بمنزلة مشفر البعير، فمكثنا على ذلك حتى قال قائلهم: لو لقينا عدوًا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد (١).
الكرم الأنصاري .
وفي هذه الغزوة التي أشرف فيها الجيش على الهلاك من الجوع. تجلى الكرم الأنصاري الذي خلد الله تعالى ذكر أصحابه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فقد كان ضمن جنود هذه الحملة. قيس بن سعد بن عبادة سيد الخزرج. والمشهور بالكرم في الجاهلية والإِسلام.
فعندما رأى قيس بن سعد (وكان شابًّا يافعًا لا مال له) ما أصاب رجال السرية من جوع. ذهب إلى أحد الأعراب من فخيذة جُهنية موادعة للمسلمين. وطلب منه أن يبيعه عددًا من الجمال لينحرها للجيش على أن يدفع ثمنها للأعرابي تمرًا في المدينة. فقال الجهني لقيس بن سعد: والله ما أعرفك ومن أنت؟ .
قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهني: ما أعرفتنى بنسبك. أما إنَّ بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب. فابتاع منه خمس جزر. كل جزور بوسقين من تمر. يشرط عليه البدوى، تمر ذخيرة مصلبة (٢). من تمر آل دليم. قال يقول قيس: نعم. فقال الجهني: فاشهد لي. فأشهد له نفرًا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال قيس: أشهد من تحب. فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب، فقال عمر: لا أشهد. هذا يُدان ولا مال له، إنما المال لأبيه. قال الجهني. والله ما كان سعد ليخنى (٣) بابنه في سِقة من تمر! وأرى وجهًا حسنًا وفعالًا شريفًا. فأخذ قيس الجزر فنحرها في مواطن ثلاثة، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال: تُريد أن تخفر
стр. 1962
ذمتك ولا مال لك؟ . عزمت عليك أن لا تنحر. فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت - وهو يقضى ديون الناس ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة لا يقضى سِقَة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله! فكاد أبو عبيدة أن يلين له ويتركه حتى جعل عمر يقول: أعزم عليه! فعزم عليه فأبى عليه أن ينجر فبقيت جَزوران معه. فقدم بهما قيس المدينة ظهرًا (١) يتعاقبون عليها.
قالوا: وبلغ سعدًا ما كان أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟ . قال: نحرت قال: أصبت انحر! فقال قال: ثم ماذا! قال نحرت. قال: أصبت! قال: ثم ماذا؟ قال: ثم نحرت. قال: أصبت انحر! قال: ثم ماذا؟ قال نُهِيت. قال ومن نهاك؟ ! قال: أبو عبيدة بن الجراح أميرى. قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك. فقلت أبي يقضى عن الأباعد ويحمل الكَلَّ ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بي! . قال سعد: فلك أربع حوائط (٢) قال وكتب له بذلك كتابًا. وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه. وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه. قالوا: وأدنى حائط منها يجذُّ خمسين وسقا وقدم البدوى مع قيس فوافاه سِقَتَه. وحمله وكساه فبلغ النبي ﷺ فعل قيس فقال: إنه في بيت جود.
قصة الحوت العظيم في هذه الغزوة .
وذكر بعض الصحابة الذين في جيش أبي عبيدة أنهم لما جهدوا من الجوع أخرج الله لهم حوتًا مثل الظرب (٣) (بفتح أوله كسر ثانيه) فأكل الجيش منه. قال عبادة بن الصامت: أقمنا عليه عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا.
وذكر أصحاب السير والمغازي: إن هذا الحوت كان عظيمًا إلى درجة
стр. 1963
أن خمسة من الصحابة دخلوا إحدى عينيه فوسعتهم. وصار خمسة رجال يقفون في حلق هذا الحوت بالمجاريف يجرفون الشحم .. وذكر البعض أن هذا الحوت هو المسمّى بالعنبر.
وذكر أصحاب السير أن أمير الجيش أبا عبيدة أمر أن ينصب ضلع من أضلاع ذلك الحوت العظيم. فلما نُصِب مرّ تحته أطول رجل في الجيش - وهو قيس بن سعد بن عبادة - راكبًا على أطول بعير فلم يطأطئ رأسه. وذكر بعض من حضر هذه الغزوة: أنهم كانوا يغترفون الدهن بالقلال من عين ذلك الحوت (١).
وعندما عاد أبو عبيدة بسريته إلى المدينة. أخبروا النبي ﷺ بقصة ذلك الحوت وأكلهم منه. فقال ﷺ . كلوا رزقًا أخرجه الله لكم. وسأل ﷺ : معكم منه شيء؟ قال جابر بن عبد الله: وكان معنا منه شيء. فأرسل بعض القوم إلى رسول الله من ذلك الحوت شيئًا، فأكل منه (٢).
стр. 1964
- ٣ -
سرية أبي قتادة إلى خضرة بنجد ... شعبان سنة ثمان للهجرة
كانت قبائل غطفان من القبائل المعادية للإِسلام (كما تقدم) فبعث النبي ﷺ إلى منطقة خضرة من أراضيهم دورية قتال قوامها أربعة عشر رجلًا. وأمرهم أن يشنوا عليهم الغارة وكان قائد هذه الدورية أبو قتادة الأنصاري (١).
قال ابن أبي حدرد الأسلمي: فخرجنا وكنا أربعة عشر رجلًا بأبي قتادة وهو أميرنا وبعثنا (أي رسول الله ﷺ إلى غطفان فقال: سيروا الليل واكمنوا النهار وشنوا الغارة. ولا تقتلوا النساء والصبيان. فخرجنا حتى ناحية غطفان.
وخطبنا أبو قتادة وأوصانا بتقوى الله ، وألف بين كل رجلين وقال: لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إليّ فيخبرنى خبره ولا يأتنى رجل فأسأله عن صاحبه فيقول: لا علم لي به! وإذا كبَّرت فكبروا وإذا حملت فاحملوا، ولا تمعنوا في الطلب. فهجمنا على حاضر منهم عظيم، فأحاط بهم. فسمعت رجلًا يصرخ يا خضرة. وقد أتيناهم ليلًا، فجرد أبو قتادة وجردنا سيوفنا، كبَّر وكبَّرنا معه، فشددنا على الحاضر فقاتل منهم رجال، وإذا برجل طويل قد جرّد سيفه صلتا، وهو يمشى القهقرى ويقول: يا مسلم هل لك إلى الجنة! فاتبعته ثم قال: إن صاحبكم (يعني النبي ﷺ ) لذو مكيدة، وإن أمره هو الأمر. وهو يقول: الجنة الجنة - يتهكم بنا. فعرفت أنه مستقبل، فخرجت في أثره، فنادانى صاحبى: لا تبعد فقد نهانا أميرنا أن نمعن في الطلب! فأدركته فرميته على جريداء متنه (٢). ثم قال: ادن يا مسلم إلى الجنة! فرميته حتى قتلته بنبلى، ثم وقع ميتًا فأخذت سيقه، وجعل زميلى ينادينى: أين تذهب؟ إني والله
стр. 1965
إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألنى عنك أخبرته قال: فلقيته قبل أبي قتادة فقلت: أسأل أميرى عنى؟ فقال: نعم وقد تغيَّظ عليَّ وعليك وأخبرنى أنهم جمعوا الغنائم - وقتلوا من أشرف لهم - فجئت أبا قتادة فلامنى فقلت: قتلت رجلًا كان من أمره كذا وكذا فأخبرته بقوله كله. ثم استقنا النعم وحملنا النساء، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب .. ووقعت في سهم ابن أبي حدرد جارية وضيئة كأنها ظبية (١)، فجعلت تكثر الالتفات خلفها، قلت إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: انظر والله إلى رجل لئن كان حيًّا ليستنقذنا منكم. فوقع في نفسي أنه الذي قتلته. فقلت: قد والله قتلته، وهذا سيفه معلق بالقتب إلى غمده. فقالت هذا والله غمد سيفه، فشمه (٢). إن كنت صادقًا. قال فشمته فطبق (بفتح أوله وثانيه). قال: فبكت ويئست. قال ابن أبي حدرد: فقدمنا على النبي ﷺ بالنعم والشاء.
وقد غنم رجال دورية أبي قتادة في هذه الحملة مائتى بعير وألف شاة (٣). وقد عادت هذه الدورية المسلحة الصغيرة إلى المدينة بعد أن حققت أهدافها. وكان عودتها بعد غياب دام خمس عشرة ليلة (٤).
