النبي ﷺ يقر كل تصرفات القائد ولم ينكر عليه
وعندما عاد القائد عمرو بن العاص بالجيش إلى المدينة. أثير أمام الرسول ﷺ موضوع منع عمرو الجيش من تعقب المنهزمين في الشمال. وموضوع صلاته وهو جنب. ومنعه الجيش من إشعال النار للتدفئة وقد استجوب النبي القائد عمرا حيال هذه الأمور الثلاثة.
فأجاب بشأن منعه الجيش من تعقب عشائر قضاعة المنهزمة في أقصى بلادها قائلًا: كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مددا فيعطفون عليهم.
أما بشأن منعه الجيش من إشعال النار أجاب عمرو: يا رسول الله. كرهت أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم. . فاستصوب النبي ﷺ تصرف عمرو هذا وحمده عليه (١).
أما بشأن صلاته بالجيش وهو جنب. فقد قال: والذي خلقك لو اغتسلت لمت، لم أجد قط بردًا مثله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢). فضحك رسول الله ﷺ ولم يثبت أنَّه قال له شيئًا (٣).
نصيحة لا بد من سماعها
وهنا قصة حدثت في غزوة ذات السلاسل لا بد من ذكرها لما فيها من دروس في التربية العالية التي كان عليها أصحاب محمَّد ﷺ .
فقد روى عن أبي رافع بن أبي رافع الطائى أنَّه قال: كنت فيمن نفر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكنت رجلًا أغير في الجاهلية على أموال الناس، فكنت أجمع في البيض - بيض النعام - فأجعله في أماكن أعرفها، فإذا مررت بها وقد ظمئت استخرجتها فشربت منها. فلما نفرت في ذلك البعث قلت: والله لأختارن لنفسى صاحبا ينفعنى الله به. فاخترت أبا بكر
стр. 1892
الصديق فصحبته، وكانت له عباءة فدكية (١) فإذا ركب خلها (٢) عليه بخلال، وإذا نزلنا بسطها. فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر رحمك الله علمنى شيئًا ينفعنى الله به. قال قد كنت فاعلا ولو لم تسألنى، لا تشرك بالله، وأقم الصلاة، وآت الزكاة وصم رمضان، وحج البيت، واعتمر، ولا تتأمر (٣) على اثنين من المسلمين.
قال: قلت: أما ما أمرتنى به من الصلاة والصوم والحج والزكاة والعمرة فأنا فاعله، وأما الإِمارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى وهذه المنزلة عند رسول الله ﷺ وعند الناس إلا بها. قال: إنك استنصحتنى فجهدت لك نفسي، إن الناس دخلوا في الإِسلام طوعا وكرها. فأجارهم الله من الظلم، - وهم عواد الله وجيران الله وفي أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر الله في جيرانه، وإن شاة أحدكم أو بعيره ليذهب فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره، والله من وراء جاره. قال فلما توفى رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁ جئته فقلت: يا أبا بكر، ألم تنهنى أن أتأمر على اثنين؟ قال: بلى، وأنا على ذلك! قال: فما لك تأمرت على أمة محمَّد؟ قال: اختلف الناس وخشيت عليهم الهلاك، ودعوا إلى فلم أجد لذلك بدًا (٤).
قتلى الفريقين في معركة مؤتة
مما لا جدال فيه والذي أجمع عليه المؤرخون هو أن معركة (مؤتة) من أعنف المعارك - بل هي أعنف معركة خاضها المسلمون في العهد النبوى - فقد التقى فيها ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين بمائتى ألف مقاتل ظلوا يروحونهم ويغادونهم القتال طوال ستة أيام كاملة.
стр. 1893
ولا أدل على عنف المعركة وضراوتها من استشهاد قادة الجيش الإِسلامي وأمرائه الثلاثة. ومقتل قائد أعراب النصارى مالك بن رافلة الذي كان يقول مائة ألف منهم.
لقد اندقت في يد قائد الجيش خالد بن الوليد (كما ذكر البخاري في صحيحه) تسعة سيوف. وهذا يدل على عنف المعركة وضراوة القتال وأن عدد القتلى بين الفريقين كان كبيرًا.
كما أن سياق المؤرخين يدل على أن الجيش الإِسلامي أنزل بالجيش الروماني وأتباعه من المرتزقة من خليط الأعراب أشنع هزيمة شهدها جيش. وهذا يعني أن قتالا ضاريًا دار سجالا بين الفريقين.
كما يدل هذا السياق أيضًا على أن المسلمين نزلت بهم هزيمة في مؤتة لم يعرفوا مثلها في تاريخهم في تلك الحقبة من الزمن. حتى أنقذ خالد بن الوليد الموقف. وبحيلة حربية وخدعة عسكرية بارعة أوقع في صفوف الجيش الروماني خسائر فادحة.
وإليكم مقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب السير والمغازى التي تدل (ولا بد) على أن خسائر الفريقين في معركة مؤتة كانت كبيرة جدًّا.
١ - قال ابن سعد في طبقاته الكبرى ج ٢ ص ١٣٠. . "ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حتى لم أر اثنين جميعا. فأخذ اللواء خالد بن الوليد ثمَّ حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا".
٢ - روى البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد أنَّه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبتت في يدي إلا صفيحة يمانية" قال ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٩: "وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم".
٣ - روى الواقدي عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن النبي ﷺ أنَّه قال: وهو يصف ضراوة معركة مؤتة - بعد أن كشف الله له. وهو بالمدينة عن مكانها وقد أخذ خالد الراية وتولى القيادة: "الآن
стр. 1894
حمى الوطيس" (١) وهو تعبير عن عنف القتال وضراوته. وقد عبر به ﷺ عن اشتداد الجلاد في معركة حنين.
٤ - ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٨ أن موسى بن عقبة قال إن المسلمين والروم والعرب المتنصرة التقوا على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدًا.
٥ - ذكر الواقدي في مغازيه ج ٢ ص () عن أبي هريرة أنَّه قال: "شهدت مؤتة فلما دنا المشركون رأينا مالًا قبل لأحد من العدة والسلاح والديباج والحرير والذهب فبرق (بكسر الراء) بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا. إنا لم ننصر بالكثرة" فمن ثنايا هذا الحديث يفهم أن المعركة كانت رهيبة ضارية.
٦ - قال المقريزى في إمتاع الأسماع ص ٣٤٨. . "وسقط اللواء - أي لواء المسلمين - فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم المسلمون أسوأ هزيمة (وقتلوا)، واتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح يا قوم، يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا، فما يثوب إليه أحد، ثمَّ تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم، وصاح. . يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إليّ أيها الناس، فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان؟ فقال: لا آخذه أنت أحق به. أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد فحمله ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه فثبت حتى تكركر (٢) المشركون. وحمل بأصحابه ففض جمعا من جمعهم، ثمَّ دهمه منهم بشر كثير فانحاش بالمسلمين". ثمَّ يقول المقريزى: "ثمَّ انكشفوا -أي الرومان- منهزمين فقتلوا منهم مقتلة لم
стр. 1895
يقتلها قوم" (١).
٧ - وقال ابن برهان الدين في السيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٢. . أن خالدًا لا أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة. وساقته مقدمة وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فظن المشركون مجئ مدد للمسلمين فرعبوا وانهزموا فقتلوا قتلة لم يقتلها قوم، وكانت مدة القتال سبعة أيام وروى البخاري عن خالد. قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية أهـ (٢).
هذه المقاطع من أقوال المؤرخين وأصحاب الحديث توحى بأن القتال استمر عنيفا ضاريًا بين الفريقين في مؤتة لمدة سبعة أيام. وأن الحرب كانت خلال هذا القتال العنيف الضارى الرهيب سجالا بين المسلمين والرومان - وأن الضحايا من الفريقين كانت طوال الأيام الستة كثيرة دونما شك.
ثم انهزم المسلمون في اليوم السادس - وبعد مصرع قادتهم وأمرائهم الثلاثة - هزيمة منكرة لم يصابوا بمثلها في العهد النبوى. . فقد مزق الرومان صفوف المسلمين إلى درجة أنَّه لم ير اثنان من الجند مجتمعين. وكان القتل في المسلمين ذريعا في تلك الفترة الصعبة.
حتى تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش. وأعاد تنظيمه فتغير الموقف وتحول ميزان المعركة لصالح المسلمين. حيث شن بهم خالد على الرومان وحلفائهم هجوما معاكسا صاعقا فكشفهم وأنزل بهم هزيمة منكرة جعلت جند الإِسلام يركبونهم ويضعون فيهم سيوفهم حيث شاءوا مما مكنهم من أن يصرعوا عددًا هائلا من جنودهم، وجعل أصحاب المغازي والسير والحديث يصفون ذلك (كما تقدم) بأنّه مقتلة لم يقتلها قوم قط.
هذا هو منطوق المعركة كما ورد في مصادر الحديث والتاريخ. . ومفهوم هذا المنطوق. . وحسب التقديرات والاستنتاجات في العرف العسكري
стр. 1896
الذي به عادة تقدر حصائل المعارك.
لا بد وأن يكون عدد القتلى من الفريقين قد بلغ المئات. لأنَّ معركة تستمر بين عشرات الألوف لمدة سبعة أيام وبتلك الضراوة والعنف اللذين أجمع المؤرخون وأصحاب الحديث على أنهما كانا طابع المعركة منذ بدايتها حتى نهايتها. . لا بد وأن تكون الإِصابات عبر مراحلها كثيرة للغاية ليس من المستبعد أن تصل حدود الآلاف لا المئات.
