← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد وعندما دخل الرسول ﷺ مكة في جيشه والفرسان حوله، لقيه رجل وأراد أن يكلمه ولكنه لهيبة الموكب الحربى الذي عليه النبي ﷺ خاف الرجل خوفًا شديدًا، حتى أنه ليرعد من شدة الخوف، فلما رأى الرسول ﷺ ما بالرجل، وقد أدرك السبب. قال له (في تواضع ليزيل ما به من الخوف): "هوِّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" (١). الرسول يدخل مكة من البطحاء وقد دخل الرسول ﷺ مكة من البطحاء وهو وادي مكة الحديد، فقد سألت كتائب الجيش أمامه في الوادي وإلى جانبه أبو بكر الصديق. قال الواقدي: ومر رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى جنبه يسير يحادثه، فمر ببنات أبي أحيحة بالبطحاء حذاء منزل أبي أحيحة (وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس) وقد نشرن رؤوسهن، يلطمن الخيل بالخمر، فنظر رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فتبسم، وذكر ببيت حسان بن ثابت، فأنشده أبو بكر: عدمت بنيتى إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنَّة مسرجات ... يلطمهن بالخمر النساء (٢) فقال رسول الله ﷺ : أدخلوها من حيث قال حسان (٣) أي من كداء، أعلى مكة. وهو المكان الذي دخل منه الرسول ﷺ . الحجون ملتقى فرق الجيش الفاتح ويظهر أن منطقة الحجون كانت مكانًا لتجمع الفرق التي سيطرت على

стр. 2102

مكة بدليل أن الرسول ﷺ قد أمر الزبير بن العوام قائد الفرق الثانية وهي التي سيطرت على مكة من الناحية الشمالية، قد أمره بأن يعسكر بفرقته في الحجون. بدليل أن الرسول ﷺ وهو القائد الأعلى للجيش - قد ضربت له قبة في الحجون فاستراح فيها قبل أن يكمل مسيره إلى المسجد، نهاية التحرك العسكري. كما أن التحرك الرئيسى فيما بعد نحو المسجد كان من الحجون. قال الواقدي: وأقبل الزبير بن العوام بمن معه حتى انتهى بهم إلى الحجون، فغرز الراية عند منزل رسول الله ﷺ . وعن أبي رافع أنه ضرب لرسول الله ﷺ قبة بالحجون من أدم، فأقبل رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى القُبّة، ومعه أمّ سَلمة وميمونة (١). ماذا قال الرسول عندما أشرف على مكة وعندما أشرف الرسول ﷺ من مرتفع أذاخر ورأى بيوت مكة، حمد الله وأثنى عليه لما يسر له من الفتح العظيم دونما أية خسارة تذكر. فقد روى عن جابر بن عبد الله أنه قال: كنت ممن لزم رسول الله ﷺ ، فدخلت معهم يوم الفتح من أذاخر، فلما أشرف على أذاخر نظر إلى بيوت مكة، ووقف عليها فحمد الله وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبته فقال: هذا منزلنا يا جابر: حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها، قال جابر: فذكرت حديثًا كنت أسمعه منه ﷺ قبل ذلك بالمدينة: "منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله علينا مكة في الخيف (٢) حين تقاسموا على الكفر" وكنّا بالأبطح وجاء شعب أبي طالب حيث حصر رسول الله ﷺ وبنو هاشم ثلاث سنين (٣).

стр. 2103

المشركان اللذان أجارتهما أم هانئ وكان عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام من كبار سادات المشركين، وكانا يخشيان على أنفسهما القتل بعد أن استسلمت مكة، فدخلا على أم هانئ بنت أبي طالب فاستجارا بها، فأجارتهما، وكان علي بن أبي طالب يبحث عنهما ليقتلهما. وعندما وجدهما في بيت أخته حاول قتلهما فمنعته، ثم استصدرت عفوًا خاصًّا لهما من رسول الله ﷺ . قالوا: وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها، - عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والحارث بن هشام - فاستجارا بها، وقالا: نحن في جوارك، فقالت: نعم، أنتما في جوارى. قالت أم هانئ: فهما عندي إذ دخل على فارسًا مدججا في الحديد، ولا أعرفه، فقلت له: أنا ابنة عم رسول الله ﷺ ، قالت: فكشف عنى وأسفر عن وجهه، فإذا هو على ﵇، فقلت: أخي، فاعتنقته وسلمت عليه، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما، قلت: أخي من بين الناس يصنع بي هذا، قالت وألقيت عليهما ثوبًا، وقال: تجيرين المشركين؟ وحلت دونهما فقلت: والله لتبدأن بي قبلهما. قالت: فخرج ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتًا، وقلت: لا تخافا. قالت: فذهبت إلى خباء رسول الله ﷺ بالبطحاء فلم أجده، ووجدت فيه فاطمة فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما، قالت: فكانت أشد على من زوجها وقالت: تجيرين المشركين؟ قالت: إلى أن طلع رسول الله ﷺ وعليه رهجة الغبار (١). فقال: مرحبًا بفاختة أم هانئ، وعليه ثوب واحد. فقلت: ماذا لقيت من ابن أمى على؟ ما كدت أنفلت منه، أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ : ما كان ذاك، قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت، ثم أمر فاطمة فسكبت له غسلًا فاغتسل ثم صلى ثمان ركعات في ثوب واحد

стр. 2104

متلحفًا به وذلك ضحى في فتح مكة. قالت أم هانئ: فرجعت إليهما فأخبرتهما وقلت لهما: إن شئتما فأقيما، وإن شئتما فارجعا إلى منزليكما قالت: فأقاما عندي يومين في منزلى، ثم انصرف إلى منازلهما قالت: فأتى آت إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الحارث بن هشام وابن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متفضّلان (١) في الملاء المزعفر. فقال رسول الله ﷺ : لا سبيل إليهما، قد أمنّاهما (٢). وقد استشكل ابن برهان الدين خبر محاولة على قتل هذين الرجلين لأنَّ الأمان قد أعطى لجميع أهل مكة، ولم يكونا ممن أهدر دمه .. ولكنه أجاب في السيرة الحلبية بأنهما قد يكونان أبديا شيئًا من المقاومة، فقاتلا الجيش فطاردهما على حتى بيت أم هانئ. والله أعلم. فهل ترك لنا عقيل منزلًا وعقب وصول الرسول ﷺ إلى الحجون بجيشه، قال له البعض: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ وكان عقيل بن أبي طالب (٣) قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة, فقيل لرسول الله ﷺ : فأنزل بعض بيوت مكة في غير منازلك، فأبى رسول الله ﷺ وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربًا (أي ضاربًا خيامه) بالحجون لم يدخل بيتًا، وكان يأتي (مدة إقامته بمكة) إلى المسجد من

стр. 2105

الحجون (١). التحرك الأخير نحو المسجد الحرام وبعد أن أتمت الفرق الأربع السيطرة على العاصمة المقدسة مكة والتقى قادتها بعامة جنودهم عند الحجون حيث عسكر الرسول القائد ﷺ وجعل من منطقة الحجون مقرًا لقيادته، أقام فيه طيلة بقائه بمكة حتى توجه إلى حنين (٢): بعد ذلك تحرّك الرسول القائد ﷺ من الحجون يحيط به هيئة أركان حربه وقادة الفرق الأربع التي سيطرت على العاصمة. وقد كان موكبًا مهيبًا رائعًا، سال به الأبطح في اتجاه المسجد الحرام، وزاد هذا الموكب الخالد روعة ومهابة إذ دوت أصوات الجيش (وعددهم عشرة آلاف) بالتكبير حتى ارتجت مكة كلها وخيّل للناس - وخاصة المشركين الذين وقفوا يشهدون الساعات الأخيرة من عهدهم الأسود - أن الجبال تشارك المشلمين هذا التكبير. الذي لم يعل ولن يعلو بعده بإذن الله صوت في مكة على صوت التوحيد حتى يوم القيامة. المشركون في رؤوس الجبال وكان بعض المشركين (على أثر نظام منع التجول في مكة) وعقب سحق قطعات خالد في جنوب العاصمة مقاومة المتطرفين من قريش بالخندمة) أخلوا الشوارع واعتصموا برؤوس الجبال. بعد أن ألقوا سلاحهم، فوقفوا من رؤوس الجبال ينظرون إلى ذلك المشهد الرائع، عشرة آلاف مقاتل تتحرك وكأنها غابة مزروعة بالرماح تتحرك في ثبات وسكينة وهدوء ووقار وانضباط لم يعرف العرب له مثيلًا منذ أن أدرج اسمهم في قائمة السلالات البشرية. الرسول يدخل وجيشه المسجد واستمر الرسول ﷺ يحيط به جيشه الباسل كالبحر. استمر في