مدى قوة الإِسلام وانحسار قوة أعدائه
لقد دل قيام أربعة عشر رجلًا من المسلمين بالإغارة على قلب بلاد غطفان التي يعد محاربوها المعادون للإسلام بعشرات الأَلوف "فزارة وحدها يقود منها الأحمق المطاع عيينة بن حصن عشرة آلاف مقاتل" دل ذلك على أن هيبة الإِسلام قد فرضت نفسها وأن الرُّعب من قوة المسلمين الحربية قد ملأ نفوس المشركين هناك. فلم يعودوا قادرين حتى على التصدى لدورية صغيرة من المسلمين مثل دورية أبي قتادة هذه التي وطئت ديار غطفان في
стр. 1966
قلب بلادهم دون أن تجد من يقف في وجهها مع أن رجالها لا يزيدون على أربعة عشر رجلًا.
لقد كان قيام أبي قتادة بدوريته المسلحة الصغيرة وجوسه بها خلال ديار غطفان التي كانت في الجاهلية بمثابة "عرين الأسد" لقوتها وشدة مراس رجالها في الحرب .. كان قيام أبي قتادة بهذا العمل بمثابة جس نبض واختبار لمدى قوة غطفان الحربية. أظهر حقيقة ما عليه هذه القبائل من وهن وضعف وانهيار. بعد أن كانت أقوى قوة حربية يخشى المسلمون جانبها من الناحية الشرقية.
فلم تعد هذه القبائل التي كادت قواتها تجتاح المدينة في عام الأحزاب (عام ٤ هجرية) قادرة على الدفاع عن مضاربها في صحارى نجد. فضلًا عن أن تفكر في القيام بغزو المدينة كما كانت في السابق.
стр. 1967
الفصل الثاني
• أسباب فتح مكة المكرمة.
• قريش تنقض صلح الحديبية.
• خزاعة حلفاء الرسول المعتدى عليهم.
• بنو بكر وقريش يغتنمون هدنة الحديبية فيقتلون في ظلها خزاعة غدرًا.
• خزاعة تستنجد بحليفها الرسول ﷺ لنصرتها على قريش.
• شعور قريش بالقلق الشديد لاشتراكها في الغدر بخزاعة.
• أبو سفيان في المدينة يحاول إصلاح ما أفسدت قريش فيطلب تجديد الصلح المنقوض.
• الرسول ﷺ يرفض التفاوض مع أبي سفيان.
• فشل أبي سفيان في مهمته وعودته إلى مكة.
• قريش ترفض دفع ديات قتلى خزاعة بعد أن طلب الرسول ﷺ . منهم ذلك تجنبًا للحرب.
• الرسول ﷺ يقرر الزحف على مكة استجابة لاستغاثة حلفائه الخزاعيين.
стр. 1968
كان صلح الحديبية التاريخي يستهدف من وجهة نظر المسلمين فيما يستهدف، توفير الأمن والاستقرار لمنطقة الحجاز كلها، وإعطاء كلّ من المسلمين والمشركين في المنطقة كامل الحرية ليتصل بعضهم ببعض.
لأن ذلك يعطى عامة المشركين (في ظل هذه الحرية) الفرصة ليعرفوا الإِسلام على حقيقته، وهي الحقيقة التي شوهتها زعامة الشرك والوثنية في المنطقة. بقصد تنفير عامة جماهير المنطقة من الإِسلام الذي يشكل (في واقعه) خطرًا كبيرًا على كراسى الزعامة الوثنية في المنطقة وخاصة في مكة.
كان صلح الحديبية (رغم أنه في ظاهره نصر سياسى لقريش) قد عقد على كره من سادتها ولكنهم اضطروا إلى إبرامه كبديل عن الحرب التي كانت وشيكة الوقوع والتي كانت قريش (في قرارة نفسها) تخشاها رغم تفوقها العددى على المسلمين الذين كانوا يرابطون في الحديبية بالقرب من مكة.
ولما كانت قبيلتا بني بكر الكنانية، وقبيلة خزاعة اليمانية من السكان المحيطين بالحرم وذوى ثقل على مختلف المستويات في المنطقة، وكانتا على خلاف دموى قبلي بينهما، بقاؤه يظل مصدر تعكير لأمن المنطقة، ويجعل صلح الحديبية غير متكامل وغر محقق للأهداف (أهداف السلم الشامل الذي من أجلها أبرم) فقد اتفق الفريقان المتفاوضان (المسلمون والمشركون) على استدعاء سادات القبيلتين (بني بكر (١) وخزاعة) إلى سهل الحديبية حيث كان يجرى بين الفريقين الرئيسيين (المسلمين وقريش) التفاوض لصياغة بنود معاهدة الصلح لكى تكون القبيلتان (بنو بكر وخزاعة) داخلتين في المعاهدة من حيث الالتزام بإنهاء حالة الحرب بينهما لمدة عشر سنوات شأنهما في ذلك شأن المسلمين وقريش.
стр. 1969
انحياز خزاعة إلى المسلمين. وبنى بكر إلى قريش:
ولدى حضور زعماء خزاعة وبنى بكر إلى الحديبية أحيطوا علمًا بما تم الاتفاق عليه بين المسلمين وقريش من الاتفاق على الصلح وإنهاء حالة الحرب لمدة عشر سنوات، ثم أعطى المتفاوضون الرئيسيون (المسلمون وقريش) لزعماء خزاعة وبنى بكر مطلق الحرية ليختار كل منهم الدخول في عهد أيّ من الفريقين الرئيسيين (المسلمين وقريش) ليكونوا بهذا الاختيار حلفاء للفريق الذي يدخلون في عهده لهم ماله وعليهم ما عليه. ويكونوا ملزمين (كالمسلمين وقريش) بتطبيق بنود الصلح.
ونتيجة هذا التخيير. أعلنت خزاعة مسلمها وكافرها الدخول في عهد النبي ﷺ كما أعلنت بنو بكر بن عبد مناة -من ناحية أخرى- دخولها في عهد قريش. وتم تسجيل ذلك في صلب معاهدة صلح الحديبية (١).
وبذلك أصبحت خزاعة حليفة للمسلمين وبنو بكر حليفة لقريش وصار اعتداء أيّ من القبيلتين على الأخرى نقضًا للصلح وغدرًا تتحمل مسئوليته الفئة التي كان المعتدى من هاتين القبيلتين حليفًا لها.
وبعبارة أوضح فإن بنود الصلح صريحة في أن قريشًا تتحمل مسئولية أيّ نقض للصلح تقوم به بنو بكر بن كنانة. كما يتحمل المسلمون مسئولية أيِّ تصرف يناقض هذا الصلح تقوم به حليفتهم خزاعة.
وفاء المسلمين بالعهد:
لقد كان النبي ﷺ وأصحابه -كما هي شيمتهم وخلقهم- حريصين كل الحرص على الوفاء بالعهد الذي أعطوه في اتفاقية الحديبية وتطبيق هذه الاتفاقية نصًّا وروحًا انطلاقًا من القاعدة الأخلاقية النبيلة التي أرساها الإسلام وظلت ركيزة خلق المسلم الصادق في معاملته الأصدقاء والأعداء على السواء ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ
стр. 1970
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ (١). ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ (٢). ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). ولقد أعطى النبي ﷺ الدليل العملى على الوفاء بالعهد للمشركين. وحبر صلح الحديبية لما يجف بعد.
فقد رأينا كيف سلم النبي ﷺ أبا جندل الشاب المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لنصوص الاتفاقية رغم أن هذا الشاب المسلم جاء إلى المسلمين فارًا بدينه (٤).
كما رأينا كذلك فيما مضى من هذا الكتاب. كيف سلم النبي ﷺ أبا بصير (٥) للمشركين وأعاده إليهم بعد أن لجأ إلى المدينة مسلمًا فارًا بدينه. ورأينا كيف أن الرسول ﷺ لم يسمح لأبي بصير بالإقامة في المدينة بعد أن تخلص من حارسيه خارج المدينة .. لأن قبوله في المدينة يعتبر خرقًا ونقضًا لصلح الحديبية.
كيف نقضت قريش العهد فغزاهم المسلمون:
ولكن إذا كان المسلمون قد وفوا للمشركين بالعهد الذي أعطوه وطبَّقوا الاتفاقية نصًّا وروحًا .. هل وفت قريش من جانبها بالعهد الذي أعطته في اتفاقية الحديبية؟ .
وهل احترمت شرف الكلمة التي أعطتها في هذا العهد التاريخي؟ .
كلا لقد رمت بهذا العهد عرض الحائط وغدرت "وهي في ظله" كأبشع ما يكون الغدر. الأمر الذي جعل الصلح لاغيًا .. ألغته ونقضته قريش بتصرفها. واضطر النبي ﷺ إلى أن يقوم بغزوها وينتزع مكة من أيديها انتصارًا لحلفائه خزاعة المعتدى عليهم. ووفاءًا بالعهد الذي أعطاه لهم بموجب صلح الحديبية. وتأديبًا لقريش على ما تواطأت عليه مع
стр. 1971
حلفائها بني بكر بن كنانة من خيانة وغدر ذهب ضحيتهما أكثر من عشرين قتيلًا من خزاعة الآمنة في ظل صلح الحديبية.
