نصرانية الروم البيزنطيين.
نص الكتاب النبوى إلى الملوك والأمراء
كان الكتاب الذي بعث به النبي ﷺ إلى هؤلاء الملوك والرؤساء يحمل الدعوة السلمية. وليس فيه أي إنذار بالحرب. ويجد القارئ جميع نصوص هذه الكتب إلى الملوك والأمراء في كتاب الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة. فليرجع إلى هذا الكتاب من يريد الاطلاع على هذه النصوص. وكل كتاب من هذه الكتب يحمل مضمونًا واحدًا. وهو دعوة الجميع إلى عبادة الله وحده.
فمثلًا كتب الرسول ﷺ إلى هرقل يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإفى أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فعليك إثم الإِريسيين (١) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
كما كتب ﷺ إلى ملك الفرس: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا عبده ورسوله .. وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم. فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك) (٢).
ردود الملوك والأمراء
وقد كانت ردود الملوك والأمراء متفاوتة من حيث الرفض أو القبول أو التوقف. ولعل أفضل جواب تلقاه النبي ﷺ هو جواب النجاشي ملك الحبشة الذي كتب إلى الرسول ﷺ كتابًا يرحب فيه بدعوته ويعلن إسلامه
стр. 1787
واتباعه النبي ﷺ (١) وكذلك هرقل ملك الروم. كان ردده إيجابيًا فقد كان الملك (هرقل) أكثر ملوك الأرض العظام (بعد النجاشي) تأثرًا بكتاب النبي ﷺ وأعظم إدراكًا وتفهمًا لما تضمنه الخطاب النبوى المرسل إليه.
كان هرقل من بين جميع الملوك والأباطرة الذي أدرك بثاقب بصيرته ودقة فراسته (ولما يجده مكتوبًا في الإِنجيل) أن المنطقة التي حكمها ثلاثين عامًا (٢) ستشهد على يد حمال الدعوة المحمدية الجديدة أحداثًا خطيرة تغيِّر كل الأوضاع فيها تغييرًا كاملًا شاملًا. وكان (كما دلت تصرفاته) يود أن يتبع ورعيته النبي ﷺ ويؤمن برسالته.
كيف تلقى الملك هرقل كتاب النبي ﷺ -؟
ففي السنة السابعة للهجرة - عقب انهيار الوجود اليهودى في خيبر وقبل معركة مؤتة الفاصلة - استدعى النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبى كلفه بأن يحمل إلى الإِمبراطور (هرقل) كتابه الذي ذكرنا نصه قيما مضى والذي يدعوه فيه إلى الإِسلام.
وكان هرقل في ذلك الوقت مقيمًا في القدس التي حج إليها مشيًا على الأقدام شكرًا لله على انتصاره على ملك الفوس (أبرويز) الذي هزمه بعد أن حصر القسطنطينية وكاد يطيح بالإِمبراطورية الرومانية الشرقية كلها.
ويذكر المؤرخون أن الإِمبراطور هرقل كان - على سعة ملكه واتساع إمبراطوريته التي كان رواقها ممتدًا (عند ظهور الإِسلام) مِن مياه البحر الأسود والقسطنطينية شمالًا حتى حدود جزيرة العرب جنوبًا. ومن مياه الأطلسي وأطراف الصحراء الكبرى وليبيا وتونس ومصر غربًا حتى حدود إيران شرقًا. كان شديد التدين. لذلك نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشيًا حافيًا إن تم له التغلب على خصمه التقليدى ملك الفرس. وقد فعل.
وكان هرقل يعتبر من ناحية العلم بالنصرانية في مرتبة الرهبان. فكان - لذلك يعلم - أن نبيًّا من العرب سيبعث لتجديد دين إبراهيم وموسى وعيسى. كما هو مكتوب في التوراة والإِنجيل التي يعلم هرقل علمهما.
стр. 1788
قصة أبي سفيان مع الملك هرقل
وكان أمر ظهور النبي ﷺ قد بلغ الملك هرقل وهو بالقدس فكان لذلك يتوق بتلهف إلى معرفة الحقيقة عن النبي ﷺ كما هي. ليتأكد ما إذا كانت أوصافه تتفق مع الصفات المطلوب توفرها في التوراة والإنجيل للرجل الذي سيختاره الله من العرب ولابد ليكون رسولًا للعالمين.
ولا أدل من اهتمامه بهذا الأمر أنه منذ بلغته مختلف الأخبار المتناقضة عن ظهور النبي ﷺ كان يبعث برجال من استخباراته وشرطته إلى مختلف مناطق الشام لعلهم يجدون من أهل مكة نفسها ممن يرتادون الشام دائما للتجارة. من يحدثه بأمانة عن حقيقة محمد وجوهر دعوته.
وشاء الله أن يظفر رجال الملك هرقل (من قواته الخاصة) في غزة بسيد من سادات العرب. وهو أبو سفيان بن حرب. قائد عير قريش التي كانت في رحلتها الصيفية التجارية إلى الشام.
فطلبوا منه أن يصحبهم من غزة إلى القدس. حسب رغبة الإمبراطور فأجابهم أبو سفيان إلى ذلك فاحتملوه وبعضا من رجاله وهناك في القدس اجتمعوا بالإمبراطور فاسستجوبهم بشأن حقيقة الرسول ﷺ وحذَّرهم من أن يكذبوه الحديث.
ولنترك أبا سفيان بن حرب نفسه ليروى لنا ذلك اللقاء التاريخي الذي تم بينه وبين الإمبراطور (هرقل) وذلك الاستجواب الذي أجراه الإمبراطور معه بنفسه.
قال أبو سفيان: كنا قومًا تجارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى أنهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله ﷺ لم نأمن إلا أن نجد أمنًا، فخرجت في نفر من قريش تجارًا إلى الشام، وكان وجه متجرنا (غزة) فقدمناها حين ظهر (هرقل) على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منہا.
وأثناء إدلاء أي سفيان بحديثه عن استجواب الإمبراطور (هرقل له) عن حقيقة النبي ﷺ ذكر أن (هرقل) رأى في المنام رؤيا وهو في بيت المقدس.
стр. 1789
جعلته يضاعف اهتمامه بأخبار النبي ﷺ فقال .. إنه أخبر أن (هرقل) لا انتهى إلى بيت المقدس وقضى فيه صلاته. أصبح "ذات غداة مهمومًا يقلب طرفه إلى السماء. فقال له بطارقته .. والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهمومًا. قال: أجل أُريت في المنام أن ملك الختان ظاهر. قالوا: ما نعلم أمة تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك، فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق كل من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهم.
قال أبو سفيان إنهم والله لفى ذلك من رأيهم يديرونه، إذا أتاهم رسول صاحب بُصرى (١) برجل من العرب، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإِبل ويحدث عن أمر حدث ببلاده فسَله عنه.
فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بُصرى. قال هرقل: لترجمانه سله ما كان هذا الحَدث الذي كان ببلاده؟ فسأله: فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، قد اتبعه ناس وخالفه ناس. وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة فتركتهم على ذلك.
ويذكر أبو سفيان فيقول: وعندها أمر (هرقل) بتفتيش الرجل. فإذا هو مختون. فقال (هرقل): هذا والله الذي رأيت، لا ما تقولون، أعطوه ثوبه، ثم دعا الإِمبراطور صاحب شرطته. وقال له .. قلب لي الشام ظهرًا وبطنًا حتى تأتينى برجل من قوم هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ). قال أبو سفيان: فوالله إنا (لبغزة) إذ هجم علينا صاحب شرطته. فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا؟ قلت: أنا، فنقلنا في الحال إلى بيت المقدس حيث الملك (هرقل).
فلما انتهينا إليه. قال: أنتم من رهط هذا الرجل؟ (يعني النبي ﷺ ) قلنا: نعم. قال: فأيكم أمس به رحمًا قلت: أنا (٢).
стр. 1790
ويتحدث أبو سفيان عن هيبة (هرقل) فيقول: وأيم الله ما رأيت من رجل كان أنكر من ذلك الأغلف - يعني هرقل - فقد قال لرئيس شرطته: أدنه منى، فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خلفى. ثم قال: إني سأسأله، فإن كذب فردوا عليه. قال أبو "سفيان: فوالله لو كذبت ما رُد على ولكنى كنت امرأ سيدًا، أتكرم عن الكذب، وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك على، ثم يحدثوا به عنى، فلم أكذبه. وقد كان استجواب الإِمبراطور لأبي سفيان على النحو التالي.
فقد بدأ الإِمبراطور استجوابه لأبي سفيان بقوله .. أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدَّعى ما يدعى.
فقال أبو سفيان: فجعلت أزهِّد له شأنه وأصغر له أمره وأقول: أيها الملك ما يهمك من أمره؟ إن شأنه دون ما يبلغك.
