مانعًا من أن نتحدث (باقتضاب) عن كيف ومتى ومن الذي قام ببناء مدينة (تدمر). تدمر وملك آل أذينة أما العهد الرئيسى الثالث من عهود الوجود العربي في الشام وأعظمها "قبل الإِسلام" فهو عهد أسرة آل أذينة التي كانت عاصمة ملكهم "تدمر" بالشام. وآل أذينة من جيل عربي صميم يرجح أنهم من بقايا العمالقة الذين كان لهم دور عظيم (بعد هلاك قوم عاد) في حكم الشام والعراق والناحية الشرقية من مصر والشمالية والوسطى من جزيرة العرب. وكذلك شعب تدمر هو شعب عربي صميم "ورغم بعض الأقوال الواهنة التي تزعم أن الزباء ملكة تدمر هي من نسل رومانى أو فرعونى" (١). فهناك اتفاق بين الإِخباريين الإِسلاميين والباحثين المؤرخين الغربيين من رومان ويونان على أن أهل مملكة "تدمر" - شعوبًا وملوكًا هم عرب أقحاح. رغم وجود بعض الجاليات غير العربية بينهم كاليهود وأمثالهم من الأجناس الأخرى. فوجود هذه الجاليات غير العربية أمر طبيعى في مدينة عظيمة ذات ازدهار تجارى عظيم مثل تدمر التي كانت "لقرون طويلة المضخة التجارية الرئيسية التي منها وعبر قنواتها تتلقى أسواق العالم الرئيسية السلع والبضائع". شعب تدمر العربي أما الشعب العربي الذي يمثل سكان مملكة تدمر. فهو خليط من بقايا مختلف قبائل العرب الموغلة في القدم "العمالقة عاد، نهد، قضاعة، سليح،

стр. 1694

وحلوان" وكذلك الجيش الرئيسى للمملكة يتكون من هؤلاء العرب هكذا صرح العلامة ابن خلدون في تاريخه (١). والإِخباريون الإِسلاميون جميعهم. "تقريبًا" يقولون هذا القول الذي يقوله ابن خلدون. وقد نسب ابن خلدون والمسعودى أسرة آل أذينة "حكام وملوك تدمر" إلى العمالقة، فقال كلاهما في نسب زينوبيا "الزباء" أعظم ملوك آل أذينة شأنًا. قالا. . هي الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوثر العملاقى (٢). أما المؤرخون اليونان والرومان. فلا خلاف بينهم في أن شعب تدمر "حكامًا ومحكومين" هم من العرب. وقد استنتجوا هذه الحقيقة وأثبتوها بطريقة لا تقبل الشك. من الكتابات والنقوش التي وجدوها على آثار تدمر القائمة حتى اليوم والتي حل خبراؤهم رموزها وترجموا أحرفها، فوجدوها مسجلة أسماءًا عربية لشخصيات بارزة من الملوك والقادة والأمراء والمعبودات لديهم. وقد أكد البحاثة الكبير المختص ببحث تاريخ العرب قبل الإِسلام الدكتور جواد على في كتابه "تاريخ العرب قبل الإِسلام" وكذلك الأستاذ جورجى زيدان في كتابه "العرب قبل الإِسلام" كلاهما أكدا، أن مملكة تدمر مملكة عربية رغم الطابع الروماني اليونانى والآرامى الغالب على كثير من حالاتها الثقافية والعمرانية (٣). من الذي بنى مدينة تدمر ؟ لقد اختلف الإِخباريون الإِسلاميون في من الذي بني مدينة "تدمر" كما اختلفوا في تحديد الوقت الذي بنيت فيه هذه المدينة الموغلة في القدم، واسم الذي كان أول من بناها.

стр. 1695

وتلك عادة المؤرخين والإِخباريين فيما يختص بتاريخ الشعوب والمدن التي كانت قبل الإِسلام بعهود طويلة، وخاصة إذا كانت خارج محيط جزيرة العرب. فقد ذكر ياقوت في معجمه أن البعض يزعم أن تدمر مما بنته الجن لنبي الله سليمان بن داود (﵇)، ويعقب ياقوت على هذا الزعم فيقول: . ولكن الناس إذا رأوا بناء عجيبًا جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن ومن ناحية أخرى يزعم أهل تدمر أن بناء مدينتهم كان قبل نبي الله سليمان بأكثر مما بيننا وبين سليمان وقيل سميت "تدمر" باسم امرأة اسمها "تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن نزيد بن عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح" ثمَّ يقول ياقوت وهي من عجائب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام (١). وهناك أقاويل كثيرة يذكرها الإِخباريون حول من الذي شيد هذه المدينة العظيمة "تدمر". والذي لا خلاف فيه هو أن آثار تدمر العظيمة الباقية حتى اليوم تدل على قوة وعظمة الأمة التي قامت ببناء هذه المدينة. ويدل فحص الخبراء المختصين لآثار تدمر على أن هذه المدينة قد بنيت وأسست قبل الميلاد بقرون طويلة، ويرجح أنها كانت منذ القرن السادس "قبل الميلاد" محطة للقوافل التجارية بين الشرق والغرب. وبين مناطق الشرق نفسها - جزيرة العرب والعراق وإيران ومصر والهند وآسيا الصغرى والحبشة أيضًا - إلا أنها لم تبلغ أوج مجدها السياسي والتجارى إلا في أوائل القرن الثالث للميلاد وحتى أواخر هذا القرن حيث قضى الإِمبراطور "أورليانوس" على مملكة تدمر التي بلغت عن العظمة والقوة إلى أن زحفت ملكتها الداهية الشجاعة زينوبيا (الزباء) بجيوشها فعبرت البوسفور وحاصرت القسطنطينية قاصدة احتلال روما نفسها فصمد لها الإِمبراطور المذكور، فأخرجها عن التراب الأوروبى، وما زال أمرها في تأخر. حتى تحصنت في عاصمتها "تدمر" ثمَّ استسلمت للرومان بعد حصار دام ثلاث سنوات، وبعد ضروب من الشجاعة والبسالة والثبات أذلت مجلس الشيوخ في روما. وجعلت

стр. 1696

الإِمبراطور الذي كان يحاصرها يكتب لمجلس الشيوخ في روما - حين وجهوا إليه اللوم لعجزه ثلاث سنوات عن اقتحام مدينة تتولى مسئولية الدفاع عنها امرأة -". . إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب. إننى أحارب وأحاصر امرأة إذا حاربت فهي أرجل من الرجال" (١). تدمر قبل ملوك آل أذينة مما لا جدال فيه أن بقايا العمالقة من العرب كانوا هم المسيطرين على مدينة تدمر وما حواليها من الصحراء وكانوا يحكمون تلك المنطقة قبل الميلاد بعدة قرون. إلا أنَّه لا في التاريخ الإِسلامي ولا في التاريخ الأوروبى وجد "قبل ملوك آل أذينة" اسم حاكم من حكام تدمر، رغم مرور قرون عديدة قبل الميلاد على الوجود العربي في هذه المدينة وما حواليها من بادية الشام. غير أن سياق المؤرخين الغارفين من المصادر اليونانية والرومانية تشير إلى أن تدمر كانت عريقة في الحضارة والسيادة والملك وأنها كانت قبل الميلاد تحكم من قبل مجلس شيوخ من أهلها العرب، على الطريقة اليونانية وإنها كانت مملكة نموذجية فرئيس مجلس الشيوخ في "تدمر" قبل الميلاد "وقبل أن يتسلط عليها الرومان" يسمى "البرويدروس". وهو تعبير يونانى (٢). تدمر والرومان وطوال قرون متعاقبة حاول الرومان إدخال "مملكة تدمر العربية" ضمن ممتلكات ما وراء البحار التابعة لروما ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا حتى عام ١٣٠ بعد الميلاد إذ استولى عليها الإِمبراطور هدريان وغير اسمها إلى هادربانا بالميرا. وكانت آخر محاولة فاشلة قام بها أباطرة الرومان قبل الميلاد للاستيلاء على مملكة تدمر هي تلك المحاولة التي قام بها الإِمبراطور "ماركس أنطونيوس" في