كان صلح الحديبية "كما تقدم" قد أنهى حالة الحرب بين المسلمين وخزاعة من جهة وبين قريش وبنى بكر من جهة أخرى لمدة عشر سنوات.
وكانت خزاعة كحلفائها المسلمين ملتزمة بالعهد لا تفكر في الإخلال به. فصار الخزاعيون "مسلمهم وكافرهم" لذلك. مختلطون بقريش وحلفائها من البكريين في ظل حرمة هذا الصلح. لا يفكرون في اعتداء على أحد ولا يتصورون أن أحدًا من البكريين أو القرشيين سيعتدى عليهم والصلح قائم.
هكذا كان النبي وأصحابه والخزاعيون جيران الحرم حلفاؤهم ينظرون إلى الأمور من خلال منظار الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة التي أعطوها في اتفاقية الحديبية.
بينما قريش وحلفاؤها من بني بكر بن كنانة. صاروا ينظرون إلى الأمر في ظل صلح الحديبية من زاوية معاكسة مظلمة.
كانوا ينظرون إلى حالة الصلح القائمة والتي صار المسلمون وحلفاؤهم من خزاعة سلمًا لقريش وحلفائها لا يفكرون في محاربتهم أو الاعتداء عليهم .. كانوا ينظرون إلى هذه الحالة على أنها فرصة يمكن أن يحققوا فيها ما عجزوا عن تحقيقه في حالة المواجهة الحربية.
فقد كانت بنو بكر دائمًا تعجز عن التغلب على قبيلة خزاعة في حروبهم القبلية الجاهلية وكان القتل يستحر بين بني بكر كلما نشبت حرب بين القبيلتين. فكثرت الثارات لبنى بكر لدى خزاعة.
ولكن صلح الحديبية الذي دخل فيها الفريقان والتزما بتنفيذ بنوده وضع الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنوات. هكذا كان يبدو الوضع عقب توقيع صلح الحديبية. ولهذا كانت خزاعة تتصرف تصرف الآمن المستأمن. فلا تتخذ أية احتياطات حربية في حلّها وترحالها.
стр. 1972
بينما كان بنو بكر بن كنانة يضعون الخطة الجهنمية للغدر بخزاعة بإحداث مجزرة بينهم وهم آمنون في ظل صلح الحديبية. وذلك لحسابات الثارات التي لبكر على خزاعة. وقد نفذوا هذه المجزرة (فعلا) بمساندة حلفائهم القرشيين.
فقد كان نوفل بن معاوية سيد بني بكر بن كنانة وقائدها يترصد خزاعة ويتحين الفرص المواتية التي تمكنه من الفتك بهم دون أن يصاب أحد من بني بكر.
وعندما سنحت الفرصة لبنى بكر وحلفائهم من قريش قاموا بتنفيذ جريمتهم فأوقعوا بخزاعة (غدرًا) في مكان يقال له: الوتير من أرض بني بكر. نزلته خزاعة آمنة مطمئنة في ظل الصلح المعقود في الحديبية.
اشتراك القرشيين في جريمة الغدر والنكث:
فقد ذكر المؤرخون أن نوفل (١) بن معاوية البكرى قد أفضى إلى زعماء قريش بما ينوى القيام به من أخذ خزاعة على حين غرّة وأنه طلب مساندة قريش بالمال والرجال لإنجاح ما يعتزم القيام به ضد خزاعة في ظل صلح قائم بين الفريقين.
وأكد أهل الحديث وأصحاب السير أن سادات قريش حبذوا فكرة نوفل بن معاوية وأبلغوه استعدادهم لمساندة بني بكر بالسلاح والرجال في الهجوم على خزاعة.
وقد مدّوهم بالمال والسلاح والرجال (فعلًا) حتى تمكنوا من تنفيذ جريمتهم الشنعاء حيث بيتوا خزاعة وهاجموها غدرًا في جنح الظلام).
стр. 1973
فحملوا على رجال خزاعة في (الوتير) (١) وهم يغطون في نومهم آمنين فأحدثوا فيهم مقتلة كبيرة. لأنهم عُزّل من السلاح وأخذوا على حين غرة. ولم يكتف بنو بكر ومن شاركهم من القرشيين بقتل من قتلوا من الخزاعيين وهم نيام. بل أخذوا يطاردون من تمكن من الإفلات. وصاروا يقتلونهم حتى بعد أن دخلوا الحرم الذي كان العرب جميعًا يحرّمون على أنفسهم فيه القتال مهما كانت الظروف والدوافع والمبررات.
وقد أقدم بنو بكر وقريش على هذا العمل الفظيع ولم يفكروا فيما سيسجله عليهم جميعًا من ويلات إلا بعد فوات الأوان حيث كانت النتيجة الحتمية لهذا الغدر. هو أن تحرك النبي ﷺ من المدينة بعشرة آلاف مقاتل دخل بهم مكة فاتحًا هادمًا سلطان قريش الوثني انتصارًا لحلفائه من خزاعة المغدور بهم في الحرم وفي ظل صلح كان قائمًا بين الفريقين.
المشتركون من سادات مكة في نقض العهد
ومن الزعماء القرشيين الذين شايعوا بنى بكر بن كنانة في نقض عهد الحديبية وشاركوا بسلاحهم وأنفسهم في جريمة الغدر بخزاعة في الوتير، صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو العامري (الذي أمضى صلح الحديبية نيابة عن قريش) وعكرمة بن أبي جهل ومكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى العامريين (وهما أيضًا عضوان في وفد المفاوضة القرشي في الحديبية ومن الذين وقعوا على الصلح نيابة عن قريش) ويؤكد المؤرخون أن ما حدث من غدر بخزاعة حدث بموافقة جميع سادات قريش. ما عدا أبي سفيان بن حرب سيد بني عبد شمس والقائد العام للقوات القرشية. لم يستشر في الأمر وقيل إنهم أفضوا إليه بنواياهم وطلبوا مشاركته في الغدر فأبى عليهم وحذّرهم العاقبة ولكنهم مضوا لجريمتهم فارتكبوها فجُّروا على قريش من الحرب ما أطاح بسلطانها إلى الأبد.
стр. 1974
ومن الجدير بالذكر أن بني مُدلجِ (١) من كنانة عصمهم الله فلم يشتركوا مع قومهم في جريمة الغدر ونقض العهد.
تاريخ نقض صلح الحديبية:
قال الواقدي: فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحديبية. كلّم بنو نُفاثة من بني بكر أشراف قريش -واعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا العهد- أن يعينوهم بالرجال والسلاح على عدوهم من خزاعة. وذكرّوهم القتلى الذين أصابت خزاعة لهم وذكرّوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم معهم في عقدهم وعهدهم، وذهاب خزاعة إلى محمد في عقده وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك سراعًا إلا أبا سفيان، لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال: إنهم ذاكروه فأبى عليهم. وجعلت بنو نفاثة وبكر يقولون: إنما نحن! ! فأعانوهم بالسلاح والكُراع (الخيل) والرجال ودسّوا ذلك سرًّا لئلا تحذر خزاعة فهم آمنون غارّون بحال الموادعة وما حجز الإِسلام بينهم، ثم اتعدت قريش الوتير موضعًا بمن معها فوافى للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون متنقبون هم صفوان بن أمية ومكرز بن حفص بن الأخيف، وحويطب بن عبد العزى، وأجلبوا معهم أرقَّاءهم. قال: ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدؤلى، فبيَّتوا خزاعة ليلًا وهم غارون آمنون من عدوهم، ولو كانوا يخافون هذا لكانوا على حذر وعُدّة، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى أنصاب الحرم (٢).
وبالرغم من احتماء خزاعة العُزّل من السلاح بالحرم فقد أصر قائدُ بني بكر نوفل بن معاوية على قتل خزاعة داخل الحرم.
وعندما نصحه بعضُ قومه أن يتوقف عن القتل لأنه داخل الحرم الذي لا يُجيز العرب القتل فيه أصر على الإِمعان في الجريمة. ولما قال له بعض رفاقه: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك يا نوفل (أي خف إلهك). قال كلمة كفر
стр. 1975
عظيمة: (لا إله لي اليوم ثم أمر قومه بالاستمرار في اغتنام الفرصة قائلا: يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه. ثم أصدر أوامره المشددة إلى بني بكر بمواصلة قتل خزاعة قائلًا: لا يريد أحدكم يأتي امرأته حتى يستأذنى، لا يؤخر أحد منكم اليوم بعد يومه هذا من ثأره (١).
