كثير من الاختلاف وشئ من التناقض. مع إجماعهم على حقيقة واحدة لا سبيل إلى الاختلاف فيها وهي أن الغساسنة قد استوطنوا الشام لعدة قرون من الزمن حتى جاء الله بالإِسلام وأن عدة ملوك منهم قد ملكوا الشام بعد الميلاد وقبل الإِسلام طوال عدة مئات من السنين.
ذلك أمر متفق عليه ولا خلاف فيه بين المؤرخين الإِسلاميين والغربيين الإِفرنج رغم اختلاف الفريقين في عدد ملوك الغساسنة وعدد السنين التي ظلوا فيها ملوكًا للشام. حيث يرى حمزة الأصفهانى أن عدد ملوكهم اثنان وثلاثون ملكًا ومدة ملكهم ستمائة سنة (١) بينما يرى المؤرخ الألمانى نولدكه أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة ملوك حكموا الشام مدة تقل عن مائتى سنة (٢).
بينما يرى أبو الفداء في تاريخه من جهة أخرى أن ملكهم لم تزد مدته على ٤٠٠ أربعمائة سنة. ويرى المسعودى في مروج الذهب. أن ملوكهم لا يزيدون على عشرة. وهذا يتفق مع ما قاله الأستاذ الألمانى (نولدكه) وعند ابن قتيبة أنهم ١١ أحد عشر ملكًا، والجرجانى يقول إنهم (فقط) تسعة ملوك (٣).
كل هذا الاختلاف لا يؤثر في جوهر الحقيقة وهي أن الغساسنة كانوا ملوكًا للشام قبل الإِسلام لسنين طويلة. . والإِخباريون لهم العذر في هذا الاختلاف. لأنَّ تاريخ ما قبل الإِسلام إنما كانت مصادره مصادر أجنبية كالفارسية والرومانية والإِسرائيلية والسريانية. لذلك لم يكن تسجيل الإِخباريين لإِخبار ما قبل الإِسلام بالدقة التي كانت عليها بعد الإِسلام، حيث استحدث المسلمون أدق طريق للحصول على الأخبار الصحيحة وهي طريقة السند والرواية التي اعتمد عليها أئمة المؤرخين مثل ابن إسحاق والواقدى والطبرى وابن سعد الدين لا يقبلون من الأخبار إلا ما كان عن طريق من يثقون به.
أما كيف تواجد الغساسنة في الشام، فالمرجح - واستنادًا إلى البيئة التي كانوا عليها أنهم لم يأتوا إلى الشام كجيوش نظامية غازية فاتحة.
стр. 1717
وإنما جاءوا (أول الأمر) على شكل بدو رحل وكان مجيئهم (على أقرب الأقوال إلى الصواب) في القرن الثاني للميلاد، فاستوطنت عشائرهم أول الأمر المناطق الجنوبية من الشام والمتاخمة لجزيرة العرب والمسماة (بمشارق الشام). ونزلوا البادية.
خضوع غسان لملوك قضاعة من الحميريين
وصادف أن الغساسنة جاءوا إلى الشام (وهم عن كهلان بن سبأ كما تقدم). . جاءوا إليها والسيطرة الفعلية على مشارفها لجيل من إخوانهم القحطانيين - تنوخ والضجاعم - وهم من أبناء (حمير بن سبأ) أبناء عمومة الغساسنة، والمنافسون التقليديون لهم في الملك حتى في اليمن. .
وكان الغساسنة - بحكم انتمائهم إلى ملوك مأرب وأنهم كما يسميهم الإِخباريون - "رهط الملوك" عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام الجنوبية - وكانوا دونما شك عنصرًا محاربًا ذا قدرة قتالية ممتازة - كانوا عندما استقر بهم المقام في مشارف الشام حاولوا أن ينتزعوا (بقوة السلاح) ما بأيدى أبناء عمهم الحميريين من سلطان هناك بعد أن طالبوهم بالأتاوات فقاومهم أبناء عمهم القضاعيون، فدارت الحرب بينهم (دونما أي تدخل من الرومان الذين كانت الشام في حقيقتها آن ذاك مرتبطة بالتاج البيزنطى لأنَّ الرومان كانوا وقت الصراع بين الغساسنة والقضاعيين في شغل شاغل بمحاربة الفرس) ثمَّ آل أذينة من أهل تدمر.
وكان القضاعيون لا يقلون عن رهط الملوك من الغساسنة من حيث الطموح والشجاعة والقدرة القتالية حيث كانوا هم أيضًا جيلًا محاربًا ممتازًا، أليسوا هم كذلك من نسل ملوك حمير؟ رحلوا قبل الغساسنة من جنوب الجزيرة العربية (اليمن) وغلبوا على مشارف الشام بقوة السلاح؟
لذلك قاوم القضاعيون أبناء عمهم الغساسنة حتى قهروهم وتغلبوا عليهم إلى درجة ألزموهم معها أن يدفعوا لهم الأتاوة (الجزية) كدليل على خضوعهم لهم.
وبعد أن دارت الدائرة على غسان أقروا بالصغار لقضاعة في مشارف
стр. 1718
الشام (١) واستمروا يؤدون الأتاوة مدة غير قصيرة، بعدها عاد ونشب الصراع المسلح بينهم من جديد بعد أن تمكن أحد فتَّاك غسان وهو (جذع بن عمرو بن المجالد) من قتل رئيس القضاعيين من الضجاعم، وهو سبطة بن المنذر بن داود وفي هذه المرّة تغلب الغساسنة على القضاعيين فأزالوا سلطانهم وغلبوا على ما كان بأيديهم في مشارف الشام (٢) وذلك (على ما يبدو) في أواخر القرن الثالث للميلاد.
الغساسنة والرومان
يمكن القول. . إن الشام قد دخلت في حوزة الإِمبراطورية الرومانية في القرن الأوّل قبل الميلاد، غير أن الرومان - منذ ذلك العهد - وعرب الشام يسببون لهم المتاعب. وخاصة الأنباط أهل بطرا (البتراء).
فقد كان هؤلاء الأنباط أصحاب السلطان المطلق على الشام منذ القرن الرابع قبل الميلاد، بدليل أنهم في ذلك العهد هزموا الإِسكندر المقدونى حين سحقوا جيوشه التي حاولت إخضاعهم بقيادة القائد اليونانى أنطيغونس، الذي أبادوا كامل جيشه البالغ أربعة آلاف مقاتل، والذي لم ينج من جنوده سوى القائد أنطيغونس وخمسين فارسًا.
وقد ظل العرب الأنباط (منذ دحرهم لجيوش الإِسكندر) في القرن الرابع قبل الميلاد سادة الشام حتى شمل سلطانهم كل أجزاء سوريا وجزأ من مصر وأجزاء من شمال الجزيرة العربية.
ومنذ بدأت الأطماع في السيطرة على المشرق تختلج في نفوس أباطرة روما (قبل الميلاد) كان هؤلاء الأباطرة يحاولون قهر العرب الأنباط وانتزاع الشام منهم، فجردوا عليهم عدة حملات كان نصيبها جميعًا الهزائم والاندحارات، فاضطر الرومان إلى مهادنة العرب الأنباط، حتى ضعفت في نفوسهم الروح القتالية التي يمتازون بها والتي مصدرها الخشونة القبلية البدوية التي أذهبها عنهم وأذابها في نفوسهم ركونهم إلى الدعة والترف وهنا اغتنم الرومان هذا الضعف
стр. 1719
الطارئ فقضوا على سلطان الأنباط وذلك لعام ١٠٦ م (١).
رغم قضاء الرومان على مملكة الأنباط العرب ورغم الاستقرار النسبى الذي نعم به الرومان في الشام في فترة ما بين أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الثالث للميلاد، فإنهم ظلوا عرضة للمتاعب التي كان البدو من عرب الشام يسببونها لهم حيث كانوا يشنون الغارات الخاطفة على طرق قوافلهم والأطراف النائية عن عواصم أقاليم الشام ثمَّ يوغلون في الصحارى وشغاف الجبال فلا يقدر عليهم الرومان.
ولعل أعظم المتاعب بل أعظم النكبات التي أنزلها جيل من العرب بالرومان في الشام قبل دوران الغساسنة في فلك هؤلاء الرومان، هو ما أصابهم على أيدى بقايا العمالقة من أسرة آل أذينة المنحدرين من أصلاب السميدع العمليقى. وخاصة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الثالث للميلاد حيث أزالت الملكة الزباء الوجود الروماني بكل أشكاله من الشام وعبرت بجيوشها البوسفور مصممة على احتلال روما نفسها. لولا أن القدر أنقذ الرومان بأن تولى أمرهم إمبراطور حازم عنيد هو (أورليانوس) فاستعاد سلطان الرومان المفقود في الشام وقضى على مملكة آل أذينة إلى الأبد (٢).
الرومان يقرون الغساسنة على ما في أيديهم:
والمرجح أن الغساسنة جاءوا إلى الشام وانتزعوا الأمر من أيدى أبناء عمهم القضاعيين في الجنوب، في الوقت الذي كانت فيه الإِمبراطورية الرومانية تصارع ملوك آل أذينة في سوريا من أجل استرجاع سلطان روما على الشام. وذلك حوالي عام ٢٤٨ للميلاد في عهد أذينة الأكبر.
ومنذ ذلك العهد صار الغساسنة حكامًا على مناطق محدودة من الشام تتم توليتهم من قبل أباطرة الروم، غير أنهم كانوا شبه مستقلين بمشيخاتهم التي أطلق عليها الإِخباريون (تجاوزا) اسم ممالك.
стр. 1720
عدد وسني ملوك الغساسنة في الشام
أما عدد الملوك منهم والمدة التي كانوا يتداولون الملك فيها بالشام فقد اختُلف فيه اختلافًا كبيرًا كما هو الشأن بالنسبة لأحداث ما قبل الإِسلام فمن المؤرخين (كما تقدم) من يقول: إنهم ٣٢ ملكًا ومنهم من يقول: إنهم ١٠ ومنهم من يقول: إنهم ٩ ومنهم من يقول: إنهم ١١.
أما مدة ملكهم فلم أر أحدًا من المؤرخين حاول ضبطها سوى اثنين من المؤرخين كلاهما يبذل الجهد في الدقة والتحرى.
أحدهما حمزة الأصفهانى وهو من أقدم محققى الإِخباريين المسلمين، فقد ذكر في كتابه (تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أن عدد ملوك غسان في الشام ٣٢، وأن مدة حكمهم كانت ستمائة سنة (١).
