← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

اسم العشيرة ... عدد الكتيبة ... اسم ضابطها بنو سلمه (١) ... ١ ... قُطْبة بن عامر (٢) بنو مالك بن النجار (٣) ... ١ ... عمارة بن حزم (٤) بنو مازن (٥) ... ١ ... سليط بن قيس (٦) بنو دينار (٧) ... ١ ... لم نعثر على اسم الضابط الذي حمل راية هذه العشيرة عدد كتائب المهاجرين وأسماء ضباطهم أمّا القوات المؤلفة من المهاجرين وعددها (كما تقدم) سبعمائة مقاتل. فقد قسمها الرسول ﷺ إلى ثلاث كتائب. عيّن لكل كتيبة ضابطًا من كبار قادة المهاجرين القرشيين. والملاحظ أن الرسول القائد ﷺ لم يقسم القيادات والكتائب في قوات المهاجرين على أساس قبلي وإنما أعطى قيادة هذه الكتائب إلى ثلاثة من كبار سادات المهاجرين وكلهم من قريش. بينما كل المهاجرين ليسوا من قريش وحدها. بل يمكن القول: إن أكثر المهاجرين من غير القرشيين، بل من قبائل عربية شتى غير قرشية: عدنانية وقحطانية. وفيما يلي تفصيل الكتائب في جيش المهاجرين وأسماء ضباطهم

стр. 2032

وعددهم ثلاثة: نوع المحاربين ... عدد الكتيبة ... اسم ضابطها مهاجرون ... ١ ... علي بن أبي طالب مهاجرون ... ١ ... الزبير بن العوام مهاجرون ... ١ ... سعد بن أبي وقاص كتائب قبيلة مزينة وأسماء ضباطها أما قبيلة مزينة والتي يبلغ عدد المحاربين فيها ألف مقاتل، فقد قسمهم النبي القائد ﷺ إلى ثلاث كتائب، عين لكل كتيبة ضابطا من أبناء مُزينة نفسها، كما يلي: اسم القبيلة ... عدد الكتيبة ... اسم ضابطها مُزينة ... ١ ... النعمان بن مقرن (١) مُزينة ... ١ ... بلال بن الحارث (٢) مُزينة ... ١ ... عبد الله بن عمرو (٣) كتائب جهينة (٤) وأسماء ضباطها أما قبيلة جهينة، وعدد المحاربين منها في الجيش النبوى ثمانمائة. فقد قسمها الرسول ﷺ إلى ثلاث كتائب، عين لها أربعة ضباط من أبناء

стр. 2033

جهينة نفسها: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... اسم ضابطها جهينة ... ١ ... سويد بن صخر (١) جهينة ... ١ ... رافع بن مكيث (٢) جهينة ... ١ ... أبو زرعة (٣) جهينة ... ١ ... عبد الله بن بدر (٤) كتائب سُليم وأسماء ضباطها كذلك قبيلة بني سُليم التي محاربوها في الجيش النبوى ألف مقاتل كلهم من الفرسان قسمهم الرسول القائد إلى ثلاث كتائب. وأعطى راية كل كتيبة إلى ضابط من أبناء بني سُليم كما يلي: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... اسم ضابطها بنو سليم ... ١ ... عباس بن مرداس (٥) بنو سليم ... ١ ... خفاف بن ندبة (٦) بنو سليم ... ١ ... الحجاج بن علاط كتائب خزاعة وأسماء ضباطها أما خزاعة التي كان اعتداء قريش وحلفائها البكريين عليها سببًا في نقض

стр. 2034

صلح الحديبية، ثم في الزحف على مكة. والتي كان عدد المحاربين فيها خمسمائة مقاتل، فقد كتبها النبي ﷺ ثلاث كتائب وأسند قيادة هذه الكتائب إلى ثلاثة من سادات خزاعة، كما يلي: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... ضابطها خزاعة ... ١ ... بسر بن سفيان (١) خزاعة ... ١ ... ابن شريح (٢) خزاعة ... ١ ... عمرو بن سالم (٣) كتائب أسلم وعدد ضباطها كذلك قبيلة أسلم البالغ عدد المحاربين منها في الجيش النبوى أربعمائة، جعلها النبي ﷺ كتيبتين عيَّن لهما ضابطين من القبيلة نفسها على النحو التالي: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... اسم ضابطها أسلم ... ١ ... بريدة بن الحصيب (٤) أسلم ... ١ ... ناجية بن الأعجم (٥) كتائب غفار وأسماء ضباطها أما قبيلة غفار التي تقع منازلها على الطريق بين المدينة ورابغ والتي بلغ عدد المقاتلين فيها ثلاثمائة، فقد جعلها الرسول القائد ﷺ كتيبة واحدة وهي: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... اسم ضابطها غفار ... ١ ... أبو ذر الغفاري (٦)

стр. 2035

كتائب ضمرة وسعد أما بنو ضمْرة وسعد بن بكر (١)، وجميعهم (مثل غِفار) ينتسبون إلى كنانة، فقد كان عدد المحاربين منهم في الجيش مائتين، أسند الرسول القائد ﷺ قيادتهم إلى ضابط واحد منهم، والتفصيل كما يلي: اسم القبيلة ... كتيبة عدد ... اسم ضابطها ضمرة وسعد ... ١ ... أبو واقد الليثى كتائب بني ليث كذلك بنو ليث بن بكر من كنانة الذين بلغ عدد المقاتلين منهم مائتين وخمسين، جعلهم الرسول القائد ﷺ كتيبة واحدة، وعين لهم منهم ضابطًا كما يلي: اسم القبيلة ... كتييبة عدد ... اسم ضابطها بنو ليث ... ١ ... الصعب بن جثامة كتائب أشجع وضباطها أما قبيلة أشجع، والتي هي القبيلة النجدية الوحيدة التي اشتركت بقوة كبيرة في الجيش النبوى الزاحف علي مكة. فقد كان عدد المحاربين فيها (كما تقدم) ثلاثمائة، قسَّمهم الرسول ﷺ إلى كتيبتين، عين لقيادتهما ضابطين هما من السابقين الأولين في الإِسلام: اسم القبيلة ... كتبيبة عدد ... اسم ضابطها أشجع ... ١ ... نُعيم بن مسعود أشجع ... ١ ... معقل بن سنان

стр. 2036

مفرزة بني تميم (١) وقائدها. أما بنو تميم، القبيلة النجدية العظيمة. فلم يكن في الجيش النبوى منها

стр. 2037

سوى مفرزة صغيرة قوامها عشرة من المحاربين، جاء يقودهم - والتقى بالرسول ﷺ أثناء الطريق - سيد بني تميم الأقرع بن حابس التميمي. استمرار الكتمان في التحرك هكذا عبّأ الرسول القائد ﷺ جيشه في (قديد) وكانت التعبئة على أساس قبلي، ما عدا المهاجرين الذين كانت تعبئتهم على غير هذا الأساس. حيث عين لهم النبي ﷺ قادة ثلاثة من كبار المهاجرين القرشيين. لا يمكن أن ينافسهم أحد لسابقتهم. وهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص الزهري. ورغم اكتمال تعبئة الجيش في قُديد، ورغم اقترابه من منطقة مكة المقصودة بالغزو. فقد ظل الرسول القائد ﷺ ملتزما خطه السرية والكتمان. لا يدرى عامة أصحابه إلى أين هو متجه بالجيش وعلى من سيهجم. إلا أن الناس جميعا أدركوا أن الرسول ﷺ ولا شك - إحدى فئتين فقط، إما قريشًا وإما هوازن، حيث تبين أنه لم يعد - بعد أن وصل بالجيش قُديدًا - من هو ذا شوكة قوية من المشركين في المنطقة سوى هوازن وقريش. ولكن الناس لا يدرى أحد منهم: أيقصد بهم الرسول ﷺ قريشًا أم هوازن. ولم يعرف الجيش أنه زاحف للسيطرة على مكة وإنهاء الوجود الوثنى فيها إلا بعد أن وصل به الرسول أعلى وادي مَرِّ الظهران (وادي فاطمة). الجيش النبوى يتحرك من قديد وبعد أن أكمل الرسول ﷺ تعبئة جيشه في سهل قُديد. تحرك بالجيش في اتجاه وادي عُسفان وهو وادي شهير لخزاعة يمر به من يقصد مكة أو الطائف من ناحية قُديد القريبة من ساحل البحر الأحمر. الطلائع ومقدمة الجيش وكان الرسول ﷺ قد بعث أمامه مفارز من قواته الخاصة منذ خرج

стр. 2038

من المدينة، لتقوم بأعمال الاستخبار والاستطلاع ولديها أوامر باعتقال كل من تشتبه به في أن يكون عينا للمشركين، يتلقط أنباء المسلمين. خالد بن الوليد قائد مقدمة الجيش النبوى وعند التحرك بالجيش من قُديد (مكان التجمع والحشد النهائى)، أسند الرسول ﷺ إلى الفارس والمحارب القرشي المشهور خالد بن الوليد قيادة مقدمة الجيش، كلهم من الفرسان. غالبيتهم من بني سُليم، الذين كلهم من الفرسان وعددهم ألف فارس. وكان بنو سُليم على راياتهم كل ضابط منهم قائد لكتيبته حسب التعيين النبوى في قُديد. وخالد إنما عينه الرسول ﷺ قائدًا عامًا للمقدمة ككل. الرسول يسلك ناحية الطائف ثم يعرج على مكة لتضليل العدو ويدل سياق المؤرخين (وذلك زيادة في التعمية على العدو) أن الرسول القائد ﷺ استمر في تحركه بالجيش حتى وصل مناطق تابعة لثقيف ناحية الطائف. وهذا يعني أنه انحرف في تحركه ذات اليمين تاركًا مكة عن يساره بعض الوقت. ثم عاد واستوى على الطريق الرئيسى متجها نحو مكة عبر وادي الظهران. يدل على ذلك ما أكده المؤرخون أن الرسول ﷺ عسكر أثناء تحركه بمنطقة العَرْج، والعرج كما في معجم البلدان - ج ٤ ص ٩٨ - قرية جامعة في واد ناحية الطائف، ينسب إليها العرجى الشاعر المعروف. فقد ذكر الواقدي، (كما تقدم)، أن الرسول ﷺ لما عسكر بجيشه في العرج، والناس لا يدرون أين يتوجه: إلى قريش أو إلى هوازن أو إلى ثقيف. فقال كعب بن مالك (الشاعر المشهور) .. أنا آتى رسول الله ﷺ فأعلم لكم علم وجهه. فجاء كعب، فبرك بين يدي رسول الله ﷺ . ثم قال شعرًا. حاول الحصول به على معرفة أين يريد الرسول ﷺ الاتجاه بهم. غير أن الرسول - (بعد أن سمع شعر كعب بن