فاستمرت بنو بكر في مطاردة خزاعة العُزل من السلاح. حتى ألجأوهم إلى مكة. فالتجأت خزاعة إلى منزلى بديل بن ورقاء الخزاعي. ورافع مولى لهم وذلك عند طلوع الفجر.
وكان المشتركون من قريش في الجريمة ضمن رجال نوفل بن معاوية يطاردون الخزاعيين حتى دخلوا منزلى بديل ورافع بمكة. وهناك انسحب القرشيون المشتركون في الهجوم ودخلوا منازلهم. وهم يظنون أن أحدًا لن يعرف اشتراكهم في القتال. وأن النبي ﷺ لن يبلغه ما صنعوا من مشاركتهم بني بكر في الغدر ونقض العهد.
أما بنو بكر فقد واصلوا هجومهم على خزاعة داخل مكة بعد أن طلع الفجر. وقتلوا منهم على باب بديل بن ورقاء ورافع مولى لخزاعة- عشرين رجلًا دون أن يعترضهم أحد من قريش الأمر الذي يدل على التواطؤ القرشي مع بني بكر.
إلا أن أفرادًا من قريش تنبَّهوا للأمر، وخافوا مغبّة هذا الغدر، وأدركوا أن ما حدث من قريش وحلفائها بني يكر نقض للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ فجاء الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل ومكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى. فلاموهم فيما صنعوا من عونهم بني بكر. وذكرَّوهم بأن بينهم وبين محمد مدة وعهدًا. وأن الذي صنعوا هو نقض للمدة -وكان نوفل بن معاوية وقومه البكريون مصممين على إفناء الخزاعيين الموجودين بمكة- غير أن
стр. 1976
سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية ورفاقهما من قريش المشتركين في الجريمة تأثروا بكلام الحارث بن هشام. فذهبوا إلى شريكهم في نقض العهد نوفل بن معاوية. ومنعوه من الاستمرار في قتل خزاعة قائلين: قد رأيت الذي صنعنا بك وأصحابك وما قتلت من القوم. وأنت قد حضرت تريد قتل من بقى منهم. وهذا مالا نطاوعك عليه فاتركهم لنا. فقال: نعم فأوقف القتل. ثم غادر بقومه مكة (١).
قريش تندم على ما ارتكبت ولكن:
وبعد أن ارتكب بنو بكر بن كنانة ومن ساندهم من سادات قريش ما ارتكبوا من الغدر بخزاعة. ندمت قريش وخافت. بعد أن أدركت أن صنيعها هو نقض صريح للعهد الذي أبرمته في الحديبية. لا سيما وأن الذين وقعوا نيابة عن قريش على وثيقة صلح الحديبية. (سهيل بن عمرو. ومكرز بن حفص. وحويطب بن العزى) قد اشتركوا في جريمة الغدر بخزاعة مستغلين ومغتنمين هدنة الحديبية.
قالوا: ومشى الحارث بن هشام (٢) وعبد الله بن أبي ربيعة (٣) إلى أبي سفيان بن حرب منددين بما حدث قائلين: هذا أمر لا بد له من أن يصلح والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه. فلما رأى أبو سفيان ما رأى من الشر قال: هذا والله أمر لم أشهده ولم أغب عنه، لا حُمِلَ هذا إلا علي، ولا والله ما شوورت ولا هويت حيث بلغني! والله
стр. 1977
ليغزونا محمد إن صدقنى ظنى وهو صادق (١).
قريش تقرر إرسال مبعوث خاص إلى المدينة لإصلاح ما أفسدت:
واجتمعت قريش في دار الندوة للبحث والتشاور بصدد الجريمة التي شاركوا فيها. واتفقت آراؤهم على أن ما حدث منهم ومن بني بكر. هو نقض صريح للعهد. وأن النبي ﷺ لا بد وأن يتخذ إجراءًا عسكريًا حاسمًا للرد على هذا التصرف الذي هو خرق فاضح للهدنة المعقودة بين الفريقين في الحديبية.
ينصح قريشًا بتحمل ديات القتلى
وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٢) -وهو عند قريش كافر مرتد- يحضر اجتماعات دار الندوة لبحث التطورات التي تتوقعها قريش من جانب المسلمين على أثر النقض الفاضح للعهد الذي بين الفريقين. فقال لهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح: إن عندي رأيًا أن محمدًا ليس يغزوكم حتى يُعذِرَ إليكم ويخيرّكم في خصال، كلها أهون عليكم من غزوه. قالوا: ما هي؟ .
قال: وكان عالمًا بأخلاق رسول الله ﷺ لأنه كان يكتب الوحى: يرسل أن أدوا قتلى خزاعة "وهم ثلاثة وعشرون قتيلًا". أو تبرأوا من حلف من نقض العهد بيننا -بنو نفاثة- أو نبذ إليكم الحرب، فما عندكم في هذه الخصال؟
قال القوم: آخر ما قال ابن أبي سرح وكان به عالمًا. فقال سهيل بن عمرو: ما خصلة أيسر علينا من التبرؤ من حلف بني نُفاثة: قال شيبة بن عثمان العبدرى حفظت أخوالك وغضبت لهم! قال سهيل: وأبو قريش لم تلده خزاعة. قال شيبة: لا. ولكنا ندى قتلى خزاعة، فهو أهون علينا. فقال قرطة بن عبد عمرو: لا والله لا يودن ولا نبرأ من حلف نُفاثة بن
стр. 1978
الغوث. ولكن ننبذ إليه على سواء "أي نحاربه".
فقال أبو سفيان: ما هذا بشيء وما الرأي لنا إلا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد وقطع مدة. فإن قطعه قوم بغير هوى منا ولا مشورة فما علينا. قالوا هذا الرأي لا رأى غيره، الجحد لكل ما كان من ذلك قال: وإني لم أؤامر فيه وأنا في ذلك صادق، لقد كرهت ما صنعتم وعرفت أن سيكون له يوم عماس (١).
قالت قريش لأبي سفيان واخرج أنت بذلك (٢).
قريش تقرر مبعوثًا خاصًّا إلى المدينة لإِصلاح ما أفسدت
وبعد مشاورات طويلة أجمع سادات دار الندوة بمكة على أن يجحدوا اشتراكهم في نقض العهد وأن أنجع وسيلة لرأب الصدع واستمرار مفعول الهدنة هو أن تبعث قريش إلى النبي ﷺ مبعوثًا على مستوى عال يبلغه رغبتها في أن يزيد في مدة الهدنة. لأنه إذا ما أجابها إلى رغبتها هذه، تكون قد أَمِنَتْ العقاب على ما صنعت، وحصلت على تجديد الصلح الذي نقضته بمشاركتها بني بكر في الاعتداء على خزاعة حلفاء النبي ﷺ .
أبو سفيان مبعوث قريش في المدينة .
وأجمع أشياخ دار الندوة على أن يكون مبعوث قريش الخاص إلى المدينة لمفاوضة الرسول ﷺ لتجديد الصلح هو أبا سفيان بن حرب قائد عام جيوش قريش.
كانت قريش تظن أن خبر اشتراكها في الجريمة لن يصل إلى النبي ﷺ قبل وصول مبعوثها الخاص أبي سفيان بن حرب إلى المدينة.
فقد قال أبو سفيان: وما لي بد من أن آتي محمدًا فأكلمه أن يَزيد في الهدنة ويجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الأمر. وخرج أبو سفيان وخرج معه
стр. 1979
مولى له على راحلتين، فأسرع السير وهو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله ﷺ (١).
خزاعة تستنجد بحليفها الرسول ﷺ -
غير أن ظن أبي سفيان وقومه كان خطأ حين ظنوه، فقد كانت خزاعة أسرع من قريش حيث أبلغت حليفها النبي ﷺ تفاصيل هذا العدوان الغادر قبل أن يصل أبو سفيان إلى المدينة بعدة أيام.
فعقب حدوث هذا العدوان بعثت خزاعة رسولًا خاصًّا (فارسًا) وهو عمرو بن سالم الخزاعي (٢) ليبلغ النبي ﷺ خبر ما تعرضت له خزاعة على يد بني بكر بن كنانة وحلفائهم القرشيين من قتل (غدرًا) في ظل الصلح القائم.
وفي الوقت الذي لا يزال فيه أشياخ دار الندوة يبحثون (في برلمانهم العشائرى) موضوع تورطهم في نقض العهد بمشاركتهم بني بكر الهجوم على خزاعة. كان عمرو بن سالم في المدينة بين يدي الرسول ﷺ يشرح له تفاصيل ما تعرضت له حليفته خزاعة من عدوان بشع غادر جبان.
