قومى فإنهم لا يعلمون قالها أيام كانوا يؤذونه في مكة أذى شديدًا، حتى سأله جبريل - بأمر الله - أن يطبق عليهم جبال مكة انتقامًا له، وخلاصًا منهم، فكانت تلك دعوته، وكانت أمنيته: "أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن بالله، لا يشرك به شيئًا".
وصدق الله العظيم فيما خاطبهم به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
ولن نطيل الحديث عن فتح مكة - في السنة الثامنة من الهجرة وفي رمضان المبارك - ولكنا نكتفى بذكر الآيات القرآنية التي تشير إليه من سورة (الفتح) وسورة (النصر)؛ ففيها ما يغنى من الموعظة والذكرى والاعتبار، لأولى الأبصار:
• ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
هذه هي البشرى التي أنزلت في صلح الحديبية، وقد أنجز الله وعده بالنصر العزيز يوم فتح مكة في السنة التالية، على نحو ما أسلفنا.
• ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
في هذه الآية الكريمة يبين الله الحكمة في إرجاء (الفتح) إلى العام القابل، وإن صلح الحديبية وقع صوابًا ليهد للفتح القريب. ففي مكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يكتمون إيمانهم، ولو أن المسلمين دخلوا مكة عنوة، ونشب القتال بينهم وبين المشركين، لوطأوا المؤمنين مع المشركين، ولأصابتهم منهم معرة ...
стр. 1927
• ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
ودخل الرسول ﷺ المسجد الحرام والمؤمنون معه، من مهاجرين وأنصار، تصديقًا للرؤيا، وتحقيقًا لبشرى "الفتح المبين"، وتمكينًا لدين الله الخالد الراشد. وكما منحهم الله الأمان منحوا هم أهل مكة الأمان: "من دخل المسجد الحرام فهو آمن - ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن - ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن". ومع هذا الأمان للكل خص الرسول الرؤوف الرحيم أعداءه الألداء بالعفو والغفران .. قال لهم: "ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم - قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وبقى أن يحمد الرسول ﷺ ربه الذي حقق له هذا الفتح المبين، والنصر العزيز، دون إراقة دماء العشيرة والأقرباء، بل مع تأليف القلوب ودخولها في الإِسلام - فنزلت سورة (النصر):
• ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
ونحن أيضًا - مسلمة اليوم - ينبغي أن نسبح بحمد الله كثيرًا، ونستغفره طويلًا .. عسى أن يهبنا فتحًا مبينًا على عدونا المبين.
بيروت - في ٢٠/ ٧ / ١٣٩٢ هـ
أحمد محمد جمال
стр. 1928
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة المؤلف
نحمدك اللهم، ونستعينك ونستهديك، ونسألك - ولا مسؤول ولا مرجوّ سواك - أن تسدد خطانا وتجعلنا ممن يخلصون لك في القول والعمل، وأن تعمر قلوبنا بعزة وشمم لا صلف ولا كبرياء فيهما.
ونسألك اللهم، أن تمنحنا الحماية من أن يستذلنا الجهلة، وأن لا تجعلنا للمضلين عضدا، واجعلنا اللهم من المهتدين بهديك والهادين إلى سبيلك.
وصل اللهم على صفوة خلقك حبيبك ونبيك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.
وبعد أيها القارئ الكريم، فهذا هو كتابنا الثامن من سلسلتنا التاريخية (معارك الإِسلام الفاصلة) وهو (فتح مكة). بذلنا في تأليفه جهدًا، الله وحده يعلم مداه، ونأمل أن يكون هذا الكتاب محل رضا القارئ الكريم.
فما جهودنا في هذه السلسلة التاريخية إلا (بعد قصد وجه الله تعالى) كي نبسط للقارئ ونعرض عليه الكنوز الثمينة الغالية من تاريخنا الإسلامي الطافح بالروائع من سير نبينا محمد ﷺ وصحبه الكرام، مما يحفز القارئ المنصف المتبصر المهتدى على الاقتداء بأولئك الصفوة الذين صنعوا لنا هذا التاريخ الشرق الوضاء الذي طغت - ولا تزال مع الأسف - تطغى عليه وتغطه وتطمس معالمه تزايين وأصباغ (ديكورات) المبادئ القبيحة النتنة المستوردة مما وراء الحدود، والتي: الارتماء في أحضانها على حساب إهمال الإِسلام كان ولا يزال السبب الرئيسى فيما أصابنا طوال عشرين عامًا ولا يزال يصيبنا من خزايا وويلات وفضائح، وحل ولا يزال يحل بنا من مصائب وكوارث، لا خلاص لنا منها ولا نجاة إلا بالعودة إلى الإِسلام حاكمًا ومشرعًا وقاضيًا.
стр. 1929
إن هذا الكتاب (فتح مكة) يتضمن أرقى الدروس وأعظم العبر التي يمكن للعاقل المنصف الحصيف - حاكمًا كان أو محكومًا - أن يستخلصها ويعيها من تصرفات الرسول الأعظم ﷺ وتصرفات صحبه الكرام. سواء في العدل والإِنصاف وشرف المعاملة، أو الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة، ثم العفو عند المقدرة وتوفر القوة الساحقة الكاملة المؤهلة، كى يبلغ خصم من خصمه ما يريد (لو أراد) من تنكيل وتعذيب وإبادة.
عشرة آلاف مقاتل من المسلمين تسيطر على مكة، معقل أعظم وألد أعداء النبي ﷺ ، ويلقى أهلها السلاح مقهورين، فيشملهم جميعًا عفو الرسول القائد والمنتصر، وهم الذين ائتمروا به وهدروا دمه وطاردوه تحت كل سماء، ولم يتركوا موطنًا، كانوا يظون أنهم قادرون على القضاء عليه فيه ﷺ إلا وقاتلوه فيه, ومع ذلك: لم يجد شيء مما يصل إلى رؤوس القادة العاديين من نشوة الانتصار التي تجعل صاحبها يولغ في الدماء انتقامًا لنفسه ممن نكلوا به وأذلوا أصحابه يوم ضعفهم .. لم يجد شيء من تلك النشوة يوم الفتح الأعظم سبيلًا إلى رأس النبي القائد المنتصر ﷺ ، بل كانت الشفقة والرحمة والصفح والعفو والتسامح الطابع الوحيد لتصرف الرسول القائد المنتصر، في ذلك اليوم التاريخي.
ماذا تظنون أنى فاعل بكم يا معشر قريش؟ ؟ .
قالوا .. أخ كريم وابن أخ كريم.
قال .. اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
تلك الكلمات النبوية توّج بها الرسول القائد انتصاره على أهل مكة حين ضمنها العفو العام عنهم وهو عند باب الكعبة. في الوقت الذي كانت فيه قلوب سادات مكة تركض بين جنوبهم خوفًا من أن ينتقم منهم لنفسه فيبعث بهم إلى القبور.
стр. 1930
ولكنها أخلاق النبوة اصطنعت ببلسم العفو، والصفح والتسامح أولئك القادة والسادة من الأعداء في مكة فتحولوا طائعين مختارين إلى عمالقة تفانوا في خدمة الإِسلام، فكانوا من حماته وكبار بناة دولته. كانوا من صانعى الانتصارات الحاسمة التي مكنت للإِسلام في الشام والعراق وفارس ومصر وأفريقيا، مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح .. الأول قاد كتيبة الفدائيين في معركة اليرموك فدفع حياته مع أربعمائة من الفدائيين (الكوماندوس) ثمنًا لإِيقاف زخم الهجوم الروماني الذي كاد يسحق جيش الإِسلام الصغير.
والثاني قاد الأسطول الإسلامي إلى أعظم انتصار بحرى يشهده البحر الأبيض المتوسط حتى اليوم وذلك في معركة الصوارى الشهيرة. وكلا الرجلين كانا قد حكم عليهما بالإِعدام قبل فتح مكة، فعفى عنهما الرسول ﷺ واصطفاهما قادة حرب رميا بأنفسهما في أتون المعارك لنصرة الإِسلام. وأمثالهما كثير من الطلقاء الذين حقن النبي ﷺ دماءهم بعد أن استحقوا الإِعدام يوم الفتح.
- ٢ -
لقد عقد النبي ﷺ في بطاح الحديبية مع قريش صلحًا تاريخيًا في السنة السادسة من الهجرة، وما كان ﷺ فكر في التنكر لبند من بنود هذا الصلح الذي وضع الحرب بين قريش وكنانة من جهة، وبين الرسول ﷺ وخزاعة من جهة أخرى لمدة عشر سنوات، يعيش المسلمون والمشركون فيها بعضهم لبعض سلمًا بمعنى كلمة سلم.
وقد التزم الرسول ﷺ بكل دقة متناهية ببنود هذا الصلح فطبقه نصًّا وروحا، فبرهن (عمليًّا) على أصالة الأخلاق الإِسلامية في الالتزام بمبدأ الوفاء تجلَّى تمسكه بهذه الأخلاق الكريمة في تسليم شابين مسلمين إلى أهلهما المشركين وحبر وثيقة الصلح لم يجف بعد، فعل ذلك رغم الغم القاتل الذي نزل بعامة أصحابه لهذا التصرف الذي يحمل في ظاهره طابع
стр. 1931
الدنية على المسلمين كما صرح بذلك أحد كبار وزراء الرسول ﷺ عمر بن الخطاب (١).