والآخر الباحث الألمانى (نولدكه) وهو محقق ألمانى بذل مجهودًا كبيرًا في تحرى تاريخ العرب قبل الإِسلام فقد ذكر نولدكه أن عدد ملوك غسان هم (فقط) عشرة ملوك، وأن مدة حكمهم للشام كانت أربعمائة سنة فقط (٢).
أما من ناحية كون ملوك الغساسنة في الشام بلغوا ٣٢، كما ذكره حمزة، فذلك غير مستبعد. لأنَّ كلمة ملك والتي أطلقها الإِخباريون إنما كانت (تجاوزًا) وليست بمعنى أن الشام كلها ليس لها سوى ملك عربي متوج واحد في كلّ عصر. وإنما تعنى في واقعها كلمة (أمير) لأنَّ الغساسنة (منذ جاءوا إلى الشام) وهم يأتمرون بأمر أباطرة الرومان ويحكمون مناطق الشام باسمهم، وملوك الرومان لا يمكن أن يسمحوا لتابع لهم يحكم باسمهم أن يسمى نفسه اسم (ملك).
فحكام الغساسنة طوال عهدهم في الشام إنما كانوا في واقعهم أمراء مرتبطين بالتاج البيزنطى أطلق الأخباريون (تجاوزًا) عليهم كلمة ملوك.
إذن من الجائز الممكن أن ينصب الرومان (في آن واحد) عدة أمراء من الغساسنة على عدة أقاليم من الشام. فيكون في عصر واحد عدة أمراء منهم
стр. 1721
قبل أن يتعاظم أمر الغساسنة ويحتاج إليهم الرومان كما حدث في أوائل القرن السادس للميلاد، حينما تغلب الفرس على الرومان بمساعدة عرب الحيرة المناذرة فقهروهم حتى كادوا يحتلون القسطنطينية في عهد القيصر (جوستنيان) الذي كان يعاصر كسرى أنو شروان الذي قاد بنفسه جيوش الفرس المنتصرة.
ففي أوائل القرن السادس للميلاد احتاج الرومان أشد الاحتياج للغساسنة فوحدوهم تحت قيادة رئيس واحد هو الحارث بن جبلة (وهو أشجع وأنبه رجالات غسان على الإِطلاق) وكان بعيد الصيت في تاريخ الرومان لأنه قاد الغساسنة عام ٥٣١ م وساند الرومان في حربهم ضد الفرس، حتى كان دخوله الحرب إلى جانب الرومان من أهم الأسباب التي جعلتهم ينتصرون على الفرس ويستعيدون جميع الأقاليم التي كان الفرس قد اغتصبوها من ممتلكات الرومان في الشام وآسيا الصغرى.
فقد كان الملك الحارث بن جبلة اليد اليمنى للقائد الروماني (بليزاريوس) الذي تولى محاربة الفرس فأبلى الغساسنة تحت قيادته أعظم النبلاء حتى تمكن الجيش الروماني من اجتياز حدود مملكة فارس فاحتل ما بين النهرين. ومن أعظم الخدمات التي قام بها الملك الحارث للإِمبراطورية البيزنطية تدمير جيش المنذر بن ماء السماء وقتله لهذا الملك الذي كان اليد اليمنى ورأس الحربة للجيش الفارسي في المعركة التاريخية الشهيرة التي يسميها الإِخباريون (يوم ذات الخيار أو عين أباغ) (١).
عودة إلى المنطلق
وعليه لا يستبعد إذا أطلقنا على من تولى رئاسة رهط أو قبيلة أو مشيخة في الشام من الغساسنة اسم (ملك) كما هي عادة الإِخباريين بالنسبة لتاريخ ما قبل الإِسلام - لا يستبعد أن يكون ملوك الغساسنة قد بلغوا ٣٢ ملكًا. ومن هنا لا غبار على ما ذهب إليه المحقق حمزة الأصفهانى حين ذكر ذلك في كتابه، لأنَّ هذا المحقق إنما جهد نفسه ونقل أسماء هؤلاء الملوك ورتبها من
стр. 1722
أمهات التاريخ كما وجدها.
غير أن الذي تميل إليه النفس والمرجح (بعد البحث والمقارنة) هو أن الأقرب إلى الصواب أن مدة ملك الغساسنة في الشام هو حوالي ٤٠٠ سنة فقط وهو ما قاله الباحث الألمانى (نولدكه) لا ٦٠٠ سنة كما ذكره العلامة حمزة الأصفهانى، وذلك أن المرجح الغالب على الظن -كما تقدم- أن الغساسنة إنما طلع نجمهم وظهر أمرهم في الشام كأمراء أو ملوك إنما كان بعد زوال ملك بقايا العمالقة من آل أذينة في (تدمر) وذلك إنما حدث حوالي عام ٢٧٥ - ٢٨٠ للميلاد.
فإذا قلنا إن ملكهم بدأ (وهذا هو الصواب) حوالي عام ٢٤٨ بتولى أول ملك منهم على الشام هو -كما جاء في كتب الإِخباريين الإِسلاميين - (جفنة بن عمرو) فإن الذي لا جدال فيه ولا خلاف بين المؤرخين (مسلمين ورومان ويونان) أن آخر ملك حكم الشام من قبل الرومان هو جبلة بن الأيهم الغساني، الذي اعتنق الإِسلام ثم ارتد في عهد الفاروق عمر الذي كانت جيوشه قد استولت على دمشق وكل أقاليم الشام. وذلك إنما حدث حوالي عام ثمانية عشر للهجرة، وهو يوافق (بالتحديد) عام ٦٤٩ م (١) فعلى هذا يكون (وبصورة قاطعة) حكم الغساسنة للشام - منذ نزلوا مشارفها - لم يزد على ٤٠٠ سنة، وهذا هو الذي حققه المؤرخ أبو الفداء (٢).
تاريخ الغساسنة العسكري والسياسي
أما تاريخ الغساسنة السياسي، فرغم هذه المئات من السنين التي كانوا فيها ملوكًا على الشام ورغم تعاقب ذلك العدد الكبير من الملوك منهم على كراسى الحكم في الشام. فإنهم ظلوا منذ بداية حكمهم حتى نهايته تابعين لأباطرة الرومان يأتمرون بأمرهم ويحكمون مناطق الشام باسمهم، ويجبون الضرائب والأتاوات لخزائنهم مع استقلال داخلى هو مطلق دونما شك في شئونهم الداخلية مع عشائرهم.
стр. 1723
فلم يصل إلى علمنا (فيما اطلعنا عليه من مصادر إسلامية أو أجنبية) أن أحدًا من ملوك الغساسنة حاول التمرد على سلطة أباطرة الرومان، فحاول (مثلًا) اقتلاع الوجود الروماني من الشام (كليًّا) والانفراد بها والاستبداد بشئونها وإعلان نفسه ملكًا مطلقًا عليها كما حدث من عرب (تدمر) الذين حاربوا الرومان وطردوهم من الشام نهائيًا بعد أن كانوا مرتبطين بهم وتابعين لهم كما تقدم (١).
إن شيئًا من ذلك لم يحدث، رغم أن الغساسنة كانوا قوة بشرية هائلة وكانوا ذوي مقدرة قتالية فائقة، حيث تعد قواتهم المسلحة من أحسن الجيوش في المنطقة وبلغت في عصور مختلفة عدة مئات من الآلاف.
ومع ذلك فقد ظلوا على ولاء كامل للقسطنطنية وخاصة منذ أواخر القرن الخامس للميلاد. غير أنه قد يحصل بعض الجفاء بين ملوكهم وبين بعض القادة الرومان في الشام، ولكن ذلك لم يصل (في أي عصر من العصور) حد التمرد وإعلان الانفصال من قبل الغساسنة.
كما أن الرومان من ناحيتهم، كانوا على وئام مع الغساسنة مكرِّمين لهم، فلم يحديث (فيما وصل إلى علمنا) أن أحدًا من أباطرة الرومان أساء إلى أي ملك غسانى بالسجن أو التنكيل أو القتل كما حدث من أكاسرة الفرس مع المناذرة العرب في الحيرة بالعراق.
قلة المعلومات عن تاريخ الغساسنة
ومن المؤسف أن الغساسنة مع كونهم قد حكموا الشام طوال أربعة قرون، وكونهم ذوي شأن عظيم فإن المعلومات عن تاريخهم السياسي والعسكري ناقصة إلى حد كبير، عكس خصومهم اللخميين المرتبطين بأكاسرة الفرس، الذين كانت المعلومات عن تاريخهم السياسي والعسكري والثقافى أكثر وضوحًا وأوسع تفصيلًا، مع العلم أن مدة حكم اللخميين للحيرة أقل منها بالنسبة للغساسنة ورقعة ملكهم أضيق من رقعة ملك الغساسنة.
ويظهر أن النقص في المعلومات عن تاريخ الغساسنة، ووفرتها عن تاريخ
стр. 1724
اللخميين والمناذرة، راجع إلى أن تاريخ اللخميين كان مدونًا باللغة الفارسية، وفي أشعار اللخميين أنفسهم إذ وجد كثير من هذا التاريخ في خزائن الحيرة، وفي كنائس من كان منهم على النصرانية.
ولهذا فقد تمكن المؤرخون من أن يترجموا حياة أكثر ملوك الحيرة الذين بلغ عددهم ٢٢ ملكًا ويذكروا الكثير من أعمالهم السياسية والعسكرية والثقافية وحياتهم الاجتماعية. عكس ملوك الغساسنة الذين بلغوا ٣٢ ملكًا. والذين كانوا جميعهم قد دانوا بالنصرانية مع عامة شعوبهم. فهؤلاء جميعهم لم يسجل من أخبارهم السياسية والعسكرية والثقافية (في مختلف مصادر التاريخ شيئًا يذكر) اللهم إلا الملك الحارث بن جبلة الذي كان له تاريخ حافل في مختلف المجالات. والذي يسميه الإخباريون العرب (الحارث الأعرج بن أبي شمر والذي أمه مارية ذات القرطين المذكورة في شعر حسان الشهير) فهذا الملك هو أعظم ملوك الغساسنة شأنًا، فهو الذي سار في مائة ألف مقاتل من الغساسنة واصطدم بمثل هذا العدد من عساكر العرب المناذرة فهزمهم شر هزيمة وقتل ملكهم (المنذر بن ماء السماء اللخمى (١)) فعظم أمره واشتدت شوكته حتى خافه أباطرة القسطنطينية، فتوددوا إليه، وخلعوا عليه أرفع الألقاب (٢). وظل ملك الشام في عقبه يتوارثونه حتى جاء الإِسلام وسيطرت جيوشه على ممتلكات الإِمبراطورية الرومانية في الشام وآسيا الصغرى (تركيا الآسيوية اليوم). وكان آخر ملك من عقبه هو جبلة بن الأيهم.
