إلى مؤتة. فقد روى ابن إسحاق عن زيد بن أرقم (١)، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته يقول:
إذا أدنيتنى وحملت رحلى ... مسيرة أربع بعدَ الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذَم ... ولا أرجع إلى أهلى ورائى
وجاء المسلمون (٢) وغادَرونى ... بأرض الشام مستنهى الثواء (٣)
وردّك كلُّ ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإِخاء
هنالك لا أبالي طلعَ بَعْل ... ولا نخل أسافلها رواءِ (٤)
قال: فلما سمعتهن منه بكيتُ. قال فخفقنى (٥) بالدُّرة وقال: ما عليك يا لُكع (٦) أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شُعبْتَى الرحل (٧).
قال: قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز.
يا زيد زيد اليعملات (٨) الذُّبِّل ... تطاول الليلُ هديت فأنزل (٩)
كيف استبسل ابن رواحة بعد التردد
ويصف ابن إسحاق مضاء عزيمة ابن رواحة بعد التردد الذي حدث له فيقول: إن عبد الله استمر في معاتبة نفسه وحضها على الاستشهاد فقال:
стр. 1857
يا نفس ألا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيتى ... إنْ تفعلى فعلهما هُديتِ
يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (١) من لحم فقال: اشدد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه (٢) ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهس (٣) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٤) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل (٥).
مصرع قائد العرب المتنصرة
وكان الرومان قد عانوا الأهوال من المسلمين أثناء الأيام الستة. فقد أصاب المسلمون منهم ومن أتباعهم العرب المتنصرة، مقتلة عظيمة، وكان من قتلى الجيش الروماني القائد العام لقوات العرب المتنصرة واحمه. مالك بن رافلة. قتله قائد ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذرى. (٦)
خالد بن الوليد يتولى قيادة الجيش في مؤتة
وبعد أن لقى القادة الثلاثة مصرعهم في معركة الأيام الستة بمؤتة.
وكان الجيش الإسلامي (على قلة عدده) قد ظل رجاله ثابتون يصارعون الرومان وحلفاءهم طوال ستة أيام. دون أن يبدو عليهم الوهن أو الاضطراب. غير أن مصرع القادة الثلاثة وبقاء الجيش دونما قائد. رجح كفة الرومان. وحدث بعض الخلل والاضطراب في صفوف
стр. 1858
المسلمين الذين اختلطوا (بعد مصرع ابن رواحة) بالرومان. وأخذ بعض المسلمين ينهزم. لا سيما بعد أن سقط لواء الجيش أرضا بعد مصرع القائد الثابث. لقد هزموا هزيمة منكرة.
ولكن أحد فرسان الأنصار وهو (ثابت بن أقرم) أخذ اللواء من قطبة بن عامر الأنصاري (١). وصاح: يا قوم يقتل الإنسان مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. أما ثابت بن أقرم: فقد أخذ يصيح باسم الأنصار فثاب إليه الناس.
وهكذا أنقذ ثابت بن أقرم الموقف حين رفع اللواء ونادى يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم (أي يحمل اللواء ويتحمل مسئولية قيادة الجيش) فرشحه وجوه الجيش لأن يكون هو القائد فاعتذر قائلا ما أنا بفاعل.
وكان الموقف لا يحتمل النقاش فقد بلغ الدرجة القصوى من الخطورة بعد مصرع القادة الثلاثة. والباحث العسكري الخبير هو الذي يستطيع تقييم الخطر الداهم الذي أحاق (يوم ذاك) بثلاثة آلاف مقاتل. فقدوا كل قادة جيشهم. في الوقت الذي يصارعون فيه مائتي ألف مقاتل من أعدائهم الرومان وأتباعهم.
لقد أصبح هم وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه -بعد أن فقد قادته الثلاثة- وبدت علائم الفوضى والاضطراب على بعض صفوفه- أصبح همهم النجاة بهذا الجيش الصغير الذي رغم استبساله وشراسته في القتال .. قادة وجنودا .. كاد يفقد تنظيمه كليًّا.
ولم يكن هناك في الجند من تتجه الأنظار إليه لإنقاذ الموقف سوى
стр. 1859
المحارب الشهير خالد بن الوليد الذي لم يمض على دخوله في الإسلام سوى ثلاثة أشهرا فقط.
ولذلك صاح ثابت بن أقرم (الذي رفع لواء الجيش من الأرض) بخالد: خذ اللواء يا أبا سليمان. فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن.
فقال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك (١). أنت أعلم بالقتال منى (٢). وأيد وجوه الجيش وزعماء القبائل فيه فكرة تولى خالد بن الوليد القيادة. وحثوه على ذلك. لإنقاذ الموقف التدهور الذي بات يهدد أفراد الجيش بالإبادة.
ولم يسع المحارب البطل والقائد الفذ خالد بن الوليد إلا أن يستجيب لرغبة وجوه الجيش ويحققها. فقبل أن يتحمل مسؤولية القيادة. فحمل اللواء من ثابت بن أقرم. فأصبح قائدًا عامًا للجيش.
لقد كان اختيار خالد بن الوليد قائدًا للجيش (في تلك الساعات الحرجة) اختيارًا موفقا. لأن خالدًا -بالإضافة إلى كونه محاربا ممتازا شجاعا لا يشق له غبار- كان قمة في السياسة العسكرية والمهارة القيادية في حالتي الهجوم والدفاع. وقد أثبت ذلك (عمليا) وخاصة بعد أن دان بالإسلام وقاد الجيوش في أعنف المعارك .. مما جعله في مقدمة عظماء قادة العالم. ولقد أنقذ الجيش الإسلامي في مؤتة من التدمير، بعد الهزيمة المنكرة التي نزلت به عقب مصرع قادته الثلاثة.
فقد أعاد خالد (أولًا) للجيش التنظيم الذي فقده، ثم أعاد بمهارته إلى هذا الجيش ثقته بنفسه، وبعد ذلك شن به هجوما معاكسا على الرومان
стр. 1860
حتى زلزل صفوفهم ثم -وبمهارة فائقة- تمكن من الانسحاب بهذا الجيش الصغير انسحابا عظيما يعتبر في عرف الخبراء العسكريين أعظم انتصار .. ولهذا لقب الرسول ﷺ خالدا سيف الله بعد أن نجح في إنقاذ الجيش.
النبي ﷺ يصف المعركة قبل عودة الجيش بعد أن كشف الله له ما بين المدينة والشام
وذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث. أن الله تعالى كشف لرسوله المسافة الفاصلة بين المدينة ومكان المعركة في (مؤتة) حتى صار ينظر عيانا إلى ما حدث هناك من قتال ضار عنيف، ويشهد مصرع القادة الثلاثة. وتولى خالد بن الوليد القيادة، ولقبه (لأول مرة بسيف الله). وهذا من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه ﷺ .
حديث البخاري عن معجزة الرسول ﷺ -
فقد روى البخاري عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة. للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله -يعني خالد بن الوليد- حتى فتح الله عليهم (١).
رواية البيهقي عن المعجزة
وقال البيهقي بسنده عن خالد بن سمير. قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه. فقال أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ
стр. 1861
جيش الأمراء. وقال: عليكم زيد بن حارثة: وقال: إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. قال فوثب جعفر وقال: يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي. قال: امض فإنك لا تدرى أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله ﷺ ، فأمر فنودى: الصلاة جامعة، فاجتمع. الناس على رسول الله ﷺ . فقال: أخبركم، أخبركم هذا؟ .
إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدًا، فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، شهد له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره" فمن يومئذ سمى خالد سيف الله، ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، وفيه زيادة حسنة، وهو أنه ﷺ لما اجتمع إليه الناس. قال: باب خير، باب خير، فذكر الحديث (١).
وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر، زاد أحدهما على صاحبه في الحديث، قالا: لما التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله ﷺ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال رسول الله ﷺ : أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا. فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلى الدنيا، فمضى قدما، فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال استغفروا له فقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمناه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا. فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنينى الدنيا، ثم مضى قدمًا حتى
стр. 1862
استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ ودعا له ثم قال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة، فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة، ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد ودخل الجنة معترضًا. فشق ذلك على الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : أصابه الجراح. قيل: يا رسول الله؛ ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فشجع، فاستشهد فدخل الجنة. قال الراوي فسرى عن قومه (١).
رواية ابن إسحاق
وجاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغني-: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا. قال: ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار. وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم قال: لقد رفعوا إلى في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة إزورارا عن سريرى صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد، ثم مضى (٢).
جناحان بدل اليدين لجعفر في الجنة
قال الحافظ ابن حجر: وفي الجزء الرابع من فوائد أبي سهيل بن زياد بن القطان من طريق سعدان بن الوليد عن عطاء عن ابن عباس: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عيسى (زوج جعفر) قريبة منه، إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل فردى ﵇ -الحديث- وفيه .. فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء" (٣).
стр. 1863
وذكر موسى بن عقبة. أن يعلى بن أمية (١) قدم على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة. فقال له رسول الله ﷺ : إن شئت فأخبرنى وإن شئت أخبرك، قال: أخبرني يا رسول الله. قال فأخبرهم رسول الله ﷺ خبرهم كله، ووصفه لهم، فقال (يعلى) والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله ﷺ " .. إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم" (٢).
