← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الفصل الثالث معركة مؤتة (١) • أسباب المعركة • النبي يعين قادة ثلاثة للجيش • أول جيش إسلامي يجتاز حدود الشام • تعليمات الرسول ﷺ لقادة الجيش • توقف الجيش في معان بعد تلقيه معلومات عن ضخامة قوات العدو • تباين وجهات نظر القادة حول المصادمة • الاتفاق على مصادمة الرومان • معركة رهيبة • مصرع قادة الجيش الإِسلامي الثلاثة

стр. 1822

• خالد بن الوليد يتولى القيادة بعد هزيمة الجيش • خالد ينقذ الجيش من خطر الإِبادة بمكيدة محكمة. • النبي ﷺ يمنح خالدًا أول وأعلى وسام في الإِسلام تقديرا لهارته في الانسحاب. • تقييم نتائج معركة مؤتة • معركة ذات السلاسل امتداد لمعركة مؤتة كانت فلسطين والبلقاء (١) امتدادا طبيعيا لجزيرة العرب وكانت منطقة الأردن (بصفة خاصة) هي التي تتاخم الحدود الطيعية لجزيرة العرب من الناحية الشمالية. وكانت الأردن (مثل فلسطين ولبنان) تسمى في ذلك العهد (بالشام) ضمن ممتلكات الإِمبراطورية الرومانية الشزدية (بيزنطا). وعندما فكر النبي ﷺ في الاتصال بملوك وأمراء الشرق الأوسط. لدعوتهم إلى الإِسلام ونفذ هذه الفكرة كان على رأس هؤلاء الملوك (الملك هرقل ملك القسطنطينية) الذي وصله كتاب النبي ﷺ وهو مقيم بمدينة القدس التي حج إليها على قدميه شكرا لله على انتصاره الذي حققه على جيوش الفرس التي هزمها في المعارك التي دارت بين الفريقين في تلك الفترة. وقد رأينا فيما مضى من هذا الكتاب كيف حاول هذا الإمبراطور العظيم إقناع القساوسة والبطارقة بالدخول في الإسلام. وكيف اعتنق هو الإسلام (كما يقول اليعقوبى) وكتم إسلامه.

стр. 1823

الكومنولث البيزنطى وكان من بين الملوك المرتبطين بتاج بيزنطا داخل ما يسمى بلغة اليوم (الكومنولث) أحد ملوك الغساسنة العظام هو الحارث بن أبي شمر الغساني. الذي كان مقره الجولان (١). وكان هذا الملك العربي المتنصر يحكم (باسم الرومان) منطقة الجولان وبُصرى وكل المناطق الممتدة جنوبا حتى حدود جزيرة العرب. وكان لدى الحارث بن أبي شمر قسط كبير من الاستقلال كما أن لديه قوات حربية من العرب الغساسنة المتنصرين قدرها بعض المؤرخين بمائة ألف مقاتل. وكان هؤلاء العرب المتنصرون محاربين ممتازين (كعرب). وزادهم ميزة أن ارتباطهم بتاج الإمبراطورية البيزنطية أكسبهم الشيء الكثير من الفنون والتنظيمات العسكرَية التي يتقنها ويمتاز بها جيش الإِمبراطورية الذي ظل عدة قرون يتنازع السيادة على العالم مع جيوش الإِمبراطورية الفارسية العريقة هي الأخرى في السيادة والملك وذات المهارة الفائقة في القتال. اغتيال رسول النبي ﷺ إلى ملك بصرى والجولان وكان النبي ﷺ قد بعث إلى ملك بصرى والجولان الحارث بن أبي شمر الغساني. بعث إليه أحد أصحابه بكتاب يدعوه فيه إلى الإِسلام. وهو الحارث بن عمير الأزدي. فاجتاز حدود الشام. وعند قرية (مؤتة) بالبلقاء التقى به شرحبيل بن عمرو الغساني أحد الأمراء العاملين للملك الحارث بن أبي شمر. فقال شرحبيل لرسول النبي ﷺ : لعلك من رسل محمد؟ قال نعم: فأوثقه شرحبيل رباطا ثم ضرب عنقه صبرا. فقد روى الواقدي بسنده عن عمر بن الحكم. قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي، إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة

стр. 1824

عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني. فقال: أين تريد؟ الشام قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم أنا رسول رسول الله ﷺ . فأمر به فأوثق رباطا، ثم قدّمه فضرب عنقه صبرا، ولم يُقتَلْ لرسول الله ﷺ رسول غيره فبلغ رسول الله ﷺ الخبر واشتد عليه (١). اغتيال ١٥ من الصحابة على يد المرتزقة العرب في الشام يضاف إلى ذلك أن جنودا من العرب المتنصرة التابعين للكومنولث البيزنطى. قد اعتدوا على بعثة سلمية دخلت أرض الشام تدعو العرب إلى الإِسلام. فقتلوا جميع أفرادها غدرا في ذات الطلح كما مر تفصيله فيما مضى من هذا الكتاب .. وكانت المنطقة التي قتل فيها الصحابة (وعددهم أربعة عشر) تقع جنوب الشام في البلقاء من الأردن ضمن ممتلكات التاج البيزنطى .. وهي منطقة يحكمها الحارث بن أبي شمر الغساني باسم الإِمبراطورية الرومانية الشرقية. ويظهر أن كل هذه الاعتداءات الغادرة على أصحاب النبي ﷺ بالإِضافة إلى تهديد ملك غسان التنصر الحارث بن أبي شمر -المسلمين بالغزو حيث روى عنه أنه قال- بعد أن قتل رجال استخباراته صاحب النبي ﷺ ورسوله إلى الملك الحارث- إننى سائر إليه (أي النبي ﷺ ) يظهر أن كل الاعتداءات والتهديدات بغزو الجزيرة واحتلال المدينة من قبل جيوش الإِمبراطورية الرومانية -على يد عميلها الحارث بن أبي شمّر- قد كان السبب الأكبر في غزوة (مؤتة). فهذه الأعمال العدوانية إن سكت عليها المسلمون قد تمنح وزارة الحربية في القسطنطينية مزيدا من الجرأة على اجتياز حدود الجزيرة العربية لاحتلال عاصمة الإسلام (المدينة) لا سيما وأن القلق أخذ (بصورة جدية) يساور المتعصبين من بطارقة وقادة الإِمبراطورية الرومانية على أثر الموقف الإِيجابى الذي وقفه الملك (هرقل) من الكتاب الذي وجهه النبي ﷺ إلى هذا الإِمبراطور يدعوه فيه وشعبه إلى الدخول في الإِسلام.

стр. 1825

فقد كانت تصرفات ملوك العرب المتنصرة المرتبطين بالتاج البيزنطى في جنوب وأواسط الشام وتصرفات أركان الإمبراطورية من الرومان- تشم منها رائحة العزم على القيام بغزو كاسح لاحتلال المدينة والجزيرة كلها. وجعلها إقليما جديدا تابعا للقسطنطنية. لا سيما وأن الجيش الروماني كان (إذ ذاك) يعيش نشوة انتصاره الساحق على جيوش الإمبراطورية الفارسية التي استعاد منها "بقيادة الإمبراطور هرقل" كل ما كان الفرس قد اغتصبوه من ممتلكات إمبراطورية بيزنط. القرار الخطير لذلك "والله أعلم" رأى النبي ﷺ أن لا بد من تجريد حملة عسكرية كبيرة تطأ أرض الشام غازية لتأديب أولئك الغادرين من العرب المتنصرة الدائرين ضمن فلك "الكومنولث البيزنطى" وليثبت المسلمون "عمليا" للسادة الرومان أنفسهم أن جزيرة العرب أمنع وأحصن من أن يفكر هؤلاء الرومان أو أعوانهم من الغساسنة في اجتياز حدودها. ولتحقيق هذا الغرض استنفر النبي ﷺ ثلاثة آلاف من خيرة أصحابه للحرب. ولم يبين الغرض من هذا الحشد والاستنفار حتى خرج الجيش من المدينة وعسكر بالجرف (١) على بعد عدة أميال من المدينة. وهناك أخبر الجيش وقادته بأن عليهم أن يجتازوا حدود الجزيرة ويطأوا أرض الشام ويقاتلوا فيها أعداء الإِسلام الذين غدروا بأصحابه (٢). تعيين قادة الجيش وفي منطقة الجرف حيث عسكر الجيش، أصدر النبي والقائد الأعلى للجيش مرسومًا شفويًا، عين بموجبه قادة ثلاثة للجيش يتولون القيادة

