ومراوغته وتهربه من إعلان الدخول في الإِسلام، بادر إلى نصحه، بل إلى زجره وتحذيره .. فقد أخبره أن إسلامه سيكون عامل خير وبركة على نفسه وعلى أهل مكة كلها. وأن النبي ﷺ لن يجبره على الإِسلام ولن يمسه بشر بعد أن أعطاه الأمان وما دام في جواره. ولكن عدم دخوله في الإِسلام، سيكون من شأنه جلب المتاعب والويلات لنفسه ولقريش في مكة إذا ما أصروا على الكفر والتفكير في مقاومة الجيش الزاحف.
هكذا كان العباس يوجه صديقه أبا سفيان (بالترغيب والترهيب) نحو الإِسلام، حتى انتهت أخيرًا توجيهاته الخيرة بإقناع سيد قريش أبي سفيان بإعلان إسلامه. فشهد شهادة الحق "شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (١)، وذلك بين يدي الرسول القائد ﷺ في مقر قيادته داخل المعسكر.
كيف كان إسلام أبي سفيان عاملا في إحلال السلام بدل الحرب
وقد تنفس العباس بن عبد المطلب الصعداء عندما أعلن صديقه أبو سفيان بن حرب إسلامه، فقد اقترب العباس من نهاية تحقيق ما يهدف إلى تحقيقه. وهو (في الدرجة الأولى) تجنيب مكة معرة الجيش الغازي، فقد بدا واضحا - بعد إسلام أبي سفيان - أن المسلمين سيدخلون مكة دون أن يضطروا إلى امتشاق الحسام وسفك الدماء. وهذا ما حدث بالفعل.
فقد كان إسلام أبي سفيان عاملًا حاسمًا في تيسير فتح مكة أبوابها للجيش الإِسلامي، دونما أية مقاومة تذكر، حيث ألقى كل القرشيين السلاح، فاستسلموا لجيش الإِسلام، فضمنوا بذلك أرواحهم وأموالهم، ما عدا قلة من المتعصبين المتهورين مثل عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية. أبدوا شيئًا من المقاومة سحقها خالد بن الوليد قائد اللواء الخامس جنوبي مكة.
стр. 2067
اتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي
وبعد أن أسلم أبو سفيان، وأصبح أحد أفراد الأسرة الإِسلامية الكبرى، سعى وسيط السلام العباس بن عبد المطلب لوضع الترتيبات النهائية لوضع المخطوط العريضة لاتفاقية نهائية بين الرسول ﷺ وبين أبي سفيان بن حرب، بصفته مندوب قريش ومفوضها المطلق، يتم بموجب هذه الاتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي، ويمكن تلخيص اتفاقية التسليم في البنود الآتية:
١ - حقن دماء أهل مكة وضمان أموالهم وممتلكاتهم من قبل الجيش النبوي.
٢ - امتناع القرشيين عن إبداء أية مقاومة مسلحة عندما يدخل الجيش النبوي مكة.
٣ - من حق الجيش النبوي أن يستخدم السلاح داخل مكة لسحق أية مقاومة مسلحة تقف في طريقه.
٤ - لكي يتحقق البند الأول يفرض منع التجول على جميع سكان مكة بأن يلتزم كل إنسان بيته أو يلجأ إلى المسجد أو إلى منزل أبي سفيان، حتى يتم الجيش النبوي احتلال مكة وينتهى من السيطرة على النقاط المحددة له السيطرة عليها.
دبلوماسية العباس بن عبد المطلب
لقد كان العباس لَبِقًا دبلوماسيًا ماهرًا - إن صح هذا التعبير - فهو صاحب فكرة إعطاء أبي سفيان (ضمن اتفاقية التسليم) ما يرفع من شأنه ويعلى من منزلته بين قومه. فقد قال العباس: يا رسول الله إنك عرفت أبا سفيان وحبه الشرف والفخر، اجعل له شيئًا يكون في قومه. فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (١) وفي رواية أن أبا سفيان قال حينئذ: وما تسع دارى يا رسول الله، فقال ﷺ : ومن دخل الكعبة فهو آمن. فقال أبو سفيان: وما تسع الكعبة؟ فقال ﷺ : ومن
стр. 2068
دخل المسجد فهو آمن. قال أبو سفيان: وما يسع المسجد؟ فقال ﷺ : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فقال أبو سفيان: هذه واسعة (١). وبعد إبرام هذه الاتفاقية شرع الفريقان في تنفيذها.
الرسول يصدر أمره إلى الجيش بعدم استخدام السلاح في مكة إلا حالة الدفاع عن النفس
فمن جانب الرسول الأعظم ﷺ فقد أصدر أوامره المشددة إلى عامة جيشه بأن لا يستخدموا السلاح عندما يدخلون مكة ضد أي إنسان، إلا من اعترضهم وقاومهم. كما أمر بأن لا يمس أفراد جيشه ممتلكات أو أموال أي إنسان من أهل مكة. وقد نفَّذ الجيش النبوي تعليمات قائده الأعلى تنفيذًا كاملًا. فلم يحدث من الجيش ما يعكر على أهل مكة صفو أمنهم. اللهم إلا الذين شهروا السلاح في وجه هذا الجيش. ضُربوا وسحقت مقاومتهم بعد أن فقدوا اثنين وعشرين قتيلًا كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
أما سيد قريش وزعيمها فقد قرر أن يذهب إلى مكة ويبلغ ساداتهما مضمون اتفاقية التسليم هذه ويطلب من الجماهير القرشية أن تتقيد بها وتنفذها لئلا تكون عرضة لسيوف الجيش النبوي الذي لن يتردد في قتل من يُخل بهذه الاتفاقية ولا يعمل بمضمونها.
مكة مدينة مفتوحة
وهكذا، وبعد هذه الاتفاقية أصبحت العاصمة المقدسة مكة مدينة مفتوحة ممنوعٌ على الجيش الإِسلامي استخدام السلاح فيها إلا في حالة الدفاع عن النفس، كما يحرم على أهل مكة حمل السلاح وإبداء أية مقاومة مسلحة في وجه الجيش النبوي.
стр. 2069
أبو سفيان يشير على الرسول أن يؤجل احتلال مكة ويتحول لمحاربة هوازن
ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان عقب نطقه بالشهادتين أشار على الرسول ﷺ بأن يؤجل احتلال مكة ويغيّر وجهة زحف جيشه نحو قبائل هوازن لضربها، باعتبارهم أبعد قرابة من قريش. ولكن الرسول ﷺ لم يعمل بمشورة أبي سفيان. بل أخبره بأنه يأمل في أن يجمع الله له فتح مكة والتغلب على هوازن.
فقد ذكر المؤرخون، أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام "أسلم يوم أسلم أبو سفيان. قالا: يا رسول الله: لو كنت جعلت حدقك ومكيدتك بهوازن، فهم أبعد رحمًا وأشد لك عداوة.
فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو من ربى أن يجمع لي ذلك كله بفتح مكة، وإعزاز الإِسلام بها، وهزيمة هوازن وأن يغنّمنى الله أموالهم وذراريهم، فإني راغب إلى الله تعالى في ذلك (١).
الرسول يزجر أبا سفيان لمقالة قالها في أصحابه
ولما كان أبو سفيان حديث العهد بالإِسلام. فقد دفعته رواسب الجاهلية المتبقية في نفسه إلى أن يقول كلامًا يتنقص به أصحاب الرسول ﷺ ، الأمر الذي غضب له الرسول ﷺ وزجر له أبا سفيان.
فقد قال أبو سفيان - وهو لمّا يزل في العسكر النبوي -: يا محمد جئت بأوباش الناس، من يُعرف ومن لا يُعرف، إلى عشيرتك وأصلك. إني أرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه عليَّ.
فقال له الرسول ﷺ : أنت أظلم وأفجر، غدرتم بعهد الحديبية وظاهرتم علي بني كعب (يعني خزاعة) بالإِثم والعدوان في حرم الله وأمنه (٢).
ثم قال ﷺ لأبي سفيان - ردًّا على قوله - إني لأرى وجوهًا كثيرة
стр. 2070
لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه علي -: أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدّقوني إذ كذبتمونى، ونصرونى إذ أخرجتمونى (١).
العرض العسكري أمام أبي سفيان
وبعد أن أسلم أبو سفيان وتم الاتفاق بين الرسول ﷺ وبين زعيم قريش أبي سفيان على أن تكون مكة مدينة مفتوحة تُحقن فيها دماء قريش ويدخلها الجيش النبوي بدون حرب. وقبل أن يتوجه أبو سفيان إلى قومه في مكة ليبلغهم فحوى الاتفاقية، ويطلب منهم تنفيذها ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم، رأى الرسول القائد ﷺ أن يرى عرضًا عسكريًا يستعرض فيه كل قواته الحربية أمام سيد قريش أبي سفيان بن حرب قبل أن يعود إلى مكة، لكى يعود إليها وهو يحمل الانطباع الحقيقي عن مدى قوة الجيش النبوي، وحسن تنظيمه وجودة تسليحه وكثرة عدده وشدة انضباطه، وأن لا قبل لقريش بمقاومته، إذا ما فكرت في المقاومة.
احتجاز أبي سفيان لفترة محدودة ليشهد العرض العسكري
فقد أمر النبي ﷺ بأن يحتجز أبو سفيان في مضيق الوادي لفترة محدودة تنتهي بانتهاء العرض العسكري الذي قرر الرسول القائد إجراءه قبل دخول الجيش مكة، وقد توجس أبو سفيان خيفة من هذا الإِجراء، وظن أن احتجازه عند مضيق الوادي يحمل بادرة غدر يراد به. ولكن وسيط السلام طمأنه بأن المسلم لا يغدر ولا ينكث بعهد أعطاه. وإنما هو الرسول ﷺ أحب أن يرى أبا سفيان جنود الله (إخوانه) قبل أن يعود إلى مكة.
