ولكن النبي ﷺ الذي يدرك أكثر مما يدرك أصحابه من أبعاد المستقبل .. ويعلم من الله ما لا يعلمون لأنه على صلة مباشرة مع السماء ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) رأى أن يقبل ذلك الحل الوسط الذي اقترحه وأملاه حق وثيقة الصلح مفوض قريش ومندوبها سهيل بن عمرو. فأمر أصحابه أن يحلوا إحرامهم في الحديبية خارج الحرم. وأن يعودوا إلى المدينة. على أن يقضوا مناسك عمرتهم في العام القادم كما نصت على ذلك بنود اتفاقية الصلح.
وكما فصلناه في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) .. تردد الصحابة كلهم (تقريبًا) في حل إحرامهم ونحر هديهم في الحديبية وقبل أن يبلغ محله حتى أغضبوا بذلك النبي ﷺ . فلم ينحروا ويحلوا إحرامهم حتى رأوا النبي ﷺ ينحر هديه بيديه الشريفتين.
وقد أجمع المؤرخون على أنه (بسبب قبول النبي ﷺ بشروط الصلح كاد المسلمون أن يهلكوا للغم الذي نزل بهم لأن نفوسهم لم تستسغ هذه الشروط. لولا التزامهم بطاعة نبيهم ﷺ .
مكاسب صلح الحديبية
غير أن هؤلاء الصحابة الذين عارضوا الصلح أشد المعارضة -وبمجرد عودتهم إلى المدينة من الحديبية- أخذت بركات ومكاسب هذا الصلح الذي كرهوا واغتموا له تتجلى لهم وتتوارد عليهم شيئًا فشيئًا .. متجسدة فيما جد من أحداث نتيجة هذا الصلح. كلها كانت نصرًا وتعزيزًا للمسلمين.
فازداد المسلمون يقينًا بأن نبيهم العظيم يدرك أبعد مما يدركون وإن الحكمة التي آتاها الله لا يمكن لبشر أن يسبر غورها أو يدرك مداها. وأنه لا يفعل ولا يقول إلا حقا. وأن ما كرهوه من هذا الصلح قد حقق للمسلمين من الانتصارات المعنوية والسياسية وعلى كل صعيد. ما لم تحققة أية معركة حربية خاضوها وانتصروا فيها على معسكر الشرك والوثنية.
стр. 1752
المسلمون في مكة يعتمرون
كان صلح الحديبية الذي ينص على عودة المسلمين من الحديبية (المسماة اليوم بالشميسي) إلى المدينة دون أن يدخلوا مكة. على أن يسمح لهم بدخولها للعمرة بعد سنة من تاريخ إبرام هذا الصلح .. كان هذا الصلح قد عقد في ضهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة.
ولذلك فإن المسلمين بعد مرور سنة كاملة على عقد هذا الصلح أدوا مناسك العمرة قضاءًا ومن أجل ذلك أطلق على هذه العمرة التاريخية عمرة القضاء أو عمرة القضية.
ففي شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة (وبعد مرور حوالي أحد عشر شهرًا على انتصار المسلمين الساحق على اليهود في خيبر وقبل أحد عشر شهرًا من فتح مكة وغزوة حنين) وجه النبي الأعظم ﷺ نداء إلى أصحابه أمرهم فيه بأن يستعدوا للتوجه معه إلى مكة المكرمة ليعتمروا -قضاء عمرتهم التي صدهم المشركون عنها في السنة الماضية- وكان أمره ﷺ يقضى بأن لا يتخلف أحد عن عمرة القضاء هذه من الذين شهدوا الحديبية في السنة السادسة للهجرة وصدوا مع من صدوا عن البيت.
فلبى الصحابة طلب نبيهم ﷺ ونفذوا أوامره. فلم يتخلف عن عمرة القضاء هذه أحد ممن شهد الحديبية إلا رجال كتبت لهم الشهادة في معركة خيبر الحاسمة أو رجال وافاهم الأجل المحتوم قبل أن يحل ميعاد القيام بعمرة القضاء هذه.
عدد المعتمرين عمرة القضاء
كذلك لم يمانع النبي ﷺ في أن يخرج معه من أراد العمرة ممن لم يشهد الحديبية من المسلمين. فاعتمر معه (بالإضافة إلى أصحاب الشجرة أهل الحديبية) ستمائة كلهم لم يشهد الحديبية .. فهو إما ممن تخلف عنها وإما ممن أسلم بعدها .. فكان عدد الذين أدّوا العمرة تلك السنة التاريخية ألفين من الصحابة.
لقد كان فرح المسلمين عظيمًا حينما سمعوا نداء النبي ﷺ وهو يأمرهم
стр. 1753
بالتأهب للتوجه إلى مكة المكرمة للعمرة. وخاصة المهاجرين الذين كانوا (أكثر من غيرهم) تهفو قلوبهم إلى مكة. موطنهم الأول. ومسقط رأسهم.
فلا ينكر أحد ما للوطن (وخاصة مثل مكة) من ذكريات حلوة يختزنها القلب وتحتل مكانها العالى في النفس.
أمير على المدينة بالنيابة
وبعد أن أكمل الأصحاب تجهيزاتهم للرحلة الطويلة إلى مكة وقرر النبي ﷺ مغادرة المدينة في اليوم الذي حدده. أصدر (كما هي عادته في مثل هذه الأحوال) .. مرسومًا نبويًّا عيَّن بموجبه أبا رُهم الغفاري (١) أميرًا على المدينة يدير شئونها نيابة عن الرسول الأعظم ﷺ حتى عودته من مكة الكرمة.
كمية الهدى في هذه العمرة
وكان النبي ﷺ قد أعد ستين بدنة ليسوقها معه هديًا إلى الحرم. وهو العدد الذي ساقه معه عام الحديبية واضطر إلى أن ينحره خارج حدود الحرم في الحديبية نفسها بسبب إصرار المشركين على صده عن البيت ذلك العام كما هو مفصل أوسع تفصيل في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
وقد جعل رسول الله ﷺ على هديه هذا ناجية بن جندب الأسلمي (٢) وهو نفسه الذي جعله النبي ﷺ على الهدى الذي ساقه عام الحديبية. وفي هذه المرة أضاف النبي ﷺ أربعة فتيان من أسلم قوم (ناجية بن جندب) ليكونوا له عونًا في العناية بالهدى (٣).
стр. 1754
من أي أحرم الرسول ﷺ بالعمرة
وفي عمرة القضاء هذه أحرم النبي ﷺ من باب فسجده داخل المدينة. أي أنَّه لم يحرم من الميقات المألوف (ذي الحليفة) وقد ذكر الواقدي سبب ذلك فقال:
وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة, عن جابر بن عبد الله قال: أحرم رسول الله ﷺ من باب المسجد أنه سلك إلى طريق الفرع ولولا ذلك لأهل من البيداء.
حمل السلاح احتياطًا
ورغم أن النبي ﷺ "في حالة هدنة مع القرشيين بمكة ورغم أن اتفاقية الحديبية تنص على أن ليس للمسلمين أن يحملوا من السلاح (داخل مكة) سوى السيوف في أغمادها .. فإن ﷺ قد حمل معه من المدينة في هذه العمرة) من العتاد الحربي (السيوف والبيض والدروع والرماح) ما يكفي لتسليح أصحابه الذين كانوا معه والذي بلغ عددهم الألفين.
كما أن النبي ﷺ أعد كتيبة من الفرسان المسلحين قوامها مائة فارس وكلف هؤلاء الفوسان بأن يكونوا في مقدمته حتى حدود الحرم.
وعندما قرر النبي ﷺ ذلك ناقشه بعض أصحابه بأن حمل السلاح كاملًا (وعلى تلك الصورة) قد يفسر بأنه نقض لاتفاقية الحديبية. فأفهمهم بأنه لا يفكر في ما تسرب إلى أذهانهم. فهو لا ينوى بحمله السلاح الكامل على تلك الصورة لكى يدخل به الحرم .. كلا وإنما فعل ذلك استعدادًا للطوارئ فقط لأنه ﷺ أدخل في حسابه أن قريشًا قد تستغل فرصة تجرّد المسلمين من السلاح فتغدر بهم وهم يؤدون مناسكهم.
ولذلك أمر بحمل السلاح كاملًا. وألَّف كتيبة الفرسان لتكون طليعة أمامه من باب الحيطة والحذر .. ثم أفهم الأصحاب الذين أبدوا ملاحظاتهم على حمله السلاح الكامل .. بأن حمله قد يكون مناقضًا لشروط صلح الحديبية .. أفهمهم بأنه "لكي يتمشى في تصرفاته مع اتفاقية الحديبية نصا وروحًا" سيحمل معه كامل السلاح إلى أن يصل حدود الحرام. وهناك
стр. 1755
سيترك السلاح (خارج الحرم) في حراسة بعض أصحابه ليلجأ إلى هذا السلاح إذا ما اضطر إليه. وأنه تنفيذًا لاتفاقية الحديبية لن يسمع لأحد من أصحابه بأن يحمل من السلاح داخل الحرم إلا السيف في غمده.
قال الواقدي .. حدثني معاذ بن محمد، عن عاصم بن عمر، قال: حمل رسول الله ﷺ السلاح والبيض والدروع والرماح. وقاد مائة فرس فلما انتهى إلي ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه وهي مائة فرس عليها محمد بن مسلمة. وقدم السلاح واستعمل عليه لو بشير سعد، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا علينا (يعني المشركين) ألا ندخل عليهم إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب .. فقال رسول الله ﷺ : إنا لن ندخلها عليهم الحرم، ولكن تكون قريبًا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا (١).
التحرك من المدينة
وبعد أن أكمل النبي ﷺ وأصحابه استعدادهم. تحرك الرسول الأعظم ﷺ بأصحابه من المدينة يضجون بالتلبية والتكبير والتهليل.