-٣ -
ولكن النبي ﷺ وأصحابه إذا كانوا قد وقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها في صلح الحديبية وطبقوها نصًّا وروحًا، واشتملت نفوسهم الطاهرة الصافية النقية على الوفاء بالعهد الذي أعطوه، فهل التزمت قريش وحلفاؤها من كنانة نفس الالتزام الذي التزمه الرسول ﷺ وصحبه وحلفاؤه من خزاعة، ووقفوا عند شرف الكلمة التي أعطوها في وثيقة صلح الحديبية التاريخي؟ ؟ .
كلا وألف كلا.
فالنبي وأصحابه وحلفاؤه من خزاعة، إذا كانوا قد اعتبروا صلح الحديبية وثيقة شرف يتعايش الفريقان بموجبها عشر سنوات يأمن فيها الناس بعضهم بعضًا، فإن المشركين من قريش وحلفائهم من كنانة، قد نظروا إلى ذلك الصلح التاريخي من زاوية غدر مظلمة، فاعتبروا الصلح فرصة ذهبية لا تفوت للغدر بخزاعة الشجاعة الباسلة، لينالوا منها من ثاراتهم الجاهلية بالغدر والخيانة في حالة أمن وأمان وصلح وموادعة، ما عجزوا عن نيله في حالة اللقاء والاستعداد والمواجهة واليقظة.
فقد أقدمت كنانة بمساندة حلفائها القريشيين على جريمة من أبشع جرائم الغدر والنكث والخيانة، ففتكت بأكثر من خمسة وعشرين من خزاعة، قتلتهم داخل حدود الحرم في ظل صلح الحديبية وقبل أن تمضى على توقيعه
стр. 1932
ثلاثون شهرًا .. قتلوهم، وهم عزل من السلاح في حالة تهجُّد وتبتُّل ركعا سجدًا آمنين مستأمنين. وطاردوهم حتى داخل مكة (الحرم الآمن) فقتلوهم عند باب المسجد كأفظع وأقذر ما يكون قتل الآمن المستأمن في ظل صلح وعهد وأمان.
- ٤ -
هكذا نقضت قريش وحلفاؤها من كنانة الصلح، فكان ذلك بمثابة نسف من القواعد كامل لبنود صلح الحديبية، الذي طلبت قريش نفسها عقده.
وعندما تبلغ النبي ﷺ نبأ ذلك العمل الإِجرامى المتمثل في الغدر بحلفائه الذين (بموجب الصلح) له ما لهم وعليه ما عليهم، لم يتعجل في الزحف على مكة للانتصار لحلفائه المعتدى عليهم، كما يلزمه بذلك ميثاق الحديبية، بل (كرهًا منه لسفك الدماء، ورغبة منه في حقنها حتى وإن كانت دماء أعدائه الذين حاولوا بكل الوسائل سفك دمه ودماء أصحابه) فإنه - قبل أن ينبذ إلى قريش على سواء، تقدم إلى قريش باقتراح يجنب الفريقين ويلات الحرب .. اقتراح في منتهى التسامح والتعبير الصادق المخلص عن الرغبة في الابتعاد عن إراقة الدماء .. هذا الاقتراح الذي بعث به إلى قريش (قبل الزحف على مكة) مبعوثًا خاصًّا، يتضمن تخيير قريش المسؤول الرئيسى عن تنفيذ بنود صلح الحديبية، بين أمور ثلاثة.
١ - إما أن يدوا (أي يدفع القرشيون وحلفاؤهم من كنانة) ديات القتلى من حلفاء الرسول ﷺ خزاعة - وبهذا يستمر مفعول صلح الحديبية، وتستمر فعالية السلم والموادعة بين الفريقين عشر سنوات، فتحقن بذلك الدماء من الفريقين.
٢ - وإما أن تتبرأ قريش من الغادرين الرئيسيين (كنانة) ليصفى الرسول ﷺ معهم وحدهم الحساب، وينزل بهم العقاب العادل الذي استحقوه على بشاعة جريمة الغدر التي ارتكبوها في حق حلفائه.
стр. 1933
٣ - وإما أن ينبذ إليهم إلى قريش على سواء فيحتكم وإياهم إلى السيف، بصفتهم المسؤول الرئيسى عن تنفيذ معاهدة الصلح الذي نقضته بكر برضى وممالئة بعض سادات مكة.
- ٥ -
غير أن قريشًا رفضت قبول العرضين العادلين الإِيجابيين الأوليين واختارت العرض الثالث صلفًا وكبرياء ورياء الناس، وهو الحرب فتحدت الرسول ﷺ وأبلغته أنها ترحب بالحرب وتفضلها على أن تدفع ديات قتلى حلفائه، أو تتبرأ من حلف قاتليهم البكريين (كما هو مفصل في هذا الكتاب).
وهنا كان لا بد للرسول ﷺ من أن يفى بالتزاماته لحلفائه الخزاعيين المغدور بهم، وذلك حسب العهد الذي أعطاه لهم في وثيقة صلح الحديبية التاريخي (١).
- ٦ -
لذلك - وبعد أن أصبح صلح الحديبية لاغيا بفعل تصرفات قريش وحلفائها - قرر النبي ﷺ الزحف على المشركين في مكة، لأنه اعتبر نفسه (لنقضهم الصلح) في حالة حرب معهم كما كان قبل عقد ذلك الصلح، ولا بد من أن ينبذ إليهم على سواء فيبدأ الحرب قبل أن يبدأوه. لأن الخيانة التي ارتكبوها بنقض الصلح وتأييدهم حلفاءهم البكريين العتدين، إنما هو دونما شك، مقدمة لشن حرب على المسلمين، الذين ما كانت قريش ومن بقى على الوثنية يرون لوجودهم معنى ما بقى لهؤلاء المسلمين وجود أو سلطان. ثم إن قريشًا تفسها قد أعلنت الحرب على النبي ﷺ قبل أن يعلنها هو.
стр. 1934
حيث أبلغت مندوبه (ضمرة) أنها تفضل أن تنبذ إليه على سواء، على أن تدفع ديات قتلى خزاعة الذين غدر بهم البكريون، أو تتخلى عن هؤلاء البكرين وتتبرأ من حلفهم. إنها إذن الخيانة المبيتة من قريش، قد انطوت عليها للمسلمين.
والله قد منح رسوله ﷺ الصلاحيات الكاملة. بل الأمر الصريح في ضرب أي عنصر تشم منه رائحة الخيانة، فضلًا عن أن يتجاهر بها ويتبجح.
فقال تعالى .. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
وهكذا وبناء على هذه المبررات، بل الوجبات الملحة، تحرك الرسول ﷺ من المدينة في جيشه العظيم الذي بلغ عشرة آلاف مقاتل لتأديب الخائنين الناكثين فداهم مكة على حين غفلة من أهلها المشركين الذين طمس الله عنهم أنباء الغزو الشامل حتى وصلت طلائع الجيش النبوى ضواحي مكة، فأسقط في أيدى زعمائها الذين رأوا ثمرة الخيانة والغدر سيوفًا إسلامية تلمع وتحيط بهم من كل جانب، فلم يسعهم إلَّا تسليم مكة للجيش النبوى دونما أية مقاومة تذكر، وقد كان فتح مكة - عكس ما يتصور زعماؤها - خيرًا وبركة عليهم، كما صرح بذلك الرسول الرحيم البر الرؤوف في المدينة قبل أن يتحرك منها بالجيش، وذلك عندما سألته زوجه عائشة عندما أكد لها نبأ اعتزامه غزو قريش في مكة -. "أذلك خير أريد بهم أم شر؟ " فقال ﷺ "بل خير".
فقد دخل أهل مكة (بعد فتحها) في الإِسلام، بين فرح مغتبط وكاره سعد واطمأن فيما بعد، وأخذت (بعد فتح مكة) معالم الوثنية تمحى
стр. 1935
بسرعة مذهلة حتى إنه لم تمض سنة واحدة على فتحها حتى دخل كل أهل الجزيرة في الإِسلام، فقد كان فتحها في السنة الثامنة للهجرة، واحتوى الإِسلام كل الجزيرة دونما استثناء في السنة التاسعة، وهي المسماة بعام الوفود .. لتوافد العرب على المدينة اختيارًا ليدخلوا في دين الله، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١).
فكان فتح مكة الفتح الأعظم بكل معاني الكلمة .. والحمد لله أولًا وآخرًا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محمد أحمد باشميل
جدة - المملكة العربية السعودية ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م
стр. 1936
الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية والسياسية والتشريعية بين غزوة مؤتة، وفتح مكة
• الحركات العسكرية بعد غزوة مؤتة وقبل فتح مكة.
• ثورة العيص ضد مشركي مكة.
• شباب قريش المسلم مفجر الثورة ضد أهله المشركين.
• أبو بصير قائد ثورة العيص.
• حياد المدينة حيال ثورة العيص بسبب صلح الحديبية.
• النبي ﷺ يأبى إيواء الشباب الثائر وفاءًا بالعهد.
• الثوار يسيطرون على طريق القوافل ويشلون حركة التجارة في مكة.
• قريش تناشد عدوها الرسول الرحم ليتوسط لإِنهاء ثورة أبنائها ضدها فيفعل.
• موت قائد الثوار في معقله بعد توقف الثورة.