стр. 2106

التحرك من الحجون عبر الوادي غير ذي الزرع، متجهًا نحو الكعبة لينهى فيها آخر مظهر من مظاهر الوثنية التي استمرت تدنسها عدة آلاف من السنين. وعندما رأى الرسول ﷺ الكعبة كبَّر وكبر معه المسلمون، واشتد حماس المسلمين فواصلوا تكبيرهم حتى أشار إليهم الرسول ﷺ أن اسكتوا (١). وكانت لحظة تاريخية أشرق عندها وجه الإِنسانية في تلك اللحظة التي دخل فيها محمد بن عبد الله وأصحابه المسجد الحرام. هذا الدخول الذي به تحقق وعد الله الذي لا يخلف الميعاد .. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). الرسول يطوف بالبيت على ناقته القصواء: وعندما دخل الرسول ﷺ وجيشه المسجد، كان أول شيء بدأه الطواف بالبيت، وكان لشدة الزحام ولكونه راكبًا الناقة أثناء الطواف. يستلم الركن الذي فيه الحجر الأسود بالمحجن (٣) وقال موسى بن عقبة: إن النبي ﷺ بعد الطواف صلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه، والمشركون

стр. 2107

يتعجبون من ذلك ويقولون: ما رأينا ملكًا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخر النبي ﷺ المقام إلى مكانه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت (١) وقال الواقدي .. ولما فرغ الرسول ﷺ من طوافه نزل عن راحلته، وجاء معمر بن عبد الله بن نظلة (٢) فأخرج راحلته، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المقام (مقام إبراهيم) - وهو يومئذ لاصق بالكعبة، والدرع والمغفر عليه، وعمامته بين كتفيه. فصلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال .. لولا أن يغلب بنو عبد المطلب لنزعت الدلو. فنزع العباس بن عبد المطلب دلوا فشرب منه. ويقال .. الذي نزع الدلو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (٣). وكان الذي يمسك بزمام راحلته - وهو يطوف بالبيت - رئيس الحرس محمد بن مسلمة الأنصاري (٤). وقد طاف المسلمون مع الرسول ﷺ وكان في كل مرة يستلم الركن بالمحجن حتى انتهت الأشواط السبعة. قال الواقدي: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الكعبة فرآها، ومعه المسلمون، تقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجنه. وكبّر فكبّر المسلمون لتكبيره فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيرًا حتى جعل رسول الله ﷺ يشير إليهم .. اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون (٥). الرجل الذي حاول اغتيال الرسول ﷺ يوم الفتح في الطواف فأسلم: وقد جرت محاولة لاغتيال الرسول ﷺ فقد حاول - أحد بني بكر بن

стр. 2108

كنانة واسمه فضالة بن عمير الملوح .. حاول اغتيال الرسول ﷺ أثناء الطواف بالبيت في ذلك اليوم التاريخي الخالد، يوم الفتح. إلا أن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على هذه المحاولة ففشلت بعد أن هدى الله تعالى الرجل الذي حاول القيام بها. فقد ذكر ابن كثير عن ابن هشام أن فضالة بن عمير المذكور أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه (لتنفيذ المحاولة) فجَأ رسول الله ﷺ فضالة وقال له (في صيغة سؤال) .. أفضالة؟ . فقال فضالة .. نعم فضالة يا رسول الله. قال الرسول ﷺ .. ماذا كنت تحدث به نفسك؟ . قال فضالة: لا شيء كنت أذكر الله، فضحك النبي ﷺ ثم قال .. "استغفر الله" ثم وضع يده الشريفة على صدر فضالة فسكن قلبه، فكان فضالة يقول .. والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت .. هلم إلى الحديث فقال .. لا وانبعث يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإِسلام أو ما رأيت محمدًا وقبيله ... بالفتح يوم تكسرَ الأصنام لرأيت دينَ الله أضحى بَيّنًا ... والشرك يَغشى وجهه الإِظلام (١) تحطيم الأصنام وإنهاء الوجود الوثني بعد إنهاء الوجود السياسي والعسكري وبعد أن أنهى الرسول القائد ﷺ وجود قريش السياسي باستيلاء

стр. 2109

جيشه على مكة استيلاء كاملًا، أنهى الوجود الوثنى وأزال كل معالم الشرك في هذه المدينة المقدسة مكة. وذلك بتحطيم جميع الأصنام والأوثان التي كانت موجودة خارج الكعبة، وطمس الصور التي كانت داخلها. فقد ذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ حطم يوم الفتح ثلاثمائة وستين صنمًا كانت منصوبة حول البيت مشدودة بالرصاص. وفي مقدمة هذه الأصنام هُبل صنمهم الأكبر (١). كما أنه أمر بمحو جميع الصور التي كان المشركون قد رسموها داخل الكعبة، ومن بين الصور صورة تمثل أبي الأنبياء إبراهيم والعذراء مريم بنت عمران. ولم يدخل الرسول ﷺ الكعبة إلا بعد أن أزيلت منها جميع الصور. أزالها عمر بن الخطاب. قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود، قال .. دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد". وقال الواقدي يصف دخول الرسول ﷺ مكة وإزالته معالم الوثنية يوم الفتح .. "ثم طاف رسول الله ﷺ على راحلته آخذ بزمامها محمد بن مسلمة، وحول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون صنمًا مرصصة بالرصاص، وكان هُبَل أعظمها، وهو وجاه (أي تجاه) الكعبة على بابها، وأساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح، فجعل رسول الله ﷺ كلما مر بصنم يشير بقضيب في يده ويقول .. "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" (٢). فيقع الصنم لوجهه (٣). وعن ابن عباس .. دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى

стр. 2110

الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، لكل حي من أحياء العرب صنم قد شد إبليس أقدامها بالرصاص فجاء ﷺ ومعه قضيب فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه. وفي رواية فأقبل ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس فأتى ﷺ في طوافه على صنم إلى جنب البيت أي من جهة بابه يعبدونه وهو هُبل وكان أعظم الأصنام، فجعل يطعن بها في عينيه ويقول .. "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" - ثم أمر الرسول ﷺ بهُبَل فكسر .. وكان أبو سفيان بن حرب حاضرًا، فقال له الزبير بن العوام، قد كسر هُبَل أما إنك قد كنت في يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم، فقال أبو سفيان .. دع هذا عنك يابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله محمد ﷺ غيره لكان غير ما كان (١). محو الصور في الكعبة وفي صحيح البخاري. أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبي أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وفي أيديهما الأزلام، فقال ﷺ .. "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط". وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ حين دخل البيت "يوم الفتح" وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال .. "أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصورًا فما باله يستقسم؟ ". وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب (٢). الرسول يصلي في الكعبة: في إن الرسول ﷺ بعد أن أزال كل معالم الوثنية بتكسير الأصنام ومحو الصور صلى في جوف الكعبة وهذه هي أول مرة يصلى فيها الرسول ﷺ في جوف الكعبة.