فقد ذكر المؤرخون أن أبا سفيان بعد أن خرج من مقر قيادة الرسول متجهًا نحو مكة، قال الرسول ﷺ لعمه العباس: احبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل (٢) حتى تمر به جنود الله فيراها.
قال العباس: فعدلت به في مضيق الوإدى إلى خَطم الجبل، فلما
стр. 2071
حبست أبا سفيان قال: غدرًا بني هاشم؟
فقال العباس: إن أهل النبوة لا يغدرون، ولكن لي إليك حاجة. فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولًا. فقلت إن لي إليك حاجة فكان أفرخ لروعى؟ فقال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب (١) "أي أن يبلغ بك الخوف والريبة هذا المبلغ".
تأثير الاستعراض العسكري في نفس أبي سفيان
وعقب وقوف العباس بأبي سفيان عند مضيق الوادي، أمر الرسول القائد ﷺ كل فرق الجيش وكتائبه أن يمروا جميعهم أمام زعيم قريش أبي سفيان. فأقيم العرض العسكري في الوادي على أروع صورة دهش لها أبو سفيان الذي ما كاد يصدق ما يرى.
فقد مرت الألوية والكتائب النبوية في الوادي في تعبئة دقيقة، وفي حالة انضباط أدق، ما كان يعرفه العرب في تاريخهم العسكري عبر العصور.
وقد أخذت الدهشة من نفس أبي سفيان كل مأخذ وأشد شيء دهش له، هذا التبدل الكامل الشامل الذي غير مجرى حياة المسلمين تغييرًا جزريًا. حيث زال منهم كل قبيح وحل محله كل حسن، بسبب انسلاخهم عن الشرك، واعتقادهم عقيدة التوحيد التي كان اعتناقها مصدر كل هذه التحولات والتغيرات الجذرية في كيان هؤلاء الأعراب، الذين كانوا ضِعافًا فقوَّاهم الله، وكانوا أذلاء فبالإِسلام أعزهم الله. وكانوا متفرقين متخاصمين، فجمعهم الله في إطار الموحدة الإِسلامية التي ظهروا في إطارها بهذا المظهر الرائع الذي له انعقد لسان سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب الذي عبَّر عن دهشته وتعجبه لما رأى بقوله: "ما رأيت يا أبا الفضل مُلكًا كهذا قط، لا مُلك كسرى ولا مُلك بني الأصفر (٢)، لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيمًا" (٣).
стр. 2072
بدء الاستعراض العسكري
وقد بدأ الاستعراض العسكري أمام زعيم قريش أبي سفيان في الصباح الباكر حسب أمر الرسول القائد. وكان الاستعراض حسب التعبئة التي تمت في منطقة قُديد. فقد مرَّت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها أي أن الاستعراض كان (في جملته) على أساس قبلي، فقد مرت كل قبيلة في كامل هيئتها الحربية منفردة بشعارها الخاص وعلمها المميز.
فرسان خالد أول من بدأ العرض العسكري
وكان أول من افتتح العرض العسكري أمام أبي سفيان القائد خالد بن الوليد، قدمه الرسول في ألف من بني سليم وكلهم من الفرسان يحمل ألويتهم ثلاثة منهم، عباس بن مرداس السلمي، وخفاف بن ندبة، والحجاج بن علاط. وكانت الكتائب قد غاص رجالها في الدروع فصارت تمر أمام أبي سفيان وكأنها بحر متحرك من الحديد. وعندما مر خالد في فرسان بني سليم قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال العباس: بنو سليم. فقال أبو سفيان: ما لي ولسُليم. ولما قال العباس وهذا قائدهم خالد بن الوليد. قال أبو سفيان. الغلام؟ قال: نعم. ولما حاذى خالد العباس وإلى جانبه أبو سفيان كبَّر ثلاثًا، ثم مضوا.
ثم مر الزبير بن العوام في خمسمائة من محاربى المهاجرين وأخلاط من العرب ومعه راية سوداء. فلما حاذى أبا سفيان كبر ثلاثًا.
وكان أبو سفيان يعرف الزبير حق المعرفة. ولكنه لا كان غائصًا في الدرع والمغفر، لم يعرفه. فقال: من هذا قال: الزبير بن العوام.
قال: ابن أختك؟ (وكان الزبير بن صفية بنت عبد المطلب).
فقال العباس: نعم.
ثم مر بنو غفار في ثلاثمائة. يحمل رايتهم أبو ذر الغفاري فلما حاذوه كبَّروا ثلاثًا. فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ قال: بنو غفار: فيقول أبو سفيان: ما لي ولبني غفار.
стр. 2073
ثم استعرض بنو أسلم قواتهم أمام زعيم قريش، وكانوا أربعمائة يحمل لواءهم بريدة بن الحصيب. وناجية بن جُندب فلما حاذوه كبروا ثلاثًا. قال: من هؤلاء؟
فيجيبه العباس: أسلم ...
فيقول أبو سفيان (متذمرًا): ما لي ولأسلم: ما كان بيننا وبينها مرة قط. قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإِسلام.
ثم مر بنو عمرو بن كعب من خزاعة في قواتهم المسلحة وعددهم خمسمائة. يحمل رايتهم بُسر بن سفيان الخزاعي فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟
فقال العباس: بنو كعب بنو عمرو.
فيقول أبو سفيان: نعم، هؤلاء حلفاء محمد. فلما حاذوه كبروا ثلاثًا.
ثم مرَّت قبيلة مُزينة في ألف محارب، بقيادة النعمان بن مُقرن، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو، فلما حاذوا أبا سفيان كبَّروا ثلاثًا.
فقال: من هؤلاء؟
قال العباس: مُزينة. فقال: يا أبا الفضل، ما لي ولمزينة قد جاءتني تقعقع من شواهقها (١).
ثم جاءت جهينة، فاستعرضت قواتها أمام أبي سفيان، وعددها ثمانمائة مقاتل، يقودهم أربعة من ساداتهم: رافع بن مكيث، وعبد الله بن بدر، وسويد بن صخر، وأبو زرعة معبد بن خالد. وكما هي التعليمات، كبَّر الجُهينيون أمام سيد قريش، وقد عرفهم.
ثم مرت ثلاث فخائذ من كنانة التي كانت بنو نفاثة السبب في نقض صلح الحديبية - بني ضمرة وبنى ليث وبنى سعد بن بكر بن كنانة - في مائتين. يقودهم أبو واقد الليثى. فلما حاذوا أبا سفيان وكبَّروا ثلاثًا. قال
стр. 2074
للعباس: من هؤلاء؟ فقال له: بنو بكر.
فعادت الذكريات الأليمة بأبي سفيان إلى الأيام التي ساندت فيها قريش بني بكر في غدرهم بخزاعة. فقال: نعم، أهل شؤم والله، الذين غزانا محمد بسببهم، أما والله ما شوورت فيه ولا علمته، ولقد كنت له كارها، حيث بلغني، ولكنه أمر حُم. فقال العباس: قد خار لك الله في غزو محمد ﷺ ، ودخلتم في الإِسلام كافة.
ثم مرت قبيلة أشجع النجدية في ثلاثمائة مقاتل. يقودهم معقل بن سنان، ونعيم بن مسعود. فقال أبو سفيان -: وقد عرفهم -: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد - لأنهم من غطفان الذين حاولوا احتلال المدينة في غزوة الأحزاب الرهيبة ...
فقال العباس: أدخل الله الإِسلام في قلوبهم. فهذا من فضل الله ، فسكت أبو سفيان، ثم قال: ما مضى بعد محمد؟ قال العباس: لم يمض بعد، لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد ﷺ رأيت الحديد، والخيل والرجال، وما ليس لأحد به طاقة، قال: أظن والله يا أبا الفضل، ومن له بهؤلاء طاقة؟ .
الرسول يختتم العرض العسكري
وبعد أن أكملت القبائل العربية استعراض قواتها أمام أبي سفيان. أقبل الرسول القائد ﷺ يمتطى ناقته القَصْوى في المهاجرين والأنصار الذين كانت لهم قواتهم حوالي خمسة آلاف مقاتل.
وقد كان عامة الجيش من المهاجرين والأنصار، يقدمون رسول الله ﷺ . فلما طلعت كتيبة الخضراء (١) طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل، وجل الناس يمرون، وأبو سفيان يقول: ما مرَّ محمد؟ فيقول له العباس: لا. حتى إذا ظهر رسول الله ﷺ على ناقته القصوى. قال العباس لأبي سفيان: هذا رسول الله ﷺ .
стр. 2075
وكان الرسول القائد ﷺ يسير على ناقته تحيطه هيئة أركان حربه. وهو بين سيد الأنصار أسيد بن حُضير ووزيره الأول أبي بكر الصديق، يتحدث إليهما حديث القائد لكبار ضباط جيشه.
وكانت كتيبته الخضراء الخاصة قد انتظمت كل قوات الأنصار وعددهم أربعة آلاف مقاتل وكذلك انتظمت بعض المهاجرين، وبعض سادات وزعماء القبائل العربية، في الأنصار الرايات والألوية، مع كل بطن من الأنصار راية، وكانوا كلهم غائصين في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وكان في الكتيبة عمر بن الخكتاب له زجل، وعليه الحديد، وقد لفت ارتفاع صوت ابن الخكتاب في الكتيبة نظر أبي سفيان فقال للعباس: من هذا المتكلم؟ فقال: عمر بن الخطاب. قال أبو سفيان: لقد أمرَ أمرُ بني عدى بعد - والله - قلة وذلة. فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإِسلام.
سعد بن عبادة عدد قريشًا باستباحة حرمتها فيشتكيه أبو سفيان
كان رسول الله ﷺ أثناء المرحلة الأخيرة من الاستعراض العسكري قد أعطى رايته الخاصة سيد الأنصار سعد بن عُبادة فصار يتحرك بها أمام كتيبة رسول الله ﷺ .