стр. 1697

أواسط القرن الأوّل قبل الميلاد، حيث قاومه وهزمه جيش تدمر بقيادة مشايخ من العمالقة الذين منهم تنحدر أسرة آل أذينة أبرز ملوك تدمر الذين في عهدهم "في القرن الثالث بعد الميلاد" بلغت تدمر قمة الحضارة والسيادة والمجد. بين البتراء وتدمر ويظهر أن شأن "تدمر" كان في عهود ملوك بطرا "البتراء" من الأنباط خاملًا بسبب عظمة سلطان إمبراطورية الأنباط الذين تقع عاصمتهم في جنوب الشام نفسها والتي كانت طوال عدة قرون قبل الميلاد وبعده في صراع مع روما التي قضى أباطرتها عليها عام ١٠٦ ب. م كما فصلناه فيما مضى من هذا التمهيد. غير أنَّه يمكن القول. . أن "تدمر" أخذت "منذ أواخر القرن الأوّل بعد الميلاد" تستعيد حيويتها ونشاطها. حيث أخذت مملكة الأنباط في ذلك العهد في الضعف والتفكك. وما زالت تدمر تأخذ صعدًا في النمو والازدهار حتى صارت أعظم محطة للقوافل التجارية وقلب العالم الوحيد النابض بالتجارة بين مختلف أقطار الشرق والغرب. وخاصة في عهود الأسرة المالكة من آل أذينة. ملوك تدمر البارزين ومما لا جدال فيه أنَّه كان هناك "منذ أن سيطر هدريان على تدمر عام ١٣٠ ب. م" صراعًا بين شعب تدمر وبين المحتلين الرومان ولكن لم يصل إلى علمنا كيف كان مستوى هذا الصراع اللهم في عهود آل أذينة الذين قضوا في النهاية على سلطة الاحتلال الروماني. وإذا كانت بطرا (البتراء) عاصمة الأنباط العرب قد دلت آثارها "جنوب الشام" على أن ١٨ ملكًا تعاقبوا على عرش مملكة الأنباط، فإن تدمر "رغم أنها أعظم شأنًا من البتراء سواء من الناحية السياسية أو الحضارية أو العسكرية" فإنَّه لم يرتبط اسمها (في مجال شهرة الحكم والسياسة والحرب) إلا بأسماء أشخاص أربعة من أهلها العرب العمالقة وهم:

стр. 1698

١ - أذينة وهو أكبر. . ولم يذكر المؤرخون "على ما وصل إلى علمنا" هو أذينة ابن من. وإنما يطلق عليه اسم أذينة الأكبر. على أساس أن له ابنًا خلفه في الملك والسلطان اسمه أذينة أيضًا. ٢ - أذينة بن أذينة. وهو أذينة الأصغر. ٣ - وهب اللات بن أذينة الأصغر. ٤ - الزباء واسمها عند الرومان واليونان "زينوبيا" وهي زوجة أذينة الأصغر ووالدة وهب اللات والوصية عليه باعتباره خلف أباه على العرش وهو قاصر لم يبلغ مبلغ الرجال. العصر الذهبي في تاريخ تدمر بعد الميلاد رغم أن آثار "تدمر العربية" تدل على أنها كانت ذات حضارة عريقة ومجد تليد عريقين في القدم، إلا أن العصر الذهبي الذي عاشته "تدمر" -كما هو في مصادر التاريخ الروماني واليونانى لا العربي الذي كانت مصادره ليس فيها شيء ذو بال عن هذا العصر الذهبي - العصر الذهبي هذا الذي عاشته "تدمر" بعد الميلاد يمكن القول إنه بدأ بعهد أذينة الأكبر وتعاظم فيه مجد أسرة آل أذينة حتى بلغ القمة في عهد الملكة الأسطورة زينوبيا "الزباء". يبدأ هذا العصر في أواخر النصف الأوّل من القرن الثالث للميلاد. أي في عهد الملك أذينة أكبر. وهو أول حاكم من آل أذينة أطلق عليه اسم "ملك" بعد الميلاد، وبعد أن أخضع الإِمبراطور "هدريان HEDRIAN شعب تدمر لسلطان روما وقضى على حكمه الوطنى. الرومان يغتالون أول ملوك تدمر فمنذ عام ١٣٠ بعد الميلاد "وهو العام الذي تمت فيه السيطرة الكاملة للرومان على تدمر" والشعب التدمرى ذو النجدة والبأس يتململ تحت وطأة الحكم الأجنبي، ولا يخفى نفوره وتبرمه بسيطرة الرومان الغرباء على بلاده. ولم تغلب هذه الحقيقة عن بال أباطرة "روما"، فكانوا لذلك يخشون هذا الشعب المحارب الشرس القوى البدوى ذا الروح القتالية الجارية فيه مجرى الدم في عروقه. فهو من نسل العرب العمالقة الذين كانوا "ولقرون طويلة" سادة

стр. 1699

المشرق "مصر والعراق وأرمينيا وآسيا الصغرى وشمال ووسط وشرقى الجزيرة العربية". لذلك ولكى يكبحوا من جماح هذا الشعب العربي المحارب. . صاروا يتوددون إلى زعيمه آن ذاك "أذينة الأكبر". ففي أواخر الأربعينات من القرن الثالث للميلاد. منحت روما "أذينة الأكبر" الحاكم باسمها على "تدمر"، منحته لقب عضو مجلس شيوخ. ولكن ذلك لم يعجبه كوطنى مخلص وفى لبلاده وشعبه، يرفض "في قرارة نفسه" أن يكون أداة - عن طريق هذا اللقب لقب عضو مجلس الشيوخ - لقهر شعبه وإخضاعه للاستعمار الروماني. لذلك تخلى عن عضويته في مجلس الشيوخ أي أنَّه رفض هذا المنصب الذي منحته روما إياه. ولم يكتف أذينة الأكبر بتحدى الرومان حين رفض اللقب الذي منحوه وهو عضوية مجلس الشيوخ، بل ذهب في التحدى إلى أبعد من ذلك. حيث خلع على نفسه "بمساندة شعب تدمر" اسم "ملك". وكان أذينة الأكبر شجاعًا باسلًا أحبه قومه من أهل المدينة الخالدة "تدمر" وأيده وأعطاه ولاءه كل مشايخ قبائل البادية المحيطين في الصحراء بالعاصمة "تدمر". وكانوا جيلًا محاربًا ذا قدرة قتالية ممتازة. فصار يعمل سرًّا "وبمساندة شيوخ القبائل وأهل تدمر نفسها" على التخلص من كابوس الاستعمار الروماني الذي جثم على صدر شعب "تدمر" منذ عام ٣٠ ب. م. . ووصل إلى علم مجلس الشيوخ في "روما" وهو السلطة العليا في الإِمبراطورية الرومانية. وصل إلى علمه، ما يقوم به أذينة الأكبر من مساع لتحرير تدمر والشام كلها من نير الاحتلال الروماني. ولما كان أذينة الأكبر هو الحاكم الفعلى "لتدمر" رغم ارتباطه وتبعيته في الظاهر لروما، فإن الرومان رأوا "ولظروف سيئة مختلفة كانت عليها دولتهم في أوربا نفسها" أن ليس من مصلحتهم أن يلجأوا إلى محاربة أذينة الأكبر الذي