стр. 2111

فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ صلى "يوم الفتح" في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره، فجعل عمودين عن يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع. وفي مسند الإِمام أحمد، أن الرسول ﷺ صلى يوم الفتح في الكعبة ركعتين. بعد أن أغلق عليه الباب وعلى أسامة بن زيد وبلال بن رباح (١). أعلام نبوة تتحقق: ومن أعلام النبوة التي تحققت يوم الفتح ما رواه عثمان بن طلحة العبدري "كان أحد الأقطاب الثلاثة الذين أسلموا قبل الفتح وسماهم الرسول ﷺ أفلاذ كبد مكة. خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة" من أن قريشًا كانت عندما تفتح الكعبة لا تسمح للرسول ﷺ بدخولها. قال عثمان بن طلحة .. كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإِثنين والخميس، فأقبل رسول الله ﷺ يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له فنلت منه، فحلم عنى، ثم قال .. يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدى أضعه حيث شئت، فقلت. لقد هلكت قريش يومئذ وذلت .. فقال .. بل عمرَّت وعزّت يومئذ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته منى موقعًا، ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال: فلما كان يوم الفتح قال .. يا عثمان، ائتنى بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه منى، ثم دفعه إليَّ، وقال .. خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال .. فلما وليّت نادانى ﷺ فرجعت إليه، فقاك: ألم يكن الذي قلت لك؟ . قال فذكرت قوله بمكة قبل الهجرة .. "لعلك سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت" فقلت .. بلى أشهد أنك رسول الله (٢).

стр. 2112

قصة الامتناع عن تسليم الرسول مفتاح الكعبة: كان عثمان بن طلحة العبدرى "استجابة دائمًا في بني عبد الدار" كان قد أسلم، وهاجر إلى المدينة، وبقى مفتاح الكعبة عند أمه بنت شيبة، وكانت على شركها حتى يوم الفتح، فلما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحا وأكمل طوافه، وأنهى وجود قريش السياسي، وأنهى الوجود الوثنى في مكة بسيطرة جيشه عليها، وتحطيم الأصنام والأوثان فيها، والتي هي أبرز مظاهر الشرك والوثنية .. أرسل إلى بني شيبة من بني عبد الدار في طلب المفتاح. مفتاح الكعبة .. أرسل مولاه بلال إلى عثمان بن طلحة ليأتيه بالمفتاح. فذهب بلال إلى عثمان بن طلحة وقال له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تأتى بمفتاح الكعبة. قال عثمان .. نعم فذهب إلى أمه بنت شيبة وكان المفتاح عندها .. فقال لها .. يا أمة أعطنى المفتاح فإن رسول الله ﷺ قد أرسل إلى وأمرنى أن آتى به إليه. فمانعت أمّه في تسليم المفتاح أشد الممانعة، وقالت لابنها عثمان .. أعيذك بالله أن تكون الذي تذهب مأثُرة قومه (١) على يديه. فقال لها. فوالله لتدفعنَّه إليه أو ليأتينك غيرى فيأخذه منك، فأصرت على التشبث بالمفتاح ومانعت في تسليمه، ثم أدخلته في حجزتها (٢) وقالت .. أيّ رجل يدخل يده هاهنا. وبينما عثمان بن طلحة العبدرى يحاول إقناع أمّه لتدفع المفتاح لرسول الله ﷺ وهي ترفض في إصرار، إذا بها تسمع صوت أبي بكر وعمر في الدار، وعمر يرفع صوته حين رأى إبطاء عثمان: يا عثمان، أخرج إليّ، وهنا خافت أم عثمان - لأن عمر كان شديدًا على قريش - فوافقت على أن تسلم مفتاح الكعبة قائلة لابنها: يا بني خذ الفتاح، فإن تأخذه أحب إلى من أن يأخذه تَيْم "قوم أبي بكر" أو عديّ "قوم عمر"، فأخذ عثمان الفتاح وجاء به إلى رسول الله ﷺ فأعطاه إباه (٣) ففتح الكعبة ثم دخلها على الذي تقدم تفصيله من هذا الكتاب.

стр. 2113

العباس يطلب إسناد حجابة البيت إلى بني هاشم فيأبى الرسول وذكر المؤرخون أن العباس بن عبد المطلب ورجال من بني هاشم تطاولوا لأخذ مفتاح الكعبة ليتم لهم شرف الجمع بين السقاية والحجابة، فقد قال العباس بن عبد المطلب "عميد أسرة بني هاشم في مكة". قال - وقد بسط يده -: يا نبي الله، بأبي أنت، اجمع لنا الحجابة والسقاية. فأبى ذلك رسول الله ﷺ وقال العباس: أعطيكم ما تُرزءون فيه ولا أعطيكم ما تُرزءون منه (١). رفع نظام منع التجول في مكة . وبعد أن تمت السيطرة الكاملة للجيش النبوي على العاصمة المقدسة "مكة" وبعد أن أزال الرسول ﷺ منها آخر مظهر من مظاهر الشرك والوثنية بتحطيم الأصنام والأوثان وكل ما له علاقة بشعارات الجاهلية مثل الصور المرسومة على جدران الكعبة، رفع نظام منع التجول، وأصبح أهل مكة أحرارًا في التنقل داخل المدينة وخارجها كيف شاءوا ومتى شاءوا. فتوافد أهل مكة في ذلك اليوم التاريخي إلى المسجد من كل ناحية ليروا، ويسمعوا كيف تكون معاملة الرسول المنتصر لهؤلاء القرشيين الهزومين، الذين لم يتركوا (خلال عشرين عامًا) وسيلة للقضاء على الرسول ﷺ وعلى دعوته إلا اتبعوها. وقد علت الدهشة وجوه قريش، وكادوا يتهمون أبصارهم، وهم ينظرون إلى عشرة آلاف مقاتل مدججين بالسلاح تحيط - في هيبة وإجلال وتيقظ وانتباه - بمحمد بن عبد الله ﷺ ، ذاك الرجل الذي أهدرت قريش دمه وجعلت مكافأة ضخمة لمن يأتي به إليها حيًّا أو ميتًا. يوم أن خرج (قبل ثمان سنوات) من مكة خائفًا يترقب يطلبه الموت في

стр. 2114

كل مكان, وليس معه سوى رجل واحد أبي بكر الصديق. شعار التوحيد في مكة إلى الأبد: وبينما كان المسجد يزدحم بالقرشيين المستسلمين من مختلف الطبقات كان النبي ﷺ يصدر أمره إلى مولاه بلال بن رباح أن يعلو سطح الكعبة فيؤذّن. ليعلن بذلك سيادة سلطان التوحيد على مكة، وإنهاء سلطان الشرك والوثنية إلى الأبد. "قد اغتاظ القرشيون أشد الغيظ عندما رأوا بلالًا يؤذن من سطح الكعبة، وعبَّر الكثير منهم "صراحة" عن امتعاضه وتألمه لإِعلان شعار التوحيد من على ظهر الكعبة. فقد قال عتّاب بن أسيد (١). لقد أكرم الله أسيدًا "يعني أباه" أن يكون سمع هذا يعني الأذان - فيسمع منه ما يغيظه. وقال بعض بني سعيد بن العاص. لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة. وقال رجل من قريش للحارث بن هشام (٢) .. ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فقال: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيّره. وقال أبو سفيان - بعد أن سمع كلام هؤلاء الأشراف من قريش -: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصباء. وقال الحارث بن هشام أيضًا: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. وقالوا: فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: قد علمت الذي قلتم - ثم ذكر لهم الذي قالوا - فقال الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد: نشهد أنك رسول الله، والله ما طلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك (٣). وقال يونس بن بكير: أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا عام الفتح فأذَّن على الكعبة ليغيظ به المشركين (٤).

стр. 2115

إذن يخزيك الله . وذكروا أن أبا سفيان بن حرب بعد أن تمت السيطرة للمسلمين على مكة وسوس له الشيطان وصار يحدث نفسه بمحاربة الرسول ﷺ من جديد، وقد أطلع الله نبيه على ما حدَّث أبو سفيان به نفسه، فآمن الإِيمان الصادق من تلك الساعة. فقد روى البيهقي وأصحاب المغازي كل بلفظه أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة رأى رسول الله ﷺ يمشى والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه .. لو عاودت هذا الرجل القتال، فجاء رسول الله ﷺ حتى ضرب في صدره فقال: "إذن يخزيك الله" فقال: أتوب إلى الله وأستغفر مما تفوهت به، وروى ابن سعد عن الواقدي، أن أبا سفيان بعد فتح مكة كان جالسًا، فقال في نفسه .. لو جمعت لمحمد جمعًا (أي لقتاله) فإنه ليحدِّث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله ﷺ بين كتفيه وقال: "إذن يخزيك الله" قال: فرفع رأسه فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسه، فقال أبو سفيان: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة (١). المسلمون يحيون ليلة الفتح بالطواف والتكبير: وروى البيهقي عن سعيد بن المسيّب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تهليل وتكبير وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند زوجه: أترى هذا من الله؟ قالت: نعم؛ هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "قلت لهند أترى هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله" فقال أبو سفيان أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند (٢).