وعندما مر بأبي سفيان صرخ في وجهه: يا أبا سفيان، اليوم يوم اللحمة، اليوم تُستَحَلُّ الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا.
ففزع أبو سفيان لذلك فزعًا شديدًا، إذ أن تهديد سعد هذا فيه تصريح بأن الجيش النبوي سيستبيح مكة وسيقتل أهلها، وهذا خلاف ما اتفق عليه الرسول ﷺ وأبو سفيان أثناء مفاوضات التسليم التي انتهت بالاتفاق على أن يلقى القرشيون السلاح وأن تكون مدينتهم مفتوحة يأمن فيها أهلها على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم وذراريهم.
ولذلك فإن الرسول ﷺ لما مر (في هيئة أركان حربه من خاصة أصحابه) ناداه أبو سفيان (محتجًا على تهديدات سعد بن عبادة): يا
стр. 2076
رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين مر بنا قال: "يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستَحَل الحُرمة، اليوم أذل الله قريشًا" وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبرَ الناس، وأرحم الناس، وأوصل الناس.
وقد ضم كبار المهاجرين القرشيين مثل عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ضمُّوا أصواتهم إلى صوت أبي سفيان مستنكرين قولة سعد بن عبادة، ومعلنين تخوفهم على قريش من سعد وجنوده الأنصار، حيث قالوا: يا رسول الله ما نأمن سعدًا أن يكون منه في قريش صولة. فاستنكر الرسول ﷺ مقالة سعد. وطمأن الجميع قائلًا: اليوم يوم المرحمَة، اليوم يعظم الله فيه الكعبة، اليوم أعز الله فيه قريشًا، ولم يكتف الرسول ﷺ بهذا القول بل - ليزيل المخاوف التي علقت بنفس أبي سفيان والمهاجرين من قريش - أمر بعزل سعد بن عبادة من منصبه، وعيَّن مكانه في القيادة ابنه قيس بن سعد وقيل علي بن أبي طالب، وقد أبي سعد أن يعتزل منصبه ويسلم عَلَم الجيش لخلفه إلا بأمارة (أي علامة) من الرسول ﷺ . فأرسل إليه الرسول ﷺ بعمامته (أمارة) فعرفها فدفع علم الجيش إلى ابنه سعد واعتزل القيادة.
وبعد أن أكملت آخر مجموعة من القوات الإِسلامية استعراضها أمام أبي سفيان. وانتهى ذلك العرض العسكري الرائع الذي تعمد الرسول القائد الحكيم أن تقوم به قواته أمام سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب، قبل أن يعود إلى قومه في مكة - قال أبو سفيان للعباس الذي كان واقفًا إلى جانبه طوال المدة التي أجرت فيها القوات الإِسلامية المسلحة استعراضها -: سبحان الله، ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملك ولكنها نبوة. قال: فنعم إذن (١) ..
стр. 2077
تأثير العرض العسكري في نفس أبي سفيان
وقد تركت الاستعراضات العسكرية التي قامت بها مختلف الأسلحة في الجيش النبوي أمام سيد قريش وزعيمها أبي سفيان بن حرب في الوادي بضواحي مكة .. أحدثت في نفس أبي سفيان آثارها العميقة التي أرادها الرسول القائد ﷺ أن تحدث، حينما أمر بإقامة هذا الاستعراض التاريخي الذي قامت به مختلف الوحدات في الجيش النبوي وعلى أروع صورة.
فقد هدف الرسول القائد ﷺ من وراء القيام بهذا الاستعراض العسكري الكامل، إلى أن يرى زعيم قريش بنفسه مدى قوة الجيش النبوي عددًا وتسليحًا وتنطمًا وانضباطًا وقوة إرادة وحسن طاعة وقدرة على سحق أية مقاومة (مهما كانت) قد يفكر المتهورون من قريش في القيام بها عندما يشرع هذا الجيش في السيطرة على مكة وتحريرها. فينقل أبو سفيان إلى قومه في مكة الانطباعات الحقيقية عن مدى قوة الجيش النبوي ومدى قدرته على إبادة آية قوة تعترض سبيله وهو يدخل مكة، فلا يتهور أحد منهم فيفكر في المقاومة.
عودة أبي سفيان إلى مكة
فبعد أن رأى سيد قريش وقائد جيوشها أبو سفيان بن حرب، رأى العين، حقيقة ما عليه الجيش النبوي من ضخامة في العدد وجودة في التسليح وانضباط في السلوك وقوة في العقيدة وتصميم في الإِرادة، قر في نفسه بأنه من الانتحار أن يحاول أحد من القرشيين في مكة مقاومة هذا الجيش .. وقد عاد أبو سفيان إلى مكة وهو يحمل إلى قومه هذا الانطباع الذي لم يستطيع أحد محوه من نفسه، بل ظل هذا الانطباع ملازمًا له، ومُلِحًا عليه بأن يُقنع كل الفئات من قومه قريش بأن يلقوا بأسلحتهم ويستسلموا للجيش الزاحف لأنه لا قِبَل لأحد منهم بهذا الجيش.
المتطرفون يحاولون المقاومة
وقد حاول المتطرفون ص قريش (وعلى رأسهم زوجة القائد العام نفسه هند بنت عتبة) أن يشككوا فيما يقوله أبو سفيان عن مدى قوة الجيش
стр. 2078
النبوي ويقنعوا قوات قريش المسلحة بالاحتشاد لاعتراض الجيش النبوي في مواجهة مسلحة لصده عن دخول العاصمة المقدسة، ولكن هؤلاء المتطرفين فشلوا. ونجح أبو سفيان في إقناع الجماهير القرشية بإلقاء السلاح والاستسلام لجيش الرسول ﷺ . فدخل الجيش النبوي مكة دونما مقاومة تذكر وبهذا نجت العاصمة المقدسة من مجزرة رهيبة كاد المتطرفون من أعيان مكة يتسببون في حدوثها.
أبو سفيان في مكة يدعو قومه لإِلقاء السلاح .
فعقب انتهاء العرض العسكري الذي قام به الجيش النبوي من مختلف الوحدات أمام أبي سفيان عند مضيق الوادي، أبلغ وسيط السلام العباس بن عبد المطلب. صديقه وقريبه أبا سفيان بأن في إمكانه الآن أن يذهب إلى قومه في مكة، ليخبرهم بما رأى، ويبلغهم نهاية محادثاته التي أجراها مع الرسول ﷺ والاتفاقات التي توصل إليها نتيجة هذه المحادثات، بل لقد نصح العباس صديقه أبا سفيان بأن يسارع إلى قومه في مكة، لإِنقاذهم حيث قال له: "فانج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم" (١).
استجابة أهل مكة لنداء أبي سفيان بإلقائهم السلاح
عمل أبو سفيان بن حرب بتوجيه صديقه العباس بن عبد المطلب، فانطلق بأقصى سرعة إلى قومه بمكة، ليطلب منهم الهدوء وتنفيذ الاتفاقية التي أبرمها مع الرسول القائد ﷺ ليحرزوا دماءهم وأموالهم.
وما كاد أبو سفيان يصل مكة حتى تجمهر عليه الناس من كل حدب وصوب، وأخذوا يمطرونه بالأسئلة عما حدث له في المهمة التي انتدبته قريش من أجلها, وعما يجب أن يفعلوه في تلك الساعات الحاسمة الحرجة من تاريخ قريش، فقد استبدت بهم الحيرة والقلق، لا يدرون ماذا يصنعون.
وقد أخبرهم أبو سفيان بكل شيء، وكان صريحًا معهم إلى أبعد الحدود.
أبلغهم أنه قرر (وبموجب اتفاقية عقدها مع محمد ﷺ ) على أن تكون
стр. 2079
مكة مدينة مفتوحة لا يشهر فيها أصحاب محمد سلاحًا، شريطة أن يلقى أهل مكة سلاحهم، ويمتنعوا عن إبداء أية مقاومة للجيش النبوي عندما يدخل مكة، وأن يلتزموا بقرار حظر التجول في المدينة الذي سيكون سارى المفعول منذ وصول أول جندى إسلامي حدود مكة، وذلك بأن يلزم كل إنسان داره ويغلق على نفسه بابه، أو يدخل دار أبي سفيان نفسه أو يعتصم بالمسجد، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لنجاة أهل مكة من التعرض لسيوف المسلمين. الذين كانت التعليمات صريحة لديهم بأن يقتلوا كل من يحاول اعتراض سبيلهم، وأن يكفوا (من جهة أخرى) عن قتل أيّ إنسان من أهل مكة لا يعترض سبيلهم.
أبو سفيان يدعو أهل مكة إلى الإِسلام
وقد أخبر أبو سفيان أهل مكة أن التزامهم بهذه القرارات وتنفيذهم لهذه الأوامر، سيكون مقابله أن أرواحهم وأموالهم وكل ممتلكاتهم مضمونة لهم من قبل الجيش النبوي.
كما أن أبا سفيان (وقد رأى بأم عينيه حقيقة القوة الجبارة التي عليها الجيش الإِسلامي) صارح أهل مكة والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، بأن أية مقاومة يبديها القرشيون في وجه الجيش الزاحف سيكون مصيرها التلاشى السريع، وأن أسلم طريقة هي عدم التفكير في المقاومة - بل إن أبا سفيان (وقد أصبح مسلمًا) دعا أهل مكة إلى الدخول في الإِسلام ذاته.
المعارضون لأبي سفيان من قريش
وقد لقى أبو سفيان بعض المعارضة عندما ألقى بيانه الصريم على الجماهير القرشية حول المسجد، وصارحها بالحقيقة، ودعاها إلى اتباع داعى العقل الراجح لا العاطفة الفوارة. التي لا يقود اتباعها إلَّا إلى الويلات والكوارث.