عدد قتلى الأعداء في مؤتة
وإذا كان المؤرخون لم يذكروا سوى هذا العدد القليل من شهداء المسلمين في المعركة. فإنَّه لم يأت في جميع المصادر - ضمن قائمة ضحايا هذه المعركة الطاحنة - ذكر لعدد قتلى الرومان وحلفائهم سوى رجلين اثنين هما.
١ - مالك بن رافلة قائد قوات العرب المتنصرة.
٢ - فارس رومانى. لم يذكر اسمه. قتله أحد اليمانيين.
وعدد هؤلاء القتلى الذين ذكرهم المؤرخون - سواء كانوا من المسلمين أو الرومان وحلفائهم - لا يتناسب كما قلنا مع ضراوة المعركة وشدة القتال فيها. الذي استمر (بإجماع المؤرخين) عدة أيام.
فمما لا جدال فيه والذي تفرض التسليم به حسابات وتقديرات هذه المعركة الضارية العنيفة التي (باتفاق المؤرخين) نزلت فيها بكل من الفريقين (المسلمين أولًا ثمَّ الرومان وحلفائهم ثانيا) هزيمة لم يشهد مثلها في تاريخه الحربى في تلك الفترة (١) وحدثت فيها مقتلة لم يعرف الفريقان لها مثيلا في تلك الحقبة من الزمن. كما صرح بذلك المؤرخون أنفسهم. الذين صرحوا بأن المسلمين (عقب مصرع قادتهم الثلاثة) هزموا هزيمة لم يروا مثلها في تاريخهم وأن الرومان وحلفاءهم (عقب تولى خالد بن الوليد قيادة المسلمين) نزلت بهم هزيمة لم يشهدوا لها مثيلا. وحدثت فيهم مقتلة لم
стр. 1897
يحدث في قوم مثلها قط (١).
استدراك وتعقيب
إذن فالذي لا يمكن لأى باحث إلا أن يرجحه هو أن عدد ضحايا هذه المعركة الطاحنة (معركة مؤتة) من الفريقين قد بلغ المئات. . واقتصار المؤرخين على ذكر أسماء هذا العدد القليل من القتلى لا ينفى هذه الحقيقة التي لا بد من التسليم بها.
فالمؤرخون الذين تحدثوا عن هذه المعركة الطاحنة لم ينفوا جسامة الخسائر في هذه المعركة وضخامة عدد القتلى فيها. بل أثبتوا ذلك في الجملة بكل وضوح كما تقدم.
ولكنهم كمؤرخين ثقات أمناء يقدرون مسئولية ما يكتبون للأجيال التي من بعدهم لم يذكروا إلا ما أوصل الرواة إلى علمهم أسماء هذا العدد الضئيل من القتلى. الذين هم (دونما شك) أقل عشرات المرات من العدد الحقيقي لضحايا هذه المعركة الطاحنة.
وكما قلنا فإن اقتصار المؤرخين على ذكر هذا العدد القليل من شهداء المسلمين ولأقل منه من قتلى الرومان لا ينفى وجود عدد ضخم من القتلى بين الفريقين لم يتمكن أحد من إحصائهم. لذلك اكتفى المؤرخون بالإِشارة إلى ضخامة عددهم دونما إعطاء تفصيل بأعدادهم وأسمائهم، كقولهم (كما تقدم). . فكانت الهزيمة وقتل المسلمون واتبعهم المشركون -وكقولهم: - لما تولى خالد انكشف المشركون منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم قط.
ولكن ما بين أيدينا من مصادر تاريخية لا تذكر من قتلى المسلمين سوى عدد قليل. ذكر الواقدي أنهم ثمانية فقط. وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق أنهم اثنا عشر شهيدا. . حسب رواية الواقدي أربعة من المهاجرين. وأربعة من الأنصار. وحسب رواية ابن إسحاق. أربعة من
стр. 1898
المهاجرين وثمانية من الأنصار. وأسماؤهم كالتالي. من المهاجرين.
١ - جعفر بن أبي طالب (١).
٢ - زيد بن حارثة (٢).
٣ - مسعود بن الأسود بن حارثة العدوي (٣).
٤ - وهب بن سعد بن أبي سرح العامري (٤).
ومن الأنصار
١ - عبد الله بن رواحة (٥) من الخزرج.
٢ - عبّاد بن قيس (٦) من الخزرج.
٣ - الحارث بن النعمان بن أساف (٧) من الأوس.
٤ - سراقة بن عمرو بن عطية (٨) من الخزرج.
٥ - أبو كليب بن عمرو (٩) من الأوس.
٦ - جابر بن عمرو بن زيد (١٠) من الأوس.
٧ - عمرو بن سعد (١١) من الأوس.
стр. 1899
٨ - عامر بن سعد (١) من الأوس.
هذه هي الأسماء التي ذكر المؤرخون أن أصحابها استشهدوا من المسلمين. ثمانية فقط على ما قاله الواقدي. واثنا عشر على ما ذكره ابن إسحاق. وبقية المؤرخين لا يخرجون عن نطاق هذا العدد.
وهو عدد لا يتناسب وما وصف به المؤرخون (دونما استثناء) المعركة من ضراوة وعنف وشدة وطول جلاد استمرت سبعة أيام متوالية لا يفصل فيها بين عشرات الألوف من المتحاربين إلا ظلام الليل.
ويمكن أن يبرز هنا سؤال وهو. . أن عنف المعركة وضراوتها وعدم تمكن الجيش الإِسلامي من البقاء في ساحاتها (بعد انتهائها) وقتا كافيا يمكنه من إحصاء عدد قتلى الأعداء من الرومان وحلفائهم من العرب غير المسلمين. الذين أكد المؤرخون أنَّه عدد كان ضخما للغاية. حيث وصفوا بأن مقتلة حدثت فيهم لم يحدث مثلها قط. فلماذا لم يذكر المؤرخون المسلمون سوى عدد قليل من قتلى المسلمين الذين لا بد وأن يكونوا (تناسبا مع طول المعركة وضراوتها وعنفها) أكثر بكثير من هذا العدد القليل الذي لم يتجاوز الاثنى عشر شهيدًا على ما جاء في سيرة ابن هشام، وثمانية شهداء على ما جاء في مغازي الواقدي؟ ؟
ويمكن الإِجابة على التساؤل بما يلي:
١ - إن اقتصار بعض المؤرخين على ذكر هذا العدد القليل من قتلى المسلمين. لا ينفى (بصورة قاطعة) أن يكون عدد الشهداء أكثر بكثير من هذا العدد. فأصحاب السير لا يسجلون في سجلاتهم إلا ما ثبت لديهم من الأسماء.
٢ - يمكن القول أن جمهرة الجيش الإِسلامي في مؤتة هم من أبناء البادية من مختلف القبائل الذين لم يكونوا من سكان المدينة المعروفين. بدليل أن قائد ميمنة المسلمين هو رجل من بني عذرة. وهي قبيلة بدوية. لم
стр. 1900
يترجم له أصحاب معاجم تراجم الصحابة سوى قولهم أنَّه عباية بن مالك العذرى.
٣ - يتضح للمتتبع لمراحل معركة مؤتة أن قادة وزعماء ووجوه المهاجرين والأنصار وأهل السابقة لم يأت ذكر لأسمائهم بين قادة وجنود جيش الإِسلام في مؤتة. إذا استثنينا زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وثابت بن أقرم وخالد بن الوليد الذي لم يمض على إسلامه يوم ذاك سوى ثلاثة أشهر: الأمر الذي يعضد القول: أن جمهرة الجيش الإِسلامي هم من أهل البادية من مختلف القبائل الذين عمر الإِسلام قلوبهم حديثًا. فخاضوا تلك المعركة الضارية العنيقة الطويلة بتلك الشجاعة والبسالة المتناهيتين.
٤ - من هنا أمكن القول. . إن شهداء كثيرين من مختلف أبناء القبائل (البادية) صرعوا في هذه المعركة الطاحنة، لم يتمكن أحد ممن هم مرجع لرواة الحديث والسير والتراجم من التعرف عليهم ومعرفة أسمائهم وإحصاء عددهم. لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المسلمين لم يسيطروا على مكان المعركة (بأية صورة من الصور) بعد انتهائها، يمكنهم من التعرف على كل القتلى وإحصاء عددهم. بل كان همهم الوحيد بعد أن صرع قادتهم الثلاثة وبعد أن استمر القتال سبعة أيام أن ينسحبوا ببقية الجيش سليمًا من الميدان ودونما خسارة تذكر. وهذا هو الذي حدث بالفعل فبالخدعة الحربية التي ذكرنا تفصيلها فيما مضى من هذا الكتاب تمكن خالد بن الوليد من أن يسحب الجيش الإِسلامي ويخلصه من خطر الإِبادة أو الوقوع في الأمر. . فترك الميدان للرومان وحلفائهم فبقى مكان المعركة تحت سيطرة الرومان وحلفائهم. وهؤلاء (لبقائهم مسيطرين على ساحة الميدان بعد انتهاء المعركة وانسحاب المسلمين الذين انسحب بهم خالد على عجل وفي حذر شديد) يستطيعون أن يحصوا بحرية ودقة عدد القتلى من الفريقين. ويسجلوهم في سجلات تاريخهم. ولكن ما بين أيدينا من مصادر التاريخ البيزنطى المترجم (وهو شيء قليل جدًّا) لم نجد فيه أي ذكر لمعركة مؤتة بل ولا حتى لمعركة اليرموك التاريخية الشهيرة.