стр. 1700

تحدّاهم وأعلن نفسه ملكًا على تدمر. لذلك لجأوا للتخلص منه إلى أيسر الطرق فاغتالوه عام ٢٥١ بعد الميلاد. وكان الذي تولى اغتياله أحد القادة الرومان اسمه "روفينوس". وذلك بأمر من قيصر روما. وبهذا الاغتيال ظن الرومان أنهم أزاحوا من أمامهم في المشرق خصمًا عنيدًا بإزاحته سيصفو لهم الجو هناك. غير أن صنيعهم هذا كان بداية النهاية لسيطرتهم لا على الشام وحدها بل على المشرق كله (١). أذينة الأصغر الملك الثاني لتدمر ترك الملك أذينة الأكبر بعد اغتياله ولدين ذكرين اسم أحدهما خيران وهو الأكبر، واسم الثاني أذينة، وهو الأصغر. وبعد مصرع الملك أذينة الأكبر في تلك الظروف التي أرادها الرومان أن تكون غامضة ولكنها كانت واضحة حيث بات واضحًا لأسرة آل أذينة وكل شعب "تدمر" أن مصرعه كان بتدبير من روما. . بعد مصرع أذينة الأكبر نصب الرومان خيران واسمه عند الرومان "سبتيميوس" نصبوه خلفًا لأبيه حاكمًا على "تدمر" بعد أن منحوه لقب رئيس مجلس الشيوخ في تدمر. ولم يذكر التاريخ أن خيران هذا كان ذا شأن في تاريخ "تدمر". بل كان خامل الذكر. لم يقم بأي عمل يرفع من شأنه. فلم يحرك ساكنًا لمقتل أبيه حتى مات عام ٢٥٨ ب. م بعد أن ترك ولدًا صغيرًا اسمه "معنى". وكان أذينة أصغر من أخيه "خيران" ولكنه كان قويَّ العزيمة بعيد الهمة شجاعًا طموحًا نيّر الذهن خارق الذكاء. وبحكم ظروف البيئة العشائرية التي عليها أهل تدمر. اضطر الرومان إلى تولية أذينة بن أذينة خلفًا لأخيه، حاكمًا بالنيابة عنهم على تدمر وقد منحوه لقب قنصل. وهو لقب عال في عرف التقاليد الرومانية. وكان تولى أذينة الأصغر حكم تدمر في عهد القيصر "والريانوس" عام ٢٥٨ م.

стр. 1701

أذينة الأصغر يسمى نفسه ملك الملوك ويقهر الفرس والرومان سويًا . لم تكن فاتحة عهد أذينة الأصغر فاتحة صفاء ووئام مع الرومان "كما أرادوا" بل كانت فاتحة خصام وتنافر انتهت برضوخ الرومان واعترافهم بسلطة أذينة الأصغر وقبولهم أن يكون السيد الحقيقي للمشرق، مع بقاء ارتباط اسمى له بروما. أزيل هذا الارتباط الاسمى نهائيًا في عهد زوجة أذينة الأصغر والوصية على ابنه القاصر الملك "وهب اللات" والتي قضت على الوجود الروماني في المشرق نهائيًا، بل وزحفت بجيوشها عبر البوسفور قاصدة احتلال روما. حقد أذينة الأصغر على الرومان لما كان أذينة الأصغر الذي منحه الرومان لقب قنصل يعلم أن القائد "روفينوس" هو الذي دبر اغتيال والده الملك أذينة الأكبر. أبت نفسه السكوت على هذه الجريمة. فكتب إلى قيصر روما وكان آنذاك "والريانوس" أن يقتص من قاتل أبيه. القائد "روفينوس". غير أن القيصر تجاهل طلب أذينة الأصغر، ولم يهتم له. فغاظ ذلك هذا الأمير الشاب الطموح الشجاع فحقد على الرومان أشد الحقد. ولكنه كتم غيظه. في انتظار الفرصة المواتية للانتقام من الرومان والانقضاض عليهم وطردهم عن بلاده. أذينة الأصغر سيد المشرق وقاهر الفرس والرومان وفعلًا واتت أذينة الأصغر الفرصة الذهبية فاهتبلها. وعن طريقها قفز إلى القمة فصار سيد المشرق يهابه الفرس والرومان على السواء. فقد صادف أن شنّ الرومان الحرب على الفرس "وهي حرب تقليدية ما زالت قائمة بين الإِمبراطوريتين العتيدتين حتى أزالهما المسلمون من الوجود في وقت واحد". شن الرومان الحرب على الفرس. وزحفت جيوشهم بقيادة القيصر فعبرت البوسفور واخترقت آسيا الصغرى حتى وصلت "الرها" بالقرب من الفرات. وكانت الجيوش الرومانية تتحرك بقيادة القيصر "والريانوس" الذي احتقر أذينة الأصغر فلم يستجب لطلبه المتضمن إنزال

стр. 1702

العقاب بمغتال أبيه أذينة الأكبر. وأثناء زحف القيصر لاحتلال مملكة فارس. صار يتودد إلى أذينة الأصغر ليكون وعشائر تدمر وقبائل الصحراء المحيطة بها عونًا له في حربه ضد الفرس - لذلك منح القيصر أذينة أعلى الرتب وأغدق عليه الخلع والهدايا بسخاء كبير. ولكن أذينة الغاضب الطموح لم يحفل لهذه الخلع والهدايا ففرّقها في شيوخ العشائر ورؤساء القبائل الذين أحبوه ومنحوه كل ولائهم لما فطر عليه من الشجاعة والنجدة. بل ظل الحقد يعمل في نفسه على الرومان وعلى القيصر والريانوس بوجه خاص. وسنحت الفرصة الذهبية للأمير الشاب "أذينة الأصغر" فاهتبلها فضرب عصفورين بحجر. حيث ساعدته الأقدار على أن يجبر الرومان على محالفته والاعتراف به سيد المشرق. وعلى أن يهزم الفرس ويذلهم وينزل الهزائم بهم. فيقهر النقيضين في آن واحد. وقوع القيصر أسيرًا فقد نشبت معركة فاصلة "في الرها" بالقرب من الفرات بين الفرس بقيادة الملك "سابور" وبين الرومان بقيادة الملك "والريانوس" انتهت بانتصار الفرس علِي الرومان انتصارًا ساحقًا. تُوِّج هذا الانتصار بوقوع القيصر نفسه أسيرًا في أيدى قوات الملك سابور. فعاد به إلى عاصمته "المدائن" أسيرًا. وذلك عام ٢٥٩. وقد اغتبط أذينة الأصغر بالنكبة التي نزلت بالقيصر وجيوشه التي فرقتها الهزيمة في "الرها"، فكتب إلى سابور يهنئه بالنصر، ويعرض عليه أن يكون وإياه يدًا واحدة على الرومان لطردهم نهائيًا من الشرق. ولكن كبرياء سابور ملك الفرس وغطرسته. جعلته يقابل عرض الأمير الطموح "أذينة الأصغر" بالإِهانة والاحتقار. حيث كتب يؤنبه. كيف يجرأ "وهو البدوى المتأخر" أن يخاطب ملك الملوك سابور، مخاطبة الند للند. بدلًا من أن يقدم له فروض الطاعة والخضوع والولاء. أليس سابور. هو الذي هزم جيوش روما وقبض على قيصرها أسيرًا؟

стр. 1703

هنا ثارت ثائرة ذلك العملاق العربي "أذينة" فقرر أن يثبت لكسرى الأهوج المتغطرس "عمليًّا" من هو "أذينة بن أذينة" سليل العمالقة. فعقد العزم على الانتقام من القيصر. فتناسى "مؤقتًا" ما بينه وبين الرومان من خصومة. فأبلغهم أنَّه قرر محاربة ملك الفرس سابور. وإنه يقبل أن يكون وإياهم يدًا واحدة على ذلك "الكسرى المتغطرس". ولما كان الرومان في حالة إعياء مادى ونفسى للهزيمة المدمرة التي أنزلها سابور بهم. اغتبطوا اغتباطًا شديدًا للتحول الجذرى في سياسة "أذينة" الذي أبلغهم أنَّه قرر محاصرة المدائن عاصمة الفرس وإطلاق سراح القيصر الأسير فيها "والريانوس". فأمدوه بقوة مما تبقى من جيوشهم في المشرق. واعترفوا به سيدًا على الشام كلها. كحليف لروما. لأنهم كانوا في حالة لا تسمح لهم إلا بأن يستجيبوا لطموح الأمير أذينة. وكان الذي خلف القيصر الأسير "والريانوس" هو القيصر ابنه "فاليونوس". يسمى نفسه ملك الملوك حشد الأمير أذينة بن أذينة جيشًا عرمرما من القبائل الأشداء الشجعان التدمريين. تساندهم بعض القوات الرومانية، ثمَّ تولى أذينة بنفسه قيادة ذلك الجيش. وتحرك به نحو بلاد الفرس. ولما علم سابور "ملك الفرس" سارع وتحرك بنفسه من عاصمته المدائن على رأس جيش من الفرس. وهو لا يشك لحظة في أنَّه سيسحق قوات أذينة الذي كان يسميه "البدوى الحافى". غير أن ظنون الكسرى المغرور خابت. حين التقى به أذينة فيما بين النهرين "دجلة والفرات" وأنزل به هزيمة منكرة. كاد فيها سابور نفسه أن يقع أسيرًا في يد الأمير أذينة بن أذينة. لولا أنَّه ركن إلى الفرار مع فلول جيشه تاركًا نساءه وأمواله وأسلحة جيشه غنيمة بين يدي الأمير أذينة. وبعد هذا الانتصار الساحق الذي سجله الأمير العربي "أذينة على الفرس" خلع على نفسه لقب "ملك الملوك" وهو لقب مختص "فقط" بأكاسرة الفرس. وذلك من أذينة إمعانًا في إذلال الملك سابور.