هند تدعو جماهير قريش إلى قتل زوجها أبي سفيان
وكان أشد المعارضين لما قاله وجاء به ودعا إليه سيد قريش أبو سفيان،
стр. 2080
زوجه هند ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس التي ما كادت تسمع في عوة زوجها قومه إلى الاستسلام للجيش الإِسلامي الغازى حتى قبحته وهجمت عليه تجرُّه من شنبه داعية أهل مكة إلى قتله، وقد أيدها في معارضتها فئة من القرشيين مثل عكرمة بن أبي جهل.
غير أن المعارضة لأبي سفيان كانت (على عنفها) قليلة بحيث ضاع صوتها وسط أصوات الأغلبية الساحقة من أهل مكة الذين استجابوا لسيدهم أبي سفيان، بعد أن استصوبوا رأيه وعلموا إخلاصه وصدقه فيما نصحهم به، فسارعوا إلى تنفيذ كل التعليمات والأوامر التي ألقى بها إليهم، قبل أن يصل الجيش النبوي مكة.
فقد أفاد المؤرخون، أن أبا سفيان لما عاد من المعسكر النبوي (وكان على بعد أربعة أميال من مكة) صرخ في قريش بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت برأسه، فقالت: ما وراءك؟ . قال: ما ورائى؟ هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد، جعل لي: من دخل دارى فهو آمن، فقال له بعضهم: قبَّحك الله، وما تُغنى عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
فكانت زوجته هند تقول وقد أخذت بشاربه: قبحك الله رسول قوم، يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، ثم حرضت قريشًا على المقاومة قائلة: هلا قاتلتم ودافعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال أبو سفيان: ويحك اسكتى وادخلى بيتك، ثم خاطب الجماهير القرشية قائلًا: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، رأيت ما لم تروا، رأيت الرجال والكُراع والسلاح، فلا لأحد بهذا طاقة، فإنه قد جاءكم ما لا قبَل لكم به (١).
стр. 2081
أهل مكة يلقون السلاح ويستعدون للإسلام
بعد أن استمع الناس في المسجد إلى بيان أبي سفيان الذي ألقاه على جماهير قريش، تفرق الناس ولدى كل منهم الاقتناع الكامل بأنه من العبث إبداء أية مقاومة للجيش النبوي، وأن الحكمة والصواب تكمنان فيما قاله ودعا إليه أبو سفيان الجماهير القرشية، وهو الكف عن القتال وإلقاء السلاح.
وانطلاقًا من هذا الاقتناع سارع القرشيون إلى إخلاء الطرقات واعتصموا، إمَّا بمنازلهم وإمَّا بالمسجد وإمَّا بدار أبي سفيان بن حرب، بعد أن ألقوا بأسلحتهم في الطرقات وأمام المنازل وعند مداخل المسجد، تقيدًا بالاتفاقية التي أبرمها زعيمهم أبو سفيان بن حرب مع الرسول القائد ﷺ لتجنيب مكة ويلات الحرب، ولتكون أرواح القرشيين وأموالهم وكل ممتلكاتهم مصونة.
وبهذا طبق القرشيون نظام منع التجول وأصبحت شوارع مكة (قبل دخول الجيش النبوي إليها) خالية من الناس.
الشاذون الذين قاوموا فهزموا
وإذا كانت الأغلبية الساحقة من أهل مكة قد استجابوا لنداء العقل فقرروا الاستسلام لجيش الإِسلام الغازى الذي لا قبل لهم بمقاومته فألقوا السلاح وأخلوا الشوارع والتزموا منازلهم أو المسجد أو بيت أبي سفيان حتى أتم الجيش النبوي السيطرة على مكة، فإن أقلية من قريش خرجوا على الإِجماع، وعصوا زعيمهم أبا سفيان بن حرب، فحملوا السلاح وقرَّروا مقاومة الجيش النبوي الزاحف، ولكن مقاومتهم سُحقت خلال عدة دقائق، وكان من سوء حظهم أن كانت مقاومتهم في وجه أمهر قائد حربى عرفته جزيرة العرب (بعد الرسول ﷺ ) وهو خالد بن الوليد.
وكان من بين الذين خرجوا على الإِجماع فقاوموا الجيش النبوي فتسببوا فيما لم يرغبه الرسول القائد ﷺ من سفك الدم في الحرم الآمن رجال صاروا فيما بعد من الأبطال الذين رووا شجرة الإِيمان بدمائهم الزكية الطاهرة مجاهدين في سبيل الله، مثل صفوان بن أمية، وعكرمة بن
стр. 2082
أبي جهل اللذين استشهدوا في معارك الشام التي نشبت بين جيوش الإِسلام وجيوش الإِمبراطورية الرومانية في عهد الفاروق عمر.
توزيع القيادات استعدادًا لدخول مكة
ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب أن الرسول القائد ﷺ عبأ جيشه في قُدَيد على أساس قبلي، وقد تحرك الجيش من قُدَيد في اتجاه مكة وهو في حالة تعبئة تامة، وعلى الأساس القبلى المشار إليه والمذكور تفصيليًا فيما مضى من هذا الكتاب.
غير أن الرسول ﷺ لما وصل (ذي طُوَى) - وهو المنطقة المسماة اليوم في مكة .. (بالزاهر) قَسَّم جيشه البالغ عشرة آلاف مقاتل إلى خمس فرق. كان هو ﷺ قائد الفرقة الأولى التي ضمت هيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار وشيوخ القبائل العربية وساداتها.
أما الفرق الأربع الأخرى التي كُلفت بالسيطرة على مكة واحتلالها وسحق أية مقاومة مسلحة يبديها أيّ من القرشيين فقد أسندت قيادتها إلى أربعة من كبار الصحابة، ثلاثة من المهاجرين، وواحد من الأنصار.
الجهات التي دخلت منها فرق الجيش مكة
وهؤلاء القادة الأربعة، هم:
١ - الزبير بن العوام، كُلفت فرقته بأن تستولى على الناحية الشمالية من مكة. عند منطقة يقال لها كدُيَّ (١) (وهي غير كُدَّا).
٢ - خالد بن الوليد. وكلِّف بأن يدخل مكة من ناحية الجنوب من منطقة يقال لها: الليِّط (٢)، وهي المسماة اليوم بمحلة السفلة.
٣ - أبو عبيدة بن الجراح. وقد كلفه الرسول ﷺ أن يدخل بفرقته من الناحية الشمالية الغربية (٣).
стр. 2083
٤ - قيس بن سعد بن عبادة (١) الأنصاري كلفت الفرقة التي يقودها (وكلها من الأنصار) أن تدخل مَكة من جنوبها الغربي (٢) وكان من المقرر أن يقود هذه الفرقة سعد بن عبادة سيد الأنصار. ولكن الرسول ﷺ عزله من القيادة لتفوهه بكلام أغضب المهاجرين لأنه يتضمن التهديد بأنَّ الأنصار سيستبيحون مكة. فعزله الرسول ﷺ تأديبًا له على قوله ذاك (٣). إلا أن الرسول ﷺ تعمَّد أن يخلف سعدًا في القيادة ابنه قيس تطييبًا لنفسه، ولئلا تخرج قيادة الأنصار (وهم العمود الفقرى للجيش) منهم إلى غيرهم.
من أين دخل الرسول مكة ؟
أمّا الرسول القائد ﷺ فالمرجَّح (حسب سياق المؤرخين) أنه دخل مكة من الناحية التي دخل منها أبو عبيدة بن الجراح. بدليل أن ابن إسحاق ذكر أن أبا عبيدة كان يَنصَبُّ بالصف من المسلمين لمكة بين يدي رسول الله ﷺ (٤) وهذا يعني أن الرسول ﷺ دخل مكة من ناحيتها الشمالية الغربية
стр. 2084
واتجه على خطٍ مستقيمٍ وبين يديه أبو عبيدة حتى وصل ناحية الحجون. ومن هناك انحدر جنوبًا نحو المسجد. بعد أن استراح ناحية الحجون في قُبَّة ضُربت له هناك (١).
وبالرغم من أن الرسول ﷺ قد قسم الجيش إلى خمس فرق عند دخول مكة، فقد ظل الجيش على تعبئته الأساسية. حيث دخلت القبائل مكة على راياتها وتحت قيادات ضباطها حسب التنظيمات والتعبئات التي أجراها الرسول ﷺ في قُدَيد. وعلى النحو الذي فصّلناه فيما مضى من هذا الكتاب.
وبعد أن قسَّم الرسول ﷺ جيشه في ذي طوى وعرف كلُّ قائد من القادة الأربعة المكلفة فرقهم بالسيطرة على مكة. الجهة التي عليه أن يدخل مكة منها، وقف مختلف فرق الجيش على أهبة الاستعداد في ذي طوى لاقتحام مكة.
الأوامر المشددة بعدم استخدام السلاح في مكة عند دخولها
وقد أصدر الرسول القائد ﷺ إلى قادة جيشه الأوامر المشددة بأن لا يستخدموا السلاح في مكة ولا يقاتلوا إلا من اعترض سبيلهم وقاتلهم. فقال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم (٢).
وقد نفَّذ قادة القطعات في الجيش أوامر الرسول القائد فلم يحدث منها أي قتال عند دخولها مكة، ما عدا القطعات التي يقودها خالد بن الوليد وهي أهم القطعات من الناحية الحربية حيث كان كلُّها من الفرسان وسلاح الفرسان هو من أهم ما تعتمد عليه الجيوش في ذلك العصر.
ففي المنطقة التي كلف سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الواليد باحتلالها حديث (فقط) القتال حيث قاوم قلة من القرشيين بمساندة البكريين جيرانهم، والذين كانوا سببًا في نقض صلح الحديبية، ثم في قيام الرسول ﷺ الله بهذا الغزو الشامل.
العرض العسكري في ذي طوى
بعد أن أعطى الرسول القائد ﷺ الأوامر إلى قادة الفرق الأربع
стр. 2085
المكلفة باحتلال مكة، وتحريرها قامت قطعات الجيش النبوي باستعراض في المنطقة التي فيها تجمَّع الجيش وهي سهل يقع في الناحية الشمالية الغربية خارج أبنية مكة إزاء الحجون والخندمة.