فكان مظهرًا يهز المشاعر. ويستقطب ذكريات الماضي. فتعج بها النفوس المؤمنة في اعتزاز مشوب بلذة النصر الرائع (الرائع جدًّا). الذي هو حصيلة الثبات على العقيدة الحقة. والصبر أمام الأعاصير الهوج التي هبت أيام الاستضعاف -على النفوس المؤمنة. عندما كان أصحابها في مكة قبل الهجرة. قلة قليلة يتعرضون لضروب من الإرهاب والترويع والقتل -أحيانًا- تحت وطأة التعذيب الوحشى الهمجى .. فيصدون رغم ذلك صمود الرواسى أمام أعتى العواصف.
من ثمرات الثبات على العقيدة
فيا للثمر اليانع الخصب يجنيه الصامدون وراء متاريس العقيدة الحقة الصلبة لمواجهة تيارات البلايا والمحن.
فها هم طريدو الأمس الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد والتعذيب (وهم
стр. 1756
قلة قليلة) على أيدى كثرة غاشمة كافرة متغطرسة .. ها هم الذين خرجوا -قبل سبع سنوات مستخفين خائفين- تاركين مكة فرارًا بديهم. وخوفًا من بطش الوثنية وفتك الشرك .. ها هم يتحركون اليوم من مركز القوة. في اعتزاز المؤمن وثقة المسلم. ليدخلوا مكة مرفوعة رؤوسهم. دون أن يجرأ أحد من أعدائهم وجلادّيهم بالأمس. أن يفكر -مجرد تفكير- في اعتراض سبيلهم. فضلًا عن الاعتداء عليهم .. كما يفعل بالأمس وقبل سبع سنوات.
قريش تحتج على حمل المسلمين السلاح
وكان النبي الأعظم ﷺ (كما ذكرنا آنفًا). قد انتخب مائة فارس من المهاجرين والأنصار وأمر قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري بأن يتقدم بهم طليعة أمامه حتى مكة. وذلك من قبيل الحيطة والحذر.
كما قدم الأسلحة والأعتدة الحربية التي قد يضطر إلى استخدامها إذا ما حزبه أمر وهو بمكة .. قدم هذه الأسلحة والأعتدة مع القائد المحارب الشهير، بشير بن سعد الأنصاري. ثم تحرك ﷺ بباقى أصحابه. يقدمهم. ممتطيًا ظهر ناقته القصوى يحيط به الأصحاب من كل جانب تشق أصواتهم عنان السماء بالتلبية والتكبير والتهليل. وقد انتشر بين أيديهم ستون بدنه وهي الهدى المسوق لينحر في مكة.
ولما كانت قريش تتوقع أن يأتي النبي ﷺ في أصحابه لأداء مناسك العمرة كما تنص اتفاقية الحديبية. بعث ساداتها بعدد من رجال استخباراتهم ليضربوا في الأرض بعيدًا عن الحرم ليتحسسوا أخبار الرسول ﷺ وأصحابه. ويقدموا لهم تقريرًا مفصلًا عن وضع المسلمين والحالة التي هم عليها أثناء تحركهم نحو مكة المكرمة.
وقد وصل رجال استخبارات قريش في استكشافهم إلى مر الظهران (وهو المسمى اليوم بوادى فاطمة) وهناك رأوا كتيبة الفرسان التي يقودها محمد بن مسلمة الأنصاري مدججة بكامل أسلحتها كما رأوا الأسلحة الكثيرة وعدد الحرب الكاملة التي تحملها وسائل النقل والرجال المكلفون بحملها تحت قيادة وإشراف بشير بن سعد الأنصاري .. فأفزعهم ذلك. فسألوا محمد بن مسلمة ..
стр. 1757
ما الخبر فأبلغهم أن النبي ﷺ سيكون غداة ذلك اليوم في مر الظهران.
فعادوا أدراجهم إلى مكة مسرعين. وهناك أبلغوا سادات قريش ما رأوا من الخيل والسلاح الذي مع محمد بن مسلمة وبشير بن سعد ورجالهما الذين كانوا يقدمون النبي ﷺ وباقي أصحابه كطليعة لهم.
ففزعت قريش لذلك فزعًا شديدًا وتسرب إلى أذهان قادتها أن النبي ﷺ قد نقض صلح الحديبية حين قدم أمامه الأسلحة الكثيرة والفرسان المدججين. وأنه -لا شك- قد جاء لغزو قريش واحتلال مكة بقوة السلاح. والهدنة قائمة بين الفريقين. لذلك سارعت قريش إلى عقد اجتماع عاجل في دار الندوة لبحث ما تصورت أنه غزو اعتزم النبي ﷺ القيام به ضدهم في فترة الهدنة القائمة بين الفريقين.
وبعد استعراض الوضع في دار الندوة قررت قريش التريث وأن تبعث أولًا بوفد منها لمقابلة النبي ﷺ لمعرفة نواياه الحقيقية من جلب الفرسان المدججين بكامل أسلحتهم وهو في هدنة معهم ومجيئه للعمرة فقط قبل الهجرة.
اجتماع وفد قريش بالرسول ﷺ في يأجج
وكان النبي ﷺ قد وصل بأصحابه إلى مر الظهران (وادي فاطمة) ومن هناك قدم الخيل والسلاح إلى بطن ياجج بالقرب من أنصاب الحرم. ثم لحق وبقية أصحابه بهم. وهناك (في بطن يأجج) عسكر النبي ﷺ بأصحابه ومعهم كامل عدة الحرب من خيل وأسلحة.
وإلى حيث عسكر النبي ﷺ بأصحابه -وعددهم ألفان- في بطن وادي ياجج وصل الوفد القرشي المكون من عدة زعماء برئاسة مكرز بن حفص العامري الذي كان أحد أعضاء الوفد القرشي المفاوض مع سهيل بن عمرو في مفاوضات الحديبية.
ولدى اجتماع الوفد القرشي هذا بالنبي ﷺ في وادي يأجج أعربوا له عن مخاوفهم واحتجوا على حمله الأسلحة ومجيئه بالخيل الكثيفة. وكيف يبيح لنفسه (كما تصوروا) أن يغزو مكة ويدخلها بكل هذه الأسلحة. وقريش لم يأت منها ما يخل بالعهد الذي أبرم في الحديبية بين الفريقين قبل عام؟ .
стр. 1758
غير أن النبي الأعظم ﷺ بدد كل المخاوف التي كانت تساور القرشيين. وأكد لهم بأنه على العهد الذي أعطاه في الحديبية. وأنه لن يسمح لأحد من أصحابه بأن يحمل من السلاح داخل الحرم في هذه العمرة. إلا سلاح الراكب (السيف في قرابه) كما تنص على ذلك بنود اتفاقية الحديبية .. فاطمأن الوفد القرشي. وعاد إلى مكة ليطمئن قريشًا ويزيل عنها المخاوف التي كانت قد أقلقتها.
قال الواقدي: ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مَر الظهران فيجد بها نفرًا من قريش فسألوا محمد بن مسلمة، فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدًا إن شاء الله. فرأوا سلاحًا كثيرًا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعًا حتى أتوا قريشًا فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل والسلاح ففزعت قريش فقالوا: والله ما أحدثنا حدثًا، ونحن على كتابنا ومدتنا (يعنون بذلك صلح الحديبية)، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ .. ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقدم رسول الله ﷺ السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف (١) في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله ﷺ في أصحابه والهدى والسلاح (قد تلاحقوا فقالوا: يا محمد. والله ما عُرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر. تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر، السيوف في القرب. فقال رسول الله ﷺ : لا ندخلها إلا كذلك (أي بسلاح المسافر فقط). ثم رجع (أي مكرز بن حفص) بأصحابه إلى مكة فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط لكم (٢).
تخزين السلاح قرب حدود مكة
أما الأسلحة التي جلبها النبي ﷺ معه في عمرته هذه فقد أمر بتخزينها في بطن وادي يأجج. وكانت كميات كبيرة. وقد أمر النبي ﷺ بأن يبقى من أصحابه لحراسة هذه الأسلحة مائتا رجل بقيادة أوْس بن خولى
стр. 1759
الأنصاري (١) على أن يأتي من الأصحاب الذين أدّوا مناسك العمرة ليحلوا محل أوس بن خولى وأصحابه لحراسة الأسلحة. ليؤدى أوْس وأصحابه المائتان مناسك العمرة كإخوانهم. وقد حدث ذلك بالفعل. حيث عاد من مكة مائتان من الصحابة وحلوا محل أوس بن خولى وأصحابه في حراسة الأسلحة.
قال الواقدي: حدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث، قال: وخلَّف رسول الله ﷺ مائتى رجل على السلاح، عليهم أوْس بن خولى. ثم قال الواقدي -بعد أن أتى على تفاصيل عمرة القضية- وقد كان رسول الله ﷺ أمر مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج، فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم، ففعلوا. (٢).
جلاء قريش عن مكة
ما كانت بنود صلح الحديبية التاريخي الذي بموجبه دخل المسلمون مكة لأداء مناسك العمرة والبقاء ثلاثة أيام .. ما كانت هذه البنود تنص على إلزام القرشيين بالجلاء عن مكة عندما يدخلها المسلمون معتمرين ويبقون فيها تلك المدة.
ولكن قريشا نفسها آثرت الجلاء عن مكة عندما يدخلها المسلمون لقضاء العمرة .. فقررت أن تجلو عنها إلى رؤوس الجبال. لأنها شعرت أنه ثقيل على نفوسها إلى حد لا تطيقه أن تنظر إلى النبي ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة ويتجولون في أحياء مكة أحرارًا دون أن يجرأ أيّ كان على اعتراض سبيلهم .. وهم الذين خرجوا بالأمس يتحسسون رؤوسهم يطلبهم الموت في كل مكان بعد أن أهدرت قريش دماءهم وجعلت مائة ناقة جائزة لمن يأتيها برأس سيدهم ونبيهم محمد ﷺ . وكانوا إلى ما بعد صلح الحديبية لا يستطيعون الاقتراب من حدود الحرم فضلًا أن يقوموا بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة .. لهذا (وتحت ضغط البغض الوثنى الأسود) قررت قريش أن تجلو، إلى رؤوس الجبال لأنها لا تحتمل النظر إلى
стр. 1760
النبي وأصحابه. وقد صرح سادات قريش أنفسهم بما يترجم عن شعورهم بالمرارة وعدم احتمالهم النظر إلى المسلمين وهم داخل مكة.