стр. 1901
وقد يكون البيزنطيون أرخوا لمعركة مؤتة وذكروا تفاصيلها وأعطوا إحصاءا دقيقا عن عدد قتلى الفريقين. ولكن هذا التاريخ ضاع كما ضاع العنصر البيزنطى نفسه وتلاشى بعد أن اختلط وامتزج بسلالات وشعوب أخرى حتى لم يعد له أي وجود كأمة مستقلة. كما هو الحال بالنسبة للعرب.
أما الشهداء الاثنا عشر فكلهم مشهورون معروفون فهم من الأنصار والمهاجرين ومن أهل المدينة. فعندما افتقدهم أهلوهم شاع خبر استشهادهم وسهل على رواة الحديث وكتاب التاريخ والسير أن يسجلوهم في سجلاتهم. لا سيما وأن قطبى تدوين السيرة النبوية (محمَّد بن عمر الواقدي ومحمد بن إسحاق) هما من أهل المدينة.
أما الشهداء من أبناء القبائل من أهل البادية (وهم الأكثرون فيما نظن) فلم يكن (بالتأكيد) لشيوع ذكر استشهادهم ما كان لشيوع ذكر استشهاد أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، لأنَّ ذويهم منتشرون متفرقون في نواحى البادية. فصار من الصعب على المختصين في تدوين السير والمغازى من أهل الحاضرة الحصول على أسمائهم وأعدادهم، وليس هناك ديوان إحصاء للجند في ذلك العهد يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش. ثمَّ إثبات أسماء الذين تم استشهادهم في المعركة. حتى يحرص ذوو الشهداء من أهل البادية على تسجيلهم في هذا الديوان. ويسهل بالتالى على كتاب السير والمغازى الحصول على أسمائهم وأعدادهم بصورة دقيقة كاملة. . فمما لا شك فيه (إذن) أن هناك جنودا للإِسلام مجهولين كثيرين استشهدوا في معركة مؤتة الطاحنة كلهم من أبناء القبائل البادية. لم يعرف عددهم ولم تعرف أسماؤهم للأسباب التي ذكرنا.
هذا مجرد اجتهاد واستنتاج وتقييم جعلنا نبديها استساغتنا للقاعدة الفلسفية التاريخية التي وضعها فيلسوف التاريخ والاجتماع الأوّل الإِمام ابن خلدون والتي أخذنا بها. . والقائلة (وكما طبقها الإِمام ابن خالدون في مقدمته الشهيرة) أن على المؤرخ الباحث أن لا يجمد على النصوص المتعلقة بالتاريخ بل عليه أن يقيم الأحداث ويزن الأمور بميزان العقل ويستخرج
стр. 1902
الحقائق أيضًا من الواقع التاريخي والتي قد لا تكون النصوص كافية لإِثباتها أو استخراجها كلها من واقع الأحداث التي عنها نتحدث.
واستنادا إلى قاعدة الفيلسوف ابن خلدون التي وضعها لتقييم التاريخ واستخدام العقل - بالإِضافة إلى النصوص - للغربلة والاستدراك والاستنتاج. أدى بنا الاجتهاد والاستنتاج والمقارنة والتقييم إلى الاعتقاد بأن عدد القتلى التي ذكرتها النصوص في كتب التاريخ (كحصيلة لمعركة مؤتة الفاصلة الرهيبة) لا تتناسب وضراوة هذه المعركة وعنفها والأعداد الهائلة من المحاربين الذين اشتركوا فيها وظلوا يتجالدون فيها طوال عدة أيام، حسبما ذكره وأجمع عليه كافة المؤرخين وأصحاب المغازي والسير.
وعلى العموم فإن هذا القول منا. هو مجرد نظر واجتهاد واستنتاج، قد نكون مخطئين فيه والكمال لله وحده وهو حسبنا ونعم الوكيل.
تعقيب ابن كثير على عدد قتلى المسلمين في المعركة
ويمكن القول أن إماما واحدا من أئمة كتاب التاريخ -هو الإِمام ابن كثير صاحب أكبر موسوعة في التاريخ وهي البداية والنهاية- قد عقب على قلة عدد القتلى المسلمين في هذه المعركة الطاحنة. فاستعجب أن يكون عدد القتلى اثنا عشر فقط: مع ضراوة المعركة وشدتها وضخامة الأعداد الهائلة من المحاربين الذين اشتركوا فيها لعدة أيام. فقال (بعد أن ذكر أسماء الاثنى عشر شهيدا من المسلمين وكأنه قد استقل هذا العدد). . وهذا عظيم جدًّا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهي الفئة التي تقاتل في سبيل الله (عدتها ثلاثة آلاف) وأخرى كافرة (وعدتها مائتا ألف مقاتل)، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثمَّ مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير. . هذا خالد بن الوليد وحده يقول: . لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية (١) فماذا ترى قد قتل (أي خالد) بهذه الأسياف كلها: دع غيره من الأبطال
стр. 1903
والشجعان. ثمَّ يقول الإِمام ابن كثير: "وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). أهـ (٢)
هل انتصر المسلمون في مؤتة أم انهزموا ؟ .
إن سياق أصحاب المغازي والسير فيه اختلاف (بعض الشيء) في وصف معركة مؤتة والحال التي كان عليها الجيش الإِسلامي. فبعضهم يقول: إنهم انهزموا بعد مقتل قادتهم الثلاثة ومضوا في هزيمتهم حتى المدينة وبعضهم يقول: إنهم صبروا وقاتلوا قتالًا شرسًا ولم يتمكن الرومان من التغلب عليهم. حتى صُرع قادتهم الثلاثة. فأصابتهم الهزيمة. وأخذوا في الفرار. إلا أن خالد بن الوليد أنقذ الموقف حين تسلّم قيادة الجيش فأعاد المنهزمين وقام بتنظيم الجيش من جديد وشنَّ على الرومان هجومًا مضادًا أزال به صفوفهم وأشاع الرعب في قلوبهم وأحدث فيهم مقتلة عظيمة ثمَّ انسحب بالجيش سليمًا دونما أيَّ فوضى أو اضطراب. وهذا هو الذي سماه بعض المؤرخين فتحًا. . وهذا الرأي الأخير هو الرأي الصحيح وهو ما شهد به النبي ﷺ في حديث أدلى به من على منبر المسجد في المدينة فقد قال ﷺ وهو أصدق الصادقين -. قال وهو يصف معركة مؤتة لأهل المدينة كما أراها الله: "باب خير باب خير باب خير. أخبركم عن جيشكم هذا الغازى. إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ. فقُتِل زيد شهيدًا فاستغفروا له. ثمَّ أخذ الراية جعفر. فشدَّ على القوم حتى قُتِل شهيدًا فاستغفروا له. ثمَّ أخذ الراية عبد الله بن رواحة وأثبت قدميه حتى قُتِل شهيدًا فاستغفروا له ثمَّ أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه ولكنه سيف من سيوف الله فآب بنصره. وفي لفظ ثمَّ أخذ الراية خالد بن الوليد. نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين من
стр. 1904
غير إمرة حتى فتح الله عليه" (١).
ما حدث في مؤتة هو فتح للمسلمين بدون شك:
والواقع أننا إذا نظرنا إلى أصل المهمة التي من أجل تحقيقها بعث النبي ﷺ هذا الجيش إلى الشام. لوجدنا أنها مهمة تأديبية فقط. ولم يكن وارد (إطلاقًا) في تعليمات الرسول لقادة هذا الجيش أن يحتلوا أيَّة منطقة من الشام. بل كان الهدف التأديب والانتقام من الغادرين الذين قَتَلوا (غدرًا) رسول النبي ﷺ المبعوث إلى ملك الغساسنة في الجولان. وغدروا بخمسة عشر من الصحابة قتلوهم داخل بلاد الشام وهم بعثة سلام مهمتهم دعوة الناس إلى الإِسلام بالحسنى.
فهي (إذن مهمة تأديب وانتقام) على الجيش أن يقوم بها ثمَّ يعود إلى المدينة. ولكن هذا الجيش الصغير (ثلاثة آلاف مقاتل) فوجئ بما لم يكن في الحسبان. حين وجد نفسه أمام مائتي ألف مقاتل من الرومان والعرب المتنصرة. ولكن قادة الجيش (مع ذلك) واصلوا تحرّكهم حتى اصطدموا بالرومان وحلفائهم في (مؤتة) على النحو الذي فصلناه. فقاتلوهم سبعة أيام (ورغم قلتهم وكثرة العدو) أنزلوا بالعدوِّ (وخاصة بعد تسلم القائد خالد قيادة الجيش) خسائر قادحة وقتلوا ضمن من قتلوا (سدوس) أخا شرحبيل بن عمرو الذي غدر برسول النبي ﷺ الحارث بن عمير فقتله (صبرًا). كما قتلوا القائد العام لقوات العرب المتنصرة. مالك بن رافلة (٢).
كما أن القائد ابن الوليد (على أصح الروايات) لم ينسحب بالجيش من (مؤتة) إلى المدينة إلا بعد أن ترك الجيش الروماني في حالة اضطراب وهزيمة.