ولم يُعجب الإِمبراطور هذا التهرب وتهوين أبي سفيان من شأن الرسول ﷺ لذلك انتهره. وقال: أنبئنى عما أسألك عنه من شأن صاحبكم، قال أبو سفيان: قلت: سل عما بدا لك.
فقال كيف نسبه فيكم؟
قلت: محض (أي خالص). هو أوسطنا نسبًا.
قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته في الماضى يقول مثل ما يقول فهو يتشبه به؟ قلت: لا.
قال: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ ؟ .
قلت: لا.
فقال: أخبرني عن أتباعه منكم. من هم؟
قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث والغلمان والنساء. وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.
قال: فأخبرني عمن يتبعه، أيحبه ويلزمه؟ .
قلت: ما تبعه رجل ففارقه.
стр. 1791
قال: فأخبرني، كيف الحرب بينكم وبينه؟ .
قال: قلت: سجال، يدال علينا وندال عليه.
قال: فأخبرني، هل يغدر؟ . وهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ..
قال: فلم أجد شيئًا مما سألنى عنه أغمزه فيه غيرهما. قلت: لا، ونحن منه في هدنة ولا نأمن غدره قال: فوالله ما التفت إليها منى.
قال هرقل: ماذا يأمركم! .
قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (١).
والمدهش في الأمر أن عظيم الروم (هرقل) قد ركز (وهو يستجوب سيد قريش أبا سفيان) على نقاط جوهرية وصفات أساسية تعتبر لدى العقلاء والعالمين بعلوم التوارة والإِنجيل من الأحبار، من الدلائل القاطعة على أن هذا الذي يتصف بهذه الصفات هو النبي المنتظر الذي يتوقعون ظهوره ويبشر المنصفون به.
هرقل يعترف بنبوة محمد ﷺ -
وكم كانت دهشة أبي سفيان عظيمة عندما أعلن (فور استجوابه أبا سفيان. وفي نفس المجلس) أن محمدًا ﷺ هو النبي العربي المنتظر الذي سيغير مجرى التاريخ ويبدل أتباعه خريطة العام. وأن ذلك أمر لا مفر منه.
فبعد ذلك الاستجواب الذي أجراه الملك (هرقل نفسه) مع سيد قريش وعدو محمد يومئذ أبي سفيان بن حرب، أعلن بكل صراحة ووضوح أن هذا الرجل (محمدًا) الذي يحاربونه ويناوئونه سينتصر عليهم وعلى كل من يقف في سبيل دعوته.
لأنه نبي مرسل من عند الله. وصرح هرقل (وهو الإِمبراطور العظيم) أنه
стр. 1792
يود لو أنه يكون من أتباعه بل ويتمنى أن يكون له شرف غسل قدميه.
فقد جاء في صحيح البخاري. أن الملك هرقل - بعد أن أتم استجواب أبي سفيان في قاعة العرش بالقدس - قال للترجمان قل لأبي سفيان: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك .. هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك .. أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك .. هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك .. بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشبكوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمى هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال (هرقل) وكثر الصخب وارتفعت الأصوات وخرجنا، فقلت لأصحابى حين خرجنا .. لقد أمِّر أمر ابن أبي كبشة (وهذه صفة ذم يصف المشركون بها الرسول ﷺ ) أنه يخافه ملك بني الأصفر (١).
أثر كلام هرقل في نفس أبي سفيان
ولا شك أن استجواب الإِمبراطور هرقل أبا سفيان مصارحته بأن صاحبهم
стр. 1793
محمدًا نبي سيملك ما تحويه يد الإِمبراطور في الشام. كان ذا أثر فعّال في نفس سيد قريش أبي سفيان، الأمر الذي جعله يخفف من حدة عداوته للرسول ﷺ كما شهدت بذلك الأحداث فقد كان ما سمع أبو سفيان من الإِمبراطور، هرقل بشأن الرسول ﷺ سببًا في ملامسة الإِسلام قلب أبي سفيان. وقد عبر عن هذه الحقيقة أبو سفيان بنفسه حين قال (عقب حديثه عن المقابلة التي جرت بينه وبين الإِمبراطور): فما زلت موقنًا أنه (أي النبي ﷺ سيظهر حتى أدخل الله على الإِسلام) (١).
هرقل يتسلم الدعوة من الرسول إلى الدخول في الإِسلام
وذكر عامة المؤرخين وأهل الحديث. أن هرقل - بعد الاستجواب الذي أجراه بنفسه مع سيد قريش أبي سفيان بن حرب وعرف على أثره أن محمد بن عبد الله هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإِنجيل - قرر في نفسه أن يتبع الرسول ﷺ ويؤمن به. بل قرر أن يقنع أهل الحل والعقد في إمبراطوريته، وخاصة رجال الكنيسة الذين يعلمون علمه، بأن يؤمنوا بالرسول محمد ﷺ .
إلا أن (هرقل) مع رغبته الملحة في تحقيق هذا الأمر العظيم، كان يتوقع معارضة خاصته ومستشاريه وكبار رجال دولته - حفاظًا على مراكزهم المتازة التي يتمتعون بها في الإِمبراطورية.
وبينما عظيم الروم هرقل نهبًا للقلق بين الإقدام والإِحجام. كيف يفاتح كبار دولته بالدعوة إلى اتباع النبي محمد ﷺ الذي لم يعد لديه أدنى ريب في أنه هو الرسول الذي بشرت به التوراة والإِنجيل. كيف يواجه معارضة خاصته ومستشاريه من رجال الكنيسة وقادة الجيوش، والتي قد تؤدى إلى خلعه من على كرسى الإِمبراطورية أو قتله .. بينما هو هكذا نهبًا لهذه الهواجس، إذا برئيس حرسه يقطع عليه تفكيره حين دخل عليه وخلفه دحية الكلبى مبعوث النبي الخاص يحمل إلى هرقل الخطاب الذي يدعوه فيه الرسول
стр. 1794
- ﷺ إلى الدخول في الإِسلام. ويحمله مسئولية بقاء شعبه على الكفر إذا لم يفعل (١).
هرقل يكرم حامل كتاب النبي ﷺ إليه
ولم يكن وصول كتاب النبي ﷺ مفاجأة لهرقل، فقد كان يتوقع وصوله، لأنه يعرف (فيما علم من الإِنجيل) أن محمدًا ﷺ ليس رسولًا إلى العرب وحدهم. بل رسولًا إلى الناس كافة. والشعوب إنما تُخاطَب في أشخاص ملوكها وحكامها المتحدثين باسمها.
ولهذا كان يتوقع أن يصل إليه مبعوث من محمد ﷺ يحمل إليه - الدعوة إلى الدخول في الإسلام. وعندما دخل دحية الكلبى وأخبر الإمبراطور أنه رسول رسول الله ﷺ وسلمه كتاب النبي ﷺ استدعى ترجمانه الخاص. وطلب منه أن يترجم له كتاب الرسول ﷺ ففعل. وبعد أن علم فحوى الكتاب. أمر بإكرام دحية الكلبى. وأمر بأن ينزل ضيفًا عليه. وأوصى بالعناية به.
هرقل يستطلع رأى روما في دعوة الرسول ﷺ -
ومع تخوف الملك هرقل على نفسه من رجال دولته إن هو دعاهم إلى الدخول في الإِسلام فإنه قد صمم على ذلك. ولكنه قبل أن يفاتح رجال دولته في هذا الأمر الخطير. أحب أن يتصل بمركز البابوية في روما (رغم ما بين الإِمبراطوريتين من الخلافات السياسية) ليخبر الرهبان الختصين ويستشيرهم في هذا الأمر الخطير.
فكتب هرقل إلى أولئك العلماء المختصين في رومية (روما) يذكر لهم أمر النبي ﷺ ويصف لهم شأنه، ويوضح لهم صفاته ويخبرهم بمحتوى كتابه الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام ويطلب منهم كلمة الفصل، فيما إذا كان هو النبي ﷺ المنتظر الذي توصى التوراة والإِنجيل باتباعه.
وقد جاء الجواب من روما (لهرقل) يؤكد أن محمدًا هو النبي المنتظر. ويوصى الإِمبراطور باتباعه وتصديقه (٢).
стр. 1795
الإمبراطور هرقل يدعو شعبه لاعتناق الإسلام
لقد كان (هرقل) كعالم بالتوراة والإنجيل. يعلم أن محمدًا ﷺ هو النبي الذي كانوا ينتظرونه. ولكنه كتب إلى روما ليكون ما يتسلمه من تأييد لرأول عامل إقناع لأهل الحل والعقد في دولته، بالدخول في الإِسلام.
فبعد أن تلقى (هرقل) من روما ما يؤكد اعتقاده بأن محمد بن عبد الله هو النبي الذي ينتظرونه صار أكثر تصميمًا على دعوة شعبه إلى الدخول في الإِسلام، فدعا (وهو في القدس) أهل الحل والعقد من بطارقة الروم إلى اجتماع عام في قصره ليشرح لهم الموقف على حقيقته. وينصحهم بأن خير وسيلة لتجنب الويلات والمصائب التي ستتعرض لها مملكته هو اتباع النبي محمد ﷺ .