стр. 1704

أذينة يحاصر عاصمة الفرس ولم يكتف الملك أذينة بتحرير المناطق الواقعة ما بين النهرين وتطهيرها من حكم الفرس. بل ذهب إلى أبعد من ذلك فعبر النهر. وضرب الحصار على المدائن عاصمة الفرس مرتين وكادت تسقط في يده لولا اضطراره إلى فك ذلك الحصار. والتوجه إلى حمص. لمعالجة تمرد قام به أحد القادة الرومان ضده فقضى على ذلك التمرد. حيث قتل القائم به. ثمَّ قرر العودة لضرب الحصار على عاصمة الفرس بغية احتلالها ولكن القدر عاجله حيث لقى مصرعه في حمص على يد ابن أخيه خيران واسمه "معنّى" وذلك في عام ٢٦٧ م. وقد قتل مع الملك أذينة ابنه "هيروديس" في عملية الإغتيال. غير أن أهل حمص "لما يتمتع به الملك أذينة بينهم من احترام" لم يمهلوا ابن أخيه القاتل حتى ألحقوه به، فلم يكد معنيّ بن خيران يعلن نفسه ملكًا على الشام حتى هبرته سيوف أهل حمص فقضوا عليع وعلى العصابة التي ساندته في اغتيال عمه الملك الشجاع المحبوب أذينة بن أذينة. ومن الجدير بالذكر أن الملك أذينة لم يمت حتى وصل سلطانه إلى سواحل البحر الأسود بآسيا الصغرى حيث قهر جيشه قوات القوط الذين نزلوا في اليابسة من البحر الأسود قاصدين احتلال آسيا الصغرى والشام كلها مغتنمبن فرصة انشغال الملك أذينة بمحاصرة طفسون "المدائن" عاصمة الفرس. وبمصرع الملك أذينة بن أذينة انطوت صفحة من أروع صفحات البطولة والطموح والشجاعة والحزم والحنكة السياسية المتمثلة في ذلك الملك الذي عاجلته المنية وهو في عنفوان الشباب (١). الملكة الزباء سيدة المشرق كان أذينة بن أذينة الملك الثاني لتدمر. قد تزوج من فتاة من أسرة آل

стр. 1705

أذينة، عالية الهمة شديدة الحزم نيّرة الفكر واسعة الأفق على مستوى رفيع من الثقافة، فكانت له في حياته خير عون. كان يثق بها إلى أبعد الحدود، لذلك كان ينيبها عنه في إدارة شؤون مملكته المترامية الأطراف، كلما اضطرته الظروف إلى مغادرة العاصمة تدمر، لمباشرة حرب ضد أي من خصومه سواء كانوا من الفرس أو من الرومان. تلكم هي ملكة "تدمر" الذائعة الصيت التي يسميها المؤرخون الإِسلاميون "الزباء" ويسميها المؤرخون الرومان واليونان "زينوبيا". الملكة الوصية على عرش ابنها كان الملك الشاب أذينة الأصغر، قد رزق من زوجه الزباء "زينوبيا" ثلاثة أبناء كلهم ذكور. وكانوا جميعًا عندما جرى اغتيال والدهم الملك "أذينة" دون سن الرشد، وكان أكبرهم سنًّا ابنه "وهب اللات". لذلك بايعه أركان مملكة تدمر ملكًا خلفًا لأبيه. ولما كان وهب اللات "كما قلنا" قاصرًا دون سن الرشد قرر مجلس الشيوخ في "تدمر" أن تكون أمه الزباء "زينوبيا" وصية عليه تدير شئون المملكة نيابة عنه. تدمر تبلغ ذروة المجد في عهد الزباء سارت الملكة الزباء على خطى زوجها الشاب الملك أذينة من حيث الشجاعة والطموح وشدة الحزم واليقظة وحسن التدبير. ورغم أن زوجها الملك الشاب فارق الحياة وهي في ريعان الشباب فإنها لم تفكر في الزواج بعده بل رضيت الترمل فعاشت لأبنائها "وبشهادة المؤرخين الرومان واليونان" كانت الزباء "رغم ترف الملك وعزة السلطان" مثال العفة والاستقامة، والبعد عن المجون. بل صرفت كل اهتمامها إلى تنشئة أبنائها "وخاصة الملك الصغير وهب اللات" على الفروسية وتوسيع الثقافة، والتدرب على شئون الحكم. وقد بلغ بها الاهتمام بتربية ابنها الملك الصغير "وهب اللات" إلى أن جعلته يبلغ في الثقافة إلى إجادة اللغة اللاتينية، وكانت هي نفسها تجيد اللغة اللاتينية واليونانية والمصرية. وكانت تدرب ابنها على تعلم أصول سياسة الملك ليصبح

стр. 1706

"كأبيه" في مصاف القياصرة والأكاسرة. الملكة الزباء تحتل مصر وتعبر البوسفور لم يقف الطموح بالملكة الزباء "الأسطورة" عند حدود الاحتفاظ بحدود المملكة الواسعة المترامية الأطراف التي أسسها زوجها "أذينة بن أذينة" بل دفعت بها همتها العالية وشجاعتها النادرة إلى أن تقود الجيوش بنفسها، فتسجل من الانتصارات العظيمة ما جعلها تضيف أقاليم جديدة واسعة شاسعة إلى رقعة الملك الذي أسسه زوجها. الأمر الذي جعل المؤرخين "اليونان والرومان" يطلقون على مملكة "تدمر" في عهد الملكة "الزباء" اسم "إمبراطورية" ويسمون الملكة الزباء "زينوبيا" باسم "الإمبراطورة" ويلقبونها بسيدة المشرق. ففي عهد الملكة الزباء أزيل "نهائيًا" الوجود الروماني السياسي والعسكري من المشرق. فقد أنشأت أسطولًا بحريًا عظيمًا حمل من شواطئ الشام سبعين ألف مقاتل لاحتلال مصر وذلك بقيادة ساعد زوجها الأيمن والوفى لآل أذينة القائد الشهير "زَبْدا" الذي ضرب الحصار على الإِسكندرية ثمَّ فتحها وسيطرت قواته على مصر كلها، وبذلك أصبحت مصر إقليمًا تابعًا لسلطات الإِمبراطورة "الزباء" وذلك حوالي عام ٢٦٨ ب. م. كما احتلت جيوش الإِمبراطورة الزباء العراق أيضًا وجعلته إقليمًا تابعًا لتدمر. . كذلك سيطرت جيوشها على الجزء الشمالي الغربي من جزيرة العرب حيث وصلت قواتها إلى تبوك ودومة الجندل (١). آسيا الصغرى تسقط في يد الملكة الزباء ولم تكتف الإِمبراطورة العربية العجيبة بإضافة هذه الأقاليم الشاسعة في الشرق والغرب والجنوب إلى رقعة إمبراطوريتها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث زحفت بجيوشها واحتلت كل آسيا الصغرى "تركيا اليوم الآسيوية".