فقد ذكر المؤرخون أن الرسول لما أكمل جيشه. الاستعداد لدخول مكة اغتسل ثم دعا براحلته القَصوى فأدنِيت له إلى باب قُبته، ودعا للبس السلاح والمغفر على رأسه وقد صف له الناس والخيل تمعج (١) بين الحجون والخندمة.
وقد شهد أهل مكة بأم أعينهم تجمُّع الجيش النبوي وهو يتهيأ للانطلاق، كل فرقة نحو المنطقة التي حُددت لها من مكة. وقد رأى أهل مكة هذا الحشد والاستعراض والاستعداد والتنظيم من رؤوس الجبال.
فقد ذكر ابن هشام هذا المشهد الرائع للجيش النبوي (كما وصفه شاهد عيان من قمة جبل أبي قبيس) فقال: (لما وقف رسول الله ﷺ بذى طوى) قال أبو قحافة (والد أبي بكر الصديق لابنة من أصغر بناته (٢). أي بنيَّة، اظهرى بي على أبي قبيس، قالت وقد (كُفَّ بصره) قالت فأشرفت به عليه، فقال: أي بنيَّة ماذا ترين؟
قالت: أرى سوادًا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك مقبلًا ومدبرًا. قال: أي بنية، ذلك الوازع (٣) يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، قالت: فقال، قد والله دفعت الخيل، فأسرعى بي إلى بيتي، فأسرعت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته (٤).
وذكر الواقدي أن الفتاة قريبة بنت أبي قحافة كانت ترعب من الخوف، فقال لها أبوها - حين رأى ما بها من الخوف -: يا بُنية لا تخافى، فو الله إن أخاك عتيقًا (يعني أبي بكر) لآثر أصحاب محمد عند محمد (٥).
стр. 2086
اعتدال ميزان التاريخ
أكمل الرسول ﷺ في ذي طوى تهيئة جيشه للانطلاقة الأخيرة التي بها تصبح المدينة المقدسة، مكة الكرمة محررة تمامًا من دنس الشرك ورجس الوثنية، وأخذت آلاف الخيل وكأنها ترقص تضرب الأرض بحوافرها تمايل وتنازع راكبيها الأعنَّة تريد الانطلاق.
ووقفت جميع الفرق الأربع على أهبة الاستعداد، كل فرقة قد انحازت في ميدان الحشد الأخير بذى طوى، وقائد كل فرقة يتجول بحصانه أمام صفوفها يلقى عليها الأوامر بالتزام النظام والانضباط في انتظار إشارة الهجوم من الرسول القائد ﷺ .
وفي تلك اللحظات الحاسمة اعتدل ميزان التاريخ وحقق الله لعباده الصابرين المؤمنين الوعد الذي وعدهم به ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
وتهيأت مكة الحبيبة وكادت جبالها تزحف (فرحا) لاستقبال ابنها الأمين البار الصابر المحتسب، وجيشه الباسل المظفر المؤمن ليخلصها من رجس الوثنية وانحطاط الجاهلية، ويعيد إلى ربوعها أشعة أنوار دين إبراهيم ﵇، ليضئ معالمها التي عاشت آلافًا من السنين في ظلمات من الشرك والجهل والتخلف، حالكة وأخذ التاريخ طِرسه ليسجل (في زهو) تلك المفارقة العجيبة الرائعة، التي تتجسد فيها أعظم العظات والعبر، وتستقطب الفكر كله للدرس والتأمل والنظر.
هكذا تكون ثمار الثبات على العقيدة
إن ما شهدته مكة في صباح ذلك اليوم التاريخي الأغر من مفارقات عجيبة رائعة، إنما هو إحدى ثمار الثبات على العقيدة السليمة الدافعة التي نقتَّتت (متمثلة في حاملها الثابت عليها) كلَّ شيء يعترض سبيلها حتى ولو كان الجبال الراسيات.
وأية مفارقة أروع وأعظم مما كتبه التاريخ في ذلك اليوم الأغر، من
стр. 2087
كفاح هذا الرجل العظيم محمد بن عبد الله الهاشمي، الذي كان ولسبع سنوات فقط، أهون على قومه في مكة، من أي شيء لديهم.
أَجمعوا على قتله وهو بين ظهرانيهم بمكة. وهم يعرفون كلهم، أنه أبر وأشرف وأطهر وأنبل من عرفته بطحاؤهم منذ كانت هذه البطحاء.
أجمعوا مع ذلك على التخلص منه بالقتل جزاء سعيه المخلص لإنقاذهم من براثن الشرك المهلكة، فأحاطوا بمنزله لينفذوا فيه جريمة القتل التي أجمعوا على تنفيذها في برلمانهم العشائرى (دار الندوة). انتصارًا للباطل ومعاندة للحق.
وعندما نجاه الله من شرهم، واكتشفوا فشل مؤامرتهم الدنيئة صبيحة تلك الليلة الليلاء حين لم يجدوا محمدًا في فراشه بمنزله كما توقعوا أن يجدوه لتمزقه سيوفهم، أهدروا دمه، وحرَّضوا على سفكه وأغروا كل سكان مكة والناطق المجاورة لها، بأن خصصوا أعظم مكافأة من أعز ما يتوق العربي إلى امتلاكه من مال (مائة ناقة) لمن يعيد إليهم محمدًا ﷺ حيا أو ميتا. ولكنهم فشلوا فشلًا كاملًا، إذ نجى الله رسوله ﷺ من مكرهم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
اليوم الذي فتحت فيه مكة
أية مفارقة رائعة عظيمة تلك التي تمطى التاريخ في عليائه ليسجلها صبيحة ذلك اليوم التاريخي الخالد المشهود يوم الفتح الأعظم (يوم الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان المبارك عام ثمان للهجرة) (٢). قصة محمد بن عبد الله الذي خرجت مكة كلها، قبل سبع سنوات فقط تبحث عنه في مطاردة جنونية مسعورة، كل فرد من المطاردين يمنى نفسه بقتل هذا الرجل أو إلقاء القبض عليه حيا ليُلقى به مكتفًا بين أيدى زبانية دار الندوة، فيحصل على المكافأة الضخمة التي سال لها لعاب كل إنسان في مكة يومها، والتي خصصتها خزينة برلمان الشرك لمن يمنع محمدًا من الهجرة إلى المدينة. بأية وسيلة كانت، القتل أو الاعتقال، كأن محمدًا قد ارتكب أعظم جناية تبيح دمه، نعم إنها في
стр. 2088
نظر الجاهلين المشركين من قومه، جناية.
مع أنها في واقعها، كانت أعظم عملية إنقاذ حاول إنسان القيام بها لإخراجهم من ظلام الشرك إلى نور التوحيد، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم والمعرفة، ومن استعباد الوجدان والفكر إلى حرية الضمير والتفكير، ومن عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق.
أيَّة موعظة وعبرة، وأيّ عجب أعجب من تلك المفارقة التي سجلها التاريخ ضمن قصة كفاح ذلك الإنسان الكامل ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم. الذي تذكر مكة ولا تنسى (وهي تقف اليوم يرجف كبار مجرميها تحت رحمة عشرة آلاف محارب، يقودهم هذا الرجل الذي أراد أهل مكة أن يجعلوا منه طريدًا لا عودة له) تذكر مكة ولا تنسى أن هذا الرجل إياه خرج منها وحيدًا خائفًا يترقب، يترصده الموت في كل مكان ليس معه من البشر من يشاركه تلك الأخطار سوى رجل واحد هو صاحبه الأكبر أبو بكر الصديق.
وها هو اليوم يعود إلى مكة الحبيبة مرفوع الرأس وضاح الجبين، قد أحاطه الله بالعزة والمنعة وألبسه رداء السيادة ووضع في يده مقابض كل القيادة، قد أحاط به خر يموج بآلاف الفرسان وآلاف الشاة من جنود الله، كلهم يفديه بمهجته.
حقًّا إنه لأمر عجيب، ومفارقة أعجب، والمفارقة الرائعة (التي منها يستمد العاقل المتبصر العبر والمواعظ) تتجسد في أن هذه البلدة (مكة) التي خرج كل أهلها لمطاردة محمد بقصد الفتك به، يستقبلهم اليوم أهلها (أولئك أنفسهم) في ذل وانكسار، وأيدى كبار مجرميها تتحس رؤوسهم خوفًا من أن تفصلها عن كواهلهم سيوف الرجل الطريد بالآمس والفاتح العزيز المنتصر اليوم.
إنهم لم يتركوا وسيلة للقضاء عليه والتخلص منه ومن دعوته إلَّا واتبعوها غير متحرجين. ولكن ها هم اليوم قد أصبح مصيرهم جميعًا في يده بعد أن ألقوا السلاح وأعلنوا الاستسلام لجيوشه لعجزهم (فقط) عن مقاومتها، ولو قدروا على مقاومتها لفعلوا. ولكن ماذا فعل بهم عندما انتصر عليهم وسيطرت جيوشه على مكة؟ .
стр. 2089
لا شيء، إلا العفو الشامل عند المقدرة الكاملة، خُلق لا يتحلى به إلا أولو العزم من الرسل الذين صَفت نفوسهم وطهرت، فلم يوجد فيها مكان لحقد أو ضغينة.
كيف دخل الجيش النبوي مكة
كان المخطط الذي وضعه الرسول القائد ﷺ لجيشه للاستيلاء على المدينة المقدسة يقضى بأن تنعم هذه المدينة بالأمن والسلام، وأن لا يشعر أهلها بأي ترويع في النفس أو الأهل أو المال أو الولد.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل أصدر الرسول القائد ﷺ إلى كافة القطعات في جيشه أوامره بأن لا يستخدموا السلاح عند دخولهم مكة إلا ضد الذي يشهره في وجوههم. أي أن الرسول ﷺ أمر الجيش بالامتناع عن القتال داخل مكة إلَّا في حالة الدفاع عن النفس.