الاجتماع التاريخي في حراسة مشددة
غير أن الإِمبراطور (وكان مع علمه الواسع شديد الذكاء والحذر) قد اتخذ احتياطات مشددة لمواجهة أيِّ رد فعل عنيف من أركان دولته عندما يجتمع بهم ويفاتحهم في موضوع الدعوة إلى اعتناق الإِسلام.
فقد أوعز إلى قادة حرسه الخاص بأن يقفلوا كل الأبواب ويقفوا عليها بالسلاح، بعد أن يكتمل اجتماعه بالبطارقة وبقية أركان دولته. وأن يمنعوهم من الخروج من قاعة الإجماع. إذا ما لاحظوا عليهم بادرة تذمُّر أو تمرد.
ثم تحسبا لكل طارئ اتخذ الإِمبراطور لنفسه مقصورة تقع في أعلى: تشرف على قاعة الاجتماع. وأحاط مقصورته هذه بحراسة مشددة من قواته الخاصة.
البطارقة وأركان الدولة يرفضون دعوة الإِمبراطور ويحاولون التمرد
وبعد أن اكتمل الاجتماع في القصر الملكى بالقدس. أطل الإِمبراطور من مقصورته على المجتمعين، ثم خاطبهم في هدوء يدعوهم إلى الدخول في الإِسلام قائلًا: "يا معشر الروم إني قد جمعتكم لخير، إنه أتانى كتاب هذا الرجل يدعونى إلى دينه، وإنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا (١) ".
стр. 1796
ولقد حدث من البطارقة وبقية وجوه الدولة ما كان يخشاه ويتوقعه الإِمبراطور (هرقل) فما كاد يكمل حديثه بشأن النبي ﷺ حتى علاهم الغضب جميعًا، فثارت ثائرتهم وأضمروا الشر للإمبراطور. حيث كان جوابهم على دعوته الخيِّرة. أن نفروا منه وحاصوا من القاعة حيصة الحمرُ الوحشية من شدة الغضب لما سمعوا من الإِمبراطور واستبقوا الأبواب ليخرجوا احتجاجًا على ما سمعوا من دعوتهم إلى ترك دينهم (١).
غير أنهم وجدوا الأبواب مغلقة وعليها الحراس في كامل أسلحتهم فمنعوهم من الخروج، فازداد غضبهم وعادوا إلى قاعة الاجتماع ليبلغوا الإِمبراطور احتجاجهم.
تراجع هرقل خوفًا على ملكه
وعندما رأى الإمبراطور أن هؤلاء (كلهم يمثلون أركان دولته) قد رفضوا بالإِجماع دعوته وأَضمروا له الشر خاف على نفسه، فلجأ إلى ملاينتهم ليتجنب شرَّهم. فخاطبهم قائلًا (يا معشر الروم إني قد قلت لكم المقالة التي قلت، لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسر به فسجدوا له ورضوا عنه. ثم أمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا" (٢).
الأسقف الذي قتله بطارقة هرقل لإِعلانه الإِسلام
ولم تكن محاولة الإِمبراطور هرقل تلك التي حاول بها إقناع قومه باتباع الرسول ﷺ المحاولة الوحيدة، فقد روى ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٦٧. أن الإِمبراطور بعد أن تسلم كتاب الرسول ﷺ المتضمن دعوة الروم إلى الإِسلام. استدعى أسقفًا كبيرًا (اسمه صفاطر) وأطلعه على مضمون الكتاب النبوي ثم طلب منه أن يبدى رأيه قائلًا: فما تأمرنى؟ فقال الأسقف: هو والله الذي بشر به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر. أما أنا فإني
стр. 1797
مصدق ومتبعه فقال قيصر: أعرف ذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم.
وفي تاريخ الرسل والملوك للطبرى. أن الإِمبراطور هرقل (بعد فشله في إقناع أركان دولته باتباع النبي محمد ﷺ ) استدعى مبعوث النبي الخاص دحية الكلبى. وقال له: إننى والله لأعلم أن صاحبك نبي مرسل ولولا أننى أخاف الروم على نفسي لاتبعته، وقد علمت ما حدث منهم عندما دعوتهم إلى اتباعه، ولكن اذهب إلى كبير أساقفتهم (صفاطر) فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله أعظم في الروم منى، وأجوز قولًا عندهم منى، فانظر ما يقول لك.
فذهب دحية الكلبى إلى الأسقف إياه. فأخبره بما جاء به من رسول الله ﷺ إلى هرقل، وبما يدعم إليه. فقال (صفاطر): صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه.
قال دحية: ثم دخل ونزع ثيابًا كانت عليه سودا، ولبس ثيابًا بيضا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله (وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أحمد عبده ورسوله).
قال: فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، حتى قتلوه. فلما رجع دحية إلى الملك هرقل فأخبره الخبر. قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا. فصفاطر - والله - كان أعظم عندهم وأجوز قولًا منى (١).
هل أسلم الملك هرقل ؟
وذكر بعض أصحاب الحديث والسير أن الإِمبراطور هرقل أسلم (سرًّا) وبقى على إسلامه حتى مات (٢) والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 1798
قلق الملك هرقل
لقد عاش الملك هرقل أيامًا قلقة، بعد تلقيه خطاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام.
وزاده قلقًا وحيرة واضطرابًا أن رفض أركان دولته وزعماء الكنيسة دعوته إياهم إلى الدخول في الإِسلام، بل وحاول قادة جيشه عندما كان في حِمص القيام بانقلاب مسلح للإِطاحة به لإِظهاره الميل والرغبة إلى أن يدخل شعبه في دين الإِسلام حيث نادى مناديه في حمص .. (ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه) (١). فأخفى ما كان قد أظهر. وطمأن القوات السلحة التي حاولت الإِطاحة به وطوقت قصره. بأنه (كما تقدم) إنما أراد بما تظاهر به من الإِيمان بمحمد واتباعه اختبار صلابتهم في التمسك بالنصرانية .. (٢).
التناقضات المتصارعة بنفس هرقل
مما لا شك فيه أن الإِمبراطور هرقل (منذ تلقى كتاب الرسول ﷺ الذي يدعوه وشعبه إلى الدخول في الإِسلام) قد صار عرضة لتيارين شديدين متناقضين داخل أعماق نفسه.
عامل الإستجابة لصوت الحق الذي يهتف به في أعماق نفسه بأن يؤمن بالنبي ﷺ ويتبعه لأنه بات على ثقة بأنه النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإِنجيل (٣).
وعامل الحفاظ على عرش الإِمبراطورية الذي يتطلب بقاؤه عليه متربعًا، التمسك بالنصرانية بل والإِخلاص لها، فالرومان لن يرضوا (مطلقًا) أن يكون على عرش إمبراطوريتهم ملك غير مسيحي.
وتفيد تقارير أصحاب السير والتواريخ (بالإِجماع) أن العاملين كانا في
стр. 1799
نفس الإمبراطور (هرقل) متساويان، فهو يعلم حق العلم أن محمد بن عبد الله هو الرسول الذي بشر به عيسى. لذلك كان يحرص على أن يؤمن به ويتبعه، بل ويحرص على أن يؤمن به ويتبعه شعبه أيضًا. على أن يظل محتفظًا بعرش الإمبراطورية.
لذلك نراه (وكما دلت جميع المصادر التاريخية) يتظاهر - حرصًا على عرشه - بالإخلاص للنصرانية، مع أنه (في واقع الأمر) قد نفض يده فنها، منذ الجلسة الأولى التي اجتمع فيها بالقدس إلى أركان دولته وأبلغهم فحوى كتاب النبي ﷺ ودعاهم إلى الاستجابة إلى ما جاء فيه من دعوة الروم إلى الإِسلام.
هرقل يدعو قومه مرة أخرى وأخيرة إلى الإِسلام أو إعطاء الجزية .
ورغما عن المعارضة الشديدة التي لقيها من أركان دولته وقادة جيشه الذين حاولوا الإطاحة به بسبب موقفه من دعوة الإِسلام. فإنه لم ييئس وعاود الكرَّة مرة أخرى (عندما اعتزم مغادرة الشام في أخريات أيام الرسول ﷺ ) فدعا (وهو بحمص) أهل الحل والعقد من رجال الكهنوت وقادة الجيش والوزراء إلى اجتماع خاص.
في هذا الاجتماع، أخبرهم بأنه قد قرَّر العودة إلى عاصمة ملكه القسطنطينية، ولكن قبل عودته يجب أن يتحدّث إليهم حديثًا صريحًا، حول موضوع الإِسلام، وما يجب أن يفعلوه تلافيًا لما يهدد الإمبراطورية من أخطار الزوال، نتيجة ما يتوقع أن يحديث (ولابد) على أيدى حملة الدين الجديد (الإِسلام) من تغيّرات جذرية في مجرى التاريخ وتبديل كلى لخريطة العالم.