غسان والإِسلام
وعندما جاء الله بالإِسلام، كان الغساسنة وأمراؤهم إلى جانب الرومان عندما نشب الصراع المسلح بين المسلمين وعساكر الإِمبراطورية الرومانية. فقد كان هؤلاء الغساسنة رأس الحربة في أي جيش رومانى يصطدم بالمسلمين ويظهر أن الغساسنة أشد إخلاصًا للرومان. وأعنف في عدواتهم للإِسلام من المناذرة الذين كانوا تبعًا لأكاسرة الفرس وسنرى في هذا الكتاب، كيف قاتل الغساسنة مع القضاعيين المسلمين بشراسة وعناد إلى جانب الرومان في معركة مؤتة، وكيف
стр. 1725
أن طليعة الجيش الروماني الذي خاض هذه المعركة، كان يقودها (أي الطليعة) الأمير شرحبيل بن عمرو الغساني الذي كان أخوه سدوس أول قتيل يقتل على يد المسلمين لحساب الرومان (١).
стр. 1726
الفصل الثاني مجمل الأحداث العسكرية والسياسية بين معركتي خيبر ومؤتة
* خمس حركات عسكرية.
* عُمرةُ القضاء.
* تأثر المجتمع القرشي بواقع المسلمين في هذه العمرة.
* إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
* اتصالات الرسول ﷺ بملوك وأمراء الشرق الأوسط.
كانت قبائل هوازن تعتبر في منطقة الحجاز وأطراف نجد أقوى قوة ضاربة حيث كان باستطاعتها أن تحشد جيشًا يبلغ مائة ألف مقاتل.
وبعد انتصار المسلمين الساحق في خيبر في السنة السادسة من الهجرة. والذي به انتهى الوجود اليهودى الدخيل في جزيرة العرب بأكملها. لم يبق من العرب (بعد قريش) من يخشاه المسلمون غير قبائل هوازن التي لم تجرب حظها في صدام شامل مسلح مع المسلمين بعد.
أما بقية القبائل العربية الوثنية. فقد خَضد النبي ﷺ شوكتها وشل بحركاته العسكرية الناجحة كل تفكير لديها في التعرض للمسلمين. وخاصة قبائل نجد التي كانت أخشى ما يخشاه العشر الإِسلامي من بين جميع قبائل الجزيرة العربية .. لكون هذه القبائل تعد من أعظم قبائل العرب وأكثرهم
стр. 1727
عددًا .. ولكونها أقرب الوثنيين إلى المدينة حاضرة الإِسلام الأولى والتي طالما تلقت الإنذار بقرب غزو وشيك الوقوع تقوم به هذه القبائل النجدية القوية المحاربة الشرسة ..
فقد قلم النبي ﷺ أظافر هذه القبائل العنيدة وألزمها موقف الدفاع عن النفس بعد أن كانت في موقف الهجوم. تمنى النفس بالإِغارة على المدينة واحتلالها وتصفية الوجود الإِسلامي تصفية دموية .. وقد فعل النبي ﷺ هذا بتلك القبائل في سلسلة من الغارات الوقائية التي كانت تشنها وحدات من جيشه باستمرار على هذه القبائل حتى بعد انتصاره على اليهود في معركة خيبر.
الحملات العسكرية بعد الانتصار في خيبر
فبعد أن انتهى النبي ﷺ من الحرب في خيبر جرد على الأعراب الوثنيين سبع حملات تأديبية أربع جردها على القبائل النجدية وثلاث جردها على قبائل الحجاز.
-١ -
سرية تربة (١). شعبان سنة سبع للهجرة
دورية حربية قام بها عمر بن الخطاب إلى ديار هوازن (٢) الذين تعتبر
стр. 1728
(تربة) يوم ذاك من منازلهم. كانت هذه الدورية تتكون من ثلاثين راكبًا .. كان هدفها على ما يظهر الاستطلاع والحصول على المعلومات وجس نبض هذه القبائل المعادية.
وقد كانت هذه الدورية موجهة إلى عجز هوازن (وهم بنو نصر بن معاوية وبنو جشم (١) بن بكر).
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى: ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلًا إلى عجز هوازن بتربة وهي ناحية العبلات على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران. ومعه دليل من بني هلال (٢) فكان يسير بالليل ويكمن النهار اهـ.
وبالرغم من أن المسافة التي قطعتها هذه الدورية الصغيرة بين المدينة وتربة. لا تقل عن ثلاثمائة ميل وبالرغم من كثرة هوازن المقصودين بهذه الدورية. فإنهم قد هربوا بمجرد علمهم بقرب مقدم عمر بن الخطاب.
قال الواقدي: وأتى الخبر هوازن فهربوا. وجاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدًا. اهـ.
ويظهر أن عمر بن الخطاب. قد تلقى من النبي ﷺ عندما أسند إليه قيادة هذه الدورية -أمرًا بأن لا يتخطى في تحركاته حدود (تربة) بدليل أن ابن الخطاب لما وصل برجاله إلى (تربة) ووجد أن هوازن قد هربوا لمقدمه عاد إلى المدينة دون أن يلقى حربًا. ودون أن يتعقب أولئك الفارين الذين أمر بأن يطأ بلادهم.
стр. 1729
تحقيق الأهداف
وعلى العموم. فقد حققت دورية ابن الخطاب أهدافها على الصعيد المعنوى إلى أبعد الحدود. فقد أثبت اجتياز هذه الدورية الصغيرة، تلك المناطق النائية الممتدة مئات الأميال وسط قبائل كلها لا يزال على شركه عدوًا للمسلمين .. أثبت هذا الاجتياز, أن المسلمين بعد انتصارهم على اليهود في معركة خيبر الحاسمة، أصبحوا سادة الموقف. قد فرضوا هيبتهم علي من تبقى من العرب الوثنية. وأن الرعب والفزع والخوف من قوة المسلمين الحربية قد تمكنت من نفوس تلك القبائل وسيطرت عليها. حتى باتت تخاف لمجرد سماعها بذكر المسلمين.
وإلا فما هو التفسير لأن تتمكن دورية صغيرة لا تزيد علي ثلاثين رجلًا من أن تقطع تلك المسافات الشاسعة. داخل أرضي كل سكانها الذين يعدون بالآلاف، عدو للإِسلام والمسلمين. دون أن يجرأ أحد من هذه القبائل المعادية لهذه الدورية التي جاست خلال ديار هذه القبائل على التعرض لها.
تأثير سقوط خيبر على معنويات الأعراب
إنه لا يمكن إعطاء تفسير لهذه الظاهرة إلا بالقول: إن استيلاء المسملين على معاقل اليهود في خيبر -التي يعتبر اليهود فيها أقوى قوة ضاربة للكفر في جزيرة العرب من حيث التنظيم وجودة التسليح- قد أثر علي معنويات الوثنيين العرب تأثيرًا كبيرًا إلى درجة تمكن معها ثلاثون رجلًا من المسلمين أن يطأوا بلاد قوم تعد قواتهم الحربية بعشرات الآلاف (وهم هوازن) دون أن يجد هؤلاء المسلمون القليلون من يصمد بوجههم.
المسلمون والانضباط العسكري
أثناء عودة القائد ابن الخطاب. بدوريته من ديار هوزان (بتربة) حدث ما يدل علي أن المسلمين كانوا أسبق الأمم إلي وضع قانون الانضباط العسكري الصارم الدقيق لقواتهم الحربية.
فعندما عاد ابن الخطاب من تربة برجال دوريته -وبينما كان علي مقربة من مناطق معادية اقترح عليه دليله (الهلالى) أن يشن الغارة علي قوم من
стр. 1730
الوثنيين- بإمكانه أن يسجل الانتصار عليهم قائلا: هل لك في جمع آخر من خثعم (١) تقاتلهم؟
فرفض ابن الخطاب هذا الاقتراح قائلًا: لم يأمرني رسول الله بهم. وإنما أمرني بقتال هوزان. وهكذا عاد الفاروق إلى المدينة دون أن يتعرض لتلك القبائل. رغم أنها وثنية معادية للإِسلام والمسلمين. وذلك تقيدًا من الأمير ابن الخطاب بأوامر القائد الأعلى النبي التي حددت له مهمته وهي (فقط) الإِغارة على (هوازن). وهذا هو الانضباط العسكري الصحيح الذي سبق إليه الإِسلام كل النظم والقوانين في العالم.
-٢ -
حملة إلى فدك. شعبان سنة سبع من الهجرة
كان بنو مرة (٢) من القبائل النجدية المعادية للإسلام. وكانت هذه القبيلة أحد الأجنحة الأربعة للقوات النجدية الضاربة التي اشتركت مع قريش واليهود في حملة الأحزاب الشهيرة التي نظمها اليهود لاقتلاع الوجود الإِسلامي من المدينة ومن الجزيرة كلها. وقد كان قائد جناح بني مرة في غزوة الأحزاب الحارث بن عوف المرِّي.
إلا أن هذا الزعيم النجدي رفض مساندة اليهود في خيبر عندما طلب اليهود نجدة غطفان ضد النبي ﷺ . بل لقد نصح الحارث هذا. عيينة بن حصن الفزاري قائد قوات غطفان بأن لا يكرر الخطأ بمساندته اليهود مرة أخرى ضد المسلمين .. ولكن عيينة. رفض نصح الحارث. فساند اليهود فباء بالفشل الذريع. كما هو مفصل في كتابنا (غزوة خيبر).
لم يكن بنو مرة في رفضهم مساندة اليهود في خيبر ينطلقون من إيمانهم بالنبي ﷺ . وإنما ينطلقون من قناعة قائدهم أن فائدة مساندة اليهود لأن النبي
стр. 1731
- ﷺ سينتصر في ملحمة خيبر. كما أخبر اليهود أنفسهم بذلك الحارث بن عوف (١).
أما عداء بني مرة للنبي ﷺ ورغبتهم في الإطاحة به وبدينه. فقد ظلتا على ما هما عليه لم تتغير.
فقد ظلوا للنبي ﷺ أعداء محاربين. ولذلك فقد كانوا في رأس قائمة القبائل الوثنية التي قرر النبي ﷺ بعد انتصاره على اليهود في خيبر- أن يشن عليهم الغارات التأديبية لإرهابهم. وإقناعهم عمليًّا بأنه ليس بإمكانهم أن يعودوا إلى موقف المهاجم في نزاعهم مع الإِسلام والمسلمين.