النبي ﷺ يشيد ببطولة خالد
ويذكر المؤرخون أن النبي ﷺ وهو يخبر أصحابه في المدينة بعد أن كشف الله له مكان المعركة بمؤتة- أكد لهم أن ميزان المعركة تحول لصالح المسلمين بعد أن هزموا بعد مقتل قادتهم الثلاثة. وكان هذا التحول بعد أن تولى خالد بن الوليد القيادة، فقد روى الواقدي عن عبد الله بن الفضيل عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال -لما أخذ خالد الراية-: الآن حمى الوطيس (٣). كناية عن عودة المسلمين إلى القتال واشتداد القتال بينهم وبين الرومان.
صعوبة المهمة الملقاة على عاتق خالد في مؤتة
لقد كانت معركة مؤتة أول معركة يشترك فيها خالد بن الوليد (مسلما). كما أنه لأول مرة في حياته يتولى منصب القائد العام لجيش إسلامي.
كانت حالة الجند الإسلامي -عندما تولى خالد القيادة بمؤتة- حالة
стр. 1864
سيئة بمعنى هذه الكلمة.
فقد تمزقوا تمزقا شديدا حتى تبعثروا في أرجاء الميدان في حالة من الفوضى هي الهزيمة بعينها. بل إنها أشنع هزيمة تنزل بجيش إسلامي في العهد النبوى .. وصف هذه الحقيقة ابن سعد في طبقاته الكبرى (ج ٢ ص ١٣٠) بقوله -يصف حالة الجيش الإسلامي بعد مصرع قادته الثلاثة- .. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى لم أر اثنين جميعا. والكلام هنا لشاهد عيان هو أبو عامر.
ومن هنا كانت المهمة التي ألقيت على عاتق القائد الجديد (خالد بن الوليد) مهمة على غاية من الصعوبة والتعقيد.
فقد تولى قيادة جيش أنهكه القتال الشديد الضارى طوال أيام. فكان (وهو ثلاثة آلاف فقط) يجالد -طيلة هذه الأيام الستة- جيشا قوامه مائتا ألف مقاتل.
ومع ذلك، فقد هذا الجيش الصغير الباسل قادته الثلاثة الواحد بعد الآخر، فانفرط عقده، وفقد تنظيمه، وكان في حالة اضطراب شديد وارتباك خطير، جعلاه مهيئا لأن يدمر تدميرا كاملًا، أو يقع بكامله أسيرا في قبضة الرومان وأحلافهم من العرب المزتزقة من غير المسلمين.
وهذه الحالة التي وصل إليها الجيش الإسلامي في (مؤتة) لا يلام عليها. فرغم زخم الإيمان وثبات اليقين والبسالة النادرة التي قاتل بها هذا الجيش الصغير، فإن للطاقة البشرية حدودا.
وإذا نظرنا إلى ظروف معركة مؤتة (وخاصة بعد فقد الجيش الإسلامي قادته الثلاثة، ومضى ستة أيام عليه وهو يقاتل ذلك القتال الضارى) لوجدنا أن استمراره إلى ما لا نهاية في التصدّى لمائتى ألف مقاتل ومجالدتها هو فوق طاقة البشر.
وليس بوسع أي خبير عسكرى منصف يلم بتفاصيل وظروف معركة مؤتة لا يسعه إلا أن يعترف بأن ثبات المسلمين في وجه الرومان كل هذه الأيام هو أرقى مراتب النصر والغلبة مهما قيل عن اضطرابهم ومحاولة
стр. 1865
بعضهم الانهزام.
خالد وخطة الانسحاب الرائعة
قام القائد خالد بن الوليد (أثناء الليل) بتبديل كلى في الميمنة والميسرة والقلب من جيشه. فجعل رجال ميمنة الجيش مكان رجال الميسرة. كما جعل رجال الميسرة مكان رجال الميمنة أثناء التعبئة للمواجهة في اليوم السابع. كما استبدل رجال القلب في الصفوف بآخرين. وهدفه من ذلك أن يدخل (عمليا) في نفوس قيادة الرومان الاعتقاد أن جيشا جديدًا وعسكرًا لم يسبق لهم أن اشتركوا في القتال قد جاعوا مددا للمسلمين من المدينة.
نجاح خطة التضليل أنقذت المسلمين في مؤتة
هذه هي خطة الإيهام والتضليل التي رسمها ونفذها القائد الفذ المحنك خالد بن الوليد فأنقذ بها جيش الإسلام من فناء يكاد يكون محققًا. (١).
فما كاد يطلع الصباح حتى وجد الرومان أنفسهم أمام جيش جديد فأنكروا من المسلمين ما كانوا يعرفونه طوال أيام القتال الستة.
فقد وجد الرومان (قادة وجنودا) أنفسهم -أثناء تقابل الصفوف في اليوم السابع- أمام قادة وجنود وهيئات ورايات غير القادة والجنود والرايات والهيئات التي كانوا يواجهونها في الصفوف الأولى (ميسرة وميمنة وقلب) أثناء القتال في الأيام الستة الماضية.
وبينما كانت الأسئلة تلح على قادة الجيش الروماني. ما إذا كان هذا الذي يرون يعني أن جيش الإسلام قد تلقى (أثناء الليل) مددا كبيرا من
стр. 1866
المدينة. إذا بغبار يسد الأفق من بعيد (جنوبا) ناحية الجزيرة خلف ظهر الجيش الإسلامي. أثارت هذا الغبار سنابك خيل تركض بأقصى سرعة.
وما هي إلا برهة وجيزة حتى دوت أرجاء (مؤتة) بأصوات التهليل والتكبير منبعثة من بين ثنايا ذلك الغبار الذي حجب الأفق. ثم انشق هذا الغبار عن كتائب من الفرسان تتبع إحداهما الأخرى في تنسيق وإحكام راكضة نحو المسلمين في (مؤتة) قد رجفت الأرض رجفا لوقع حوافر خيلها المنطلقة بأقصى سرعة وأصوات فرسانها تصم آذان الرومان بالتهليل والتكبير. ولإِدخال مزيد من الرعب في قلوب الرومان. اهتز معسكر المسلمين المواجه للرومان في (مؤتة) بالتكبير والتهليل. كل ذلك تم بتخطيط محكم من القائد المحنك المظفر خالد بن الوليد.
وكان ذلك آخر حلقة في الخطة الرائعة التي أحكمها القائد خالد لتضليل قادة الجيش الروماني وإيهامهم بأن مددًا عظيمًا قد تلقاه المسلمون في (مؤتة) من المدينة.
فقد أيقن قادة الجيش الروماني أن كل ما رأوه من تغير شامل في رجال القوات الإسلامية في الميمنة والميسرة والقلب وتدفق هذه الكتائب التي رأوا غبار وقع سنابك خيلها يحجب الأفق منذ الصباح الباكر خلف خطوط المسلمين. إنما هو مدد كبير يمثله جيش عظيم جاء من المدينة لمساندة المسلمين ليستمروا في خوض المعركة في مؤتة حتى النصر.
خالد يهاجم الرومان ويلحق بهم أعظم الخسائر ثم ينسحب
ونتيجة هذا الاعتقاد الذي أوجده لدى القادة الرومانيين نجاح خطة التضليل البارعة التي نفذها خالد بن الوليد. دب الفزع والرّعب إلى نفوس الرومان وسادهم الهرج والمرج ولسان حالهم يقول: إذا كان ثلاثة آلاف مقاتل من هؤلاء المسلمين قد فعلوا كل هذه الأفاعيل بالرومان وحلفائهم وظلوا يجالدون مائتى ألف مقاتل طوال ستة أيام. منزلين بهم أفدح الخسائر فماذا عسى أن يصنعوا بهم إذن بعد أن وصل إليهم هذا المدد الكبير من المدينة؟
стр. 1867
وأدرك خالد (بحاسة القائد الماهر المحنك) ما أصاب الرومان وحلفاءهم من خوف ورعب وارتباك. نتيجة نجاح خدعته الحربية البارعة المحكمة. فاغتنمها فرصة. فأمر في الحال بالهجوم على خطوط الرومان وبأسلوب عام صاعق كاسح فتم له ما أراد.
فقد مالت كل صفوف جيش الإسلام على خطوط الرومان الأمامية. فتملك الرعب نفوسهم. ثم تضعضعت صفوفهم فركبهم المسلمون وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة. كانت بكل معاني الكلمة (مذبحة) وصفها الواقدي في كتابه المغازى بقوله: (حدثني عطاف بن خالد. قال: لما قتل ابن رواحة مساءا بات خالد بن الوليد. فلما أصبح غدا. وقد جعل مقدمته ساقته. وساقته مقدمته. وميمنته ميسرته. وميسرته ميمنته. فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئاتهم. وقالوا: قد جاءهم مدد! فرعبوا فانكشفوا منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم قط) (١).
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ١٣٠ (وهو يروى قصة انتصار خالد على الرومان بعد توليه القيادة): ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل. ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط لم أر اثنين جميعًا .. ثم أخذ خالد (بن الوليد) اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط. حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا (٢).