إذن فالجيش النبوى لم ينهزم ولم يفر من (مؤتة). وإنما انسحب بعد أن قام بالمهمة التي أوكلها إليه الرسول القائد ﷺ . . وذلك الذي صنعه خالد بن الوليد هو عين الانتصار والفتح، كما أكد ذلك رسول الله ﷺ كما تقدم.
стр. 1905
نصر بعد هزيمة
والواقع الذي لا بد من أن يسلم به الباحث عقب تحقيقه في مختلف النصوص المتعلقة بمعركة (مؤتة) هو أن جيش الإِسلام قاتل ببسالة منقطعة النظير طوال ستة أيام. ولكنه في اليوم السادس أصيب بهزيمة منكرة، وتمزق تمزقًا مريعًا. ولكنه في اليوم نفسه استعاد تنظيمه فتلاحمت صفوفه من جديد، بعد أن تحمل القائد خالد بن الوليد مسئولية قيادته، فأعاد إليه ثقته بنفسه. ثمَّ قاده إلى القتال من جديد حتى جعله في اليوم السابع ينزل بالرومان وحلفائهم أشنع هزيمة، ويسجل لنفسه، أروع انتصار. سماه النبي ﷺ كما تقدم في رواية البخاري - فتحًا. يضاف إلى ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته الكبرى عن صاحب رسول الله ﷺ أبي عامر (١) أن المسلمين في (مؤتة) هزموا أسوأ هزيمة عرفوها في تاريخهم عقب استشهاد قادتهم الثلاثة، ثمَّ هزموا (بعد ذلك) أعداءهم الرومان وحلفاءهم أشنع هزيمة عرفوها في تاريخهم. حيث ركبهم المسلمون ووضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا. وذلك بعد أن تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش (٢).
رأي ابن كثير في هزيمة المسلمين وانتصارهم
ومن المؤرخين الذين اعتبروا ما قام به المسلمون في (مؤتة) هو فتحًا وانتصارًا. . الإِمام ابن كثير الحجة والقدوة في التاريخ وقد أيد رأيه هذا في كتابه (البداية والنهاية) بعدة أدلة فقال:
لما قتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته وميمنته ميسرته، فأنكروا (أي الرومان) ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم (يعني المسلمين) وقالوا: قد جاءهم مدد،
стр. 1906
فرعبوا وانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. ثمَّ يسند ابن كثير رأيه هذا بقول إمام آخر في التاريخ هو موسى بن عقبة فيقول .. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة (١) ﵀ في مغازيه، فإنَّه قال بعد عمرة الحديبية ثم صدر رسول الله ﷺ إلى المدينة فمكث بها ستة أشهر، ثمَّ أنَّه بعث جيشًا إلى مؤتة. فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم، بها تنوح وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثمَّ التقوا على زرع أحمر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثمَّ أخذه جعفر فقتل، ثمَّ أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثمَّ اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين.
ثمَّ يعلق ابن كثير على كلام موسى بن عقبة فيقول: فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالدًا إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط. وموسى بن عقبة والواقدى مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعًا. . ثمَّ أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، ورواه البخاري، وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث. ثمَّ يستطرد ابن كثير فيقول: قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدًا، لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدى الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة -كما ذكره الواقدي- توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزمهم بإذن الله، والله وأعلم.
وفي موضع آخر يقول ابن كثير (معضدًا رأيه بأن جيش الإِسلام قد انتصر في مؤتة) يقول: بعد أن يورد حديثًا مطولا رواه الإِمام أحمد عن عوف
стр. 1907
ابن مالك الأشجعي عن معركة مؤتة وقصة الجندى اليمانى الذي قتل أحد فرسان الروم وغنم فرسه وسلاحه، فصادر خالد كل ذلك من الجندى اليمانى. فشكاه إلى رسول الله ﷺ فأمر الرسول ﷺ خالدًا أن يعيد إلى الجندى اليمانى ما كان قد صادره منه (فرس الرومى وسلاحه) - يقول ابن كثير: وهذا يقتضي أنهم (أي المسلمين) غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدًا ﵁ قال: اندقت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية، وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم.
ثمَّ يقول ابن كثير: وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدى والبيهقي، وحكاه ابن هشام عن الزهري. قال البيهقي ﵀: إنه اختلف أهل المغازي في فرارهم (أي المسلمين) وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين، وأن المشركين انهزموا. قال: وحديث أنس بن مالك (أي الذي أخرجه البخاري) عن النبي ﷺ "ثمَّ أخذها - (أي الراية) - خالد ففتح الله عليه" يدلّ على ظهورهم والله أعلم.
ثمَّ يزيد الإِمام ابن كثير رأيه تعضيدًا فيقول: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذرى - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن رافلة. وهو أمير أعراب النصارى فقتله، وقال يفتخر:
طعنت ابن رافلة بن الأراش ... برمح مضى فيه ثمَّ انحطم
ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بني عمه ... غداة رقوقين سوق النعم
وهذا يؤيد ما نحن فيه لأنَّ من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثمَّ إنه صرح في شعره أنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه والله أعلم. وأما ابن إسحاق فإنَّه ذهب إلى أنَّه لم يكن إلا المخاشاة والتخلص من أيدى الروم، وسمى هذا نصرا وفتحا "أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو
стр. 1908
بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا بالكلية، فلما تخلصوا منهم انحازوا عنهم، كان هذا غاية المرام في هذا المقام، وهذا محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله ﵊ "ففتح الله عليهم" والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه. فقال: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومحاشاته بالناس وانصرافه بهم. قيس بن المحسر يعتذر عما صنع يومئذ وصنع الناس يقول:
فوالله لا تنفك نفسي تلومنى ... على موقفى والخيلُ قابعة قُبَلْ
وقفتُ بها لا مستجيزا فنافذا ... ولا مانعًا من كان حُمَّ له القَتَلْ
على أننى أسيت نفسي بخالد ... ألا خالد في القوم ليس له مَثل
وجاشت إليَّ النفس من نحو جعفرٍ ... بمؤتة إذا لا ينفع النابل النَّبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عذل
قال ابن إسحاق: فبيّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (١).
تحقيق المقام في أن ما قام به خالد في مؤتة نصر لا مثيل له
والواقع أن ما فعله جيش الإِسلام الصغير في (مؤتة) وما قام به القائد الفذ خالد بن الوليد من انسحاب منظم بهذا الجيش حتى وصل به المدينة سليمًا وعلى تعبئة تامة. بعد قتال ضار عنيف استمر سبعة أيام، في (مؤتة) هو عين البطولة، ويمثل أعلى درجات النصر. . هذه حقيقة تؤكد صحتها كل الأعراف والمقاييس العسكرية في كل عصر وزمان.
وإلا فماذا يريد الذين يصرون على تسمية ما حدث من جيش الإِسلام في (مؤتة) هزيمة وانكسارًا وفرارًا؟ .
هل يريدون من هذا الجيش الصغير أن يظل يصارع الرومان حتى يفنى عن آخره جوعًا أو قتلًا بالتقسيط.
стр. 1909
إن بقاء الجيش الإِسلامي يقاتل الرومان في مؤتة إلى ما لا نهاية (بعد استمراره سبعة أيام يقاتلهم فيها بضراوة) يعتبر ضربًا من الانتحار. لا يرضاه النبي ﷺ . ولهذا رأينا النبي ﷺ يثنى أعظم الثناء على القائد خالد بن الوليد ويسميه سيف الله. لأنه انسحب بالجيش انسحابًا منظمًا جنبه ما كان يخشى عليه من إبادة وتمزيق.
أعلى وسام في الدولة تمنحه بريطانيا للقائد الذي نجح في الانسحاب من أدنكرك
وفي القرن العشرين رأينا كيف منحت ملكة بريطانيا القائد الإِنكليزى في (فرنسا) أعلى وسام في الدولة لأنه نجح في الانسحاب بالجيش من دانكرك في فرنسا إلى بريطانيا بأقل خسارة ممكنة. انسحب من أمام جيش الألمان الذي هو مساو له في العدد. ولكن الجيش البريطانى كان منهكًا في القتال لبعد خطوط تموينه وعدم وجود من يخلفه ليأخذ شيئًا من الراحة.
فكيف إذن لا يسمى ما قام به خالد بن الوليد حين قام بسحب جيشه على ذلك النحو المشرف. وبذلك الأسلوب البارع أمام سمع وبصر مائتي ألف مقاتل من الأعداء وقفوا مشلولي الحركة لا يحركون ساكنًا ضد هذا الجيش الصغير وهو ينسحب من الميدان. مع أن عدده لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل. . كيف لا يسمى ما قام به خالد بن الوليد نصرًا وفتحًا؟ . .
وما أعرف الرسول النبي والمحارب والقائد ﷺ وأبصره بالشئون العسكرية وما أقدره على تقدير ظروف وملابسات المعارك. ولقد برهن الرسول الأعظم ﷺ على أنَّه قمة في المعرفة بأقدار الرجال حين منح القائد خالد بن الوليد لقب (سيف الله) في الوقت الذي تلقى فيه جمهور المدينة خالدا وجيشه بالحجارة يقذفونهم بها والتراب يحثونه في وجوههم. ساعة عودتهم من معركة مؤتة.