стр. 1826

بالتناوب الواحد بعد الآخر وهم "جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة". فقد قال الرسول ﷺ في مرسومه: زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. ثم أمر أن تكون مسألة قيادة الجيش بعد هؤلاء الثلاثة شورى بين وجوه القبائل وقادة الكتائب، لينتخبوا من يرتضونه قائدا عاما. فقال ﷺ : فإن قتل عبد الله بن رواحة، فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم (١). معارضة جعفر تقديم زيد عليه في القيادة وقد أبدى جعفر بن أبي طالب ما يمكن تسميته مراجعة لرسول الله ﷺ في تقديم زيد عليه في قيادة الجيش. فقد روى الحافظ البيهقي أن جعفر حين صدر مرسوم التعيين وثب وقال: يا رسول الله، ما كنت أرغب أن تستعمل زيد على قال ﷺ : امض فإنك لا تدرى أي ذلك خير. فامتثل زيد ومضى. تحرك الجيش يوم الجمعة .. وفضل الجهاد وقد روى الإمام أحمد أن تحرك الجيش إلى "مؤتة" كان يوم الجمعة قبل الصلاة. وأن عبد الله بن رواحة بعد مرابطة الجيش في ضواحي المدينة بالجرف. تخلف في المدينة ليصلى الجمعة مع النبي ﷺ فنبهه النبي ﷺ إلى أن الجهاد في سبيل الله أفضل شيء يقوم به المسلم. فقد قال النبي ﷺ لابن رواحة -حين رآه تخلف عن الجيش- ما خلفك؟ قال: أجمع معك، فقال الرسول ﷺ : "لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها".

стр. 1827

وفي رواية أخرى عن ابن عباس. أن النبي ﷺ قال لابن رواحة: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " فقال: أردت أصلى معك الجمعة، ثم ألحقهم، فقال رسول الله ﷺ : "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم" وهذا الحديث -أيضًا- رواه الترمذي. تاريخ تحرك الجيش إلى مؤتة وعدد قواته وكان عدد الجيش الذي تم حشده للتحرك إلى (مؤتة) ثلاثة آلاف مقاتل وكان تحركه يوم جمعة من شهر جمادى الأولى عام ثمان للهجرة. روى ذلك ابن إسحاق. قائلا: بعد عمرة القضية. أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة -وولى تلك الحجة المشركون- والمحرم وصفرا وشهرى ربيع، وبدث في جمادى الأولى بعثة إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة وقال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير. قال: بعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان. عبد الله بن رواحة يستوصى من الرسول ﷺ ويتمنى الشهادة كان القائد الثالث عبد الله بن رواحة من الزهاد العابدين وكان مع ذلك شاعرا مجيدا. وعندما ودّع النبي ﷺ والمسلمون الجيش. قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، مرنى بشيء أحفظه عنك، قال: إنك قادم غدا بلدًا، السجود فيه قليل، فأكثر السجود. قال عبد الله: . زدنى يا رسول الله. قال: اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب. فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبًا رجع إليه فقال: يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر. قال: يابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة. فقال ابن رواحة. لا أسألك عن شيء بعدها (١). القائد عبد الله بن رواحة يبكى خوف النار وروى ابن إسحاق. أن القائد عبد الله بن رواحة لما ودع مع من ودّع من أمراء رسول الله ﷺ . فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ .

стр. 1828

فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١)، فلست أدرى كيف لي بالصدور بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة: يتمنى الشهادة. لكننى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (٢) أو طعنة بيدى حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا (٣) حتى يقال إذا مروا على جدثى (٤) ... أرشده الله من غاز فقد رشدا ثم أتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ وقد تهيأ الجيش للخروج فودعه ثم قال: يخاطب الرسول ﷺ . فثبّت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا أنت الرسول فيمن يُحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر (٥) ثم خرج القوم، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودّعته ... في النخل خير مشيع وخليل (٦)

стр. 1829

مقالة أحد أحبار اليهود في تعيين القادة وذكر الواقدي في مغازيه أن النعمان بن فنحص اليهودى كان حاضرا ساعة عيّن النبي ﷺ قادة الجيش على تلك الصيغة فقال: (أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلًا أو كثيرًا أصيبوا جميعا. إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أصيب فلان. فلو سُمى مائة أصيبوا (أي قتلوا جميعا) ثم جعل اليهودى يقول لزيد بن حارثة: اعهد (أي أوص) فلا ترجع إلى محمد أبدا. إن كان نبيا! . فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار. خالد بن الوليد يغزو لأول مرة مع المسلمين وكان خالد بن الوليد الفارس الشهور. جنديًّا ضمن هذا الجيش. فقد استنفر النبي ﷺ المسلمين في هذا الجيش. وخالد لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهر. فمعركة مؤتة الطاحنة هذه. هي أول معركة يشترك فيها خالد بن الوليد مجاهدًا في سبيل الله. وعندما قتل القادة الثلاثة في المعركة (كما سيأتي) أسند وجوه الجيش قيادته إلى خالد. فقام بعملية انسحاب بارعة دلت على مهارف الحربية الفائقة. وقد أعطاه النبي ﷺ على نجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام ودونما خسارة تذكر. لقب سيف الله. وهو أول وسام يمنح لقائد في تاريخ الإسلام. النبي يخطب في الجيش ويضع أعدل وأشرف قانون حرب في التاريخ . وبعد تعيين القادة على الجيش. ألقى النبي ﷺ في الجيش خطابا تضمن أرقى قانون للحرب العادلة، قانون عجزت -حتى الآن- كل النظم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء واجتناب الأعمال اللاإنسانية من التعرض للنساء والأطفال والعجزة ورجال الدين بأي نوع من أنواع الأذى. ولأهمية هذا الخطاب الذي يعد أعظم دستور عادل للحروب العادلة. نورد نصه كاملًا.

стр. 1830

فقد قال النبي ﷺ لجيشه قادة وجنودا في هذا الخطاب "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا. اغزوا بسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا. ولا تقتلوا وليدا". ثم وجه كلامه إلى القائد العام والمسئول الأول في الجيش قائلا: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام. فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين. يجرى عليهم حكم الله. ولا يكون لهم في الفئ ولا في القسمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن فعلوا فاقبل منهم. واكفف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين للناس فلا تتعرضوا لهم. وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص (١) فاقلعوها بالسيوف. ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا مرضعا ولا كبيرا فانيا. لا تغرقن نخلا ولا تقطعن شجرا ولا تهدموا بيتا (٢). وقفة عند دستور الحرب الرائع فيا لروعة الإيجاز مع الشمول الكامل .. توصيات في الآداب الحربية .. ودروس في الشرف العسكري. وأسس راسخة في العاملة الإنسانية والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال .. وتربيات عالية شريفة ما سمعت ولا وعت أمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمد ﷺ .