تسعة أسياف تتكسر في يد خالد بمؤتة
واستمر خالد يطارد الرومان بكل قواته حتى أثخنوهم. وكان القتال قتالا ضاريا خاضه المسلمون (بعد هزيمتهم) بحنق وغيظ. وكان الرومان في تراجعهم أمام هجوم خالد المضاد. يقاتلون بشراسة ولا أدل على عنف المعركة التي انتصر فيها خالد على الرومان (والفضل الأول للخدعة
стр. 1868
البارعة) من أن القائد خالدا تكسرت في يده تسعة سيوف بعد أن تولى قيادة الجيش وشن هجومه المضاد المفاجئ على الرومان فقد روى الإمام البخاري عن خالد نفسه أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف. وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية (١).
تنفيذ خطة الانسحاب إلى المدينة
ولما كان هدف القائد خالد من كل الأعمال والخدع الحربية التي لجأ إليها هو أن يؤمن لجيش الإسلام انسحابا منظما من مؤتة اغتنم فرصة ارتباك الجيوش الرومانية واضطرابها واعتقادها أن المسلمين قد تلقوا نجدة من المدينة. فأصدر أمره إلى قادة الفرق والكتائب في جيش الإسلام بالارتداد بالجيش نحو الجنوب على تعبئة وانتظام كما هو متفق عليه بينه وبين هيئة أركان حربه عند وضع الخطة لهذا الانسحاب في الليل.
فأخذ الجيش الإسلامي يغادر ميدان المعركة في مؤتة منسحبًا بكل هدوء وضبط وانتظام ويقظة.
وأشرف القائد خالد نفسه على عملية الانسحاب فكان يجول بفرسه بين الكتائب والفرق المنسحبة ليظل النظام سائدا أثناء الانسحاب ولتظل روح الجند والقادة ومعنوياتهم عالية. فلا يدركهم الخوف فيسودهم الاضطراب والفوضى.
فتمت عملية الانسحاب من (مؤتة) كما قدر ويريد القائد البطل خالد. تمت على أدق نظام ودونما أية خسارة.
قيادة الرومان تأمر بعدم تعقب المسلمين في انسحابهم
فالجيش الروماني الذي يمكن أن يقوم بملاحقة المسلمين ومطاردتهم أثناء انسحابهم. قد وقف (رغم كثرته الهائلة) شبه مشلول يسوده الذهول عقب الأهوال التي لقيها على أيدى المسلمين في الهجوم الكاسح المضاد الذي
стр. 1869
قام به خالد بن الوليد بعد نجاح حيلته العسكرية وخدعته الحربية البارعة.
فمع ما أنزله المسلمون في هجومهم المضاد من خسائر فادحة بين صفوف الجيش الروماني كان قادة هذا الجيش لا يزالون يعتقدون أن ما حدث من المسلمين من قتال شرس وهجوم كاسح في المرة الأخيرة. إنما هو نتيجة تلقيهم نجدات عظيمة من المدينة. ولهذا أصدر القادة الرومان إلى كافة قادة الكتائب والفرق في جيشهم بأن لا يتعقب أحد المسلمين في انسحابهم.
وقد فسر أحد الباحثين من المؤرخين إحجام الرومان عن مطاردة المسلمين المنسحبين مع قدرة الرومان الكاملة -من الناحية البشرية- على مطاردة المسلمين وإنزال أكبر خسارة ممكنة بهم أثناء انسحابهم حيث يوجد لدى الرومان وحلفائهم من سلاح المطاردة (سلاح الفرسان) ما لا يقل عن خمسين ألف فارس .. فسّر ذلك بأنه إما راجع إلى أن القيادة الرومانية العليا تعتقد أن الانسحاب الذي قام به خالد بن الوليد وجيشه في ذروة انتصاره في المعركة. إنما هو مكيدة حربية يدبرها القائد لإيقاع الجيش الروماني -إذا ما تتبع المنسحبين المسلمين- في كمائن قد أعدها (مقدمًا) .. ولا أحد يجيد الكمائن وإحكامها مثل العرب. فأحجمت القيادة الرومانية لذلك عن تعقب المسلمين في انسحابهم رغم قلة عددهم ورغم كونهم يتحركون في انسحابهم داخل أراض رومانية. بل ورغم أن الرومان يعرفون أن المسلمين سيقطعون (أثناء انسحابهم) مسافة ستمائة ميل، مزروعة كلها بأناس وثنيين أو عرب متنصرة يناصبون الإسلام والمسلمين العداوة والخصومة.
وإما أن إحجام الرومان عن المطاردة راجع إلى أن الرومان (كما أشار الأستاذ محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد) قد فرحوا وكانوا مسرورين لانسحاب المسلمين من ميدان المعركة التي لم يستطع الرومان أن يسجلوا على المسلمين النصر الذي كانوا يأملون الحصول عليه رغم كثرتهم الغامرة الهائلة ورغم قلة المسلمين القليلة، بل لقد أنزل هؤلاء المسلمون بالرومان خسارة كبيرة قبل أن يصل إليهم هذا المدد -الذي توهم الرومان
стр. 1870
أنه قد وصلهم فعلًا- لهذا أحجم الرومان عن ملاحقة المسلمين وكان سرورهم عظيمًا بانسحابهم.
وعلى أي حال فقد نجح القائد خالد في انسحابه بجيش الإسلام إنسحابا سليما منظما أنجاه به من أخطار مدمرة كانت ستحيق به بل إنها لمحيقة به لولا أن وفق الله وجوه الجيش وقادة الكتائب فأسندوا قيادته إلى هذا القائد البطل المحنك خالد بن الوليد.
المظاهرة في المدينة ضد الجيش
واصل القائد خالد بن الوليد انسحابه بالجيش من مؤتة في الشام حتى وصل المدينة دون أن يتعرض لأى مكروه.
وكانت أنباء معركة (مؤتة) في الشام قد وصلت مشوشة إلى المدينة. وشاعت شائعات فيها تقول: إن عسكر الإسلام في (مؤتة) قد فروا، وانهزموا.
.. والفرار -منذ أن شرع الله الجهاد للمسلمين في سبيله- خلة مرذولة قبحها القرآن. وما سبق للمسلمين أن فر أحد منهم من ميدان المعركة.
ولهذا فإن ما أشيع من أن المسلمين قد فروا من الرومان وانهزموا دون أن يقوموا بما يجب القيام به من الثبات والتضحية .. قد أحدث استياءًا عامًا بين الجماهير في المدينة.
لذلك لم يكد خالد يصل بجيشه إلى ضواحي المدينة (بالجرف) حتى اصطدم بمظاهرة كبيرة تندد بالجيش وكان المتظاهرون يصيحون بالجيش يا فرار .. فررتم في سبيل الله .. ويحثون في وجوه الجند والقادة التراب.
وكان الرسول العظيم ﷺ يدافع عن موقف الجيش ويحاول تهدئة المتظاهرين ويقول .. ليسوا بفرار ولكنهم كرّار إن شاء الله .. وكانت حقائق البطولات النادرة التي تفوق الوصف والتي قام بها جيش الإسلام في
стр. 1871
مؤتة. قد وصلت النبي ﷺ في تقارير صحيحة كما هي (١) ولهذا انبرى ﷺ يرد على المتظاهرين في المدينة مدافعًا عن جيشه الباسل وقائده البطل خالد بن الوليد. الذي بدهائه العسكري (كما تقدم) أنزل (في هجوم صاعق) بالرومان في مؤتة. أفدح الخسائر ثمَّ انسحب بالجيش انسحابا منظما نال عليه الإِعجاب والتقدير من الرسول الأعظم ﷺ بل ولا يزال حتى هذه اللحظة محل إعجاب القادة العسكريين في العالم الذين يعرفون تفاصيل خدعة خالد الحربية التي بها نفذ خطة الانسحاب وأنقذ الجيش من فناء محقق.
ومع أن الحقيقة خلاف ما أشيع عن جيش الإِسلام في مؤتة فقد ظل أهل المدينة حانقين على الجيش يؤنبون كل من لا قوه من أفراده حتى المرأة كانت لا تفتح الباب لزوجها منهم وتذكره بأنّه من الذين فروا وفضلوا الحياة على الاستشهاد في سبيل الله.
فقد روى عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة أنَّه كان يقول ما لقى جيش بعثوا معنا ما لقى أصحاب مؤتة من أهل المدينة لقيهم أهل المدينة بالشر حتى أن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله. فيدق عليهم الباب فيأبون أن يفتحوا له. يقولون: ألا تقدّمت مع أصحابك.
أما كبار القادة من وجوه أصحاب الرسول ﷺ الذين حضروا مؤتة فكانوا يلازمون بيوتهم خوفا من أن يسمعوا ما يكرهون مما يعيرهم به أهل المدينة. الذين أصروا على أن جيش مؤتة قد فر وهرب. . حتى اضطر النبي ﷺ إلى أن يبعث إليهم رجلًا رجلًا. ويقول: أنتم الكرّار في سبيل الله.