стр. 1707

وهكذا لم يأت عام ٢٨٠ ب. م حتى أصبحت الملكة "الزباء" تحكم الرقعة الشاسعة الممتدة من البحر الأسود ومضيق البوسفور في الشمال حتى حدود النوبة في الغرب بأفريقيا، وتيماء ودومة الجندل بجزيرة العرب في الجنوب، وحدود إيران في الشرق. وهكذا بلغ ملك آل أذينة العمالقة من السمو والعلو والاتساع في عهد الإِمبراطورة "الزباء" ما لم يبلغه في أي عهد من عهودهم. فقد كانت هذه الملكة الفذة "كما وصفها الإِمبراطور أورليانوس" إذا حاربت أرجل من الرجال. أما الحالة الاقتصادية والتجارية والعمرانية والثقافية فقد بلغت في عهدها القمة، فكانت تدمر العاصمة في عهد الزباء تزرى بروما في كثير من النواحى. وذلك بفضل تلك الملكة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلًا بين ملوك وملكات الشرق "قبل الإِسلام". فشل الرومان في استعادة ممتلكاتهم من الزباء عندما بلغت الملكة الزباء هذه المنزلة وأصبحت سيدة المشرق بكل معاني هذه الكلمة. وخاصة بعد أن أزالت آخر أثر للوجود الروماني في التراب الآسيوى كله. شعرت روما بالهوان الذي لم تشعر بمثله حتى في أسوأ الظروف التي كانت فيها جيوش الإِمبراطورية الفارسية تنزل الهزائم بجيوش روما على حدود العراق أو في الشام. إذ لم تستطع جيوش الفرس في أقسى ظروف الجيوش الرومانية أن تقضى على سلطان الرومان في الشام فضلًا عن آسيا الصغرى. بينما استطاعت الملكة العربية (الزباء) أن تفعل ذلك كله في فترة وجيزة لا تتعدى الست سنوات. ولهذا فإن الرومان لم يسكتوا على ذلك الهوان الذي أنزلته بهم تلك المرأة الأعجوبة الملكة الزباء. فقد حاولوا أن يستعيدوا ممتلكات روما فيما وراء البحار من يد الإِمبراطورة (الزباء). ولكنهم لخوفهم بن الملكة الزباء ولعلمهم بما هي عليه من قدرة وحسن تدبير جبنوا عن مواجهتها مواجهة عسكرية مكشوفة أول الأمر. لذلك حاولوا خداعها تحت ستار بقايا الصداقة التي كان

стр. 1708

زوجها قد عقدها مع الرومان عندما قرر محاربة سابور ملك الفرس. فقرر مجلس الشيوخ في روما أن يبعث بجيش كثيف. إلى الشام هدفه في الظاهر استئناف الحرب ضد الفرس. بينما في الباطن هدفه القضاء على سلطان الإِمبراطورة (الزباء) بأيسر التكاليف وعن طريق الخداع. وقد أبلغ مجلس الشيوخ في روما الملكة الزباء بهذا القرار. وتحرك من روما جيش ضخم بقيادة القائد "هرقليانوس" غير أن الحيلة لم تنطل على الإِمبراطورة الزباء "داهية المشرق" التي قد تأكد لديها بطرقها الخاصة أن الهدف من الحملة الرومانية التي نزل جنودها "فعلًا" في اليابسة من آسيا إنما تهدف إلى الإِطاحة بمملكة تدمر. لذلك سارعت الملكة إلى تجهيز جيش ضخم من التدمريين وإخوانهم من بقية القبائل العربية. وقادته بنفسها لمواجهة الجيوش الرومانية التي أخذت تتحرك في آسيا الصغرى. وفعلًا قامت الملكة الزباء "وبأسلوب عاجل صاعق" بمهاجمة القائد الروماني "هرقليانوس" قبل أن يهاجمها. فأنزلت بجيشه هزيمة ساحقة كاد فيها "هرقليانوس أن يقع أسيرًا في يد الزباء" لولا أنَّه نجا بجلدته هربًا تاركًا قائده العام قتيلًا في ساحة الميدان وجيشه ممزقًا بين قتيل وأسير. نهاية الملكة الزباء وعادت الملكة الزباء إلى عاصمة ملكها "تدمر" مرفوعة الرأس بعد أن وضعت طابع الإذلال والإِهانة على قفا الإِمبراطورية الرومانية في معركة "هرقليانوس". وارتفعت الأصوات في روما مستنكرة بهياج أشد الاستنكار. . كيف تقدر أنثى على أن تذل الإِمبراطورية الرومانية إلى هذا الحد الذي لم يصل إليه أباطرة الفرس "خصوم إمبراطورية روما التقليديون" حتى في أعظم الانتصارات التي تسجلها جيوشهم في المشرق على روما؟ . وجاء في مصادر التاريخ الروماني. أن أعضاء مجلس الشيوخ في روما "وهم يحتفلون بتتويج الإِمبراطور كلوديوس" صاحوا بعد أن طردت الزباء آخر جندى لروما في المشرق. أنقذنا يا "كلوديوس" من زينب "يعنون

стр. 1709

الزباء". غير أن القيصر "كلوديوس" ظل عاجزًا أمام قوة الزباء ولم يستطع استعادة شبر من ممتلكات روما التي وقعت فيما وراء البحار في يد الملكة الزباء. بل لقد اضطر القيصر "كلوديوس" إلى مهادنة تلك الملكة الداهية الشجاعة الطموح. خوفًا من أن تزحف بجيوشها على روما نفسها، لأنَّ جحافل التدمريين العرب كانت قد بلغت شواطئ البوسفور والبحر الأسود على مداخل أوربا الشرقية، وقد بلغوا ذروة نشوة انتصارهم. وكما هي سنة الله في خلقه "على الله أن لا يرفع شيئًا إلا وضعه" فإن الملكة الزباء لم تستمر في قمة مجدها الذي بلغته، فقد شاء الله أن يأخذ هذا المجد الذي بنته بسرعة خارقة مذهلة في الانحسار بنفس السرعة حتى ضرب قيصر روما "أورليانوس" الحصار على تدمر عاصمة إمبراطورية الزباء "وبعد حصار دام ثلاث سنوات، وبعد بطولات خارقة أبدتها المملكة الشابة وجيشها الوفى، في معارك طاحنة خاضتها الملكة بنفسها حول أسوار القسطنطينية وفي أنقرة وخلقدونية وإنطاكية وحمص"، استسلمت العاصمة (تدمر) لجيوش القيصر (أورليانوس) ووقعت الإِمبراطورة الزباء وكل أسرة آل أذينة في الأسر وذلك عام ٢٧٣ للميلاد (١). وعاشت الإِمبراطورة (الزباء) في إيطاليا وأبناؤها بقية حياتهم حتى طواهم العدم، وبذلك انطوى بساط أعز، وأقوى، وأرقى مملكة عربية في الشام قبل الإِسلام (٢). قضاعة في الشام وهناك جيل من العرب كان لهم وجود في الشام قبل الإِسلام، وهم عرب (قضاعة) من نسل حمير من القحطانيين. ويظهر أنهم كانوا موجودين في الشام قبل الميلاد، إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يحدد تاريخ تواجدهم في الشام، وتاريخ نزوحهم إليها من جنوب الجزيرة العربية (موطنهم الأصلي).