стр. 1831

إن أرقى الأمم في العهد الحاضر لا تزال في مجال محاولتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبوا إذا ما قسنا محاولتها بما وضعه الرسول ﷺ في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري الذي بموجبه فرض الإسلام على المحارب المسلم أن يعامل به أعداءه في ظروف الحرب. تصرف المسلم حجة للإِسلام أو عليه لقد كان تطبيق صحابة محمد لهذا الدستور الحربى من أعظم الأسباب التي حببت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين. فدخلوا فيه طائعين مختارين فرحين مستبشرين. لأنهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام. الذين ربّاهم القرآن وأدبهم الرسول الكريم ﷺ . وهكذا فالمنتسب إلى الإسلام (بسلوكه) يستطيع أن يسئ أو يحسن إلى هذا الدين، أمام من لا يعرفه على حقيقته. المسلمون يودعون الجيش وقد عقد الرسول ﷺ اللواء لقائد الجيش وكان لونه أبيض. ووقف المسلمون يودعون الجيش ويدعون لهم قائلين دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين. وهكذا فصل من المدينة ثلاثة آلاف مقاتل من خيرة المحاربين المسلمين. وهو أكبر جيش يجتمع للنبي ﷺ تحت قيادة واحدة حتى ذلك اليوم. جواسيس الرومان في المدينة يبلغونهم نبأ الغزو وكان قادة الجيش يحاولون (كما هي طريقة الرسول) الكتمان وأخذ الأعداء في الشام على حين غرة. ولكن يظهر أن الطابور الخامس من اليهود والمنافقين في المدينة. قد طيروا خبر حشد المسلمين وتحركهم نحو الشام ليأخذوا حذرهم.

стр. 1832

استخبارات الرومان في شمال الجزيرة وكان شرحبيل بن عمرو الأزدي. عاملا للرومان على مناطق الشام الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية. فكان أول من تلقى من جواسيس الرومان في المدينة أنباء تحركات الجيش النبوى. فبعث إلى الرومان من يخبرهم خبر تحرك المسلمين نحو الشام. ثم أخذ في حشد الجيوش من القبائل الموالية للرومان في جنوب الشام. وفي الوقت نفسه بعث أخاه سدوس طليعة مع بعض رجاله، يستكشفون له خبر الجيش الإسلامي. أما جيش الإسلام فقد واصل تحركه حتى نزل وادي القرى فاستراح به أياما، ثم واصل تحركه نحو الشمال. مقتل أخي قائد الأعداء وقد التقت طلائع الاستكشاف في الجيش الإسلامي بسدوس وفصيلة استخباراته فاشتبكت معهم داخل الجزيرة (وهم يقومون بالتجسس على ما يظهر) فتمكن المسلمون من قتل سدوس. أخي القائد العميل لرومان (شرحبيل بن عمرو الذي أعدم رسول النبي ﷺ ). فخاف شرحبيل خوفا شديدا (بعد مقتل أخيه) وتحصن. ثم طلب النجدة من القيادة الرومانية العليا التي كانت موجودة مع الإمبراطور (هرقل) في بيت القدس. فسارعت هذه القيادة إلى نجدة شرحبيل بن عمرو بقوات كثيفة جدًّا. عدد الجيش الروماني وذكر الواقدي أن الرومان قد حشدوا لملاقاة المسلمين مائة ألف مقاتل كلهم من مرتزقة العرب المتنصرة (بلى وبهراء ووائل وبكر ولخم وجذام) وغسان وإن مكان تجمع هؤلاء، المرتزقة كان بلدة (مآب) (١) وكان قائدهم

стр. 1833

رجلا يقال له: ما لك. وهو من قبيلة بلى (١). هل الملك هرقل هو الذي قاتل المسلمين في مؤتة كما أن الرومان أنفسهم قد حشدوا "لمقاتلة المسلمين" أيضًا مائة ألف رومانى احتشدوا تحت قيادة الإمبراطور "هرقل نفسه" الذي عسكر هو الآخر في بلدة "مآب" (٢). وبعض المؤرخين يذكرون أن الذي زحف بالمائة الألف الروماني لملاقاة المسلمين هو تيودور أخو الإمبراطور "هرقل" وهذا أقرب إلى الصواب. لأن الملك "هرقل" تدل تصرفاته "منذ جاءه كتاب النبي ﷺ " على أنه لا يرى مقاومة المسلمين. وإنما يرى الدخول في دينهم أو إعطاءهم الجزية. كما جاء ذلك مفصلًا في تاريخ الطبري. توقف المسلمين في معان للتشاور أما الجيش الإسلامي. فقد واصل التحرك من وادي القرى فاجتاز حدود الجزيرة عند تبوك وتوغل في أراضى الشام حتى وصل بلدة "معان" من إقليم البلقاء في الأردن. هناك تلقى القائد العام زيد بن حارثة تقريرًا من استخباراته العسكرية التي كان قد بعث بها إلى أرض العدو للحصول على المعلومات اللازمة .. وفي هذا التقرير رأى أن الرومان يتحركون في مائتى ألف مقاتل تسندهم عشرات الآلاف من سلاح الفرسان وأن مكان تجمعهم هو منطقة مآب. وعند الإحاطة بهذا التقرير الخطير قفز أمام القائد العام سؤال: (هل يمكن لثلاثة آلاف مقاتل أن يصمدوا ويثبتوا في وجه مائتى ألف مقاتل. فضلا عن أن يهزموهم ويتغلبوا عليهم). ولم يتسرع القائد العام المسئول عن هذا الجيش الصغير في الإجابة على

стр. 1834

هذا السؤال. بل -ليسمع الإجابة القاطعة على هذا السؤال الخطير- دعا جميع أمراء الجيش وقادة الكتائب ورؤساء القبائل إلى اجتماع عاجل لبحث هذا التطور الخطير الذي لم يكن منتظرا. المجلس العسكري في معان وفي هذا المجلس العسكري الذي حضره كل قادة الجيش عرض القائد العام كامل التفاصيل التي نقلها إليه جهاز اختباراته العسكرية عن مدى قوة العدو ومكان تجمعه. وطلب منهم في هذا المجلس أن يتخذوا قرارا حاسما لمواجهة الموقف الخطير. فالرومان ومن تابعهم من المرتزقة قد احتشدوا في جيش لجب جرار قوامه مائتا ألف مقاتل، بينما جيش الإسلام لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل. اختلاف قادة الجيش في معان وأثناء اجتماع قادة الجيش الإسلامي لبحث الموقف انقسم القادة إلى قسمين. قسم يرى التريث وعدم مصادمة الرومان حتى يشعروا النبي ﷺ بحقيقة الوضع الحرج الذي يواجهونه ويطلبوا منه المدد. ويستأذنوه في مصادمة هذه الجيوش الهائلة. لأن هذا الفريق يرى أن اشتباك ثلاثة آلاف في معركة حاسمة مع مائتى ألف مقاتل يمثل أخطر مغامرة في تاريخ الحروب. ولهذا رأى التأنى والتريث حتى يأتي القول الفصل من النبي والقائد الأعلى للجيش في المدينة. أما الفريق الثاني. فقد كان يرى المضى والإسراع بمصادمة العدو (أيًا كانت النتائج) أليس كلا الأمرين (النصر أو الشهادة) فوز للمسلم المجاهد في سبيل الله؟ . فلتكن المصادمة إذًا. فالفوز مضمون حسب مقاييس مفهوم الجهاد عند المسلمين. وكان النائب الثاني للقائد العام (عبد الله بن رواحة الأنصاري) على