فقد وقف عمرو بن سالم في المسجد النبوى وقال شارحًا أحداث العدوان شعرًا:
اللهم إني ناشدًا محمدًا ... حِلفْ أبينا وأبيك الأتلدا
قد كنتموا وِلدًا وكنّا والدًا ... ثمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
ثم أشار عمرو إلى قيام قريش بنقض صلح الحديبية طالبًا من النبي ﷺ النصرة بتأديب الغادرين الناكثين بالزحف عليهم وإنهاء وجودهم:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدًا
стр. 1980
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرَّدا ... في فيلَقٍ كالبحر يجرى مزبدًا
قِرمْ لقِرم من قروم أصيدا
ثم شرح عمرو بن سالم للرسول ﷺ كيف غدرت بهم بنو بكر وقريش وقتلوهم وهم آمنون في الوتير وداخل مكة نفسها وهم يصَلُّون يتلون القرآن فقال:
هم بيَّتونا بالوَتير هُجّدا ... نتلوا القرآن ركعا وسجدا
وجعلوا في كداء رصَدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلّ وأقلّ عددا
وبعد أن سمع الرسول ﷺ من زعيم خزاعة عمرو بن سالم هذا الشعر المؤثرّ الذي شرح فيه ما تعرضت له خزاعة من عدوان غادر. غضب ﷺ للذي فعلت قريش وبنو بكر. فأبلغ مبعوث خزاعة استعداده الكامل لنصرتها والانتقام لها ممن غدروا بها قائلًا: نُصرت يا عمرو بن سالم.
ثم خرج رسول الله ﷺ من المسجد والغضب باد عليه وهو يردد تأكيده بأنه سينصر خزاعة المظلومة على قريش الظالمة.
فقد حدَّث عبد الحمد بن جعفر بن عمران بن أبي أنس عن ابن عباس (١) قال: قام رسول الله ﷺ وهو يجر طرف ردائه، وهو يقول: لا نُصرْتُ
стр. 1981
إن لم أنصر بني كعب - يعني خزاعة .. مما أنصر منه نفسي (١).
وفد خزاعة الموسع
وكانت خزاعة ... بعد أن بعثت بعمرو بن سالم عاجلًا أرسلت خلفه وفدًا كبيرًا من أربعين رجلًا على رأسهم أحد زعمائها وهو بديل بن ورقاء (٢). فحضر إلى المدينة وقابل الرسول ﷺ وشرح له- بالإضافة إلى ما سمعه من عمرو بن سالم- حوادث العدوان من قريش وكرر الوفد طلب النصر للأخذ بحق ثلاثة وعشرين قتيلًا قتلتهم قريش وحلفاؤها من بني بكر غدرًا. فأكد رسول الله ﷺ لخزاعة أنه سيأخذ بحقها من أعدائها. قالت عائشة (٣) سمعت رسول الله ﷺ وقد دخل- ودعا بماء - يقول وهو يصب الماء عليه وهو مغضب: لا نُصِرْتُ إن لم أنصر بني كعب (٤).
عودة وفد خزاعة إلى ديارهم
وبعد أن حصل وفد خزاعة من الرسول ﷺ على وعد بنصرتهم عادوا إلى ديارهم. وكان رسول الله ﷺ قد أمر رجال وفد خزاعة بأن لا يعودوا مجتمعين. فقال: ارجعوا وتفرقوا في الأودية (٥). ولكن بعضهم التقى بأبي سفيان في الإيواء وهو في طريقه إلى المدينة فاستخبرهم ما إذا كانوا قد جاءوا المدينة فلم يخبروه .. ولكن عرف بأسلوبه الخاص أنهم جاءوها.
النبي: يطلب من قريش دفع ديات قتلى خزاعة فترفض
لا شك أن ما حدث من قريش وبنى بكر في الوتير ومكة من عدوان غادر على خزاعة يعتبر نقضًا صريحًا للصلح الذي تم إبرامه في الحديبية في السنة السادسة من الهجرة والذي بموجبه اتفقت قريش وبنو بكر من جهة والرسول
стр. 1982
- ﷺ وخزاعة من جهة أخرى على إنهاء حالة الحرب بين الفريقين عشر سنوات يأمن الناس فيها بعضهم بعضًا.
ومن حق الرسول ﷺ أن يتخذ الإجراء الحاسم المناسب ضد قريش كرد على هذا العدوان الناسف للصلح.
غير أن الرسول ﷺ قبل أن يتخذ أية خطوات للعمل العسكري ضد قريش. وانطلاقًا من قاعدة حرصه على حقن الدماء - حتى وإن كانت دماء أعدائه الذين يطمع في هدايتهم - قرر أن يبعث (أولًا) إلى قريش برسالة مع مبعوث خاص يخيّرُهم بين ثلاثة أمور. إما أن يدفعوا ديات القتلى من خزاعة. وإمَّا أن يبرأوا من حلف نُفاثة - الفخيذة من بني بكر التي هي المسئول الأول عن الغدر والنكث - وإمّا أن ينبذ إليهم على سواء، أي يعلن الحرب الشاملة عليهم. وقد بعث الرسول ﷺ إلى قريش بهذا التخيير العادل. ولكن قريشا رفضت كلا الحلين العادلين وقبلت الحرب.
ورواية التخيير هذه لم يروها أحد من أصحاب السير والمغازى غير الإِمام الواقدي. فقد قال في كتابه المغازي ج ٢ ص ٧٨٦. وقد سمعنا وجهًا من أمر خزاعة لم أر عليه الناس قبلنا ولا يعرفونه، وقد رواه الثقات ومخرجه الذي رُد إليه ثقة مننع فلم أر أحدًا يعرف له وجهًا. وذكرته لابن جعفر ومحمد بن صالح ولأبي معشر وغيرهم ممن له علم بالسيرة فكلهم ينكره ولا يأتي له بوجه .. غير أن الواقدي يؤكد صحة هذه الرواية فيقول:
وكان أول الحديث أنه حدثني الثقة عندي، أنه سمع عمرو بن دينار يخبر عن ابن عمر (١)، أنه لما قدم ركب خزاعة على رسول الله ﷺ فأخبره بمن قتل منهم، قال رسول الله ﷺ : فمن تهمتكم وطلبتكُم؟ قالوا: بنو بكر. قال: كلها؟ قالوا: لا، ولكن تهمتنا بنو نُفاثة قصرة، ورأس القوم نوفل بن معاوية النُّفاثي. قال: هذا بطن من بني بكر وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر ومخيرهم في خصال.
стр. 1983
فبعث إليهم ضمرة (١) يخيّرهم بين إحدى ثلاث خلال، بين أن يَدوا خزاعة، أو يرأوا من حلف نُفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة رسول رسول الله ﷺ وخبرهم بالذي أرسله رسول الله ﷺ ، يخيَّرهم بين أن يَدُوا قتلى خزاعة، أو يبرأوا من حلف نُفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فقال قرظة بن عبد عمرو الأعجمى (٢). إما أن ندى قتلى خزاعة. فإن نفاثة قوم فيهم عرام فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبَدَ، وإمّا أن نبرأ من حلف نُفاثة فإنه ليس قبيلة في العرب تحج هذا البيت أشد تعظيمًا لهذا البيت من نُفاثة، وهم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم، ما بقى لنا سَبد ولا لبَدَ، ولكنا ننبذ إليه على سواء. فرجع ضمرة إلى رسول الله ﷺ بذلك من قولهم. فبعثت قريش أبا سفيان بن حرب تسأل رسول الله ﷺ أن يجدد العهد وندمت قريش على رد الرسول بما ردوه قال الواقدي: فكل أصحابنا أنكر هذا الحديث، حتى ذكرت هذا الحديث لحزام بن هشام الكعبى. فقال: لم يضيع الذي حدثك شيئًا، ولكن الأمر على ما أقول لك - ندمت قريش على عون نُفاثة وقالوا محمد غارينا. ثم قال الواقدي، فذكرت حديث حزام لابن جعفر وغيره من أصحابنا فلم ينكروه، وقالوا: هذا وجه! كتبه منى عبد الله بن جعفر.
كيف عاد نقض العهد بالخير على قريش ؟
وحدث عبد الله بن عامر الأسلمي عن عطاء بن أبي مروان قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة: قد حرت في أمر خزاعة. قال ابن واقد: قالت عائشة: يا رسول الله أترى قريشًا تجترئ على نقض العهد بينكم وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله ﷺ : ينقضون العهد لأمر يريده تعالى بهم، قالت عائثسة: خير أو شر يا رسول الله؟ قال: خير (٣).