стр. 1710

وكانوا فيما يبدو "وعلى الأرجح" قومًا رحلًا أول الأمر، ويظهر أنهم كانوا على وفاق مع مملكة تدمر قبل الميلاد وبعده، بدليل أن العلامة ابن خلدون ذكر في تاريخه ج ٢ ص ٥٤٤ أن من بين جنود الملكة الزباء أناس من بني سليح وحلوان كلهم من قضاعة. مشيخة أم مملكة وخلاصة القول أنَّه كان للقضاعيين بالشام في فترة ما بعد الميلاد وجود سياسى وعسكرى، وأطلق بعض المؤرخين عليهم اسم ملوك قضاعة في الشام. غير أن الأقرب إلى الصواب أن مملكة القضاعيين في الشام أقرب ما تكون إلى المشيخة الكبيرة أطلق عليها (تجاوزًا) اسم مملكة. كمملكة أكيدر الكندى في دومة الجندل التي هي في واقعها مشيخة لا مملكة. مساحة مملكة أو مشيخة قضاعة في الشام والذي يرجح القول بأن مملكة قضاعة في الشام أشبه بالمشيخة منها بالمملكة. أنهم: ١ - كانوا تبعًا للرومان طيلة وجودهم في الشام يجمعون لهم الضرائب ويجندون لهم الجنود من أبنائهم ليكونوا ضمن الجيوش الرومانية في حروبها ضد أعدائها من الفرس وغيرهم. ٢ - كانت مملكة أو مشيخة قضاعة. مساحتها ضيقة جدًّا (إذا ما قيست بمساحة مملكة آل أذينة. أو حتى الغساسنة الذين أزالوا وجود قضاعة السياسي والعسكري من الشام). فقد كانت مملكة قضاعة تشمل فقط الشريط الضيق من الشام الممتد على حدود الجزيرة العربية وهي (فقط) منطقة مؤاب ومعان ومؤتة وما حواليها من مشارف الشام والتي تمثل اليوم (فقط) لواء واحد من ألوية المملكة الأردنية الهاشمية المسمى (بلواء الكرك أو البلقاء) في الجنوب. لذلك أطلق المؤرخون الإِسلاميون على مملكة قضاعة في الشام كلمة (مشارف الشام).

стр. 1711

ملوك قضاعة ويذكر الإِخباريون. أن عائلتين من قضاعة تعاقبتا على الملك في مشارف وهما الشام عائلة (تنوخ) وعائلة (الضجاعم). فكان من (تنوخ) على مشارف الشام ثلاثة ملوك هم: ١ - النعمان بن عمرو بن مالك. ٢ - عمرو بن النعمان بن عمرو. ٣ - الحوارى بن النعمان. ومن عائلة الضجاعم (الذين أزالوا ملك أبناء عمومتهم) ملوك ثلاثة أيضًا، هم: ١ - النعمان بن عمرو بن مالك. ٢ - مالك بن النعمان. ٣ - عمرو بن مالك. (١). وبعضهم يذكر أن ملوك الضجاعم خمسة لا ثلاثة. فيضيفون إلى الملوك الثلاثة المذكورين اسم ملكين هما الملكة (مارية أو ماوية) (٢) و (زياد بن هبولة) (٣). آثار ملوك قضاعة في الشام أما آثار قضاعة الحضارية أو العمرانية. أو السياسية أو أعمالهم الحربية أثناء وجودهم شيوخًا أو ملوكًا في مشارف الشام، فلم نجد لها أي ذكر في أي مصدر من مصادر التاريخ الإِسلامي أو الروماني. وكل ما ذكره المؤرخون. أن قضاعة ملكت مشارف الشام فترة من الزمن، وأنهم كانوا منصبين على مشارف الشام من قبل الإِمبراطورية الرومانية، وأن أمرهم انتهى على أيدى أبناء عمومتهم الغساسنة في أواخر القرن الثالث للميلاد (٤).

стр. 1712

وهكذا فإن دور القضاعيين في الشام (كحكام وملوك) كان - قبل الإِسلام - دورًا غير ذي بال إذا ما قيس بأدوار من قبلهم من العرب "كأسرة آل عاد والعمالقة من الأنباط والتدمريين الذين كان دورهم - أعنى التدمريين - أعظم الأدوار في التاريخ العربي في الشام قبل الإِسلام". قضاعة شعب محارب قوي غير أن الذي تجب الإِشارة إليه. هو أن قضاعة رغم زوال ملكهم في الشام قبل الإِسلام على أيدي الغساسنة، فقد ظلوا يستوطنون مشارف الشام (منطقة مؤتة ومعان ومؤاب وما حواليها) ويؤلفون مع إخوانهم الذين - ظلوا حتى ظهور الإِسلام يستوطنون الركن الشمالي الغربي لجزيرة العرب - ظلوا يؤلفون شعبًا قويًّا محاربًا بدرجة ممتازة. قوامه مجموعة من العشائر منهم تتلاحم في منطقتى الحدود بين الشام والجزيرة العربية. ورغم تتويج الرومان للغساسنة ملوكًا على الشام (بما في ذلك المواطن التي كان يملكها القضاعيون) فإن الرومان ظلوا يعتمدون على قضاعة كقوة بشرية ذات قدرة قتالية ممتازة، في حروبهم ضد خصومهم بالإِضافة إلى اعتمادهم على تابعيهم من الغساسنة. ولا أدل على إثبات هذه الحقيقة من أن القوة الرئيسية العربية التي قاتلت المسلمين في معركة (مؤتة الحاسمة) لحساب الرومان، كانت من قضاعة الذين كانوا رأس الحربة في الجيش الروماني الذي خاض - ضد المسلمين - معركة مؤتة في البلقاء بقيادة الأمير تيودور أخو الإِمبراطور (هرقل) عام ثمان للهجرة. حيث كان قائد العرب المتنصرة (وأكثرهم من قضاعة) في هذه المعركة، أحد سادات قضاعة، واسمه مالك بن رافلة. وقد لقى مصرعه في هذه المعركة. كما سيأتي تفصيله في كتابنا هذا إن شاء الله. كيف انتهت قضاعة في الشام أما كيف انتهى ملك قضاعة في مشارف الشام فليس فيما بين أيدينا من مصادر تاريخية (إسلامية أو أجنبية) أية تفصيلات عن الطريقة التي بها تغلب الغساسنة على القضاعيين وحلّوا محلهم في الشام اللهم إلا ما ذكره

стр. 1713

الإِمام ابن خلدون وحمزة الأصفهانى من أن آخر ملوك قضاعة من الضجاعم واسمه (سبيط) لما طالب الغساسنة بالجزية التي كانوا يدفعونها للضجاعم، التقى به أحد الغساسنة الشجعان واسمه (جذع) فقال لسبيط، ألا تقبل سيفى هذا (كان السيف مذهبًا مقبضه وجفنه) بدلًا من الجزية التي تريد منا؟ . قال سبيط: بلى. فقال جذع: خذه. فمد سبيط يده، وتناول غمد السيف، فاستل جذع الغساني نصله وضرب به سبيطًا فقتله، فقيل خذ من جذع ما أعطاك. وذهبت مثلًا ووقعت الحرب بين سليح وغسان فأخرجت غسان سليحًا من الشام وصاروا ملوكها (١). وهكذا انتقل ملك العرب في الشام من بني حمير إلى بني كهلان (٢). الغساسنة في الشام الغسانيون هم جيل من العرب من القحطانيين أصلهم من اليمن، يرجع نسبهم إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهم أبناء عمرو بن عامر (مزيقيا) الملقب (بماء السماء) أحد ملوك مأرب والذي تفرق أبناؤه في مختلف أقاليم الجزيرة العربية والشام والعراق (بعد انهدام سد مأرب) ومنهم اللخميون ملوك الحيرة والغساسنة ملوك الشام. . وكذلك الأوس والخزرج الذين صاروا فيما بعد أنصار رسول الله ﷺ . فعمرو بن عامر (ملك مأرب) هو أبو الملوك الذين ملكوا الشام والعراق. أما اسمه فهو (عمرو بن عامر) مزيقيا ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس (البطريق) بن ثعلبة بن مازن بن الأزد (٣) بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان.