стр. 2039

مالك) - لم يزد على أن تبسم (١). هوازن تستعد لمصادمة المسلمين لم يعد في الحجاز - بل في جزيرة العرب كلها - من هو ذا شوكة من المشركين يحسب له النبي ﷺ حسابًا سوى قريش وقبائل هوازن المنتشرة ديارها شرقي مكة على امتداد مسافات شاسعة تتاخم حدود نجد. وإذا كانت قريش العدو الرئيسى للمسلمين تتوقع أن يغزوها المسلمون. فإن هوازن هي الأخرى كانت تستعد لحرب المسلمين .. فتحشد الجيوش، وتبعث إلى خارج الجزيرة في شراء المعدات الحربية الثقيلة. لماذا لم تتحالف قريش وهوازن على حرب المسلمين والذي تجدر الإِشارة إليه هنا هو أن قريشًا وهوازن - بالرغم من التقائهما عند مبدأ واحد وهو عداوة المسلمين والرغبة في القضاء عليهم. وبالرغم من أن إحداهما جارة للأخرى - فإنّا لم نر في شيء من كتب التاريخ أنهما سعيا (بأي شكل من الأشكال) لإِقامة أي نوع من أنواع الترابط العسكري، في اتحاد أو حلف يواجهون به عدوهم المشترك - النبي ﷺ وأصحابه - ولا يستبعد أن يكون ذلك راجعًا إلى اختلاف الفريقين في الأساليب التي يجب اتباعها لمواجهة أي غزو قد يقوم به المسلمون ضد أي منهما (٢). فقريش أصبحت غير ميالة للحرب (رغم نقضها صلح الحديبية)، لأنها تدرك أنه لا قبل لها بالمسلمين إذا ما تحركت قواتهم من المدينة للزحف على مكة. ولهذا قرر برلمانها (دار الندوة) أن أسلم وسيلة لإِيقاف ما

стр. 2040

ينتظرون من غزو يقوم به المسلمون. هو التفاوض مع الرسول القائد ﷺ ليظفروا منه بتجديد الصلح الذي كانوا نقضوه فبعثوا من أجل هذه الغاية أبا سفيان بن حرب إلى المدينة. ولما فشل أبو سفيان في مهمته .. قررت قريش بالأغلبية في برلمانها، تفويض أبا سفيان بن حرب (أيضًا) أن يخرج ويتحسس أخبار المسلمين. فإذا ما وجد أن جيشهم يزحف على مكة، عليه أن يفاوض الرسول ﷺ ليحصل على الأمان منه لجميع أهل مكة كما سيأتي تفصيله في السياق إن شاء الله. أما هوازن (ويظهر أن ذلك راجع إلى كونها قوة ضاربة شرسة) فقد قررت عكس القرار الذي اتخذه سادات مكة وهو الاستعداد لمواجهة المسلمين. سواء كانت هذه المواجهة - من هوازن - هجومًا أو دفاعا. فقد أخذت هوازن تستعد لمحاربة النبي ﷺ قبل أن يتحرك من المدينة، جاء ذلك في معلومات خطيرة أفضى بها جاسوس كان يعمل لحساب قبائل هوازن ألقت عليه القبض دورية من استخبارات الجيش النبوى بالقرب جمن الطائف. جاسوس هوازن الذي وقع في أيدى استخبارات الجيش النبوى ففي ما بين العَرج والطلوب (١) وعلى بعد حوالي ثلاثين ميلا من مكة ألقت وحدة عسكرية من طلائع استكشاف الجيش النبوى القبض على جاسوس كان يتجسس على العسكر الإِسلامي لحساب هوازن الوثنية. وقد أتى به رجال الطليعة إلى الرسول ﷺ ولدى استجوابه - وبعد أن أعطى الأمان إن هو صدقهم الحديث وكشف عن حقيقته - اعترف، بأنه جاسوس بعثت به هوازن يجمع لها المعلومات عن تحركات الجيش النبوى. وهل يريد هوازن أم قريشًا. وأثناء استجوابه أخبر الرسول ﷺ أن هوازن تستعد لحربه. بقيادة مالك بن عوف النضرى، وأنهم قد بعثوا بخبراء منهم إلى جُرَش في الأردن لشراء معدات حربية ثقيلة مثل الدبابات والمنحنيق. وقد أخذ الرسول

стр. 2041

- ﷺ بأقوال هذا الجاسوس وصدقه فيما يقول: إلا أنه زيادة في الاحتياط أمر القائد خالد بن الوليد بالتحفظ عليه، لئلا يكشف للعدو أمر تحرك المسلمين. فاعتقله خالد حتى دخل الجيش النبوى مكة. وهناك أسلم هذا الجاسوس باختياره، وقتل شهيدًا في معركة حنين. قال الواقدي: حدثني معاذ بن محمد. عن عبد الله بن سعد، قال: لما راح رسول الله ﷺ من العرج تقدمت جريدة (١) من خيل (طليعة)، تكون أمام المسلمين، فلما كانت بين العرج والطلوب أتوا بعين (٢) من هوازن إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله رأيناه حين طلعنا عليه وهو على راحلته، فتغيب عنا في وَهْدة (٣) ثم جاء فأوفى على نشز (٤) فقعد عليه، فركضنا إليه فأراد يهرب منا، وإذا بعيره قد عقله أسفل من النشز وهو يغيبه فقلنا: ممن أنت؟ قال: رجل من بني غفار، فقلنا: هم أهل هذا البلد، فقلنا من أي بني غفار أنت؟ فعيى (٥) ولم ينفذ لنا نسبًا، فازددنا به ريبة، وأسأنا به الظن. فقلنا: فأين أهلك؟ . فقال: قريبًا وأومأ بيده إلى ناحية. قلنا: على أيّ ماء، ومن معك هناك؟ فلم ينفذ لنا شيئًا، فلما رأينا ما خلط، قلنا: لتصدقنا أو لنضربن عنقك. قال: فإن صدقتكم ينفعنى ذاك عندكم قلنا: نعم. قال: فإني رجل من هوازن من بني نَصْر، بعثتنى هوازن عينًا. وقالوا: ائت المدينة حتى تلقى محمدًا فتستخبر لنا ما يريد في أمر حلفائه، أيبعث إلى قريش بعثا أو يغزوهم بنفسه؟ ولا نراه إلا يستغورهم. فإن خرج سائرًا وبدث بعثًا فسِرْ معه حتى تنتهي إلى بطن سرف (٦)، فإن كان يريدنا أولًا فيسلك في بطن سَرف حتى يخرج إلينا، وإن كان يريد قريشًا فسيلزم الطريق.

стр. 2042

الرسول يستجوب الجاسوس الهوازنى وبعد هذا التقرير الشفوى الذي قدمه إلى الرسول القائد ﷺ جهاز استخباراته العسكرية عن هذا الجاسوس شرع الرسول ﷺ في استجوابه فسأله أولًا عن مكان هوازن الذي فيه يحتشدون. وقد كان الاستجواب على النحو التالي: الرسول ﷺ : أين هوازن؟ الجاسوس: تركتهم ببقعاء (١) وقد جمعوا الجموع، وبعثوا إلى الجُرَش في عمل الدبابات والمنجنيق، وهم سائرون إلى جمع هوازن فيكونون جمعًا. الرسول ﷺ : وإلى من جعلوا أمرهم؟ الجاسوس: إلى فتاهم مالك بن عوف. الرسول ﷺ : وكل هوازن قد أجاب إلى ما دعا إليه مالك. الجاسوس: قد أبطأ من بني عامر أهل الجد والجلد. الرسول ﷺ : من؟ الجاسوس: كعب وكلاب (٢). الرسول: ما فعلت هلال (٣)؟ الجاسوس: ما أقل من ضوى إليه منهم، وقد مررت بقومك أمس بمكة وقد قدم عليهم أبو سفيان بن حرب فرأيتهم ساخطين لما جاء به، وهم خائفون وجلون. فقال رسول الله ﷺ .. حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم أخبر أصحابه أنه يصدِّق الرجل فيما قال قائلا: ما أراه إلا صدقنى. قال الجاسوس: فلينفعنى ذلك؟ فأمر الرسول ﷺ خالد بن الوليد قائد مقدمة الجيش أن يحبسه،

стр. 2043

وخافوا أن يتقدم ويحذر الناس، فلما نزل العسكر مَرّ الظهران أفلت الرجل، فطلبه خالد بن الوليد فأخذه عند الأراك (١) وقال: لولا وليت عهدك لك لضربت عنقك، وأخبر رسول الله ﷺ فأمر به يحبس حتى يدخل مكة، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة وفتحها أتى به إلى رسول الله ﷺ فدعاه إلى الإِسلام فأسلم، ثم خرج مع المسلمين إلى هوازن فقتل بأوطاس (٢). الاستفادة من الاستخبارات وهكذا استفاد الرسول القائد ﷺ من بث الطلائع والأرصاد والعيون من جهاز استخباراته أمامه استفادة كبرى. فقد حصل عن طريق الجاسوس الهوازنى على معلومات ذات قيمة كبرى. عن أقوى عدو بقى للإِسلام في جزيرة العرب. وهو قبائل هوازن التي خاض منها ضد الإِسلام - عشرون ألفًا - معركة حنين التي هي أعنف معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوى. الرسول يفطر ويأمر الجيش بالفطر في رمضان كان الرسول ﷺ عند خروجه بالجيش من المدينة قد خير العسكر بين الفطر والصيام. وقد كان خروجه في شهر رمضان. فقد قال ﷺ : من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر (٣)، غير أن الرسول القائد ﷺ لما وصل بالجيش مَرَّ الظهران، وفي مكان لا يبعد عن مكة أكثر من مرحلة واحدة (حوالي عشرة كيلو مترات) أمر الجيش بأن يفطروا، لأنهم على أبواب معركة حربية. والصوم يضعف من قوة المحارب، كما أن الفطر يمد جسمه بالقوة والنشاط. لذلك أمر الرسول ﷺ كل الجنود بأن يفطروا، واعتبر من صام منهم ولم يفطر عاصيًا.