стр. 1835

رأس الفريق من القادة المتحمسين للصدام الفورى مع العدو دون استطلاع رأى القيادة العليا في المدينة أو حتى انتظار المدد منها. لأن هذا الفريق يرى أن الرومان وحلفاءهم ومرتزقتهم (وقد أصبحوا على مقربة منهم) لن يتركوا المسلمين حتى يتصلوا بالمدينة. بل سيهاجمونهم بأسرع ما يمكن. لا سيما وأن الجيش الإسلامي قد أصبح متوغلا مسافة أكثر من خمسين ميلًا داخل الشام. التي يعتبرها الرومان إحدى ممتلكات إمبراطوريتهم العظيمة التي ترى نفسها أقوى دولة في العالم. وكان المنطق (من الناحية العسكرية) إلى جانب الفريق الثاني. لأن جيش الإسلام وقد أصبح على مسافة قريبة من. مكان تجمع الجيوش الرومانية- يحتم عليه الظرف العسكري الخطير القائم القيام بأحد أمرين لا ثالث لهما. إما التراجع والعودة إلى جزيرة العرب دون أن يلقى المسلمون عدوهم .. وهذا ما لا يمكن فعله أبدًا لأنه ليس في تعليمات القائد الأعلى النبي شيء يمكن الاستناد إليه لتبرير هذا التراجع. وإما الصدام الفورى مع الرومان الذين إن لم يسارع المسلمون إلى مصادمتهم سيقومون "هم" بالهجوم على المسلمين حيث توقفوا في مدينة معان. اتفاق أركان الجيش على مصادمة الرومان وبعد نقاش وبحث ومداولة بين هيئة أركان حرب الجيش استمرت في معان يومين كاملين. مالت الأكثرية من هيئة الأركان إلى الأخذ بالرأى الداعى إلى الصدام الفورى دونما الرجوع إلى المدينة لتلقى التعليمات منها من جديد. وكان لموقف النائب الثاق للقائد العام "عبد الله بن رواحة الأنصاري" الأثر الأكبر في اتخاذ هيئة أركان الجيش قرارًا حاسمًا إجماعيًا. بمصادمة الجيوش الرومانية صداما فوريا ودونما أيّ تردد.

стр. 1836

كلمة ابن رواحة في اجتماع هيئة الأركان ففي اليوم الثاني وفي آخر جلسة لأمراء الجيش ورؤساء القبائل وقف عبد الله بن رواحة الأنصاري شارحا وجهة نظره وداعيا الناس إلى عدم التردد في الصدام الفورى مع العدو فقال: "يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان. ويوم أحد فرس واحد. فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور عليهم فذلك الذي وعدنا نبينا. وليس لوعده خلف وإما الشهادة. فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان (١). ورغم ما في دعوة القائد عبد الله بن رواحة من مغامرة خطيرة فقد أثرت كلماته البليغة في نفوس الجيش وأثارت حماسهم فوافقه جميع الأمراء والقادة قائلين: صدقت وهكذا أجمعوا على الأخذ بالرأى القائل بمصادمة الجيوش الرومانية مهما كانت النتائج. وعقب هذا القرار الذي اتخذته هيئة أركان حرب الجيش الإسلامي في "معان" أصدر القائد العام زيد بن حارثة أوامره إلى فرق الجيش وكتائبه بالتحرك لملاقاة الرومان والعرب المتنصرة في البلقاء من أرض الشام. وفي الوقت نفسه كان الرومان والعرب المتنصرة يتحركون بقواتهم الهائلة لملاقاة المسلمين ومهاجمتهم بقيادة القائد تيودور أخي الإمبراطور. وقد التقى المسلمون بجموع الرومان والعرب المتنصرة عند تخوم البلقاء. حيث وجدوا الرومان معسكرين في قرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف. وصف أئمة التاريخ ما حدث في معان من اختلاف وجهات النظر قال القريزى في كتابه "إمتاع الأسماع ص ٣٤٧": ومضى المسلمون،

стр. 1837

وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير وسمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم. فقام رجل من الأزد يقال له: شرحبيل بن عمرو الغساني. وقدم الطلائع أمامه، وبعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين فلقوا المسلمين بوادى القرى فقاتلوه وقتلوه ونزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل "مآب" من البلقاء في مائة ألف من الروم، ومعه من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام مائة ألف" عليهم رجل من بلى يقال له مالك "بن رافلة". فأقاموا ليلتين، وأرادوا أن يكتبوا إلى الرسول ﷺ بالخبر ليردهم أو يزيدهم رجالا، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان ويوم أحد فرس واحد، فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور "أي نصر" عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعد نبينا، وليس لوعده خلف وإما الشهادة فنلحق بالإخوان في الجنان فشجع الناس ومضوا إلى مؤتة، فرأوا المشركين ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع، والديباج، والحرير، والذهب. قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصرى فقال ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة مالك؟ كأنك ترى جموعا كثيرة. قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة. وعن ابن إسحاق "في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٧ وما بعدها" ثم مضى "أي المسلمون" حتى نزلوا معان فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض الشام في مائة من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن رافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال. وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضى له.

стр. 1838

فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة لا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا بنا فإنما هي إحدى الحسنيين. إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس. فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك. جلبنا الخيل من أجأ وفرع ... تغرّ من الحشيش لها العكوم (١) حذوناها من الصوان سبتا ... أزلّ كأن صفحته أديم (٢) أقامت ليلتين على معَان ... فأعقب بعد فترتها جموم (٣) فرحنا والجياد مسومات ... تنفس في مناخرها السموم (٤) فلا وأب مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم (٥) فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم (٦) بذى لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم (٧) فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتها فتنكح أو تئيم (٨)

стр. 1839

وقال الأشخر اليمنى في بهجة المحافل "ج ١ ص ٣٩٠": روينا في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر. قال أمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية، وكان من خبرهم في غزوتهم أنهم لما بلغوا "معان" بلغهم أن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة -لخم وجذام والقين وبهراء وبلى- وكان المسلمون ثلاثة آلاف، فتشاوروا أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيأمرهم بأمره فشجع الناس عبد الله بن رواحة. وقال: يا قوم إنما هي إحدى الحسنيين إما نصر وإما شهادة. فقال الناس: صدق عبد الله فمضوا حتى التقوا بمؤتة. وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى "ج ٢ ص ١٢٨": فلما فصلوا "أي المسلمون" سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف وقدّم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون "معان" من أرض الشام وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب لرسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضى، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فالتقى المسلمون والمشركون. وقال الواقدي: في كتابه الغازى "ج ٢ ص ٧٥٩": ومضى المسلمون من المدينة، فسمع العدو بمسيرهم قبل أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير. فلما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا الجموع. وقام فيهم رجل من الأزد يقال له شرحبيل، بالناس. وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون وادي القرى، وأقاموا أياما، وبعث أخاه سدوس، وقُتل سدوس وخاف شرحبيل بن عمرو فتحصن، وبعث أخا له يقال له وبر بن عمرو. فسار المسلمون حتى. نزلوا أرض "معان" من أرض الشام. فبلغ الناس أن

стр. 1840

هرقل قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام في مائه ألف عليهم رجل من بلى يقال له مالك، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فإما يردنا وإما يزيدنا رجالًا. فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم ابن رواحة فشجعهم ثم قال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد. ولا بكثرة سلاح. ولا بكثرة خيول إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد، وإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان فشجع الناس على مثل قول ابن رواحة. تحصن المسلمين في مؤتة لا شك أن قائد جيش المسلمين زيد بن حارثة وهيئة أركان حربه (بعد أن بلغهم عدد الجيش الروماني ومسانديه من العرب المتنصرة) وقد وضعوا في حسابهم (وهم يرسمون الخطة للمعركة) أسلوب التطويق الذي قد يلجأ إليه القائد الروماني (تيودور) ليسهل عليه القضاء على المسلمين إما بإبادتهم أو إجبارهم على الإستسلام. وفي حساب المقاييس الحربية العادية المجردة ليس من الصعب بل من أيسر الإجراءات -على مائتى ألف مقاتل مجهزة أحسن تجهيز ومسلحة أحسن تسليح. أن تقوم بتطويق ثلاثة آلاف وإبادتها عن آخرها. أو إجبارها على الاستسلام .. ذلك منطق عسكرى لا غبار عليه .. وذلك دونما شك هو الذي على أساسه يكون القائد الروماني (تيودور قد وضع خطه للمعركة التي ما كان يتصور أنها ستدوم أكثر من ساعة أو بعض ساعة- يتم فيها لجيشه العرمرم اللجب (مائتى ألف مقاتل) أن يمحو من الوجود جيش المسلمين الصغير جدا (ثلاثة آلاف مقاتل). ولا أعتقد أن أحدا يستطيع مناقشة القائد الروماني (تيودور) عند ما يقرر (سلفا) أن الفناء الكامل لجيش الإسلام في البلقاء أو الاستسلام حتى