فقد روى أبو قتادة أن الزعيم القريشي (مكرز بن حفص العامري) لما رجع إلى مكة من وادي يأجج وطمأن قريشًا بأن النبي ﷺ ليس في نيته غزوها. فقال لهم: إن محمدًا لا يدخل بسلاح. خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال، وخلوا مكة، وقالوا: ولا ننظر إليه ولا إلى أصحابه (١).
منظر رائع
أما النبي ﷺ فبعد أن رتب أمر حراسة الأسلحة في وادي يأجج بتركه مائتين من أصحابه بقيادة أوس بن خولى الأنصاري تحرك من هذا الوادي إلى (ذي طوى) حيث أمر بحبس الهدى هناك حتى يتكامل أصحابه. وقد خرج في اتجاه ذي طوي على ناقته القصوى وأصحابه يحيطون به متوشحين السيوف تدوى أصواتهم بالتلبية "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" .. وهي تلبية ترى قريش أن تقطع لسان من ينطق بها لو استطاعت. ولكن هيهات هيهات. فقد جدع النبي الحكيم بإبرامه صلح الحديبية أنفها. حين أرغمت على قبول دخول المسلمين مكة لتأدية مناسك العمرة حسب شريعتهم التي قامت على أساس هدم الوثنية التي كانت قريش حتى ذلك اليوم ترى أن من واجبها الذود عنها بالمهج والأرواح.
وعندما تكامل جمع المسلمين بذى طوى وقف الرسول الأعظم ﷺ على ناقته القَصوى وسط أصحابه تحيطهم هالة من الوقار والهيبة ثم اندفع بهم نحو المدينة المقدسة (مكة) التي دخلها ﷺ من شمالها عند الحجون.
وكان القرشيون (كما قلنا) قد جلوا عن مكة إلى رؤوس الجبال لئلا يروا المسلمين في مكة أو يخالطوهم.
ومن رؤوس تلك الجبال -وعلى مد النظر- رأوا بعيون كاد يزيغها حقد
стр. 1761
الكفر وضغينة الجاهلية .. رأوا النبي محمدًا ﷺ وأصحابه يزحفون نحو مكة تشق أصواتهم عنان السماء متحدية الشرك بتلبية التوحيد "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك". وهي تلبية لا يصدع شيء قلوب الوثنيين مثل رفع الصوت بها. وخاصة في مكة التي لا زالت (حتى ذلك اليوم) تحت سلطان الوثنية ومعقلها الأكبر.
رأى المشركون القرشيون وهم معتصمون برؤوس جبال مكة في عملية أشبه بالفرار .. رأوا خصمهم الألد محمدًا وأصحابه قد حجب سوادهم الأفق وهم يتحركون نحو مكة في عزة المسلم وثبات المؤمن وخشوع العابد الصادق الذي لا يعنو وجهه ولا يخضع قلبه إلا للواحد الأحد الفرد الصمد.
رأى المشركون من قمم جبال مكة هذا المنظر المهيب الرائع. فأخذت ذكريات الماضي الأسود -الذي لم تمر عليه أكثر من سبع سنوات- تنهش قلوبهم بضراوة. فكادت -لذلك- هذه القلوب التي ما زال ظلام جهل الوثنية يغلفها. تقفز من أقفاصها في الصدور غيظًا وحنقًا. لأنهم رأوا -وبعيون لا تكاد تصدق ما ترى- محمدًا ﷺ يدخل مكة في هذا الحشد الحاشد (ألفين من أصحابه المغاوير) وهو آمنًا مطمئنًا ورغم أنوفهم .. يدخل هكذا وعلى هذا المستوى من العزة والاعتزاز بالله ثم بالنفس وبالقوة البشرية العظيمة التي تحيطه من الأصحاب، وهو (حسب منطقهم) الطريد الذي خرج من مكة (قبل سبع سنوات) مع صاحبه الصديق خائفًا يترقب يبحث عنه الموت في كل مكان. لأن سيوف الشرك. كل سيوف الشرك. خرجت من مكة يومها مصلتة تطلب رأسه. ذلك أن الحقد الوثني الكافر المجنون " يوم أن نجا محمد من المؤامرة التي دبرتها دار الندوة لاغتياله على فراشه" جعل مائة ناقة مكافأة لمن يعيد إليهم محمدًا حيًّا أو ميتًا.
وها هو محمد اليوم يأتيهم. ولكن لا كما يريدون. بل كأكره ما يكرهون. إنه يدخل مكة على هيئة لا تحتمل نفوسهم النظر إليه وهو عليها. ولذلك قرروا الجلاء عن مكة (اختيارًا) ليخلوها له ولأصحابه. لأنه وهؤلاء الأصحاب سيدخلون مكة. مرفوعة رؤوسهم تحيطهم عزة الإِيمان وتحرسهم
стр. 1762
قوة الإِسلام. في موكب مهيب ضم ألفين من المهاجرين والأنصار يتلفتون حول نبيهم الحبيب ﷺ كما تتلفت الأسود الضوارى وهي تحمى عرين أشبالها .. على هذه الهيئة الهيبة وبهذا المنظر الرائع ولج النبي ﷺ وأصحابه الكرام مكة المكرمة. وأعماق التاريخ يدمدم فيها صدى وعد الله الحق الذي وعد به نبيه العظيم وصحبه الكرام البررة .. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
هذه الآية التي استجوب الصحابة النبي الأعظم ﷺ في بيداء الحديبية وهم يبلغونه. معارضتهم لذلك الصلح. استجوبوها بشأنها فقالوا: "يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرِّفين؟ . وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟ ".
فأجابهم ﷺ . قلت لكم في سفركم هذا؟
قال عمر بن الخطاب: لا.
فقال ﷺ : أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسى ورؤسكم ببطن مكة (٢).
وها هو اليوم قد حدث فيه ما وعدوا به فالله لا يخلف الميعاد. وقد جاء في كتب السير أن النبي ﷺ لما دخل مكة وطاف بالبيت وسعى في عمرة القضية هذه استدعى عمر بن الخطاب الذي كان أشد المعارضين لصلح الحديبية وذكره بذلك.
من أين دخل النبي مكة يوم العمرة
وقد كان دخول النبي ﷺ وأصحابه مكة في هذه العمرة من الشمال عند الحجون. وقد ظل النبي ﷺ وأصحابه يلبون حتى خالطوا بيوت مكة. وهناك قطعوا التلبية (٣).
стр. 1763
وكان عبد الله بن رواحة الأنصاري آخذًا بخطام القصوى. الناقة التي يمتطيها النبي الأعظم ﷺ . واستمر الموكب النبوى في تحركه من الحجون صوب المسجد الحرام. وقد أحاط الأصحاب من المهاجرين والأنصار بالنبي الأعظم ﷺ . وقد انتظمت صفوفهم أمامه وخلفه وعن شماله وعن يمينه تعلوهم السكينة ويظلهم الوقار. خاشعين لله تعالى شكرًا له على هذا النصر المعنوى العظيم المؤزر.
وأي نصر ألذ وأعظم للطريد الذي أكره (في ظل الإِرهاب الدموى القاتل) على ترك وطنه الأول ومسقط رأسه. من أن يعود إلى هذا الوطن مرفوع الرأس عزيز الجانب. يتجول بين منازل أعدائه الألداء الذين طاردوه بالأمس في عناد ووحشية وقسوة لقطع رأسه .. يتجول بين منازلهم دون أن يجرأوا على التفكير (مجرد التفكير) في اعتراض سبيله فضلًا عن التفكير في مسه بأي أذى .. بعد أن كانت لهم (قبل سبع سنوات) القدرة الكاملة على قتله لو تمكنوا من العثور عليه وهو يغادر مكة محبطًا بذلك مؤامرتهم التي حاكوها في دار الندوة. والتي كانت تستهدف حياته لئلا يلجأ إلى أنصاره الأبطال في المدينة. والذين هم اليوم (يوم عمرة القضية) وكل أيام الصراع الذي خاضه ضد الشرك والوثنية العمود الفقرى لقواته المسلحة التي يعتمد عليها لكسب المعارك.
فما أشهاها وألذها ثمار النصر التي يجنيها الصابرون المؤمنون الصامدون في سبيل الله.
حقًّا لقد كان يومًا تاريخيًا خالدًا. ذلك اليوم الأغر الذي دخل فيه محمد ﷺ وأصحابه مكة. وموطن الروعة هنا. هو أن محمدًا يدخل اليوم مكة غير هيّاب ولا وجل .. يدخلها في ألفين من أصحابه على كره من قريش الكفر. وبعد غيبة قهرية دامت أكثر من سبع سنوات. بذلت فيها قريش كل إمكاناتها المادية والبشرية للقضاء على النبي ﷺ وإطفاء نور دعوته.
وخاضت بقواتها المسلحة أعنف المعارك مستهدفة تحطيم الكيان الإِسلامي واقتلع جذور عقيدة التوحيد من نفوس المؤمنين.
ولكن الفشل كان نصيبها في كل محاولاتها -سواء على الصعيد العسكري
стр. 1764
أم السياسي.
وما قبول قريش بدخول النبي ﷺ وأصحابه مكة معتمرين على تلك الصورة المذلة لكبرياء الوثنية. واضطرارها إلى اللجوء إلى رؤوس الجبال والاعتصام بها طيلة الأيام الثلاثة التي أقامها المسلمون بمكة. إلا المسمار قبل الأخير في نعش الوثنية التي كان دخول النبي ﷺ في عشرة آلاف من أصحابه مكة فاتحين. بعد ثمانية أشهر فقط من تاريخ هذه العمرة -هو المسمار الأخير في نعش هذه الوثنية حيث- بتحرير الجيش النبوى لمكة -أهيل التراب. نهائيًا. على خرافة الشرك والشركاء التي ظلت تتحكم في العقول بمكة حول الكعبة أكثر من أربعة آلاف سنة.