стр. 2044

فعن جابر بن عبد الله (١) قال: لما كنا بالكديد (٢) بين الظهر والعصر أخذ رسول الله ﷺ إناء من ماء في يده حتى رآه المسلمون، ثم أفطر تلك الساعة. وقال أبو سعيد الخدري (٣) قال رسول الله. ﷺ لما وصل مرَّ الظهران (٤) - إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم. وبلغ الرسول ﷺ أن قومًا من الجيش صاموا .. فقال: أولئك العصاة (٥). قريش تقرر عدم المقاومة وتفوض أبا سفيان لطلب الأمان من الرسول وكما أراد الرسول ﷺ طمس الله عن قريش أخبار تحركاته بجيشه فلم يعلموا عنه شيئًا حتى بات معسكرا عند الأراك على بعد حوالي أربعة أميال فقط من مكة الكرمة. ورغم انغلاق باب أخبار تحركات الجيش النبوى عن قريش فإنها ظلت "منذ ارتكبت خطيئة الغدر بخزاعة" وهي تتوقع أن يقوم الرسول ﷺ بغزوها تأديبًا لها على ارتكابها هذه الخطيئة. وظل زعماؤها (ومنذ عاد إليهم أبو سفيان من المدينة) يتشاورون في الأمر. وأخيرًا، وبعد مشاورات متعددة اتخذ سادات قريش قرارًا بعدم مقاومة الجيش النبوى إذا جاءهم غازيًا. وقرروا أن ينتدبوا أبا سفيان بن حرب ليكون المفاوض عنهم. يأخذ لأهل مكة جميعا الأمان من الرسول ﷺ ويبلغه رغبة قريش في أن يُسلموا له مكة، على أن تكون مدينة مفتوحة يأمن فيها أهلها على أنفسهم وأموالهم. إلا أن قريشًا فوضت أبا سفيان بن حرب (وبصورة استثنائية) أن يقبل التحدى ويعلن الحرب على المسلمين الزاحفين في حالة واحدة، وهي عندما يكون النبي ﷺ في

стр. 2045

قوات قليلة يمكن للجيش القرشي أن يتغلب عليها يدحرها بسهولة. وبعد اتخاذ هذا القرار في دار الندوة، كلفت قريش زعيمها أبا سفيان بن حرب، أن يخرج بنفسه لتحسس أخبار المسلمين، ولتنفيذ ما اتفقت عليه قريش في دار الندوة. وكلفت قريش حكيم بن حزام (١) أن يكون مساعدًا لأبي سفيان بن حرب ومرافقا له أثناء تأدية مهمته الخطيرة هذه. قال الواقدي: واجتمع المسلمون بمَرِّ الظهران، ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسير رسول الله ﷺ إليهم، فقد اغتموا وهم يخافون أن يغزوهم رسول الله ﷺ ، فأجمعت قريش بعثة أبي سفيان بن حرب يتحسس الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدًا خذ لنا منه جوارًا إلّا ترى رقة (أي ضعفًا) في أصحابه فآذنه (٢). لقد أراد الله خيرًا بقريش لقد نجحت خطة الكتمان التي اتبعها الرسول ﷺ لمباغتة قريش في مكة بجيشه. فلم يستطع أحد أن ينقل إليها أي شيء من أنباء تحركات الجيش النبوى منذ خرج من المدينة حتى وصل على أميال قليلة من مكة. حيث لم تشعر قريش إلا وعشرة آلاف من أصحاب محمد تقرع أبواب مكة. وقد كانت مفاجأة ذهلت لها قريش. ويمكن القول: إن ما حدث كان خيرًا أراده الله لقريش حين فاجأها الجيش النبوى الذي لا رغبة لقائده الأعلى النبي ﷺ في أن تراق قطرة دم واحدة في الحرم الآمن مكة. فرغم أن قريشًا قد قرر برلمانها "دار الندوة" عدم مقاومة الجيش النبوى، فإنها أعطت زعيمها أبا سفيان بن حرب "كما تقدم" حق إعلان الحرب على محمد، إذا رأى ذلك. "فخذ لنا منه جوارًا إلا أن ترى رِقة في أصحابه فآذنه" (٣).

стр. 2046

من هنا يمكن القول: إن هذه المفاجأة كانت عاملا كبيرا في حقن في ماء كثيرة كان يمكن أن تراق من الفريقين، لو أن قريشًا علمت بتحركات النبي ﷺ ساعة خروج من المدينة بجيشه. إذ أن ذلك قد يجعلها تتأهب للحرب فتحشد كافة قواها. وقد يحملها ذلك على أن تعقد حلفًا عسكريًا مع قبائل هوازن ذات العداوة الشديدة للرسول ﷺ . وذات العدد الضخم من المحاربين الأشداء. فيتحد الجميع في جيش وثنى واحد يلاقون به الجيش النبوى الزاحف. ولكن كتمان أنباء تحرك الجيش النبوى عن قريش جعلها "رغم توقعها التعرض للغزو"في حيرة من أمرها لا تدرى ماذا تصنع إلى أن وصل النبي بجيشه على مقربة، حيث اتخذت قريش قرارها بتكليف أبي سفيان بأخذ الأمان لها من الرسول القائد ﷺ (١). العباس بن عبد المطلب يتخوف على قريش فينذر سادتها وينصحهم بالاستسلام كان العباس بن عبد المطلب، عم الرسول ﷺ ظل مقيما بمكة مشركًا منذ أن فَدَى نفسه من أسر المسلمين عقب انتصارهم في معركة بدر الكبرى، وكان مع بقائه على الشرك بين قومه بمكة مواليا لابن أخيه الرسول ﷺ وهو الذي أبلغ الرسول ﷺ نوايا قريش المبيتة لغزو المدينة في السنة الثالثة للهجرة التي دارت فيها معركة أحد التاريخية. ومع إخلاص العباس لابن أخيه النبي ﷺ كان في الوقت نفسه حريصًا على حقن دماء أهله وعشيرته من قريش. وبذل لتحقيق ذلك مجهودًا كبيرًا انطلاقًا من هذا الحرص. فنجح في مسعاه الذي به نجت مكة من كارثة حربية. كان العباس -كما ذكر أصحاب السير- قد خرج من مكة مهاجرًا في الوقت الذي خرج فيه الجيش النبوى من المدينة. فلقى العباسُ رسول الله

стр. 2047

- ﷺ يقود الجيش ببعض الطريق. فصحبه راجعًا مع الجيش إلى مكة. وعندما عسكر الرسول ﷺ مجيشه في مَر الظهران ورأى العباس بن عبد المطلب ضخامة هذا الجيش خشى منه على قومه في مكة. فتحركت في نفسه عوامل الشفقة عليهم، وخاف أن يجتاح الجيش النبوى مكة عَنْوة فيبيد خضراء قريش. وقد عبر العباس عن هذا الفزع والخوف على قومه بقوله: (وهو يلقى بنظره على ذلك الجيش اللجب المنتشرة كتائبه في وادي مرَّ الظهران): واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه ويستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر (١). العباس يسعى لإِيجاد مخرج لقريش من الهلاك ولم يقف العباس عند الإِعراب عن التخوف على قريش من أن يجتاحها الجيش النبوى فيبيدها بحد السيف. بل لقد فكر في أنه لا بد من أن يصنع شيئًا ينقذ به قريشا من كارثة محققة باتت وشيكة الوقوع على يد الجيش الذي بات يتحفز للهجوم على مكة والذي كانت لديه التعليمات لسحق كل من يعترض سبيله، وهو يقوم بعملية إنهاء الوجود الوثنى فيها. ولم يطل التفكير بالعباس بن عبد المطلب. فبعد أن تكونت لديه القناعة الكافية بأن لا نجاة لقومه قريش من الكارثة المحيقة بهم إلا بأن يسارعوا بالخروج إلى النبي القائد ﷺ ويطلبوا منه الأمان بعد أن يعلنوا الاستسلام الكامل كى يعتبر الجيش النبوى مكة مدينة مفتوحة فلا يتعرض لأحد من أهلها .. بعد أن تكونت لدى العباس هذه القناعة. قرر أن يسعى بنفسه لإِبلاغ قومه في مكة هذه الحقيقة. وينصحهم بأن يسارع وفد من زعمائهم لمفاوضة الرسول ﷺ على أساس الاستسلام وطلب الأمان قبل أن يشرع جيشه في اقتحام مكة عنوة. التقاء العباس بصديقه أبي سفيان عند الأراك ورغم أن الوقت الذي اتخذ فيه العباس فيما بينه وبين نفسه، هذا القرار