ففي شهر شعبان (أي بعد خمسة أشهر من فتح خيبر). انتخب النبي ﷺ دورية حربية قوامها ثلاثون رجلًا. وأسند قيادة هذه الدورية إلى بشير بن سعد الأنصاري وكلفه أن يطأ بدوريته الحربية ديار قبيلة بني مرة في فدك الواقعة على أميال قليلة من خيبر .. ليصيب منهم في الأرواح والأموال ما أمكنه ذلك.
وخرج بشير بن سعد من المدينة بدوريته وما زال يسير بها حتى وصل فدك التي لا تبعد عن المدينة أكثر من ستين ميلًا.
وعندما وصل القائد بشير إلى منازل بني مرة (بفدك) لم يجد أحدًا من المحاربين. وإنما وجد رعاة في الشاء والإِبل.
ولدى استجوابه الرعاة، اتضح له أن المحاربين من بني مرة في بواديهم خارج فدك، فاكتفى باستياق الشاء والإِبل كأَموال لعدو محارب. ثم اتجه بها نحو المدينة راجعًا.
بنو مرة يبيدون الدورية
وقد حدث أن أحد الرعاة تمكن من الإِفلات من أيدى رجال الدورية. فانطلق بأقصى سرعة وأخبر المحاربين باستيلاء دورية بشير بن سعد على مواشيهم وجوسهم خلال الديار في فدك.
стр. 1732
وكان بنو مرة (كما قلنا) من أقوى وأشرس القبائل النجدية. وكانوا أهل نجدة وشجاعة.
فعندما تلقوا نبأ الإِغارة على ديارهم واستياق مواشيهم. تسابق رجالهم ليلحقوا بدورية بشير بن سعد. وفعلًا تمكنوا من ذلك.
فقد أدركت طلائع فرسان بني مرة بشير بن سعد ودوريته على مسافة أميال قليلة من (فدك).
وكان بشير بن سعد قد تبلغ من عيونه (استخباراته) نبأ مطاردة بني مرة لدوريته. فتحصن برجاله.
ووصلت طلائع فرسان بني مرة فبادروا بالهجوم. فقابلهم المسلمون بالسهام من تحصيناتهم. فظل الفريقان يترامون بالنبل حتى حجز الليل بينهم.
وكان بشير ورجال دوريته يعتمدون في الدرجة الأولى على السهام في صد الهجوم. ولكن نبال الدورية لكثرة الترامى نفدت. وأصبح القائد بشير ودوريته في وضع حرج للغاية.
فقد توافد محاربو بني مرة أثناء الليل على مكان المعركة. حتى بلغوا عدة أضعاف رجال الدورية الذين لا يزيدون على ثلاثين رجلًا.
فعندما أصبحوا. وجد بشير بن سعد دوريته محاطة بأعداد هائلة من بني مرة الذين شنوا على الدورية هجومًا من جميع الجهات.
فصار هم رجال الدورية الدفاع عن أنفسهم. فاشتبكوا مع المشركين في قتال مرير ضار. ولكن الكثرة تغلب الشجاعة (كما يقولون).
فقد تمكن نبو مرة من التغلب على رجال الدورية، فأبادوهم جميعًا. ولم ينج منهم سوى رجل واحد هو علبة بن زيد الحارثي.
أما قائد الدورية (بشير بن سعد). فقد قاتل قتالًا مريرًا حتى أثخنته الجراح فسقط بين القتلى لكثرة ما أصابه من النزيف الشديد.
فظنه المريون قد قتل. بعد أن فحصوه فلم يجدوا به حراكًا.
واسترجع المرِّيون كل الشاة والإِبل التي استاقتها دورية بشير بن سعد.
стр. 1733
أما بشير نفسه. فإنه -بعد أن انصرف بنو مرة من مكان المعركة- تحامل على نفسه حتى تمكن من الوصول إلى قرية فدك وهناك آواه أحد اليهود الداخلين في ذمة المسلمين. فظل عند اليهودى حتى شفيت جراحه.
أما علبة بن زيد. فقدم على رسول الله وأخبره خبر القوم. ثم لحق من بعد بشير بن سعد.
ولم يذكر المؤرخون أن أحدًا من رجال هذه الدورية قد عاد إلى المدينة. ما عدا (بشير بن سعد وعلبة بن زيد) وهذا يعني أن ثمانية وعشرين من رجال هذه الدورية قد استشهدوا على أيدى بني مرة. (انظر مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٣ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١١٨).
-٣ -
حملة أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد شعبان سنة سبع من الهجرة (١)
وفي شهر شعبان من السنة السابعة للهجرة. بعث النبي ﷺ بحملة عسكرية إلى ديار نجد لإِرهاب وتأديب بني فزارة وبنى كلاب بناحية منطقة يقال لها (ضرية) (٢).
وكان قائد هذه الحملة أبو بكر الصديق .. أسند إليه النبي ﷺ القيام بهذه المهمة.
ولم يذكر أحد من المؤرخين (فيما أعلم) عدد أفراد هذه الحملة.
إلا أن هذه الحملة حققت أغراضها. إذ وطئت ديار الوثنيين من بني كلاب وفزارة فشنت عليهم الغارة. ثم ألحقت بهم الهزيمة. واستولت على كل ما في ديارهم من أموال. وأسرت من لم يتمكن من الهرب من رجالهم وذراريهم.
قال ابن سعد في طبقاته الكبرى مستندًا إلى سلمة بن الأكوع (٣) قال:
стр. 1734
غزوت مع أبي بكر إذ بعثه النبي ﷺ علينا فسبى ناسًا من المشركين. فقاتلناهم. وكان شعارنا (أمت أمت) فقتلت بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين.
وعنه قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر إلى فزارة. وخرجت معه حتى إذا ما دنوا من الماء عرس (١) أبو بكر حتى إذا ما صلّينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر من قتل ونحن معه. قال سلمة فرأيت عنقًا من الناس فيهم الذرارى فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل فأدركتهم. فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب. فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلنى أبو بكر ابنتها. فلم أكشف لها ثوبًا. حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبًا، حتى إذا كان من الغد لقينى رسول الله ﷺ في السوق. فقال: يا سلمة هب لي المرأة. فقلت: يا نبي الله. والله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبًا. فسكت حتى إذا كان من الغد لقينى رسول الله ﷺ في السوق. ولم أكشف لها ثوبًا فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك قال: فقلت: هي لك يا رسول الله.
قال: فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين.
-٤ -
سرية غالب الليثي إلى الميفعة (٢) بنجد .. رمضان سنة سبع للهجرة
وهي حملة عسكرية كبيرة شنها المسلمون على قبائل بني عوال وبنى ثعلبة من النجديين الذين تقع منازلهم شرقي المدينة. وتبعد عن المدينة حوالي تسعين ميلا.
стр. 1735
وبنو عوال وعبد بن ثعلبة هؤلاء هم بطن من غطفان تلك القبيلة الجبارة العاتية التي كانت قد ساندت اليهود وقريشا عمليًّا في غزوة الأحزاب التي استهدف اليهود من ورائها محو الكيان الإِسلامي من الوجود.
فقد كانت تلك القبائل الوثنية المتوحشة أكبر عون في ذلك العدوان المخيف الذي شنته أحزاب الكفر (من اليهود القرشيين) على المسلمين في المدينة عام الأحزاب (السنة الرابعة من الهجرة).
حيث كانت قبائل (غطفان) -التي منها بنو عوال وعبد بن ثعلبة- تشكل أهم الأجنحة في القوات المرتزقة التي استأجرها اليهود لتكون العمود الفقرى في ذلك العدوان الآثم الذي دبره الإسرائيليون وخططوا له في خيبر. قاصدين من ورائه إبادة المسلمين وقطع تيار دعوة الإسلام. ليعود هؤلاء اليهود (على أنقاض الكيان الإِسلامي) سادة ليثرب وحكامًا عليها.
وكانت حملة المسلمين هذه إلى الميفعة بقيادة غالب بن عبد الله الليثي (١) الذي أسند إليه النبي ﷺ أمرها بعد اقتراح تقدم به إلى النبي ﷺ يسار مولاه.
وكان عدد رجال هذه الحملة مائة وثلاثين رجلًا .. وكان دليل هذه الحملة الكبيرة يسار مولى رسول الله ﷺ الذي سلك بهم طريقًا طويلًا غير معروف. حتى تعبوا وكادوا أن يهلكوا لأن أذوادهم قد نفدت قبل أن يصلوا إلى ديار العدو.
وقد خالطهم لذلك الشك في يسار وساورهم القلق في أن يكون جاسوسًا تظاهر بالإِسلام. وجاء بهم ليوقعهم في كمين لغطفان. غير أن ظنونهم سرعان ما تبددت عندما وصل بهم يسار إلى ديار القوم على حين غفلة منهم. وساهم مساهمة كبرى بحنكته ودهائه في أخذهم بغتة دون أن يشعروا، الأمر الذي مكن غالبًا ورجاله من الفتك بهم واجتياح ديارهم دون أن يتمكنوا من المقاومة.
стр. 1736
حيث كان هجوم المسلمين ناجحًا إلى أبعد الحدود .. فبالرغم من كثرة عدد رجال العدو. وكونهم من القبائل النجدية العنيدة المعروفة بالشراسة في القتال. فقد كان همهم الوحيد أن ينجوا بأنفسهم إلى الجبال.