стр. 1841

آخر جندى على قيد الحياة هو النتيجة الحتمية للمعركة التي غامر قادة الجيش الإسلامي "وكلمة مغامرة هنا تستوفى كل معانيها" عندما قرروا خوضها. بعد علمهم (مفصلًا) بحقيقة أعداد جيش الرومان الهائلة الغامرة. ففي الجيش الروماني ومن يسانده من عرب (الكومنولث البيزنطى) أعنى العرب المتنصرة. ما لا يقل عن خمسين ألف فارس. يتبعهم مائة وخمسون ألف مقاتل من المشاة كلهم غائص في الحديد يتسربلون أحسن الدروع ويعتمرون أجود الخوذات. فالجيش الروماني من مختلف الأجناس كان "حتى يوم معركة مؤتة" من أحسن وأكمل جيوش العالم دربة وتسليحا. ولكي يجنب القائد الإسلامي زيد بن حارثة جيشه الصغير خطر التطويق وقطع خط الرجعة أثناء القتال. انحاز إلى قرية يقال لها "مؤتة" وعسكر فيها لتكون حائلا بين الرومان وبين ما يهدفون إليه من إتباع أسلوب التطويق .. وقد تحصن جيش المسلمين في قرية مؤتة. التعبئة للقتال وبعد الانحياز إلى قرية "مؤتة" والتحصن فيها. قام زيد بن حارثة "القائد العام" بتعبئة جيشه أحسن تعبئة. وقد جعل القائد زيد على ميمنة الجيش سيدًا من سادات بني عذرة. وهو قطبة بن قتادة .. (١)

стр. 1842

وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري (١). أما القلب فقد تمركز فيه القادة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري. حراجة موقف المسلمين بمؤتة أما جيوش الرومان والعرب المتنصرة والمرتزقة الإغريق. فقد أخذت تتدفق على (مؤتة) حيث يتحصن الجيش الإسلامي أَخذت تتدفق في زهو وخيلاء وغرور. وكأنها أمواج بحر متلاطم. وجيش الإسلام الصغير المرابط في (مؤتة) كأنه جزيرة صغيرة مهددة بالغرق في محيط ذلك البحر المتلاطم من الكتائب الرومانية ومسانديها من غير الرومان. حقًّا لقد كانت الحالة (بالنسبة للمسلمين) حالة مخيفة مفزعة تثير الخوف والرعب كلب وتزيغ العقول والأبصار. ولقد عبر أبو هريرة (٢) -وكان ممن حضروا معركة مؤتة- عبر عن

стр. 1843

هذه الحقيقة المفزعة كما ذكره المقريزى الذي قال يصف الموقف الحرج؟ (فرأوا المشركين -يعني المسلمين- ومعهم ما لا قبل لهم به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب. قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصرى. فقال ثابت بن أقرم (١): يا أبا هريرة ما لك؟ . كأنك ترى جموعا كثيرة! ! قلت: نعم. قال: لم تشهدنا ببدر إننا لم ننصر بالكثرة (٢).

стр. 1844

ولا لوم على أبي هريرة (كبشر) أن يصل به الخوف إلى تلك الدرجة من الذهول .. إن الإنسان عندما يقيس الموقف في "مؤتة" بالمقاييس العسكرية التقليدية. يأخذ العجب منه كل مأخذ: كيف يتورط ثلاثة آلاف مقاتل في مصادمة مائتى ألف مقاتل يفوقونهم في كل شيء مادى؟ . لقد كان على كل جندى مسلم أن يقاتل في (مؤتة) سبعين من جنود الجيش الروماني. لقد كان بوسع قادة الجيش الإسلامي الصغير أن يعودوا بالجيش إلى المدينة عند ما تلقوا وهم في (معان) تقارير استخباراتهم العسكرية عن الحشود الرومانية الهائلة تلك. ولو عادوا أدراجهم لما كان عليهم من لوم .. ولكنهم -مع استطاعتهم التراجع دونما قتال- قرروا الاصطدام بالجيش الروماني. فزحفوا حتى اصطدموا به. أكبر مغامرة حربية في التاريخ حقا إنها لأكبر مغامرة حربية في التاريخ "دونما جدال" تلك التي أقدم عليها قادة الجيش الإسلامي الصغير في "مؤتة". ففي القوانين والأعراف العسكرية بين الأمم الأخرى يعتبر ما أقدم عليه قادة الجيش النبوى في "مؤتة" بالشام- ضربا من الانتحار. تعاقب عليه القوانين العسكرية. فلو أقدم على ما أقدم عليه زيد بن حارثة وهيئة أركان حربه المسئولون في "مؤتة" قائد عسكرى في جيش نظامى في هذا العصر لقدم للمحاكمة العسكرية بتهمة تعريض جنوده لموت محقق. فثلاثة آلاف مقاتل لا تسمح القوانين العسكرية لمن يقودهم أن يواجه بهم مائتى ألف مقاتل. مع قدرته على تجنب هذه الواجهة. ولكن الحال يختلف بالنسبة للمسلمين "ونعنى المسلمين الذين ينطلقون

стр. 1845

في قتالهم من منطلق مفهوم الجهاد في الإسلام" وهو المفهوم الذي على أساسه دخل القادة "زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب. وعبد الله بن رواحة" معركة مؤتة. وخاضوا، أتونها بثلاثة آلاف مقاتل ضد مائتى ألف مقاتل. فالموت في سبيل الله هو غاية ما يتمنى المسلم الصادق. لأنه موقن أن موته في سبيل الله سينتقل به إلى حياة في الدار الآخرة حيث الخلود في النعيم الذي لا يمكن وصفه أو تصوره. ومن هذا المنطلق كانت دعوة عبد الله بن رواحة الذي حث قادة الجيش وشجعهم حينما ترددوا في "معان" على مصادمة الجيش الروماني رغم تفوقه الساحق حينما أشار إلى أن موتهم مجاهدين في سبيل الله إنما يعني الالتحاق بإخوانهم الشهداء في جنات النعيم، وهذا غاية ما يتمنى المسلم فلماذا الخوف والتردد إذن؟ . نشوب المعركة الطاحنة كان القادة الثلاثة لجيش الإسلام (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب. وعبد الله بن رواحة) في الصف الأول وفي القلب. وذلك هو الأسلوب المتبع عند المسلمين لخوض المعارك. القائد العام وهيئة أركان حربه (دائما) يكونون في القلب في الصف الأول في مواجهة العدو. لقد كانت معركة "مؤتة" معركة رهيبة وكان إقدام المسلمين على خوضها مع ذلك التفاوت العظيم. هو (كما قلنا) مخاطرة عظيمة لم يشهد التاريخ مثلها. وقد دفع المسلمون الثمن غاليا (دونما شك) لهذه المخاطرة .. تمثل هذا الثمن الغالى (بصورة رئيسية) في مصرع قادة الجيش الرئيسيين الثلاثة