стр. 2048

كان ليلا. فإنه لم ير بدًا من المسارعة لإِنذار قومه ونصحهم بأن يسارع زعماؤهم إلى مفاوضة النبي ﷺ ليحقن دماء أهل مكة قبل أن تطلع الشمس لذلك تحرك بنفسه - في غلس الظلام وبدون إبطاء - نحو الأراك بضواحى مكة لعله يجد هناك من الحطابين أو بياعى اللبن من يحمل إنذاره ونصحه إلى قريش ليسارع ساداتها بالخروج إلى المعسكر النبوى لأخذ الأمان من الرسول ﷺ لأهل مكة. وقد كان من حسن الصدف أن سيّد قريش وزعيمها أبا سفيان بن حرب - بعد أن أعطاه سادات دار الندوة - التفويض الكامل كما تقدم، خرج في تلك الليلة يتحسس الأخبار وهو لا يعلم أن الرسول ﷺ أصبح مرابطًا بجيشه على بعد أربعة أميال (فقط) من مكة المكرمة. فكأن الله تعالى - إنقاذا لأهل مكة - ألهم أبا سفيان الخروج من تلك الليلة التي كانت حاسمة في تاريخ مكة. فقد كان خروج أبي سفيان في تلك الليلة سببًا في نجاة أهل مكة من حرب مدمرة لا قبل لهم بها، وهو الأمر الذي كان يفكر فيه بقلق بالغ وسعى في غلس الظلام لكى يحول دون حدوثه. فبينما العباس يتجول حول الأراك باحثا في الظلام الدامس لعله يجد من يحمل رسالته إلى زعماء قريش، إذا به يجد سيد قريش نفسه يتحسس الأخبار عند الأراك. فيشرح له حقيقة الموقف، ويقدم نصحه بأن يسارع أبا سفيان، كسيد لقريش - إلى طلب الأمان من الرسول ﷺ لأهل مكة فيجيبه أبو سفيان دونما أي تردد. فيركبه العباس خلفه على ظهر بغلة الرسول ﷺ ويذهب به إلى الرسول ﷺ حيث يؤمن أبا سفيان ثم يمنح قريشًا عفوًا عامًّا شريطة أن لا يعترض أحد الجيش وهو يدخل مكة. فقد ذكر المؤرخون أن النبي ﷺ لما وصل مرَّ الظهران أمر أصحابه في الليل فأوقدوا عشرة آلاف نار، فكان منظرًا كادت تنخلع له قلوب القرشيين. فبينما أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يتحسسان الأخبار التقيا

стр. 2049

ببُديل بن ورقاء (١) فاستتبعاه فخرج معهما. فلما بلغوا الأراك من مر الظهران رأوا الأبنية والعسكر والنيران، وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإِبل، فأفزعهم ذلك فزعًا شديدًا وقالوا: هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب. فقال بديل (وهو من بني كعب): هؤلاء أكثر من بني كعب. قالوا: فتنجعت هوازن (٢) على أرضنا، والله ما نعرف هذا إن هذا العسكر مثل حاج الناس (٣). وقال الإِمام الطبري في تاريخه - يروى هذه القصة -: قال العباس - وقد رأى النبي في ذلك الجيش العظيم -: والله لئن بغتها (يعني قريشًا) فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلى أرى حطابًا أو صاحب لبن أو داخلًا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ فيأتونه ويستأمنونه، فخرجت فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله ﷺ . قال العباس: فسمعت أبا سفيان وهو يقول - وقد رأى نيران الجيش: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانًا. فقال بديل: خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل. قال العباس فعرفت صوته (أي أبا سفيان). فقلت: يا أبا حنظلة (٤). فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم قال: لبيك فداك أبي وأمى، فما وراءك؟ فقلت له: هذا رسول الله ﷺ ورائى قد دَلف (٥) إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. وهنا صعق أبو سفيان وأسقط في يده. ولم يعد راجعًا إلى مكة لتنظيم مقاومة

стр. 2050

الجيش النبوى الزاحف لأن التخلى عن فكرة هذه المقاومة قد تقرر في آخر جلسة عقدها برلمان مكة، الذي أوفد أبا سفيان في تلك الساعات من الليل ليتحسس أخبار النبي ﷺ وجيشه. أبو سفيان يطلب المشورة من العباس ولما كان أبو سفيان لم يخرج في تلك الليلة إلا ليسعى جاهدًا لتجنيب قريش هذا الخطر المتمثل في عشرة آلاف من جند المسلمين يتأهبون لاجتياح مكة. فقد طلب أبو سفيان من صديقه العباس أن يدله على أسلم الطرق التي تضمن لقريش حقن دمائها، فيسلكه. وقد أشار العباس على أبي سفيان بأن يقابل الرسول ﷺ شخصيًا. فيطلب منه الأمان لأهل مكة. فإنه إن فعل أجابه الرسول ﷺ . لأنه لا يكره شيئًا كرهه لسفك الدماء "ما وجد إلى حقنها سبيلًا". فقد قال أبو سفيان للعباس - والقلق يأخذ منه كل مأخذ - فما تأمرنى؟ . فقال العباس: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك (١). فلم يتردد أبو سفيان في الموافقة على هذا الاقتراح لأنه ما كان يطمع في أكثر من النجاح في مقابلة الرسول ﷺ والحصول منه على الأمان. بل لقد اعتبر أبو سفيان التقاءه بالعباس - وهو عم رسول الله ﷺ في تلك الساعات المصيرية الحاسمة في تاريخ قريش من أثمن الفرص التي كان يسعى جاهدًا للظفر بأمثالها لإِنقاذ مكة وأهلها بن خطر الإِبادة التي كانت

стр. 2051

قريش تتوقعها منذ ارتكبت حادث الغدر الشنيع، الذي به نقضت صلح الحديبية التاريخي .. ومن كالعباس يستطيع تسوية ذلك الأمر الخطير في ذلك الظرف البالغ الخطورة؟ إذن فهي فرصة العمر، وعلى قائد جيوش قريش ووزير حربيتها وزعيمها أبي سفيان أن لا يضيعها. أبو سفيان يتخوف القتل فيطمئنه العباس ويردفه خلفه على بغلة الرسول كان الوقت ليلًا. وكان في إمكان - بل من حق أي رجل من المسلمين - أن يقتل أبا سفيان بن حرب لو ظفر به (وخاصة في تلك الليلة التي كان الجيش في حالة استنفار وطوارئ) لأن المسلمين وقريش كانوا في حالة حرب، حيث لم يعد هناك عهد بين قريش والمسلمين، بعد الذي صنعت قريش من الخرق الفاضح لهدنة الحديبية بعدوانها الصارخ الآثم على خزاعة حليفة الرسول ﷺ الداخلة في عهده وعقده يوم الحديبية. لذلك لم يكن وزير حربية مكة وزعيمها ما كان - وهو يرحب باقتراح صديقه العباس - يتصور أنه (وهو المشرك المطلوب سفك دمه من جميع الذين في المعسكر النبوى) سيتمكن من الوصول سالمًا إلى مقر القائد الأعلى النبي ﷺ الذي تحيطه غابات من رماح عشرة آلاف مقاتل كلها يتوق إلى تمزيق رأس الكفر (يومذاك) أبي سفيان بن حرب. وقد أفصح أبو سفيان لصديقه العباس عن شكه في اجتيازه هذه الغابات من الرماح إلى خيمة الرسول القائد سالمًا ودون أن يتعرض لمكروه. غير أن العباس بدد كل تلك المخاوف من نفس أبي سفيان المضطربة حين أكد له أنه سيوصله بنفسه سالمًا إلى خيمة ابن أخيه النبي ﷺ وعلى ظهر بغلته الخاصة. وأنه سيكون في جواره حتى يوصله إلى مقر قيادة الرسول ﷺ في قلب المعسكر. وقد اطمأن أبو سفيان بن حرب إلى ضمانات ابن عمه العباس بن عبد

стр. 2052

المطلب. ووثق كل الوثوق بالكلمة التي أعطاه إياها فعمل بنصيحته حيث ركب خلفه بغلة رسول الله ﷺ . فاتجه الاثنان سويًا نحو مقر القائد الأعلى النبي ﷺ مخترقين مضارب الجيش المحيط بالمقر. وكان يصحبهما مساعد أبي سفيان حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء اللذين أعلنا إسلامهما بمجرد أن وصلا إلى خيمة الرسول ﷺ (١). عمر بن الخطاب يحاول قتل أبي سفيان وهو في حماية العباس في تلك الليلة كان الرسول ﷺ قد أسند حراسة المعسكر إلى عمر بن الخطاب (٢)، الذي صار يطوف بفصائل من الجند لحراسة المعسكر المنصوبة خيامه على مشارف مكة. وكان عمر بن الخطاب من أشد الصحابة على قريش، لذلك كان توليه حراسة العسكر تلك الليلة سببًا في إحداث بعض المتاعب للعباس بن عبد المطلب من حيث تعريض حياة أبي سفيان للخطر، بعد أن أخذه العباس في جواره وأعطاه عهدًا شفويا بالأمان حتى يصل إلى خيمة الرسول ﷺ . فقد كان ركوب سيد قريش وقائد قواتها العسكرية أبي سفيان ظهر بغلة رسول الله ﷺ وكونه رديف عمه العباس بن عبد المطلب من أكبر الضمانات التي بها ضمن العباس لجاره أبي سفيان عدم إقدام أحد من جند الإِسلام على التعرض لأبي سفيان بشرّ. فقد صار العباس بن عبد المطلب يمر بين مضارب وحدات الجيش النبوى وخلفه أبو سفيان مردفًا على بغلة رسول الله ﷺ فيعرفون أبا سفيان الذي يتوقون إلى قتله كزعيم من زعماء العدو المحارب. ولكنهم يكفون عن ذلك، لكون أبي سفيان في معية العباس. ويقولون: عم