يوم حاسم في تاريخ الإِسلام
إن يوم دخول النبي ﷺ وأصحابه الكرام مكة لعمرة القضاء. هو بحق يوم حاسم في تاريخ الإِسلام، لأنه يوم انتصف فيه المسلمون من المشركين الذين ظلوا طيلة أكثر من سبع سنوات يصرون على حرمان المسلمين (دون سائر العرب) من الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة بغيًا وعدوانًا.
سلوك المسلمين الذي أدهش قريشًا
وزاد من روعة ذلك اليوم الأغر في تاريخ الإِسلام. وأثار أكثر من سؤال في نفوس العقلاء من قريش. ذلك السلوك المدهش الرفيع الذي بدا على أصحاب محمد ﷺ والمتمثل في ذلك النظام الرائع الذي كان عليه هؤلاء الأصحاب وتلك الوحدة التماسكة المكينة التي انتظم عقدها في سلك التوحيد. فلم يكن بينهم وهم يحيطون بنبيهم العظيم سائرين في اتجاه المسجد الحرام. أي أثر لفوضى الوثنية وعنجهية الجاهلية وخفة واستخفاف القبلية التي عرف بها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإِسلام.
لقد أحال الدين الحنيف الذي اعتقدوه فوضاهم إلى نظام وانضباط. وشتاتهم إلى وحدة. وتباغضهم إلى تسامح وتآخى. فها هم يسيرون خلف نبيهم العظيم. وكأنهم أسرة واحدة. لا بغضاء ولا شحناء. ولا حقد ولا ضغينة .. بل محبة وإخاء .. وتعاضد وصفاء ..
стр. 1765
إن من بوازن بين ماضي أصحاب محمد يوم أن كانوا مشركين وبين حاضرهم بعد أن أصبحوا مسلمين. لا يكاد يصدق أنهم، هم الذين كانت تحكمهم العداوات والبغضاء والمشاحنات. تصدر تفكيراتهم عن جاهلية وحشية رعناء .. "ديننا أن يقتل بعضنا بعضًا وأن يبغى بعضنا على بعض. وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهة أن تأكل من طعامه .. من كلام المغيرة بن شعبة لقائد الفرس رستم (١) ".
اندهاش القرشيين
وعلى تلك الهيئة من السكينة والوقار والضبط والانتظام. واصل الموكب النبوى تحركه من الحجون منحدرًا نحو المسجد لأداء مناسك العمرة والإِقامة في مكة الحبيبة إلى قلوب المسلمين ثلاثة أيام كما تنص على ذلك بنود صلح الحديبية التاريخي.
وبينما كان سادات مكة على تلك الدهشة التي انعقدت لها ألسنتهم لا رأوا من انقلاب عظيم في سلوك أصحاب محمد ﷺ تحول كامل. من أقصى الانحراف والانحطاط. إلى أعلى درجات السمو والاستقامة وحسن السلوك. وبينما سادات قريش مندهشون هكذا يكادون يتهمون أبصارهم فيما تراه من حال المسلمين إذ بجبال مكة تهتز -وكأنها تشارك المسلمين فرحتهم بدخول مكة على ذلك النحو من العزة والأمن والاطمئنان- فما كادت أعين المسلمين تقع على بيت الله المعظم الذي حرموا النظر إليه ست سنوات كاملة- حتى دوت أصواتهم (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).
فكادت عقول أساطين الشرك تزيغ لمنظر المسلمين الرائع ذاك، حتى لقد خيل لسادات مكة لشدة الاندهاش أن الجبال التي لجأوا إليها- لئلا يروا محمدًا وأصحابه- تلبى مع المسلمين.
وواصل الموكب النبوى تحركه نحو المسجد وسادات مكة ينظرون من مخابئهم في جبال مكة (المطلة على المسجد) بعيون تكاد تقفز من محاجرها
стр. 1766
لشدة غليان الحقد في تلك القلوب التي لم يكن الإِسلام قد لامسها وطهرها. من رجس الشرك ودنس الوثنية.
عمرة القضاء أول انتصار معنوى للمسلمين .
لقد كان قيام النبي ﷺ بأداء مناسك العمرة علي تلك الصورة المهيبة التي دخل بها النبي ﷺ وأصحابه مكة. التي لا تزال حتى تلك السنة تحت سلطان المشركين .. كان أداء النبي ﷺ وأصحابه العمرة في تلك الفترة وعلى تلك الصورة. أول نصر معنوى عظيم. تسجله الدعوة الإِسلامية على باطل المشركين الذين ظلوا يحاربونها (بكل إمكاناتهم المادية والمعنوية والإِعلامية طوال عشرين عامًا) فقد كان أحد من المسلمين عقب هجرتهم من مكة- لا يستطيع مجرد الاقتراب من هذه المدينة المقدسة. لأن ذلك يعني قتله أو حبسه وتعذيبه حتى الموت.
ولكن ها هو محمد ﷺ يجدع أنف كبرياء الشرك فيدخل مكة (رغم أنوف أساطين الوثنية) في ألفين من أصحابه متقلدين سيوفهم وعلى أتم استعداد لقطع يد، بل رأس أي إنسان يفكر في أن يمد يدًا بأي أذى إلى نبيهم الحبيب ﷺ الذي ما كانت قريش الكفر تتصور أنه (وهو الذي خرج من مكة خائفًا يترقب وحيدًا ليس معه سوى صاحبه الوفى الصادق الصديق) سيدخل مكة مرة أخرى. وفي هذه الهيئة العظيمة المهيبة. يحيطه ألفان من رجال. أعطوا العهد على أن يبذلوا أرواحهم رخيصة للذود عنه والدفاع عن دعوته.
إشاعة الحمى الصفراء الكاذبة
كان النبي ﷺ وهو في طريقه إلى مكة لأداء مناسك عمرة القضاء هذه. قد بلغه أن أجهزة إعلام القرشيين "لتحط من شأن المسلمين وتظهرهم بمظهر الضعيف المتهالك" قد روجت إشاعة بين جماهير العرب والقرشيين خاصة تقول: إن المسلمين في حالة بؤس وضعف. وأن مرض الحمى الصفراء قد أصابهم فأنهك قواهم. ولذلك نجح زعماء قريش في حمل الجماهير القرشية على عدم الاقتراب من المسلمين والارتفاع إلى رؤوس الجبال لئلا يصابوا (كما
стр. 1767
زعمت قريش) بعدوى هذه الحمى الخطيرة. وكان هدف أجهزة الدعاية الوثنية من وراء هذه الكذبة تحقير شأن المسلمين وتصغيرهم والتقليل من هيبتهم التي بدت قلوب الجماهير القرشية تمتلئ بها.
النبي يعمل على إبطال الإِشاعة
وعندما بلغ النبي ﷺ خبر إشاعة إصابة أصحابه بالحمى الصفراء. والتي أطلقتها أبواق الدعاية العادية. لفت أنظار أصحابه إلى هذه الفرية وطلب منهم القيام (عمليًّا) بما يبطل هذه الإِشاعة الكاذبة. وذلك بأن يظهروا- أمام الجماهير القرشية التي ترقبهم من التلال -بمظهر القوى النشط. فعندما واصل المسجد قال ﷺ : رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة .. ثم لكى ينفى فرية الضعف التي أطلقتها قريش بدأ طوافه بالهرولة (وهي حركة مشى نشطة دون الجرى) وهرول أصحابه معه كما هرول. واستمر النبي ﷺ يهرول وأصحابه في طوافهم يهرولون معه ثلاثة أشواط. فمضت بذلك السنة. فصار من السنة (أبد الأبدين) أن يهرول الطائف بالبيت في الأشواط الثلاثة الأول (١).
فكانت بداية طواف النبي ﷺ وأصحابه مظهرًا من مظاهر القوة والفتوة والنشاط. به انتسخت من أذهان القرشيين تلك الفرية التي أطلقتها أبواق الدعاية القرشية الوثنية.
وفعلًا رأت الجماهير القرشية المضللة بأعينها بطلان تلك الإِشاعة الكاذبة. وذلك حين رأوا المسلمين يتحركون في الطواف بالبيت وهم على ذلك المستوى بن القوة والنشاط.
ولم يكن كل القرشيين ارتفعوا إلى رؤوس الجبال لئلا يروا المسلمين ويختلطوا بهم. بل بقيت منهم جماعات كثيرة بمكة وقفوا عند دار الندوة صفوفًا ينظرون إلى المسلمين بدافع الفضول. فرأوا عكس ما كانت تروجه دعاية قريش من أكاذيب بشأن المسلمين، رأوا جيلًا من الناس. لم يروا مثله في الضبط والسكينة والوقار مع القوة الفائقة وعلامات الشجاعة والبطولة والانقياد لنبيهم ﷺ .