стр. 2116

خبر استياء إبليس لفتح مكة: وجاء في مغازي الواقدي جـ ٢ ص ٨٤١ أن إبليس رنَّ في تاريخ حياته ثلاث رَنات .. رنّة حين لعن فتغيّرت صورته عن صورة الملائكة .. ورَنّة حين رأى رسول الله ﷺ يصلّى قائمًا بمكة .. ورنة حين افتتح رسول الله ﷺ مكة، فاجتمعت ذريته، فقال إبليس: ايئسوا أن تردوا أمة محمد على الشرك بعد يومهم هذا، ولكن أفشوا فيهم النوح والشعر. خطبة الرسول التاريخية يوم الفتح: وبعد أن أنهى الرسول ﷺ الوجود الوثنى وأزال كل مظاهر ومعالم الوثنية من مكة المكرمة فطَهَّر الكعبة من رجس الأصنام والأوثان بتحطيمها، وبعد أن هدم سلطان قريش السياسي وخضد شوكتها العسكرية حيث ألقى القاتلون منها السلاح وسلموه للجيش النبوي، وبعد أن رفع نظام منع التجول توافد القرشيون إلى المسجد من كل حدب وصوب، فضاق بهم المسجد فاحتشد في الطرقات المحيطة به، وكل منهم يريد أن يسمع من القائد الأعلى النبي المنتصر ﷺ كلمة الفصل في مصيره. وذلك في اليوم الثاني للفتح (١). ماذا ترون أني فاعل بكم: أمَّا الرسول الأعظم ﷺ فبعد أن هدأت الأحوال في مكة وبعد أن بات المسلمون الفاتحون ليلة فيها، وقف ﷺ وقائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد حوله يبعد الناس المزدحمين حوله (٢). وقف الرسول على باب الكعبة وعضادتى الباب في يده وبيده المفتاح قد جعله في كمّه والمشركون في المسجد يزدحمون يكاد بعضهم يدوس البعض الآخر ليسمعوا ما سيقوله الرسول ﷺ . العفو العام عن أهل مكة: وبينما الناس واقفون ينتظرون وينظرون إلى الرسول الفاتح المنتصر بدأ رسول الله ﷺ في إلقاء خطابه التاريخي الذي فيه أولًا أصدر عفوًا عامًّا عن جميع

стр. 2117

أهل مكة. كما أعلن بعض التشريعات التي يجب العمل بها. وأبطل عادات الجاهلية إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. كما حرَّم التعامل بالربا وأسقط الفوائد المترتبة على التعامل سابقًا بالربا والمتبقية لأصحابها. كذلك أعل حرمة مكة المكرمة إلى يوم القيامة .. كذلك أعلن وحدة النوع البشرى أن لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى. فقد قال ﷺ في خطبته هذه: الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم خاطب أهل مكة - الذين كانت قلوبهم تركض جزعًا تكاد تقفز من صدورهم خوفًا من أن يحاسبهم ويجازيهم على ما ارتكبوا من جرائم في حقه وفي حق أصحابه أيام قلتهم وضعفهم بمكة - يا معشر قريش، ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعل بكم؟ وفي رواية .. ماذا تقولون وماذا تظنون؟ قالوا: نظن خيرًا ونقول خيرًا: أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. وهنا تجلّى الرسول الأعظم ﷺ عن أكرم معدن إنسانى عرفته البشرية من لدن آدم. فقد أسقط عن قريش كل عقوبة بإمكانه أن ينزلها بهم ومنحهم عفوًا عامًا شاملًا مطلقًا وبأسلوب حان رقيق أعاد إلى نفوسهم القلقة المضطربة كل طمأنينة واستقرار حيث قال ﷺ : "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. اذهبوا فأنتم الطلقاء". قال الطبري: فأعتقهم رسول الله ﷺ ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنْوة وكانوا له فيئًا، فبذلك يُسمَّى أهل مكة الطلقاء (١).

стр. 2118

المراسيم التشريعية الجديدة: ثم ألقى الرسول ﷺ في هذه الخطبة التاريخية دروسًا عالية على الناس عامة وعلى أهل مكة خاصة أو ما يمكن تسميته بمراسيم اشتراعية جديدة تحدد لهم (في ظل حكم الإِسلام) سلوكهم وتعاملهم مع بعضهم البعض. تحريم الرِّبا: كان الرّبا في الجاهلية أهم قاعدة في مجال التجارة والاقتصاد ولما كان الرّبا من الأمور التي تتنافى مع روح الإِسلام وتعاليمه البنَّاءة السمحة، لكونه من أبشع وسائل الاستغلال التي بها تتضخم ثروات الأغنياء على حساب تدمير الفقراء والمحتاجين وهم الأغلبية الساحقة. فقد ألغى الرسول ﷺ في خطبته هذه التعامل بالرّبا، وحرمه تحريمًا قاطعًا فقال .. "ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمى هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. تحديد دية القتيل خطأ: ثم وضع تشريعًا حدد بموجبه التعويض الذي يدفع لأهل المقتول خطأ أو شبه عمد والمسمى في التعريف الجنائى الإِسلامي بالدية فقال: .. "ألا وفي قتيل الخطأ، مثل شبه العَمْد، السوط والعصا، فيهما الدية مغلظة- مائة من الإِبل منها أربعون في بطونها أولادها". إعلان وحدة الجنس البشرى والتساوى في الحقوق: ثم أعلن وحدة النوع البشرى وتحريم التفريق العنصرى وأنه لا مكان في الإِسلام لتفضيل إنسان على آخر بسبب لونه أو جنسه أو لغته، وإنما يكون التفاضل بالتقوى وبقدر ما يقدم الإِنسان للمجتمع من خير في حدود تعاليم الإسلام، فقال .. "يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها. الناس من آدم وآدم من تراب". ثم تلا ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا

стр. 2119

وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. إعلان حرمة مكة أبد الآبدين: ثم أعلن في خطبته التاريخية هذه (وهو على باب الكعبة) حرمة مكة المكرمة، وأنه لا يجوز سفك دم إنسان فيها مهما كانت المبررات. فقد روى البخاري أن شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد .. وهو يبعث بالجيش إلى مكة .. ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرًا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذِن لي فيها - ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". وحدة المسلمين وتكافؤهم: وفي هذه الخطبة الجامعة أعلن الرسول ﷺ وحدة المسلمين وتكافؤهم وتساويهم في كل شيء فقال .. "والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدُّهم على مضعفهم (١) وميسرتهم على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد (أي من الكفار) في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ولا جلب ولا جنب (٢) ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم. ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، والبيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد

стр. 2120

الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين، يوم الأضحى ويوم الفطر، وعن لبستين، لا يحتب أحدم في ثوب واحد يفضى بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء (١) ولا أخالكم إلّا قد عرفتموها. تحريم الاصطياد وعضد الشجر في الحرم: كما أن الرسول ﷺ في هذه الخطبة أعلن تحريم الاصطياد في الحرم وقطع الشجر فقال .. "لا ينفر صيدها ولا يعضد (أي يقطع) شجرها، ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد ولا يختلى خلاها (٢)، فقال العباس بن عبد المطلب (وكان شيخًا مجربًا) .. إلا الإذخر (٣) يا رسول الله فإنه لا بد منه، إنه للقبر وطهور للبيت، فسكت رَسول الله ساعة، ثم قال .. إلَّا الإِذخر فإنه حلال. ثم تحدث ﷺ عن بعض التشريعات الأخرى في محيط الأسرة فقال .. (ولا وصية لوارث، وأن الولد للفرايق وللعاهر الحجر ولا يحل لامرأة تعطى من مالها إلّا بإذن زوجها (٤)، ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها (٥)). طيّ بساط الشرك والوثنية: وبهذا الخطاب التاريخي الذي أرسى فيه الرسول ﷺ قواعد الإِسلام انطوى بساط الشرك والوثنية في مدينة كانت أعظم معقلًا لمحادة الله ورسوله، مكة المكرمة التي أصبحت العاصمة الثانية للإِسلام بعد المدينة