стр. 2053

رسول الله ﷺ (١)، فيتركونه يمر دون أن يمسّوا أبا سفيان بأذى. وحتى دوريات الحرس المسؤولة عن حراسة المعسكر النبوى يستوقفون الراكبين، وعندما يتبينون أنه العباس يسمحون له بالمرور داخل المعسكر. وهكذا لم يعترض أحد من جندا الإِسلام العباس ورديفه أبي سفيان بن حرب إلا قائد الحرس عمر بن الخطاب الذي ما كاد يرى أبا سفيان بن حرب (على ضوء النار) حتى صاح: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد (٢). وكان ابن الخطاب يعني أنه في الإِمكان (وبسهولة قتل أبي سفيان بن حرب) ولكنه لم يتعجل في قتله (مع حرصه الشديد على ذلك) لأن أبا سفيان كان على بغلة رسول الله ﷺ وفي جواره عمه العباس، لذلك سارع ابن الخطاب فصار يعدو نحو مقر قيادة الرسول ﷺ ليحصل منه على إذن بضرب عنق أبي سفيان قبل أن يصل به العباس إلى المقر. العباس ينجح في استصدار العفو عن أبي سفيان غير أن العباس (وقد أصبح مسؤولا عن حياة أبي سفيان) أدرك ما يهدف إليه ابن الخطاب. فخاف أن يسبقه إلى رسول الله ﷺ فيحصل على إذن منه بقتل أبي سفيان. فأركض العباس البغلة ليسبق ابن الخطاب إلى خيمة الرسول ﷺ فيأخذ لأبي سفيان الأمان كما وعده. وفعلًا، نجح العباس، فوصل خيمة ابن أخيه النبي ﷺ قبل أن يصل إليها عمر بن الخطاب. أحرج ساعة في حياة أبي سفيان وكانت تلك الساعات الحاسمة من أحرج ما مرَّ بأبي سفيان في حياته. وخاصة بعد أن رأى عمر بن الخطاب يشتد عدوًا على قدميه ليقنع الرسول ﷺ بإصدار قرار بإعدامه.

стр. 2054

لقد وصل على الفور عمر بن الخطاب إلى خيمة الرسول ﷺ ، والعباس وأبو سفيان لم يكادا يأخذا مقعدهما من أرض الخيمة. فاضطرب أبو سفيان لرأى الفاروق. وزاده اضطرابًا أن الفاروق وصل الخيمة قبل أن يلتمس العباس من رسول الله ﷺ الأمان لابن عمه أبي سفيان وإنه كلم الرسول ﷺ في أن يسمح له بضرب عنق أبي سفيان قبل أن يتقدم العباس بالتماسه. غير أن العباس، نجح في مسعاه، حيث حصل لأبي سفيان من الرسول ﷺ على الأمان الذي وعده به. حصل على هذا الأمان رغم إلحاح الفاروق على النبي ﷺ أن يمنحه الإِذن بقتل أبي سفيان. المشادة بين الفاروق والعباس في خيمة الرسول وقد حدثت مشادة كلامية بين العباس وعمر بشأن أبي سفيان. فقد اتهم العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب بأنه لم يلحّ في طلب إعدام أبي سفيان، إلا لأنه قريب للعباس. ولكن الفاروق أكد للعباس أن ذلك ليس هو دافعه للحرص على قتل أبي سفيان، وإنما لأنه رأس الكفر في مكة. فقد جاء في كتب السيرة أن الفاروق عمر لما وصل إلى خيمة النبي ﷺ طلب في الحال منه أن يسمح له بضرب عنق أبي سفيان قائلًا: يا رسول الله، هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعنى أضرب عنقه. فاعترض العباس على هذا الطلب. فقال: يا رسول الله إني قد أجرته. فكرر عمر الطلب آملًا أن يأذن له الرسول في قتل أبي سفيان. وهنا غضب العباس، لأن إعدام أبي سفيان يعني خفر ذمة العباس الذي أخذ أبا سفيان في جواره - والجوار فكأنه الخطير معروف بين العرب - وقال العباس لعمر "محتدًا" مهلًا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأن أبا سفيان رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدى بن كعب "عشيرة ابن الخطاب" ما قلت هذا. وهنا رد الفاروق على اتهام عم النبي ﷺ له في صراحته المعهودة: مهلا يا عباس فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأنى أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله

стр. 2055

- ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم. لقد جرت هذه المجادلة بين الفاروق عمر والعباس بن عبد المطلب أمام الرسول ﷺ فلم ينح باللائمة على أحد منهما لعلمه ينبل قصد كل منهما فيما أتى من تصرف. فالعباس حين حرص على سلامة ابن عمه أبي سفيان بن حرب إنما ينطلق من هدف نبيل، وهو أن تكون نجاته من القتل سببًا في إسلامه. وبالتالى سببًا في استمالة قومه قريش كلها للإِسلام. وهو أمر يجعل مكة في مأمن من ويلات الحرب ومعرتها، حيث سيصبح بعد إسلام أبي سفيان "وهو سيد قريش ومفوضها المطلق" أي عنصر فيها غير قادر على إبداء أية مقاومة فعالة ضد الجيش النبوى عندما يدخلها وهو ما حدث بالفعل، عندما نجح العباس في الحصول على الأمان لأبي سفيان من الرسول ﷺ وعندما نجح بالتالى في إقناع أبي سفيان نفسه باعتناق الإِسلام قبل أن يعود إلى مكة. والفاروق عمر من ناحية أخرى، حين حاول الحصول على إذن من القائد الأعلى النبي بضرب عنق أبي سفيان، كان يهدف "مجتهدًا مخلصًا" إلى تحطيم رأس كان حتى ذلك الوقت من أعظم رؤوس الكفر التي ائتمرت بقتل النبي ﷺ وأخرجته من وطنه مكرها. بعد أن أباحت دمه وجعلت الجائزة الضخمة لمن يأتي به حيا أو ميتا، وعذَّبت وقتلت الكثير ممن آمن به وثبت على دينه، كما أن ابن الخطاب كان سعيه لقتل أبي سفيان ذا أبعاد سياسية. وهو بث الرعب والفزع في نفوس أساطين الكفر الباقين في مكة بحيث يتحطم بقتل سيدهم أبي سفيان كل ما بقى لديهم من معنويات حربية، فتنهار نوازع مقاومة الجيش النبوى في نفوس الأشرار المتطرفين من أهل مكة، فيسهل على الجيش النبوى دخولها دون إراقة قطرة دم واحدة. كيف حصل أبو سفيان على الأمان من الرسول غير أن النبي ﷺ مع تقديره لمشاعر الفاروق عمر بن الخطاب وتأكده من صدق نواياه الدافعة للحرص على السماح له بإعدام سيد قريش

стр. 2056

وزعيمها أبي سفيان بن حرب - فقد أجاب عمه العباس بن عبد المطلب إلى ما طلب من إعطاء الأمان لابن عمه أبي سفيان بن حرب الذي كان العباس قد وعده به عند الأراك حينما نصحه بأن يصحبه لمقابلة الرسول ﷺ في مقر قيادته. ولنترك الإِمام الطبري يروى لنا هذه الحادثة التاريخية التي بنجاح مساعى العباس الخيرة فيها نجت مكة من ويلات حرب مدمرة كانت ستبيد خضراء قريش لولا أن الله ألهم أبا سفيان بن حرب فاستجاب لنصائح صديقه وابن عمه العباس بن عبد المطلب. فأسلم أولًا ثم ذهب إلى مكة فيما بعد يحث قومه على إلقاء السلاح وعدم مقاومة الجيش الزاحف. قال الطبري في كتابه المسمى "تاريخ الرسل والملوك ج ٣ ص ٥٣": إن أبا سفيان بن حرب بعد أن أخبره العباس "في ظلام الليل بضواحى مكة عند الأراك" أن الرسول ﷺ يرابط في الضواحى بجيش لا قبل لقريش به "عشرة آلاف مقاتل" قال العباس: فداك أبي وأمى فيما تأمرنى؟ فقال العباس: قلت تركب عجز هذه البغلة أستأمن لك رسول الله ﷺ فوالله لو ظفر بك ليضربن عنقك. قال العباس فردفنى فخرجت به أركض بغلة رسول الله نحو رسول الله ﷺ ، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: أبو سفيان؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم اشتد نحو النبي ﷺ ، وركضت البغلة، وقد أردفت أبا سفيان حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعنى أضرب عنقه. فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دونى. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدى بن كعب، ما قلت هذا. فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب

стр. 2057

إلى من إسلام الخطاب لو أسلم. وذلك لأنى أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله ﷺ للعباس اذهب فقد أمنّاه، حتى تغدو به على بالغداة. اهـ. أبو سفيان يبيت في خيمة العباس تحت الحراسة في ذلك الوقت الذي أجاب الرسول ﷺ عمه العباس إلى ما طلب من إعطاء الأمان لأبي سفيان. لم يجر بين الرسول ﷺ وبين أبي سفيان أي حديث، فلم يتناولوا بالبحث أي جانب من جوانب القضية الرئيسية، وهي مسألة الحصول على أمان شامل كامل لجميع أهل مكة. الأمر الذي من أجل الظفر به أوفدت قريش سيدها أبا سفيان بن حرب في تلك الليلة التاريخية الحاسمة. كما أنه لم يجر أي بحث حول موضوع دعوة أبي سفيان نفسه إلى الدخول في الإِسلام. وكل ما حدث في تلك الساعة المتأخرة من الليل هو أن الرسول ﷺ أعطى أبا سفيان شخصيًا الأمان لنفسه كما طلب العباس بن عبد المطلب. ذهب العباس في تلك الساعة من الليل بصديقه وابن عمه وجاره أبا سفيان إلى منزله داخل المعسكر النبوى، وقد أقيمت حراسة مشددة حول الخيمة التي بات فيها أبو سفيان خشية أن يهرب إلى مكة، لأنه حتى تلك الليلة لا يزال مشركًا غير مأمون الجانب، والجيش النبوى في حالة طوارئ واستنفار. ويخشى قادة حرس المعسكر "وهم الحريصون على عدم تسرب أية أسرار للجيش إلى مكة" أن يتسرب شيء من هذه الأسرار على يد سيد قريش الذي بمروره داخل المعسكر حتى خيمة الرسول القائد يكون قد عرف ما يجب أن لا تعرفه قريش إلا بعد أن يكون الجيش النبوى قد سيطر على مكة. لذلك "والله أعلم" كان تكليف الرسول ﷺ عمه العباس أن يبيت معه أبو سفيان في خيمة واحدة فيه معنى من معاني الاعتقال أو الحجز التحفظى بل هو عينه، بدليل أن الرسول ﷺ قال لعمه: فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت (١).