نظام منع التجول في مكة
ومن جهة أخرى، ولكى تتجنب المدينة المقدسة أي صداء دام الذي قد يثيره أصحاب العواطف العمياء من القرشيين، فرض الرسول القائد ﷺ - بالاتفاق مع سيد قريش أبي سفيان بن حرب - نظام منع التجول وحظر حمل السلاح على جميع سكان مكة. عندما يشرع الجيش النبوي في السيطرة عليها حتى ينتهى من تحريرها.
وقد التزم أهل مكة، بنظام منع التجول، فالتزموا منازلهم، أو المسجد أو دار أبي سفيان استجابة لنداء زعيمهم وقائدهم أبي سفيان، كما ألقوا بأسلحتهم خارج بيوتهم كعلامة على الاستسلام.
وبسبب تنفيذ أهل مكة لنظام منع التجول خلت الشوارع والطرقات والميادين العامة من المارة، وأرهف القرشيون أسماعهم في انتظار الحَدَث العظيم، وخيم الصمت على العاصمة المقدّسة، وتلاحقت ضربات القلب في الصدور الخائفة .. صدور سادات مكة الذين صارت قلوبهم تركض بين جنوبهم، وكأنها تكاد تقفز من الصدور جزعا، وهم يستعرضون ماضيهم الأسود، وكأنه شريط يقوم التاريخ بعرضه أمامهم ليروا فيه ذلك الماضي الزاخر بجرائم العسف والظلم والبغى والاضطهاد التي ارتكبوها في حق ابن مكة
стр. 2090
الأمين النبيل البار, والقلة من أصحابه البررة يوم أن كانوا عزلا من السلاح يدعونهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ما فيه إنقاذهم من عبادة الله وحده ونبذ عبادة ما سواه من الأنداد.
الساعة الحاسمة في تاريخ مكة
ودنت الساعة الحاسمة وحُبس عقربها على الصفر, حين بدأ الجيش النبوي بفرقة الأربع يتحرك من ذي طُوى للسيطرة على المدينة المقدسة.
فقد تحرك قائد كل فرقة بفرقته في اتجاه الناحية التي كلفه الرسول والقائد الأعلى للجيش أن يدخل منها للعاصمة.
• خالد بن الوليد تحرك ليدخل مكة من جنوبها, "محلة المسفلة اليوم".
• الزبير بن العوام تحرك رتله ليدخلها من الشمال وقد أمره الرسول أن يتوقف بفرقته ويركز رايته عند الحُجون.
• أبو عبيدة بن الجراح تحرك بفرقته وكلهم من المشاة ليدخل العاصمة من شمالها الغربي.
• قيس بن سعد بن عبادة اندفع رتله ليدخل المدينة من غربها الجنوبي.
أما الرسول والقائد الأعلى للجيش فقد تحرك بهيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار وزعماء القبائل ليدخل مكة من ناحية كذا (شمال غربي مكة) حيث كان قائد الفرقة الثالثة أبو عبيدة يتحرك أمامه بفرقته المشاة في الأبطح نحو الحجُون.
منطقة القتال الوحيدة بمكة
وقد سيطر كلُّ قائد من القادة الأربعة على الناحية المكلَّف بالسيطرة عليها دونما أية مقاومة اللهم إلا ما حدث في الناحية التي دخل منها فرسان خالد بن الوليد ناحية الخندمة حيث لقى بعض المقاومة فسحقها في الحال.
فقد تجمع جنوبي مكة جماعة من القرشيين على رأسهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل, قرروا الصمود في وجه خالد بن الوليد الذي كان يقود أهم قطعات الجيش النبوي وهم الفرسان .. يساند القرشيين في المقاومة هذه لفيف من قبيلة بكر وهذيل. وقد اختاروا للمقاومة مضيقًا
стр. 2091
سيطروا عليه من مرتفعات تشرف عليه، وهو الطريق الرئيسى الذي ستمر به قطعات الفرسان بقيادة خالد بن الواليد.
خالد ينذر المقاومين ثم يسحقهم
فعندما وصلت قوات خالد بن الوليد إلى ذلك المضيق (الخندمة) وجدت في انتظارها (وعلى أهبة الاستعداد) أولئك النفر من قريش وبكر وهذيل الذين لم يمهلوا طلائع قوات خالد حتى أمطروها من المرتفعات ومن خلف الصخور بوابل من سهامهم.
وعندها أمر خالد قطعاته بالتوقف لعله يقنع المهاجمين لإِلقاء السلاح والانصراف إلى منازلهم, فقد نادى خالد سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل - وقد عرف أنهم قادة هذه المقاومة - وأبلغهم بأن لديه الأوامر من القائد الأعلى لجيش الرسول الأعظم ﷺ بالامتناع عن استخدام السلاح ضد أي إنسان إلّا من شهره وقاتل، وأنه إذ ينذرهم بسحق مقاومتهم يمنحهم الفرصة الكافية ليكفوا عن القتال، ويلقوا بأسلحتهم وينصرفوا سالمين بمن معهم كل إلى منزله.
ولكن قادة هذه المقاومة كان جوابهم على إنذار خالد بأنهم قد أقسموا أن يقاتلوا، ولا يتركوا محمدًا يدخل مكة عَنوة. واستمر المقاومون في هجومهم على خالد ورجاله بالنبل.
وهنا اضطر خالد إلى استخدام السلاح ضدهم فأصدر أمره إلى قواته بالهجوم عليهم، ففعلوا وما هي إلّا لحظات قليلة حتى مزقت فرقة خالد تلك المقاومة وسحقتها، حيث انهزم القوم شر هزيمة، وفروا في كل ناحية، بعد أن تركوا وراءهم ثمانية وعشرين قتيلًا، من بينهم أربعة من هذيل، ولم يفقد خالد في هذه المعركة القصيرة أحدًا من رجاله، اللهم إلّا رجلين لم يقتلا في المعركة، وإنما قتلا على أيدى أعراب من بني بكر، بعد أن ضلا طريقهما. وهؤلاء الذين استشهدا هما: كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وحنيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بني منقذ (١).
стр. 2092
وقد روى الواقدي والطبراني تفاصيل هذه المعركة الجزئية القصيرة التي اضطر القائد خالد إلى خوضها جنوبي مكة، فقال الواقدي: فلما دخل خالد بن الوليد وجد جمعًا من قريش وأحابيشها (١) قد جمعوا له، فيهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فمنعوه الدخول، وشهروا السلاح، ورموا بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عنوة أبدًا فصاح خالد بن الوليد في أصحابه وقاتلهم، فقتل منهم أربعة وعشرين رجلًا من قريش، وأربعة من هذيل، وانهزموا أقبح الانهزام قتلوا بالحرورة (٢) وهم مولون في كل وجه، وانطلقت طائفة منهم فوق رؤوس الجبال، واتبعهم المسلمون، (فتدخل أبو سفيان بن حرب) فجعل هو، وحكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم؟ من دخل داره فهو آمن ومن وضع السلاح فهو آمن. فجعل الناس يقتحمون الدُّور، ويغلقون عليهم، ويطرحون السلاح في الطرق حتى يأخذه المسلمون.
الرسول يستنكر القتال ويأمر بإيقافه
ثم قال الواقدي: لما ظهر الرسول ﷺ على ثنية أذاخر، نظر إلى البارقة (بارقة السيوف) فقال: ما هذه البارقة، ألم أنه عن القتل؟ قيل يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل، ولو لم يقاتل ما قاتل، فقال رسول الله ﷺ قضى الله خيرًا (٣).
هل كان قتلى معركة الخندمة سبعين ؟
وذكر الطبراني أن قتلى معركة الخندمة من المشركين في مكة كانوا سبعين. فقد قال الطبري: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا أبو حسان الذيابي، حدثنا شعيب بن صفوان عن عطاء بن سالم عن طاووس عن ابن
стр. 2093
عباس عن رسول الله ﷺ قال: إن الله حرم هذا البلد (أي مكة) يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد قبلي وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان (١). قيل: هذا خالد يقتل؟ فقال ﷺ : "قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل" فأتاه الرجل فقال: إن النبي ﷺ يقول، اقتل من قدرت عليه فقتل سبعين إنسانًا، فأتى النبي فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال: ألم أنهك عن القتل؟ فقال جاءنى فلأن، فأمرنى أن أقتل من قدرت عليه، فأرسل إليه: (ألم آمرك)؟ قال: أردت (يا رسول الله) أمرًا وأراد الله أمرًا، فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلّا الذي كان، فسكت عنه النبي ﷺ ما رد عليه شيئًا (٢).
النبي يستجوب خالد بن الوليد
وفي بعض المصادر أن رجلًا من قريش جاء إلى الرسول ﷺ محتجًا على تصرف خالد - فقال: يا رسول الله هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: ولم؟ قال: هذا خالد بن الوليد لا يلقى أحدًا من الناس إلّا قتله، فاستدعى رسول الله ﷺ خالدًا واستجوبه قائلًا موجهًا اللوم عليه: لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ قال: هم يا رسول الله بدأونا بالقتال، ورمونا بالنبل ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت ما استطعت ودعوتهم إلى الإسلام فأبوا حتى إذا لم أجد بدًا من أن أقاتلهم، فظفرنا الله بهم، فهربوا من كل وجه (٣).
قصة ابن حماس الديلى الطريفة
وكان رجل من بني الديل، يقال له حماس بن قيس بن خالد الديلى،
стр. 2094
لما سمع برسول الله ﷺ جلس يصلح سلاحه، فقالت له امرأته لمن تعد هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه، فإني أرجو أن أخدمك منهم خادمًا فإنك إليه محتاجة. قالت (ناصحة بأن لا يقاتل): ويحك لا تفعل ولا تقاتل محمدًا، والله ليضلن هذا عنك لو رأيت محمدًا وأصحابه، قال: سترين (١).