وروى عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كان في ذلك البعث (يعني جند مؤتة) سلمة بن هشام بن المغيرة. فدخلت امرأته على أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت أم سلمة: ما لى لا أرى سلمة بن هشام؟ أاشتكى شيئًا؟ قالت امرأته: لا والله. ولكنه لا يستطيع
стр. 1872
الخروج. إذا خرج صاحوا به وبأصحابه "يا فرار. أفررتم في سبيل الله" حتى قعد في البيت. فذكرت ذلك أم سلمة لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : بل هم الكرار في سبيل الله فليخرج! فخرج. .
وقد كانت هذه المظاهرات التي قام بها أهل المدينة احتجاجا (على ما ظنوه فرارًا وهربا قام به جيش الرسول ﷺ المبعوث إلى الشام) -أول مظاهرة يقوم بها المسلمون في تاريخ الإِسلام. ومن الجدير بالذكر أن الرسول والقائد الأعلى للجيش لم يحاول التعرض للمتظاهرين ولم يأمر بتفريقهم بالقوة عندما تجمهروا بالجرف خارج المدينة يحثون التراب في وجوه الجيش ويهتفون ضده هتافات معادية، بل كل ما فعله الرسول ﷺ أنَّه كان يرد على المتظاهرين مزاعمهم وينفى عن جيشه تهمة الفرار والجبن. أما المتظاهرون فقد تركهم ﷺ يعبرون عن مشاعرهم بكامل الحرية. حتى انجلت لهم الحقيقة على مدى الأيام. واتضح لهم أن جيش الإِسلام في مؤتة (وخاصة بعد تسلم خالد قيادته) قام ببطولات لا يمكن لأى جيش هو في حجم صغره. أن يقوم بها.
أثر مقتل جعفر على رسول الله ﷺ -
كان جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول ﷺ . وكان شابا ذا أخلاق رفيعة. وأريحية متناهية وصاحب كرم ونفس عالية. وكان من السابقين الأولين في الإِسلام. . وهو الذي أسلم على يده النجاشي أصحمة إمبراطور الحبشة. . وكانت له هناك مواقف محمودة. بها نافح عن الإِسلام. . وشرح وأجلى وجهة نظره السليمة لملك الحبشة وأركان دولته. مما كان له أكبر الأثر في حماية المهاجرين المسلمين اللاجئين إلى إمبراطور الحبشة من اضطهاد مشركى مكة الذين لحقوا بالمسلمين وحاول وفد ظالم منهم التأثير على إمبراطور الحبشة كى يسلمهم إليهم ليعودوا بهم إلى مكة ليضطهدوهم ويفتنوهم عن دينهم.
ولكن جعفرًا -وكان رئيس اللاجئين المهاجرين عند ملك الحبشة أصحمة- وقف بما أعطاه الله من رجاحة عقل واتقاد ذهن واستنارة
стр. 1873
بصيرة وقدرة على الكلام المؤثر والإِقناع. لا أن يحبط محاولة المشركين القرشيين الإِجرامية التي تستهدف إعادة المسلمين إلى جو الشرك الخانق الذي يسيطر على مكة يوم أن كان المشركون في عنفوان جبروتهم. . بل استطاع أن يقنع ملك الحبشة (النجاشي) أن يدخل في الإِسلام. ويعلن ذلك رغم معارضة مجلس الكنائس في مملكته ورغم محاولة أركان دولته القيام بثورة مسلحة لإِسقاطه بعد أن أعلن إسلامه (١). وقد كان النقاش الذي دار في قاعة العرش بمملكة النجاشي، في الحبشة بين جعفر والنجاشى ورسل قريش الذين جاءوا يطالبون النجاشي بتسليم المسلمين لهم. . كان هذا النقاش مثيرًا للغاية دلّ على فطنة وذكاء وإيمان راسخ وجزالة منطق. يتمتع بها جعفر بن أبي طالب. الذي غلب بالحجة والمنطق والحق باطل وفد المشركين في بلاط النجاشي. حتى بلغ التأثر من كلام جعفر، بالنجاشى إلى أن يأمر بطرد وفد المشركين ويعلن حمايته للمهاجرين المسلمين في بلاده، بل وإلى أن يدخل في الإِسلام، بعد أن عرف من حديث جعفر بن أبي طالب أن ما جاء به محمَّد بن عبد الله ﷺ هو ما جاء به نبي الله عيسى من مشكاة واحدة. . (انظر تفاصيل هذه القصة الشيقة في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٥٦ وما بعدها) وقد سجل جعفر بن أبي طالب تلك الانتصارات للإِسلام على الشرك والمشركين وتمكن بحكمته وقوة إيمانه وقدرته على الإِقناع من إدخال الإِسلام إلى قلب ملك الحبشة نفسه فأسلم على يده (٢) تمكن جعفر من تسجيل وتحقيق كل ذلك وهو دون الثلاثين من عمره.
محبة النبي الشديدة لجعفر
وكان النبي ﷺ يحب جعفرا حبا شديدا لما فيه من خصال قل أن توجد في غيره. قوة الإِيمان وحسن الخلق وطيب العشرة ونقاء الضمير والشجاعة
стр. 1874
الفائقة والكرم العظيم. حتى قيل إنه ليس أحد أقرب إلى أخلاق رسول الله ﷺ من ابن عمه جعفر بل إنها لحقيقة. . أكدها الرسول ﷺ بقوله يخاطب جعفرًا (وكان معه في عمرة القضاء): "أشبهت خَلقى وخلقى" (١).
ولم يقم النبي ﷺ لأحد جاء من سفر إلا لجعفر بن أبي طالب. الذي قام له عند عودته بالمهاجرين من الحبشة، وقبل ما بين عينيه. وحجل (٢) فرحا بقدومه (٣). . وهذا يدلّ على علو منزلة جعفر ومكانته العالية في نفس النبي ﷺ .
وبعض الصحابة يرون أن جعفر بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ . . فقد روى الإِمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة أنَّه قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب (٤).
بكاء الرسول لموت جعفر
وقد حزن رسول الله ﷺ على ابن عمه جعفر حزنا شديدا. فقد تأثر لمقتله إلى حدّ أن صار يذرف الدموع حزنا عليه. . وذهب بنفسه إلى بيت جعفر لمؤاسات أهله وأبنائه وكانوا أطفالًا صغارًا.
فقد روى المؤرخون عن أسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب أنها قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتانى رسول الله ﷺ ، ولقد هيأت أربعين منا (٥) من أدم (٦)، وعجنت عجينى وأخذت بني فغسلت وجوههم ودهنتهم.
стр. 1875
فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا أسماء، أين بنو جعفر فجئت بهم إليه فضمهم وشمهم، ثمَّ ذرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول الله، لعلك بلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم. أصيبوا هذا اليوم. وفي رواية لعلك بلغك عن جعفر شيء؟ فقال: . نعم، قتل اليوم. قالت: فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء. قالت فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا أسماء لا تقولى هُجرًا (١) ولا تضربى صدرًا. قالت: فخرج رسول الله ﷺ حتى دخل على ابنته فاطمة وهي تقول: واعماه. فقال رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبك الباكية. ثمَّ قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم. . وفي رواية: (لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم).
وروى عن عبد الله بن جعفر أنَّه قال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمى فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسى ورأس أخي، وعيناه تهرقان الدموع حتى تقطر لحيته. ثمَّ قال: اللهم إن جعفرًا قد قدم إلى أحسن الثواب فأخلفه في ذريته بأحسن مما خلفت أحدا من عبادك في ذريته.
ثمَّ قال: يا أسماء ألا أبشرك؟ قالت: بلى، بأبي أنت وأمى قال: فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة قالت: بأبي وأمى يا رسول الله، فأعلم الناس ذلك. فقام رسول الله ﷺ وأخذ بيدى يمسح بيده رأسى حتى رقى على المنبر وأجلسنى أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرًا قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة، ثمَّ نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته وأدخلنى وأمر بطعام فصنع لأهلى. وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده، والله غداء طيبا مباركا، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته، ثمَّ نسفته، ثمَّ أنضجته وأدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا. فتغديت أنا وأخى معه، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته، ندور معه كلما صار في إحدى بيوت نسائه ثمَّ رجعنا إلى بيتنا. فأتى رسول الله ﷺ وأنا أساوم
стр. 1876
بشاة أخ لي فقال: اللهم بارك في صفقته. قال عبد الله. . فما بعت شيئًا ولا اشتريت إلا بورك فيه.
أولاد جعفر الصغار
وفي حديث رواه الإِمام أحمد عن عبد الله بن جعفر. أن رسول الله ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثمَّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي أبناء أخي. . فجئ بنا كأننا أفرخ (تعبيرا عن شدة صغرهم) فقال: ادعوا لي الحلاق. فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا. ثمَّ قال: أما محمَّد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه خلقى وخلقى، ثمَّ أخذ بيدى فأشالها وقال: (اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه) قالها ثلاث مرات. قال فجاءت أمنا فذكرت يتمنا وجعلت تفرح (١) له فقال "العَيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة" وروى هذا الحديث النسائي في السير وروى بعضه أبو داود (٢).