فقد عرض عليهم عروضًا ثلاثة، وطلب منهم قبول أحدها كوسيلة لدفع الخطر الذي يتهدد الإمبراطورية في المستقبل القريب على يد حاملى رسالة الإِسلام (وخاصة ممتلكات الإمبراطورية في سورية وفلسطين والأردن ولبنان) وآسيا الصغرى - تركيا الآسيوية اليوم.
فقد قال الإِمبراطور: يا معشر الروم إني عارض عليكم أمورًا فانظروا فيم قد أردتها.
стр. 1800
قالوا: ما هي.
قال: تعلمون والله أن هذا الرجل (يعني محمدًا ﷺ ) لنبي مرسل، إنا نجده في كتابنا نعرفه بصفته التي وصف لنا، فهلمَّ فلنتبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
فقالوا: نحن نكون تحت أيدى العرب، ونحن أعظم الناس ملكا، أكثرهم رجالًا، وأفضلهم بلدًا.
قال: فهلمّ فأعطيه الجزية في كل سنة، أكسر عنى شوكته وأستريح من حربه بمال أعطيه إياه.
قالوا: نحن نعطى العرب الذل والصغَّار بخَرج يأخذونه منّا، ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا، لا والله لا نفعل هذا أبدًا. قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعنى وأرض الشام فقالوا: نحن نعطيه أرض عمورية وقد عرفت أنها أرض سورية الشام لا تفعل هذا أبدًا.
هرقل يودع سوريا الوداع الأخير
وبعد أن رفض أركان دولة بيزنطا عروض ملكهم الثلاثة قال لهم (وقد تهيأ للعودة إلى عاصمة ملكه على البوسفور) .. أما والله لترون أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بغل له، فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكم أرض سورية تسليم الوداع ثم ركض حتى دخل قسطنطينية عاصمة ملكه (١).
تحقيق المقام حول موقف هرقل من الإِسلام
مما لا جدال فيه أن جمهرة أئمة الحديث والسير والتاريخ (البخاري - مسلم - أحمد - الترمذي - الطبري - الواقدي وغيرهم) مجمعون على أن الملك هِرقل قد استقبل خطاب الرسول ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الدخول في الإِسلام، بالترحاب والقبول والتكريم، وأنه كان مقتنعًا بأن محمدًا ﷺ نبي مرسل إلى الناس كافة كما هو مكتوب في التوراة والإِنجيل، وأنه كان حريصًا على أن يعتنق وشعبه الإِسلام. وأنه حاول (بمختلف الوسائل) أن يقنع أهل الحل والعقد من رجال الكهنوت وقادة الجيش والوزراء والأعيان في الإِمبراطورية
стр. 1801
أن يقبلوا نصحه فيدخلوا في الإِسلام، ولكنهم جميعهم عصوه، بل وغضبوا لدعوته هذه. وحاول قادة الجيش أن يطيحوا به من على عرشه. الأمر الذي اضطره إلى أن يظهر لهم خلاف ما يبطن، فيعلن لهم أنه متمسك بالنصرانية، وأنه إنما أراد بما سمعوا منه اختبار تمسكهم بدينهم.
ولكن ميله نحو الإِسلإم ورغبته في اعتناقه ظلتا تسيطران على نفسه، ولكن حرصه على ملكه منعه من أن يفعل فعل النجاشي الذي أعلن إسلامه، رغم معارضة أركان دولته، بل وقيامهم ضده بعصيان مسلح حاولوا به الإِطاحة به. فحماه الله وحرسه من شرهم. فبقى ملكًا في الحبشة على شعب غير مسلم.
ويذكر بعض المؤرخين وأصحاب الحديث. أن الملك هرقل، كتب إلى النبي ﷺ أنه قد دان بالإسلام، ولكنه لا يستطيع الجهر به، لأنه مغلوب على أمره من قومه، ولكن الرسول ﷺ لم يقبل منه هذا العذر ففي مسند الإِمام أحمد أن الملك هرقل كتب إلى النبي ﷺ من تبوك أنى مسلم، فقال النبي ﷺ كذب إنه على نصرانيته، وفي لفظ كذب عدو الله، والله ليس بمسلم. قال الحافظ ابن حجر ﵀ فعلى هذا إطلاق صاحب الاستعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ولم يعمل بمقتضاه، بل شح بملكه وآثر العافية على العاقبة (١).
وفي السيرة الحلبية: قال ابن برهان الدين: كتب هرقل إلى النبي ﷺ كتابًا وأرسله مع دحية الكلبى يقول فيه: إني مسلم ولكننى مغلوب وأرسل بهدية، فلما قرئ الكتاب على الرسول ﷺ قال: كذب عدو الله ليس بمسلم. وقبل الرسول ﷺ هديته وقسمها بين المسلمين. قال ابن برهان الدين: ويدل على صدق هذه ارواية أن هرقل قاتل المسلمين في مؤته. وذلك قبل (غزوة تبوك) وعقب تسلمه خطاب الرسول ﷺ
стр. 1802
الذي بعث به إليه دحية الكلبى يدعوه فيه إلى الإِسلام (١).
إسلام الملك المنذر بن ساوى:
كذلك تجاوب ملك البحرين (المنذر بن ساوى) (٢) التميمي مع دعوة الرسول ﷺ فأكرم رسول النبي ﷺ ثم أعلن إسلامه، فاستخلفه مبعوث النبي ﷺ إليه العلاء بن الحضرمي مكانه على البحرين. حين استقدم الرسول ﷺ العلاء إلى المدينة (٣) وكان المنذر تابعا لإِمبراطورية فارس ويحكم الخليج باسمها.
جواب ملك الغساسنة التهديد بغزو الجزيرة
أما ملك الجولان ودمشق من قبل الروم (الحارث بن أبي شعر الغساني) فقد كان جوابه على دعوة الرسول ﷺ له إلى الإِسلام. التهديد بغزو المدينة.
فقد ذكر المؤرخون أن الحارث لما وصله شجاع بن وهب بكتاب رسول الله ﷺ . وفيه "سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك" قال الحارث: ومن ينتزع ملكى؟ إني سأسير إليه (٤).
стр. 1803
موقف المقوقس حاكم مصر
أما المقوقس حاكم مصر من قبل الرومان. فقد جاءه كتاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام. وهو في الإِسكندرية. وكان حامل كتاب الرسول ﷺ إليه حاطب بن أبي بلتعة، فاستقبل المقوقس مبعوث النبي ﷺ استقبالا حسنا للغاية. فأكرمه. وقبل كتاب النبي ﷺ .
وروى البيهقي، أن الملك المقوقس عقد اجتماعًا دعا إليه البطارقة على أثر تلقيه دعوة الرسول ﷺ وحضر هذا الاجتماع مبعوث النبي ﷺ حاطب بن أبي بلتعة. وفي هذا الاجتماع سأل المقوقس حاطبا: (أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ قال حاطب: بل هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يَدْعُ على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها.
قال حاطب: فقلت: عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى. قلت: فما له حين أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك (١)).
стр. 1804
اعتراف المقوقس بنبوة النبي محمد ﷺ -.
ثم كتب المقوقس إلى النبي ﷺ يعترف فيه بأنه خاتم الأنبياء. إلا أنه لم يسلم خشية على ملكه. فقد كتب المقوقس "باسمك الله من المقوقس إلى محمد".
أما بعد فقد بلغني كتابك، وقرأته وفهمت ما فيه. أنت تقول: إن الله تعالى أرسلك رسولًا، وفضلك تفضيلًا. وأنزل عليك قرآنا مبينًا، فكشفنا يا محمد في علمنا عن خبرك، فوجدناك أقرب داع دعا إلى الله، وأصدق من تكلم بالصدق. ولولا أنى ملكت ملكًا عظيمًا، لكنت أول من سار إليك، لعلمى أنك خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين" (١).
كسرى يمزق كتاب الرسول ﷺ فيمزق الله ملكه
ولعل أعنف ردّ فعل أحدثته دعوة النبي ﷺ الملوك والأمراء في الشرق الأوسط إلى الإِسلام. هو ذلك الذي بدا واضحا من تصرف عظيم الفرس الملك (كسرى - أبرويز) الذي مزق كتاب النبي ﷺ إليه قبل أن يترجم له. وسبب ذلك أن النبي ﷺ بدأ بنفسه في الكتاب فغضب كسرى ومزق الكتاب.