• قضية المهاجرات أثناء صلح الحديبية.
стр. 1937
ثوار المستضعفين في العيص (١).
كان النبي ﷺ عقب إبرامه صلح الحديبية التاريخي مع مشركى قريش في أواخر السنة السادسة من الهجرة، قد واجه امتحانًا شديدًا، تألم له المسلمون أشد الألم، وهو أن الرسول القائد ﷺ قد اضطر (وهو لا يزال في بطاح الحديبية) إلى أن يسلم الشاب المسلم الصالح (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) إلى أبيه سهيل المشرك، على كره منه ﷺ ومن أصحابه، لأن بنود صلح الحديبية تلزمه بذلك (٢) والوفاء بالعهد لأى كان من أهم أسس قواعد الأخلاق في الإِسلام، فليُسلَّم (إذن) أبو جندل المسلم إلى أبيه المشرك، لأن ذلك (على ما فيه من إثارة أعاصير من الآلام في نفوس المسلمين) أمر لا بد للنبي ﷺ من فعله، وفاءًا بما أعطى للمشركين من تعهد في صلح الحديبية.
امتحان آخر يواجهه الرسول ﷺ عقب صلح الحديبية .
غير أن امتحان الحديبية لم يكن الأخير. فعندما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة ولم يكد يستقر به المقام فيها عقب إبرام هذا الصلح. حتى واجه امتحانًا آخر. لا يقل صعوبة عن الامتحان الذي واجهه في بطاح الحديبية.
لقد كانت سجون مكة تعج بعشرات الشباب القرشيين الذين اختاروا لهم الإِسلام دينا. فغضب أهلوهم لذلك. فقاموا باعتقالهم وزجُّوا بهم في السجون والمعتقلات. بعد أن عجزوا عن إقناعهم بالارتداد عن الإِسلام إلى الوثنية.
стр. 1938
الثائر الأول على مشركى مكة .
وكان أبو بصير (عتبة بن أسيد الزهري) (١) أحد هؤلاء الشباب القرشيين السابقين إلى الإسلام. زج به قومه بنو زهرة في السجن لمفارقته دين الوثنية واعتناقه دين الإِسلام.
ولما تم إبرام صلح الحديبية وأجبرت قريش الشرك على الاعتراف بالمسلمين كأمة ذات كيان - بعد أن كانت قريش لا تنظر إليهم إلا كما تنظر إلى قطاع الطرق والخارجين على القانون - انتعشت آمال الشباب المسلم المقهور في سجون مكة. وصار هؤلاء الشباب يمنون النفس بالاستفادة من معطيات هذا الصلح.
وبدأ بعضهم يفكر في الهرب من سجون قريش بمكة ليلتحق بالأسرة الإِسلامية في المدينة كأعضاء فيها.
وكان أول من تمكن من الخلاص من سجن أهله بمكة الشاب المسلم (أبا بصير). وقد اتجه هذا الشاب المسلم إلى المدينة. وعندما وصل إليها قابل النبي ﷺ وطلب منه أن يمنحه حق اللجوء والإِقامة بين أسرته الكبرى. أسرة الإِسلام.
وكان بود النبي ﷺ أن يجيبه إلى طلبه. ولكن السماح له بالإِقامة في المدينة يناقض روح اتفاقية صلح الحديبية التي ينص أحد بنودها على أن يلتزم النبي ﷺ بعدم إيواء أحد في المدينة من أبناء قريش حتى وإن جاء
стр. 1939
مسلمًا ما لم يكن ذلك بموافقة وليه. وأنّ عليه ﷺ أن يعيده إلى أهله إذا ما طلبوا منه ذلك.
وهكذا كان مجئ الشاب الطيب المسلم (أبي بصير) لاجئا إلى المدينة امتحانًا ثانيا (وقاسيا) للنبي ﷺ ولأصحابه .. ذلك أنّ بني زهرة. قوم أبي بصير لم يكادوا يعلمون أنه التجأ (عقب هربه من سجنهم) إلى المدينة. حتى بعثوا في طلبه. وذلك في خطاب كتبه إلى النبي ﷺ اثنان من سادات بني زهرة (الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف) (١) طالبا فيه النبي ﷺ أن يعيد إليهم ابنهم أبا بصير. تنفيذًا لاتفاقية صلح الحديبية (٢).
وقد بعثا إلى النبي ﷺ بالخطاب مع رجلين من بني عامر بن لؤى وطلبا من الرسول ﷺ أن يسلمها (أبا بصير) ليعودا به إلى مكة تحت حراستهما.
стр. 1940
النبي ﷺ يسلم أبا بصير لقريش:
وبعد أن تسلم النبي ﷺ خطاب سيد بني زهرة. وعرف مضمونه. لم يسعه (وهو سيد من أبر وأوفى بالعهد) إلَّا أن يُسلم (أبا بصير) إلى رسولي قريش. وفاءًا بالعهد الذي أعطاه لها في الحديبية ..
فقد استدعى النبي ﷺ أبا بصير. فأخبره أنه لا بد له من أن يُسلمه لرسولى قريش ليعودا به إلى مكة. فقال أبو بصير (في حرقة وألم): يا رسول الله. أتردُّنى إلى المشركين يفتنوننى في دينى؟ ! .
فقال له النبي ﷺ : يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر. وإن الله جاعل لك ولن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. فانطلق إلى قومك (١).
كيف يصنع الإيمان الراسخ:
ولم يسمح إيمان الشاب أبي بصير الراسخ له بأن يناقش أو يجادل في أمر النبي ﷺ بل صدع به وألقى بيديه إلى مندوبى قومه من المشركين ليوثقاه كتافًا رغم علمه أن ذلك قد يعني إعدامه في سجون مكة.
فغادر أبو بصير المدينة في حراسة العامريين المشركين. وقد حز ذلك في نفسه ونفوس المسلمين (ما في ذلك شك). ولكنه الوفاء بالعهد. وأمر الرسول ﷺ الذي لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج عليه.
أبو بصير يقتل حارسيه ويعود إلى المدينة:
لقد كان أبو بصير شابًّا قويًّا وشجاعًا. مع ذكاء وفطنة. وإذا اجتمعت الشجاعة والقوة والفطنة والذكاء إلى الإِيمان الراسخ. كان لذلك أروع النتائج.
стр. 1941
لا شك أن أبا بصير - منذ أن أطاع أمر نبيه ﷺ فسلم نفسه إلى رسولي قومه المشركين - وهو يفكر في اتباع طريقة يتخلص بها من أسر حارسيه المشركين. بعد أن أبرأ ذمة نبيه ﷺ وجعله بعيدًا عن تهمة الإِخلال بالعهد. بانصياعه لأمر الرسول ﷺ بأن يسلم نفسه لمبعوثى قومه المشركين تمشيًا مع بنود صلح الحديبية .. وقد نفذ البطل أبو بصير فكرة التخلص هذه فتمكن من قتل أحد حارسيه. وانطلق يطارد الآخر الذي فر هاربا إلى المدينة.
وتفصيل ذلك أن هذا الشاب القرشي المؤمن عزّ عليه وثقل على نفسه أن يعود إلى بيئة الشرك وجوّ الوثنية العربيد الخانق. ليقذَفَ به من جديد في غياهب سجون الشرك في مكة. بعد أن نجاه الله منها حين أفلت من مكة. ولكن لا بد من مغادرة المدينة. كما هي أوامر الرسول ﷺ ورغبته المنبثقة من حرصه على الوفاء بالعهد الذي أعطاه مشركى مكة في اتفاقية الحديبية.
فغادر أبو بصير المدينة مع حارسيه المسلحين العامريين اللذين انطلقا به مكتوف اليدين نحو مكة. وفي مكان يقال له ذو الحليفة (أبيار على اليوم) وعلى بعد حوالي سبعة أميال من المدينة جلس الحارسان المشركان وأسيرهما المسلم (أبو بصير) ليأخذا قسطًا من الراحة.
وهناك أخذ أبو بصير يلاطف أحد حارسيه وكان الحارس مسلحًا بسيفه. وبعد أن تباسط في الحديث مع حارسه قال له (في ذكاء ولطف). أصارم سيفك هذا يا أخا عامر؟ .
قال العامري: نعم هو كذلك ثم هزه وقال (في زهو وغرور): لأضربن بسيفى هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل.
فاستأذنه أبو بصير ليفحص السيف قائلًا: أأنظر إليه؟ .
قال الحارس: إن شئت.
وهنا حل وثاق أبي بصير. وما كادت يده تقع على مقبض السيف حتى ضرب به حارسه العامري فأرداه قتيلًا. ثم شد على الحارس الثاني ليلحقه
стр. 1942
بصاحبه. ولكنه فر هاربًا مذعورًا إلى المدينة طالبًا النجاة. ودخل المسجد على النبي ﷺ فلما رآه النبي ﷺ والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه. قال ﷺ إن هذا الرجل قد رأى فزعًا. ثم قال له: ويحك ما لك؟
فقال: قتل صاحبكم صاحبى وأفلتُّ منه ولم أكد. وإني لمقتول. ثم طلب من النبي ﷺ أن يحميه من أبي بصير الذي كان في أثره فأمنه النبي ﷺ على حياته.