стр. 1846

الواحد بعد الآخر. وبأسلوب تمثلت فيه أرقى معاني البطولة واسترخاص الأرواح في سبيل الله. لقد صمد المسلمون في معركة مؤتة صمودًا هو أروع ما يصنع الإيمان الصادق. وعلى المرء إذا أراد أن يتبين حقيقة هذا الصمود والفداء .. عليه أن يتصور ثلاثة آلاف مقاتل وهم يصارعون مائتى ألف مقاتل تتدفق كتائبهم الغائصة في الحديد كما تتدفق أمواج البحر الهادر، وليس هناك من يواجهها على مشارف قرية "مؤتة" سوى ثلاثة آلاف مقاتل. أكثرهم حاسر من الدروع. كانت النتيجة مضمونة وهي النصر للرومان ولكن لقد كانت نتيجة الصدام في (مؤتة) مضمونة للرومان وهي النصر الساحق بإبادة الجيش الإسلامي إبادة كاملة .. وذلك حسب المقاييس والمفاهيم العسكرية العادية. فثلاثة آلاف مقاتل (مهما كان المستوى الذي هم عليه من الشجاعة وقوة البأس والصبر عند اللقاء) لا يمكنهم الصمود في وجه مائتى ألف مقاتل يفوقونهم (مع هذا العدد الغامر) في كثرة العتاد وجودة التسليح .. بل (حسب هذه المقاييس والمفاهيم) لا يمكنهم الإفلات من قبضة الجيش الروماني الذي لديه فقط من سلاح الفرسان حوالي خمسين ألف فارس. ولكن الإيمان وصحة العقيدة والاستبسال في سبيل الله يعكس المفاهيم ويقلب المقاييس التقليدية للحروب .. فهو يثبت كل مرة أن كثرة العدد ووفرة السلاح- وحتى الإلمام الكامل بالعلوم العسكرية .. التكنولوجيا. (حجة المهزومين أمام شراذم اليهود في حزيران الأسود) ليس هو الذي يكفل النصر المؤزر الساحق .. وأن عدم توفر كل ذلك للمقاتلين ليس هو (دائما) الذي يصنع الهزائم. وإنما الذي يصنع النصر ويحققه. أو يصنع الصمود الذي يحول دون الهزائم الماحقة (ساعة التفاوت الهائل في كل

стр. 1847

شيء) إنما هو الإيمان .. الإيمان بالله تعالى واستشراب القلوب عقيدة القرآن الوضاءة المشرقة .. لا عقيدة ماركس ولينين الهدامة المظلمة. إن روعة المقاومة الإسلامية في معركة "مؤتة" التاريخية. والتي يسرت للمسلمين انسحابا منظما مشرفا بعد ذلك الصدام الهائل المروع. انسحابا يمثل في واقعه أعلى درجات الانتصار. بالنسبة لظروف المعركة الصعبة. حيث كانت قوات العدو فيها تفوق قوات المسلمين سبعين ضعفا. روعة صمود العقيدة الإسلامية في مشارف قرية (مؤتة) تفرض علينا ونحن نئن حتى الآن تحت وطأة عار هزيمة حزيران الفاضحة -أن نلقى نظرة على المعركتين. معركة مؤتة. ومعركة الأيام الستة. ونقوم بالمقارنة العادلة الصحيحة .. وعندها يتبين لنا الدليل الحى الصارخ القاطع على بطلان الادعاءات السخيفة الممجوجة القائلة: إن انتصار إسرائيل على العرب وإلحاقها بهم مجتمعين تلك الهزيمة المدمرة إنما يعود سببه إلى تفوق إسرائيل التكنولوجى. وإلى تمسك العرب ببقايا الإيديولوجية الغيبية (التعاليم الإسلامية) (١). مصرع قادة الجيش الإسلامي الثلاثة لقد تدفق الجيش الروماني كالبحر الهائج يريد أن يطوى بأمواجه الهائلة قرية مؤتة الصغيرة مع من فيها من عسكر المسلمين وكان ذلك حسب مقتضى العادة أمرا ميسورا بالنسبة لكثرة جيوش الرومان وقلة عسكر الإسلام. لولا أن الذين كانوا يقفون على مشارف قرية (مؤتة) هم من أصحاب

стр. 1848

محمد ﷺ الذين لفهمهم الصحيح لمعنى الجهاد في سبيل الله يتحولون إلى أعاصير في هجماتهم. وإلى جبال رواسى في دفاعهم. معركة مؤتة تستمر سبعة أيام فبدلا من أن يجهز الجيش الروماني على المسلمين خلال عدة ساعات (كما كان قادته يتوقعون) قوبل الرومان بما أذهلهم وكاد يزيغ عقولهم من مقاومة الجيش الإسلامي الصغير الذي لاقى أعداءه وقاتلهم قتالًا مريرًا ضاريًا. جعل المعركة الطاحنة تستمر سبعة أيام كاملة (١). وهو أمر ما كان قادة الجيش الروماني يتصورون أنه سيحدث .. إذ حددوا وقتا للمعركة لا يزيد على بضع ساعات خلالها إما تتم إبادة الجيش الإسلامي وإما أن يقع كل رجاله أسرى في يد الجيش الروماني .. ولم لا؟ ؟ أليس جحافل الرومان الزاحفة تبلغ مائتى ألف مقاتل وعساكر الإسلام المدافعة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف مقاتل؟ .. بلى. ولكن المواجهة التي واجه بها المسلمون الحشود الرومانية الهائلة الزاحفة. ما كان قادة الجيش الروماني (وهم يضعون خطة المعركة) يتوقعون أنها ستكون على هذا المستوى من الصمود والثبات والشراسة والضراوة. فقد ثبت المسلمون على مشارف (مؤتة) وقاتلوا أعداءهم قتالا شرسا مريرا ضاريًا. أوقفوا به تقدم الجيش الروماني الزاحف. فاحتدم القتال وقام المسلمون (على قلتهم) بهجوم معاكس أتوا فيه بالعجائب. فصرعوا عدة مئات من أفراد الجيش الروماني وأتباعه. بعد أن خالطوهم في هجمات صاعقة.

стр. 1849

وكان الذي يقود المسلمين ويتقدم صفوفهم القائد الأول (زيد بن حارثة) فلقى الرومان وأعوانهم، من المسلمين الأهوال. حتى أن بعض الرومان (مع كثرتهم الهائلة) بدأ يركن إلى الفرار. لهول ما لاقى من عسكر الإسلام. غير أن عامة الجيش الروماني ظلوا يقاتلون بشدة وعنف محاولين (عبثا) اقتحام مواقع المسلمين في (مؤتة) لتطويقهم تمهيدا لإبادتهم. ولكن الرومان (في كل محاولة) يبوءون بالفشل ويفقدون مزيدًا من القتلى. حيث ظل المسلمون صامدين. والحرب سجال بينهم وبين الرومان. ولا أدل على ضراوة المعركة واستبسال المسلمين فيها من أن هذه المعركة استمرت سبعة أيام يتجالد فيها الفريقان طوال النهار. حتى يحجز بينهم ظلام الليل فيكفوا عن القتال. وللمنصف أن يتصور أية بطولة كان عليها المسلمون. والنصف سيدرك أي مستوى رفيع من الشجاعة والبطولة والتضحية والفداء والإيمان العميق كان عليه المسلمون عندما يعلم أنهم (وهم ثلاثة آلاف محارب) استمروا يخوضون المعركة بصبر وشجاعة طوال سبعة أيام ضد جيش قوامه مائتا ألف مقاتل. دون أن يتمكن هذا الجيش من تسجيل أي نصر يذكر على المسلمين. متى وكيف استشهد القادة الثلاثة لقد ذكر بعض المؤرخون أن معركة مؤتة استمرت سبعة أيام (١).