وكان نص كتاب النبي ﷺ إلى كسرى كما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك. (٢)
стр. 1805
وقد ذكر المؤرخون أن مبعوث النبي ﷺ بكتابه إلى كسرى لما وصل وعلم كسرى بذلك أمر بإيوانه أن يزين ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن بعد ذلك لمبعوث النبي ﷺ . فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله ﷺ أن يقبض. فقال المبعوث النبوى الخاص: لا حتى أدفعه إليك كما أمرني رسول الله ﷺ فقال كسرى أدنه، فدناه. فناوله الكتاب ثم دعا كسرى كاتبا له (من عرب الحيرة) فبدأ قرأءة الكتاب فإذا فيه (من محمد رسول الله إلى عظيم الفرس) فأغضبه ذلك حين بدأ رسول الله ﷺ بنفسه وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه (١) فلما بلغ النبي ﷺ ما فعل كسرى بكتابه قال: (مزِّق ملكه) (٢).
وبعض أهل السير يذكر أن كسرى لم يمزق كتاب الرسول ﷺ إلا بعد أن قرأه عليه الترجم كله، قال (غاضبا): يكتب إلى هذا وهو عبدى (٣).
وذكر آخرون من المؤرخين والمختصين في بحث خطابات الرسول ﷺ ووثائقه ومعاهداته أن كسرى (أبرويز) - بعد أن هدأ غضبه. طلب إعادة مبعوث النبي ﷺ الخاص إليه بعد أن أمر بطرده. ولكن حرسه لم يعثروا عليه. حيث وجدوه غادر المدائن (٤).
عامل كسرى على اليمن يعصى أمره ويسلم
ولم يكتف كسرى بتكذيب النبي ﷺ وتمزيق كتابه وطرد مبعوثه. بل أصدر أمره إلى عامله بصنعاء (باذان) وهو ملك اليمن من قبله. أصدر أمره إليه بأن يرسل إلى النبي ﷺ قوة لتقبض عليه، ثم يرسله إليه في المدائن مخفورًا.
стр. 1806
وقد نفذ (باذان) أمر كسرى أول الأمر. فبعث إلى النبي ﷺ رجلين من خاصته. ليطلبا منه الحضور إلى اليمن. ليبعث به ملكها إلى كسرى.
غير أن رسولى (باذان) عادا إليه من المدينة بأخبار وانطباعات عن الرسول ﷺ جعلت (باذان) - وكان أكبر عقلا وأبعد نظرا من كسرى - يدخل في الإِسلام هو وجميع الذين يقعون تحت سلطانه في اليمن وذلك بعد أن ثار شيرويه على أبيه كسرى فقتله.
فقد جاء في أمهات التاريخ أن كسرى (أبرويز) كتب إلى باذان ... أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جَلدين، فليأتيانى به.
فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه - وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس - وبعث معه رجلا من الفرس يقال له .. خُرّحِسْره، وكتب معهما كتابًا إلى النبي ﷺ ، يأمره فيه أن ينصرف معهما إلى كسرى. إلا أنّ (باذان) لما يريد الله به من هداية. قال لبابويه: ائت هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ) وكلّمه وأتنى بخبره.
استبشار المشركين وفرحهم بتهديد كسرى للنبي ﷺ -.
فخرج رسولا (باذان) حتى قدما الطائف، فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرض الطائف فسألاهم عن الرسول ﷺ فقالوا هو بالمدينة. واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا قد نصب له كسرى ملك الملوك، كُفيتم الرجل. أي أن الملك كسرى سيتولى القضاء بنفسه على النبي ﷺ ودعوته.
النبي يخبر رسولى باذان بقتل شرويه لأبيه كسرى
فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلمه بابويه فقال: إنَّ شاهانشاه (ملك الملوك كسرى) قد كتب إلى الملك باذان. يأمره، أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثنى إليك لتنطلق معى، فإن فعلت كتب
стр. 1807
فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكف عنك وإن أبيت، فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك، قال الطبري: وقد دخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما. فقال: ويلكما، من أمركما بهذا: قالا: أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله ﷺ لكن ربى أمرنى بإعفاء لحيتى وقص شاربى. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتيانى غدا، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء أن الله قد سلط على كسرى ابنه (شيرويه) فقتله في شهر كذا وكذا، ليلة كذا وكذا من الليل، بعد ما مضى من الليل - سلّط عليه ابنه (شيرويه) فقتله.
قال الواقدي: قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها. (١).
وفي اليوم التالي: استدعى الرسول ﷺ رسولى الملك (باذان) وأبلغهما أن شيرويه قد قتل أباه كسرى فاستعظما ذلك واستنكراه منه. فقالا له: هل تدرى ما تقول. إنّا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك ونخبره الملك قال ﷺ : نعم أخبراه ذلك عنى. وقولا له: إن دينى وسلطانى سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهى إلى منتهى الخف والحافر، (٢) وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى خُرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة. كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عند رسول الله ﷺ حتى قدما على (باذان) بصنعاء فأخبراه الخبر: فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول، ولننظرن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلام، إنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
شيرويه يأمر باذان بعدم التعرض للرسول ﷺ -
وبينما الملك باذان يفكر فيما نقل إليه رسولاه عن النبي ﷺ من أقوال
стр. 1808
إذا رسول (شيرويه بن كسرى) يقدم عليه بكتاب جاء فيه "أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل بن قتل أشرافهم وتجميرهم (١) في ثغورهم، فإذا جاءك كتابى هذا فخذلى الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فلا تهجه (يعني النبي ﷺ ) حتى يأتيك أمرى فيه.
وهنا استيقن الملك باذان أن محمدا ﷺ نبي حقا. فقال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الأبناء معه من فارس من كان منهم باليمن (٢).
قال ابن كثير في البداية والهاية ج ٤ ص ٢٧٠: وروى الحافظ البيهقي. أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إن ربي قد قتل الليلة ربك - إشارة إلى تسليط الله شيرويه على أبيه كسرى حتى قتله. وأخبر النبي ﷺ أن كسرى قد استخلف ابنته. فقال ﷺ "لا يفلح قوم تملكهم امرأة" (٣).
ملك اليمامة يقرب من الإِسلام ولا يسلم:
أما صاحب اليمامة هوذة بن علي. فقد أعجبه ما دعا إليه الرسول ﷺ فقبل أن يتبعه. ولكنه اشترط أن يجعل له بعض الأمر ولكن النبي ﷺ أبي عليه ذلك.
فقد كتب إليه الرسول ﷺ "من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي: سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك".
стр. 1809
فرد هوذة على النبي ﷺ بكتاب قال فيه: "ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومى وخطيبهم، والعرب تهاب مكانى، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك" (١).
وقال ابن الأثير كان هوذة بن علي نصرانيًّا، فلما جاءه كتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإِسلام. أرسل إليه وفدا يخبره بأنه يقبل الدخول في الإِسلام شريطة أن يجعل له الأمر من بعده. فلما تبلغ النبي ﷺ هذا الشرط. رفضه قائلا: (لا ولا كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل) (٢).
وذكر أن هوذة هذا كان عنده عظيم من عظماء النصارى حين رد على كتاب النبي ﷺ بما رد. فقال له: لم لا تجيبه قال: أنا ملك قومى ولئن اتبعته لم أملك.
فقال: بلى والله لئن اتبعته ليملكنك، وأن الخيرة لك في اتباعه. وإنه النبي العربي الذي بشر به عيسى بن مريم ﵊، وإنه لمكتوب عندنا في الإِنجيل، محمد رسول الله (٣).
إسلام ملكى عُمان
أما ملكا عمان الأخوان. جيفر وعبد ابنا الجلندى. فقد كتب إليهما رسول الله ﷺ مع عمرو بن العاص كتابًا قال فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإِسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإِسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإِسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلى تحل بساحتكما وتظهر نبوتى على ملككما" (٤).
وذكر المؤرخون وأصحاب الحديث. أن عمرو بن العاص قد أقنع
стр. 1810
الملكين في عمان. فدخلا في الإِسلام بعد مناقشات طويلة أجرياها مع عمرو بن العاص حول الإِسلام وجوهر دعوته وحقيقة أهدافه وأثر تعاليمه.
ومن جملة النقاش الذي دار بين عمرو بن العاص والملك (عبد) ملك عمان هذا الكلام .. قال (عبد) لعمرو .. متى تبعت محمدا ( ﷺ ).
قال عمرو: قريبا. فسألنى: أين كان إسلامي؟ . فقلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم. قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ . قلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة؟ ؟ قلت: نعم قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب. قلت: وما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت: بلى. قال: بأي شيء علمت يا عمرو؟ . قلت: كان النجاشي ﵁ يخرج له خراجا (١). فلما أسلم النجاشي وصدق بمحمد ﷺ . قال: لا والله ولو سألنى درهما واحدا ما أعطيته. فبلغ هرقل قوله. فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجًا ويدين دينًا محدثًا؟ . فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضن بملكى لصنعت كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو. قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذي يأمر به وينهى (أي النبي ﷺ )؟ قك: يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.
فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي (جيفر) يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق له. ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا (أي تابعا). قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله ﷺ على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال: إن هذا الخلق حسن. قال عمرو: فأخبرته لما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال.
стр. 1811
ويذكر عمرو بن العاص، أنه بعد هذا النقاش والبحث الذي دار بينه وبين الملك عبد (وكان حليما سهلا) وبعد ممانعة من حجاب الملك جَيفَر. أوصله (عبد) إلى أخيه جيفر. فسلمه عمرو كتاب رسول الله ﷺ ففضه فقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه (عبد) فقرأه، ثم قال (جَيفَر): ومن معه؟ فقلت: الناس قد رغبوا في الإِسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعلم أحد بقى غيرك في هذه الخرجة، وأنت إن لم تسلم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك (أي جماعتك) فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال.
قال: دعنى يومى هذا وارجع إليّ غدًا. فلما كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فرجعت إلى أخيه (عبد) فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. فقال: إني فكرت فيما دعوتنى إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلًا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه (عبد) - وكان حليمًا عاقلًا - قال عمرو: ثم أصبح فأرسل إليّ فأجاب إلى الإِسلام هو وأخوه جميعًا وصدقا، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونًا على من خالفنى (١).
إسلام حمير في اليمن
أما ملك حمير في اليمن (وهو الحارث بن عبد كلال) فقد كتب إليه النبي ﷺ وإلى أخويه نعيم ومسروح كتابًا مع المهاجر بن أبي أمية هذا نصه "بسم الله الرحمن الرحيم: إلى الحارث ومسروح ونعيم بن كلال من حمير، سلم أنتم ما آمنتم بالله ورسوله. وإن الله وحده لا شريك له بعث موسى بآياته، وخلق عيسى بكلماته، قالت اليهود: (عزيز بن الله) وقالت النصارى: (الله ثالث ثلاثة، عيسى بن الله) (٢).
стр. 1812
ولم يتردد ملوك حمير في الاستجابة لدعوة الإِسلام فعقب تسلمهم كتاب النبي ﷺ . بعثوا إليه وفدا بإسلامهم. وكان هذا الوفد مؤلفًا من (الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان) (١).
النجاشي الذي لم يسلم
أما الكتاب الذي بعثه النبي ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة يدعوه إلى الإِسلام مع عمرو بن أمية الضمرى. فهو ليس النجاشي أصحمة. الذي كان قد أسلم قبل الهجرة على يد جعفر بن أبي طالب. وإنما هو الذي تولى ملك الحبشة بعده. فهذا النجاشي لم يسلم. أثبت ذلك الإمام مسلم في صيحيحه من رواية أنس بن مالك. وأكده الإمام ابن حزم (٢).
أما النجاشي (أصحمة) فقد أسلم على يد جعفر بن أبي طالب قبل الهجرة، وبنصيحة من أصحمة هذا أسلم عمرو بن العاص "انظر قصة إسلام النجاشي على يد جعفر في سيرة ابن هشام في مظنه" غير أن هذا لا ينافي أن يكون عمرو بن أمية الضمري قد جاء بكتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي أصحمة المسلم. كما جاء بكتاب آخر من الرسول ﷺ إلى نجاشى الحبشة الذي لم يقبل الدخول في الإِسلام. وهو النجاشي الذي خلف أصحمة المسلم على الحبشة، لأن مجئ عمرو بن أمية الضمري بكتاب من رسول الله ﷺ إلى النجاشي المسلم أمر متواتر بين أصحاب المغازي والسير.
ويذكر الدكتور محمد حميد الله في كتابه "الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة) نصوص كتب أربعة بعث بها النبي ﷺ إلى نجاشي الحبشة وقد تكون روايات مختلفة النص كتاب واحد. ونختار منها هذا النص. ثم نورد نص جواب الملك النجاشي أصحمة الذي أبلغ النبي ﷺ أنه قد آمن به وأسلم على، يد ابن عم النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب.
стр. 1813
نص الخطاب النبوى إلى النجاشي
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم، أسلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإق أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذي جإءني، فإني رسول الله.
وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ونفرًا معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت نصحى ونصحت فاقبلوا نصحى والسلام على من اتبع الهدى) (١).
جواب الملك النجاشي على كتاب النبي ﷺ -
وكما روى أصحاب المغازي عدة صيغ لكتب النبي ﷺ إلى النجاشي. كذلك أوردوا صيغا مختلفة لإِجابة الملك النجاشي على كتاب النبي ﷺ إليه. إلا أن كل التي صيغ تؤكد أن النجاشي أعلن إسلامه في كل هذه الصيغ ونحن نختار هذه الصيغة من أجوبة النجاشي وهي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشي الأصحم ابن أبجر.
سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإِسلام. أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت تفروقا (٢)، إنه كما قلت. وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه وأسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك
стр. 1814
بابنى أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله فإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك يا رسول الله" (١).
إسلام جبَلة بن الأيهم
وهناك ملوك وأمراء آخرون كتب إليهم النبي ﷺ يدعوهم إلى الإِسلام أو أرسل إليهم مبعوثين خاصين فأسلم أكثرهم. ومن أهم هؤلاء الملوك: جبلة بن الأيهم أحد ملوك غسان.
فقد ذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ كتب إلى جبلة يدعوه إلى الإِسلام. وأن جبلة كتب إلى الرسول ﷺ يعلن إسلامه. إلا أن أحدا من المؤرخين لم يورد نصّ أي من الكتابين (٢).
مخاطبة الرسول ﷺ ملوك وأمراء الشرق الأوسط: بداية التحول في مجرى تاريخ المنطقة
ويمكن القول: إن نجاح النبي ﷺ (بحنكته وبعد نظره) في إقامة هدنة بينه وبين أقوى قوة وثنية تعاديه في جزيرة العرب (هي قريش) قد أعطته فرصة كبيرة تفرغ فيها لأن يسحق (أولًا) الوجود الاستعمارى اليهودى في خيبر. ثم مكنته هذه الفرصة من أن يجعل صوت دعوته يتخطى (بصفة رسمية) حدود جزيرة العرب. فيتصل بملوك الروم والفرس والحبشة. يدعوهم (من مركز القوة والثقة) إلى الدخول في الإِسلام والتحول من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق.
فكان بعث النبي ﷺ بكتبه مبعوثيه الخاصين إلى الملوك والأمراء داخل وخارج جزيرة العرب .. يعتبر نقطة تحول خطيرة في تاريخ حركة وفعالية
стр. 1815
ونشاط الدعوة الإِسلامية.
فقد كانت هذه الدعوة (حتى) صلح الحديبية مقتصرة (في تحركاتها السلمية ومعاركها الحربية) على مناطق محدودة من هذه الجزيرة الشاسعة هي مناطق بعض القبائل النجدية الواقعة شرقي المدينة ومنطقة الحجاز الوسطى والغربية بصفة رئيسية .. فقد كان الصراع بين الإِسلام والوثنية (حتى صلح الحديبية) إنما كان يدور بين النبي ﷺ من جهة، وبين قريش في منطقة الحجاز وقبائل غطفان في الشريط الغربي من منطقة نجد الشاسعة من جهة أخرى. بالإِضافة إلى القيام ببعض الدوريات الاستطلاعية على نطاق ضيق في مناطق مبعثرة في الشمال وبعض مناطق الحجاز الشرقية فقط.
أما بعد صلح الحديبية. وبعد القضاء على أقوى قوة مسلحة للمستعمرين اليهود في خيبر (آخر معقل لهؤلاء الدخلاء). فقد اتسع نشاط الدعوة الإِسلامية وازدادت فعالية حركاتها بشكل ملحوظ (سواء على صعيد التبليغ والإِنذار. أم على صعيد الحرب والقتال).
فبعد عقد صلح الحديبية لم يبق أمير أو ملك داخل الجزيرة العربية وخارجها في الشرق الأوسط إلا وتلقى من النبي ﷺ كتابًا يدعوه فيه إلى الإِسلام. ويحذره من مغبة رفض الاستجابة لداعى الله.
ولهذا يمكن القول: إن الكتب التي بعث بها الرسول ﷺ إلى ملوك وأمراء الشرق الأوسط كانت البداية التي هزت عروش وكراسى الملوك والأمراء الذين استكبروا فرفضوا دعوة الحق انتهت هذه البداية بما تعرضت له المناطق والممالك التي يحكمها هؤلاء الملوك والأمراء من أحداث خطيرة على يد الفاتحين المسلمين غيرت مجرى التاريخ كله لا في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم كله. على عهد الخلفاء الراشدين ومن أتى بعدهم من خلفاء وملوك الإِسلام الذين وصلت طلائع جبوشهم إلى قلب فرنسا وأبواب مدينة فيينا في النمسا ووارسو في الغرب وخليج البنغال وقلب الصين وأواسط روسيا في الشرق.