فضل أمراء معركة مؤتة الثلاثة
لقد كان الأمراء الذين استشهدوا في معركة مؤتة. من أبرز وأشرف وجوه أصحاب الرسول ﷺ . . اثنان منهم من المهاجرين. وهما جعفر بن أبي طالب. وزيد بن حارثة وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن رواحة. وكلهم من السابقين الأولين في الإِسلام.
أما زيد بن حارثة فقد كان يسمى. . (حبّ رسول الله) ويكفيه فضلا وفخرا. أنَّه نشأ وتلقى تربيته منذ الطفولة في أحضان النبوة. حيث كان
стр. 1877
مولى لرسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله. وعندما بعثه بالرسالة. كان من أول الذين آمنوا به.
وكان زيد محاربًا ممتازا لذلك تولى قيادة عدة سرايا محاربه المشركين داخل الجزيرة. أما جعفر فقد ذكرنا تاريخه ونبذة عن حياته بشيء من الإِسهاب كما تقدم. . إلا أن جعفر. لم يتمكن من أن يشارك في شرف النضال الحربى ضد المشركين. لكونه غائبًا فيما رواء البحار أميرًا على المهاجرين يرعى شؤونهم في الحبشة منذ أوائل ظهور الإِسلام حتى معركة خيبر. . ولهذا فإن معركة مؤتة التي استشهد فيها. هي أول عمل حربى يشارك فيه.
أما عبد الله بن رواحة. فقد كان من سادات الأنصار (الخزرج) وكان من السابقين الأولين في الإِسلام. شهد بيعة العقبة التاريخية. وكان فيها أحد النقباء الأنصار الاثنى عشر الذين انتخبهم قومهم ليتعهدوا باسمهم لرسول الله ﷺ بتنفيذ ما جاء في اتفاقية بيعة العقبة. وكان شاعرا من فحول الشعراء المشهورين وهو كزميليه (زيد وجعفر) من المقطوع لهم بدخول الجنة.
انظر مزيدا من التفاصيل عن تاريخ هؤلاء الأمراء الثلاثة الحافل. في الإِصابة لابن حجر العسقلانى، ونسب الأشراف والاستيعاب. لابن عبد البر. وحياة الصحابة. لمحمد يوسف الكاندهلوى. وهو كتاب قيم في أربع مجلدات.
غزوة ذات السلاسل. . (١) جمادى الآخرة. . سنة ثمان للهجرة
تعتبر قبيلة (قضاعة) (٢) وما تفرع منها من بلى وبهراء وبلقين وعذرة من
стр. 1878
أعظم القبائل العربية المعادية للإِسلام والموالية للرومان في العهد النبوى.
وقد رأينا كيف كانت قبائل (قضاعة) رأس الحربة في جيش الرومان الذي خاض معركة (مؤتة) ضد المسلمين، وكيف أن المائة ألف من العرب المتنصرة التي حشدها الرومان على مشارف الشام لمحاربة المسلمين، كان قائدها أحد سادات قضاعة وهو (مالك بن رافلة) الذي لقى مصرعه في معركة مؤتة وهو يقود العرب المتنصرة.
والظاهر أن قبائل (قضاعة) التي تسكن فخائذها المنطقة الواسعة التي تشمل الركن الشمالي الغربي من جزيرة العرب بما في ذلك (ذات السلاسل)، والركن الجنوبي الغربي من الشام ناحية البلقاء. . هذه القبائل. . الظاهر أنها بإيعاز من حلفائها الرومان قد أخذت تحشد الجيوش للهجوم على المدينة، الأمر الذي جعل الرسول ﷺ يجرد (على وجه السرعة) حملة عسكرية كبيرة لضرب هؤلاء الأعراب. . وقد جرد الرسول ﷺ هذه الحملة إلى ديار (قضاعة) في الشمال، قبل مرور أقل من نصف شهر على معركة مؤتة الحاسمة، فقد كانت غزوة (مؤتة) في شهر جمادى الأولى، وغزوة (ذات السلاسل) في شهر جمادى الآخرة من سنة ثمان للهجرة.
стр. 1879
من هنا صح القول. إن غزوة (ذات السلاسل) هي امتداد لمعركة مؤتة. لأنَّ العناصر التي جرد الرسول ﷺ حملته لضربها هي نفس العناصر التي حاولت (بمساندة الرومان) سحق الجيش الإِسلامي الصغير في معركة (مؤتة). كما أن المنطقة التي وصلت الحملة النبوية إليها في تحركها، هي نفس المنطقة التي اجتازها الجيش النبوى إلى (مؤتة) بقيادة زيد بن حارثة.
ولهذا أدرجنا هذه الغزوة في هذا الكتاب باعتبارها (كما قلنا) امتدادا لمعركة مؤتة.
الاستخبارات النبوية تبلغ الرسول نبأ الغزو
لم يكن جهاز الاستخبارات العسكري التابع للمدينة بغافل عن هؤلاء الأعراب. فقد كان هذا الجهاز يترصد حركاتهم ويتلقط أخبارهم. لا سيما بعد الصدام الذي حدث في مؤتة.
ولهذا فلم يكد هؤلاء الأعراب المعادون يبدأون الحشد ويتصل قادتهم بعضهم ببعض لوضع خطة غزو المدينة. حتى كان جهاز الاستخبارات النبوى ملما بكامل تفاصيل نوايا وتحركات هؤلاء الأعراب المعادية للمسلمين، فسارع هذا الجهاز (وبأقصى سرعة) إلى تقديم تقرير شامل إلى النبي القائد ﷺ عن هؤلاء الأعراب وما يعتزمونه من القيام بغزو المدينة.
إسراع النبي في غزوهم قبل أن يتحركوا
وعندما اطلع الرسول القائد ﷺ على تقارير استخباراته العسكرية هذه. قرر أن ينقل المعركة إلى ديار هؤلاء الأعداء فيفاجئهم بجيشه في ديارهم قبل أن يتحركوا.
وتلك (غالبًا عادته ﷺ عندما يبلغه نبأ حشود تنوى غزو المدينة). فقد حشد النبي ﷺ على جناح السرعة جيشا بلغ (أول الأمر)
стр. 1880
ثلاثمائة مقاتل. ثمَّ أمده بنجدة حتى صار هذا الجيش خمسمائة مقاتل.
عمرو بن العاص القائد
وفي المدينة استدعى النبي ﷺ القائد عمرو بن العاص السهمى وأسند إليه قيادة هذا الجيش وكلفه أن يطأ بهذا الجيش ديار أولئك الأعراب فيخضد شوكتهم ويدوخهم. وقد عقد النبي ﷺ للقائد عمرو لواءًا أبيض.
وروى أن النبي ﷺ لما عين عمروًا قائدًا على الجيش في تلك الغزوة. قال له: إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك. قال عمرو: فقلت، إني لم أسلم رغبة في المال، قال ﷺ نعم المال الصالح للرجل الصالح (١).
عمرو بن العاص القائد لأول مرة
وكما أن خالد بن الوليد كان توليه القيادة للجيش في مؤتة (عقب استشهاد القادة الثلاثة) أول عمل حربى يقوم به مجاهدا في سبيل الله عقب إسلامه. فإن غزوة ذات السلاسل هذه كانت أول مجال يقوم فيه عمرو بن العاص بعد إسلامه بعمل حربى مجاهدًا في سبيل الله.
فقد أسند النبي ﷺ قيادة الجيش في غزوة ذات السلاسل هذه إلى عمرو بن العاص. وكان الجيش هذا يضم سراة المهاجرين والأنصار. بينهم أبو بكر الصديق. وعامر بن ربيعة وصهيب الرومى. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص من المهاجرين. . ومن سادات الأنصار. أسيد بن حضير وعباد بن بشر. وسلمة بن سلامة وسعد بن عبادة.
والعجيب أن عمرو بن العاص حين تولى قيادة هذا الجيش الذي يضم
стр. 1881
أركان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكن قد مر على إسلامه أكثر من أربعة أشهر. حيث إن إسلامه وخالد بن الوليد إنما كان في شهر صفر سنة ٨ للهجرة. . وغزوة ذات السلاسل التي قادها كانت في شهر جمادى الآخرة سنة ٨ للهجرة.
ولا شك أن في هذا التصرف من الرسول ﷺ تربية لأصحابه وحكمة يقصد من ورائها تعليمهم كيف يكون السمع والطاعة للقائد العسكري الكفؤ حتى وإن كانوا أفضل منه وأسبق إلى الإِسلام وإلى الجهاد بأرواحهم وأموالهم في سبيله. . فعمرو بن العاص وإن كان قد تأخر إسلامه. إلا أنَّه كان يمتاز بمقدرة كبيرة في فن القيادة العسكرية والمهارة السياسية. لهذا أسند إليه النبي ﷺ قيادة هذا الجيش الذي كان ضمن جنوده سراة المهاجرين والأنصار. . وكذلك فعل أبو بكر وعمر. حين توليا الخلافة. فقد قدما عمرو بن العاص في القيادة على سادات المهاجرين والأنصار حيث كان في عهد الخليفة الأوّل. أحد قادة الجيوش الأربعة التي اجتازت حدود الشام غازية في عهد الملك (هرقل) ثمَّ كان في عهد الفاروق هو قائد الجيش الإِسلامي الذي حرر مصر من الاحتلال الروماني فتم فتحها جميعها تحت قيادته.