стр. 1714

سبب تسميتهم بغسان والأرجح أن غسان الذي أطلق على من يسمون بهذا الاسم، ليس اسم رجل، وإنما هو اسم لماء في إحدى المناطق بجنوب الجزيرة (اختلف في تحديد موقعها). قالوا: فكل من ورده من أبناء الأزد أطلق عليه وعلى من تناسل منه اسم (غسان) (انظر معجم قبائل العرب للأستاذ رضا كحالة ج ٣ ص ٨٨٤ وما بعدها) وانظر أيضًا (تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٥٨١). كيف ومتى جاء الغساسنة إلى الشام تقدم في هذا التمهيد أن أجيالًا من العرب كانت تسيطر على الشام وتحكمها منذ فجر التاريخ (عاد الثانية قبل بني إسرائيل بقرون طويلة). (الأنباط منذ عهد هيروديس اليهودى عميل الرومان قبل الميلاد وحتى أوائل القرن الثاني للميلاد) وعائلة آل حسان (أسرة أذينة) حتى أواخر القرن الثالث للميلاد. ثمَّ القضاعيون من حمير الذين كانوا آخر من ملك (من العرب قبل الغساسنة) الشام، أو بالأحرى (مشارف الشام) حتى نافسهم الغساسنة وحلوا محلهم في امتلاك الشام (تحت النفوذ الروماني) بعد حروب خسرها الغساسنة وخضعوا لذلك (فترة من الزمن) للقضاعيين يؤدون الأتاوة (الجزية) لهم حتى تغلب الغساسنة نهائيًا وأزالوا ملك القضاعيين بعد أن قتل أحد محاربيهم الفُتّاك (جذع الغساني) سبيطًا القضاعى عندما طلب منه الجزية التي اعتادت قضاعة أن تأخذها من الغساسنة. أما متى جاء الغساسنة إلى الشام، فليس هناك تحديد دقيق لتاريخ مجيئهم إليها، غير أن مما لا خلاف فيه أن نزوحهم إلى الشام إنما كان بعد الميلاد لأنَّ انهيار سد مأرب الذي تفرق بعده أبناء الملك (ماء السماء مزيقيا) - ومنهم الغساسنة - إنما كان في أوائل القرن الأوّل للميلاد (١). مواطن الغساسنة بعد انهدام السد وقبل نزوحهم إلى الشام غير أن الذي تميل إليه النفس بالمقارنة هو أن الغساسنة لم ينزلوا الشام ويستوطنوها إلا في أوائل الستينات من القرن الثاني للميلاد.

стр. 1715

لأنَّ الغساسنة (بعد تفرقهم عقب انهدام سد مأرب) لم يرحلوا رأسًا إلى الشام. بل ذهبوا إلى تهامة شرق البحر الأحمر وهناك تغلبوا على من بها من ملوك عك بن عبد الله بن عبدثان (بالثاء المثلثة) هكذا ضبطه الدارقطني (١) وهناك تغلبوا على من بها من العرب من ملوك عك بن عبدثان وهم (بنو عك بن عبدثان بن عبد الله بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان) وكان نزولهم ببلاد عك ما بين زبيد وزمع، وبعد حروب دارت بين الفريقين كانت الغلبة فيها للغساسنة بعد أن قتلوا ملك عك قتله ثعلبة بن عمرو مزيقيا (٢). الغساسنة في بلاد عدنان ويشم من رائحة حديث الإِخباريين أيضًا أن الغساسنة قبل أن يستوطنوا الشام (وبعد رحيلهم من مأرب) كان لهم وجود عسكرى واستيطان ثابت في بلاد معدّ بن عبدنان بعد حروب خاضوها هناك. وهذا يعني أن الغساسنة (قبل أن ينزحوا إلى الشام) حاربوا العدنانيين كما حاربوا بني عك بن عدثان أبناء عمهم من القحطانيين في تهامة. الأمر الذي يرجح القول: إنهم لم يستوطنوا الشام إلا بعد مرور أكثر من ١٥٠ سنة على تركهم مأرب وقد تركوها في أوائل القرن الأوّل للميلاد. فقد نقل ابن خلدون عن المسعودى. أن الغساسنة - بعد رحيلهم من مأرب - نزلوا بين بلاد الأشعريين وعك على ماء يقال له. . (غسان) بين واديين يقال لهما. . (زبيد وزمع) فشربوا من ذلك الماء فسموا (غسان) وأن حروبًا كانت بينهم وبين معد (أي معد بن عبدنان) إلى أن ظفرت بهم معد فأخرجوهم إلى الشراة وهو جبل الأزد في الشام. (٣). كيف تواجد الغساسنة في الشام ليس هناك (كما قلنا هنا) تحديد دقيق للتاريخ الذي استوطن فيه الغساسنة الشام، لأنَّ ما ذكره المؤرخون عن تاريخ هذا الجيل من العرب فيه

стр. 1716

كثير من الاختلاف وشئ من التناقض. مع إجماعهم على حقيقة واحدة لا سبيل إلى الاختلاف فيها وهي أن الغساسنة قد استوطنوا الشام لعدة قرون من الزمن حتى جاء الله بالإِسلام وأن عدة ملوك منهم قد ملكوا الشام بعد الميلاد وقبل الإِسلام طوال عدة مئات من السنين. ذلك أمر متفق عليه ولا خلاف فيه بين المؤرخين الإِسلاميين والغربيين الإِفرنج رغم اختلاف الفريقين في عدد ملوك الغساسنة وعدد السنين التي ظلوا فيها ملوكًا للشام. حيث يرى حمزة الأصفهانى أن عدد ملوكهم اثنان وثلاثون ملكًا ومدة ملكهم ستمائة سنة (١) بينما يرى المؤرخ الألمانى نولدكه أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة ملوك حكموا الشام مدة تقل عن مائتى سنة (٢). بينما يرى أبو الفداء في تاريخه من جهة أخرى أن ملكهم لم تزد مدته على ٤٠٠ أربعمائة سنة. ويرى المسعودى في مروج الذهب. أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة. وهذا يتفق مع ما قاله الأستاذ الألمانى (نولدكه) وعند ابن قتيبة أنهم ١١ أحد عشر ملكًا، والجرجانى يقول إنهم (فقط) تسعة ملوك (٣). كل هذا الاختلاف لا يؤثر في جوهر الحقيقة وهي أن الغساسنة كانوا ملوكًا للشام قبل الإِسلام لسنين طويلة. . والإِخباريون لهم العذر في هذا الاختلاف. لأنَّ تاريخ ما قبل الإِسلام إنما كانت مصادره مصادر أجنبية كالفارسية والرومانية والإِسرائيلية والسريانية. لذلك لم يكن تسجيل الإِخباريين لإِخبار ما قبل الإِسلام بالدقة التي كانت عليها بعد الإِسلام، حيث استحدث المسلمون أدق طريق للحصول على الأخبار الصحيحة وهي طريقة السند والرواية التي اعتمد عليها أئمة المؤرخين مثل ابن إسحاق والواقدى والطبرى وابن سعد الدين لا يقبلون من الأخبار إلا ما كان عن طريق من يثقون به. أما كيف تواجد الغساسنة في الشام، فالمرجح - واستنادًا إلى البيئة التي كانوا عليها أنهم لم يأتوا إلى الشام كجيوش نظامية غازية فاتحة.

стр. 1717

وإنما جاءوا (أول الأمر) على شكل بدو رحل وكان مجيئهم (على أقرب الأقوال إلى الصواب) في القرن الثاني للميلاد، فاستوطنت عشائرهم أول الأمر المناطق الجنوبية من الشام والمتاخمة لجزيرة العرب والمسماة (بمشارق الشام). ونزلوا البادية. خضوع غسان لملوك قضاعة من الحميريين وصادف أن الغساسنة جاءوا إلى الشام (وهم عن كهلان بن سبأ كما تقدم). . جاءوا إليها والسيطرة الفعلية على مشارفها لجيل من إخوانهم القحطانيين - تنوخ والضجاعم - وهم من أبناء (حمير بن سبأ) أبناء عمومة الغساسنة، والمنافسون التقليديون لهم في الملك حتى في اليمن. . وكان الغساسنة - بحكم انتمائهم إلى ملوك مأرب وأنهم كما يسميهم الإِخباريون - "رهط الملوك" عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام الجنوبية - وكانوا دونما شك عنصرًا محاربًا ذا قدرة قتالية ممتازة - كانوا عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام حاولوا أن ينتزعوا (بقوة السلاح) ما بأيدى أبناء عمهم الحميريين من سلطان هناك بعد أن طالبوهم بالأتاوات فقاومهم أبناء عمهم القضاعيون، فدارت الحرب بينهم (دونما أي تدخل من الرومان الذين كانت الشام في حقيقتها آن ذاك مرتبطة بالتاج البيزنطى لأنَّ الرومان كانوا وقت الصراع بين الغساسنة والقضاعيين في شغل شاغل بمحاربة الفرس) ثمَّ آل أذينة من أهل تدمر. وكان القضاعيون لا يقلون عن رهط الملوك من الغساسنة من حيث الطموح والشجاعة والقدرة القتالية حيث كانوا هم أيضًا جيلًا محاربًا ممتازًا، أليسوا هم كذلك من نسل ملوك حمير؟ رحلوا قبل الغساسنة من جنوب الجزيرة العربية (اليمن) وغلبوا على مشارف الشام بقوة السلاح؟ لذلك قاوم القضاعيون أبناء عمهم الغساسنة حتى قهروهم وتغلبوا عليهم إلى درجة ألزموهم معها أن يدفعوا لهم الأتاوة (الجزية) كدليل على خضوعهم لهم. وبعد أن دارت الدائرة على غسان أقروا بالصغار لقضاعة في مشارف