стр. 2121

المنورة. ولا شك أن وقوع العاصمة المقدَّسة تحت سيطرة المسلمين كان بداية النهاية للوجود الوثنى لا في مكة وحدها بل في جميع الأقاليم التي بقى فيها سلطان للشرك والوثنية. لأن مكة كانت عاصمة للشرك والوثنية. لا بالنسبة لقريش وحدها بل للعرب أجمعين على اختلافهم في تنويع الآلهة، حيث يوجد لكل فئة من العرب صنمهم الخاص بهم حول الكعبة. ولهذا كان وقوع العاصمة المقدسة مكة في أيدى المسلمين ذا أثر شديد على نفوس من تبقى على الشرك والوثنية الأمر الذي حدا بالأقوياء (عسكريًا منهم) مثل قبائل هوازن أن تخشد الجيوش لانتزاع مكة من أيدى المسلمين وإعادتها إلى سلطان الشرك والوثنية، الأمر الذي بسببه نشبت معركة حنين الحاسمة كما سيأتي تفصيله (إن شاء الله) في كتابنا التاسع من هذه السلسلة وهو التالي لهذا الكتاب، والذي سيصدر (بإذن الله) تحت اسم (غَزْوة حنين)؟ محمد أشرف فاتح وأكرم محارب: لقد كان القرشيون - وهم يلقون السلاح ويعتصمون بمنازلهم أو المسجد ويخلون الشوارع ليروا جيش محمد المنتصر يسيطر على العاصمة المقدسة - يظنون أن محمدًا ﷺ من ذلك الطراز المتوحش المتعطش إلى الدماء من الفاتحين، الذين تعبث بهم نشوة الانتصار، فتدفع بهم إلى إحداث المجازر الرهيبة بين خصومهم المهزومين. فلا تهدأ نفوسهم ولا تقر إلا بعد أن يروا الجثث مبعثرة في الشوارع ومدلاة على أعواد المشانق. ولدى القرشيين ما يجعل هذا الظن قويًّا في نفوسهم، لا سيما وأنهم ما زالوا يقيسون الأمور بمقياسهم المبنى على التفكير الجاهلى العصبى الوثني حيث الثأر والانتقام للنفس هما دائمًا السبب والمحرك الوحيد لأى حرب يخوضون غمارها. وعندما تراجع قريش صفحات الماضي، تجدها (وعبر عشرين سنة)

стр. 2122

مثقلة بالأوزار والآثام التي ارتكبها في حق هذا الرجل الذي سيطرت قواته عى مكة، وأصبح مصير كل أهلها بيده، وأعظم جريمة منكرة ارتكبتها قريش في حق الرسول ﷺ هي محاولتها اغتياله على فراشه وهو بين ظهرانيها قبل ثمان سنوات. لهذا كان سادات مكة يتوقعون أن الحساب سيكون من الرسول الفاتح المنتصر حسابًا عسيرًا والانتقام انتقامًا شديدًا ولهذا فر الكثير من ساداتهم وهربوا من مكة، حتى الذين لم يصدر الأمر من الرسول ﷺ وبصفة استثنائية - بإعدامهم قصاصًا. غير أن تصرفات الرسول ﷺ كانت "وقبل أن يدخل مكة فاتحًا" تدل على أنه أبعد ما يكون عن الرغبة في الانتقام والإنتصار للنفس، وأنه أشد ما يكون حرصًا على أن لا تراق قطرة دم واحدة في مكة من أي إنسان كان مسلمًا كان أم كافرًا. اللهم إلا الذين يقضى قانون الإِسلام بإعدامهم. لذلك رحب ﷺ بمساعى عمه العباس بن عبد المطلب والتي انتهت بإصدار الرسول القائد "وهو الظافر المنتصر" عفوًا عامًا عن جميع مشركى مكة قبل أن يدخلها إن هم ألقوا السلاح وكفوا عن المقاومة. فأثبت بذلك للقرشيين - وقبل أن يدخل مدينتهم - أن الانتقام لنفسه منهم لم يكن له وجود في تفكيره، رغم الأهوال التي عاناها على أيديهم ظلمًا وبغيًا وعدوانًا طوال ثمان سنوات عندما كان بين ظهرانيهم ضعيف الركن قليل الأنصار. فبرهن على أنه أشرف محارب وأكرم منتصر عرفه التاريخ. لقد كان الأمان الذي حمله مفاوض قريش أبو سفيان بن حرب من الرسول الأعظم ﷺ لأهل مكة جميعًا والذي تبلغه كافة أهل مكة قبل أن يدخلها الجيش النبوي، كان هذا الأمان كافيًا لأن يطمئن النفوس القلقة في مكة، وكل نفوس أهل مكة قلقة، مما يتصورون أنه سيحل بهم على يد الجيش الإِسلامي عندما يسيطر على مكة. ولكن الخوف ظل يساور نفوس أهل مكة رغم إعلان أبي سفيان أن الجيش النبوي بأمر من الرسول القائد ﷺ قد أمر جيشه بأن لا يتعرض لأحد من أهل مكة، وأنهم جميعًا آمنون إلَّا من حمل السلاح وقاتل

стр. 2123

الجيش الإِسلامي .. ظل القلق يساورهم والخوف ينتابهم وخاصة بعد أن نقضوا اتفاقية الصلح بالقتال الذي أبدوه في الخندمة في وجه قطعات خالد بن الوليد. الطمأنينة بعد القلق ولعل الرسول الأعظم ﷺ أدرك القلق الشديد الذي يساور نفوس القرشيين عقب وقوع مكة تحت قبضة جيشه المنتصر. لذلك - وبأسلوب عف شريف كريم لا مثيل له - أزال من النفوس كل أثر من آثار ذلك القلق حين وجه كلامه - وهو يلقى خطبته التاريخية في المسجد يوم الفتح - إلى القرشيين المهزومين الخائفين القلقين، قائلا: "ماذا ترون أنى فاعل بكم؟ " فقال نفر من عقلائهم، والفزع ينوشهم - أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، فقال ﷺ .. "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء". وبهذا العفو الشامل المطلق الصريح أزال الرسول ﷺ كل أثر من آثار الخوف العالقة بنفوس القرشيين فاطمأنوا، وسكنت نفوسهم، وأكبروا هذا التصرف النبيل من عدوهم اللدود بالأمس المنتصر عليهم اليوم، وكانت هذه المعاملة الرحيمة الحانية الكريمة التي عامل بها الرسول الظافر المنتصر قومه المنهزمين، سببًا في إسراع كل أهل مكة إلى الدخول في الإِسلام طوعًا واختيارًا (١)، وصار فهم - فيما بعد - من أعز الله به الإِسلام فشارك في معارك الجهاد وقاد الجيوش في معارك النصر - مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي فتح أفريقيا وخاض أعنف معركة بحرية شهدها البحر الأبيض المتوسط، فانتصر أسطوله على الأسطول الروماني الذي أغرقت أكثر قطعاته وكانت حوالي ألف سفينة، ومثل عكرمة بن أبي جهل الذي سقط شهيدًا في اليرموك بعد أن قاد كتيبة الفداء التي أوقفت