الجيش يتحرك من المدينة
وفي شهر جمادى الآخرة سنة ٨ للهجرة تحرك القائد عمرو بن العاص من المدينة بجيشه البالغ ثلاثمائة مقاتل في اتجاه الشمال نحو الحدود المتاخمة للشام حيث تحتشد القبائل العربية المتنصرة الموالية للرومان. وكان مع ابن العاص من سلاح الفرسان ثلاثون فرسًا (١).
وكان القائد يغذ السير بجيشه ليأخذ العدو على حين غرة - وكما هي عادة السرايا والبعوث النبوية - كان القائد عمرو بن العاص يسير بالجيش الليل ويكمن النهار.
стр. 1882
وقد استغرق التحرك بالجيش من المدينة عشرة أيام. بعدها وصل ابن العاص بجيشه إلى أطراف ديار الأعداء فنزل على ماء يقال له: السلاسل. والذي سميت هذه الغزوة باسمه.
ابن العاص يطلب النجدة من المدينة
وكان القائد عمرو بن العاص قد بعث أمامه برجال من استخبارات الجيش متنكرة لتختلط بالعدو في دياره وأماكن تحشداته لتعرف مدى قوته وحقيقة نواياه. ثمَّ تقدم للقائد عمرو تقريرًا مفصلًا عن ذلك. ليكون تصرفه العسكري ضد هؤلاء الأعداء مضمون العاقبة.
وقد قام رجال استخبارات الجيش بمهمتهم خير قيام. فتمكنوا من الوصول إلى ديار قضاعة وبلى وأحلافهم من الأعداء واختلطوا بهم داخل معسكراتهم دون أن يشعروا بهم. ثمَّ عادوا إلى قائد الجيش عمرو بن العاص وقدموا له تقريرا شفويا مفصلًا عن تجمع هؤلاء الأعراب ومدى قوتهم وأماكن احتشادهم.
فاتضح للقائد عمرو من هذا التقرير أن قضاعة وبلى وأحلافهم من عذرة والقين هم في جموع كبيرة لا تكفى القوة التي يقودها عمرو بن العاص لمصادمتهم.
لذلك قرر القائد عمرو التريث وعدم التعجل في الهجوم على القوم حتى يكتب إلى النبي ﷺ يطلب منه المدد. ثمَّ أمر جيشه بالتراجع قليلًا عن ديار القوم والاختفاء لئلا يشعروا بعمرو وأصحابه حتى تأتى النجدة من المدينة.
ولشدة حرص القائد عمرو على إخفاء وجوده وجيشه عن أنظار الأعداء في ذات السلاسل أمر بأن لا يشعل أحد النار في الليل. لئلا يكتشفهم العدو وكان الوقت شتاءًا والبرد قارصا. فحاول بعض الصحابة من جنود عمرو أن يشعل النار للتدفئة في الليل. فمنعهم القائد عمرو من ذلك. فتذمروا وشق عليهم هذا المنع لأنهم كانوا في الشمال وهي منطقة شديدة
стр. 1883
البرودة كما هو معروف.
وكلم بعض المهاجرين القائد عمرًا كى يسمح للجند بإشعال النار في الليل ليستدفئوا. فأغلظ له عمرو في القول. وقال - بلهجة القائد العسكري الحازم المسئول -: أنا القائد لا أنت فاسمع وأطع - وكان أصحاب محمَّد ﷺ قمة في التربية الحربية والانضباط العسكرية - ولذلك فإن قائد الجيش عمرو بن العاص قال للصحابى المهاجر: اسمع لي وأطع. قال: أفعل. واستمر إشعال النار على الجيش في ذات السلاسل أمرًا محظورًا في الليل حتى جاءت النجدة من المدينة. وشرع القائد عمرو في عملياته الهجومية الحربية على الأعداء.
وقد لام بعض الناس عمرًا لشدته وإغلاظه الجواب للمهاجرين حين طلبوا منه السماح للجند بإشعال النار لدفع البرد. ولكن يظهر أن عمرًا غير ملوم في حظره إشعال النار في الليل بالقرب من معسكرات وتجمعات أعداء يخشى أن يعرفوا مكان جيشه فيعجلوا بمهاجمته قبل أن تصله النجدة التي طلبها من المدينة.
فكان عمرو بن العاص قائدا مسئولا عن سلامة جنده. وله أن يتخذ من الإِجراءات ما يكفل هذه السلامة. حتى وإن بدت هذه الإِجراءات قاسية وشديدة.
فهو يرى أن إشعال النيران في الليل - وهو بالقرب من حشود معادية يريد مباغتتها. بل ويتحاشى الصدام معها حتى تصله النجدة من المدينة - يرى أن في ذلك خطرًا على سلامة جنده لأنَّ إشعال النيران في الليل يكشف للأعداء مكان جيشه.
النجدة تتحرك من المدينة لإِسناد عمرو بن العاص
وكان القائد عمرو بن العاص. عندما رأى في تقارير استخباراته أن حشود الأعداء من الكثافة والقوة. إلى درجة ليس في الإِمكان أن يقوم جيشه بمهاجمتها وهو في ذلك العدد القليل (ثلاثمائة مقاتل) بعث (على جناح السرعة) إلى المدينة يبلغ الرسول القائد ﷺ حقيقة الموقف.
стр. 1884
ويطلب منه أن يمده بنجدة قوية ليتمكن من تدويخ الأعداء وخضد شوكتهم وتشتيت جموعهم التي كانت تحتشد للإِغارة على المدينة.
رسول عمرو إلى النبي ﷺ -
وكان المبعوث الذي بعثه القائد عمرو إلى الرسول ﷺ لطلب النجدة هو رافع بن مكيث الجهني. وقد وصل رافع المدينة وأبلغ النبي ﷺ رسالة القائد عمرو بن العاص. فلما اطلع النبي ﷺ على حقيقة الموقف. سارع إلى إمداد القائد عمرو بن العاص بنجدة كبيرة قوامها مائتان من المهاجرين والأنصار. . فيهم كثير من سراتهم - مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - وقد أسند النبي ﷺ قيادة هذه النجدة إلى أبي عبيدة بن الجراح.
اختلاف أبي عبيدة وعمرو
تحرك قائد النجدة أبو عبيدة بنجدته نحو الشمال يغذ السير للالتحاق بالقائد عمرو بن العاص الذي أوقف تحرك جيشه ورابط به في ذات السلاسل في انتظار المدد من المدينة.
وكان النبي ﷺ قد أوصى أبا عبيدة بن الجراح أن لا يختلف مع عمرو بن العاص عندما يلتحق به.
ووصل قائد النجدة أبو عبيدة بنجدته إلى عمرو في ذات السلاسل. فقوى جيش المسلمين حيث صار خمسمائة مقاتل.
وعقب وصول أبي عبيدة بنجدته أراد أن يؤم الجيش ويتقدم عمرًا في الصلاة. فاعترض عمرو وقال (محتجا) إنما قدمت مددا لي وليس لك أن تؤمنى. وأنا الأمير. وإنما أرسلك النبي ﷺ إلى مددًا.
فقال المهاجرون (مثل أبي بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص) لعمرو: كلا بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحايه فقال عمرو: لا. بل أنتم مدد لنا.
стр. 1885
فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف - وكان حسن الخلق لين العريكة - قال لتطمئن يا عمرو - وتعلمن أن آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ أن قال: "إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا" وإنك والله إن عصيتنى لأطيعنك. فأطاع أبو عبيدة. فكان عمرو يصلى بالجيش (١).
وقفة اعتبار وتدبر
ولعله يجدر بنا معشر المسلمين - وخاصة العرب الذين مررنا ولا نزال نمر بأحلك فترة في تاريخ الصراع بل والاقتتال والختل والشتائم من أجل الزعامة. فأخلينا الساحة للعدو يفعل بنا ما يشاء ويذلنا ويمتهن كرامتنا كيف يشاء بينما تكرس كل الجهود في أكثر أقطارنا (إياها) من أجل هدمنا من الداخل - لعله يجدر بنا (إن أردنا الاتعاظ والاعتبار) أن نقف عند هذه الحادثة وقفة تدبر وإمعان.
لنرى مدى الأخلاقية العالية. ودقة الضبط في السلوك. وشيوع روح التضحية بالجاه والمنصب في سبيل جمع الصف ووحدة الكلمة. بين أولئك الرجال الذين أدبهم الإِسلام ورباهم القرآن أحسن تربية فصاروا يجعلون مصلحة الإِسلام وأمته فوق كل مصلحة وغاية. ولذلك تم لهم النصر والغلبة في كل ميدان.
فأبو عبيدة بن الجراح من السابقين الأولين ومن صفوة أصحاب محمَّد ﷺ الذين آمنوا به وكانوا إلى جانبه منذ انبثاق شمس دعوته الخيرة - وظلوا - أيام اشتداد المحنة عليه بمكة - كذلك يشاركونه سراء الدعوة وضراءها.