وقد تمكن غالب ورجاله من قتل عدد كبير من أشرافهم. كما نجح غالب في الاستيلاء على أكثر مواشيهم. إلا أن أحدًا من هؤلاء المشركين لم يقع أسيرًا في أيدى رجال غالب الليثي. قال الواقدي يصف هذه الحملة: قال يسار مولى رسول الله ﷺ : يا رسول الله إني قد علمت غرَّة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معى إليهم، فأرسل معه النبي ﷺ غالب بن عبد الله الليثي في مائة وثلاثين رجلًا. خرج بهم يسار، فظعن بهم في غير الطريق حتى فنيت أذوادهم وجهدوا، واقتسموا التمر عددًا فبين القوم ذات ليلة بعدما ساء ظنهم بيسار، وظن القوم أن إسلامه لم يصح، وقد انتهوا إلى مكان قد فحصه السيل (حفرة)، فلما رآه يسار كبر. قال: والله قد ظفرتم بحاجتكم، اسلكوا في هذا الفحص حتى ينقطع بكم، فسار القوم فيه ساعة بحس خفي لا يتكلمون إلا همسًا. حتى انتهوا إلى ضرس من الحرة، فقال يسار لأصحابه: لو صاح رجل شديد الصوت لأسمع القوم، فارتأوا رأيكم، قال غالب: انطلق بنا يا يسار أنا وأنت، وندع القوم كمينًا، ففعلا. فخرجنا حتى إذا كنا من القوم بمنظر العين سمعنا حس الناس والرعاء والحلب، فرجعا سريعين فانتهيا إلى أصحابهما -فأقبلوا جميعًا حتى إذا كانوا من الحى قريبًا- وقد وعظهم أميرهم غالب ورغبهم في الجهاد ونهاهم عن الإِمعان في الطلب وألَّف بينهم -فقال إذا كبرت فكبّروا، وكبروا جميعًا معه، ووقعوا وسط رحالهم فاستاقوا نعمًا وشاءا وقتلوا من أشرافهم، وصادفوهم تلك الليلة على ماء يقال له: "الميفعة قال: واستاقوا النعم فحدروا إلى المدينة، ولم يسمع أنهم جاءوا بأسري اهـ .. وقال ابن سعد في طبقاته: والميفعة وراء بطن نخل إلى النقرة قليلًا بناحية نجد. وبينها وبين المدينة ثمانية برد .. (١).
стр. 1737
أسامة بن زيد يقتل رجلًا مسلمًا
وفي هذه الحملة العسكرية ارتكب أسامة بن زيد خطأ كبيرًا ندم له أسامة أشد الندم. بلغ به إن أنه صار يقول لشدة أسفه- تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
وتفصيل الحادث؛ أن أسامة بن زيد الذي كان أحد جنود هذه الحملة .. كان أثناء القتال قد التقى برجل كان ضمن عسكر المشركين اسمه: مرداس بن نهيك فحمل عليه أسامة. ولكنه قبل أن يتمكن منه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. غير أن ذلك لم يمنع أسامة من قتله- فقتله. بعد أن كف عنه أحد الأنصار لنطقه بالشهادة.
وكان أسامة قد قتل مرداسًا اعتقادًا منه أنه لم ينطق بالشهادة إلا لينجو من القتل. هكذا كان اجتهاد- أسامة.
قائد الحملة يجرى التحقيق مع أسامة
وقد أجرى القائد العام لهذه الحملة تحقيقًا مع أسامة بن زيد أثبت به إدانته بأنه قتل رجلًا مسلمًا. إلا أنه ترك أمره إلى الرسول القائد ﷺ ليرى فيه رأيه.
قال الزمخشرى في الكشاف: إن نهيك بن مرداس كان من أهل فدك (قرية من قرى خيبر). وكان قد أسلم وكان ضمن قومه المشركين أثناء الغارة عليهم. إلا أنه لما رأى خيل المسلمين متقدمة ورأى قومه يفرون أمامها، ألجأ نفسه إلى عاقول من الجبل فلم يهرب وبقى مكانه بثقته بإسلامه فلما تلاحق المسلمون فكبروا بعد النصر كبر مرداس ونزل من العاقول وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقتله أسامة بن زيد وإستاق غنمه- اعتقادًا منه أنه لم يعلن إسلامه إلا خوفًا من الموت.
وقد برر أسامة بن زيد فعله هذا -أثناء التحقيق معه من قبل قائد السرية غالب بن عبد الله الليثي- بأن مرداس بن نهيك لم ينطق بالشهادة إلا بعد أن علاه السيف، الأمر الذي أوجد القناعة في نفس زيد بأن مرداس لم يقلها إلا
стр. 1738
خوفًا من الموت.
فعن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد أن غالب بن عبد الله الليثى وقف خطيبًا في رجال هذه السرية (قبيل العركة) فقال أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعونى ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرًا، فإنه لا رأى لمن لا يطاع، ثم ألف بينهم فقال: يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان -لا يفارق كل رجل زميله- وإياكم أن يرجع إلى أحدكم فأقول: أين فلان صاحبك؟ فيقول: لا أدرى، وإذا كبرت فكبروا. ثم قال: فكبر وكبروا، وأخرجوا السيوف قال: فأحطنا بالحاضر (وفي الحاضر) نعم وقد عطنوا (١) مواشيهم فخرج إلينها الرجال فقاتلوا ساعة، فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم، ونحن نصيح بشعارنا: أمت أمت، وخرج أسامة بن زيد في أثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس فأبعد، وحوينا على الحاضر وقتلنا من قتلنا، ومعنا النساء والماشية، فقال أميرنا: أين أسامة بن زيد؟ فجاء بعد ساعة من الليل. فلامه أميرنا لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ فقال: إني خرجت في أثر رجل جعل يتهكم بي حتى إذا دنوت ولحمته بالسيف قال: لا إله إلا الله. فقال أميرنا أأغمدت سيفك؟ قال: لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب، قال: قلنا والله بئس ما فعلت وما جئت به تقتل امرءًا يقول: لا إله إلا الله؟ فندم وسقط (بضم السين) في يديه قال: واستقنا النعم والشاء والذرية، وكانت سهامهم عشرة أبعرة كل رجل، أو عدلها من الغنم. وكان يحسب الجذور بعشرة من الغنم. (مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٤).
النبي يحقق مع الجندي أسامة
ولم يتخذ قائد السرية غالب الليثي أي إجراء ضد أسامة بن زيد للتصرف الخاطئ الذي تصرفه. بل تركه حتى قدم به على رسول الله ﷺ الذي أجرى معه التحقيق بشأن قتله ذلك الرجل السلم.
стр. 1739
فلدى اطلاع النبي ﷺ على تفصيل الحادث وجد وجدًا شديدًا وأنب أسامة قائلًا: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟
فقال أسامة (أثناء التحقيق): يا رسول الله إنما قالها تخوفًا من السلاح. فقال ﷺ مكررًا ثانية: ألا شققت قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب ثم قرأ قوله تعالى.: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١).
والواقع أن أسامة قد شعر بتأنيب الضمير وأنه قد ارتكب خطأ بقتله مرداس بن نهيك. فقد روى عنه أنه قال: لما طعنت مرداس برمحى فقتلته، وجدت من ذلك موجدة شديدة حتى ما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت على رسول الله فقبلنى واعتنقنى. ولكنه لما علم بإقدام أسامة على قتل مرداس قال: اقتلتموه إرادة ما معه؟ ثم قرأ على أسامة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله فقال ﷺ : فكيف بلا إله إلا الله قال أسامة فما زال يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. ثم استغفر له رسول الله ﷺ بعد أن أدانه أنه قد قتل مؤمنًا خطأ وحكم عليه بأن يعتق رقبة مؤمنة كفارة عما ارتكب لأنه قتل رجلًا مؤمنًا عن إجتهاد خاطئ حيث ظنه مشركًا في حقيقة أمره وأنه إنما نطق بالشهادتين خوفًا من الموت وبعد أن أهوى إليه السيف.
وبهذه المناسبة روى الواقدي عن المقداد بن عمرو الكندى (٢) أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت رجلًا من الكفار يقاتلنى، وضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ منى بشجرة فقال: (أسلمت لله)، أقتله بعد أن قالها؟ (يعني الشهادتين) فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله. قال: فإني قتلته فماذا؟ قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال (٣).
стр. 1740
وقد روى ابن سعد في طبقاته الكبرى. أن أسامة بن زيد- بعد الذي سمع من رسول الله ﷺ أقسم أنه لن يقاتل بعدها أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله مهما كان.
وقال في السيرة الحلبية: إن ذلك هو سبب اعتزال أسامة بن زيد الفتنة الكبرى. واعتذاره عن الاشتراك في القتال إلى جانب أمير المؤمنين على ﵃ أجمعين) أثناء الحرب الأهلية الطاحنة التي نشبت أيام الجمل وصفين. فقد كان أسامة بن زيد ضمن فئة من الصحابة التزموا الحياد من تلك الحروب الدامية المؤسفة. وقد روى عن أسامة أنه قال لأمير المؤمنين على (معتذرًا عن مقاتلة معاوية وحزبه والزبير وصحبه): لو أدخلت يا أمير المؤمنين يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها. ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله ﷺ حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله وقلت له: أعطى الله عهدًا ألا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله (١).
-٥ -
حملة الجناب (٢) شوال سنة سبع من الهجرة
وهي أكبر حملة عسكرية يشنها الجيش النبوى على المشركين في نجد عقب الانتصار الساحق على اليهود في معركة خيبر.
قاد هذه الحملة الكبيرة إلى ديار غطفان وفزارة والقبائل الوثنية المجاورة: بشير بن سعد (٣). وكان هدف الحملة إحباط مشروع غزو كبير كان السيد الأحمق المطاع سيد فزارة عيينة بن حصن قد أعده للزحف على المدينة واحتلالها.
وقد أشرنا أكثر من مرة في مؤلفاتنا السابقة. إلى أن القبائل الواقعة شرقي المدينة (مثل غطفان وفزارة وأسد وأشجع وحنيفة) هم من أشد الناس عداوة
стр. 1741
للنبي ﷺ مع طاقات عسكرية هائلة- سواء من الناحية البشرية أو من ناحية القدرة القتالية حيث إنه معترَف لهذه القبائل بالشراسة في القتال والصبر على النزال.
وقد دل سياق المؤرخين على أنه بإمكان هذه القبائل الوثنية الشرقية. أن تحشد في أسرع وقت جيشًا لا يقل عدده عن عشرين ألف مقاتل.
ولهذا كانت كثرة عددهم وتفوقهم في ميادين الحرب قد أغرتهم أكثر من مرة بالمسلمين حيث حاولوا عدة مرات غزو المسلمين في المدينة وإنهاء وجودهم. وهو أمر لم يجرؤ أحد عليه سوى قريش التي نقلت المعركة ضد المسلمين إلى ضواحي المدينة (أحد) ولكن دون أن تجرأ على التفكير يومها. في احتلال المدينة.
أما هؤلاء الأعراب الشرسون العتاة. فقد كان هدفهم -في كل محاولاتهم الحربية- احتلال المدينة والقضاء على المسلمين فيها قضاء تامًّا .. فعلوا ذلك منفردين. وفعلوه بالاشتراك مع غيرهم من الذين جمعتهم بهم العداوة للإِسلام.
وآخر محاولة خطيرة قام بها هؤلاء الأعراب للإِطاحة بالمسلمين واحتلال المدينة وانتهابها. هي تلك المحاولة التاريخية التي قاموا بها -بالاشتراك مع خيبر ويهود المدينة وقريش- في السنة الرابعة من الهجرة ضمن حلف عسكرى ثلاثي لاكتساح المدينة ونسف الوجود الإِسلامي بأكمله في السنة الرابعة الهجرية.