стр. 1768
نشوب خلاف بين المهاجرين والأنصار أثناء الطواف
وبينما كان المسلمون خلف نبيهم ﷺ يطوفون بالبيت على ذلك المستوى من العزة والقوة (وكانت أغلبيتهم الساحقة من الأنصار). أخذ الحماس بمجامع نفس أحد سادات الأنصار وهو عبد الله بن رواحة (١) الذي كان آخدًا بزمام القَصواء ناقة رسول الله ﷺ التي كان يطوف عليها بالبيت .. أخذ الحماس من نفس عبد الله بن رواحة فأرسلها من داخل المسجد أثناء الطواف صيحة حرب في وجه قريش في أبيات من الشعر قالها مرتجزًا وهو يطوف وهي:
خَلوا بني الكفار عن سبيله ... إني شهدت أنه رسوله
حقًّا وكلُّ الخير في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله ... ضربًا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله (٢)
وقد ألهبت هذه الأبيات الحماسية المثيرة مشاعر بعض الصحابة. فتحركت نوازع الحرب ضد قريش. فخاف ابن الخطاب أن يكون في قول ابن رواحة دعوة للحرب. وهو ما يخالف اتفاقية صلح الحديبية. فقال عمر بن الخطاب (كالمحذر لابن رواحة): يابن رواحة؟ . -أي ما هذا الذي تقول؟ . وكان قالها كالمحتج فسمع النبي ﷺ ما وجه ابن الخطاب من تحذير إلى عبد الله بن رواحة. فقال ﷺ يا عمر إني أسمع. فسكت عمر .. ثم أمر الرسول الحكيم ﷺ عبد الله بن رواحة أن يبتعد في أقواله عن ما يثير العواطف نحو الحرب: إيها يابن رواحة قل: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فقالها وقالها الناس (٣).
وذكر الدارقطني أن عمر بن الخطاب، حين سمع عبد الله بن رواحة يقول ذلك الشعر قال: مه يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ .
стр. 1769
المهم أن النبي الأعظم ﷺ قد أعاد بحكمته كل شيء إلى نصابه حين أمر الشاعر الصحابي عبد الله بن رواحة أن يقول (بدلًا من الشعر المثير): لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. فصار القول بهذا .. سنة حميدة يقولها المسلمون وهم يؤدون نسكهم.
النحر بين الصفا والمروة
وبعد أن أكمل النبي ﷺ الطواف بالبيت. سعى وأصحابه بين الصفا والمروة سبعة أشواط. وكان في سعيه إذا هبط الوادي بين الصفا والمروة يهرول ويهرول معه كل أصحابه الألفين إظهارًا للقوة وإغاظة للمشركين الذين زعمت أبواقهم الدعائية أن الحمى الصفراء قد أنهكت محمدًا وأصحابه حتى أصبحوا ضعافًا منهوكى القوى. وقد هرول النبي ﷺ وأصحابه طوال الأشواط السبعة بين الصفا والمروة. فكان ذلك سنة من سنن الحج والعمرة .. وقيل إن سبب الهرولة بين الميلين في السعي. هو أن "هاجر" أم سيدنا إسماعيل ﷺ كانت وهي تبحث لرضيعها إسماعيل عن ماء (قبل ظهور زمزم) تهرول كلما هبطت الوادي والله أعلم.
وبعد أن أكمل النبي ﷺ وأصحابه السعي أمر بالهدي -وكان موقفًا عند المروة- فنحره هناك ثم قال ﷺ : هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر فنحر عند المروة (١).
قريش تمنع النبي من دخول الكعبة
وبعد أن قضى النبي ﷺ وأصحابه نسكهم بعث النبي ﷺ مبعوثًا يبلغهم رغبته ﷺ في دخول الكعبة فأبوا عليه ذلك بحجة أن بنود صلح الحديبية لا تنص على أن من حق النبي ﷺ أن يدخل الكعبة (٢). فلم يدخلها ﷺ إلا يوم فتح مكة.
стр. 1770
أذان بلال من على ظهر الكعبة يغيظ المشركين
غير أن النبي ﷺ أمر بلال بن أبي رباح أن يؤذن بالظهر من على ظهر الكعبة. ففعل .. وقد أغاظ المشركين ارتقاء بلال ظهر الكعبة وهتافه من على ظهرها بكلمة التوحيد. لأنه (في نظرهم) عبد خفيض المنزلة. ثم إن إعلان كلمة التوحيد من على ظهر الكعبة المحيطة بها (حتى ذلك اليوم) ثلاثمائة صنم اتخذها القرشيون شركاء لله تقربهم إلى الله زلفى .. يعتبر احتقارًا لآلهتهم وإلغاء لوجودها.
ماذا قال سادات قريش عند سماع بلال يؤذن
فقد قال عكرمة بن أبي جهل -لقد أكرم الله أبا الحكم (يعني أباه أبا جهل) حيث لم يسمع هذا العبد (يعني بلال) يقول ما يقول.
وقال خالد بن أسيد (١) الحمد لله الذي أذهب أبي ولم يشهد هذا اليوم حيث يقوم بلال ينهق فوق الكعبة .. أما سهيل بن عمرو العامري (٢) ورجال معه فحين رأوا وسمع بلالا يؤذن من على ظهر الكعبة. غطوا وجوههم تألمًا (٣).
قريش تطلب من الرسول أن يغادر مكة بعد انقضاء المدة
وبعد أن قام النبي ﷺ وأصحابه ثلاثة أيام في مكة -كما تنص على ذلك بنود صلح الحديبية- بعثت إليه وفدًا من ساداتها ليطلب منه باسمها أن يغادر مكة في الحال. وأبلغته أنا لن تسمح له ولأصحابه أن يبيتوا في مكة أكثر من ثلاث .. فلم يمانع ﷺ في مغادرة مكة وفقًا لاتفاقية الحديبية.
فقد روى المؤرخون أن وفد قريش جاء إلى النبي ﷺ بعد ظهر اليوم الرابع. وهو مع كبار أصحابه يبادلهم الحديث في خيمة له. فيهم سعد بن
стр. 1771
عبادة سيد الخزرج.
فعندما دخل على النبي ﷺ وفد قريش أحسن وفادتهم. فقال سهيل بن عمرو: يا محمد إن قريشًا تقول لك: قد انقضى أجلك. هذه الثلاث قد مضت. فاخرج عنا. فقال ﷺ للوفد: وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا. فقالا: لا حاجة لنا في طعامك اخرج عنا.
وصاح حويطب بن عبد العزى (١) أحد أعضاء الوفد القرشي: ناشدتك الله والعقد (أي عقد الحديبية) إلا ما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث.
وهنا غضب سيد الخزرج سعد بن عبادة (وكان فيه حدة) لما رأى من غلظ كلام حويطب للنبي ﷺ فقال له: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يبرح منها إلا طائعًا راضيًا. فتبسم رسول الله ﷺ ووجه حديثه إلى سعد بن عبادة قائلًا: يا سعد لا تؤذى قومًا زارونا في رحالنا. ثم أصدر أمره إلى أصحابه بأن لا يبيتن أحد منهم بمكة تلك الليلة. وفاءًا بالعهد الذي أعطاه في صلح الحديبية.
فترك المسلمون مكة جميعهم ولم يبت بها أحد منهم إطاعة لأمر نبيهم ﷺ . وبات النبي ﷺ ليلتها خارج مكة بسرف. ثم واصل سيره حتى وصل المدينة (٢).
محاولة سفهاء المشركين التحرش بالمسلمين
وذكر بعض المؤرخين أن قومًا من سفهاء المشركين بمكة تتبعوا بعض المسلمين للتحرش بهم للإِيقاع بهم وأخذهم على حين غرة. غير أن أحد الصحابة وهو أبو رافع (٣) صاح بهؤلاء السفهاء منذرًا إياهم قائلًا: هذه والله الخيل والسلاح ببطن يأجج وأنتم تريدون نقض العهد والمدة. فخافوا وولَّوا
стр. 1772
راجعين إلى مكة منكسين. وكان رسول الله ﷺ -كما تقدم- قد حمل معه الخيل والسلاح وترك الجميع ببطن وادي يأجج خارج الحرم استعدادًا للطوارئ وترك على الخيل والسلاح هناك مئتين من أصحابه للحراسة ثم استبدلهم بغيرهم لكي يقضوا مناسك عمرتهم.
تأثر المشركين بواقع المسلمين المشرف
قلنا في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) إن الذين قدِّر لهم من القرشيين وغير القرشيين من المشركين أن يختلطوا بالمسلمين في الحديبية (مثل عروة بن مسعود سيد ثقيف، وبديل بن ورقاء سيد خزاعة، وسهيل بن عمرو العامري رئيس الوفد القرشي في مفاوضات الحديبية التاريخية) وأن اطلاعهم على حقيقة سلوك المسلمين المشرق وواقعهم المشرِّف قد نسخ من أذهانهم الصورة المشوهة التي كانت الدعاية الوثنية في مكة ترسمها للنبي وأصحابه. مما كان سببًا في فتح قلوب هؤلاء الزعماء والسادة للإسلام. فإن أثر وجود المسلمين في مكة في عمرة القضاء والمظهر الرائع الذي كانوا عليه في السلوك المشرف والانضباط والتقيد بأوامر الدين الجديد. الذي جعل منهم أسرة واحدة يحس كل فرد فيها بإحساس الفرد الآخر. بعد أن كانوا شيعًا متقاتلين وفئات متنابذين لا يلتقون إلا على جداول من دماء تسيل منهم بغيًا وعدوانًا وبطرًا ورياءًا .. - أثر واقع المسلمين وظهورهم في عمرة القضاء بذلك المظهر العجيب. كان في نفوس القرشيين - سادة وعامة أعظم بكثير.
فقد كان ما لمسه القرشيون من تغير جذرى في حياة أصحاب محمد ارتفع بهم نحو السمو والكمال وجعل منهم مجتمعًا فاضلًا. لم تشهد جزيرة العرب مثل نبله واستقامته واتحاده وتآخيه .. كان ذلك من أعظم الأسباب التي أفسحت الطريق لنور الإسلام ليخترق حجب ظلام الجهل والجاهلية ليصل إلى قلوب سادات مكة هؤلاء فيحولهم من كفرة مشركين إلى أخيار مؤمنين وأبطال غر ميامين يحمون بيضة الإسلام ويندفعون برايته مرفوعة فاتحين خارج الجزيرة العربية فيضيفون بقوة إيمانهم وصدق عزائمهم أقاليم عدة إمبراطوريات إلى خريطة دولة الإسلام. مثل خالد بن الوليد وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وخالد بن أسيد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
стр. 1773
إنه يمكن القول: أن واقع المسلمين الألفين الذين زاروا مكة في عمرة القضاء (عام سبع من الهجرة) قد قسم مشركى مكة فريقين .. فريق امتلأت نفسه خوفًا ورعبًا من المسلمين وقر في نفسه بأن هؤلاء المسلمين لا يمكن لأحد الوقوف في وجههم. وهذا نوع من النصر بالرعب الذي جاء في الحديث النبوى.