стр. 1816
- ٩ -
سرية شجاع بن وهب إلى هوازن .. ربيع الأول سنة ثمان للهجرة
هي دورية قتال قام بها شجاع بن وهب إلى هوازن. وكانت قبائل هوازن من أقوى القبائل التي ظلت في الحجاز ذات شوكة. تتربص بالمسلمين الدوائر. وكان النبي ﷺ بين الحين والحين يجس نبضها، ويحاول إرهابها وشن الغارة عليها داخل أراضيها. لئلا تطمع في المسلمين أو تظن بهم الضعف.
فرغم بعد ديار هوازن عن المدينة حيث تقع في الثلث الواقع بين الطائف ونجد ومكة. فإنه ﷺ كان يبعث بالسرايا تجوب خلال ديار هوازن. هذه التي خاضت فيما بعد ضد المسلمين أعنف معركة حربية شهدها العهد النبوى. وهي معركة حنين. التي التقى فيها اثنا عشر ألفا من المسلمين بعشرين ألفا من هوازن.
ففي ربيع الأول من سنة ثمان. بعث الرسول ﷺ بسرية قوامها أربعة وعشرون رجلا. بقيادة شجاع بن وهب إلى ديار بني عامر بهوازن شرقي الطائف. وأمره بأن يطأ أرضهم في غارة حربية.
فصدع القائد شجاع .. وتحرك برجاله. فصار يكمن النهار ويسير الليل. زيادة في الكتمان. وذلك أسلوب يتبعه كل قادة السرايا والدوريات الحربية في العهد النبوى ليضمنوا مباغتة العدو. لأن المباغتة في العرف العسكري (في كل زمان ومكان) تكون من أهم أسباب النجاح في تحقيق الأهداف.
نجاح الحملة
وقد نجح القائد شجاع في حملته وكان عامل الكتمان من أهم عوامل نجاحه. حيث صبح القوم في ديارهم على حين غفلة في منطقة السى. فاستولوا على إبل وشاء كثيرة. ولم يذكر المؤرخون أنهم لقوا في هذه الحملة قتالا. ويظهر أن المشركين هربوا (رعبا) من المسلمين، ولبعد المسافة بين
стр. 1817
المدينة وديار بني عامر. غابت السرية خمسة عشر يومًا.
ا لنبي يطلق سراح النساء
وكان قد وقع في أيدى رجال شجاع بن وهب أثناء الغارة بعض النساء سبايا (١) فجاءوا بهن مع الغنائم إلى المدينة .. غير أن بني عامر الذين شُنت الغارة عليهم جاء منهم وفد إلى المدينة معلنين إسلامهم .. ثم كلموا رسول الله ﷺ في النساء السبايا. فكلم النبي ﷺ القائد شجاع بن وهب ورجال دوريته فيهن ورغب إليهم أن يردوهن إلى أهلهن ففعلوا جميعهم (٢).
- ١٠ -
سرية غالب بن عبد الله (٣) إلى الكديد (٤) .. صفر سنة ثمان للهجرة
وهي دورية قتال قوامها بضعة عشر رجلا قادها الأمير غالب بن عبد الله إلى ديار الوثنيين من بني الملوح (٥). وهم بطن من بني ليث (٦).
فقد كانت قبائل الساحل الغرلى (ما عدى غفار) في حالة حرب مع النبي ﷺ . وكان بنو الملوح قوة كبيرة. يخشى المسلمون أن تحدثهم أنفسهم بشن الغارة على المسلمين. أو الاعتداء عليهم في أية منطقة .. لهذا قرر النبي ﷺ كما هي طريقته في إخضاع القبائل الوثنية وتأديبها - أن ينقل
стр. 1818
المعركة إلى ديار بني الملوح.
فكون كتيبة من أصحابه وأسند قيادتها إلى غالب بن عبد الله الذي كان قد قاد عدة حملات تأديبية ناجحة ضد الأعراب الوثنيين في العهد النبوى.
وكما هي أوامر الرسول ﷺ تحركات هذه الدورية من المدينة في شهر صفر. ولما وصل غالب بن عبد الله برجاله إلى قديد (١) على الساحل الغربي للجزيرة في جنوب الحجاز. التقت طليعة السرية برجل اسمه الحارث بن مالك بن البرصاء فألقت عليه القبض خشية أن يكون جاسوسًا للعدو.
اعتقلوه تحفظًا. وهو مسلم
وعندما ألقت الطليعة القبض على الحارث بن مالك .. احتج على اعتقاله لأنه إنما جاء يريد الإِسلام. ولكن قائد السرية. لم يكذبه. ولكنه أمر بالتحفظ عليه زيادة في الاحتياط قائلا: لا يضرك رباط ليلة إن كنت تريد الإِسلام. ... ثم أمر القائد بأن يشد الرجل وثاقًا. ويترك في حراسة أحد رجال السرية وهو سويد بن صخر (٢). وأمر غالب سويدًا بأن يضرب عنق الحارث إن نازعه. حيث قال له: إن نازعك فاحتز رأسه.
وقد وصف أحد أفراد هذه الدورية الحربية تحركات رجالها ناحية الكديد فقال:
ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس. فكمنا ناحية الوادي فبعثنى أصحابي ربيئة لهم فخرجت فأتيت تلا مشرفا على الحاضر (٣) يطلعنى عليهم. حتى أسندت فيه وعلوت على رأسه ثم انبطحت، فوالله إني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته والله إني لأرى على هذا التل سوادا ما رأيته عليه صدر يومى هذا. فانظرى إلى أوعيتك لا تكون
стр. 1819
الكلاب أخذت منها شيئًا، فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتى شيئًا فقال: ناولينى قومى ونبلى! فناولته قوسه وسهمين معهما. فأرسل سهما. فوالله ما أخطأ به جنبي فانتزعته فوضعته وثبت مكانى، ثم رمانى الآخر فخالطنى به أيضًا. فأخذته فوضعته وثبت مكانى فقال لامرأته: والله لو كان زائلة (١) لتحرك بعد لقد خالطه سهماى لا أبالك إذا أصبحت فاتبعيهما لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل خباءه وراحت ماشية الحى من إبلهم وأغنامهم فحلبوا وعطنوا (٢)، فلما اطمأنوا وهدأوا شننا عليهم الغارة فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية واستقنا النعم والشاء. فخرجنا نجدر قبل المدينة حتى مررنا بأبي البرصاء فاحتملناه. واحتملنا صاحبنا. وخرج صريخ القوم فجاءنا ما لأ قبل لنا به. ونظروا إلينا وبيننا وبينهم الوادي. وهم موجهون إلينا. فجاء الله الوادي من حيث شاء بماء ملأ جنبيه. وأيم الله ما رأينا قبل ذلك سحابًا ولا مطرًا. فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا وقد أسندنا في المشلل (٣) وفتناهم. فهم لا يقدرون على طلبنا. فما أنسى رجز أميرنا غالب.
أبي أبو القاسم أن تعز بني ... وذاك قول صادق لم يكذب
في خَضَلِ (٤) نباته مغلو لب ... صفر أعاليه كلون المُذْهب (٥)
- ١١ -
بعثة كعب بن عمير إلى ذات أطلاح. شهر ربيع الأول سنة ثمان للهجرة
وفي ربيع الأول من سنة ثمان للهجرة بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير مع أربعة عشر رجلا من أصحابه إلى ناحية الشمال خلف وادي
стр. 1820
القُرى. ولم يذكر أحد من المؤرخين السبب الذي اقتضى بعث هذا العدد القليل إلى مسافة أكثر من ستمائة ميل (حيث وصلت هذه البعثة إلى ذات أطلاح من أرض الشام خارج جزيرة العرب).
والذي يغلب على الظن أن كعب بن عمير وأصحابه. كانوا بعثة سلمية مهمتها التبشير بالإِسلام. كلف رجالها بارتياد الأراضي الشامية.
فقد ذكر المؤرخون أن كعب بن عمير تحرك بأصحابه من المدينة حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام. وهناك وجدوا جمعا من الناس (لم يحدد المؤرخون هويتهم ويظهر أنهم من الغساسنة المتنصرين) وكانوا كثيرًا .. فاعتدوا على أصحاب النبي ﷺ فدافع الأصحاب عن أنفسهم وقاتلوا القوم أشد قتال ولكن جميع الصحابة الأربعة عشر استشهدوا. ما عدا واحدًا منهم جرج نجا بنفسه أثناء الليل. وتحامل على نفسه حتى أتى المدينة فأخبر النبي ﷺ . وقد كان الذين اعتدوا على كعب بن عمير وأصحابه. كلهم من الفرسان جاءوا إليهم وأخذوهم على حين غرّة. وكان ابن عمير. قد جاء يدعوهم إلى الإِسلام. فكان جوابهم على الدعوة أن أمطروه وأصحابه وابلا من سهامهم وهاجوهم حتى أبادوهم.