إن تصرف الرسول القائد ﷺ إزاء القائد والجيش العائدين من (مؤتة) يدحض كل زعم قائل: إن جيش المسلمين قد فر وانهزم. أو أنَّه لم يحقق الأهداف التي تحرك من المدينة لتحقيقها.
стр. 1910
دروس من معركة مؤتة
لقد كانت أحداث معركة (مؤتة) الخالدة دروسا يجب أن ينظر فيها بإمعان ويتلقاها بكل تفهم؛ كل جيل من أبناء الإِسلام يطمع حقًّا في نيل العزة والكرامة والرفعة والسمو بانتزاع عناصر الهزيمة والمزلة من النفوس.
نظرة وتحليل
لقد كانت هناك أعظم الدروس التي يمكن بل يجب استخلاصها مما حدث من الصحابة في معركة (مؤتة) بالشام. فحرب الأيام الستة التي خاضها (بكل ضراوة وعنف واستبسال) ثلاثة آلاف مسلم ضد مائتي ألف من الرومان وأتبعهم الذين يفوقونهم (من الناحية البشرية) سبعين ضعفا. ويتفوقون عليهم في التكنولوجيا (العلوم العسكرية) وحسن التسليح ووفرته بما لا جدال فيه لدى أي من المؤرخين (مسلمين كانوا أم غير مسلمين) هذه لحرب التي ثبت وقاتل واستبسل فيها المسلمون على ذلك النحو البطولى. ترك درسًا خالدًا لا يزال حيًّا ويجب أن يتلقاه الجندى المسلم في كل مراحل تدريبه العسكري وتسقيفه الحربى وهو أن العقيدة السليمة المكينة التي تربط بين الإِنسان وربه. وتجعله على صلة صحيحة صادقة بربه. غاية ما يتمنى الاستشهاد في سبيله تعالى. يشترط تمركزها في نفس كل محارب مسلم قبل كل شيء.
لأنَّ تغلغل العقيدة الإِسلامية الصحيحة في النفس قد أعطت (عمليًّا) النتائج الإِيجابية الرائعة المدهشة إلى درجة تقرب من المعجزة.
فلولا تغلغل هذه العقيدة في أعماق الرجال الذين خاضوا معركة مؤتة ضد الرومان. لما فكروا في البقاء لحظة داخل الأراضي الرومانية (في البلقاء) فضلًا عن تفكيرهم في مواصلة الزحف والاصطدام بالجيش الرومان. بعد أن أفادت تقارير استخباراتهم أن قوات هذا الجيش تتفوق عليهم في العدد سبعين ضعفا.
إنه بالرغم من ضرورة الاهتمام بالإِعداد المادى من رجال وخيل وسلاح لخوض المعارك كما حث على ذلك القرآن الكريم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
стр. 1911
رِبَاطِ الْخَيلِ﴾ (١) فقد أثبت أبطال (مؤتة) المسلمون من أصحاب محمَّد أن القوة المادية ليست كل شيء في كسب النصر أو الحيلولة دون التعرض للهزائم الساحقة وإنما الشرط الأساسي لكسب النصر. أو الصمود والثبات لمنع وقوع الهزائم الساحقة المدمرة. هو توفر العقيدة السليمة الصادقة وتغلغلها في قلب الإِنسان المسلم.
كيف انتصرت العقيدة في مؤتة
لقد كان كل شيء مادى يوحى على نحو لا يقبل النقاش على أن الهزيمة الساحقة المدمرة ستكون من نصيب الجيش الإِسلامي في مؤتة.
فمن وجهة النظر العسكرية وحسب المقاييس والموازين الحربية العادية التي بها يتم تقييم الموقف الحربى ويعطى بها (مقدما) ما يشبه الحساب الذي لا يخطئ. كان النصر مضمونًا للرومان على المسلمين كنتيجة حتمية لتفوقهم الهائل الساحق على المسلمين في كل شيء.
فجيش الإِسلام (حسب هذه الموازين والمقاييس العسكرية) مقضى عليه في (مؤتة) على أيدى الرومان إما بالموت وإما بالوقوع في الأسر.
وهذا تقدير لا يمكن لأى خبير عسكرى أن يطعن في صحته من وجهة انظر العسكرية العادية التي عَبْرَها يضع القادة الخطط وينتظرون النتائج للمعارك.
فثلاثة آلاف مقاتل. مهما بلغوا من الشجاعة وقوة البأس وشدة المراس والصبر على الحرب لا يمكنهم (حسب المقاييس العادية الطبيعية) الصمود ساعة واحدة في وجه مائتي ألف مقاتل بل لا يمكنهم النجاة من أن يُقتَلوا أو يقعوا جميعهم أسرى في أيدى تلك القوات الكثيفة الغامرة الهائلة التي كانت تحيطهم كما يحيط البحر الهادر نقطة من اليابسة صغيرة.
ذلك هو التقدير الصحيح والمفهوم الذي لا غبار على صحته وسلامته لدى من ينظرون إلى المعارك على أنها قتال بين فريقين. هم من طينة واحدة
стр. 1912
(طينة البشر). تكون فيها (عادة) الغلبة والنصر للأكثر عددًا والأجود تسليحًا والأحسن تدريبًا والأكثر علمًا بفنون الحرب. وكل هذه العناصر المطلوب توفرها لكسب النصر الساحق. كانت متوفرة لدى قيادة الجيش الروماني الذي تصادم مع جيش الإِسلام في مؤتة.
ولكن جيش الإِسلام الصغير في (مؤتة) قلب موازين النظريات العسكرية التقليدية التي تقول: إنه - لكي تضمن القيادة النصر - يجب إعداد المحارب إعدادًا ماديًا كاملًا من حيث التسليح والتدريب والإِلمام بالعلوم العسكرية وفنونها (تكنولوجيًا) والتفوق في العدة والعدد.
فقد أثبت الصمود الرائع - الذي أبداه المسلمون في معركة مؤتة والذي يمكن. . نظرًا لعدم التكافؤ بين القوتين المتحاربتين وصفه بأنّه أعلى نموذج للنصر المؤزر -. أثبت أن التفوق في القوة المادية. بل وحتى العلوم والفنون العسكرية ليس هو كل شيء لكسب المعارك.
وإنما العامل الأساسي والأول لكسب النصر وتحقيق الأهدف في المعارك هو العقيدة الصحيحة السليمة.
وهذا هو الذي أثبتته عمليًّا وخلدته في سجل التاريخ - كحقيقة واقعة - أحداث معركة مؤتة التاريخية. . فمتانة العقيدة ورسوخها في نفوس الجيش الإِسلامي. قد أبطلت عامل التفوق الهائل لدى الجيش الروماني في معركة (مؤتة).
إذ جعلت العقيدة الإِسلامية - لا القوة الحربية لدى المسلمين - الجيش الروماني يبدو وكأنه مصاب بالشلل.
وإلا فما هو التفسير لصمود ثلاثة آلاف مقاتل في وجه مائتي ألف مقاتل سبعة أيام متوالية ثبت المسلمون خلالها. وظلوا يقاتلون الرومان فيها قتالًا شرسًا ضاريًا. موقفين تقدمهم ومنزلين بهم أفدح الخسائر.
وعندما قتل آخر قائد من قادة الجيش الإِسلامي الثلاثة ورجحت كفة الجيش الروماني وبدا وكأنه قد كسب المعركة نهائيًا. وأن إبادة هذا الجيش
стр. 1913
الصغير أصبحت أمرًا مفروغًا منه. إذا بالقائد الجديد لهذا الجيش يعيد تنظيمه (في تلك الساعات الحاسمة) من جديد ويشن به هجومًا كاسحًا يشيع الفوضى والهلع والارتباك في صفوف الجيش الروماني. ثمَّ ينسحب بسلام وانتظام دون أن يخسر رجلًا واحدًا. ودون أن يجرأ الجيش الروماني على تعقبه وملاحقته أثناء انسحابه. مع علم قيادة الجيش الروماني. أن الجيش الإِسلامي الصغير المنسحب. تفصله عن عاصمته التي قرر الانسحاب إليها مسافة لا تقل عن ستمائة ميل. مزروعة كلها بعناصر معادية للجيش المسلم الأمر الذي يجعل (حسب المقاييس العسكرية العادية) من السهل على الجيش الروماني تعقب الجيش الإِسلامي المنسحب وتمزيقه وإبادته.
ولكن شيئًا من هذا لم يحدث. بل - بدلًا من أن تفكر قيادة الجيش الروماني في مطاردة الجيش الإِسلامي المنسحب ومهاجمته وهو ينسحب - كان سرورها عظيمًا بانسحابه من الميدان. لأنها عانت منه خلال الأيام الستة في مؤتة ما نسخ من أذهانها كل مفاهيمها عن المحارب العربي بعد أن أصبح مسلمًا. له عقيدة يرى الاستشهاد في سبيل نصرتها غاية ما يتمنى. فما هو السر في كل هذا الذي حدث مما يمكن اعتباره من الخوارق للعادة؟ .
إن الباحث العسكري الخبير المنصف - وهو يضع أحداث محركة مؤتة في المختبر للتحليل - لن يجد أية صعوبة (بعد ظهور عدم التكافؤ بين الجيشين المتصادمين في مؤتة على النحو الذي فصلنا). لن يجد أية صعوبة في إصدار حكمه القاطع بأن ما حققه الجيش الإِسلامي الصغير من انتصارات بصموده ذلك الذي بلغ ما يقرب الإِعجاز. إنما كان يرجع إلى عامل واحد. هو عامل العقيدة. عقيدة الإِسلام التي رسخت في قلب كل جندى من جنود ذلك الجيش المسلم الصغير.