وفريق أدخل الله في نفسه الميل نحو الإِسلام (اقتناعًا بأنه دين الحق القمين بالاتباع) فأصبح - بعد عمرة القضاء - لديه الاستعداد الكامل لأن يدخل في هذا الدين.
وكل الذي شعر به الفريقان. جاء نتيجة ما لاحظوه ولمسوه في المسلمين من انقلاب في السلوك، تحول بهم من الشر إلى الخير في كل شيء. وأحال فوضاهم إلى ضبط وانتظام. وذلتهم إلى عزة واعتزاز. وفرقتهم إلى وحدة واتحاد وتباغضهم إلي محبة وتآخ.
خالد بن الوليد وأبو سفيان بن حرب
وكان خالد بن الوليد بطل قريش وقائد سلاح فرسانها أول الزعماء الذين تأثروا تأثرًا بليغًا بواقع المسلمين الذي رآهم عليه عندما جاؤا لأداء عمرة القضاء. فأدخل الله الإِسلام في قلبه فصارح بذلك قريشًا وصكهم بها صك الجندل. حين أبلغهم بأن عاقلًا بعد الآن لا يجوز له التخلف عن متابعة النبي ﷺ والدخول في دينه. لأنه نبي صادق. لا ساحرًا كاذبًا كما يدعون.
فقد وقف خالد بن الوليد (عقب مرور ثلاثة أشهر فقط على عمرة القضاء) وقف في جمع من قريش بمكة ونادى بأعلى صوته (متحديًا المشركين): (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بساحر ولا شاعر وأن كلامه من كلام رب العالين. فحق على كل ذي بني أن يتبعه).
فأزعج ذلك زميله في قيادة سلاح فرسان قريش وابن قبيلته (عكرمة بن أبي جهل) فأنكر عليه هذا القول وقال له: لقد صبؤت يا خالد.
فقال له خالد (بكل شجاعة وصراحة): لم أصبؤ ولكنى أسلمت.
стр. 1774
فقال عكرمة: وإن كان أحق قريش لا يتكلم بهذا الكلام لأنت. فقال: ولم؟ .
فقال عكرمة: لأن محمدًا وضع شرف أبيك حين جرح وقتل عمك وابن عمك ببدر. فوالله ما كنت لأسلم ولا أتكلم بكلامك يا خالد. أما رأيت قريشًا يريدون قتاله! ؟ .
فقال خالد: هذا أمر الجاهلية وحميتها. لكنى والله أسلمت حين تبين لي الحق.
أبو سفيان يهاجم خالد غاضبًا لإِسلامه
وبلغ ما قال خالد قائد عام جيوش قريش أبا سفيان بن حرب فجاء غاضبًا وسأل خالدًا أحق ما بلغني عنك؟ .
فقال خالد: نعم إنه حق .. فغضب أبو سفيان وقال: واللات والعزى لو أعلم أن الذي تقول حق لبدأت بك قبل محمد.
فقال خالد: فوالله إنه لحق على رغم من رغم. فاندفع أبو سفيان في غضبه نحو خالد يريد مقاتلته. فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل وقال (في رزانة وتعقل): مهلًا يا أبا سفيان فوالله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه. أنتم تقتلون خالدًا على رأى رآه. وهذه قريش كلها تبايعت عليه. والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم (١).
ولم يخطئ عكرمة بن أبي جهل في استنتاجاته وحساباته. حيث لم يحل الحول إلا وأهل مكة كلهم قد دخلوا في الإسلام. وذلك عقب استيلاء الجيش الإِسلامي على العاصمة المقدسة مكة.
стр. 1775
-٧ -
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص شهر صفر سنة ٨ للهجرة
ولعل من أهم الأحداث التي حدثت في أوائل السنة الثامنة للهجرة. وكان لها الأثر الفعال في تقوية الجانب الإِسلامي. وتوهين الجانب القرشي هو دخول ثلاثة من أعظم القادة القرشيين في الإِسلام بعد أن تركوا مكة وهاجروا إلى المدينة ليعلنوا إسلامهم بمحض اختيارهم. وهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة العبدرى.
فخالد بن الوليد كان صاحب حرب قريش وفارسها وقائد سلاح فرسانها. وعمرو بن العاص كان ملاذ قريش في حل المشاكل السياسية لأنه كان ذا دهاء وخبرة بالحيل .. أما عثمان بن طلحة فقد كان سيد بني عبد الدار. وصاحب لوائها وسادن الكعبة.
أما خالد بن الواجد فقد عرفنا جانبًا من قصة استعداده للدخول في دين الإِسلام حين جادل صديقه وابن عمه عكرمة بن أبي جهل. وسيد بني أمية أبا سفيان بن حرب. ولنترك هذا الفارس العظيم يكمل لنا قصة إسلامه الشيّقة كما رواها الواقدي. وغيره من أصحاب السير.
قال خالد بن الوليد: لما أراد الله بي من الخير ما أراد. قذف في قلبى حب الإِسلام وحضرني رشدى، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أنى موضع في غير شيء وأنّ محمدًا سيظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية. خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعُسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له وصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فكانت فيه خيرة. فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر. صلاة الخوف، فوقع ذلك منى موقعًا وقلت: الرجل ممنوع وافترقنا.
وعدل ﷺ عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشًا بالحديبية ودافعت قريش بالرواح قلت في نفسي: أيّ شيء بقى؟ . أين المذهب إلى النجاشي؟
стр. 1776
فقد أتبع محمدًا. وأصحابه آمنون عنده. فأخرج إلى هرقل؟ .
فأخرج من دينى إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع عجم تابعًا .. أو أقيم في دارى فيمن بقى؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ في عمرة القضية. فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد (١) قد دخل مع النبي "في عمرة القضية فطلبنى فلم يجدنى. فكتب إليَّ كتابًا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإِسلام. وعقلك عقلك. ومثل الإِسلام جهله أحد؟ . فقد سألنى رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإِسلام. ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقد مناه على غيره. فاستدرك يا أخي على ما فاتك. فقد فاتتك مواطن صالحة. قال: فلما جاءنى كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرنى مقالة لرسول الله ﷺ . قال خالد: وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة. فخرجت إلى بلد أخضر واسع. فقلت: إن هذه لرؤيا فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر.
قال: فذكرتها. فقال هو مخرجك الذي هداك الله للإِسلام والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية. فقلت يا أبا وهب: أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس (٢). وقد ظهر محمد على العرب والعجم. فلو قد قدمنا على محمد فاتبعناه. فإن شرف محمد لنا شرف. فأبى أشد الإِباء
стр. 1777
وقال: لو لم يبق غيرى من قريش ما اتبعته أبدًا. فافترقنا وقلت: هذا رجل موتور يطلب وترًا. قد قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان. فقال لي: مثل ما قال صفوان. قلت: فاطو ما ذكرت لك. قال: لا أذكره وخرجت إلى منزلى فأمرت براحلتى تخرج إلى. فخرجت بها إلى أن ألقى عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق ولو ذكرت له ما أريد! ثم ذكرت من قتل آبائه فكرهت أذكره ثم قلت: وما على وأنا راحل من ساعتى. فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر. لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج. قال: فقلت له نحوًا مما قلت لصاحبيه (أي صفوان وعكرمة) فأسرع الإِجابة وقال: لقد عدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو. وهذه راحلتى بفخ مناخة. قال: فأتعدت أنا وهو بيأجج. إن سبقنى أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال فأدلجنا سحرًا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد بهد عمرو بن العاص بها فقال مرحبا بالقوم! . فقلنا: وبك. قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإِسلام واتباع محمد ﷺ . قال: وذلك الذي أقدمنى. قال: فاصطحبنا جميعًا حتى قدمنا المدينة فأنخنا بظاهر الحرة ركابنا. فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسر بنا. فلبست من صالح ثيابي. ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ . فلقينى أخي (الوليد) فقال: أسرع فإن رسول الله ﷺ قد أخبر بك. فسر بقدومك وهو ينتظركم. فأسرعت المشي فطلعت عليه. فما زال يبتسم إلى حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق. فقلت. إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: الحمد لله الذي هداك! فقد كنت أرى لك عقلًا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير. قلت يا رسول الله قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق فادع الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ : الإِسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله. على ذلك؟ فقال: اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. قال خالد وتقدم عمرو .. وعثمان فبايعا رسول الله ﷺ . وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. فوالله ما كان رسول الله
стр. 1778
- ﷺ من يوم أسلمت يعدل لي أحدًا من أصحابه فيما حزبه (١).
قصة إسلام عمرو بن العاص
أما قصة إسلام عمرو بن العاص. فقد كانت جديرة بالبحث والتأمل. لما فيها من عبر ومواعظ.
فقد روى الطبري أن عمرو بن العاص قال: (وهو يروى بنفسه قصة إسلامه): لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي. ويسمعون منى. فقلت لهم: تعلمون والله إني لأرى أمر محمد يعلو علوًا منكرًا. وإفى قد رأيت رأيًا فما ترون فيه؟ .
قالوا وماذا رأيت؟ قلت: رأيت أن نلحق بالنجاشى. فنكون عنده. فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي. فلأن نكون تحت يديه أحب من أن نكون تحت يدي محمد وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا. فلا يأتينا منهم إلا خير. فقالوا: إن هذا لرأى. قلت: فأجمعوا لنا نهدى إليه - فكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدمًا كثيرًا. ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده. إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى (٢) وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه - قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية الضِّمرى. لو قد دخلت على النجاشي وسألته إيّاه. فأعطانيه. فضربت عنقه! فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد.
فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبًا بصديقى! أهديت لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم. أيها الملك. قد أهديت لك أدمًا كثيرًا. ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك! إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك. وهو رسول رجل عدو لنا. فأعطنيه لأقتله. فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب. ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة
стр. 1779
ظننت أنه قد كسره - يعني النجاشي - فلو انشقت الأرض لي فدخلت فيها فرقًا منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟
فقلت: أيها الملك. أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو؟ أطعنى واتبعه. فإنه والله لعلى الحق. وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: قلت: فبايعنى له على الإِسلام؟ قال: نعم فبسط يده فبايعته على الإِسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيى عما كان عليه. وكتمت أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامدًا لرسول الله ﷺ لأسلم. فلقيت خالد بن الوليد - وذلك قبل الفتح - مقبلًا من مكة فقلت إلى أين يا أبا سليمان قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي. اذهب والله أسلم فحتى متى فقلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا على رسول الله ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع. ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. ولا أذكر ما تأخر! فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو بايع فإن الإِسلام يجب ما قبله. وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها فبايعته ثم انصرفت (١).
وذكر بعض المؤرخين أن النبي ﷺ . لا رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة ليسلموا قال: لقد ألقت إليكم مكة بأفلاذ كبدها أو كما قال ﷺ . يعني بذلك الزعماء الثلاثة عمرًا. وخالدا. وعثمان بن طلحة.
إسلام خزاعة (٢) وإعطاؤهم الرسول ﷺ عهده
في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية) ذكرنا أن خزاعة قد رضي مسلمها وكافرها أن يكون في عهد النبي ﷺ كما رضيت كنانة أن
стр. 1780
تكون في عهد قريش. غير أن النبي ﷺ لم يكد يستقر بالمدينة عائدًا من الحديبية (بعد الصلح) حتى أصبحت خزاعة كلها بمختلف فخائذها مسلمة مؤمنة فأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. بالإِضافة إلى ما يعطيهم عهد الحديبية من حقوق حتى وإن لم يكونوا مسلمين ..
وقد كتب الرسول ﷺ كتابًا إلى خزاعة في شهر جمادى الآخرة سنة ثمان للهجرة. قال فيه ..
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بديل (١) (هو ابن ورقاء) وبشر (٢) (هو ابن سفيان) وسروات بني عمرو، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني لم آثم بالكم، ولم أضع في جنبكم وإن أكرم تهامة عليَّ أنتم ومن تبعكم من الطيبين، فإني قد أخذت لمن هاجر منكم مثلما أخذت لنفسى - ولو هاجر بأرضه - غير ساكن مكة إلا معتمرًا أو حاجًّا - وإني لم أضع فيكم إذ سالمت وإنكم غير خائفين من قبلي ولا محصورين. أما بعد فإنه قد أسلم علقمة بن علاثة (٣) وابناه وتابعا وهاجرا
стр. 1781
على تبعهما من عكرمة. أخذت لمن تبعنى ما آخذ لنفسى. وأن بعضنا من بعض أبدًا في الحل والحرم. وإننى والله ما كذبتكم وليحبكم ربكم (١).
-٨ -
اتصال الرسول ﷺ بملوك وأمراء الشرق الأوسط .
ولعله من أهم الأحداث السياسية التي حدثت في تاريخ الإسلام بعد معركة خيبر الحاسمة. وقبل معركة مؤتة الفاصلة. اتصال الرسول ﷺ بملوك وأمراء الشرق الأوسط، وذلك ببعثه الرسل إليهم برسائل يدعوهم فيها إلى الإِسلام، وترك ما هم عليه من عبادة لغير الله تعالى.
وكان هذا الاتصال بالملوك والأمراء في الشرق الأوسط حديث (على الأرجح) في فترة الهدنة التاريخية المعقودة بين النبي ﷺ وبين مشركى مكة، والتي تم إبرامها في الحدببية في السنة السادسة من الهجرة (٢).
استقرار الأوضاع في جزيرة العرب
ولا شك أن اتصال الرسول ﷺ بملوك وأمراء الشرق الأوسط وتوجيهه الدعوة إليهم ليدخلوا وشعوبهم في دين التوحيد يدل (بوضوح) على أن الأوضاع - داخل إطار الحكم الإِسلامي - في جزيرة العرب أصبحت أكثر استقرارًا ورسوخًا كل من أي وقت مضى.
وذلك راجع (ولله أعلم) إلى الانتصارات العسكرية التي حققتها القيادة الإِسلامية بالمدينة في معارك الدفاع والتحرير والتطهير الكبرى. التي خرج الإِسلام وحزبه منها ظافرًا، كمعركة بدر وأحد والأحزاب وبنى قريظة. والحركات التأديبية الناجحة التي قام بها الجيش الإِسلامي في الشرق والشمال والجنوب
стр. 1782
وخضد بها شوكة الأعراب، الذين كانوا مصدر تهديد (دائما) لا من المدينة التي يطمعون (منذ ظهر الإِسلام) فر الاستيلاء عليها ونهب خيراتها وإلى عقد هدنة الحديبية التاريخية.
تحرير خيبر نقطة تحول هامة
ولعل أهم نقطة تحول هامة كانت لصالح الدعوة الإِسلامية هو تحرير الجيش الإِسلامي منطقة خيبر من الوجود اليهودى الدخيل. وتوقيع قريش عقد صلح الحديبية الذي أجبرت قريش على توقيعه. والذي فيه اعترفت (ولأول مرة في حياتها) بالكيان الإِسلامي، وقبلت - مرغمة - أن تضع الحرب أوزارها بينها وبين المسلمين.
رسل النبي إلى الملوك والأمراء
ففي أوائل السنة الثامنة من الهجرة - وقبل فتح مكة بثمانية أشهر - بعث الرسول ﷺ إلى ملوك وأمراء الشرق الأوسط، يدعوهم إلى الدخول في دين الإِسلام، وعلى رأس هؤلاء الملوك والأمراء عشرة وهم:
١ - هرقل ملك الروم الشرقيين. والرسول إليه دحية بن خليفة الكلبى (١).
٢ - كسرى ملك الفرس .. والرسول إليه عبد الله بن حذافة السهمى (٢).
стр. 1783
٣ - النجاشي ملك الحبشة .. والرسول إليه عمرو بن أمية الضِّمرى (١).
٤ - المقوقس حاكم مصر .. والرسول إليه حاطب بن أبي بلتعة (٢).
٥ - المنذر بن ساوى ملك البحرين .. والرسول إليه العلاء بن الحضرمي (٣). (أسلم هذا الملك. انظر ترجمته في الإِصابة في تمييز الصحابة ج ٣ ص ٤٣٩).
٦ هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة .. والرسول إليه سليط بن عمرو العامري (٤).
٧ - الحارث بن أبي شمّر الغساني ملك الجولان .. والرسول إليه شجاع بن وهب الأسدي (٥).
٨ - الحارث الحميرى ملك اليمن. والرسول إليه المهاجر بن أبي أمية المخزومي (٦).
٩ - جيفر بن جلندى (بفتح الجيم والدال) أحد ملوك عمان ..
стр. 1784
والرسول إليه عمرو بن العاص (١).
١٠ - عباد بن جلندى أحد ملوك عمان أيضًا .. والرسول إليه أيضًا عمرو بن العاص.
تنازع السيادة على العالم
وكان أعظم هؤلاء الملوك الذين دعاهم النبي ﷺ إلى الإِسلام .. هما هرقل إمبراطور الرومان الذي يمتد ملكه من القسطنطينية حتى حدود الجزيرة العربية .. كسرى إبرويز إمبراطور الفرس. الذي بالإِضافة إلى اتصال مملكته بحدود الجزيرة العربية اتصالًا مباشرًا. كانت له مناطق نفوذ في اليمن حيث كان له نائبًا في صنعاء يحكمها وما حواليها باسم الإِمبراطورية الفارسية.
وكانت هاتان الإِمبراطوريتان تتنازعان السيادة على العالم. الأمر الذي أثار
стр. 1785
بينهما نزاعًا مسلحًا ظل قائمًا حتى جاءت الجيوش الإِسلامية وأطاحت بحكم الإمبراطوريتين المتخاصمتين في آن واحد.
ويمكن تقسيم الذين كتب إليهم النبي ﷺ يدعوهم إلى الإِسلام من الملوك والأمراء إلى فئات أربع.
الفئة الأولى. هم ملوك وأمراء العرب المستقلين الذين ليس لأحد عليهم سلطان داحل الجزيرة العربية. وهم يدينون بالوثنية التي بها استبدلوا دين التوحيد الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل .. ومن هؤلاء ملك البحرين وملكا عمان وملك حمير في اليمن.
الفئة الثانية. وهم العرب المتنصرة الذين يرتبطون (فيما يشبه الكومنولث) بالتاج البيزنظى في القسطنطينية (اسطنبول) .. والذين يقيمون في منطقة الجولان (١) من سوريا. ويمثلهم الحارث بن شمر الغساني.
الفئة الثالثة .. هم البيزنطيون (الروم الشرقيون) الذين أدخلوا على دين عيسى ﷺ الكثير من التحريفات والتبديلات التي أخرجت عن جوهره النقى الصافى جوهر التوحيد - إلى طقوس ومراسيم تتنافى كليًّا مع قواعد وأصول الدين الذي جاء به عيسى ﷺ . ويمثل هؤلاء الرومان هرقل الذي جاء خطاب رسول الله ﷺ وهو في بيت المقدس.
الفئة الرابعة. هم الأمة الفارسية التي يمثلها كسرى أبرويز. وهؤلاء كانوا يدينون بالمجوسية فيعبدون النار إلهًا من دون الله.
أما النجاشي ملك الحبشة. فيظهر أن الكتاب الذي بعث به إليه النبي ﷺ لم يكن لدعوته إلى الإِسلام وإنما يظهر أنها كانت رسالة تتناول مواضيع أخرى .. لأن النجاشي كان مسلمًا منذ هاجر إليه جعفر بن أبي طالب وأصحابه .. كما يدل على ذلك حديث عمرو بن العاص عن قصة إسلامه كما مضى في هذا الكتاب.