وقد حاولت هذه القبائل الوثنية مرة أخرى مساندة يهود خيبر لضرب القوات الإسلامية الزاحفة على خيبر وذلك في أوائل السنة السادسة من الهجرة.
ففي هذه السنة جهزت فزارة وبنو أسد وحدهما حوالي خمسة الآف مقاتل. ألف منها رابط مع اليهود في حصونهم بخيبر .. وأربعة آلاف بقيادة عيينة بن حصن تحركت من مضاربها في صحارى نجد لضرب القوات الإسلامية من الخلف. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل على النحو الذي فصلناه في كتابنا السادس من هذه السلسلة (غزوة خيبر).
стр. 1742
وبالرغم من الفشل المتلاحق الذي منيت به هذه القبائل الوثنية الشرقية الشجاعة القوية في كل محاولة تقوم بها للقضاء على المسلمين أو خضد شوكتهم فإن كثرة عدد هذه القبائل الغامر وقدرتهم القتالية الممتازة، ظلا عامل غرور يدفع بهذه القبائل العظيمة المحاربة إلى استضعاف المسلمين والتفكير دائمًا في القيام بغزوهم والإِطاحة بهم وهدم كيانهم داخل عاصمتهم المدينة.
ففي شهر شوال من السنة السابعة للهجرة (أي بعد حوالي سنة كاملة من تصفية اليهود واندحار حلفائهم الوثنيين هؤلاء في خيبر) تبلغت القيادة الإِسلامية في المدينة -عن طريق رجال استخباراتها العسكريين المنتشرين بين مضارب تلك القبائل الوثنية شرقي المدينة أن القائد الفزاري الشهير. عيينة بن حصن يقوم بتحشيد قبائل غطفان وفزارة وأشجع وأسد في منطقة يقال لها "يمن (١) وجبار (٢) "نحو الجناب وهو موضع يعارض خيبر ووادي القرى شمال شرقي المدينة.
وإن هدف هذه التجمعات الوثنية هو الزحف على المسلمين وأخذهم على حين غرة في المدينة نفسها.
فقد جاء في التقرير الشفوى الذي قدمه جهاز الاستخبارات النبوية (أن عيينة بن حصن الفزاري قد بعث إلى تللث القبائل يقول لهم: إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم. فأرسلوا إليه أن سر إلينا حتى نزحف إلى محمد).
غير أن ما جاء في تقرير الاستخبارات العسكرية النبوية لم يكن مفاجأة للقيادة في المدينة. فقد كانت المدينة تتوقع أن يعاود الغرور هذه القبائل الوثنية القوية، لما هي عليه من كثرة في العدد وخبرة بالحرب ولكونها أقرب القبائل الوثنية إلى المدينة التي طالما سال لعاب هؤلاء الأعراب الأجلاف. كلما تذكروا خيراتها الزراعية. التي طالما حاولوا اجتياحها وانتهابها كما فصلناه في عدة مواضع من بحوثنا المتعلقة بهذه القبائل في كتبنا الستة من هذه السلسلة.
стр. 1743
تفريق حشد الوثنيين
ولذلك فإن النبي القائد ﷺ لم يكد يتلقى التقرير من رجال استخباراته عن هذه الحشود التي يقوم بها عيينة بن حصن الفزاري. حتى استدعى وزيريه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبحث معهما هذه التطورات الخطيرة. وأبلغهما ما تلقى من معلومات عن التحشدات هذه. فأشارا عليه بأن يسارع إلى إرسال قوة كبيرة تداهم هؤلاء الأعراب وتضربهم مكان تجمعهم قبل أن يبدأوا تحركاتهم نحو المدينة.
فعمل الرسول ﷺ بمشورة وزيريه وصاحبيه. فاستدعى القائد المشهور بشير بن سعد كلفه بأن يتولى الإغارة على أولئك الأعراب في ديارهم. قبل أن يكملوا تجهيزاتهم.
ثم جهز الرسول ﷺ ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار. أعطى قيادتهم بشير بن سعد الذي عقد له الرسول ﷺ لواءًا، فتحرك بشير بهذه القوات الكثيفة واتجه بها صوب الجناب في نجد ليباغت الأعداء في ديارهم وبين مضاربهم قبل أن يتمكنوا من التحرك نحو المدينة.
وتلك. دائما عادته ﷺ . يسارع بنقل المعركة (وعلى جناح السرعة وبسرية تامة) إلى ديار أي عدو يفكر في الإغارة على المدينة.
وعامل المباغتة في العمليات الحربية. دائما وفي كل زمان ومكان .. يكون من أهم عوامل الفوز والنصر وتحقيق الأهداف التي ترسم الخطط الحربية في أجل تحقيقها.
ولكي تنجح خطة المباغتة. ويتمكن قائد الحملة من تشتيت المحتشدين الأعداء بسهولة أمر النبي ﷺ القائد بشير بن سعد. بأن يسير برجاله الليل ويكمن النهار. لئلا يعلم أحد بتحركاتهم حتى يدهموا العدو ويأخذوه على حين غرة.
ونفذ القائد بشير أوامر النبي القائد ﷺ . فاتجه برجاله صوب الشرق. وصار يكمن النهار ويسير الليل. وكان دليل الجيش إلى ديار غطفان وفزارة. حسيل
стр. 1744
ابن نويرة (١).الذي كان دليل النبي ﷺ إلى خيبر.
وقد نجحت خطة الكتمان نجاحًا حقق أغراض الحملة إلى أبعد الحدود. حيث لم يشعر عيينة بن حصن وحشوده في الجناب إلا بجيش المسلمين داخل مضاربهم وبين مسارحهم يستاق مواشيهم ويستولى على أموالهم .. فانتابهم الرعب والفزع. ففروا هاربين في بطون الشعاب ورؤوس الجبال لا يلوون على شيء.
فجاس جيش المسلمين خلال ديارهم واستولى على كل ما وصلت إليه أيدى رجاله من أموال تلك القبائل. كغنيمة حرب يغنمونها من عدو محارب كان يعد العدة لغزوهم وانتهاب مدينتهم.
وقد تتبع الجيش الإِسلامي الفارين من الأعداء (وخاصة مجموعة القائد عيينة بن حصن) الذي ناوش المسلمين بعض الوقت ثم فر منهزما. بعد أن قتل له جيش المسلمين جاسوسًا وأسر اثنين من رجاله.
وهكذا أحبط النبي ﷺ خطة ذلك الغزو الوثنى الذي كان آخر محاولة تقوم بها القبائل النجدية الوثنية الشجاعة الشرسة للزحف على المدينة وضرب المسلمين فيها.
قال الواقدي يصف هذه الحملة ونتائجها الإيجابية: (دعا رسول الله ﷺ ) أبا بكر وعمر. فذكر لهما ذلك (أي احتشاد القبائل في نجد لغزو المدينة). فقالا: ابعث بشير بن سعد. فدعا رسول الله ﷺ بشيرًا. فعقد له لواءًا، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ويكمنوا النهار، وخرج معهم حسيل بن نويرة دليلًا. فساروا الليل وكمنوا النهار، حتى أتوا أسفل خيبر، فنزلوا بسلاج (٢) ثم خرجوا من سلاج حتى دنوا من القوم، فقال لهم الدليل: بينكم وبين القوم ثلثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم خرجت طليعة
стр. 1745
لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعًا. قالوا: بل نقدمك فقدموه، فغاب عنهم ساعة ثم كر عليهم فقال: هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟
فاختلف أصحاب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: إن أغرنا الآن حذرنا الرجال والعطن. وقال آخرون نغنم ماظهر لنا، ثم نطلب القوم، فشجعوا على النعم، فأصابوا نعمًا كثيرًا ملأوا منه أيديهم، وتفرق الرعاء وخرجوا سراعًا، ثم حذروا الجمع. فتفرق الجمع وحذروا، ولحقوا بعلياء بلادهم، فخرج بشير بأصحابه حتى أتي محالهم، فيجدها وليس بها أحد، فرجع بالنعم حتى إذا كانوا بسلاج راجعون لقوا عينا (جاسوسًا) لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة وتبعه أصحاب النبي ﷺ فأصابوا منهم رجلًا أو رجلين فأسروهما أسرًا، فقدموا بهما على النبي ﷺ فأسلما فأرسلهما النبي ﷺ .
سيد بني مرة ينصح عيينة بن حصن ليسلم
وكان الحارث بن عوف المرّى سيدًا ذا عقل راجح ونظر بعيد. وكان لذلك هو الزعيم النجدى الوحيد الذي رفض مساندة اليهود عسكريًا في صراعهم الدامى مع محمد ﷺ بخيبر. ونصح عيينة بن حصن أن يلتزم جانب الحياد فلا يساند اليهود. لأنهم مغلوبون لا محالة. ولكن عيينة لم يعمل بنصيحة الحارث. فنال نصيبه من خزى هزيمة اليهود الساحقة في معركة خيبر الفاصلة التي ساهم فيها إلى جانب اليهود بخمسة آلاف مقاتل من قومه ومن أطاعه من قبائل غطفان التي كانت دائما حليف اليهود المفضل ضد النبي ﷺ .
وعندما حزب عيينة بن حصن قبائل غطفان ضد النبي ﷺ . والتي تشكل بنو مرة أحد أجنحتها الهامة. عندما حزب عيينة هذه القبائل وأخذ في تجميعها في وادي الجناب لغزو المدينة. اعتزله سسيد بني مرة الحارث بن عوف فلم يشترك أحد من بني مرة في ذلك التجمع الغطفاني الفاشل.