стр. 1984
وقد تحقق ما قاله النبي ﷺ بهذا الصدد فقد كان نقض قريش العهد سببا في استيلاء المسلمين على مكة. واستيلاء المسلمين على مكة كان سببا في إنقاذ أهلها من ظلمة الشرك حيث دخلوا جميعهم في دين الإسلام. فكان هذا هو الخير الذي أراده الله بهم والذي عناه الرسول ﷺ .
أبو سفيان في المدينة يطلب تجديد الصلح
وقد كان النبي ﷺ يتوقع أن الخوف سينتاب سادات دار الندوة بمكة نتيجة إقدامهم على المشاركة والتواطؤ مع بني بكر في العدوان الغادر على خزاعة. وأنهم سيحاولون السعي للحصول على تجديد الصلح من قبل الرسول ﷺ ليضمنوا عدم قيام المسلمين بأي إجراء حربي كرد على العدوان الذي ارتكبوه في حق خزاعة. فقد قال النبي ﷺ : لكأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة (١).
التقاء أبي سفيان بوفد خزاعة
وبينما كان النبي ﷺ يدلى بهذا التصريح. كان أبو سفيان (بالفعل) في طريقه من مكة إلى المدينة مفوضًا من قريش في طلب تجديد الصلح.
وكان وفد خزاعة الذي أبلغ الرسول ﷺ ما تعرضت له خزاعة من غدر وعدوان قد سبق أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ثم عاد منها.
ويشير أصحاب المغازي والسير إلى أن النبي ﷺ قد أمر رجال الوفد الخزاعي وعددهم واحد وأربعون أن يتفرقوا عند عودتهم من المدينة وأن لا يعودوا إلى ديارهم مجتمعين ففعلوا.
حيث اتجهت طائفة منهم نحو الساحل متنكبة الطريق الرئيسى. كما تفرق آخرون وسلكوا طرقًا جانبية، إلا أن بُديل بن أم أصرَم الخزاعي لزم
стр. 1985
الطريق الرئيسى. وبعد أن تجاوز الأبواء (١) لقيه أبو سفيان فأشفق أن يكون بُديل بن أم أصرم وأصحابه قد جاؤوا المدينة فقال أبو سفيان للقوم: أخبروني عن يثرب منذ كم عهدكم بها -وكان بذلك يريد معرفة ما إذا كانوا قد اجتمعوا بالرسول ﷺ وأخبروه- فقالوا: لا علم لنا بها. ثم أمعن أبو سفيان في السؤال فقال: يا بُديل هل جئت محمدًا قال: لا! ما فعلت ولكنى سرت في بلاد كعب وخزاعة من هذا الساحل في قتيل كان بينهم فأصلحت بينهم فقال أبو سفيان -وكان مَرنًا-: إنك والله -ما علمت- بَرُّ واصل، ثم قايلهم أبو سفيان (٢).
غير أن الشك خامره فأمعن في التحقيق ليصل إلى الحقيقة. فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعمونا فإن لتمر يثرب فضلًا على تمر تهامة. قالوا: لا.
ولكن أبا سفيان ظلت الشكوك تساوره لذلك لم يطمئن إلى نفيهم فعمد إلى منزلهم بعد أن رحلوا فأتى أولًا، مَبْرَك جمالهم ففحص أبعارها بأن فتتها. فوجد بها نَوى التمر. ثم وجد حيث نزلوا نوَى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطير. فاستدل بذلك على أنهم (يقينا) جاءوا من المدينة. فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدًا (٣).
وعندها ضعف أمل أبي سفيان في أن ينجح في مسعاه لدى النبي ﷺ للحصول على توثيق وزيادة المدة فيه.
أبو سفيان في المدينة:
إلّا أن أبا سفيان بالرغم من تضاؤل أمله في النجاح في مسعاه واصل السير نحو المدينة لبذل جهوده كما طلبت منه قريش حتى وصلها وقابل النبي
стр. 1986
- ﷺ . إلَّا أنه فشل فشلًا ذريعًا في مهمته. حيث لم يقبل النبي ﷺ الدخول معه في أية مفاوضة حول طلبه الذي جاء من أجله وهو تجديد الصلح والزيادة في مدته.
فقد وجد أبو سفيان الجو في المدينة مشحونًا بالنقمة على قريش والتغيُّظ عليها لما صنعت من نقض الصلح بالمشاركة في العدوان على خزاعة حليفة المسلمين. فقد عبَّأ مجئ وفد خزاعة إلى المدينة وشرحه للنبي ﷺ تفاصيل العدوان الغادر ... عبأ مشاعر المسلمين ضد القرشيين إلى درجة أن وجد أبو سفيان (وهو سيد كنانة) نفسه منبوذًا في المدينة لا يلقاه إنسان واحد بوجه طلق.
ابنة أبي سفيان تطرد أباها:
وكانت أول صدمة تلقاها أبو سفيان بن حرب -فور دخوله المدينة- ذلك التصرف الذي تصرفته نحوه ابنته المسلمة أم حبيبة.
فقد كانت هذه السيدة الفاضلة إحدى أُمهات المؤمنين. ولما كانت ابنته قصد حجرتها بمنزل رسول الله، وعندما دخل عليها حاول أن يجلس على فراش الرسول ﷺ منعته من ذلك، إذ طوت الفراش لئلا يجلس عليه.
فساءه ذلك وقال (في مرارة وألم): يا بنية ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ فقالت -في لهجة المؤمن الصادق المكين الذي يجعل اعتبار العقيدة والمبدأ فوق كل اعتبار-: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ . قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر (١).
قالت: هداني الله للإِسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، يسقط عنك دخولك في الإِسلام؟ وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يبصر! ! فقال: يا عجباه! وهذا منك أيضًا! أأترك ما كان يعبد آبائي
стр. 1987
وأتبع دين محمد؟ . ثم خرج (١).
غادر أبو سفيان حجرة ابنته أمّ حبيبة. وهو يكاد يجر رجليه جرًا، من الذي لقيه من ابنته المسلمة التي صارحته بأنه مشرك نجس لا تسمح له (وإن كان أباها) أن يجلس على فراش الرسول ﷺ ولامته على أن يظل يعبد الأحجار بعد أن استبان الصواب ووضح السبيل لا سيما لمن هو في منزلته. سيد قريش وكبيرها! .
وبعد أن تلقى أبو سفيان تلك الصدمة النفسية العنيفة على يد ابنته المؤمنة أم حبيبة قام بمحاولة يائسة لإقناع الرسول ﷺ بالدخول معه في مفاوضة للحصول لقريش على ضمان باستمرار مفعول صلح الحديبية وتوثيق هذا الصلح بموافقة الرسول ﷺ على زيادة مدته. لأن ذلك لو حدث لكان من النبي ﷺ بمثابة عفو عام عن قريش عما ارتكبته من خيانة وغدر في حق حلفائه فقد حاول أبو سفيان التمويه والمغالطة ليحصل على الضمان الذي تتوق قريش للحصول عليه. فتظاهر بأنه إنما جاء إلى المدينة بصفته الشخصية. وبصفته كان غائبًا في صلح الحديبية وأنه كسيد من سادات قريش جاء يطلب توثيق الصلح الذي لم يكن من بين الزعماء الذين وقعوا عليه. فقد دخل على النبي ﷺ وقال: يا محمد، إني كنت غائبًا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزد. غير أن النبي ﷺ قطع على زعيم قريش خط المناورة، إذ قال له. لذلك جئت يا أبا سفيان؟ قال: نعم (٢). فقال رسول الله ﷺ ... هل كان فيكم من حدث؟ فلم يعترف أبو سفيان بالحقيقة، بل أنكرها في جرأة عجيبة. حيث قال .. معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدّل.
وهنا أسمع النبي ﷺ أبا سفيان كلمات هي غاية في المران والرزانة والحنكة والتعمية على رجل هو زعيم أعداء النبي ﷺ . كلمات زادت
стр. 1988
أبا سفيان حيرة على حيرته (١). إذ لم يظفر من الكلمات النبوية المقتضبة بأي شيء يشير من قريب أو من بعيد إلى أن أبا سفيان قد حصل على أيّ شيء مما تريد قريش أن يطمئنها به كي تكون في مأمن، من العقاب العادل الذي تتوقعه على أيدى المسلمين جزاء مشاركتها في الغدر بخزاعة وتواطؤها مع سفهاء بني بكر في جريمة الوَتير.
فقد قال النبي ﷺ لأبي سفيان -لما أنكر أن يكون حدث ما ينقض الصلح من قبل قريش-: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغيّر ولا نبدل (٢). ولم يسمع من النبي ﷺ بهذا الصدد -غير هذه الكلمات المقتضبة، فخرج أبو سفيان من مجلس الرسول ﷺ وهو صفر اليدين خالى الوفاض.