стр. 1850

وفي اليوم السادس استشهد القادة الثلاثة (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة) الذين باستشهادهم تحول ميزان القتال لصالح الرومان وكادوا أن يبيدوا القوات الإسلامية (بالفعل) لولا أن أنقذها الله بأن تولى المحارب المخزومي الشهير خالد بن الوليد قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة الأبرار. فاستخدم ما لديه من مهارة قيادية وسياسة عسكرية لإنقاذ الجيش الإسلامي فجمع شتاته بعد أن انفرط عقده (لموت قادته الثلاثة) ثم اتبع أسلوبا موفقًا به سحب الجيش من مؤتة بعد أن أنزل بالرومان خسائر فادحة. كما سيأتي تفصيله ضمن إطار بحث أحداث معركة (مؤتة) هذه. مصرع زيد بن حارثة أما كيف ومتى استشهد القادة الأبرار الثلاثة في هذه المعركة اللاهبة الحاسمة. فخلاصة ما ذكره المؤرخون وما يدل عليه سياقهم أن القادة الثلاثة ظلوا يخوضون المعركة في مقدمة الجيش لمدة خمسة أيام. وأنهم استشهدوا جميعا في اليوم السادس. أما كيف قتلوا. فقد أجمعت المصادر التاريخية على أن أول من استشهد منهم زيد بن حارثة القائد العام الذي كان يتقدم الصفوف وفي يده علم الجيش (وهو علم أبيض (١) أعطاه له الرسول ﷺ عند استعراضه الجيش في ضواحي المدينة قبل تحركه). فقد ظل القائد زيد يقاتل الرومان (قائدا للجيش) طوال خمسة أيام. وفي اليوم السادس احتدم القتال وزاد الرومان من ضغطهم على المسلمين في (مؤتة) فصمد في وجههم وقاتلهم أشد قتال حتى مزقته رماحهم وهو مقبل كالأسد الهصور. قال الطبري: ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله

стр. 1851

- ﷺ حتى شاط (١) في رماح القوم. وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى: فمضى المسلمون إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون، فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم. فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل. وقاتل المسلمون معه على صفوفهم. حتى قتل طعنا بالرماح. ﵀. ومثل هذا القول. ذكره باقي المؤرخين. مصرع جعفر بن أبي طالب وكما هي تعليمات الرسول الأعظم والقائد الأعلى للجيش. كان جعفر بن أبي طالب مكلفًا بأن يخلف زيد بن حارثة في قيادة الجيش إذا ما استشهد زيد. ولذلك كان جعفر ملازما (أثناء القتال) للقائد العام زيد بن حارثة استعدادا لتولى منصب القائد العام إذا ما أصيب زيد أثناء القتال. وفعلا. فعندما استشهد القائد زيد بعد أن شاط في رماح العدو. سارع جعفر واستلم علم الجيش من يد زيد قبل أن يقع على الأرض. وبهذا تولى (تلقائيا) مسئولية القائد العام للجيش فقاد المسلمين وقاتل الرومان قتالا ضاريًا .. حتى أذهلهم. جعفر يعقر فرسه وكان جعفر يقاتل على فرس له شقراء فاقتحمت به أتون المعركة المضطرم وعلم الجيش في يده. والمسلمون خلفه يقاتلون بضراوة واستماتة. وعندما تسلم جعفر بن أبي طالب القيادة. أقحم فرسه وسط حشود

стр. 1852

الرومان فصار يدفع كتائبهم أمامه (ومن ورائه جموع المسلمين) كما تدفع الريح القوية أمامها بالورق اليابس. ولكن كثرة الزحام وشدة الالتحام في المعركة جعل فرس القائد جعفر عاجزة عن الحركة كما يجب. فاقتحم جعفر عنها ثم عقرها. توطينا لنفسه على الموت وليقفل عليها باب الطمع في الهرب -فكان أول من عقر في الإسلام أثناء القتال- وبعد أن ترجل جعفر عن فرسه أحاط به الرومان فقاتلهم قتالًا شديدًا وراية الرسول ﷺ في يده. ثم تمكن أحد فرسان الرومان من قطع يد جعفر التي يحمل بها اللواء فحمله باليد الأخرى فحمل عليه أحد الرومان فقطع اليد الثانية. وكان الهدف أن يقع علم الجيش الإسلامي فتعم المسلمين الهزيمة. ولكن القائد الشاب جعفر أظهر بطولة فذة لا مثيل لها، فبعد أن فقد كلتا يديه (وحفاظًا على اللواء من أن يقع على الأرض احتضنه مكبًا عليه: ليظل مرفوعًا فلا يقع أرضا. فتنهار لوقوعه معنويات المحاربين المسلمين. فبقاء اللواء منصوبا ساعة القتال له أثره النفسى الفعال في نفوس المحاربين من حيث الثبات والصمود. ورغم استبسال جعفر وثباته هذا. فقد انتهى صموده الرائع بأن سقط شهيدًا بعد أن اعتورته سيوف الرومان وهو يحتضن اللواء في إصرار وتصميم حتى صعدت روحه الطاهرة ليأخذ مكانه بين الصديقين والشهداء. وذكر بعض المؤرخين أن فارسا من الروم ضرب القائد جعفر ضربة بالسيف (بعد أن أثخنته الجراح) فقطعه نصفين. فوقع أحد نصفيه في كرم. فوجد في نصفه بضع وثلاثون جرحا كما وجد به طعنة من رع قد أنفذته (١). قال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٤: قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل.

стр. 1853

وقال ابن إسحاق: ثم أخذها (أي الراية) جعفر حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس (١) له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام. وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبّاد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني- وكان أحد بني عوف، وكان في تلك الغزوة، غزوة مؤتة فقال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم في فرش له شقراء ثم عقرها. ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنةُ واقترابُها ... طيبة وباردٌ شرابُها والرُّوم رومٌ قَدْدَنَا عذابُها ... كافرة بعيدةٌ أنسابُها عليّ إذ لاقيتُها ضرابُها (٢) الشهيد الشاب قال ابن هشام وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما. حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين (٣). قال ابن كثير (معلقا على عقر جعفر فرسه في المعركة) .. روى هذا الحديث أبو داود من حديث ابن إسحاق. وقد استدل (أي بفعل جعفر)

стр. 1854

على جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو يقول أبو حنيفة في الأغنام. إذا لم تتبع السير ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم. قال السهيلى: ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا (١). قلت: لا غبار على شرعية ووجاهة صنيع الشهيد جعفر ﵁ حين عقر فرسه بعد أن أحاط به العدو. لأن الخيل في ذلك العصر أهم سلاح حربي. وهو بمثابة سلاح المدرعات في هذا العصر. فجعفر قد عقر فرسه لئلا ينتفع به العدو .. وفي العصر نرى أن من أهم التعليمات للمحاربين أن يتلقوا أي سلاح في أيديهم يكونون غير قادرين على استخدامه. ويخشون أن ينتفع به العدو. عودة إلى المنطلق وقال الواقدي: وضرب رجل من الروم (جعفر) فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا. وحدثني أبو معشر عن نافع عن ابن عمر، قال: ووجد مما قتل من بدن جعفر اثنان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح. وقال: حدثني يحيى بن أبي عبد الله بن أبي قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن صالح عن عاصم بن عمر، قال: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا، ووجد به طعنة قد أنفذته (٢). وقال البخاري: عن عبد الله بن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة (أي غزوة مؤتة) فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية. قال ابن كثير تفرد به البخاري (٣)