غير أن الحارث بن عوف. لقى عيينة بن حصن وهو منهزمًا. فذكره بما كان قد نصحه به في الماضي. فقد قال الواقدي: (وكان الحارث بن عوف المرى حليفا لعيينة ولقيه منهزمًا على فرس له عتيق يعدو به عدوًا سريعًا
стр. 1746
فاستوقفه الحارث فقال: لا، ما أقدر. والطلب خلفى. أصحاب محمد. وهو يركض. فقال الحارث بن عوف: أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟
إن محمدًا ﷺ قد وطئ البلاد وأنت موضع في غير شيء قال الحارث: فتنحيت عن سنن خيل محمد ﷺ حتى أراهم ولا يروننى، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل ما أرى أحدًا وما طلبوه إلا الرعب الذي في دخله قال: فلقيه بعد ذلك، فقال الحارث فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب. قال عيينة: هو ذاك، إني خفت الإِسار وكان أثرى عند محمد ﷺ ما تعلم في غير موطن. قال الحارث: أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرًا بينا في بني النضير، ويوم الخندق وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنهم كانوا أعز يهود الحجاز كله يقرون لهم بالشجاعة والسخاء، وهم أهل حصون منيعة، وأهل نخل، والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم. لقد سارت حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من الناس. ثم قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة كيف أديل عليهم. فقال عيينة. هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تقرنى. قال الحارث فادخل مع محمد ﷺ . قال: أصير تابعًا. قد سبق قومى إليه فهم يزرون بمن جاء بعدهم. يقولون. شهدنا بدرا وغيرها. قال الحارث. وإنما هو على ما ترى. فلو تقدمنا إليه لكنا من علية أصحابه، قد بقى قومه بعدهم منه في موادعة وهو موقع بهم وقعة، وما وطئ له الأمر. قال عيينة: أرى والله فابتعدا يريدان الهجرة والقدوم على النبي ﷺ إلى أن مر بهما فروة بن هبيرة القشيري يريد العمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يريدان. قال فروة: لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المدة التي هم فيها وآتيكم بخبرهم فأخروا القدوم على الرسول ﷺ ومضى فروة حتى قدم مكة فتحسب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النبي ﷺ ، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبدًا، فخبّرهم بما أوقع محمد بأهل خيابر. قال فروة: وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمحمد. قالت قريش: فما الرأي؟ فأنت سيد أهل الوبر؟ نقضى هذه المدة التي بينكم وبينه (يعني مدة هدنة الحديبية) ونستجلب العرب ثم نغزوه في عقر داره.
стр. 1747
تحريض قريش على نقض الهدنة
قال الواقدي: وأقام فروة بن هبيرة القشيري أيامًا يجول في مجالس قريش ويسمع به نوفل بن معاوية الديلى، فنزل من باديته فأخبره بما قال لقريش فقال نوفل: إذا. لا أجد عندكم شيئًا. قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني ولنا عدو قريب داره، وهم عيبة نصح محمد لا يغيبون عليه حرفًا من أمورنا. قال: من هم. قال خزاعة. قال: قبحت خزاعة، قعدت بها يمينها. قال فروة: فماذا؟ قال: استنصر قريشًا أن يعينوا عليهم. قال فروة: فأنا أكفيكم. فلقى رؤساءهم، صفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسهيل بن عمر، فقال: ألا ترون ماذا أنزل بكم؟ إنكم رضيتم أن تدفعوا محمدًا بالراح. قالوا: فما نصنع؟ قال تعينون نوفل بن معاوية على عدوه وعدوكم. قالوا: إذًا يغزونا محمد في ما لا قبل لنا به فيوطئنا غلبة، وننزل على حكمه، ونحن الآن في مدة وعلى ديننا. فلقى نوفل بن معاوية فقال: ليس عند القوم شيء. ورجع فلقى عيينة والحارث فأخبرهم وقال: رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبروا الأمر. فقدموا رجلًا وأخروا أخرى. (مغازى الواقدي ج ٢ ص ٧٢٩).
-٦ -
غزوة القضية (١) شوال سنة سبع للهجرة
ومن أهم الأحداث ذات الأثر العميق في تغيير مجرى الصراع بين الإِسلام والوثنية لصالح الإِسلام والتي نتج عن القيام بها تحولات في الذهنية القرشية. تصححت بها المفاهيم الخاطئة المترسبة في أذهان القرشيين وغيرهم من العرب المجاورين لمكة والتصورات المغلوطة التي بها يتصورون الإِسلام وأتباعه .. من أهم هذه الأحداث التي نتجت عنها كل هذه التحولات والتصحيحات .. عمرة القضية أو غزوة القضية-كما يسميها أصحاب المغازي والسير.
стр. 1748
وهي العمرة التي قام بها النبي ﷺ وأصحابه قضاء عن العمرة التي مُنع المسلمون من أدائها في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة. فعادوا إلى المدينة دون أدائها بعد أن أحرموا بها. وذلك بموجب الصلح التاريخي المعقود بين النبي ﷺ وبين قريش في الحديبية والذي أطلق عليه اسم (صلح الحديبية) (١).
وقد تمت هذه العمرة التاريخية مصداقًا لقوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
لقد بسطنا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة كامل قصة النزاع ومراحل الخلاف الخطير الذي نشب بين النبي ﷺ وبين قومه قريش والذي كاد يؤدى إلى حرب طاحنة بين الفريقين. والذي انتهى بذلك الصلح التاريخي الذي قبل النبي ﷺ بموجبه- أن يعود بأصحابه إلى المدينة دون أن يدخل مكة فحل إحرامه في الحديبية خارج حدود الحرم وعاد إلى المدينة.
الحل الوسط في الصلح
لقد كان الحل الوسط الذي تم الاتفاق عليه في الحديبية بين النَّبِيّ ﷺ وبين عشيرته قريش. فأنهى ذلك النزاع الخطير الذي كاد يبعث حربًا ضروسًا بين الفريقين بسبب تصلف قريش وبغيها وعنادها. كان هذا الحل الذي تضمنه صلح الحديبية المعقود في السنة السادسة من الهجرة -يقضى بأن يرجع النبي ﷺ وأصحابه عامهم ذاك إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة. على أن يكون لهم الحق في أن يدخلوها معتمرين في العام القادم وبعد سنة كاملة بالتحديد.
وكما هو مفصل في كتابنا الخامس (صلح الحديبية) كانت بنود ذلك الصلح محل سخط أكثرية الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ فقد كان مصدر تضايق لهم لما يحمله في الظاهر من إجحاف. سماه بعضهم دنيئة وإذلالًا
стр. 1749
للمسلمين .. إلا أنهم (مع كرههم لهذا الصلح) لم يسعهم إلا السكوت والتسليم. لأنه ليس في إمكانهم عصيان النبي الأعظم ﷺ والخروج على إرادته. لأنه إنما يصدر في كل تصرفاته عن أمر ربه.
كيف حقن الصلح الدماء عن أن تراق
والواقع أن ارتضاء النبي ﷺ أن يعود بأصحابه إلى المدينة على أن يقوموا بأداء العمرة في العام القادم. وذلك كحل وسط حسم النزاع .. الواقع أن قبول النبي ﷺ بهذا الحل قد كان سببًا في حقن دماء كثيرة كان من الممكن أن تراق من الفريقين بغزارة في الحرم، لو أن النبي ﷺ استجاب لعواطف أصحابه التي كانت يومها في أعلى درجات الفوران .. فاقتحم الحرم بقوة السلاح لأداء مناسك العمرة .. هي رغبة أكثرية أصحابه الذين يفضلون اقتحام مكة بحد السيف لمباشرة حقهم في الطواف والسعى على أن يعودوا إلى المدينة دون أن يؤدوا عمرتهم.
قانون عام غير مكتوب
لقد كان القيام بالعمرة (الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة) حق لأى إنسان كائن من كان. له أن يباشره حتى ولو كان في حالة حرب مع سكان الحرم أنفسهم.
هذا قانون غير مكتوب أجمع الالتزام به كل سكان الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.
غير أن قريشًا ركب العناد رأسها. فركض الشيطان بها في دروب العناد والمكابرة. فخرقت هذا القانون العام. حين أصرت على منع المسلمين (بحد السلاح) ذلك العام من دخول الحرم لأداء العمرة بغيًا وعدوانًا وبطرًا ورياء الناس.
وكان من حق المسلمين أن يدخلوا مكة ويقاتلوا من يعترض سبيلهم. وكان ذلك هو رأى الأغلبية من أصحاب النبي ﷺ . ردًّا على عناد قريش وتصلفها.
ولكن النبي الأعظم (وهو الذي جاء لإِرساء قواعد السلم في الأرض)،
стр. 1750
رأى أن مقابلة عناد قريش بعناد مثله (كما هو رأى الأغلبية من أصحابه) سيتسبب في إشعال نار حرب طاحنة ضارية داخل الحرم الآمن. لا مبرر لها ولا ضرورة.
لذلك قبل ﷺ الحل الوسط الذي اقترحه وأملاه في وثيقة الصلح مندوب قريش ومفوضها الأول سهيل بن عمرو العامري (١) بالرغم من معارضة الأغلبية العظمى من الصحابة لقبول هذا الحل لأنهم رأوا أن في القبول بأكثر الشروط التي أملاها مندوب قريش في وثيقة صلح الحديبية -ومنها هذا الحل الوسط- دنيئة عليهم في دينهم "كما صرح بذلك الفاروق عمر أمام النبي ﷺ وهو يبدى في مجلس الرسول ﷺ معارضته العنيفة للصلح".
والواقع أن الصحابة ﵃ ليسوا ملومين (كبشر عاديين) حينما صارحوا النبي الأعظم ﷺ بانزعاجهم وامتعاضهم لقبول الحل الذي اقترحه مندوب قريش والذي يقضى بأن يعود النبي وأصحابه إلى المدينة ذلك العام (٦ هجرية) دون أن يقضوا مناسكهم. مع اقتدارهم (عسكريًا) على أن يقضوها إذا ما اعترضتهم قريش بالقوة.
كانوا غير ملومين -حين عارضوا الصلح كله لتضمنه تلك الشروط القاسية- (٢) لأنهم نظروا إليها من زاوية نظرة الإِنسان العادى (فهم بالنسبة لمنزلة النبي الأعظم عاديون) .. والإِنسان العادى (فعلًا) لكونه ذا فهم محدود .. إذا ما نظر إلى تلك الشروط التي أملاها مفوض قريش ومندوبها سهيل بن عمرو في مفاوضات الحديبية. وقبل بها النبي ﷺ .. اتضح له (لأول وهلة) أنها تحمل الإِجحاف كل الإِجحاف بحق المسلمين.
إذ (مثلًا) كيف تطاوع المسلمين أنفسهم أن يقبلوا أن يصدهم المشركون عن البيت وقد وصلوا حدود الحرم. ثم يعودوا دون أن يقضوا مناسك العمرة التي قطعوا مئات الأميال لأدائها. مع اقتدارهم (عسكريًا) على أن يقضوا هذه المناسك إذا ما اعترضتهم قريش وحاولت منعهم بالقوة؟ ؟ .