والتي كانت الإِيجابية الرئيسية لرسوخ هذه العقيدة هو حرص كل واحد من هؤلاء الجنود على الموت في سبيل الله أكثر من حرصه على الحياة. . هذه الإِيجابية الرائعة التي عبر عنها أصدق تعبير القائد الثالث في هذه المعركة التاريخية الخالدة بقوله: (والله يا قوم إن التي تكرهون لهي التي خرجتم تطلبون الشهادة فانطلقوا بنا إلى عدوّنا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما
стр. 1914
شهادة) وذلك عندما تردد بعض الصحابة (بمدينة معان) في مصادمة الرومان عندما بلغهم العدد الهائل الذين هم فيه.
إذن فالعامل الرئيسى في الانتصارات الرائعة التي حققها المسلمون في معركة (مؤتة التاريخية الخالدة إنما هو العقيدة الإِسلامية الراسخة التي أبطلت فعاليتها العظيمة عامل التفوق المادى والعلمى الساحق لدى الجيش الروماني وجعلت هذا التفوق (في ميزان النتائج) يبدو وكأنه صفر من اليسار في علم الحساب.
وعامل العقيدة الإِسلامية الصادقة وتغلغلها ورسوخها في نفس المحارب المسلم لم يكن في معركة (مؤتة) وحدها العامل الرئيسى الأوّل في إبطال عامل التفوق المادى الساحق الذي يواجهه المحارب المسلم في العهود التي كانت عزة الإِسلام فيها هي السائدة الغالبة المنتصرة.
بل لقد كان المحاربون المسلمون دائمًا في تلك العهود يتفوق عليهم أعداؤهم في العدد والعدة وكل مستلزمات النصر المادية والفنية. ولكن النصر الساحق دائمًا يكون للمسلمين على أعدائهم في كل تلك المعارك.
هذه حقيقة واقعة ناصعة شهدتها (معارك بدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين. واليمامة وبزاخة (١) واليرموك والقادسية ونهاوند (٢) وجبل الطارق وزلاقة (٣)
стр. 1915
وحطين (١) والقسطنطينية (٢) وذات الصوارى (٣) فالانتصارات العظيمة في تلك المعارك الحاسمة وأمثالها. والتي مكنت الإِسلام وجعلت المسلمين (فترة من الزمن) أعز أمة في الأرض. لم يكن العامل في تحقيقها عامل التفوق المادى بكثرة العدد والعُدد. ولا عامل التفوق (التكنولوجى) بإجادة العلوم والفنون العسكرية. كلا فعامل التفوق في كل هذه الأمور المادية والعلمية والفنية هو في جانب أعداء الإِسلام. . وإنما العامل الرئيسى والأول في تحقيقها هو عقيدة الإِسلام المكينة الصادقة الراسخة. التي بصلابتها ورسوخها في القلوب المؤمنة. غيَّر المسلمون (خلال تسعين سنة) مجرى التاريخ كله. إذ طوى خلالها جند الإِسلام (على قلتهم وكثرة أعدائهم) بساط ثلاث إمبراطوريات كانت جميعها تتنازع سيادة العالم كله.
وبعد؛ فإن المحارب المسلم (عربيًّا كان أو غير عربي) لا سبيل له يصل به إلى تحقيق الانتصارات الحاسمة على عدوه إلا بالتزام عقيدة الإِسلام وعلى المستوى الذي التزم به رجال (مؤتة) واليمامة واليرموك والقادسية.
стр. 1916
خرافة التفوق التكنولوجى
لقد أبطَل أصحاب محمَّد ﷺ من خلال أحداث معركة (مؤتة التاريخية الخالدة) خرافة التفوق التكنولوجى - حجة المهزومين أمام شراذم اليهود في معركة حزيران الفاضحة - أن الرومان لم يفشلوا في معركة (مؤتة) من قلة في العدد أو تأخر في العلوم والفنون العسكرية (تكنولوجيا).
كما أن المسلمين (في هذه المعركة) لم يحققوا ذلك الانتصار التاريخي العظيم بسبب تفوقهم على الرومان في شيء من هذه الأمور.
بل لقد كان كل شيء (هناك) عكسًا. كما مر تفصيله أكثر من مرة. ومع ذلك فقد حقق المسلمون في (مؤتة) كل الأهداف التي جاءوا لها من المدينة. في حين فشل الرومان فشلًا ذريعًا. (وهو حسب الموازين العسكرية) أشنع أنواع الانهزام.
فقد صمد المسلمون في (مؤتة) في وجه قوات تفوقهم من ناحية العدد سبعين ضعفًا. وتتفوق عليهم في العلوم والفنون العسكرية (تكنولوجيًا) تفوقًا ساحقًا. هذا ما لا سبيل إلى إنكاره. فالعرب في ذلك العصر لا يكادون يتقنون واحدًا في المائة مما يتقنه الرومان من العلوم والفنون العسكرية بالإِضافة إلى تفوق الرومان الساحق في وفرة السلاح وجودته.
ومع ذلك فقد كان النصر والفتح للمسلمين والفشل والاندحار للرومان وأتباعهم.
أي أن القلة المسلمة القليلة تغلبت على الكثرة الهائلة من أعدائها الذين يتفوقون عليها (تفوقًا ساحقًا) في السلاح والعلوم والفنون العسكرية. وغادرت ميدان المعركة (بعد تحقيقها الأهداف) تاركة عدوها المتفوق عليها في كل شيء في حالة فشل وفوضى واضطراب هو عين الهزيمة الساحقة. يلعق جراحه قانعًا من الغنيمة بالإِياب. لم يستطع أن ينال من هذه القلة المسلمة شيئًا رغم انسحابها وتراجعها إلى بلادها البعيدة.
стр. 1917
لماذا انهزم العرب وانتصر اليهود في حزيران
أما في حرب الأيام في (حزيران الأسود) فقد حدث العكس إذ هزمت القلة القليلة الفاجرة الداعرة الكافرة الكثرة الكثيرة الهائلة المنتسبة إلى الإِسلام.
فالعرب كانوا في معركة حزيران (مع كثرتهم الهائلة) أكثر عتادا وأقوى وأجود سلاحًا من اليهود بصفة عامة.
هذه حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. حتى وإن حاول البعض إنكارها؛ تبريرًا للهزيمة الفاضحة المخجلة.
إذن فالعرب لم يهزموا في حرب حزيران من قلة في عدد الرجال أو نقص في العتاد. أو ضعف في السلاح.
فعندما توزن الأمور (في حرب حزيران) بالموازين العسكرية العادية التقليدية؛ تبدو النتيجة الحتمية (حسب هذه الموازين) أن النصر الساحق سيكون حليف العرب ضد اليهود. لأنَّ كل مقومات النصر المادية المطلوب توفرها لتحقيق النصر متوفرة لدى العرب. تفوق ساحق على اليهود في الدبابات وبقية الآليات والأساطيل البحرية والطائرات وكل أنواع الأسلحة.
فلماذا إذن (مع تلك) نزلت تلك الهزيمة الفاضحة بالعرب.
الجواب سهل وبسيط هو الخواء العقائدى. . فالعرب دخلوا المعركة وهم في حالة انسلاخ يكاد يكون كليًّا عن العقيدة الإِسلامية الصادقة الراسخة، التي يصنع المتمسكون بها في قتالهم ما يشبه المعجزات. والتي كان تغلغلها في النفوس وتمكنها من القلوب المؤمنة يسد كل نقص مادى أو علمي أو فنى يعانى منه المحاربون المسلمون في ساحات الجهاد. كما حدث في (مؤتة) واليرموك والقادسية وأمثالها.
ترى لو كان شيء من ذلك الإِيمان الذي كان يعمر قلب زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وجنودهم الذين خاضوا معركة الأيام الستة في مشارف (مؤتة) قد لامس قلوب الرجال الذين قادوا آلاف
стр. 1918
الدبابات والطائرات وجثوا خلف آلاف المدافع والصواريخ في البر والبحر في حرب الأيام الستة من حزيران الأسود. . فهل يمكن للقلة القليلة من اليهود أن تنتصر علينا. أو حتى يبقى لها وجود اليوم على أرض المسرى والمعراج؟ ؟ كلا. والله. . وألف كلا.
فغياب العقيدة الإِسلامية عن قلوب المحاربين العرب. وترك هذه القلوب؛ إما خاوية فارغة من هذه العقيدة السليمة المكينة الراسخة. وإما تلويث هذه القلوب بعقائد وشعارات فاسدة مستوردة هي من عجن وطبخ اليهود أنفسهم - شعارات وعقاتد ماكس ولينين. هو السبب الأوّل في التعجيل بتلك الهزيمة الفاضحة المدمرة التي نزلت بنا.