стр. 1855

وروى البخاري عن ابن عمر. أنهم وقفوا على جعفر بعد استشهاده. فوجدوا جميع الطعنات التي أصيب بها ليس منها شيء خلفه. بل كلها تلقاها وهو مقبل (١). مصرع عبد الله بن رواحة القائد الثالث واستمر القتال بضراوة وعنف في مؤتة. وكما هو الترتيب الذي وضعه النبي ﷺ بتناوب القادة الثلاثة في المعركة سارع القائد الثالث عبد الله بن رواحة. بعد مصرع جعفر بن أبي طالب إلى تسلم مسئولية قيادة الجيش فحمل اللواء، كقائد عام للجيش، فخاض بالمسلمين المعركة. والعجيب أن عبد الله بن رواحة الذي كان في (معان) صاحب الدعوة إلى مصادمة الرومان عندما بدا بعض التردد على بعض القادة لكثرة الحشود الرومانية الهائلة. عبد الله هذا، قد أدركه شيء من الضعف البشرى، عندما جاء دوره في تسلم قيادة الجيش، عقب مصرع القائد الثاق جعفر بن أبي طالب. فقد تردد بعد أن حمل الراية، وتقدم بفرسه، إلا أنه تغلب على هذا التردد، فتقدم وقاد الجيش، وقاتل به حتى استشهد. فقد عاتب عبد الله بن رواحة نفسه على هذا التردد قائلا شعرًا: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو فلتكرَهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... ما لي أراك تكرهين الجنة قد طالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شَنَّة؟ ثم نزل القائد ابن رواحة من على فرسه ولواء رسول الله ﷺ بيده. فقاتل قتال الأبطال حتى تخطفته سيوف ورماح الرومان فالتحق بزميليه شهيدًا، وكان قتله حسب سياق المؤرخين في اليوم السادس من المعركة. تمنى الشهادة فأعطيها وكان عبد الله بن رواحة قد تمنى أن يرزقه الله الشهادة، وهو في الطريق

стр. 1856

إلى مؤتة. فقد روى ابن إسحاق عن زيد بن أرقم (١)، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته يقول: إذا أدنيتنى وحملت رحلى ... مسيرة أربع بعدَ الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذَم ... ولا أرجع إلى أهلى ورائى وجاء المسلمون (٢) وغادَرونى ... بأرض الشام مستنهى الثواء (٣) وردّك كلُّ ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإِخاء هنالك لا أبالي طلعَ بَعْل ... ولا نخل أسافلها رواءِ (٤) قال: فلما سمعتهن منه بكيتُ. قال فخفقنى (٥) بالدُّرة وقال: ما عليك يا لُكع (٦) أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شُعبْتَى الرحل (٧). قال: قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز. يا زيد زيد اليعملات (٨) الذُّبِّل ... تطاول الليلُ هديت فأنزل (٩) كيف استبسل ابن رواحة بعد التردد ويصف ابن إسحاق مضاء عزيمة ابن رواحة بعد التردد الذي حدث له فيقول: إن عبد الله استمر في معاتبة نفسه وحضها على الاستشهاد فقال:

стр. 1857

يا نفس ألا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيتى ... إنْ تفعلى فعلهما هُديتِ يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (١) من لحم فقال: اشدد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه (٢) ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهس (٣) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٤) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل (٥). مصرع قائد العرب المتنصرة وكان الرومان قد عانوا الأهوال من المسلمين أثناء الأيام الستة. فقد أصاب المسلمون منهم ومن أتباعهم العرب المتنصرة، مقتلة عظيمة، وكان من قتلى الجيش الروماني القائد العام لقوات العرب المتنصرة واحمه. مالك بن رافلة. قتله قائد ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذرى. (٦) خالد بن الوليد يتولى قيادة الجيش في مؤتة وبعد أن لقى القادة الثلاثة مصرعهم في معركة الأيام الستة بمؤتة. وكان الجيش الإسلامي (على قلة عدده) قد ظل رجاله ثابتون يصارعون الرومان وحلفاءهم طوال ستة أيام. دون أن يبدو عليهم الوهن أو الاضطراب. غير أن مصرع القادة الثلاثة وبقاء الجيش دونما قائد. رجح كفة الرومان. وحدث بعض الخلل والاضطراب في صفوف

стр. 1858

المسلمين الذين اختلطوا (بعد مصرع ابن رواحة) بالرومان. وأخذ بعض المسلمين ينهزم. لا سيما بعد أن سقط لواء الجيش أرضا بعد مصرع القائد الثابث. لقد هزموا هزيمة منكرة. ولكن أحد فرسان الأنصار وهو (ثابت بن أقرم) أخذ اللواء من قطبة بن عامر الأنصاري (١). وصاح: يا قوم يقتل الإنسان مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. أما ثابت بن أقرم: فقد أخذ يصيح باسم الأنصار فثاب إليه الناس. وهكذا أنقذ ثابت بن أقرم الموقف حين رفع اللواء ونادى يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم (أي يحمل اللواء ويتحمل مسئولية قيادة الجيش) فرشحه وجوه الجيش لأن يكون هو القائد فاعتذر قائلا ما أنا بفاعل. وكان الموقف لا يحتمل النقاش فقد بلغ الدرجة القصوى من الخطورة بعد مصرع القادة الثلاثة. والباحث العسكري الخبير هو الذي يستطيع تقييم الخطر الداهم الذي أحاق (يوم ذاك) بثلاثة آلاف مقاتل. فقدوا كل قادة جيشهم. في الوقت الذي يصارعون فيه مائتي ألف مقاتل من أعدائهم الرومان وأتباعهم. لقد أصبح هم وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه -بعد أن فقد قادته الثلاثة- وبدت علائم الفوضى والاضطراب على بعض صفوفه- أصبح همهم النجاة بهذا الجيش الصغير الذي رغم استبساله وشراسته في القتال .. قادة وجنودا .. كاد يفقد تنظيمه كليًّا. ولم يكن هناك في الجند من تتجه الأنظار إليه لإنقاذ الموقف سوى

стр. 1859

المحارب الشهير خالد بن الوليد الذي لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهرا فقط. ولذلك صاح ثابت بن أقرم (الذي رفع لواء الجيش من الأرض) بخالد: خذ اللواء يا أبا سليمان. فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن. فقال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك (١). أنت أعلم بالقتال منى (٢). وأيد وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه فكرة تولى خالد بن الوليد القيادة. وحثوه على ذلك. لإنقاذ الموقف التدهور الذي بات يهدد أفراد الجيش بالإبادة. ولم يسع المحارب البطل والقائد الفذ خالد بن الوليد إلا أن يستجيب لرغبة وجوه الجيش ويحققها. فقبل أن يتحمل مسؤولية القيادة. فحمل اللواء من ثابت بن أقرم. فأصبح قائدًا عامًا للجيش. لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائدًا للجيش (في تلك الساعات الحرجة) اختيارًا موفقا. لأن خالدًا -بالإضافة إلى كونه محاربا ممتازا شجاعا لا يشق له غبار- كان قمة في السياسة العسكرية والمهارة القيادية في حالتي الهجوم والدفاع. وقد أثبت ذلك (عمليا) وخاصة بعد أن دان بالإسلام وقاد الجيوش في أعنف المعارك .. مما جعله في مقدمة عظماء قادة العالم. ولقد أنقذ الجيش الإسلامي في مؤتة من التدمير، بعد الهزيمة المنكرة التي نزلت به عقب مصرع قادته الثلاثة. فقد أعاد خالد (أولًا) للجيش التنظيم الذي فقده، ثم أعاد بمهارته إلى هذا الجيش ثقته بنفسه، وبعد ذلك شن به هجوما معاكسا على الرومان

стр. 1860

حتى زلزل صفوفهم ثم -وبمهارة فائقة- تمكن من الانسحاب بهذا الجيش الصغير انسحابا عظيما يعتبر في عرف الخبراء العسكريين أعظم انتصار .. ولهذا لقب الرسول ﷺ خالدا سيف الله بعد أن نجح في إنقاذ الجيش. النبي ﷺ يصف المعركة قبل عودة الجيش بعد أن كشف الله له ما بين المدينة والشام وذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث. أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة في (مؤتة) حتى صار ينظر عيانا إلى ما حدث هناك من قتال ضار عنيف، ويشهد مصرع القادة الثلاثة. وتولى خالد بن الوليد القيادة، ولقبه (لأول مرة بسيف الله). وهذا من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه ﷺ . حديث البخاري عن معجزة الرسول ﷺ - فقد روى البخاري عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة. للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله -يعني خالد بن الوليد- حتى فتح الله عليهم (١). رواية البيهقي عن المعجزة وقال البيهقي بسنده عن خالد بن سمير. قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه. فقال أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ
следующие страницы →