ولم يكد العامري المشرك يكمل حديثه في المسجد حتى طلع أبو بصير البطل متوشحًا سيف حارسه المشرك القتيل. ثم دخل على النبي ﷺ بعد أن أناخ البعير على باب المسجد. وأبلغ الرسول ﷺ تفاصيل ما حدث. ثم قال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدَّى الله عنك. أسلمتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه أو يعبث بي.
وكان الشاب أبو بصير (على ما يظهر) يحاول بهذا القول إقناع النبي ﷺ بأن يسمح له بالإِقامة في المدينة. ولا يجبره مرة أخرى على العودة إلى مكة.
وقد اقتنع النبي ﷺ بوجاهة رغبة أبي بصير. فلم يجبره على العودة إلى مكة ولكنه في الوقت نفسه لم يسمح له بالإقامة في المدينة لأن ذلك يناقض اتفاقية الحديبية. ولذلك فإن النبي ﷺ بعد أن شرح وجهة نظر أبي بصير - قال له: اذهب حيث شئت (١).
وقد طلب أبو بصير من النبي ﷺ أن يعتبر سلب العامري المشرك المقتول وبعيره غنيمة حرب فيخمسها كما تُخمَّس الغنائم، ولكن النبي ﷺ لم يفعل لئلا تفسر قريش ذلك نقضا للعهد الذي أعطاه النبي في الحديبية. فقد قال النبي ﷺ لأبي بصير: إذا خَمسته (٢) رأونى (أي
стр. 1943
قريشًا) لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال النبي ﷺ معجبًا بشجاعة وبسالة أبي بصير - (ويل أمه مسْعرِ (١) حرب لو كان معه رجال (٢)) كلمة تعنى الشجاع البطل القادر على خوض المعارك وقيادة الجيوش وليس معه رجال. مثل أبي بصير.
معقل الثوار ضد قريش:
وعندما علم أبو بصير أن الرسول ﷺ لن يسمح له بالإِقامة في المدينة. اختمرت في ذهنه فكرة الثائر السلم البطل الذي تأبى نفسه أن يعود مرة أخرى إلى ذل الشرك والعبودية. فنفذ هذه الفكرة في الحال.
فقد حمل سيف القتيل الشرك واستوى على بعيره الذي غنمه منه واتجه غربًا نحو العيص على ساحل البحر. حيث تكثر الأحراش والأشجار المتشابكة التي يسهل فيها على الثائر الاختفاء عندما يريد.
ولم يكن هدف أبي بصير من اختيار العيص مكانًا لإِقامته الاختفاء عن الأنظار. بل كان هدفًا أسمى وأعلى من ذلك وهو إعلان الثورة على قومه المشركين وشن حرب عصابات على قوافلهم التجارية الكبرى التي يتحكم في طريقها الوقع الذي اختاره أبو بصير معقلًا له.
واستقل الثائر الأول بنفسه. ليس له أية علاقة إدارية بالمسلمين (بسبب صلح الحديبية) وصار يشن الغارات من معقله في العيص على قوافل قريش التجارية ويفتك برجال هذه القوافل المشركين ويستولى على ما يحتاج إليه من الأموال التي تحملها القوافل ثم يعود إلى معقله في العيص.
وقد أخاف أبو بصير (وكان شجاعًا باسلًا) أخاف قريشًا إخافة شديدة. فصارت مكة لا ترسل قوافلها إلى الشام إلا تحت حراسة مشددة، ومع ذلك لم تنج هذه القوافل من الثائر البطل الأول أبي بصير.
стр. 1944
التحاق المستضعفين المسلمين بالثائر الأول في العيص:
وشاع ذكر عمليات الثائر أبي بصير ضد قوافل أهله من قريش وخاصة بين أهل مكة. فانتعشت آمال المستضعفين من المسلمين المسجونين في سجون الشرك بمكة في الخلاص من هذه السجون للالتحاق بالثائر الأول البطل أبي بصير.
وكان النبي ﷺ قد أشاد بشجاعة ورجولة أبي بصير (حينما تخلص من حارسيه بعد أن قتل أحدهما) فقال ﷺ : (ويل أمه مُسْعِرُ حرب لو كان معه رجال).
وقد كانت هذه الكلمة النبوية (بحق أبي بصير) فيها إشارة صريحة إلى أن النبي ﷺ سيقف من أعمال أبي بصير الحربية ومن قد ينضم إليه من الشباب القرشي المسلم القهور في سجون مكة. موقف الحياد - ما دام صلح الحديبية قائمًا بين المسلمين وقريش - وأنه لن يمنحهم حق اللجوء السياسي (إن صح هذا التعبير) كما أنه لن يكون (من ناحية أخرى) مسئولًا عن ما قد يقومون به من أعمال عسكرية ضد أهاليهم من المشركين.
ولما علم الشباب القرشي المسلم (من المعتقلين في سجون مكة) بقصة أبي بصير وإعجاب النبي ﷺ به وبشجاعته وبسالته وقوله لذلك (ويل أُمِّه مسعّر حرب لو كان معه رجال! ) وأن أبا بصير قد باشر الثورة المسلحة بنفسه ضد مشركى مكة في العيص. بذل هؤلاء الشباب جهدهم حتى تخلصوا (الواحد تلو الآخر) من سجون أهاليهم المشركين في مكة.
وصاروا كلما تمكن أحدهم من الهرب من سجون الشرك بمكة انضم إلى الثائر الأول (أبي بصير في العيص). ولم تمض عدة أشهر حتى اجتمع إلى أبي بصير - من شباب قريش وحدهم سبعون شابًّا. كلهم هرب من
стр. 1945
سجون مكة. وعلى رأسهم (أبو جندل بن سهيل بن عمرو) (١).
ارتفاع عدد ثوار العيص إلى ثلاثمائة:
وقد انضم إلى ثوار قريش في العيص رجال من غفار وجهينة وطوائف أخرى حتى بلغوا ثلاثمائة. تمركزوا جميعهم في منطقة العيص دون أن تكون لهم أية صلات إدارية بالنبي ﷺ رغم أنهم على دين الإِسلام.
أبو بصير قائد الثوار:
وعندما بلغت قوات ثوار العيص إلى هذا العدد (ثلاثمائة مقاتل) أسندوا أمرهم إلى الثائر الأول البطل أبي بصير الزهري. فانتخبوه قائدًا عامًا لهم يأتمرون بأمره.
فقبل أبو بصير هذا التكليف وعين (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) نائبًا له في قيادة الثورة ضد قريش الشرك.
ثم قام أبو بصير القائد بتنظيم هؤلاء الثوار وجعل منهم قوة حربية وفصائل منظمة. اتبعت في ثورتها على مشركى مكة أسلوب حرب العصابات. فصارت هذه الفصائل تقوم على الدوام بمراقبة عير قريش الذاهبة من مكة إلى الشام والعائدة منها إلى مكة.
стр. 1946
سيطرة الثوار على طريق القوافل:
وقد أحكم ثوار العيص السيطرة على طريق القوافل بين مكة والشام. وصاروا لا يمر بهم أحد من مشركى قريش فيظفرون به إلا قتلوه. ولا تمر بهم قافلة) غريش إلّا واستولوا عليها. حتى أصيبت تجارة قريش (التي هي عمود حياتها الفقرى) بضربة قاصمة. فانهارت اقتصاديات مكة وتناقصت فيها المواد الغذائية حتى أصبح شبح المجاعة يهدد أهل مكة. نتيجة وقوع أكثر أموالهم المعدة للتجارة في أيدى ثوار العيص المسلمين الذين يقودهم أبناء مكة أنفسهم ضد أهليهم الذين سجنوهم ونكلوا بهم لاتباعهم دين الإِسلام.
موقف المدينة من ثوار العيص:
ووقفت المدينة موقف الحياد التام من غارات هؤلاء الثوار المسلمين على قوافل قريش. فصلح الحديبية التزم فيه النبي ﷺ بأن لا يئوى أحدًا من أبناء قريش في المدينة بغير إذن أهله. حتى وإن كان مسلمًا. وقد طبق الرسول ﷺ هذا الالتزام نصًّا وروحًا حين أعاد أبا بصير إلى قريش وأسلمه إلى حارسيه العامريين كما تقدم. وحتى عندما تمكن أبو بصير من الإِفلات من حارسيه وقتل أحدهما خارج المدينة. وعاد إليها لم يسمح له النبي ﷺ بالإِقامة فيها. لأن ذلك يخالف روح اتفاقية الحديبية. والرسول ﷺ لا يمكن أن يأتي منه عمل يخدش العهد الذي أعطاه. فضلًا عن أن يأتي منه ما ينقضه.
كذلك فإن الرسول ﷺ ليس مسئولًا عن أية أعمال عسكرية يقوم بها مسلمون من أبناء قريش أنفسهم أو من غيرهم ممن لم يكونوا قد هاجروا واتخذوا المدينة دارًا لهم. وأصبحوا أصحابًا للنبي ﷺ . فالرسول ﷺ إنما أعطى العهد في الحديبية لقريش عن نفسه وعن أصحابه في المدينة. أما أبناء قريش الذين هم قادة الثورة ضد المشركين من أهلهم فليس الرسول مسئولًا عن أعمالهم الحربية ضد أهاليهم.