أما المقوقس حاكم مصر (فقد كان نصرانيًّا) يحكم باسم الإِمبراطورية الرومانية رغم أن أصول نصرانية القوقس وكل أقباط مصر تختلف مع أصول
стр. 1786
نصرانية الروم البيزنطيين.
نص الكتاب النبوى إلى الملوك والأمراء
كان الكتاب الذي بعث به النبي ﷺ إلى هؤلاء الملوك والرؤساء يحمل الدعوة السلمية. وليس فيه أي إنذار بالحرب. ويجد القارئ جميع نصوص هذه الكتب إلى الملوك والأمراء في كتاب الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة. فليرجع إلى هذا الكتاب من يريد الاطلاع على هذه النصوص. وكل كتاب من هذه الكتب يحمل مضمونًا واحدًا. وهو دعوة الجميع إلى عبادة الله وحده.
فمثلًا كتب الرسول ﷺ إلى هرقل يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإفى أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فعليك إثم الإِريسيين (١) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
كما كتب ﷺ إلى ملك الفرس: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا عبده ورسوله .. وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم. فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك) (٢).
ردود الملوك والأمراء
وقد كانت ردود الملوك والأمراء متفاوتة من حيث الرفض أو القبول أو التوقف. ولعل أفضل جواب تلقاه النبي ﷺ هو جواب النجاشي ملك الحبشة الذي كتب إلى الرسول ﷺ كتابًا يرحب فيه بدعوته ويعلن إسلامه
стр. 1787
واتباعه النبي ﷺ (١) وكذلك هرقل ملك الروم. كان ردده إيجابيًا فقد كان الملك (هرقل) أكثر ملوك الأرض العظام (بعد النجاشي) تأثرًا بكتاب النبي ﷺ وأعظم إدراكًا وتفهمًا لما تضمنه الخطاب النبوى المرسل إليه.
كان هرقل من بين جميع الملوك والأباطرة الذي أدرك بثاقب بصيرته ودقة فراسته (ولما يجده مكتوبًا في الإِنجيل) أن المنطقة التي حكمها ثلاثين عامًا (٢) ستشهد على يد حمال الدعوة المحمدية الجديدة أحداثًا خطيرة تغيِّر كل الأوضاع فيها تغييرًا كاملًا شاملًا. وكان (كما دلت تصرفاته) يود أن يتبع ورعيته النبي ﷺ ويؤمن برسالته.
كيف تلقى الملك هرقل كتاب النبي ﷺ -؟
ففي السنة السابعة للهجرة - عقب انهيار الوجود اليهودى في خيبر وقبل معركة مؤتة الفاصلة - استدعى النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبى كلفه بأن يحمل إلى الإِمبراطور (هرقل) كتابه الذي ذكرنا نصه قيما مضى والذي يدعوه فيه إلى الإِسلام.
وكان هرقل في ذلك الوقت مقيمًا في القدس التي حج إليها مشيًا على الأقدام شكرًا لله على انتصاره على ملك الفوس (أبرويز) الذي هزمه بعد أن حصر القسطنطينية وكاد يطيح بالإِمبراطورية الرومانية الشرقية كلها.
ويذكر المؤرخون أن الإِمبراطور هرقل كان - على سعة ملكه واتساع إمبراطوريته التي كان رواقها ممتدًا (عند ظهور الإِسلام) مِن مياه البحر الأسود والقسطنطينية شمالًا حتى حدود جزيرة العرب جنوبًا. ومن مياه الأطلسي وأطراف الصحراء الكبرى وليبيا وتونس ومصر غربًا حتى حدود إيران شرقًا. كان شديد التدين. لذلك نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشيًا حافيًا إن تم له التغلب على خصمه التقليدى ملك الفرس. وقد فعل.
وكان هرقل يعتبر من ناحية العلم بالنصرانية في مرتبة الرهبان. فكان - لذلك يعلم - أن نبيًّا من العرب سيبعث لتجديد دين إبراهيم وموسى وعيسى. كما هو مكتوب في التوراة والإِنجيل التي يعلم هرقل علمهما.
стр. 1788
قصة أبي سفيان مع الملك هرقل
وكان أمر ظهور النبي ﷺ قد بلغ الملك هرقل وهو بالقدس فكان لذلك يتوق بتلهف إلى معرفة الحقيقة عن النبي ﷺ كما هي. ليتأكد ما إذا كانت أوصافه تتفق مع الصفات المطلوب توفرها في التوراة والإنجيل للرجل الذي سيختاره الله من العرب ولابد ليكون رسولًا للعالمين.
ولا أدل من اهتمامه بهذا الأمر أنه منذ بلغته مختلف الأخبار المتناقضة عن ظهور النبي ﷺ كان يبعث برجال من استخباراته وشرطته إلى مختلف مناطق الشام لعلهم يجدون من أهل مكة نفسها ممن يرتادون الشام دائما للتجارة. من يحدثه بأمانة عن حقيقة محمد وجوهر دعوته.
وشاء الله أن يظفر رجال الملك هرقل (من قواته الخاصة) في غزة بسيد من سادات العرب. وهو أبو سفيان بن حرب. قائد عير قريش التي كانت في رحلتها الصيفية التجارية إلى الشام.
فطلبوا منه أن يصحبهم من غزة إلى القدس. حسب رغبة الإمبراطور فأجابهم أبو سفيان إلى ذلك فاحتملوه وبعضا من رجاله وهناك في القدس اجتمعوا بالإمبراطور فاسستجوبهم بشأن حقيقة الرسول ﷺ وحذَّرهم من أن يكذبوه الحديث.
ولنترك أبا سفيان بن حرب نفسه ليروى لنا ذلك اللقاء التاريخي الذي تم بينه وبين الإمبراطور (هرقل) وذلك الاستجواب الذي أجراه الإمبراطور معه بنفسه.
قال أبو سفيان: كنا قومًا تجارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى أنهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله ﷺ لم نأمن إلا أن نجد أمنًا، فخرجت في نفر من قريش تجارًا إلى الشام، وكان وجه متجرنا (غزة) فقدمناها حين ظهر (هرقل) على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منہا.
وأثناء إدلاء أي سفيان بحديثه عن استجواب الإمبراطور (هرقل له) عن حقيقة النبي ﷺ ذكر أن (هرقل) رأى في المنام رؤيا وهو في بيت المقدس.
стр. 1789
جعلته يضاعف اهتمامه بأخبار النبي ﷺ فقال .. إنه أخبر أن (هرقل) لا انتهى إلى بيت المقدس وقضى فيه صلاته. أصبح "ذات غداة مهمومًا يقلب طرفه إلى السماء. فقال له بطارقته .. والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهمومًا. قال: أجل أُريت في المنام أن ملك الختان ظاهر. قالوا: ما نعلم أمة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك، فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق كل من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهم.
قال أبو سفيان إنهم والله لفى ذلك من رأيهم يديرونه، إذا أتاهم رسول صاحب بُصرى (١) برجل من العرب، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإِبل ويحدث عن أمر حدث ببلاده فسَله عنه.
فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بُصرى. قال هرقل: لترجمانه سله ما كان هذا الحَدث الذي كان ببلاده؟ فسأله: فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، قد اتبعه ناس وخالفه ناس. وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة فتركتهم على ذلك.
ويذكر أبو سفيان فيقول: وعندها أمر (هرقل) بتفتيش الرجل. فإذا هو مختون. فقال (هرقل): هذا والله الذي رأيت، لا ما تقولون، أعطوه ثوبه، ثم دعا الإِمبراطور صاحب شرطته. وقال له .. قلب لي الشام ظهرًا وبطنًا حتى تأتينى برجل من قوم هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ). قال أبو سفيان: فوالله إنا (لبغزة) إذ هجم علينا صاحب شرطته. فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا؟ قلت: أنا، فنقلنا في الحال إلى بيت المقدس حيث الملك (هرقل).
فلما انتهينا إليه. قال: أنتم من رهط هذا الرجل؟ (يعني النبي ﷺ ) قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا قلت: أنا (٢).
стр. 1790
ويتحدث أبو سفيان عن هيبة (هرقل) فيقول: وأيم الله ما رأيت من رجل كان أنكر من ذلك الأغلف - يعني هرقل - فقد قال لرئيس شرطته: أدنه منى، فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خلفى. ثم قال: إني سأسأله، فإن كذب فردوا عليه. قال أبو "سفيان: فوالله لو كذبت ما رُد على ولكنى كنت امرأ سيدًا، أتكرم عن الكذب، وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك على، ثم يحدثوا به عنى، فلم أكذبه. وقد كان استجواب الإِمبراطور لأبي سفيان على النحو التالي.
فقد بدأ الإِمبراطور استجوابه لأبي سفيان بقوله .. أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدَّعى ما يدعى.
فقال أبو سفيان: فجعلت أزهِّد له شأنه وأصغر له أمره وأقول: أيها الملك ما يهمك من أمره؟ إن شأنه دون ما يبلغك.
ولم يُعجب الإِمبراطور هذا التهرب وتهوين أبي سفيان من شأن الرسول ﷺ لذلك انتهره. وقال: أنبئنى عما أسألك عنه من شأن صاحبكم، قال أبو سفيان: قلت: سل عما بدا لك.
فقال كيف نسبه فيكم؟
قلت: محض (أي خالص). هو أوسطنا نسبًا.
قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته في الماضى يقول مثل ما يقول فهو يتشبه به؟ قلت: لا.
قال: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ ؟ .
قلت: لا.
فقال: أخبرني عن أتباعه منكم. من هم؟
قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث والغلمان والنساء. وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.
قال: فأخبرني عمن يتبعه، أيحبه ويلزمه؟ .
قلت: ما تبعه رجل ففارقه.