стр. 2058

القلق والشائعات في مكة كانت الطرق والمسالك بين مكة والمعسكر الذي يرابط فيه الجيش النبوى مقطوعة تمامًا تحرسها فصائل من البوليس الحامى "الشرطة العسكرية" التابعة للجيش النبوى. فلا تسمح لأحد أن يخرج من مكة أو يدخل إليها. كما لا تسمح لأى إنسان "كائنا من كان" أن يقترب من حدود المعسكر النبوى .. والوحيدون من أهل مكة الذين سمحت لهم الشرطة العسكرية الإِسلامية بدخول المعسكر تلك الليلة هم بديل بن ورقاء سيد خزاعة وحليف المسلمين وحكيم بن حزام ابن أخي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد الأسدية وأبو سفيان بن حرب سيد قريش وزعيمها. كل هؤلاء سمحت لهم الشرطة العسكرية لأنهم كانوا في جوار وتحت ضمانة العباس بن عبد المطلب "وسيط السلام" الذي لعب دورًا هامًا وبذل مجهودًا كبيرًا لاختصار آلام الحرب، بل لإِبعاده كليًّا عن مكة وأهلها وكانت أولى مساعيه الكبرى الناجحة أن نجح في إيصال سيد قريش وصاحب حربها وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب إلى مقر قيادة الرسول الأعظم ﷺ ثم الحصول له من الرسول القائد على أمان خاص حقن به دمه الذي كان كثير من قادة الفيالق والفرق في الجيش النبوى يتوقون إلى سفكه كرأس من رؤوس الكفر. وكان حصول سيد قريش أبي سفيان على الأمان "في حالة حرب قائمة بين الإِسلام والوثنية" مكسبًا كبيرًا لقريش - التي كانت ترتعد داخل مكة فزعًا - تبعتها مكاسب أعظم. كان آخرها حصول قريش كلها على عفو عام من الرسول القائد المنتصر، أسقط به كل الجرائر التي ارتكبتها قريش خلال إحدى وعشرين سنة ضد الإِسلام والمسلمين. وقد كان هذا

стр. 2059

العفو العام الذي منحه الرسول ﷺ لأهل مكة بمثابة مزيل سريع لأغلفة الظلام التي تغلف البصائر فلا ترى الإِسلام إلا من خلال منظار قائم أسود. ولكن ها هي ترى الحقيقة مجسدة. ترى رسول الإِسلام "وهو في مركز القوة وفي ذروة الانتصار" يعطى الصورة الحقيقية المشرقة للإِسلام وتعاليمه وغاياته وأهدافه النبيلة. بذلك التسامح المتمثل في ذلك العفو العام الذي لم يسبق في التاريخ لقائد منتصر أن منح مثله لأعدائه المهزومين. عودة إلى المنطلق بات "تلك الليلة التاريخية"، أبو سفيان بن حرب تحت مراقبة العباس بن عبد المطلب في خيمته داخل المعسكر، ولم يذكر المؤرخون ما دار من أحاديث خاصة داخل الخيمة تلك الليلة الحاسمة بين العباس وصديقه أبي سفيان بن حرب، غير أنه مما لا شك فيه أن العباس "وقد أصبح وسيط السلام الأول والوحيد بين الرسول وبين قريش" قد بذل مجهودًا كبيرًا في أحاديث خاصة تلك الليلة ليقنع سيد قريش وزعيمها لينخلع من الشرك ويصبح أحد أعضاء الأسرة الإِسلامية الكبرى. ويكون بالتالى مبعوث خير وسلام وتهدئة وتطمين إلى قومه في مكة المكرمة. القلق والشائعات في مكة كانت الطرق والمسالك المؤدية من العسكر النبوى إلى مكة تحت مراقبة شديدة من الشرطة العسكرية الإسلامية "كما قلنا" لا يدع رجال هذه الشرطة أحدًا يدخل المعسكر أو يخرج منه إلى أي مكان منعًا لتسرب أي أنباء عما يجرى داخل المعسكر إلى أهل مكة المشركين. لذلك فشل جواسيس قريش عن معرفة حقيقة ما يجرى داخل المعسكر النبوى من إجراءات، وهل سيقتحم الجيش النبوى مكة عنوة ويستبيحها قتلا وأسرًا ومصادرة كما هي شرعة الحرب المعمول بها لدى القوات الغازية القوية المنتصرة بين مختلف الشعوب والأم في ذلك العصر، أم سيعتبرها مدينة مفتوحة ممنوع على جند الإِسلام سفك الدماء فيها؟

стр. 2060

حنق قريش على أبي سفيان والنبأ الوحيد الذي علمته زعامة مكة "وقد يكون ذلك بتدبير وتيسير من جهاز الاستخبارات النبوية" هو مقابلة أبي سفيان بن حرب للنبي القائد ﷺ في مقر قيادة الجيش، ومنح الرسول ﷺ أبا سفيان أمانًا خاصًّا به نتيجة شفاعة ووساطة صديقه وابن عمه العباس بن عبد المطلب. إن قريشًا قد أصبحت لديها القناعة الكاملة أنه ليس في إمكانها التصدي للجيش النبوى في مواجهة حربية، وأصبح كل همها "تقريبا" منحصرًا في الحصول على أمان كامل شامل الأهل مكة جميعًا، عندما يدخلها الجيش النبوى الذي لم يعد لدى الأغلبية الساحقة من سادات مكة أي شك في أنه سيدخلها لا محالة، ولهذا قرر برلمان مكة "دار الندوة" إيفاد أبي سفيان بن حرب كما تقدم. ولكن أبا سفيان ها هو يقابل الرسول القائد ﷺ ويحصل منه على أمان خاص لنفسه فقط. فينتاب قريش القلق، ويظل أهلها عرضة للقلق والهواجس السوداء وتعمل وساوس الاتهام لأبي سفيان في نفوسهم فعلها الحاد. فنواب العشائر في دار الندوة، لم ينتدبوا أبا سفيان -حين انتدبوه-، لكي يحصل لنفسه فقط على الأمان، وإنما انتدبوه لكى يدخل مع محمد ﷺ في مفاوضات يحصل أبو سفيان بموجبها لأهل مكة على أمان كامل شامل يحقن دماءهم ويعفى نساءهم وذراريهم من السبى وأموالهم من المصادرة والاستباحة عندما يدخلها الجيش النبوي. إنهم "وقد قرّ في أنفسهم أنه لا قبل لهم بجيش الإِسلام ولا قدرة لهم على مواجهته حربيًّا"، أصبحوا في حالة ذعر شديد وخوف أشد من أن يسفك هذا الجيش الإِسلامي العرمرم دماءهم ويسبى نساءهم وذراريهم ويستولى على كل أموالهم وممتلكاتهم كغنيمة حرب. فيترك مكة خرابًا يبابًا تغطى شوارعها جثث القتلى منهم. وتردد جبالها عويل الثكالى من نسائهم

стр. 2061

وصراخ الصبيان من أبنائهم اليتامى. التفكير النبوي الراحم وبينما أساطين الكفر في مكة فريسة لهذه التصورات السوداء المخيفة التي كانت كابوسًا ملازمًا لا يفارقهم في منام أو يقظة، كان رسول الرحمة يفكر تفكيراته النبوية النبيلة المشرقة، كان يعد العدة ويضع الترتيبات لتكون مكة "عند سيطرة الجيش النبوي عليها" على غير الصورة المزعجة المخيفة التي تصورت قريش وخافت أن تكون عليها مكة عندما يسيطر عليها الجيش الإِسلامي. كان نبي المحبة ورسول الرحمة والتسامح أشد حرصًا من أهل مكة أنفسهم، على أن تتجنب هذه المدينة المقدسة ويلات الحرب ومآسى المعارك، لأنها مدينة مقدسة، مطلوب فيها التنزه عن سفك الدماء قدر الإِمكان. ثم إن أهل مكة أنفسهم، هم أهل محمد وعشيرته، ورغم ما ناله ونال أصحابه على أيديهم من صنوف الأذى والإِرهاب، والتنكيل في مكة نفسها أيام بدء الإِسلام وقلة المناصرين. ورغم المحاولات الحاقدة التي قام بها هؤلاء الأهل للقضاء على الإِسلام وإبادة المسلمين عن طريق تجريد الجيوش وتحريض مختلف العناصر والفئات المعادية للإِسلام للقضاء عليه كما حدث في (أُحد) وعلى مشارف الخندق ... رغم كل هذه الجرائر والآثام التي اقترفها هؤلاء الأهل والعشيرة من أهل مكة، فإن ابنهم البار الذي يجر وراءه عشرة آلاف مقاتل قادرين على إبادة كل إنسان في مكة خلال ساعات قلائل، لم تجد الضغينة والرغبة في الانتصار والانتقام للنفس أي سبيل إلى قلبه الكبير الطاهر طيلة حياته. ولهذا فإنه (وكما دلت تصرفاته النبيلة) كان حريصًا كل الحرص على أن ينعم كل أهل مكة المغلوبين بالأمن والأمان والاطمئنان على أرواحهما وممتلكاتهم عندما يدخل جيشه مكة فاتحًا ومنقذًا ومحررًا. ولم لا؟ أليس هو الذي كان يدعو لقومه بالخير، والدماء تسيل على