فلعل العرب عامة والمسئولين عن هزيمة حزيران خاصة. . يدركون هذه الحقيقة ويسلمون بها ويدعون المكابرة والمغالطة في الاعتراف بها. . فيرجعون إلى ربهم. . محققين هذا الرجوع الصادق؛ بتمسكهم بعقيدة الإِسلام تمسكًا صحيحًا مكينًا ثابتًا بحيث تكون هذه العقيدة منطلقهم الوحيد في كل ما يقولون أو يفعلون. . وهنا يكونون مسلمين ومؤمنين حقًّا، مضمونًا لهم النصر على أعدائهم. والذي ضمنه الله تعالى بقوله ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
стр. 1919
محمد أحمد باشميل
مِن معارك الإسْلام الفاصِلة
- ٨ -
فَتْحُ مَكَّة
المَكتبة السَّلفية
стр. 1920
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثالثة
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
عنيت بطبعه
دار المطبعة السلفية
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة تليفون: ٨٤٠٣٦٤
стр. 1921
فتح مكة
стр. 1922
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الكتاب
بقلم: أحمد محمد جمال
أستاذ الثقافة الإِسلامية بجامعة الملك عبد العزيز
الأستاذ محمد أحمد باشميل: يُغبط، ويُشكر، وينبغى أن يدعى له بمزيد من التوفيق، وجزيل من الثواب.
وذلك أنه ثابر على إصدار كتبه القيمة: (سلسلة معارك الإِسلام الفاصلة) في فترة من الزمن - الثلث الثاني من القرن الرابع عشر الهجرى - يخوض المسلمون خلالها معركة حياة أو موت مع أعدائهم الألداء .. من المستعمرين الصليبيين، واليهود الغاصبين، والشيوعيين الملحدين، تكأكأوا عليهم، واتفقوا - رغم اختلافهم فيما بينهم سياسة واعتقادًا - على حرب الإِسلام، وإذلال المسلمين، واستغلال خيراتهم، ونهب ثرواتهم، واحتلال أرضهم وديارهم، وإفساد عقائدهم وأخلاقهم.
أجل .. إن المسلمين اليوم - ومنذ ثلاثين عامًا تقريبًا - يخوضون معركة فاصلة مع أعدائهم الحاسدين الحاقدين، كالتي كان أسلافهم وأجدادهم - بقيادة الرسول ﷺ وصحابته الأبطال - يخوضونها مع أجداد الصليبيين وإليهود، والمشركين والملحدين الغابرين.
فإذا جاء الصديق الأستاذ باشميل ليُصدر هذه السلسلة التاريخية لمعارك الإِسلام الفاصلة الأولى، في هذه الفترة العصيبة الرهيبة من حياة المسلمين - فإنما يقدّمه لقادتهم وعامتهم معًا: دروسًا مصوّرة متحركة في
стр. 1923
فنون القتال والدفاع عن الأنفس والأموال والديار، ويعرض نماذج مشرقة وضاءة للقيادة الصالحة الناجحة .. في معركة الحق مع الباطل، واقتتال الخير مع الشر، واعتراك النور مع الظلام.
كيف؟ وبم انتصر أسلاف المسلمين - بقيادة الرسول ﷺ وصحابته الأبطال - على أعدائهم الأول؟ وما هي الوسائل النفسية والمادية التي ضمنت لهم النصر المتتابع في كل معاركهم وغزواتهم وبُعوثهم وسراياهم .. حتى مكَّن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبَدّلهم بخوفهم أمنًا، وبضعفهم قوة، وبهوانهم عزًا، وبتفرّقهم وحدة كاملة شاملة؟
هذا ما تجيب عليه، وتصوّره تصويرًا ناطقًا متحركًا سلسلة كتب الأستاذ باشميل عن معارك الإِسلام الفاصلة: غزوة بدر - وغزوة أحد - وغزوة الأحزاب - وغزوة بني قريظة - وصلح الحديبية - وغزوة خيبر - وغزوة مؤتة - وفتح مكة .. الذي نكتب له هذا التقديم الوجيز.
وهو -أي الحديث عن هذه المعارك الفاصلة في تاريخ الإِسلام-: الدروس العملية التطبيقية، والنماذج الرائعة الصادقة .. لقادة المسلمين وعامتهم، وخاصة جيوشهم المقاتلة، في معركتهم الحاضرة مع أعداء اليوم: من صليبيين وصهيونيين وشيوعيين.
وباختصار: لن ينتصر المسلمون اليوم على أعدائهم، إلا بما انتصر أسلافهم به من قبل: بالإِيمان، والأخلاق، والإِعداد.
***
أما موضوع هذا الكتاب: (فتح مكة) فأمره عَجَب، وحديثه طَرَب. لأنه كان نصرًا بغير حرب، وكان ثمرة يانعة لحكمة القائد الأعظم ﷺ وبعد نظره، وحسن قيادته، ومكارم أخلاقه.
وسمَّاه القرآن الكريم (فتحًا مبينا) قبل أن يكون، وبشر به قبل عام من حدوثه، في وقت كان المسلمون فيه بوضع يخيَّل للدارس المتعجِّل أنه وضع مشين مهين .. حين قصد المسلمون - وعلى رأسهم الرسول العظيم - إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، فصدّهم المشركون عن المسجد
стр. 1924
الحرام، وأبوا أن يأذنوا لهم بدخول مكة للاعتمار. وانتهى الأمر إلى ما عرف بعد ذلك (بصلح الحديبية) وهو موضوع الكتاب السابق من سلسلة هذه المعارك الفاصلة في تاريخ الإِسلام، ولابد من اطلاع القارئ عليه قبل قراءة هذا الكتاب .. لأن أحداث صلح الحديبية هي مقدمات هذا الفتح المبين، بل هو الفتح المبين على الحقيقة.
إن صلح الحديبية كان في وضعه الظاهر هوانًا للمسلمين في نظر صحابة الرسول ﷺ ، لأن الرسول ببعد نظره، وصدق تفكيره، وحبه لحقن الدماء، وحرصه على صلة الرحم وبرِّ ذوي القربى في الفريق المعاكم المشاكس من مشركى مكة - قبل مطالب قريش وشروطها: وهي العودة إلى المدينة دون أن يدخل مكة - على أن يرجع في العام القابل للاعتمار - وأن يرد إلى المشركين من يأتيه مسلمًا منهم، ولا يعيدون إليه من يأتيهم مرتدًا من المسلمين. وقد رد ﷺ ، وهو في مكانه من الحديبية لم يبرحها بعد إلى المدينة - أبا جندل (ابن سهيل بن عمرو) زعيم وفد قريش إلى مفاوضات صلح الحديبية .. رده إلى أبيه، - وفاءً بالعهد وقد جاءه مسلمًا - يرسف في قيوده، فلطَمه أبوه على أعين صحابة الرسول، وهم يتميزون غيظًا، لأنهم لم يستطيعوا له نصرًا.
ومن هنا - من قسوة شروط قريش في صلح الحديبية، اعترض الصحابة على موافقة الرسول وتوقيعه على وثيقة هذا الصلح الذي بدا أنه هوان لهم. حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: "علام نرضى الدنية في ديننا يا رسول الله؟ " وحتى لم يستجب الصحابة لأمر الرسول بالتحلل من العمرة بالتقصير أو الحلق، فدخل على أم سلمة ﵂ مغمومًا مهمومًا، يشكو إليها موقف الصحابة منه، فأشارت عليه أن يخرج ويدعو حالقه ليحلقه بين أعينهم. وقد فعل، فاستجاب الصحابة نادمين.
стр. 1925
وإنما قلنا: إن صلح الحديبية كان هو الفتح المبين، لأنه كان: مقدّمة له - لأن هذا الصلح المبارك كانت له ثمراته اليوانع. وكانت له نتائجه الباهرات، التي نلخصها في السطور التالية:
كان عقد قريش للصلح بينها وبين الرسول ﵊ على نحو ما أسلفنا - اعترافا صريحًا بالكيان السياسي لمحمد وأصحابه.
خلال إقامة الرسول والمسلمين معه في الحديبية تعرّف وسطاء قريش وحلفاؤها الذين كانت تبعث بهم لمقاومة الرسول ﷺ تعرّفوا على حقيقة الدعوة الإِسلامية ممثلة في أخلاق الرسول وأصحابه وسلوكهم، خلافًا لما كانت تذيعه قريش عنهم من أكاذيب وأباطيل.
أنكر بعض هؤلاء الموفدين إلى الرسول من حلفاء قريش موقفها المتعصب من المسلمين، وبإصرارها على ردهم عن الاعتمار والطواف بالبيت الحرام، حتى أنذرها سيد ثقيف (عروة بن مسعود) الهزيمة إن هم حاربوه، وقال: "ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة يا معشر قريش"!
كما أتيحت الفرصة - بعقد هذا الصلح - للمشركين والمسلمين معًا بالاختلاط الذي تكشَّف للمشركين فيه وضيع المسلمين وسلوكهم القويم، وأخلاقهم الرفيعة، وأثمر ذلك اعتناق كثير منهم للإِسلام، حتى بلغ عدد المسلمين يوم فتح مكة نحو عشرة آلاف، بعد أن كان يوم صلح الحديبية لا يزيد على ألفين ...
ثم جاء نقض قريش للعهد بقتالها مع حلفائها بني بكر، لحلفاء الرسول ﷺ : بني خزاعة، فرصة لتخلى المسلمين عن العهد نفسه، وإعداد العدة للقيام بفتح مكة، والعودة إلى أحب أرض الله إلى الله، وإلى الرسول الكريم، وإلى المسلمين أجمعين.
وكان نقض قريش لصلح الحديبية خيرًا من خيرات (الفتح المبين) الذي بشَّر به القرآن رسول الله ﷺ . فقد سألت عائشة الرسول: أترى قريشًا تجترئ على نقض العهد بينكم وبينهم؟ قال: ينتقضون العهد لأمر يريده الله تعالى بهم. قالت عائشة: خير أو شر؟ قال: خير ..