стр. 2124

زخم الهجوم الروماني وكان صمود فدائييها من أهم الأسباب التي حققت النصر في معركة اليرموك الحاسمة. النبي على الصفا/رمز> وبعد تلك الخطبة التاريخية التي أعادت الطمأنينة إلى نفوس القرشيين القلقة المضطربة انصرف الناس من المسجد وكل منهم تغمر نفسه الراحة النفسية، قد أمن على نفسه وماله وأهله، وبذلك خيم الهدوء الكامل على المدينة القدسة، وأصبحت الحياة عادية تمامًا. أمَّا الرسول القائد المنتصر فقد تحول من المسجد - بعد أن ألقى فيه خطابه التاريخي - إلى الصفا التي تحمل للرسول الأعظم ﷺ الشيء الكثير من الذكريات الحلوة والمرة. فمن على صخرة الصفا هذه سمعت قريش من رسول الله ﷺ وللمرة الأولى في حياتها - البيان الأول الداعى (بصيغة العموم) إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة ما سواه من الأنداد. حين كلفه الله تعالى - قبل ثمانية عشرة عامًا - بذلك بقوله تعالى: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). ومن على صخرة الصفا هذه سمع من أقرب الناس إليه ما أثقل نفسه بالألم .. عمه أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، الذي قال له "بعد أن جمع الناس وأبلغهم أنه رسول الله" .. تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى في حقه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ﴾ السورة. تخوف الأنصار أن يقيم الرسول ﷺ بمكة ويترك المدينة: وقد رقى رسول الله ﷺ بعد خطبته التاريخية ثانى يوم الفتح - صخرة الصفا فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه وهو

стр. 2125

متجه نحو البيت بحيث يراه (١). وهناك - والرسول على الصفا - ساورت الأنصار المخاوف وخشوا أن يقيم في مكة ويتحول عن المدينة، فقالوا فيما بينهم .. أمَّا الرجل يعني النبي ﷺ فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته (٢). أترون رسول الله إذْ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها (٣)؟ ولا شك أن باعث هذا القول من الأنصار هو شدة المحبة لرسول الله ﷺ وحرصهم على أن يعيش بينهم طول حياته. وقد علم الرسول ﷺ عن طريق الوحى - بما قاله الأنصار بعضهم لبعض، فطمأنهم بأن المحيا محياهم والممات مماتهم. وأنه لن يفارقهم ما دام حيا. فقد روى الإِمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ وقف على الصفا فعلاه بحيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والأنصار تحت، قال، يقول بعضهم لبعض .. أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. وجاء الوحى وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليمر أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضى، قال هاشم فلما قضى الوحى رفع رأسه ثم قال .. "يا معشر الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمى إذن، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قال فأقبلوا إليه يبكون ويقولون .. والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ .. "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة (٤).

стр. 2126

مبايعة أهل مكة على الإِسلام: ثم بعد ذلك توافد أهل مكة طوعًا واختيارًا إلى الصفا حيث يقف الرسول ﷺ ليبايعوه على الإِسلام. وقد تمت البيعة في الصفا بكل هدوء ونظام، وكان الرجال أول المبايعين ثم بايع بعد بيعة الرجال النساء. وكان الذي يأخذ على الناس البيعة، عمر بن الخطاب - كان أسفل من الصفا بين الرسول ﷺ وبين أهل مكة. قال الطبري: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإِسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله ﷺ أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ولرسوله - فيما استطاعوا - وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله ﷺ من الناس على الإِسلام (١). وقد دخل كل أهل مكة في الإسلام وبايعوا رسول الله ﷺ بمكة إلا نفرًا قليلا، بعضهم هرب من مكَّة ظنًّا منه أن الرسول ﷺ سيفتك به (مثل عكرمة بن أبي جهل) وبعضهم بقى في مكة على شركه فأمهله النبي ﷺ ولم يجبره على الإِسلام (مثل صفوان بن أمية)، الذي أسلم بعد غزوة حنين وحسن إسلاميه، وكان قد خرج مع الجيش الإِسلامي إلى حنين مشركًا ثم أسلم في الجعرانة بضواحى مكة، وكان مرافقًا للرسول ﷺ أثناء عودتة من حصار الطائف بعد موقعة حنين. وكان صفوان بن أمية قد هرب إلى ساحل البحر الأحمر ليركبه خوفًا على نفسه، فأرسل إليه الرسول ﷺ بالأمان فعاد إلى مكة وظل على شركه حتى أسلم كما سيأتي تفصيل قصته من هذا الكتاب إن شاء الله. بيعة النساء وقصة إسلام هند بنت عتبة وبعد أن بايع الرجال الرسول ﷺ بايع النساء. فجاء وفدهن فأسلمن وبايعن رسول الله ﷺ ، وكان من بين النساء البارزات في

стр. 2127

الوفد .. أم حكيم بنت الحارث بن هشام (١) امرأة عكرمة بن أبي جهل. وهند بنت عتبة امرأة سيد قريش وقائد جيوشها أبي سفيان بن حرب (وكانت متنكرة) .. والبغوم بنت المعذل الكنانية امرأة صفوان بن أمية (٢) .. وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة .. وهند بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد كانت مبايعة النساء في الأبطح بحضرة ابنته فاطمة الزهراء وزوجته ونساء من بني عبد المطلب (٣). النبي يعفو عن هند بنت عتبة وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. أحد الذين خططوا لاغتيال سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وحرضوا العبد الحبشى وحشى على قتله يوم أحد اغتيالًا. فكانت هند لذلك تتخوف من أن ينتقم منها الرسول ﷺ . ولكن عامل الأمل في عفو الرسول ﷺ ورحمته تغلب في نفس هند على عامل الخوف من انتقامه. فجاءته ضمن وفد نساء قريش اللواتى بايعنه على الإِسلام. جاءت متنكرة لئلا يعرفها الرسول ﷺ إلا في الوقت المناسب، حيث كشفت عن نقابها وطلبت الرحمة من رسول الرحمة ﷺ فقبل منها ولم يوجه إليها حتى مجرد كلمة لوم ﷺ ، ما أبره وأكرمه وأحلمه وأرحمه وأعظمه. صيغة مبايعة النساء بمكة وكانت هند بنت عتبة (وكأنها رئيسة وفد النساء) هي التي تتحدث إلى رسول الله ﷺ باسم النساء، وما كان رسول الله ﷺ يعرف أنها هي لأنها كانت متنكرة، ولكنه عرفها فيما بعد أثناء الحديث، فقال لها .. وإنك لهند بنت عتبة، فقالت .. أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك (٤).

стр. 2128

وقد كانت مبايعة النساء على غير الكيفية التي تتم بها مبايعة الرجال. فقد كان الرسول ﷺ يبايع الرجال بالمصافحة بالأيدى، أما النساء فلم يصافحهن، لأنه ﷺ لا يمس امرأة ولا تمسه إلا امرأة أحلها الله له، أو ذات محرم منه (١). فقد روى المحدثون وأصحاب السير كل بطريقه أن الرسول ﷺ بعد أن فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، فقال الطبري .. واجتمع إلى الرسول ﷺ نساء من قريش فيهن هند بنت عتبة، متنقبة لحدثها وما كان صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنون منه ليبايعنه قال: تبايعننى على أن لا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما تأخذه على الرجال وسنوتيكه قال: ولا تسرقن. قالت هند: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهَنَّة والهنَّة، وما أدرى أكان ذلك حلالًا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدًا لما تقول - .. أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله ﷺ .. وإنك لهند بنت عتبة .. فقالت .. أنا هند بنت عتبة، فاعف عماه سلف عفا الله عنك، قال ﷺ .. ولا تزنين، قالت هند .. هل تزني الحرّة، قال ﷺ .. ولا تقتلن أولادكن، قالت .. قد ربيناهم صغارًا، وقتلتهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم، فضحك عمر بني الخطاب لقولها حتى استغرب (٢) وفي بعض روايات الآخرين أن رسول الله ﷺ تبسم لقولها الجرئ هذا (٣). فقال رسول الله ﷺ .. ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن .. فقالت هند .. والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل. قال ﷺ ... ولا تعصيننى في معروف فقالت هند .. ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر .. بايعهن، واستغفر لهن رسول الله ﷺ فبايعهن عمر (٤).