стр. 2062

وجهه الكريم بفعل أيديهم الباغية .. "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون"؟ وأليس هو الذي قال يوم الحديبية - وقد خرجت قريش، وكانت قوية منيعة. خرجت بكل ما لديها من قوات لمحاربته ومنعه بحد السيف وصده عن البيت الحرام- ... "والله لا تدعونى قريش إلى خطة يسألونى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم؟ ؟ ". محاولات إقناع أبي سفيان باعتناق الإِسلام طوعًا كان العباس بن عبد المطلب يحرص كل الحرص على أن يهدى الله صديقه أبا سفيان بن حرب فيعتنق دين الإِسلام، لما في ذلك من فوائد عظيمة يعم نفعها لا أبا سفيان وحده، بل أهل مكة جميعًا، لأن أبا سفيان سيد قريش وصاحب الكلمة الأولى فيها. وخاصة بعد أن اختارته مندوبًا عنها وجعلت مصيرها بيده حين كلفته أن يفاوض عنها الرسول القائد ﷺ . وإسلام أبي سفيان سيكون ذا أثر حاسم في مجريات الأمور لصالح الجميع، لا سيما قريش التي يقف على أبواب مدينتها عشرة آلاف من المسلمين، كلهم مستعد لاقتحامها بحد السيف وقتل من يعترضه من أهلها. واقتحام مكة عنوة أمر لا مفر منه إذا ما أصر المتطرفون في مكة على مقاومة الجيش الغازى بالسلاح. والاقتحام عنوة يعني حدوث. مجزرة رهيبة بين القرشيين لا يرغب رسول الرحمة ومخفف آلام البشرية أن تحدث، كما أن وسيط السلام العباس بن عبد المطلب قد انتابه الفزع وخشى على قومه في مكة أن يكونوا عرضة، لهذه المجزرة عندما خاطب نفسه "وهو يرى كتائب الجيش النبوى كالبحر ترابط على مشارف مكة": "يا صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله ﷺ في بلادها فدخل مكة عنوة، إنه لهلاك قريش آخر الدهر" (١). ولهذا كان العباس - منذ أن عبّر عن مخاوفه على قومه في مكة بتلك

стр. 2063

الجملة التي نمت عن حرصه الشديد على سلامة قومه في مكة - وهو يسعى سعيا حثيثًا، وعلى كل المستويات وبكل الأساليب الممكنة، لإِيجاد مخرج لقومه بمكة عن طريقة ينجون مما يخشاه العباس عليهم من اقتحام الجيش النبوى مكة عنوة. ومن أساليبه في السعي لتحقيق هذا الهدف ومحاولاته المتكررة لإِقناع أبي سفيان بالدخول في الإِسلام "أولًا" ليكون ذلك باعث تشجيع للعناصر الطيبة في مكة (وهي غير قليلة) على المسارعة إلى الدخول في الإِسلام وإقناع الآخرين من المتطرفين بالكف عن المقاومة. التوتر في مكة يزداد ظل كفار مكة في تلك الساعات الحرجة عرضة لوجات طاغية متزايدة من القلق والخوف نتيجة شعورهم الباطنى بأنهم (وحسب مقاييسهم) بأنهم سيكونون عرضة لعقاب صارم دام رهيب على يد الرسول ﷺ وجيشه (الذي لا يشكون في انتصاره عليهم وسيطرته على مكة) لما اقترفته أيديهم من إجرام في حق الرسول ﷺ والقلة من أصحابه خلال ثلاث عشرة سنة قضاها بينهم وهو يتجرع وأصحابه على يد قريش كؤوس الأسى والألم. دونما إقامة اعتبار لحق القرابة والمواطنة. كان القرشيون في مكة (وهم يتخيلون حجم العقاب الذي سينزله المسلمون بهم) يظنون أن محمد بن عبد الله ﷺ من نوع الفاتحين القساة الذين أول ما يفكرون في عمله "عندما ينتصرون" هو الانتقام الفظيع الدامى الرهيب لأنفسهم من خصومهم الذين كانوا قد نالوا منهم أو سببوا لهم بعض المتاعب في الماضي. وما دروا أن محمد بن عبد الله هو نبي رحمة ورسول محبة بعثه الله رحمة للعالمين، لا يحقد ولا يبغض بدافع من حب الانتقام والانتصار للنفس. وإنما يسعى لإِنقاذ البشرية، وهداية الضالين وإنقاذ المنحرفين، حتى وإن كانوا من الذين آذوه، وراموا قتله واتبّعوا كل السبل للتنكيل به وإرهابه لحمله على التخلى عن أمانة الرسالة العظمى.

стр. 2064

النبي يدعو أبا سفيان إلى الإِسلام فيتردد فيما مضى ذكرنا أن الرسول القائد ﷺ بعد أن أجاز الأمان الذي أعطاه العباس بن عبد المطلب لزعيم قريش وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب، أمر العباس بالتحفظ عليه في منزله على أن يحضره إلى خيمة القيادة العليا في اليوم التالي. وقد فعل العباس كما أمره ابن أخيه النبي، فقد أحضر أبا سفيان بن حرب إلى خيمة القيادة العامة، فمثل أمام الرسول القائد الذي كان حوله هيئة أركان حربه، مثل الصديق وابن الخطاب وابن أبي طالب. وبينما كان أهل مكة في تلك الساعات الحاسمة من تاريخهم المصيرى تجتاحهم، "وخاصة الزعماء منهم" موجة طاغية من الخوف والذعر والقلق، تعصف الإِشاعات بعقولهم، وتذهب التكهنات والشائعات بألبابهم .. ترى أيقتحم جيش محمد اللجب مكة اليوم أم غدا أم بعد غد؟ وماذا سيكون مصير أهل مكة؟ عندما يقتحمها هذا الجيش الذي لا قبل لأحد بمثله؟ لقد كان بعض كبار مجرمى الحرب من زعماء مكة يعدون العدة للهرب من مكة خوفًا من أن تنالهم يد العدالة على ما اقترفوا من جرائم يستحقون عليها العقاب الذي لا بد من إنزاله بهم. بينما كان أهل مكة على تلك الحال التي لا يحسدون عليها، كان سيدهم وصاحب حربهم أبو سفيان بن حرب - بصحبة وسيط السلام العباس - يجرى مع الرسول ﷺ مفاوضات التسليم في مقر القيادة العليا في الوادي خارج مكة. لقد جرت محادثات ومناقشات كثيرة في المقر، وكان أول حديث جرى بين الرسول الأعظم ﷺ وبين سيد قريش أبي سفيان، أن دعا الرسول ﷺ أبا سفيان إلى ترك الشرك والوثنية واعتناق دين التوحيد. حيث قال له: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلَّا الله؟ . فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئًا.

стр. 2065

فقال الرسول ﷺ : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟ فقال أبو سفيان: بأبي أتت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك. أمَّا هذه ففي النفس منها شيء (١). كان هذا الحوار الهادئ يجرى بين سيد البشر محمد ﷺ وسيد قريش أبي سفيان بن حرب، ووسيط السلام العباس بن عبد المطلب حاضر يسمع ويرى. وكان -كما دلت تصرفاته (منذ بدأ الوساطة) - شديد الحرص على أن يسارع أبو سفيان بن حرب إلى أعتناق الإِسلام لأن ذلك سيكون عاملًا حاسمًا في إزالة شبح الحرب المخيف عن المدينة المقدسة التي يخاف العباس عليها وعلى أهلها من أن يجتاحها الجيش الإِسلامي عنوة وبقوة السلاح. فهناك عناصم في الجيش النبوى "من غير القرشيين" وهم الأغلبية الساحقة مثل الأنصار، لديها الرغبة الشديدة في الانتقام من مشركى مكة لتعنتهم في الماضي في إيذاء الرسول ﷺ والتنكيل به أيام إقامته مع القلة من أصحابه بينهم. وقد عبر عن هذه الرغبة الشديدة قائد أحد الألوية الخمسة التي دخلت مكة، سعد بن عبادة الذي عزله الرسول ﷺ وأسند قيادة اللواء إلى ابنه قيس عندما بلغه أنه يهدد بإحداث مذبحة بين مشركى مكة .. "اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة" (٢). وانطلاقًا من قاعدة الحرص في نفس العباس على تجنيب مكة ويلات الحرب - ولعلم العباس أن إسلام صديقه أبي سفيان سيكون من أهم عوامل إبعادها عن العاصمة المقدسة لأنه سيد قريش ومفوضها وقائد حربها إذا أسلم ستسلم كل مكة، أو ستتلاشى (على الأقل) الرغبة في المقاومة من نفوس الراغبين فيها. لذلك لما رأى العباس تردد صديقه أبي سفيان