ويكون هذا (الخير) استجابة لدعوة الرسول ﷺ : "اللهم اهد
стр. 1926
قومى فإنهم لا يعلمون قالها أيام كانوا يؤذونه في مكة أذى شديدًا، حتى سأله جبريل - بأمر الله - أن يطبق عليهم جبال مكة انتقامًا له، وخلاصًا منهم، فكانت تلك دعوته، وكانت أمنيته: "أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن بالله، لا يشرك به شيئًا".
وصدق الله العظيم فيما خاطبهم به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
ولن نطيل الحديث عن فتح مكة - في السنة الثامنة من الهجرة وفي رمضان المبارك - ولكنا نكتفى بذكر الآيات القرآنية التي تشير إليه من سورة (الفتح) وسورة (النصر)؛ ففيها ما يغنى من الموعظة والذكرى والاعتبار، لأولى الأبصار:
• ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
هذه هي البشرى التي أنزلت في صلح الحديبية، وقد أنجز الله وعده بالنصر العزيز يوم فتح مكة في السنة التالية، على نحو ما أسلفنا.
• ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
في هذه الآية الكريمة يبين الله الحكمة في إرجاء (الفتح) إلى العام القابل، وإن صلح الحديبية وقع صوابًا ليهد للفتح القريب. ففي مكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يكتمون إيمانهم، ولو أن المسلمين دخلوا مكة عنوة، ونشب القتال بينهم وبين المشركين، لوطأوا المؤمنين مع المشركين، ولأصابتهم منهم معرة ...
стр. 1927
• ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
ودخل الرسول ﷺ المسجد الحرام والمؤمنون معه، من مهاجرين وأنصار، تصديقًا للرؤيا، وتحقيقًا لبشرى "الفتح المبين"، وتمكينًا لدين الله الخالد الراشد. وكما منحهم الله الأمان منحوا هم أهل مكة الأمان: "من دخل المسجد الحرام فهو آمن - ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن - ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن". ومع هذا الأمان للكل خص الرسول الرؤوف الرحيم أعداءه الألداء بالعفو والغفران .. قال لهم: "ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم - قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وبقى أن يحمد الرسول ﷺ ربه الذي حقق له هذا الفتح المبين، والنصر العزيز، دون إراقة دماء العشيرة والأقرباء، بل مع تأليف القلوب ودخولها في الإِسلام - فنزلت سورة (النصر):
• ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
ونحن أيضًا - مسلمة اليوم - ينبغي أن نسبح بحمد الله كثيرًا، ونستغفره طويلًا .. عسى أن يهبنا فتحًا مبينًا على عدونا المبين.
بيروت - في ٢٠/ ٧ / ١٣٩٢ هـ
أحمد محمد جمال
стр. 1928
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة المؤلف
نحمدك اللهم، ونستعينك ونستهديك، ونسألك - ولا مسؤول ولا مرجوّ سواك - أن تسدد خطانا وتجعلنا ممن يخلصون لك في القول والعمل، وأن تعمر قلوبنا بعزة وشمم لا صلف ولا كبرياء فيهما.
ونسألك اللهم، أن تمنحنا الحماية من أن يستذلنا الجهلة، وأن لا تجعلنا للمضلين عضدا، واجعلنا اللهم من المهتدين بهديك والهادين إلى سبيلك.
وصل اللهم على صفوة خلقك حبيبك ونبيك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.
وبعد أيها القارئ الكريم، فهذا هو كتابنا الثامن من سلسلتنا التاريخية (معارك الإِسلام الفاصلة) وهو (فتح مكة). بذلنا في تأليفه جهدًا، الله وحده يعلم مداه، ونأمل أن يكون هذا الكتاب محل رضا القارئ الكريم.
فما جهودنا في هذه السلسلة التاريخية إلا (بعد قصد وجه الله تعالى) كي نبسط للقارئ ونعرض عليه الكنوز الثمينة الغالية من تاريخنا الإسلامي الطافح بالروائع من سير نبينا محمد ﷺ وصحبه الكرام، مما يحفز القارئ المنصف المتبصر المهتدى على الاقتداء بأولئك الصفوة الذين صنعوا لنا هذا التاريخ الشرق الوضاء الذي طغت - ولا تزال مع الأسف - تطغى عليه وتغطه وتطمس معالمه تزايين وأصباغ (ديكورات) المبادئ القبيحة النتنة المستوردة مما وراء الحدود، والتي: الارتماء في أحضانها على حساب إهمال الإِسلام كان ولا يزال السبب الرئيسى فيما أصابنا طوال عشرين عامًا ولا يزال يصيبنا من خزايا وويلات وفضائح، وحل ولا يزال يحل بنا من مصائب وكوارث، لا خلاص لنا منها ولا نجاة إلا بالعودة إلى الإِسلام حاكمًا ومشرعًا وقاضيًا.
стр. 1929
إن هذا الكتاب (فتح مكة) يتضمن أرقى الدروس وأعظم العبر التي يمكن للعاقل المنصف الحصيف - حاكمًا كان أو محكومًا - أن يستخلصها ويعيها من تصرفات الرسول الأعظم ﷺ وتصرفات صحبه الكرام. سواء في العدل والإِنصاف وشرف المعاملة، أو الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة، ثم العفو عند المقدرة وتوفر القوة الساحقة الكاملة المؤهلة، كى يبلغ خصم من خصمه ما يريد (لو أراد) من تنكيل وتعذيب وإبادة.
عشرة آلاف مقاتل من المسلمين تسيطر على مكة، معقل أعظم وألد أعداء النبي ﷺ ، ويلقى أهلها السلاح مقهورين، فيشملهم جميعًا عفو الرسول القائد والمنتصر، وهم الذين ائتمروا به وهدروا دمه وطاردوه تحت كل سماء، ولم يتركوا موطنًا، كانوا يظون أنهم قادرون على القضاء عليه فيه ﷺ إلا وقاتلوه فيه, ومع ذلك: لم يجد شيء مما يصل إلى رؤوس القادة العاديين من نشوة الانتصار التي تجعل صاحبها يولغ في الدماء انتقامًا لنفسه ممن نكلوا به وأذلوا أصحابه يوم ضعفهم .. لم يجد شيء من تلك النشوة يوم الفتح الأعظم سبيلًا إلى رأس النبي القائد المنتصر ﷺ ، بل كانت الشفقة والرحمة والصفح والعفو والتسامح الطابع الوحيد لتصرف الرسول القائد المنتصر، في ذلك اليوم التاريخي.
ماذا تظنون أنى فاعل بكم يا معشر قريش؟ ؟ .
قالوا .. أخ كريم وابن أخ كريم.
قال .. اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
تلك الكلمات النبوية توّج بها الرسول القائد انتصاره على أهل مكة حين ضمنها العفو العام عنهم وهو عند باب الكعبة. في الوقت الذي كانت فيه قلوب سادات مكة تركض بين جنوبهم خوفًا من أن ينتقم منهم لنفسه فيبعث بهم إلى القبور.
стр. 1930
ولكنها أخلاق النبوة اصطنعت ببلسم العفو، والصفح والتسامح أولئك القادة والسادة من الأعداء في مكة فتحولوا طائعين مختارين إلى عمالقة تفانوا في خدمة الإِسلام، فكانوا من حماته وكبار بناة دولته. كانوا من صانعى الانتصارات الحاسمة التي مكنت للإِسلام في الشام والعراق وفارس ومصر وأفريقيا، مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح .. الأول قاد كتيبة الفدائيين في معركة اليرموك فدفع حياته مع أربعمائة من الفدائيين (الكوماندوس) ثمنًا لإِيقاف زخم الهجوم الروماني الذي كاد يسحق جيش الإِسلام الصغير.
والثاني قاد الأسطول الإسلامي إلى أعظم انتصار بحرى يشهده البحر الأبيض المتوسط حتى اليوم وذلك في معركة الصوارى الشهيرة. وكلا الرجلين كانا قد حكم عليهما بالإِعدام قبل فتح مكة، فعفى عنهما الرسول ﷺ واصطفاهما قادة حرب رميا بأنفسهما في أتون المعارك لنصرة الإِسلام. وأمثالهما كثير من الطلقاء الذين حقن النبي ﷺ دماءهم بعد أن استحقوا الإِعدام يوم الفتح.
- ٢ -
لقد عقد النبي ﷺ في بطاح الحديبية مع قريش صلحًا تاريخيًا في السنة السادسة من الهجرة، وما كان ﷺ فكر في التنكر لبند من بنود هذا الصلح الذي وضع الحرب بين قريش وكنانة من جهة، وبين الرسول ﷺ وخزاعة من جهة أخرى لمدة عشر سنوات، يعيش المسلمون والمشركون فيها بعضهم لبعض سلمًا بمعنى كلمة سلم.
وقد التزم الرسول ﷺ بكل دقة متناهية ببنود هذا الصلح فطبقه نصًّا وروحا، فبرهن (عمليًّا) على أصالة الأخلاق الإِسلامية في الالتزام بمبدأ الوفاء تجلَّى تمسكه بهذه الأخلاق الكريمة في تسليم شابين مسلمين إلى أهلهما المشركين وحبر وثيقة الصلح لم يجف بعد، فعل ذلك رغم الغم القاتل الذي نزل بعامة أصحابه لهذا التصرف الذي يحمل في ظاهره طابع