стр. 2129

وفي بعض الروايات أن هند بنت عتبة أتت رسول الله ﷺ في وفد النساء متنقبة وقالت: إني امرأة مؤمنة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة فقال رسول الله ﷺ : مرحبًا بك: وأنها بعد أن بايعته قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك (أي شحيح) وليس يعطينى ما يكفينى وولدى إلَّا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فهل عليَّ من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ فقال لها: لا عليك أن تطعميهم بالمعروف: خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف (١). الإِسلام يجب ما قبله كانت هند بنت عتبة امرأة سيد قريش وقائد جيوشها. وكان من عادات الرسول الأعظم ﷺ أن يتألف ويعامل من هم في منزلتها ومنزلة زوجها معاملة خاصة تأليفًا للقلوب. لتتفتح للإِسلام، وسنرى كيف أعطى رسول الله ﷺ سادات قريش وبعضهم لم يسلم إلا بعد فتح مكة - أعطاهم من غنائم حنين مئات من الإِبل وهو ما لم يعط مثله لأحد من السابقين الأولين في الإِسلام - فهند بنت عتبة كانت من ألد أعداء النبي ﷺ في الجاهلية. كانت السبب الرئيسى في مقتل عمّه حمزة يوم أحد (٢) ولكن سيد البشبر لا يحقد على أحد ولا تعرف الضغينة إلى قلبه الطاهر الشريف الكبير سبيلا. لا سيما وأن قاعدة رائعة عامة في التسامح جاء بها الإِسلام وهي أن الإِسلام ينسخ ما قبله من الخطايا: (الإِسلام يجب ما قبله) كما جاء في الحديث الصحيح، ولهذا فإن الرسول ﷺ لم يحاسب هند ولا أحدًا آخر على ذنب ارتكبه وهو في جاهليته. اللهم إلا بضعة نفر استحقوا عقوبة. فنفذت فيهم. هند بنت عتبة تحطم صنما في بيتها . وجاء في بعض كتب التاريخ أن هند بنت عتبة لما خالط الإِسلام قلبها،

стр. 2130

وعلمت أنها كانت على ضلال ورأت ما عليه المسلمون من عبادة في المسجد يوم الفتح قالت لزوجها أبي سفيان: إني أريد أن أبايع محمدًا، فقال: قد رأيتك تكفرين. فقالت: أي والله .. والله ما رأيت الله تعالى عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة. والله إن باتوا إلّا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا (تعنى الصحابة). قال فإنك قد فعلت ما فعلت فاذهبى برجل عن قومك فذهبت إلى عمر فذهب معها إلى رسول الله ﷺ . ثم ذكر قصة إسلامها. وإن هندًا بعد أن أسلمت ذهبت إلى صنم لها كان في بيتها، فجعلت تضربه بالقدُّوم وهي تقول .. كنا معك في غرور وما زالت تضربه حتى حطمته فلذة فلذة (١). الرسول يقبل الفدية من هند ويدعو لها: وقالوا إن هند بنت عتبة (وهي رئيسة وفد النساء) قالت للرسول ﷺ وقت المبايعة .. يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتمسنى رحمتك يا محمد. إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة. فقال رسول الله ﷺ .. مرحبا بك. فقالت: والله يا رسول الله ما على الأرض من أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك. ولقد أصبحت وما على الأرض من أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك فقال رسول الله ﷺ : وزيادة أيضًا. ثم قرأ ﷺ عليهن القرآن وبايعهن (٢). وقالوا: إن هند بنت عتبة "تعبيرًا عن ما في نفسها من إكرام لرسول الله ﷺ حل محل البغض" أرسلت إليه مع مولاة لها بهدية، وهي جديان مشويان فاستأذنت فأذن لها فدخلت عليه وهو ﷺ بين نسائه أم سلمة وميمونة، ونساء من بني عبد المطلب وقالت .. إن مولاتى تعتذر إليك وتقول: إن غنمها اليوم لقليل الوالدة، فقال رسول الله ﷺ : اللهم بارك لكم في غنمكم وأكثر والدتها؟ فكثر الله ذلك، تقول تلك

стр. 2131

المولاة: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتها ما لم نكن نرى قبل (١). المختفون في مكة يوم الفتح: وعقب سيطرة المسلمين على مكة المكرمة اختفى عدد من سادات قريش البارزين خوفًا على أنفسهم من أن ينتقم المسلمون منهم فيبطشوا بهم لصنيعهم السيء في حقهم. ومن هؤلاء الزعماء من اختفى داخل مكة ومنهم من فر إلى خارجها. أما الذين اختفوا في مكة حتى هدأت الأحوال ثم ظهروا فعفى عنهم الرسول ﷺ فأسلموا وحسن إسلامهم. ١ - سهيل بن عمرو العامري مندوب قريش ورئيس وفدها في صلح الحديبية. ولم يكن مطلوبًا ولا من الذين أهدر الرسول ﷺ دمهم، ولكنه لمواقفه المعادية الشديدة خاف على نفسه فاختفى وسيأتي تفصيل قصة اختفائه ثم إسلامه. ٢ - عبد الله بن سعد بن أبي سَرَح. أخو عثمان بن عفان من الرضاعة: كان محكوم عليه بالإِعدام وأعطيت التعليمات من الرسول القائد ﷺ قبل دخول مكة إلى كل جنود الإِسلام أن يقتلوه بمجرد أن يظفر به أي واحد منهم. وستأتي قصة إسلامه إن شاء الله. الفارون من مكة يوم الفتح: أما الذين هربوا من مكة من زعماء قريش يوم الفتح فهم. ١ - صفوان بن أمية الجُمَحى: وهذا الزعيم ليس من المطلوبين ولا من الذين أهدرَت دماؤهم. ٢ - عكرمة بن أبي جهل المخزومي: وهو من الذين أهدر النبي ﷺ دمهم.

стр. 2132

٣ - هبّار بن الأسود (١) وهو أيضًا من المطلوبين ومن الذين أهدرت دماؤهم. ٤ - هبيرة بن أبي هبيرة: وهو ليس من المطلوبين الذين أهدرت دماؤهم. ٥ - عبد الله بن الزبعرَى (٢): كذلك لم يكن هذا الزعيم من المطلوبين الذين أهدرت دماؤهم. ٦ - حويطب بن عبد العزى العامري. وهو أيضًا ليس من المطلوبين. الذين أهدرت دماؤهم. ٧ - وكذلك العبد وحشي قاتل حمزة: ولم يكن أيضًا ممن أهدرت دماؤهم ولكنه خاف على نفسه فهرب وقد عفا عنه الرسول ﷺ بعد أن أسلم، وستأتي بالتفصيل (إن شاء الله) على قصص هروب واختفاء هؤلاء وإسلام عن أسلم منهم. وكلُّهم أسلم وَحَسُن إسلامه ما عدا واحدًا منهم لم يعد إلى مكة ومات مشركًا. قصة اختفاء سهيل بن عمرو وإسلامه: كان سهيل بن عمرو العامري سيد من سادات قريش، وكان خطيبها المفوّه وزعيمها السياسي. كان رئيس وفد قريش في مفاوضات الحديبية والذي وقع نيابة عنها صلح الحديبية. وقد وقع أسيرًا يوم بدر في أيدى المسلمين في السنة الثانية من الهجرة. ثم أطلق الرسول ﷺ صراحه عن طريق الفداء. لم يكن سهيل بن عمرو -كما قلنا- من المطلوبين من العدالة الذين أهدر الرسول ﷺ دماءهم من أهل مكة ولكنه كان يشعر بأن إساءاته للرسول طوال عشرين سنة كانت بالغة. فكان لذلك يخشى (وبتفكيره الجاهلي) أن يكون عرضة للانتقام من المسلمين الذين أصبحوا سادة مكة. ولكنه مع خوفه هذا لم يهرب من مكة. وإنما أغلق على نفسه بابه. ثم بعث

стр. 2133

في طلب ابنه عبد الله بن سهيل الملقب (بأبي جندل) وهو صاحب القصة المشهورة يوم الحديبية. كان من السابقين في الإِسلام، وهو من أبطال ثورة العيص. بعث سهيل في طلبه، وعندما حضر طب منه أن يحصل له على أمان يعلمه الناس. ولنترك سهيل بن عمرو نفسه يحدثنا عن قصته. فقد روى عنه أنه قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة وظهر، انقحمت بيتي وأغلقت على بابى، وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارًا من محمد، وإني لا آمن أن أقتل، وجعلت أتذكر أثرى عند محمد وأصحابه، فليس أحد أسوأ أثرًا منى، وإني لقيت رسول الله ﷺ يوم الحديبية بما لم يلقه أحد، وكنت كاتبته، مع حضورى بدرًا وأحدًا وكلما تحركت قريش كنت فيها. فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، تؤمنه؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان الله فليظهر. ثم قال رسول الله ﷺ لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج فلعمرى إن سهيلًا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإِسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع. فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله ﷺ ، فقال سُهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا. فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى حنين مع النبي ﷺ وهو على شركه حتى أسلم "طائعًا مختارًا" بالجعرانة (١). وكان سهيل بن عمرو راجح العقل حسن الطوية: وروى عن الشافعي أنه قال: كان سهيل محمود الإِسلام من حين أسلم (٢). وقد كان سهيل بن عمرو ضمن جيوش الفتح في الشام ومات هناك مرابطًا بالطاعون (٣).