стр. 1947
استقلال الثوار في العيص:
وظل ثوار العيص المسلمون يديرون شئونهم بأنفسهم - بقيادة أبي بصير ونائبه أبي جندل - ليست لهم أية صلة إدارية بالمدينة. بسبب صلح الحديبية الذي التزم فيه المسلمون كما التزم فيه المشركون بأن لا يباشر أحد الطرفين ضد الآخر أية أعمال حربية لمدة عشر سنوات.
ولهذا فإن ثوار العيص الأبطال لم يفكروا في الاتصال بالنبي ﷺ بشأن أعمالهم العسكرية التي يقومون بها ضد قريش. أو بشأن ما يغنمون من أموال هؤلاء القرشيين. لا سيما بعد أن أبلغ الرسول ﷺ الثائر الأول (أبا بصير) أن اعتباره ﷺ سلب العامري (الذي قتله أبو بصير) وبعيره غنيمة يخمِّسها فيه مخالفة لاتفاقية صلح الحديبية. ولهذا لم يقبله الرسول ﷺ .
حكومة العيص المستقلة:
ولهذا يمكننا (إذا تجاوزنا في التعبير) أن نقول: إن ثوار العيص قد أنشأوا لهم (في العيص) ما يشبه الحكومة المستقلة قوام جيشها (الذي هو أيضًا شعبها) ثلاثمائة رجل. أقضوا مضاجع القرشيين في مكة وشلوا حركتهم التجارية. بعد أن ألحقوا بهم الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال، بينما ظلوا (في قرارة أنفسهم) على ولاء كامل لحكومة الرسول ﷺ في المدينة.
وإذا كانت المدينة (بدون ما تدبير من حكومتها) قد استفادت (عسكريًا وسياسيًا) من نشاط الثوار في العيص. لارتباطها بهؤلاء الثوار عقائديًا. إذ هم (في الواقع) محسوبون عليها ومنها وإليها (كمسلمين) حال وفاء النبي ﷺ لكفار مكة بالعهد الذي أبرمه معهم في الحديبية دون استقبالهم وإيوائهم في المدينة. فإن المعسكر القرشي بمكة قد تضرر إلى أبعد الحدود واشتد جزعه بعد أن أصيب بأفدح الخسائر في الأرواح والأموال.
стр. 1948
شرط .. هم اشترطوه فعاد عليهم بالوبال:
بالرجوع إلى مقدمات صلح الحديبية التاريخي وإلى ما واكب هذا الصلح من عناد وتعنت أبداه الجانب القرشي في المفاوضة. وبالرجوع إلى بنود هذا الصلح الذي تم إبرامه بين المسلمين وبين مشركى قريش في السنة الخامسة من الهجرة. نجد أن قريشًا قد أصرت على إملاء شرط رأت أنه انتصار لها. ورأى المسلمون أن قبول النبي ﷺ به فيه مساس بكرامتهم فنزل بهم لذلك هم عظيم. فعارضوا الصلح أشد المعارضة. ولكن النبي ﷺ (رغم ذلك) قبل بهذا الشرط الذي يلزم المسلمين بأن لا يقبلوا ولا يؤوا في المدينة أحدًا جاءهم من أبناء قريش وأن يعيدوه إلى أهله المشركين حتى وإن جاء مسلمًا.
وعلى هذا الأساس (وبموجب هذا البند) لم يسح النبي ﷺ لأبي بصير بالإِقامة في المدينة عندما جاء مسلمًا فارًا من سجون الشرك في مكة. بل أعاده إلى قريش عندما بعثوا في طلبه. ولكنه تمكن من قتل أحد حارسيه (كما تقدم) ثم تحول إلى ثائر في العيص ضد أهله المشركين بعد أن رفض النبي ﷺ للمرة الثانية إيواءه في المدينة. فالتحق به في العيص كل المستضعفين في سجون مكة من المسلمين.
وهنا شعر وأدرك قادة قريش أن هذا الشرط الذي أملاه عنادهم وكبرياؤهم الجاهلى ففرضوا إدراجه ضمن شروط صلح الحديبية (١) قد عاد عليهم بأوخم العواقب.
حيث كان التزام النبي ﷺ بهذا الشرط وتنفيذه له سببًا في اندلاع نيران ثورة مسلحة ضد مشركي مكة. قام بها في العيص أولئك الرجال المسلمون من قريش نفسها. والذين رفض النبي ﷺ إيواءهم في المدينة وأعلن أنه سيعيد إلى قريش كل من جاءه منهم تطبيقًا للشرط الذي أملته قريش في الحديبية وقبل به.
стр. 1949
فاضطر هؤلاء المسلمون المستضعفون - بعد أن تمكنوا من الإِفلات عن سجون مكة - إلى أن يلجأوا إلى مكان يجعلهم في مأمن من الوقوع مرة أخرى تحت سلطان المشركين من أهاليهم الذين نكلوا بهم وأهانوهم لاتباعهم دين الإِسلام ونبذهم دين الوثنية.
برلمان قريش يبحث أمر الثورة في العيص .
وعندما استفحل أمر ثوار العيص ضد مشركي مكة عقد برلمان مكة جلسة تدارس فيها الوضع المتردى الذي نتج عن ثورة العيص ضدهم. إلا أنهم في بحثهم وتشاورهم لحل مشكلة هذه الثورة المسلحة وصلوا إلى طريق مسدود.
فالرسول ﷺ لم تكن هذه الثورة ضمن نطاق سلطان حكومته حتى تحمله قريش مسئوليتها وتطلب منه إيقافها تنفيذًا لشروط صلح الحديبية. بل إن هذه الثورة لم يندلع لهبها ضد مشركى مكة إلا بسبب أن الرسول ﷺ وفّى لقريش بشرطها فرفض قبول هؤلاء الشباب وإيواءهم في المدينة رغم أنهم مسلمون هاجروا من مكة فرارًا بدينهم.
وقريش ليس في مقدورها أن تجرد الجيوش لقمع ثورة هؤلاء الثوار في العيص من أبنائها. فما العمل إذن؟ .
تداول زعماء قريش الرأي فيما بينهم (بدار الندوة) فاتفقوا على أنه لم يكن من سبب للمتاعب الخطيرة التي يعانون منها سوى الشرط المتعسف الذي أملاه كبرياؤهم الجاهلي فأصروا على إدراجه ضمن شروط الصلح في الحديبية. والذي يلزم الرسول ﷺ بأن لا يؤوى ولا يقبل أحدًا من أبنائهم جاءه إلى المدينة وأن يعيده إليهم (إذا طلبوا تسليمه) حتى وإن كان مسلمًا.
стр. 1950
قريش تلتمس من الرسول إلغاء الشرط الذي أصرت عليه .
ولهذا قرروا بالإِجماع أن يتقدموا إلى الرسول ﷺ بالتماس يطلبون فيه منه التكرم عليهم بقبول إلغاء البند الثامن من معاهدة الحديبية والذي أصروا في عناد على إدراجه في العاهدة والقاضي بعدم إيواء أي من أبنائهم في المدينة حتى وإن جاء مسلمًا.
وقرروا. أن يناشدوا الرسول ﷺ الرحم بأن يطلب من أبنائهم الثوار في العيص أن يتركوا مواقعهم في الساحل ويعودوا إلى المدينة. لأنه لا سبيل إلى إنهاء ثورة أبنائهم العارامة ضدهم إلا بأن يطلب الرسول ﷺ من هؤلاء الثوار المجئ إلى المدينة.
أبو سفيان رسول قريش في المدينة .
وبناء على القرار الذي اتخذه برلمان مكة (دار الندوة) اتفق زعماء عشائر قريش على أن يكتبوا رسالة ويوفدوا بها أحد كبارهم إلى المدينة ليسلمها إلى الرسول ﷺ . وكان هذا المبعوث هو أبا سفيان بن حرب الذي توجه إلى المدينة يحمل إلى النبي ﷺ رسالة قريش التي تتضمن الرجاء أن يطلب النبي ﷺ من ثوار العيص المجئ إلى المدينة وترك مواقعهم في الساحل. كما تضمنت هذه الرسالة قبول قريش بإسقاط الشرط المتعنت الذي كان من وحى عنادها وصلفها.
فقد جاء في هذه الرسالة قول قريش يخاطبون الرسول ﷺ وهم يستعطفونه ويسترحمونه -: "أننا أسقطنا هذا الشرط من الشروط. من جاء منهم (أي المسلمين من قريش) إليك فأمسكه في غير حرج فهو آمن إن هؤلاء الركب (يعني ثوار العيص) قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره (١).
إننا نسألك بالأرحام إلا ما آويتهم فلا حاجة لنا بهم" (٢).
стр. 1951
انتهاء الثورة وعودة الثوار إلى المدينة .
وعندما سلم أبو سفيان بن حوب النبي ﷺ رسالة قومه وعرف مضمونها. لم يتردد في الاستجابة لرجاء قومه الذين ناشدوه الرحم. ولم يساوم، ولم يبد أي تشدد إزاء استرحام قومه بالرغبم من أن بقاء ثوار العيص في معاقلهم يسبب أفدح الخسائر في الأرواح والأموال لقريش الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بالنبي ﷺ وأصحابه والتنكيل بهم إلا واتبعوها.
ولكن أنَّى للأحقاد أن تجد سبيلها إلى قلب رجل أرسله الله رحمة للعالمين. هدفه هداية قومه وإنقاذهم من الضلال لا التنكيل بهم؟ .