ولما بلغ رسول الله ﷺ الخبر شق عليه وقرر أن يبعث قوة من أصحابه لتأديبهم. ولكنه عدل بعد أن بلغه أن هؤلاء المعتدين قد تحولوا إلى موضع آخر (١).
стр. 1821
الفصل الثالث معركة مؤتة (١)
• أسباب المعركة
• النبي يعين قادة ثلاثة للجيش
• أول جيش إسلامي يجتاز حدود الشام
• تعليمات الرسول ﷺ لقادة الجيش
• توقف الجيش في معان بعد تلقيه معلومات عن ضخامة قوات العدو
• تباين وجهات نظر القادة حول المصادمة
• الاتفاق على مصادمة الرومان
• معركة رهيبة
• مصرع قادة الجيش الإِسلامي الثلاثة
стр. 1822
• خالد بن الوليد يتولى القيادة بعد هزيمة الجيش
• خالد ينقذ الجيش من خطر الإِبادة بمكيدة محكمة.
• النبي ﷺ يمنح خالدًا أول وأعلى وسام في الإِسلام تقديرا لهارته في الانسحاب.
• تقييم نتائج معركة مؤتة
• معركة ذات السلاسل امتداد لمعركة مؤتة
كانت فلسطين والبلقاء (١) امتدادا طبيعيا لجزيرة العرب وكانت منطقة الأردن (بصفة خاصة) هي التي تتاخم الحدود الطيعية لجزيرة العرب من الناحية الشمالية. وكانت الأردن (مثل فلسطين ولبنان) تسمى في ذلك العهد (بالشام) ضمن ممتلكات الإِمبراطورية الرومانية الشزدية (بيزنطا).
وعندما فكر النبي ﷺ في الاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط.
لدعوتهم إلى الإِسلام ونفذ هذه الفكرة كان على رأس هؤلاء الملوك (الملك هرقل ملك القسطنطينية) الذي وصله كتاب النبي ﷺ وهو مقيم بمدينة القدس التي حج إليها على قدميه شكرا لله على انتصاره الذي حققه على جيوش الفرس التي هزمها في المعارك التي دارت بين الفريقين في تلك الفترة.
وقد رأينا فيما مضى من هذا الكتاب كيف حاول هذا الإمبراطور العظيم إقناع القساوسة والبطارقة بالدخول في الإسلام. وكيف اعتنق هو الإسلام (كما يقول اليعقوبى) وكتم إسلامه.
стр. 1823
الكومنولث البيزنطى
وكان من بين الملوك المرتبطين بتاج بيزنطا داخل ما يسمى بلغة اليوم (الكومنولث) أحد ملوك الغساسنة العظام هو الحارث بن أبي شمر الغساني. الذي كان مقره الجولان (١). وكان هذا الملك العربي المتنصر يحكم (باسم الرومان) منطقة الجولان وبُصرى وكل المناطق الممتدة جنوبا حتى حدود جزيرة العرب.
وكان لدى الحارث بن أبي شمر قسط كبير من الاستقلال كما أن لديه قوات حربية من العرب الغساسنة المتنصرين قدرها بعض المؤرخين بمائة ألف مقاتل.
وكان هؤلاء العرب المتنصرون محاربين ممتازين (كعرب). وزادهم ميزة أن ارتباطهم بتاج الإمبراطورية البيزنطية أكسبهم الشيء الكثير من الفنون والتنظيمات العسكرَية التي يتقنها ويمتاز بها جيش الإِمبراطورية الذي ظل عدة قرون يتنازع السيادة على العالم مع جيوش الإِمبراطورية الفارسية العريقة هي الأخرى في السيادة والملك وذات المهارة الفائقة في القتال.
اغتيال رسول النبي ﷺ إلى ملك بصرى والجولان
وكان النبي ﷺ قد بعث إلى ملك بصرى والجولان الحارث بن أبي شمر الغساني. بعث إليه أحد أصحابه بكتاب يدعوه فيه إلى الإِسلام. وهو الحارث بن عمير الأزدي. فاجتاز حدود الشام. وعند قرية (مؤتة) بالبلقاء التقى به شرحبيل بن عمرو الغساني أحد الأمراء العاملين للملك الحارث بن أبي شمر. فقال شرحبيل لرسول النبي ﷺ : لعلك من رسل محمد؟ قال نعم: فأوثقه شرحبيل رباطا ثم ضرب عنقه صبرا.
فقد روى الواقدي بسنده عن عمر بن الحكم. قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي، إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة
стр. 1824
عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني. فقال: أين تريد؟ الشام قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم أنا رسول رسول الله ﷺ . فأمر به فأوثق رباطا، ثم قدّمه فضرب عنقه صبرا، ولم يُقتَلْ لرسول الله ﷺ رسول غيره فبلغ رسول الله ﷺ الخبر واشتد عليه (١).
اغتيال ١٥ من الصحابة على يد المرتزقة العرب في الشام
يضاف إلى ذلك أن جنودا من العرب المتنصرة التابعين للكومنولث البيزنطى. قد اعتدوا على بعثة سلمية دخلت أرض الشام تدعو العرب إلى الإِسلام. فقتلوا جميع أفرادها غدرا في ذات الطلح كما مر تفصيله فيما مضى من هذا الكتاب .. وكانت المنطقة التي قتل فيها الصحابة (وعددهم أربعة عشر) تقع جنوب الشام في البلقاء من الأردن ضمن ممتلكات التاج البيزنطى .. وهي منطقة يحكمها الحارث بن أبي شمر الغساني باسم الإِمبراطورية الرومانية الشرقية.
ويظهر أن كل هذه الاعتداءات الغادرة على أصحاب النبي ﷺ بالإِضافة إلى تهديد ملك غسان التنصر الحارث بن أبي شمر -المسلمين بالغزو حيث روى عنه أنه قال- بعد أن قتل رجال استخباراته صاحب النبي ﷺ ورسوله إلى الملك الحارث- إننى سائر إليه (أي النبي ﷺ ) يظهر أن كل الاعتداءات والتهديدات بغزو الجزيرة واحتلال المدينة من قبل جيوش الإِمبراطورية الرومانية -على يد عميلها الحارث بن أبي شمّر- قد كان السبب الأكبر في غزوة (مؤتة).
فهذه الأعمال العدوانية إن سكت عليها المسلمون قد تمنح وزارة الحربية في القسطنطينية مزيدا من الجرأة على اجتياز حدود الجزيرة العربية لاحتلال عاصمة الإسلام (المدينة) لا سيما وأن القلق أخذ (بصورة جدية) يساور المتعصبين من بطارقة وقادة الإِمبراطورية الرومانية على أثر الموقف الإِيجابى الذي وقفه الملك (هرقل) من الكتاب الذي وجهه النبي ﷺ إلى هذا الإِمبراطور يدعوه فيه وشعبه إلى الدخول في الإِسلام.
стр. 1825
فقد كانت تصرفات ملوك العرب المتنصرة المرتبطين بالتاج البيزنطى في جنوب وأواسط الشام وتصرفات أركان الإمبراطورية من الرومان- تشم منها رائحة العزم على القيام بغزو كاسح لاحتلال المدينة والجزيرة كلها. وجعلها إقليما جديدا تابعا للقسطنطنية. لا سيما وأن الجيش الروماني كان (إذ ذاك) يعيش نشوة انتصاره الساحق على جيوش الإمبراطورية الفارسية التي استعاد منها "بقيادة الإمبراطور هرقل" كل ما كان الفرس قد اغتصبوه من ممتلكات إمبراطورية بيزنط.
القرار الخطير
لذلك "والله أعلم" رأى النبي ﷺ أن لا بد من تجريد حملة عسكرية كبيرة تطأ أرض الشام غازية لتأديب أولئك الغادرين من العرب المتنصرة الدائرين ضمن فلك "الكومنولث البيزنطى" وليثبت المسلمون "عمليا" للسادة الرومان أنفسهم أن جزيرة العرب أمنع وأحصن من أن يفكر هؤلاء الرومان أو أعوانهم من الغساسنة في اجتياز حدودها.
ولتحقيق هذا الغرض استنفر النبي ﷺ ثلاثة آلاف من خيرة أصحابه للحرب. ولم يبين الغرض من هذا الحشد والاستنفار حتى خرج الجيش من المدينة وعسكر بالجرف (١) على بعد عدة أميال من المدينة. وهناك أخبر الجيش وقادته بأن عليهم أن يجتازوا حدود الجزيرة ويطأوا أرض الشام ويقاتلوا فيها أعداء الإِسلام الذين غدروا بأصحابه (٢).
تعيين قادة الجيش
وفي منطقة الجرف حيث عسكر الجيش، أصدر النبي والقائد الأعلى للجيش مرسومًا شفويًا، عين بموجبه قادة ثلاثة للجيش يتولون القيادة