اتصالات أبي سفيان الثنائية بكبار الصحابة للتوسط عند الرسول
غير أن أبا سفيان -وهو السياسي المرن- لم ييأس من التوصل إلى تحقيق شيء مما جاء من أجله، فقرر الاتصال بكبار المهاجرين من قريش، لعلهم -بما لهم من مكانة- يؤثِّرون على رسول الله ﷺ فيجيب أبا سفيان إلى توثيق الصلح وزيادة مدته.
وكان أول من اتصل به من المهاجرين أبا بكر الصِّديق الذي كلمه أبو سفيان وطلب منه أن يتوسط لدى رسول الله ﷺ ليقبل التفاوض ويزيد في مدة الصلح. ولكن الصديق -وقد علم شناعة الجرم الذي ارتكبته قريش- رفض طلب أبي سفيان قائلًا: ما أنا بفاعل (٣).
فلما يئس أبو سفيان من أقرب المقربين إلى رسول الله ﷺ ، تركه واتجه إلى عمر بن الخطاب، -وكان معروفًا بعداوته الشديدة لمشركي مكة- فطلب منه مثلما طلب من أبي بكر الصديق أن يتوسط لدى
стр. 1989
الرسول ليجدد الصلح ويزيد في المدة. فأسمعه ابن الخطاب ما ملأ نفسه يأسًا , إذ قال له: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ فوالله لو لم أجد إلا الذر (١) لجاهدتكم به. وفي رواية: والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. فقال أبو سفيان (متألمًا): جزيت من ذي رَحم شرًّا (٢).
فذهب إلى عثمان بن عفان مكررًا المحاولة. فقال له: إنه ليس في القوم أحد أقرب بي رحمًا منك -وكان عثمان من بني أمية عشيرة أبي سفيان-، فزد في الهدنة وجدد العهد فإن صاحبك لن يرده عليك أبدًا، والله ما رأيت رجلًا قط أكثر إكرامًا لصاحب من محمد لأصحابه! ! فلم يستجب له عثمان، بل دفعه -ولكن دفعًا رقيقًا- حيث قال له: جوارى في جوار رسول الله ﷺ (٣).
بعد هذه المحاولات الفاشلة التي قام بها أبو سفيان لجأ إلى علي بن أبي طالب. وإلى زوجته فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، فدخل عليهما وبين أيديهما ابنهما الحسن غلام صغير. فبدأ بعلي متوسلًا بما بينهما من قرابة قائلًا: يا عليّ إنك أمَسّ القوم بي رحمًا وأقربهم منى قرابة، وإني قد جئتك في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبًا فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ . فقال ويحك يا أبا سفيان والله رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه (٤). فقال: يا أبا الحسن أجِرْ بين الناس وكلم محمدًا يزيد في المدة، فكرر على اعتذاره قائلًا: ويحك يا أبا سفيان! إن رسول الله ﷺ قد عزم أن لا يفعل، وليس أحد يستطيع أن يكلم رسول الله ﷺ في شيء يكرهه (٥).
وهنا -وكمحاولة أخيرة- التفت أبو سفيان إلى فاطمة الزهراء وطلب منها أن تتوسط في الأمر فتكلِّم أباها الرسول ﷺ لتحصل لأبي سفيان على ما يريد من تجديد الصلح وزيادة المدة فيه فاعتذرت فاطمة
стр. 1990
قائلة: إنما أنا امرأة فألحَّ عليها قائلًا: قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع فأجاز ذاك محمد. فقال: إنما ذلك إلى رسول الله ﷺ (١). فألح مرة أخرى قائلًا: مرى أحد بنيك يُجير بين الناس! . قالت إنهما صبيان، وليس مثلهما يجير (٢).
أبو سفيان يستعين بسعد بن معاذ
وذكر المؤرخون أن أبا سفيان بعد أن فشل في الحصول على تجديد الصلح عن طريق توسيط كبار المهاجرين لجأ إلى سيد الأوس سعد بن عبادة علّه يتوسط ليحصل بواسطته من الرسول ﷺ كل تجديد الصلح.
فقد حدّث ابن أبي حبيبة عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال جاء أبو سفيان بن حرب إلى سعد بن عبادة فقال: يا أبا ثابت قد عرفت الذي كان بيني وبينك، وإني قد كنت لك في حرمنا جارًا، وكنت لي بيثرب مثل ذلك، وأنت سيد هذه البحرة (٣) فَأجِرْ بين الناس وزد في المدة. فقال سعد: يا أبا سفيان جوارى في جوار رسول الله ﷺ ما يجير أحد على رسول الله ﷺ (٤).
أبو سفيان يستشير علي بن أبي طالب ليجد له حلًا
ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان بن حرب بعد أن انتهى إلى طريق مسدود في كل المحاولات اليائسة التي قام بها ليحصل على تجديد الصلح واستمرار فعالية هدنة الحديبية (التي نقضتها قريش نقضًا صريحًا). فتأمن قريش بهذا التجديد العقوبة التي باتت تتوقعها من المسلمين جزاء غدرها ونقضها للصلح .. بعد أن وصل إلى الطريق مسدود لجأ إلى علي بن أبي طالب للمرة الثانية متوسلًا بالقرابة التي تربطهما وطالبًا منه المشورة فيما يفعل قائلًا: يا
стр. 1991
أبا الحسن إني أرى الأمور قد انسدت على فانصحنى (١). فقال: أنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فَأجِرْ بين عشيرتك (٢). فقال أبو سفيان: ترى ذلك مغنيًا عنى شيئًا (٣)؟ قال علي: لا أظن ذلك والله، ولكنى لا أجد لك غيره (٤). قالوا فخرج أبو سفيان فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد. ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جوارى، فقال الرسول ﷺ : أنت تقول ذلك يا أبا سفيان (٥). وكان هذا القول من أبي سفيان محاولة يائسة أخيرة عسى أنه بها يجعل قريشًا في أمان من الغزو الذي باتت تتوقعه. ولكنها كانت محاولة فاشلة.
عودة أبي سفيان خائبًا إلى مكة .
وبعد أن أفرغ أبو سفيان كل ما في جُعبته من مناورات ومحاولات وتوسلات ليحصل من الرسول ﷺ على تجديد صلح الحديبية لتأمن قريش العقاب العادل جزاء غدرها بحلفاء الرسول ﷺ ونقضها الصلح .. وبعد أن فشلت كل هذه المحاولات والتوسلات والمناورات ترك المدينة يحمل لقريش نذُر الحرب التي عليهم أن يتوقعوها بعد أن أشعلوا فتيلها بأيديهم الغادرة.
أول إشارة صريحة لغزو مكة
وذكر موسى بن عقبة أن النبي ﷺ حين أدبر أبو سفيان تاركًا المدينة إلى مكة قال -مشيرًا إلى سحابة-: إن هذه السحابة لتبضُّ بنصر بني كعب .. يعني خزاعة، ثم قال: اللهم خذ على أبصارهم وأسماعهم فلا يرونا إلّا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة (٦).
стр. 1992
قريش تتهم أبا سفيان بالإسلام
كانت قريش قلقة أشد القلق حين بعثت بمندوبها أبي سفيان بن حرب إلى المدينة، لأنها تخشى أن يغزوها النبي ﷺ بعد أن أصبح صلح الحديبية منقوضًا بفعل قريش وبنى كنانة. وزاد من قلق قريش أن طال غياب أبي سفيان. حتى ساورت الشكوك سادات المشركين في مكة فاتهموه بأنه قد أسلم، فقال قائلهم: والله إنا نراه قد صبأ، واتبع محمدًا سرًّا وكتم إسلامه (١).
هند تحقق مع زوجها أبي سفيان
وعندما عاد أبو سفيان إلى مكة ودخل منزله. أبلغته زوجه هند أن قريشًا تتهمه ثم استجوبته عما صنع لقريش في المدينة قائلة: لقد حُبِسْتَ حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل. ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من المرأة، فجعلت - تستجوبه - تقول: ما صنعت؟ فأخبرها الخبر "كله" وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي فضربت برجليها في صدره وقالت: قبحت من رسول قوم (٢).
أبو سفيان يبلغ قريشًا نتائج رحلته
وقد اجتمع أبو سفيان بسادات قريش الذين طلبوا منه إعطاءهم تقريرًا شاملًا عن نتائج رحلته إلى المدينة، فأبلغهم -صراحة بالتفصيل- كل مراحل محاولاته الفاشلة.
قال موسى بن عقبة: وقدم أبو سفيان مكة، فقالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ .
قال: لا والله وقد أبي عليّ، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: التمس جوار
стр. 1993
الناس عليك ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره، فقصت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أنى قد أجرت بين الناس وقلت: ما أظن أن تخفرنى؟ فقال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ - فقالوا له: رضيت بغير رضي وجئتنا بما لا يغنى عنا ولا عنك شيئًا وإنما لعب بك على لعمرو الله، ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم: لهين (١).
فقال: والله ما وجدت غير ذلك (٢).
وهكذا عاد أبه سفيان من المدينة بخفى حنين -كما يقولون- لم يحقق بمساعيه أي شيء من الهدف الذي من أجله أوفدته قريش.
وإذا كان أبو سفيان لم يجد في المدينة أيّ قبول لطلب سادات مكة وهو تجديد صلح الحديبية. فإنه كذلك لم يستطع الحصول على أية معلومات تؤكد صراحة أن النبي ﷺ قد قرر أن يغزو المشركين في مكة، بل لقد تعمد الرسول ﷺ أن يعمي على قريش ويجعلها في حيرة من أمرها حين قال لأبي سفيان - عندما جاء يطلب تجديد الصلح - نحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية.
стр. 1994
الفصل الثالث
• الرسول يقرر الزَّحف على مكة الكرمة.
• استشارة الرسول ﷺ خاصة أصحابه وهيئة أركان حربه قبل الزحف.
• اتباع خطة الكتمان الشديد بعد قرار الزحف.
• استنفار المسلمين (حاضرة وبادية للغزو).
• خيانة أحد كبار الصحابة بمحاولته تحذير قريش وتوبته بعد ذلك.
• الجيش يتحرك من المدينة ولا يدرى إلى أين.
• عشرة آلاف مقاتل تتحرك من المدينة.
• تعبئة الجيش في قُديد وتوزيع الرايات وتعيين الأمراء.
• نجاح خطة الكتمان نجاحًا كاملًا.
• النبي ﷺ على أبواب مكة.
• قريش تباغَتُ بالغزو، فتنهار.
• أبو سفيان بن حرب في معسكر الرسول ﷺ يفاوضه على شروط تسليم مكة للمسلمين.
• مكة مدينة مفتوحة.
• أبو سفيان يسلم قبل الفتح.
• أوامر الرسول المشددة لجيشه بعدم القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس.
• قريش تلقى بسلاحها.
• سيطرة المسلمين على مكة.
• النبي يصدر عفوًا عامًّا عن أهل مكة.
стр. 1995
وهكذا عزم النبي ﷺ على غزو المشركين في مكة - منذ أن تبلغ نقضهم العهد بغدرهم بحلفائه من خزاعة (١) مستغلين هذا الصلح أبشع استغلال- إلا أن الرسول ﷺ "مع هذا العزم الأكيد" رأى أن يلتزم جانب السرية المطلقة لكى لا تشعر به قريش إلّا وهو يدهمها بجيشه. فيستولى على مكة بأقل خسارة ممكنة في الأرواح. ولهذا قال ﷺ فيما سمعه منه بعض خاصته -: اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة (٢). وقد حرص الرسول ﷺ كل الحرص على أن تكتم أخبار الغزو عن المشركين في مكة. فاتخذ كل الإجراءات الكفيلة بذلك. فكتم الخبر حتى عن عامة أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقد دعا إلى الحشد والاستعداد للحرب. ولكن دون أن يحدد الجهة التي يقصدها حتى ذهبت بأصحابه التخمينات مذاهب شتى.
فمنهم من ظن (حين رآه يحشد قوات الإسلام) أنه يريد غزو الروم ومنهم من ظن أنه يريد هوازن وثقيف وظن ظان أنه يريد نجد.
ومع عدم إفصاح الرسول لأصحابه عن وجهته فقد استنفر كل قوات الإِسلام. فأرسل إلى سكان البوادى ومن حوله من المسلمين في كل ناحية يقول لهم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة (٣).
وقد استجاب أهل البادية للنبي ﷺ فقدمت المدينة من قبائل
النبي يستشير خاصة أصحابه بشأن غزو مكة
وكان الرسول ﷺ قد طلب من أهله كتمان خبر الغزو عن أي إنسان كان قالوا: وأمر رسول الله ﷺ عائشة أن تجهزه وتُخفى ذلك. ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تجهّز رسول الله ﷺ تعمل قمحًا وسويقًا ودقيقًا وتمرًا. فقال: يا عائشة، أهم رسول الله ﷺ بغزو؟ قالت: ما أدرى. قال: إن كان رسول الله ﷺ همّ بسفر فآذنينا نتهيأ له. قالت: ما أدرى. فقال: يريد بني الأصفر -وهم الروم- فصمتت. قال: فلعله يريد أهل نجد فصمتت. قال: فلعله يريد قريشًا؟ فصمتت، فاستعجمت عليه، حتى دخل رسول الله ﷺ فقال له أبو بكر: يا رسول الله أردت سفرًا؟ قال: نعم. قال: أفأتجهز؟ قال: نعم. قال أبو بكر: وأين تريد يا رسول الله؟ قال: قريشًا. واخف ذلك يا أبا بكر، قال: أوليس بيننا وبينهم مدة؟
قال: إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم. وقال لأبي بكر: اطو ما ذكرت لك، فظان يظن أن رسول الله ﷺ يريد الشام، وظان يظن ثقيفًا، وظان يظن هوازن (١).
رسل النبي إلى القبائل لاستنفارها
وعندما قرر الرسول ﷺ الزحف على مكة بعث باثنى عشر من خلصاء أصحابه إلى البادية لاستنفار القبائل. وكان هؤلاء المبعوثون هم:
١ - أسماء بن حارثة (٢)، إلى قبيلة أسلم.
٢ - هند بن حارثة (٣) , إلى قبيلة أسلم.
стр. 1998
٣ - رافع بن مكيث الجهني (١)، إلى جهينة.
٤ - جندب بن مكيث الجهني (٢)، إلى جهينة.
٥ - إيماء بن رحضة (٣)، إلى غفار وبنى ضمرة وبنى الحصين.
٦ - أبو رُهْم كلثوم بن الحصين إلى غفار وبنى ضمرة وبنى الحصين.
٧ - معقل بن سنان (٤) إلى أشجع (٥).
٨ - نُعيَم بن مسعود (٦)، إلى أشجع أيضًا.
٩ - بلال بن الحارث (٧)، إلى مزينة.
١٠ - عبد الله بن عمرو المزني (٨)، إلى مزينة أيضًا.
стр. 1999
١١ - الحجاج بن علاط السلمي (١) إلى بني سليم (٢)
١٢ - عرباض بن سارية (٣)، إلى بني سليم أيضًا.
١٣ - بشر بن سفيان (٤)، إلى بني كعب (٥).
١٤ - بديل بن ورقاء (٦)، إلى بني كعب أيضًا.
стр. 2000
في مجلس استشارى: أبو بكر يطلب الرفق بقريش وعمر يطلب الشدة
وكان الرسول ﷺ عندما قرر غزو قريش في مكة عقد مجلسًا أعلى تداول الرأي فيه مع خاصة أصحابه الذين يمكن تسميتهم بهيئة أركان حربه ووزرائه. على رأسهم أبو بكر وعمر.
أما أبو بكر، فقد أشار بما يوحى أنه يرى التأنِّي وعدم الزحف على مكة. حين قال في المجلس: إنهم قومك (يا رسول الله).
وأمَّا عمر فقد حث الرسول على التنكيل بهم وإنهاء وجودهم. وصارح النبي ﷺ بأن لا قرار للإسلام ولا سبيل إلى إخضاع الوثنيين في الجزيرة ككل إلا بخضد شوكة قريش. حيث قال: نعم هم رأس الكفر، زعموا أنك ساحر وأنك كذاب، وأيمُ الله لا تذل العرب (يعني من تبقى منهم على الوثنية) حتى تذل أهل مكة.
فقال رسول الله ﷺ مستصوبًا رأى عمر-: إن أبا بكر كإبراهيم، وكان في الله ألين من اللين، وأن عمر كنوح وكان في الله أشد من الحجر، وأن الأمر أمر عمر -أي أن الرأي الذي ينبغي العمل به هو رأى عمر- وهو إسقاط الوجود الوثنى نهائيا في مكة.
وهكذا تقرر نهائيًا أن يقوم الرسول ﷺ بغزو قريش تأديبًا لها على نقض الصلح بغدرها المشين بخزاعة في ظل عهد وهدنة وأمان. وفتكها بثلاثة وعشرين بريئًا قتلتهم قريش وحلفاؤها من بني بكر داخل مكة وبالقرب من الكعبة.