أليس هو الذي يقول (وهو في أشد حالات المحنة في مكة من قومه): "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون"؟
وانطلاقًا من روح التسامح وطرح الضغائن والأحقاد جانبًا. استجاب الرسول ﷺ لرجاء قومه. فكتب إلى قائد الثوار في العيص (أبي بصير ونائبه أبي جندل) أن يتركا مواقعهما ويقدما عليه في المدينة برجالهما.
قائد الثوار يموت وهو يقرأ كتاب رسول الله ﷺ -
وذكر أن كتاب رسول الله ﷺ هذا إلى قائد الثورة - (أبي بصير) وصل وهذا القائد البطل في حالة الاحتضار من مرض ألم به. ففض الكتاب وشرع في قراءته إلا أن روحه الطاهرة فاضت إلى باريها وكتاب الرسول ﷺ في يده. ومات "على ما يظهر" قبل أن يكمل قراءته.
فتسلمه نائبه أبو جندل بن سهيل بن عمرو. الذي حل محله في قيادة الثوار. فقرأه .. ثم قام الثوار بدفن الثائر الأول البطل "أبي بصير" في معقل الثوار بالعيص. وبعد ذلك تولى أبو جندل تنفيذ أمر الرسول ﷺ فأمر بإنهاء النشاط المسلح ضد مشركى مكة. وأبلغ جنوده بأن تلك هي رغبة الرسول الأعظم ﷺ .
فأطاع الجميع الأمر. ثم اتجه أبو جندل بشباب قريش المسلمين نحو
стр. 1952
المدينة وكانوا سبعين رجلًا. بينما قرر بعض الثوار من غير القرشيين العودة إلى باديتهم. وكان من بين ثوار العيص الشباب. الوليد بن الوليد المخزومي. أخو خالد بن الوليد. الذي مات عند وصوله المدينة من جرح أصابه فانقطعت له أصبعه عندما عثر في الحرَّة. فربط رجله وهو يقول:
هل أنت إلا أصبُعٌ دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيت (١)
انكشاف الغطاء أكثر فأكثر:
وبما آل إليه ثوار المستضعفين في العيص. وما وصلوا إليه من قوة ومنعة أقضّت مضاجع قريش الكفر، وجعلتهم يطلبون (صاغرين) من الرسول الأعظم ﷺ مسترحميه ومناشديه الرحم أن يسقط الشرط الذي أملوه في الحديبية (كبرياء وصلفًا) وهو الشرط الذي تضايق منه الأصحاب أشد التضايق وعارضوا الصلح تلك المعارضة الشديدة ... نعم بالمكاسب العظيمة التي حققها ثوار العيص ضد طغيان الوثنية. التي انحنت (صاغرة) فطلب زبانيتها إلغاء الشرط الذي أملوه في الحديبية (بغيا وبطرا ورياء الناس) تكشفت الحقائق أكثر فأكثر وانكشف للصحابة الذين قصرت مداركهم عن المدى الذي بلغه فهم وإدراك أشرف الناس محمد ﷺ حينما قبل هذا الشرط.
وازداد يقين هؤلاء الأصحاب أن طاعة رسول الله ﷺ خير مما أحبوه يوم الحديبية من عدم القبول بشرط قريش ذاك الذي لولا إصرار قريش على وضعه ضمن بنود معاهدة الصلح في الحديبية. ما اندلعت ثورة المستضعفين في العيص. والتي أنزل فيها هؤلاء الثوار البواسل بالمعسكر القرشي أفدح الخسائر في الأرواح والأموال.
فقد كانت هذه الثورة لصالح المعسكر الإسلامى في المدينة، استفاد منها فائدة كبرى دون أن تكون له يد فيها، ودون أن يتعرض لأيّ اتهام بأنه
стр. 1953
أخل بالالتزامات التي التزم بها النبي ﷺ في صلح الحديبية.
وقد قرّت عين أبي جندل بن سهيل بن عمرو (نائب قائد الثورة) قرّت عينه وأعين إخوته من شباب قريش المسلمين بما حققته ثورتهم في العيص من مكاسب بها انتصفوا لأنفسهم ولدينهم من قاهريهم ومضطهديهم المشركين.
فقد عاد أبو جندل وإخوته الثوار من العيص إلى المدينة مرفوعة رءوسهم .. وكأنى بأبي جندل -وهو يدخل المدينة مشرق الوجه قرير العين- يستعرض ذكريات الحديبية المؤلمة، ويتذكر على وجه الخصوص ما قاله النبي ﷺ وهو يعيده إلى أبيه المشرك مكبلًا يرسف في قيوده الحديدية. تنفيذًا للعهد الذي أعطاه المشركين في وثيقة الصلح: "إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا وإنا لا نغدر بهم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا".
فها هو أبو جندل الشاب المؤمن الصابر المحتسب يرى ما وعده ول الرسول ﷺ في الحديبية حقيقة ماثلة، فقد جعل الله لأبي جندل ومن معه من شباب الإِسلام القرشي المظلوم المضطهد فرجًا ومخرجًا.
فها هم (بعد أن نجاهم الله من سجون الإِرهاب الشركية في مكة) يتوافدون من العيص على المدينة مفعمة قلوبهم بالغبطة والسرور للسماح لهم بالاندماج في أسرتهم الإسلامية الكبرى, بعد أن شفى الله غيظ قلوبهم من أعداء الله المشركين الذين قد ساموهم سوء العذاب في سجون مكة ومعتقلاتها، لأنهم كانوا فضلوا التوحيد على الشرك.
وهكذا جنى مشركو مكة ثمار تجبرهم وتصلفهم - شرًّا وبلاءًا. وقطف المؤمنون الصابرون ثمرة صبرهم واحتسابهم عزًّا في الدنيا وفلاحًا في الآخرة بفضل الله ثم بفضل إطاعتهم أوامر نبيّهم ﷺ وصبرهم على البلاء في سبيل الاحتفاظ بعقيدتهم النقية الصافية عقيدة التوحيد.
стр. 1954
شأن المستضعفات من النساء المسلمات المهاجرات
وقبل فتح مكة "وفي تاريخ لا نعرف تحديده، ولكنه كان بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة"، نزل التشريع من السماء بالتفريق بين المرأة المسلمة وزوجها الكافر.
كما نزل بتحريم إجراء أية زيجة بين امرأة مسلمة ورجل كافر من أية طائفة كان.
هجرة النساء بعد الحديبية
وسبب ذلك أن أم كلثوم (١) بنت عقبة بن أبي معيط (٢) كانت قد أسلمت بمكة وبايعت النبي ﷺ قبل أن يهاجر إلى المدينة. وكانت من خيرة النساء - رغم أن أباها كان "حتى قتل" رأسًا من رؤوس الكفر -.
فلما عقد النبي ﷺ صلح الحديبية وأمن جانب قريش بعد هذا الصلح، هاجرت أم كلثوم هذه من مكة إلى المدينة. فكانت أولَ امرأة مهاجرة بعد صلح الحديبية. وكانت أم كلتوم أختًا لعثمان بن عفان لأمه.
стр. 1955
وكانت هذه الفتاة الصالحة الفاضلة تعلم ما تضمنه صلح الحديبية من شرط ينص على التزام النبي ﷺ بعدم إيواء أحد من أبناء قريش في المدينة حتى وإن جاء مسلمًا إلا بإذن أهله.
فكانت تخشى أن يردها رسول الله ﷺ إلى المشركين - تنفيذ لهذا الشرط - وقد أبدت تخوفها هذا لأم المؤمنين أم سلمة، لأنها إنما جاءت من مكة فرارًا بدينها. غير أن النبي ﷺ طمأنها بعد أن أخبرته زوجه أم سلمة قصتها.
كيف يكون أثر الإِيمان عندما يتمكن من النفوس
إن قصة الفتاة أم كلثوم وهجرتها إلى الله ورسوله. وتحمُّلها في سبيل ذلك من الأخطار وعزمها على أن تهاجر وحدها. فتقطع أكثر من ثلاثمائة ميل مشيًا على الأقدام. ورغم ما في ذلك من أخطار عليها وهي المرأة الضعيفة (وكل النساء بطبعهن ضعيفات) .. إن قصة هجرتها قصة شيِّقة. فيها تتجسد التضحية البالغة بركوب المخاطر في سبيلِ الحفاظ على العقيدة التي إذا رسخت في القلوب وأشرقت بنور ربها تجعل معتنقها وكأنه خلق خلقًا جديدًا. فهذه فتاة شابة في مقتبل العمر. عندما لامس الإسلام قلبها ورسخت عقيدته الصافية في نفسها نسيت أهلها ووطنها. ولم يكن لها هم إلا ترك دار الكفر والالتحاق بالرسول ﷺ في (المدينة)، رغبة في الحفاظ على عقيدتها التي كانت -كما صرحت هي لدى وصولها المدينة - تخشى أن يطالها الإِرهاب والتعذيب فتفتن - لضعفها - فتفارق الإِسلام. الذي مفارقتا لروحها أهون عليها من أن تفارقه وتخرج منه. ولهذا تركت مكة وقررت أن تهاجر إلى المدينة (مشيًا على الأقدام بمفردها). رشرعت - فعلًا - في الهجرة، إذ غادرت مكة (خلسة) مصممة على أن تقطع تلك المسافة البعيدة المحاطة بالأخطار الجسام وحدها، لولا أن الله قيّض لها رجلًا شهمًا نبيلًا وعفا كريمًا ومن معدن قلّ أن يوجد مثله في الرجال ... رجلًا ما كانت تعرفه ولا يعرفها. فكان لها خير راع وحارس أمين حتى أوصلها المدينة ثم عاد من حيث أتى دون أن تعرف اسمه
стр. 1956
إلا أنه من خزاعة حلفاء الرسول ﷺ . ولما في قصة هجرة هذه الفتاة البَرّة الصالحة الصادقة الإِيمان من دروس في الثبات على العقيدة ولما في قصة الرجل الخزاعي من شهامة ونبل وأريحية مما يستضاء به في دروب الرجولة الحقة. سنورد هذه القصة بكاملها كما رواها الواقدي.