وقد اشترك حماس بن قيس فعلًا في القتال ضد خالد بن الوليد إلى جانب المقاومين في الخندمة. ولكنه عاد إلى منزله وهو يرتعد من الخوف فسخرت منه امرأته قائلة: أين الخادمة؟
قالوا، وأقبل حماس بن خالد منهزمًا حتى أتى بيته فدقه ففتحت امرأته فدخل، وقد ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم الذي وعدتنى؟ ما زلت منتظرتك منذ اليوم، تسخر به. قال: دعى عنك أغلقى بابى فإنه من أغلق بابه فهو آمن، قالت: ويحك ألم أنهَك عن مقاومة محمد؟ قلت لك: "ما رأيته يقاتلكم مرة إلّا ظهر عليكم" وما بابنا؟ قال: إنه لا يفتح على أحد بابه. ثم قال شعرًا.
وأنت لو شهدتنا بالخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد كالعجوز المؤتمة (٢) ... إذ يلحقونا بالسيوف المسلمة
يَقطعن كلَّ ساعد وجمجمة ... ضربًا فلا يُسمع إلَّا غمغمة
لهم زئير خلفنا وهَمهَمة ... لم تنطقى في اللوم أدنى كلمة (٣)
وهكذا فالناحية الوحيدة التي حدث فيها اشتباك دام هي الناحية الجنوبية من مكة، والتي منها دخل القائد خالد بن الوليد الذي اضطر إلى القتال.
стр. 2095
النفر الذين أهدر الرسول دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة
وكان الرسول ﷺ قد استثنى نفرًا عشرة عندما حرم على جيشه القتال في مكة، وأمر بقتل هؤلاء العشرة حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة. وهم لجنايات ارتكبوها استحقوا بها القتل.
١ - عكرمة بن أبي جهل.
٢ - عبد الله بن خَطلَ.
٣ - ومقيس بن صبابة.
٤ - وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٥ - هبّار بن الأسود.
٦ - الحويرث بن نقيذ.
٧ - هند بنت عتبة بن ربيعة.
٨ - سارة مولاة بني هاشم.
٩ - فرنتا: قينة لعبد الله بن خطل.
١٠ - أرنبة: قينة أيضًا لعبد الله بن خطل.
وقد عفا الرسول ﷺ عن أكثر هؤلاء فلم يقتل منهم إلا القليل. وهم الذين قتلهم الجيش يوم دخوله مكة قبل أن يتمكنوا من تقديم طلب إلى الرسول ﷺ بأن يعفو عنهم.
الذين أعدمهم الجيش بمكة
والذين تم إعدامهم بمكة يوم الفتح هم ثلاثة رجال فقط وهم:
١ - عبد الله بن خطل. وهو من بني تيم بن غالب .. وسبب هدر دمه ثم إعدامه أنه كان قد أسلم، ثم قتل رجلًا مسلمًا، ثم ارتد عن الإِسلام - فقد ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن خطل هذا - بعد أن أسلم - بعثه رسول الله ﷺ مصدقا (أي يجمع الزكاة)، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلمًا فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا، فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا (١).
стр. 2096
وهكذا فإن إعدام عبد الله بن خطل إنما كان قصاصًا، ولأنه أيضًا مرتد، والمرتد يقضى قانون الإِسلام بإعدامه. ثم إن عبد الله بن خطل من الذين قاوموا الجيش النبوي يوم دخوله مكة.
مقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة
أما كيفية مقتل عبد الله بن خطل. فقد قتل وهو متعلق بأستار الكعبة (١) اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي (٢) وأبو برزة الأسلمي (٣) اشترك الاثنان في دمه (٤).
وكان عبد الله بن خطل، قد خرج على فرس له ليشارك في مقاومة قطعات خالد بن الوليد في الخندمة، ولكنه انهزم مع المنهزمين.
فقد جاء في كتب السيرة أن ابن خطل هذا أقبل جائيًا من مكة مدججًا في الحديد على فرس ذنوب (٥)، بيده قناة. وبنات سعيد بن العاص قد ذكر لهن أن رسول الله ﷺ قد دخل، فخرجن قد نشرن شعورهن يضربن بخمرهن وجوه الخيل، فضربهن ابن خطل جائيًا من أعلى مكة. فقال لهن: أما والله لا يدخلها محمد حتى ترين ضربًا كأفواه المزاد، ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله الرّعب حتى ما يستمسك من الرعدة، حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه، وطرح
стр. 2097
سلاحه، فأتى البيت فدخل بين أستاره (١)
٢ - الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصى.
وقد قتله علي بن أبي طالب، وهو يحاول الهرب من مكة يوم تحريرها فقد قال الواقدي: وأما الحويرث بن نقيذ فإنه كان يؤذى النبي ﷺ فأهدر دمه، فبينا هو في منزله يوم الفتح قد أغلق بابه عليه وأقبل على ﵇ يسأل عنه، فقيل هو في البادية. فأخبر الحويرث أنه يطلب، وتنحّى عليّ عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت آخر، فتلقاه علي فضرب عنقه (٢).
ولم أر فيما بين يدي من مصادر، إيضاحا لسبب إهدار دم الحويرث إلا أنه كان ممن يؤذى رسول الله ﷺ وأنه نخس الجمل الذي يحمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ فرماهما أرضًا وهما في طريقهما إلى المدينة مهاجرتين (٣) وأعتقد أن إهدار دمه كان لغير هذه الأسباب فالرسول ﷺ لا ينتقم لنفسه، أما إيذاء الرسول ﷺ فقد كان مشركى مكة يؤذونه عندما كان مقيمًا بينهم، ولا شك أن هناك جرمًا ارتكبه الحويرث استحق به القتل، مثل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة اللذين أعدما في مكة قصاصًا. والله أعلم.
مقتل مقيس بن صبابة
٣ - مقيس بن صبابة. فقد نفذ فيه ابن عمه حكم الإِعدام بين الصفا والمروة. وقد نفذ حكم الإِعدام في مقيس قصاصًا، لأنه قتل رجلا من المسلمين ثم ارتد. فقد ذكر ابن إسحاق أن مقيس بن صبابة كان أخوه هشام (كان مسلمًا) قد قتله رجل بن الأنصار خطأ، حين ظنه من المشركين وذلك في غزوة بني المصطلق. فأمر الرسول ﷺ بأن تدفع إلى مقيس دية أخيه هشام (وكان مقيس قد قدم المدينة) فلما أخذ الدية عدا على الأنصاري فقتله، ثم هرب إلى مكة مشركًا.
стр. 2098
العفو عن بقية المهدور دمهم
أما السبعة الباقون من رجال ونساء، فقد شملهم الرسول ﷺ بعفوه وذكر بعضهم أن القينة فرنتى قتلت يوم الفتح. ولكن السهيلى عقب على ذلك وقال: إنها أسلمت. فعفى عنها الرسول ﷺ . وبهذا يكون الذين أعدموا يوم الفتح - مستثنين من العفو العام الذي أعطاه الرسول ﷺ كان أهل مكة - ثلاثة رجال فقط، قتلوا لجرائم استحقوا لها القتل.
وسيأتي فيما يلي من هذا الكتاب (إن شاء الله) تفصيل قصص العفو عن هؤلاء ودخولهم في الإِسلام وخاصة صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل اللذين أعز الله الإِسلام بهما فيما بعد.
الرسول القائد يعسكر عند الحجون
كانت مكة (كما قلنا فيما مضى) هادئة عندما دخلها الجيش النبوي بفرقه الأربع، باستثناء الناحية الجنوبية التي لقى فيها خالد بن الوليد بعض المقاومة فسحقها في الحال.
أما بقية المناطق فلما يحدث فيها أي قتال، حيث سيطر عليها القادة الثلاثة دون أن يعترضهم أحد وهؤلاء القادة هم: الزبير بن العوام .. وقيس بن سعد بن عبادة. وأبو عبيدة بن الجراح.
غير أن الهدوء التام شمل جميع أنحاء مكة عقب سحق خالد بن الوليد قوات المقاومة القرشية في الخندمة. حيث ألقى المقاومون السلاح واعتصموا بمنازلهم، أو المسجد، أو منزل أبي سفيان بن حرب، مستفيدين من المرسوم النبوي، الذي يعطى الأمان المطلق لكل من أغلق بابه أو التجأ إلى المسجد أو اعتصم بدار أبي سفيان. وبهذا استمر منع التجول في مكة نافذ المفعول. حتى سيطر الجيش النبوي على مكة سيطرة تامة .. بعدها أخذ أهل مكة يفدون إلى المسجد ليسمعوا القرار النبوي النهائى بشأن مصيرهم كأمة مغلوبة.
стр. 2099
التقاء الرسول بقائد الفرقة الثانية
في الوقت الذي اندفعت فيه الفرق الأربع من ذي طوى، لتسيطر كل فرقة على الناحية المكلفة بالسيطرة عليها. كان الرسول والقائد الأعلى للجيش ﷺ قد تحرك أيضًا في هيئة أركان حربه من كبار المهاجرين والأنصار تحيط به ألفا مقاتل وكان من بين الذين كان عن جانبيه وهو يدخل مكة، الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري بصفتهما من أكبر زعماء القبائل العربية. مع أن أحدًا من قبائل غطفان (قوم عيينة) وقبائل تميم (قوم الأقرع) لم يشترك في تحرير مكة، ما عدا عشرة من بني تميم.
وقد استمر الرسول ﷺ في تحركه يتقدم من شمال مكة الغربي حتى توقف عند الحجون. حيث وجد قائد الفرقة الثانية الزبير بن العوام قد سبقه بجنوده وركز رايته عند الحجون كما هي أوامر الرسول القائد ﷺ (١).
قال البخاري: حدثنا القاسم بن خارجة، حدثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة .. قال ابن كثير: تابعه أبو أسامة ووهب في كداء، حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلى مكة من كداء، وهو أصح. إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام، وإلا فكداء بالمد هي المذكورة في أعلى مكة (٢)، وكدى مقصور، في أسفل مكة، وهذا هو المشهور والأنسب (٣).