стр. 1751
ولكن النبي ﷺ الذي يدرك أكثر مما يدرك أصحابه من أبعاد المستقبل .. ويعلم من الله ما لا يعلمون لأنه على صلة مباشرة مع السماء ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) رأى أن يقبل ذلك الحل الوسط الذي اقترحه وأملاه حق وثيقة الصلح مفوض قريش ومندوبها سهيل بن عمرو. فأمر أصحابه أن يحلوا إحرامهم في الحديبية خارج الحرم. وأن يعودوا إلى المدينة. على أن يقضوا مناسك عمرتهم في العام القادم كما نصت على ذلك بنود اتفاقية الصلح.
وكما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) .. تردد الصحابة كلهم (تقريبًا) في حل إحرامهم ونحر هديهم في الحديبية وقبل أن يبلغ محله حتى أغضبوا بذلك النبي ﷺ . فلم ينحروا ويحلوا إحرامهم حتى رأوا النبي ﷺ ينحر هديه بيديه الشريفتين.
وقد أجمع المؤرخون على أنه (بسبب قبول النبي ﷺ بشروط الصلح كاد المسلمون أن يهلكوا للغم الذي نزل بهم لأن نفوسهم لم تستسغ هذه الشروط. لولا التزامهم بطاعة نبيهم ﷺ .
مكاسب صلح الحديبية
غير أن هؤلاء الصحابة الذين عارضوا الصلح أشد المعارضة -وبمجرد عودتهم إلى المدينة من الحديبية- أخذت بركات ومكاسب هذا الصلح الذي كرهوا واغتموا له تتجلى لهم وتتوارد عليهم شيئًا فشيئًا .. متجسدة فيما جد من أحداث نتيجة هذا الصلح. كلها كانت نصرًا وتعزيزًا للمسلمين.
فازداد المسلمون يقينًا بأن نبيهم العظيم يدرك أبعد مما يدركون وإن الحكمة التي آتاها الله لا يمكن لبشر أن يسبر غورها أو يدرك مداها. وأنه لا يفعل ولا يقول إلا حقا. وأن ما كرهوه من هذا الصلح قد حقق للمسلمين من الانتصارات المعنوية والسياسية وعلى كل صعيد. ما لم تحققة أية معركة حربية خاضوها وانتصروا فيها على معسكر الشرك والوثنية.
стр. 1752
المسلمون في مكة يعتمرون
كان صلح الحديبية الذي ينص على عودة المسلمين من الحديبية (المسماة اليوم بالشميسي) إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة. على أن يسمح لهم بدخولها للعمرة بعد سنة من تاريخ إبرام هذا الصلح .. كان هذا الصلح قد عقد في ضهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة.
ولذلك فإن المسلمين بعد مرور سنة كاملة على عقد هذا الصلح أدوا مناسك العمرة قضاءًا ومن أجل ذلك أطلق على هذه العمرة التاريخية عمرة القضاء أو عمرة القضية.
ففي شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة (وبعد مرور حوالي أحد عشر شهرًا على انتصار المسلمين الساحق على اليهود في خيبر وقبل أحد عشر شهرًا من فتح مكة وغزوة حنين) وجه النبي الأعظم ﷺ نداء إلى أصحابه أمرهم فيه بأن يستعدوا للتوجه معه إلى مكة المكرمة ليعتمروا -قضاء عمرتهم التي صدهم المشركون عنها في السنة الماضية- وكان أمره ﷺ يقضى بأن لا يتخلف أحد عن عمرة القضاء هذه من الذين شهدوا الحديبية في السنة السادسة للهجرة وصدوا مع من صدوا عن البيت.
فلبى الصحابة طلب نبيهم ﷺ ونفذوا أوامره. فلم يتخلف عن عمرة القضاء هذه أحد ممن شهد الحديبية إلا رجال كتبت لهم الشهادة في معركة خيبر الحاسمة أو رجال وافاهم الأجل المحتوم قبل أن يحل ميعاد القيام بعمرة القضاء هذه.
عدد المعتمرين عمرة القضاء
كذلك لم يمانع النبي ﷺ في أن يخرج معه من أراد العمرة ممن لم يشهد الحديبية من المسلمين. فاعتمر معه (بالإضافة إلى أصحاب الشجرة أهل الحديبية) ستمائة كلهم لم يشهد الحديبية .. فهو إما ممن تخلف عنها وإما ممن أسلم بعدها .. فكان عدد الذين أدّوا العمرة تلك السنة التاريخية ألفين من الصحابة.
لقد كان فرح المسلمين عظيمًا حينما سمعوا نداء النبي ﷺ وهو يأمرهم
стр. 1753
بالتأهب للتوجه إلى مكة المكرمة للعمرة. وخاصة المهاجرين الذين كانوا (أكثر من غيرهم) تهفو قلوبهم إلى مكة. موطنهم الأول. ومسقط رأسهم.
فلا ينكر أحد ما للوطن (وخاصة مثل مكة) من ذكريات حلوة يختزنها القلب وتحتل مكانها العالى في النفس.
أمير على المدينة بالنيابة
وبعد أن أكمل الأصحاب تجهيزاتهم للرحلة الطويلة إلى مكة وقرر النبي ﷺ مغادرة المدينة في اليوم الذي حدده. أصدر (كما هي عادته في مثل هذه الأحوال) .. مرسومًا نبويًّا عيَّن بموجبه أبا رُهم الغفاري (١) أميرًا على المدينة يدير شئونها نيابة عن الرسول الأعظم ﷺ حتى عودته من مكة الكرمة.
كمية الهدى في هذه العمرة
وكان النبي ﷺ قد أعد ستين بدنة ليسوقها معه هديًا إلى الحرم. وهو العدد الذي ساقه معه عام الحديبية واضطر إلى أن ينحره خارج حدود الحرم في الحديبية نفسها بسبب إصرار المشركين على صده عن البيت ذلك العام كما هو مفصل أوسع تفصيل في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
وقد جعل رسول الله ﷺ على هديه هذا ناجية بن جندب الأسلمي (٢) وهو نفسه الذي جعله النبي ﷺ على الهدى الذي ساقه عام الحديبية. وفي هذه المرة أضاف النبي ﷺ أربعة فتيان من أسلم قوم (ناجية بن جندب) ليكونوا له عونًا في العناية بالهدى (٣).
стр. 1754
من أي أحرم الرسول ﷺ بالعمرة
وفي عمرة القضاء هذه أحرم النبي ﷺ من باب فسجده داخل المدينة. أي أنَّه لم يحرم من الميقات المألوف (ذي الحليفة) وقد ذكر الواقدي سبب ذلك فقال:
وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة, عن جابر بن عبد الله قال: أحرم رسول الله ﷺ من باب المسجد أنه سلك إلى طريق الفرع ولولا ذلك لأهل من البيداء.
حمل السلاح احتياطًا
ورغم أن النبي ﷺ "في حالة هدنة مع القرشيين بمكة ورغم أن اتفاقية الحديبية تنص على أن ليس للمسلمين أن يحملوا من السلاح (داخل مكة) سوى السيوف في أغمادها .. فإن ﷺ قد حمل معه من المدينة في هذه العمرة) من العتاد الحربي (السيوف والبيض والدروع والرماح) ما يكفي لتسليح أصحابه الذين كانوا معه والذي بلغ عددهم الألفين.
كما أن النبي ﷺ أعد كتيبة من الفرسان المسلحين قوامها مائة فارس وكلف هؤلاء الفوسان بأن يكونوا في مقدمته حتى حدود الحرم.
وعندما قرر النبي ﷺ ذلك ناقشه بعض أصحابه بأن حمل السلاح كاملًا (وعلى تلك الصورة) قد يفسر بأنه نقض لاتفاقية الحديبية. فأفهمهم بأنه لا يفكر في ما تسرب إلى أذهانهم. فهو لا ينوى بحمله السلاح الكامل على تلك الصورة لكى يدخل به الحرم .. كلا وإنما فعل ذلك استعدادًا للطوارئ فقط لأنه ﷺ أدخل في حسابه أن قريشًا قد تستغل فرصة تجرّد المسلمين من السلاح فتغدر بهم وهم يؤدون مناسكهم.
ولذلك أمر بحمل السلاح كاملًا. وألَّف كتيبة الفرسان لتكون طليعة أمامه من باب الحيطة والحذر .. ثم أفهم الأصحاب الذين أبدوا ملاحظاتهم على حمله السلاح الكامل .. بأن حمله قد يكون مناقضًا لشروط صلح الحديبية .. أفهمهم بأنه "لكي يتمشى في تصرفاته مع اتفاقية الحديبية نصا وروحًا" سيحمل معه كامل السلاح إلى أن يصل حدود الحرام. وهناك
стр. 1755
سيترك السلاح (خارج الحرم) في حراسة بعض أصحابه ليلجأ إلى هذا السلاح إذا ما اضطر إليه. وأنه تنفيذًا لاتفاقية الحديبية لن يسمع لأحد من أصحابه بأن يحمل من السلاح داخل الحرم إلا السيف في غمده.
قال الواقدي .. حدثني معاذ بن محمد، عن عاصم بن عمر، قال: حمل رسول الله ﷺ السلاح والبيض والدروع والرماح. وقاد مائة فرس فلما انتهى إلي ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه وهي مائة فرس عليها محمد بن مسلمة. وقدم السلاح واستعمل عليه لو بشير سعد، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا علينا (يعني المشركين) ألا ندخل عليهم إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب .. فقال رسول الله ﷺ : إنا لن ندخلها عليهم الحرم، ولكن تكون قريبًا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا (١).
التحرك من المدينة
وبعد أن أكمل النبي ﷺ وأصحابه استعدادهم. تحرك الرسول الأعظم ﷺ بأصحابه من المدينة يضجون بالتلبية والتكبير والتهليل.
فكان مظهرًا يهز المشاعر. ويستقطب ذكريات الماضي. فتعج بها النفوس المؤمنة في اعتزاز مشوب بلذة النصر الرائع (الرائع جدًّا). الذي هو حصيلة الثبات على العقيدة الحقة. والصبر أمام الأعاصير الهوج التي هبت أيام الاستضعاف -على النفوس المؤمنة. عندما كان أصحابها في مكة قبل الهجرة. قلة قليلة يتعرضون لضروب من الإرهاب والترويع والقتل -أحيانًا- تحت وطأة التعذيب الوحشى الهمجى .. فيصدون رغم ذلك صمود الرواسى أمام أعتى العواصف.
من ثمرات الثبات على العقيدة
فيا للثمر اليانع الخصب يجنيه الصامدون وراء متاريس العقيدة الحقة الصلبة لمواجهة تيارات البلايا والمحن.
فها هم طريدو الأمس الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد والتعذيب (وهم