стр. 2066

ومراوغته وتهربه من إعلان الدخول في الإِسلام، بادر إلى نصحه، بل إلى زجره وتحذيره .. فقد أخبره أن إسلامه سيكون عامل خير وبركة على نفسه وعلى أهل مكة كلها. وأن النبي ﷺ لن يجبره على الإِسلام ولن يمسه بشر بعد أن أعطاه الأمان وما دام في جواره. ولكن عدم دخوله في الإِسلام، سيكون من شأنه جلب المتاعب والويلات لنفسه ولقريش في مكة إذا ما أصروا على الكفر والتفكير في مقاومة الجيش الزاحف. هكذا كان العباس يوجه صديقه أبا سفيان (بالترغيب والترهيب) نحو الإِسلام، حتى انتهت أخيرًا توجيهاته الخيرة بإقناع سيد قريش أبي سفيان بإعلان إسلامه. فشهد شهادة الحق "شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (١)، وذلك بين يدي الرسول القائد ﷺ في مقر قيادته داخل المعسكر. كيف كان إسلام أبي سفيان عاملا في إحلال السلام بدل الحرب وقد تنفس العباس بن عبد المطلب الصعداء عندما أعلن صديقه أبو سفيان بن حرب إسلامه، فقد اقترب العباس من نهاية تحقيق ما يهدف إلى تحقيقه. وهو (في الدرجة الأولى) تجنيب مكة معرة الجيش الغازي، فقد بدا واضحا - بعد إسلام أبي سفيان - أن المسلمين سيدخلون مكة دون أن يضطروا إلى امتشاق الحسام وسفك الدماء. وهذا ما حدث بالفعل. فقد كان إسلام أبي سفيان عاملًا حاسمًا في تيسير فتح مكة أبوابها للجيش الإِسلامي، دونما أية مقاومة تذكر، حيث ألقى كل القرشيين السلاح، فاستسلموا لجيش الإِسلام، فضمنوا بذلك أرواحهم وأموالهم، ما عدا قلة من المتعصبين المتهورين مثل عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية. أبدوا شيئًا من المقاومة سحقها خالد بن الوليد قائد اللواء الخامس جنوبي مكة.

стр. 2067

اتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي وبعد أن أسلم أبو سفيان، وأصبح أحد أفراد الأسرة الإِسلامية الكبرى، سعى وسيط السلام العباس بن عبد المطلب لوضع الترتيبات النهائية لوضع المخطوط العريضة لاتفاقية نهائية بين الرسول ﷺ وبين أبي سفيان بن حرب، بصفته مندوب قريش ومفوضها المطلق، يتم بموجب هذه الاتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي، ويمكن تلخيص اتفاقية التسليم في البنود الآتية: ١ - حقن دماء أهل مكة وضمان أموالهم وممتلكاتهم من قبل الجيش النبوي. ٢ - امتناع القرشيين عن إبداء أية مقاومة مسلحة عندما يدخل الجيش النبوي مكة. ٣ - من حق الجيش النبوي أن يستخدم السلاح داخل مكة لسحق أية مقاومة مسلحة تقف في طريقه. ٤ - لكي يتحقق البند الأول يفرض منع التجول على جميع سكان مكة بأن يلتزم كل إنسان بيته أو يلجأ إلى المسجد أو إلى منزل أبي سفيان، حتى يتم الجيش النبوي احتلال مكة وينتهى من السيطرة على النقاط المحددة له السيطرة عليها. دبلوماسية العباس بن عبد المطلب لقد كان العباس لَبِقًا دبلوماسيًا ماهرًا - إن صح هذا التعبير - فهو صاحب فكرة إعطاء أبي سفيان (ضمن اتفاقية التسليم) ما يرفع من شأنه ويعلى من منزلته بين قومه. فقد قال العباس: يا رسول الله إنك عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر، اجعل له شيئًا يكون في قومه. فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (١) وفي رواية أن أبا سفيان قال حينئذ: وما تسع دارى يا رسول الله، فقال ﷺ : ومن دخل الكعبة فهو آمن. فقال أبو سفيان: وما تسع الكعبة؟ فقال ﷺ : ومن

стр. 2068

دخل المسجد فهو آمن. قال أبو سفيان: وما يسع المسجد؟ فقال ﷺ : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فقال أبو سفيان: هذه واسعة (١). وبعد إبرام هذه الاتفاقية شرع الفريقان في تنفيذها. الرسول يصدر أمره إلى الجيش بعدم استخدام السلاح في مكة إلا حالة الدفاع عن النفس فمن جانب الرسول الأعظم ﷺ فقد أصدر أوامره المشددة إلى عامة جيشه بأن لا يستخدموا السلاح عندما يدخلون مكة ضد أي إنسان، إلا من اعترضهم وقاومهم. كما أمر بأن لا يمس أفراد جيشه ممتلكات أو أموال أي إنسان من أهل مكة. وقد نفَّذ الجيش النبوي تعليمات قائده الأعلى تنفيذًا كاملًا. فلم يحدث من الجيش ما يعكر على أهل مكة صفو أمنهم. اللهم إلا الذين شهروا السلاح في وجه هذا الجيش. ضُربوا وسحقت مقاومتهم بعد أن فقدوا اثنين وعشرين قتيلًا كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. أما سيد قريش وزعيمها فقد قرر أن يذهب إلى مكة ويبلغ ساداتهما مضمون اتفاقية التسليم هذه ويطلب من الجماهير القرشية أن تتقيد بها وتنفذها لئلا تكون عرضة لسيوف الجيش النبوي الذي لن يتردد في قتل من يُخل بهذه الاتفاقية ولا يعمل بمضمونها. مكة مدينة مفتوحة وهكذا، وبعد هذه الاتفاقية أصبحت العاصمة المقدسة مكة مدينة مفتوحة ممنوعٌ على الجيش الإِسلامي استخدام السلاح فيها إلا في حالة الدفاع عن النفس، كما يحرم على أهل مكة حمل السلاح وإبداء أية مقاومة مسلحة في وجه الجيش النبوي.

стр. 2069

أبو سفيان يشير على الرسول أن يؤجل احتلال مكة ويتحول لمحاربة هوازن ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان عقب نطقه بالشهادتين أشار على الرسول ﷺ بأن يؤجل احتلال مكة ويغيّر وجهة زحف جيشه نحو قبائل هوازن لضربها، باعتبارهم أبعد قرابة من قريش. ولكن الرسول ﷺ لم يعمل بمشورة أبي سفيان. بل أخبره بأنه يأمل في أن يجمع الله له فتح مكة والتغلب على هوازن. فقد ذكر المؤرخون، أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام "أسلم يوم أسلم أبو سفيان. قالا: يا رسول الله: لو كنت جعلت حدقك ومكيدتك بهوازن، فهم أبعد رحمًا وأشد لك عداوة. فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو من ربى أن يجمع لي ذلك كله بفتح مكة، وإعزاز الإِسلام بها، وهزيمة هوازن وأن يغنّمنى الله أموالهم وذراريهم، فإني راغب إلى الله تعالى في ذلك (١). الرسول يزجر أبا سفيان لمقالة قالها في أصحابه ولما كان أبو سفيان حديث العهد بالإِسلام. فقد دفعته رواسب الجاهلية المتبقية في نفسه إلى أن يقول كلامًا يتنقص به أصحاب الرسول ﷺ ، الأمر الذي غضب له الرسول ﷺ وزجر له أبا سفيان. فقد قال أبو سفيان - وهو لمّا يزل في العسكر النبوي -: يا محمد جئت بأوباش الناس، من يُعرف ومن لا يُعرف، إلى عشيرتك وأصلك. إني أرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه عليَّ. فقال له الرسول ﷺ : أنت أظلم وأفجر، غدرتم بعهد الحديبية وظاهرتم علي بني كعب (يعني خزاعة) بالإِثم والعدوان في حرم الله وأمنه (٢). ثم قال ﷺ لأبي سفيان - ردًّا على قوله - إني لأرى وجوهًا كثيرة

стр. 2070

لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه علي -: أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدّقوني إذ كذبتمونى، ونصرونى إذ أخرجتمونى (١). العرض العسكري أمام أبي سفيان وبعد أن أسلم أبو سفيان وتم الاتفاق بين الرسول ﷺ وبين زعيم قريش أبي سفيان على أن تكون مكة مدينة مفتوحة تُحقن فيها دماء قريش ويدخلها الجيش النبوي بدون حرب. وقبل أن يتوجه أبو سفيان إلى قومه في مكة ليبلغهم فحوى الاتفاقية، ويطلب منهم تنفيذها ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم، رأى الرسول القائد ﷺ أن يرى عرضًا عسكريًا يستعرض فيه كل قواته الحربية أمام سيد قريش أبي سفيان بن حرب قبل أن يعود إلى مكة، لكى يعود إليها وهو يحمل الانطباع الحقيقي عن مدى قوة الجيش النبوي، وحسن تنظيمه وجودة تسليحه وكثرة عدده وشدة انضباطه، وأن لا قبل لقريش بمقاومته، إذا ما فكرت في المقاومة. احتجاز أبي سفيان لفترة محدودة ليشهد العرض العسكري فقد أمر النبي ﷺ بأن يحتجز أبو سفيان في مضيق الوادي لفترة محدودة تنتهي بانتهاء العرض العسكري الذي قرر الرسول القائد إجراءه قبل دخول الجيش مكة، وقد توجس أبو سفيان خيفة من هذا الإِجراء، وظن أن احتجازه عند مضيق الوادي يحمل بادرة غدر يراد به. ولكن وسيط السلام طمأنه بأن المسلم لا يغدر ولا ينكث بعهد أعطاه. وإنما هو الرسول ﷺ أحب أن يرى أبا سفيان جنود الله (إخوانه) قبل أن يعود إلى مكة. فقد ذكر المؤرخون أن أبا سفيان بعد أن خرج من مقر قيادة الرسول متجهًا نحو مكة، قال الرسول ﷺ لعمه العباس: احبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل (٢) حتى تمر به جنود الله فيراها. قال العباس: فعدلت به في مضيق الوإدى إلى خَطم الجبل، فلما
следующие страницы →