стр. 2100
تواضع الرسول ﷺ لله يوم الفتح
وعندما رأى الرسول ﷺ ما من الله عليه به من الفتح العظيم أحنى رأسه وهو على ناقته القصوى حتى كاد يلامس الرحل تواضعًا لله تعالى.
قال ابن إسحاق: وقف رسول الله ﷺ معتجرًا بشقة برد حبرة حمراء، وأن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل (١).
الرسول يتلو سورة الفتح وهو يدخل مكة
وفي كتب الحديث أن الرسول ﷺ كان - وهو يتحرك بجيشه داخل مكة - يتلو سورة الفتح. فقد روى البخاري في صحيحه. عن عبد الله بن مغفل (٢) أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجّع. وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع.
الرسول يدخل مكة غير محرم
والثابت أن الرسول ﷺ دخل مكة يوم الفتح وهو غير محرم (٣)، كما أن أحدًا من أصحابه لم يكن محرمًا. إلا أنه ﷺ اغتسل عندما أراد دخولها (٤).
ودخل الرسول ﷺ مكة على ناقته القصواء مردفًا خلفه مولاه أسامة بن زيد وهو يقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة (٥).
стр. 2101
إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد
وعندما دخل الرسول ﷺ مكة في جيشه والفرسان حوله، لقيه رجل وأراد أن يكلمه ولكنه لهيبة الموكب الحربى الذي عليه النبي ﷺ خاف الرجل خوفًا شديدًا، حتى أنه ليرعد من شدة الخوف، فلما رأى الرسول ﷺ ما بالرجل، وقد أدرك السبب. قال له (في تواضع ليزيل ما به من الخوف): "هوِّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" (١).
الرسول يدخل مكة من البطحاء
وقد دخل الرسول ﷺ مكة من البطحاء وهو وادي مكة الحديد، فقد سألت كتائب الجيش أمامه في الوادي وإلى جانبه أبو بكر الصديق. قال الواقدي: ومر رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى جنبه يسير يحادثه، فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء حذاء منزل أبي أحيحة (وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس) وقد نشرن رؤوسهن، يلطمن الخيل بالخمر، فنظر رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فتبسم، وذكر ببيت حسان بن ثابت، فأنشده أبو بكر:
عدمت بنيتى إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنَّة مسرجات ... يلطمهن بالخمر النساء (٢)
فقال رسول الله ﷺ : أدخلوها من حيث قال حسان (٣) أي من كداء، أعلى مكة. وهو المكان الذي دخل منه الرسول ﷺ .
الحجون ملتقى فرق الجيش الفاتح
ويظهر أن منطقة الحجون كانت مكانًا لتجمع الفرق التي سيطرت على
стр. 2102
مكة بدليل أن الرسول ﷺ قد أمر الزبير بن العوام قائد الفرق الثانية وهي التي سيطرت على مكة من الناحية الشمالية، قد أمره بأن يعسكر بفرقته في الحجون. بدليل أن الرسول ﷺ وهو القائد الأعلى للجيش - قد ضربت له قبة في الحجون فاستراح فيها قبل أن يكمل مسيره إلى المسجد، نهاية التحرك العسكري.
كما أن التحرك الرئيسى فيما بعد نحو المسجد كان من الحجون.
قال الواقدي: وأقبل الزبير بن العوام بمن معه حتى انتهى بهم إلى الحجون، فغرز الراية عند منزل رسول الله ﷺ . وعن أبي رافع أنه ضرب لرسول الله ﷺ قبة بالحجون من أدم، فأقبل رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى القُبّة، ومعه أمّ سَلمة وميمونة (١).
ماذا قال الرسول عندما أشرف على مكة
وعندما أشرف الرسول ﷺ من مرتفع أذاخر ورأى بيوت مكة، حمد الله وأثنى عليه لما يسر له من الفتح العظيم دونما أية خسارة تذكر.
فقد روى عن جابر بن عبد الله أنه قال: كنت ممن لزم رسول الله ﷺ ، فدخلت معهم يوم الفتح من أذاخر، فلما أشرف على أذاخر نظر إلى بيوت مكة، ووقف عليها فحمد الله وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبته فقال: هذا منزلنا يا جابر: حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها، قال جابر: فذكرت حديثًا كنت أسمعه منه ﷺ قبل ذلك بالمدينة: "منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله علينا مكة في الخيف (٢) حين تقاسموا على الكفر" وكنّا بالأبطح وجاء شعب أبي طالب حيث حصر رسول الله ﷺ وبنو هاشم ثلاث سنين (٣).
стр. 2103
المشركان اللذان أجارتهما أم هانئ
وكان عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام من كبار سادات المشركين، وكانا يخشيان على أنفسهما القتل بعد أن استسلمت مكة، فدخلا على أم هانئ بنت أبي طالب فاستجارا بها، فأجارتهما، وكان علي بن أبي طالب يبحث عنهما ليقتلهما. وعندما وجدهما في بيت أخته حاول قتلهما فمنعته، ثم استصدرت عفوًا خاصًّا لهما من رسول الله ﷺ .
قالوا: وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها، - عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والحارث بن هشام - فاستجارا بها، وقالا: نحن في جوارك، فقالت: نعم، أنتما في جوارى. قالت أم هانئ: فهما عندي إذ دخل على فارسًا مدججا في الحديد، ولا أعرفه، فقلت له: أنا ابنة عم رسول الله ﷺ ، قالت: فكشف عنى وأسفر عن وجهه، فإذا هو على ﵇، فقلت: أخي، فاعتنقته وسلمت عليه، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما، قلت: أخي من بين الناس يصنع بي هذا، قالت وألقيت عليهما ثوبًا، وقال: تجيرين المشركين؟ وحلت دونهما فقلت: والله لتبدأن بي قبلهما. قالت: فخرج ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتًا، وقلت: لا تخافا.
قالت: فذهبت إلى خباء رسول الله ﷺ بالبطحاء فلم أجده، ووجدت فيه فاطمة فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما، قالت: فكانت أشد على من زوجها وقالت: تجيرين المشركين؟ قالت: إلى أن طلع رسول الله ﷺ وعليه رهجة الغبار (١). فقال: مرحبًا بفاختة أم هانئ، وعليه ثوب واحد. فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ ما كدت أنفلت منه، أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ : ما كان ذاك، قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت، ثم أمر فاطمة فسكبت له غسلًا فاغتسل ثم صلى ثمان ركعات في ثوب واحد
стр. 2104
متلحفًا به وذلك ضحى في فتح مكة.
قالت أم هانئ: فرجعت إليهما فأخبرتهما وقلت لهما: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فارجعا إلى منزليكما قالت: فأقاما عندي يومين في منزلى، ثم انصرف إلى منازلهما قالت: فأتى آت إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متفضّلان (١) في الملاء المزعفر. فقال رسول الله ﷺ : لا سبيل إليهما، قد أمنّاهما (٢).
وقد استشكل ابن برهان الدين خبر محاولة على قتل هذين الرجلين لأنَّ الأمان قد أعطى لجميع أهل مكة، ولم يكونا ممن أهدر دمه .. ولكنه أجاب في السيرة الحلبية بأنهما قد يكونان أبديا شيئًا من المقاومة، فقاتلا الجيش فطاردهما على حتى بيت أم هانئ. والله أعلم.
فهل ترك لنا عقيل منزلًا
وعقب وصول الرسول ﷺ إلى الحجون بجيشه، قال له البعض: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ وكان عقيل بن أبي طالب (٣) قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة, فقيل لرسول الله ﷺ : فأنزل بعض بيوت مكة في غير منازلك، فأبى رسول الله ﷺ وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربًا (أي ضاربًا خيامه) بالحجون لم يدخل بيتًا، وكان يأتي (مدة إقامته بمكة) إلى المسجد من
стр. 2105
الحجون (١).
التحرك الأخير نحو المسجد الحرام
وبعد أن أتمت الفرق الأربع السيطرة على العاصمة المقدسة مكة والتقى قادتها بعامة جنودهم عند الحجون حيث عسكر الرسول القائد ﷺ وجعل من منطقة الحجون مقرًا لقيادته، أقام فيه طيلة بقائه بمكة حتى توجه إلى حنين (٢): بعد ذلك تحرّك الرسول القائد ﷺ من الحجون يحيط به هيئة أركان حربه وقادة الفرق الأربع التي سيطرت على العاصمة.
وقد كان موكبًا مهيبًا رائعًا، سال به الأبطح في اتجاه المسجد الحرام، وزاد هذا الموكب الخالد روعة ومهابة إذ دوت أصوات الجيش (وعددهم عشرة آلاف) بالتكبير حتى ارتجت مكة كلها وخيّل للناس - وخاصة المشركين الذين وقفوا يشهدون الساعات الأخيرة من عهدهم الأسود - أن الجبال تشارك المشلمين هذا التكبير. الذي لم يعل ولن يعلو بعده بإذن الله صوت في مكة على صوت التوحيد حتى يوم القيامة.
المشركون في رؤوس الجبال
وكان بعض المشركين (على أثر نظام منع التجول في مكة) وعقب سحق قطعات خالد في جنوب العاصمة مقاومة المتطرفين من قريش بالخندمة) أخلوا الشوارع واعتصموا برؤوس الجبال. بعد أن ألقوا سلاحهم، فوقفوا من رؤوس الجبال ينظرون إلى ذلك المشهد الرائع، عشرة آلاف مقاتل تتحرك وكأنها غابة مزروعة بالرماح تتحرك في ثبات وسكينة وهدوء ووقار وانضباط لم يعرف العرب له مثيلًا منذ أن أدرج اسمهم في قائمة السلالات البشرية.
الرسول يدخل وجيشه المسجد
واستمر الرسول ﷺ يحيط به جيشه الباسل كالبحر. استمر في