أول مسلمة تهاجر بعد صلح الحديبية .
قال الواقدي: قالوا: لا نعلم قرشية خرجت بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله إلا أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، كانت تحدث تقول: كنت أخرج إلى بادية لنا بها أهلى، فأقيم بها الثلاث والأربع، وهي ناحية التنعيم -أو قالت بالحصاص ثم أرجع إلى أهلى فلا ينكرون ذهابى، حتى أجمعت المسير، فخرجتُ يومًا من مكة كأني أريد البادية التي كنت فيها، فلما رجع من تبعنى خرجت حتى انتهيت إلى الطريق، فإذا رجل من خزاعة فقال: أين تريدين؟ كما ققلت حاجتى فما مسألتك؟ ومن أنت؟ . فقال: رجل من خزاعة. فلما ذكر خزاعة اطمأننت إليه، لدخول خزاعة في عهد رسول الله ﷺ وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش أريد اللحوق برسول الله، ولا علم لي بالطريق. فقال: أهل الليل والنهار (١) أنا صاحبك حتى أوردك المدينة. ثم جاءنى ببعير فركبته، فكان يقود بي البعير، لا والله ما يكلمنى كلمة، حتى إذا أناخ البعير تنحّى عنى، فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده في الشجرة وتنحى عنى، حتى إذا كان الرواح جذع (٢) البعير فقربه وولى عنى، فإذا ركبته أخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى نزل، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة، فجزاه الله خيرًا من صاحب، فكانت تقول: نعم الحي خزاعة! قالت: فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﷺ وأنا متنقبة، فما عرفتنى حتى انتسبت وكشفت النقاب فالتزمتنى وقالت: هاجرت إلى الله وإلى رسوله؟ . فقلت: نعم، وأنا أخاف أن يردنى رسول الله ﷺ إلى المشركين كما رد غيرى من
стр. 1957
الرجال: أبا جندل بن سهيل، وأبا بصير، وحال الرجال يا أم سلمة ليس كحال النساء، والقوم مصبحى، قد طالت غيبتى عنهم اليوم ثمانية أيام منذ فارقتهم، فهم يبحثون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبوننى، رحلوا إلى فساروا ثلاثًا.
قال الواقدي: فدخل رسول الله ﷺ على أم سلمة، فأخبرته أم سلمة خبر أم كلثوم، فرحب بها رسول الله ﷺ ، وقالت أم كلثوم يا رسول الله، إني فررت بدينى إليك فامنعنى ولا تردنى إليهم يفتنوننى ويعذبونى، فلا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة وضعف النساء إلى ما تعرف، وقد رأيتك رددت رجلين (تعنى أبا جندل وأبا بصير) إلى المشركين حتى امتنع أحدهما، وأنا امرأة.
مطالبة المشركين بإعادة أم كلثوم
وعندما اختفت أم كلثوم من مكة وعلم أهلها أنها هاجرت إلى الله ورسوله بعثوا لاسترجاعها أخويها الوليد وعمارة ابنى عقبة، تنفيذًا لبنود صلح الحديبية.
ويظهر أن الرسول ﷺ كان عازمًا على إرجاع أم كلثوم إلى أهلها بمكة لولا أن القرآن نزل بتشريع جديد. نبه الرسول ﷺ إلى أنه إذا كان لا بد من إعادة الرجال إلى أهدهم بمكة (بموجب الاتفاقية) فإنه لا يجوز إعادة النساء المؤمنات (مطلقًا) وخاصة اللواتى تطلب قريش إعادتهن لمعاشرة أزواج مشركين لأنه من المحرم (بموجب التشريع الجديد) أن ينكح المشرك مسلمة أو ينكح المسلم مشركة.
والنص القرآنى الذي نزل - عقب هجرة أم كلثوم وحل مشكلتها - هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١).
стр. 1958
تسوية أمر النساء بالتراضى مع قريش .
غير أن القرآن عند نزوله بهذا التشريع الجديد أمر بإرضاء كل رجل مشرك من أهل مكة له زوجة مسلمة تركته وهاجرت. أمر بأن تدفع الدولة لهذا الشرك (بسبب قيام صلح الحديبية) كل ما أنفقه صداقًا لزوجته التي أصبحت (بحكم القانون الجديد في الإِسلام) مطلقة عنه ومحرمة عليه. فقال تعالى وأمر بهذه المراضاة: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١).
وضمن التشريع الجديد الذي جاءت به سورة المتحنة حرم الله على أيّ رجل مسلم أن يعاشر أية زوجة ظلت على شركها، كما حرم التزوج من أية امرأة مشركة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢).
كيف رضيت قريش بعدم إرجاع النساء
وقد ذكر المؤرخون أنه على أثر هذا التشريع الجديد. أبلغ الرسول ﷺ أخوى أم كلثوم (عمارة والوليد) بهذا التشريع وما نزل فيه عن أمر بالتعويض للأزواج المشركين من أصحاب عهد الحديبية. فذهبا إلى مكة وأبلغا قريشًا بذلك فقبلوا بهذه التسوية وكفّوا عن المطالبة بإعادة النساء بعد أن رضوا كلهم بهذا الحكم (٣).
ثم إن قصة أم كلثوم بنت عقبة لم تمض عليها أسابيع قليلة حتى جاءت قريش، نفسها تبلغ الرسول ﷺ تنازلها عن شرط إعادة من جاءه من أبنائها والذي تضمنته العاهدة .. وذلك على أثر اندلاع ثورة المستضعفين المسلمين القرشيين المسلحة في العيص كما تقدم فأصبح النبي ﷺ عقب ذلك غير ملزم لقريش بإعادة النساء ولا بإعادة الرجال إلى أهاليهم في مكة.
стр. 1959
ولم تكن أم كلثوم التي (بسببها نزل هذا التشريع) متزوجة ولكن التشريع نزل عامًا وشمل مواضيع عدة .. وقد زوج النبي ﷺ "أم كلثوم القرشية زيد بن حارثة" (١).
تطليق النساء المشركات
وكان الصحابة (قبل نزول هذا التشريع) بعضهم متزوجًا من نساء مشركات مقيمات في مكة. ولكن بعد نزول هذا التشريع بوجوب فسخ وعدم شرعية أية زيجة بين رجل مسلم وامرأة مشركة. قام كل رجل مسلم بتطليق امرأته المشركة.
ومن هؤلاء الصحابة. عمر بن الخطاب، طلق زوجتين له .. أم كلثوم بنت جرول الخزاعية أم عبيد الله بن عمر، فتزوجها أبو الجهم بن حذيفة بن غانم وهما على شركهما. وقريبة بنت أبي أمية بن المغيرة. فتزوجها معاوية بن أبي سفيان قبل أن يسلم.
التزوج من الكتابيات
وظل هذا التشريع معمولًا به، فصار من المحرم - أبد الآبدين - أن تتزوج امرأة مسلمة من أي رجل كافر. مهما كانت الطائفة التي ينتمى إليها. كما ظل كذلك من المحرم على أيّ مسلم أن يتزوج من غير مسلمة، إلا الكتابية (اليهودية والنصرانية) وذلك لتخصيص التحريم العام بآية أخرى نزل بها القرآن وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢).
стр. 1960
سرية الخبط (١) شهر رجب سنة ثمان للهجرة
من الحملات العسكرية التي قام بها جيش الإِسلام عقب غزوة مؤتة وقبل فتح مكة. سرية قادها أبو عبيدة بن الجراح إلى ديار جهينة على ساحل البحر الأحمر.
فقد استدعى النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء القيادة على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار. فيهم عمر بن الخطاب. وأمره بأن يتوجه بسريته للإِغارة على جُهينة التي كانت حتى ذلك العهد تدين بالوثنية. وكانت منازلهم المقصودة بالإِغارة على بعد خمس ليال من المدينة.
ومن الجدير بالذكر أن رجال هذه السرية كانوا كلهم من المشاة. ولم يكن لديهم من الخيل أو سلاح النقل سوى عدة جال. يحملون عليها زادهم (٢).
ولم يذكر أحد من المؤرخين (فيما بلغني) أن سرية أبي عبيدة خاضت أيّ قتال ضد قبيلة جُهينة. إلا أن سياق المؤرخين يدل على أن أبا عبيدة وصل برجاله إلى ديار جُهينة. حيث جاس خلال المناطق الساحلية على بحر القلزم (البحر الأحمر) وهي مناطق تابعة لجُهينة.
ويذكر المؤرخون أن رجال السرية المذكورة قد نفد زادهم قبل أن يصلوا إلى منازل جهينة حتى أنهم (لشدة الفاقة) يأكلون الخبط الذي باسمه سميت السرية.