стр. 1718

الشام (١) واستمروا يؤدون الأتاوة مدة غير قصيرة، بعدها عاد ونشب الصراع المسلح بينهم من جديد بعد أن تمكن أحد فتَّاك غسان وهو (جذع بن عمرو بن المجالد) من قتل رئيس القضاعيين من الضجاعم، وهو سبطة بن المنذر بن داود وفي هذه المرّة تغلب الغساسنة على القضاعيين فأزالوا سلطانهم وغلبوا على ما كان بأيديهم في مشارف الشام (٢) وذلك (على ما يبدو) في أواخر القرن الثالث للميلاد. الغساسنة والرومان يمكن القول. . إن الشام قد دخلت في حوزة الإِمبراطورية الرومانية في القرن الأوّل قبل الميلاد، غير أن الرومان - منذ ذلك العهد - وعرب الشام يسببون لهم المتاعب. وخاصة الأنباط أهل بطرا (البتراء). فقد كان هؤلاء الأنباط أصحاب السلطان المطلق على الشام منذ القرن الرابع قبل الميلاد، بدليل أنهم في ذلك العهد هزموا الإِسكندر المقدونى حين سحقوا جيوشه التي حاولت إخضاعهم بقيادة القائد اليونانى أنطيغونس، الذي أبادوا كامل جيشه البالغ أربعة آلاف مقاتل، والذي لم ينج من جنوده سوى القائد أنطيغونس وخمسين فارسًا. وقد ظل العرب الأنباط (منذ دحرهم لجيوش الإِسكندر) في القرن الرابع قبل الميلاد سادة الشام حتى شمل سلطانهم كل أجزاء سوريا وجزأ من مصر وأجزاء من شمال الجزيرة العربية. ومنذ بدأت الأطماع في السيطرة على المشرق تختلج في نفوس أباطرة روما (قبل الميلاد) كان هؤلاء الأباطرة يحاولون قهر العرب الأنباط وانتزاع الشام منهم، فجردوا عليهم عدة حملات كان نصيبها جميعًا الهزائم والاندحارات، فاضطر الرومان إلى مهادنة العرب الأنباط، حتى ضعفت في نفوسهم الروح القتالية التي يمتازون بها والتي مصدرها الخشونة القبلية البدوية التي أذهبها عنهم وأذابها في نفوسهم ركونهم إلى الدعة والترف وهنا اغتنم الرومان هذا الضعف

стр. 1719

الطارئ فقضوا على سلطان الأنباط وذلك لعام ١٠٦ م (١). رغم قضاء الرومان على مملكة الأنباط العرب ورغم الاستقرار النسبى الذي نعم به الرومان في الشام في فترة ما بين أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الثالث للميلاد، فإنهم ظلوا عرضة للمتاعب التي كان البدو من عرب الشام يسببونها لهم حيث كانوا يشنون الغارات الخاطفة على طرق قوافلهم والأطراف النائية عن عواصم أقاليم الشام ثمَّ يوغلون في الصحارى وشغاف الجبال فلا يقدر عليهم الرومان. ولعل أعظم المتاعب بل أعظم النكبات التي أنزلها جيل من العرب بالرومان في الشام قبل دوران الغساسنة في فلك هؤلاء الرومان، هو ما أصابهم على أيدى بقايا العمالقة من أسرة آل أذينة المنحدرين من أصلاب السميدع العمليقى. وخاصة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الثالث للميلاد حيث أزالت الملكة الزباء الوجود الروماني بكل أشكاله من الشام وعبرت بجيوشها البوسفور مصممة على احتلال روما نفسها. لولا أن القدر أنقذ الرومان بأن تولى أمرهم إمبراطور حازم عنيد هو (أورليانوس) فاستعاد سلطان الرومان المفقود في الشام وقضى على مملكة آل أذينة إلى الأبد (٢). الرومان يقرون الغساسنة على ما في أيديهم: والمرجح أن الغساسنة جاءوا إلى الشام وانتزعوا الأمر من أيدى أبناء عمهم القضاعيين في الجنوب، في الوقت الذي كانت فيه الإِمبراطورية الرومانية تصارع ملوك آل أذينة في سوريا من أجل استرجاع سلطان روما على الشام. وذلك حوالي عام ٢٤٨ للميلاد في عهد أذينة الأكبر. ومنذ ذلك العهد صار الغساسنة حكامًا على مناطق محدودة من الشام تتم توليتهم من قبل أباطرة الروم، غير أنهم كانوا شبه مستقلين بمشيخاتهم التي أطلق عليها الإِخباريون (تجاوزا) اسم ممالك.

стр. 1720

عدد وسني ملوك الغساسنة في الشام أما عدد الملوك منهم والمدة التي كانوا يتداولون الملك فيها بالشام فقد اختُلف فيه اختلافًا كبيرًا كما هو الشأن بالنسبة لأحداث ما قبل الإِسلام فمن المؤرخين (كما تقدم) من يقول: إنهم ٣٢ ملكًا ومنهم من يقول: إنهم ١٠ ومنهم من يقول: إنهم ٩ ومنهم من يقول: إنهم ١١. أما مدة ملكهم فلم أر أحدًا من المؤرخين حاول ضبطها سوى اثنين من المؤرخين كلاهما يبذل الجهد في الدقة والتحرى. أحدهما حمزة الأصفهانى وهو من أقدم محققى الإِخباريين المسلمين، فقد ذكر في كتابه (تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أن عدد ملوك غسان في الشام ٣٢، وأن مدة حكمهم كانت ستمائة سنة (١). والآخر الباحث الألمانى (نولدكه) وهو محقق ألمانى بذل مجهودًا كبيرًا في تحرى تاريخ العرب قبل الإِسلام فقد ذكر نولدكه أن عدد ملوك غسان هم (فقط) عشرة ملوك، وأن مدة حكمهم للشام كانت أربعمائة سنة فقط (٢). أما من ناحية كون ملوك الغساسنة في الشام بلغوا ٣٢، كما ذكره حمزة، فذلك غير مستبعد. لأنَّ كلمة ملك والتي أطلقها الإِخباريون إنما كانت (تجاوزًا) وليست بمعنى أن الشام كلها ليس لها سوى ملك عربي متوج واحد في كلّ عصر. وإنما تعنى في واقعها كلمة (أمير) لأنَّ الغساسنة (منذ جاءوا إلى الشام) وهم يأتمرون بأمر أباطرة الرومان ويحكمون مناطق الشام باسمهم، وملوك الرومان لا يمكن أن يسمحوا لتابع لهم يحكم باسمهم أن يسمى نفسه اسم (ملك). فحكام الغساسنة طوال عهدهم في الشام إنما كانوا في واقعهم أمراء مرتبطين بالتاج البيزنطى أطلق الأخباريون (تجاوزًا) عليهم كلمة ملوك. إذن من الجائز الممكن أن ينصب الرومان (في آن واحد) عدة أمراء من الغساسنة على عدة أقاليم من الشام. فيكون في عصر واحد عدة أمراء منهم
следующие страницы →