وعمرو بن العاص ﵃ أجمعين) لم يدخل في الإِسلام إلا قبل أربعة أشهر من هذه الغزوة التي أعطاه النبي ﷺ قيادة القوات التي كلفت القيام بها.
فأبو عبيدة ومن معه من سراة المهاجرين وأركانهم - مثل أبي بكر وعمر - يرون أن أبا عبيدة أولى من عمرو بأن يؤم الجيش - لكون أبي
стр. 1886
عبيدة من المهاجرين السابقين الأولين.
ولكن عمرو بن العاص. يرى خلاف ذلك. فهو يرى أن لا دخل للفضل والسابقة في هذا الموضوع. وإنما هو - حسب اعتقاد عمرو - الانضباط العسكري والالتزام القيادى.
فعمرو هو القائد الأوّل للجيش في هذه الغزوة. لأنَّ النبي ﷺ أعطاه لواءها وحدد له المهمة. وهي غزو قبائل قضاعة وبَلى وعُذرة وأحلافهم من الأعداء. فتحرك من المدينة على هذا الأساس. قائدا لغزوة ذات السلاسل.
وأبو عبيدة وأصحابه (رضي الله عن الجميع) إنما جاءوا مددا لعمرو. ونجدة بعد أن اتصل عمرو بالنبي ﷺ وطلب إمداده بهذه النجدة.
ولا شك أن النبي الأعظم ﷺ كقائد أعلى مجرب مسئول - قد توقع أن يحدث الذي حدث من الاختلاف بين القائدين (أبي عبيدة وعمرو) ولهذا كان من توصيته ﷺ لأبي عبيدة أن لا يختلف مع عمرو. ولهذا سارع أمين الأمة أبو عبيدة إلى حسم الخلاف وألقى بقياده إلى عمرو بن العاص. بالرغم من أن كتيبة أبي عبيدة تضم صفوة المهاجرين والأنصار.
إن في هذه الحادثة عبرا ودروسا لكل ذي منصب صغر أو كبر. . .
إن تولية عمرو بن العاص على هذه الصفوة من المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل منه وأسبق إلى نصرة الإِسلام. تعنى أشياء كثيرة ولها مغاز واسعة في مجال التربية والتوجيه المعنوى والانضباط العسكري والتهذيب الخلقى.
بل إنها لقاعدة مكينة للسلوك الحربى المستقيم والانضباط العسكري الدقيق. فتولية عمرو على أولئك الصفوة من الصحابة تعنى (من وجهة نظر التربية العسكرية الإِسلامية) أن إطاعة أوامر القائد العادل الأعلى المسئول لا تقبل النقاش. وخاصة في ظروف الحرب.
стр. 1887
كما أن في تولية عمرو بن العاص قيادة أمثال أبي بكر وعمر وسعد وأبي عبيدة وسعد بن عبادة. يستفاد منها درس مهم آخر وهو أن صلاح الإِنسان وتقواه وسابقته في نصرة الإِسلام لا تعنى أحقيته دائما في السيادة وقيادة الجيوش. وإنما الأحقية هنا للخبرة الحربية. والمهارة في القيادة والسياسة العسكرية.
فالنبي ﷺ قد أعطى عمرو بن العاص القيادة العامة لجيش يضم صفوة أهل السابقة في الإِسلام من المهاجرين والأنصار وعمرو (مع حنكته السياسية ومقدرته الحربية) لا يصل إلى منزلة واحد ممن تولى قيادتهم من المهاجرين والأنصار من حيث الفضل والسبق إلى النصرة. فهو لم يمض على إسلامه (حينما تولى قيادة هؤلاء الأصحاب) أكثر من أربعة أشهر. ومع ذلك فقد أعطاه النبي ﷺ قيادتهم وصاروا جنودا يأتمرون بأمره. لأنه عالم بشئون الحرب (١).
وهذا لا يعني أن هؤلاء المهاجرين والأنصار ليس فيهم من لديه المؤهلات لقيادة الجيوش. فبينهم من قاد الجيوش (كعمرو) وفتح الفتوح مثل سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح. وعلى كل حال فإن ما حدث في غزوة ذات السلاسل. من إسلاس سادات المهاجرين والأنصار قيادهم لمثل عمرو بن العاص الذي هو (بدون شك) دونهم في المنزلة من حيث الفضل والسابقة -هو الخط الصحيح المستقيم الذي رسمه (عبر التربية النبوية العالية) أولئك السادة البررة الكرام لمن يأتي بعدهم من أمة محمَّد. ليسيروا عليه في مجال التضحية ونكران الذات. من أجل مصلحة الإِسلام والمسلمين العليا. إنها عبرة لمن يعتبر وعظة لمن يتعظ. ممن يريدون حقا نصر الإِسلام وإعزاز المسلمين.
стр. 1888
الغزوة تحقق أهدافها
كانت التقارير -كما أشرنا فيما مضى- تؤكد أن قبائل قضاعة وبلى وعذرة الموالية للإِمبراطورية الرومانية تحتشد على حدود جزيرة العرب مما يلي الشام لغزو المدينة. فسارع النبي ﷺ وبعث بعمرو بن العاص ثمَّ أمده بمائتى مقاتل. فتكامل له من المقاتلين الصحابة خمسمائة.
وعندما استكمل هذا العدد للقائد عمرو. شرع في مهاجمة هذه القبائل المعادية واجتياح ديارها الواحدة بعد الأخرى. وقد نجح في تشتيت جموعها وخضد شوكتها وتدويخها فأزال بذلك من أذهان قادتها فكرة القدرة على مهاجمة المدينة.
فقد ذكر المؤرخون أن جموع قضاعة وبلى وعذرة وبلقين - رغم كثرتهم ورغم مساندة الرومان لهم بالمال والسلاح - قد عجزوا عن مواجهة جيش عمرو بن العاص. حيث لم يصمدوا إلا قليلًا ثمَّ شردوا ممزقين في كل سهل وجبل. تاركين ديارهم وأموالهم التي وقعت غنيمة في أيدى المسلمين.
وقد استمر عمرو بن العاص في مطاردة هؤلاء الأعراب حتى انتهى في مطاردته إلى آخر بلادهم ولم يلق أثناء مطاردتهم إلا مقاومة قليلة سحقت في الحال. وبعد أن انتهى جيش عمرو من مطاردة القوم إلى آخر بلادهم. أمر القائد عمرو بإيقاف المطاردة وأراد المسلمون أن يستمروا في تتبع المشركين فمنعهم عمرو خوفا من أن يقعوا في كمائن ينصبها الأعداء.
قال الواقدي: يصف انتصار المسلمين في هذه الغزوة -: فآب إلى عمرو جمع - فصاروا خمسمائة - فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى (١) ودوخها وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنَّه كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا به تفرقوا. حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة (٢) وبلقين (٣). ولقى
стр. 1889
في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير. فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمى يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه. وحمل المسلمون عليهم فهربوا. وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا. ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه. وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم إلا ما ذكر له (١).
ولا شك أن المسلمين - بنجاحهم في تشتيت جموع قبائل الشمال المعادية - قد أمنوا على المدينة من أي غزو خارجى. فقد جربت غطفان (أقوى وأشرس القبائل النجدية الوثنية) حظها حيث كان نصيب محاولتها اقتحام المدينة (بتحريض من يهود خيبر في غزوة الأحزاب) الفشل وها هي عشائر قضاعة من بلى وعذرة وغيرهم تنالها - بالتأديب - قوات الجيش النبوى في ديارها قبل أن تستكمل احتشادها لتتحرك نحو المدينة لغزوها بإسناد من القادة العسكريين الرومان الذين يحكمون الأقاليم الجنوبية من الشام.
عودة ابن العاص المنتصر إلى المدينة
وبعد أن دوخ عمرو بن العاص قبائل بلى وعذرة وكل عشائر قضاعة وبلقين في الشمال وشتت جموعهم وجاس خلال ديارهم حتى وصل مشارف الشام. قرر العودة إلى المدينة بجيشه الذي لم يصب منهم أحد سوى رجل واحد جرح جراحة طفيفة بسهم أصابه من الأعداء أثناء الترامى.
البشر بالنصر إلى المدينة
وقبل أن يتحرك عمرو بن العاص نحو الجنوب عائدا بجيشه بعث عوف بن مالك الأشجعي (٢) أمامه إلى المدينة ليبشر النبي ﷺ بما حقق الله لجيشه
стр. 1890
من انتصار ساحق على أعدائه.
وقد وصل المدينة قبل أن يصل عمرو بجيشه. وحسب رغبة القائد عمرو - قدم للرسول ﷺ تقريرا عن كل الأعمال التي قام بها عمرو في الشمال والنتائج الإيجابية التي انتهت إليها حملة التأديب التي قادها عمرو. وقد سر النبي ﷺ سرورا عظيما بنجاح عمرو في حملته التأديبية.
ثناء الرسول ﷺ على أبي عبيدة لسماحة خلقه
كذلك أخبر عوف بن مالك (حامل بريد القائد عمرو) أخبر النبي ﷺ بتفاصيل الخلاف الذي حدث بين عمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح. وإطاعة أبي عبيدة لعمرو بن العاص. وتسليمه إياه كامل القيادة. فأثنى النبي ﷺ على أبي عبيدة ودعا له قائلًا: يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح.