قالوا: فأكلوا الخبط وهو يومئذ ذو مشرة (٣) حتى أن شدق أحدهم
стр. 1961
بمنزلة مشفر البعير، فمكثنا على ذلك حتى قال قائلهم: لو لقينا عدوًا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد (١).
الكرم الأنصاري .
وفي هذه الغزوة التي أشرف فيها الجيش على الهلاك من الجوع. تجلى الكرم الأنصاري الذي خلد الله تعالى ذكر أصحابه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فقد كان ضمن جنود هذه الحملة. قيس بن سعد بن عبادة سيد الخزرج. والمشهور بالكرم في الجاهلية والإِسلام.
فعندما رأى قيس بن سعد (وكان شابًّا يافعًا لا مال له) ما أصاب رجال السرية من جوع. ذهب إلى أحد الأعراب من فخيذة جُهنية موادعة للمسلمين. وطلب منه أن يبيعه عددًا من الجمال لينحرها للجيش على أن يدفع ثمنها للأعرابي تمرًا في المدينة. فقال الجهني لقيس بن سعد: والله ما أعرفك ومن أنت؟ .
قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهني: ما أعرفتنى بنسبك. أما إنَّ بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب. فابتاع منه خمس جزر. كل جزور بوسقين من تمر. يشرط عليه البدوى، تمر ذخيرة مصلبة (٢). من تمر آل دليم. قال يقول قيس: نعم. فقال الجهني: فاشهد لي. فأشهد له نفرًا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال قيس: أشهد من تحب. فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب، فقال عمر: لا أشهد. هذا يُدان ولا مال له، إنما المال لأبيه. قال الجهني. والله ما كان سعد ليخنى (٣) بابنه في سِقة من تمر! وأرى وجهًا حسنًا وفعالًا شريفًا. فأخذ قيس الجزر فنحرها في مواطن ثلاثة، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال: تُريد أن تخفر
стр. 1962
ذمتك ولا مال لك؟ . عزمت عليك أن لا تنحر. فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت - وهو يقضى ديون الناس ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة لا يقضى سِقَة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله! فكاد أبو عبيدة أن يلين له ويتركه حتى جعل عمر يقول: أعزم عليه! فعزم عليه فأبى عليه أن ينجر فبقيت جَزوران معه. فقدم بهما قيس المدينة ظهرًا (١) يتعاقبون عليها.
قالوا: وبلغ سعدًا ما كان أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟ . قال: نحرت قال: أصبت انحر! فقال قال: ثم ماذا! قال نحرت. قال: أصبت! قال: ثم ماذا؟ قال: ثم نحرت. قال: أصبت انحر! قال: ثم ماذا؟ قال نُهِيت. قال ومن نهاك؟ ! قال: أبو عبيدة بن الجراح أميرى. قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك. فقلت أبي يقضى عن الأباعد ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بي! . قال سعد: فلك أربع حوائط (٢) قال وكتب له بذلك كتابًا. وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه. وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه. قالوا: وأدنى حائط منها يجذُّ خمسين وسقا وقدم البدوى مع قيس فوافاه سِقَتَه. وحمله وكساه فبلغ النبي ﷺ فعل قيس فقال: إنه في بيت جود.
قصة الحوت العظيم في هذه الغزوة .
وذكر بعض الصحابة الذين في جيش أبي عبيدة أنهم لما جهدوا من الجوع أخرج الله لهم حوتًا مثل الظرب (٣) (بفتح أوله كسر ثانيه) فأكل الجيش منه. قال عبادة بن الصامت: أقمنا عليه عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا.
وذكر أصحاب السير والمغازي: إن هذا الحوت كان عظيمًا إلى درجة
стр. 1963
أن خمسة من الصحابة دخلوا إحدى عينيه فوسعتهم. وصار خمسة رجال يقفون في حلق هذا الحوت بالمجاريف يجرفون الشحم .. وذكر البعض أن هذا الحوت هو المسمّى بالعنبر.
وذكر أصحاب السير أن أمير الجيش أبا عبيدة أمر أن ينصب ضلع من أضلاع ذلك الحوت العظيم. فلما نُصِب مرّ تحته أطول رجل في الجيش - وهو قيس بن سعد بن عبادة - راكبًا على أطول بعير فلم يطأطئ رأسه. وذكر بعض من حضر هذه الغزوة: أنهم كانوا يغترفون الدهن بالقلال من عين ذلك الحوت (١).
وعندما عاد أبو عبيدة بسريته إلى المدينة. أخبروا النبي ﷺ بقصة ذلك الحوت وأكلهم منه. فقال ﷺ . كلوا رزقًا أخرجه الله لكم. وسأل ﷺ : معكم منه شيء؟ قال جابر بن عبد الله: وكان معنا منه شيء. فأرسل بعض القوم إلى رسول الله من ذلك الحوت شيئًا، فأكل منه (٢).
стр. 1964
- ٣ -
سرية أبي قتادة إلى خضرة بنجد ... شعبان سنة ثمان للهجرة
كانت قبائل غطفان من القبائل المعادية للإِسلام (كما تقدم) فبعث النبي ﷺ إلى منطقة خضرة من أراضيهم دورية قتال قوامها أربعة عشر رجلًا. وأمرهم أن يشنوا عليهم الغارة وكان قائد هذه الدورية أبو قتادة الأنصاري (١).
قال ابن أبي حدرد الأسلمي: فخرجنا وكنا أربعة عشر رجلًا بأبي قتادة وهو أميرنا وبعثنا (أي رسول الله ﷺ إلى غطفان فقال: سيروا الليل واكمنوا النهار وشنوا الغارة. ولا تقتلوا النساء والصبيان. فخرجنا حتى ناحية غطفان.
وخطبنا أبو قتادة وأوصانا بتقوى الله ، وألف بين كل رجلين وقال: لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إليّ فيخبرنى خبره ولا يأتنى رجل فأسأله عن صاحبه فيقول: لا علم لي به! وإذا كبَّرت فكبروا وإذا حملت فاحملوا، ولا تمعنوا في الطلب. فهجمنا على حاضر منهم عظيم، فأحاط بهم. فسمعت رجلًا يصرخ يا خضرة. وقد أتيناهم ليلًا، فجرد أبو قتادة وجردنا سيوفنا، كبَّر وكبَّرنا معه، فشددنا على الحاضر فقاتل منهم رجال، وإذا برجل طويل قد جرّد سيفه صلتا، وهو يمشى القهقرى ويقول: يا مسلم هل لك إلى الجنة! فاتبعته ثم قال: إن صاحبكم (يعني النبي ﷺ ) لذو مكيدة، وإن أمره هو الأمر. وهو يقول: الجنة الجنة - يتهكم بنا. فعرفت أنه مستقبل، فخرجت في أثره، فنادانى صاحبى: لا تبعد فقد نهانا أميرنا أن نمعن في الطلب! فأدركته فرميته على جريداء متنه (٢). ثم قال: ادن يا مسلم إلى الجنة! فرميته حتى قتلته بنبلى، ثم وقع ميتًا فأخذت سيقه، وجعل زميلى ينادينى: أين تذهب؟ إني والله
стр. 1965
إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألنى عنك أخبرته قال: فلقيته قبل أبي قتادة فقلت: أسأل أميرى عنى؟ فقال: نعم وقد تغيَّظ عليَّ وعليك وأخبرنى أنهم جمعوا الغنائم - وقتلوا من أشرف لهم - فجئت أبا قتادة فلامنى فقلت: قتلت رجلًا كان من أمره كذا وكذا فأخبرته بقوله كله. ثم استقنا النعم وحملنا النساء، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب .. ووقعت في سهم ابن أبي حدرد جارية وضيئة كأنها ظبية (١)، فجعلت تكثر الالتفات خلفها، قلت إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: انظر والله إلى رجل لئن كان حيًّا ليستنقذنا منكم. فوقع في نفسي أنه الذي قتلته. فقلت: قد والله قتلته، وهذا سيفه معلق بالقتب إلى غمده. فقالت هذا والله غمد سيفه، فشمه (٢). إن كنت صادقًا. قال فشمته فطبق (بفتح أوله وثانيه). قال: فبكت ويئست. قال ابن أبي حدرد: فقدمنا على النبي ﷺ بالنعم والشاء.
وقد غنم رجال دورية أبي قتادة في هذه الحملة مائتى بعير وألف شاة (٣). وقد عادت هذه الدورية المسلحة الصغيرة إلى المدينة بعد أن حققت أهدافها. وكان عودتها بعد غياب دام خمس عشرة ليلة (٤).
مدى قوة الإِسلام وانحسار قوة أعدائه
لقد دل قيام أربعة عشر رجلًا من المسلمين بالإغارة على قلب بلاد غطفان التي يعد محاربوها المعادون للإسلام بعشرات الأَلوف "فزارة وحدها يقود منها الأحمق المطاع عيينة بن حصن عشرة آلاف مقاتل" دل ذلك على أن هيبة الإِسلام قد فرضت نفسها وأن الرُّعب من قوة المسلمين الحربية قد ملأ نفوس المشركين هناك. فلم يعودوا قادرين حتى على التصدى لدورية صغيرة من المسلمين مثل دورية أبي قتادة هذه التي وطئت ديار غطفان في