وكان القائد عمرو قد أصابته جنابة من احتلام فتوضأ فقط ثمَّ تيمم وصلَّى بالجيش دون أن يغتسل. لأنَّ البرد كان شديدا. فأنكر عليه البعض. فقال لهم: إن اغتسلت مت.
стр. 1891
النبي ﷺ يقر كل تصرفات القائد ولم ينكر عليه
وعندما عاد القائد عمرو بن العاص بالجيش إلى المدينة. أثير أمام الرسول ﷺ موضوع منع عمرو الجيش من تعقب المنهزمين في الشمال. وموضوع صلاته وهو جنب. ومنعه الجيش من إشعال النار للتدفئة وقد استجوب النبي القائد عمرا حيال هذه الأمور الثلاثة.
فأجاب بشأن منعه الجيش من تعقب عشائر قضاعة المنهزمة في أقصى بلادها قائلًا: كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مددا فيعطفون عليهم.
أما بشأن منعه الجيش من إشعال النار أجاب عمرو: يا رسول الله. كرهت أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم. . فاستصوب النبي ﷺ تصرف عمرو هذا وحمده عليه (١).
أما بشأن صلاته بالجيش وهو جنب. فقد قال: والذي خلقك لو اغتسلت لمت، لم أجد قط بردًا مثله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢). فضحك رسول الله ﷺ ولم يثبت أنَّه قال له شيئًا (٣).
نصيحة لا بد من سماعها
وهنا قصة حدثت في غزوة ذات السلاسل لا بد من ذكرها لما فيها من دروس في التربية العالية التي كان عليها أصحاب محمَّد ﷺ .
فقد روى عن أبي رافع بن أبي رافع الطائى أنَّه قال: كنت فيمن نفر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكنت رجلًا أغير في الجاهلية على أموال الناس، فكنت أجمع في البيض - بيض النعام - فأجعله في أماكن أعرفها، فإذا مررت بها وقد ظمئت استخرجتها فشربت منها. فلما نفرت في ذلك البعث قلت: والله لأختارن لنفسى صاحبا ينفعنى الله به. فاخترت أبا بكر
стр. 1892
الصديق فصحبته، وكانت له عباءة فدكية (١) فإذا ركب خلها (٢) عليه بخلال، وإذا نزلنا بسطها. فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر رحمك الله علمنى شيئًا ينفعنى الله به. قال قد كنت فاعلا ولو لم تسألنى، لا تشرك بالله، وأقم الصلاة، وآت الزكاة وصم رمضان، وحج البيت، واعتمر، ولا تتأمر (٣) على اثنين من المسلمين.
قال: قلت: أما ما أمرتنى به من الصلاة والصوم والحج والزكاة والعمرة فأنا فاعله، وأما الإِمارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى وهذه المنزلة عند رسول الله ﷺ وعند الناس إلا بها. قال: إنك استنصحتنى فجهدت لك نفسي، إن الناس دخلوا في الإِسلام طوعا وكرها. فأجارهم الله من الظلم، - وهم عواد الله وجيران الله وفي أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر الله في جيرانه، وإن شاة أحدكم أو بعيره ليذهب فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره، والله من وراء جاره. قال فلما توفى رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁ جئته فقلت: يا أبا بكر، ألم تنهنى أن أتأمر على اثنين؟ قال: بلى، وأنا على ذلك! قال: فما لك تأمرت على أمة محمَّد؟ قال: اختلف الناس وخشيت عليهم الهلاك، ودعوا إلى فلم أجد لذلك بدًا (٤).
قتلى الفريقين في معركة مؤتة
مما لا جدال فيه والذي أجمع عليه المؤرخون هو أن معركة (مؤتة) من أعنف المعارك - بل هي أعنف معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى - فقد التقى فيها ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين بمائتى ألف مقاتل ظلوا يروحونهم ويغادونهم القتال طوال ستة أيام كاملة.
стр. 1893
ولا أدل على عنف المعركة وضراوتها من استشهاد قادة الجيش الإِسلامي وأمرائه الثلاثة. ومقتل قائد أعراب النصارى مالك بن رافلة الذي كان يقول مائة ألف منهم.
لقد اندقت في يد قائد الجيش خالد بن الوليد (كما ذكر البخاري في صحيحه) تسعة سيوف. وهذا يدل على عنف المعركة وضراوة القتال وأن عدد القتلى بين الفريقين كان كبيرًا.
كما أن سياق المؤرخين يدل على أن الجيش الإِسلامي أنزل بالجيش الروماني وأتباعه من المرتزقة من خليط الأعراب أشنع هزيمة شهدها جيش. وهذا يعني أن قتالا ضاريًا دار سجالا بين الفريقين.
كما يدل هذا السياق أيضًا على أن المسلمين نزلت بهم هزيمة في مؤتة لم يعرفوا مثلها في تاريخهم في تلك الحقبة من الزمن. حتى أنقذ خالد بن الوليد الموقف. وبحيلة حربية وخدعة عسكرية بارعة أوقع في صفوف الجيش الروماني خسائر فادحة.
وإليكم مقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب السير والمغازى التي تدل (ولا بد) على أن خسائر الفريقين في معركة مؤتة كانت كبيرة جدًّا.
١ - قال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ١٣٠. . "ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى لم أر اثنين جميعا. فأخذ اللواء خالد بن الوليد ثمَّ حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا".
٢ - روى البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد أنَّه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبتت في يدي إلا صفيحة يمانية" قال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٩: "وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم".
٣ - روى الواقدي عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن النبي ﷺ أنَّه قال: وهو يصف ضراوة معركة مؤتة - بعد أن كشف الله له. وهو بالمدينة عن مكانها وقد أخذ خالد الراية وتولى القيادة: "الآن
стр. 1894
حمى الوطيس" (١) وهو تعبير عن عنف القتال وضراوته. وقد عبر به ﷺ عن اشتداد الجلاد في معركة حنين.
٤ - ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٨ أن موسى بن عقبة قال إن المسلمين والروم والعرب المتنصرة التقوا على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدًا.
٥ - ذكر الواقدي في مغازيه ج ٢ ص () عن أبي هريرة أنَّه قال: "شهدت مؤتة فلما دنا المشركون رأينا مالًا قبل لأحد من العدة والسلاح والديباج والحرير والذهب فبرق (بكسر الراء) بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا. إنا لم ننصر بالكثرة" فمن ثنايا هذا الحديث يفهم أن المعركة كانت رهيبة ضارية.
٦ - قال المقريزى في إمتاع الأسماع ص ٣٤٨. . "وسقط اللواء - أي لواء المسلمين - فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم المسلمون أسوأ هزيمة (وقتلوا)، واتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح يا قوم، يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا، فما يثوب إليه أحد، ثمَّ تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم، وصاح. . يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إليّ أيها الناس، فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان؟ فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد فحمله ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه فثبت حتى تكركر (٢) المشركون. وحمل بأصحابه ففض جمعا من جمعهم، ثمَّ دهمه منهم بشر كثير فانحاش بالمسلمين". ثمَّ يقول المقريزى: "ثمَّ انكشفوا -أي الرومان- منهزمين فقتلوا منهم مقتلة لم
стр. 1895
يقتلها قوم" (١).
٧ - وقال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢. . أن خالدًا لا أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة. وساقته مقدمة وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فظن المشركون مجئ مدد للمسلمين فرعبوا وانهزموا فقتلوا قتلة لم يقتلها قوم، وكانت مدة القتال سبعة أيام وروى البخاري عن خالد. قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية أهـ (٢).
هذه المقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب الحديث توحى بأن القتال استمر عنيفا ضاريًا بين الفريقين في مؤتة لمدة سبعة أيام. وأن الحرب كانت خلال هذا القتال العنيف الضارى الرهيب سجالا بين المسلمين والرومان - وأن الضحايا من الفريقين كانت طوال الأيام الستة كثيرة دونما شك.
ثم انهزم المسلمون في اليوم السادس - وبعد مصرع قادتهم وأمرائهم الثلاثة - هزيمة منكرة لم يصابوا بمثلها في العهد النبوى. . فقد مزق الرومان صفوف المسلمين إلى درجة أنَّه لم ير اثنان من الجند مجتمعين. وكان القتل في المسلمين ذريعا في تلك الفترة الصعبة.
حتى تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش. وأعاد تنظيمه فتغير الموقف وتحول ميزان المعركة لصالح المسلمين. حيث شن بهم خالد على الرومان وحلفائهم هجوما معاكسا صاعقا فكشفهم وأنزل بهم هزيمة منكرة جعلت جند الإِسلام يركبونهم ويضعون فيهم سيوفهم حيث شاءوا مما مكنهم من أن يصرعوا عددًا هائلا من جنودهم، وجعل أصحاب المغازي والسير والحديث يصفون ذلك (كما تقدم) بأنّه مقتلة لم يقتلها قوم قط.
هذا هو منطوق المعركة كما ورد في مصادر الحديث والتاريخ. . ومفهوم هذا المنطوق. . وحسب التقديرات والاستنتاجات في العرف العسكري