стр. 2134

قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإلغاء عقوبة إعدامه أمَّا عبد الله بن سعد بن أبي سرح (١) فقد كان من زعماء قريش، وكان أحد المطلوبين الذين أهدر الرسول ﷺ دماءهم وأمر جنده بقتلهم حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة. وجرمه أنه كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحى لرسول الله ﷺ ثم عبث به الشيطان فارتد عن الإِسلام ورجع إلى مكة فحكم عليه الرسول ﷺ بالإِعدام لأنه مرتد، وحكم المرتد في الإِسلام القتل، وهذا بإجماع المسلمين. ولهذا فإن ابن أبي سرح لما تمت السيطرة لجيش الإِسلام على مكة أيقن أنه مقتول إن لم يحصل على عفو خاص من الرسول الأعظم ﷺ ، لذلك لجأ إلى أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان في بيته وطلب منه أن يسعى لدى الرسول ﷺ ليعطى له الأمان. وقد فعل عثمان ونجح في مسعاه حيث ذهب به إلى رسول الله ﷺ وما زال به حتى عفى عنه وبايعه على الإِسلام. قال الواقدي: فلما كان يوم الفتح جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة، فقال: يا أخي، إني والله اخترتك فاحتبسنى هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه فيَّ، فإن محمدًا إن رآني ضرب الذي فيه عيناى، إن جُرمي أعظم الجُرم، وقد جئت تائبًا. فقال: بل اذهب معي. قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقى ولا يناظرنى، قد أهدر دمى، وأصحابه يطلبوننى في كل موضع. فقال عثمان انطلق معى، فلا يقتلك إن شاء الله. فلم يرع رسول الله ﷺ إلا بعثمان آخذ بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي ﷺ . فقال: يا رسول الله،

стр. 2135

إن أمه "أي عبد الله بن سعد" كانت تحملنى وتمشيه، وترضعنى وتقطعه، وكانت تلطفنى وتتركه. فهبه لي. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي ﷺ بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، فإنما أعرض النبي ﷺ عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه، فلما رأى أن لا يقدم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله ﷺ يقبل رأسه وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمى، فقال رسول الله ﷺ : نعم، ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ أو قال: (الفاسق) فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلى يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إليَّ فأضرب عنقه، ويقال: قال: هذا أبو اليسر، ويقال عمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : إني لا أقتل بالإِشارة وقائل يقول: إن الرسول ﷺ قال يومئذ: إن النبي لا تكون له خائنة الأعين (١). فبايعه رسول الله ﷺ ، فجعل يفر من رسول الله كلما رآه خجلا، فقال عثمان لرسول الله ﷺ : ببلى أنت وأمى لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك، فتبسم النبي ﷺ فقال: أو لم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى أي رسول الله. ولكنه يتذكر عظيم جُرمه في الإِسلام. فقال النبي ﷺ : الإِسلام يجبُّ ما كان قبله، فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي ﷺ مع الناس (٢). وقد ذكر المؤرخون أن عبد الله بن سعد بن سرح حسن إسلامه، ولم يحفظ عليه أو يظهر منه ما يعيبه في دينه وينكر عليه (٣). بل لقد كانت آثاره عظيمة في حقول الجهاد ورفع راية الإِسلام وإعزاز

стр. 2136

دولته. فقد كان من أبرز قادة الفتح الإِسلامي (١). لقد كان اليد اليمنى للقائد عمرو بن العاص الذي فتح مصر، وكان قائد ميمنة الجيش الذي استولى على مدينة قيسارية بفلسطين. وكان لإخلاصه وقدرته القيادية ومهارته الحربية يبعث به عمرو بن العاص حاكم مصر وقائد الجيوش فيها (بعد فتحها) يبعث به فيغير على الرومان في أفريقيا (المسماة اليوم بليبيا) فيظفر وينتصر في كل غارة يقوم بها، مما أكبره في عين الخليفة الفاروق الخبير بالرجال: والذي ولاه (في عهد ولاية ابن العاص) صعيد مصر (٢). وقد ارتفعت به أعماله وطول باعه في الجهاد ورشحته لأعلى المناصب حتى أسندت إليه ولاية مصر كلها في عهد الخليفة عثمان (٣). ثم قاد الجيوش بنفسه من مصر نحو أفريقيا الشمالية فاجتاحتها جيوشه فحرر كل الأقاليم الممتدة من حدود مصر حتى منطقة القيروان بتونس، وكان يسانده عقبة بن نافع وغيره من القواد الأكفاء. وهو الذي هزم ملك أفريقيا الروماني "جرجير" في موقعة عقوبة (٤) التاريخية التي اشترك فيها "تحت قيادة عبد الله بن سعد" عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر. وكان عبد الله بن سعد من أبرز القادة الذين اشتركوا في فتح جزيرة قبرص. كما أنه أيضًا أكمل فتح دنقلة في السودان. وبفضله دخل كثير من أهلها في الإِسلام. معركة ذات الصوارى البحرية ولعل من أعظم أعمال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأروعها، انتصاره

стр. 2137

في أول وأعظم معركة بحرية تدور في البحر الأبيض المتوسط بين الأسطولين الإسلامى والرومانى بالقرب من المياه التونسية. كان عبد الله بن سعد والى مصر، وكان معاوية بن أبي سفيان والى الشام، وبلغ المسلمين أن الرومان بقيادة قسطنطين بن هرقل قد جهزوا من القسطنطينية "اسطمبول" أسطولًا يضم حوالي ألف سفينة. فأمر الخليفة عثمان في المدينة كلًّا من معاوية في الشام وابن أبي سرح في مصر أن يسارعوا لملاقاة الأسطول الروماني. فركب معاوية البحر بأسطوله في أهل الشام. وخرج ابن أبي سرح بأسطوله من الإِسكندرية. فالتقوا بالأسطول الروماني في عرض البحر. وكان قائد أسطول الإِسلام عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقاتل المسلمون بقيادته الرومان أشد قتال حتى هزموهم شر هزيمة ودمروا أسطولهم، ولم ينج من الرومان في هذه المعركة البحرية الحاسمة إلا الشريد ومنهم قائدهم قسطنطين الذي فرَّ جريحًا على ظهر سفينة القيادة الخاصة ولقى حتفه في جزيرة صقلية "سيشيليا". وقد دلت تصرفات عبد الله بن سعد على أنه من زهاد الصحابة. فقد اعتزل الفتنة عقب مقتل الخليفة عثمان، رغم أن عثمان أخوه من الرضاعة، وقد اعتكف في مدينة عسقلان بفلسطين، وظل هناك حتى توفى وهو ساجد في صلاة الفجر. وكان قد دعا الله تعالى أن تكون خاتمة أعماله صلاة الصبح فأجاب الله دعاءه (١). فرار صفوان بن أمية ثم إسلامه أما صفوان بن أمية بن خَلفَ (٢) فقد كان من أكبر سادات المشركين وأثريائهم. وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ وهو الذي وضع خطة لاغتيال النبي ﷺ وهو في المدينة بعد معركة بدر (٣) وكلف عمير بن وهب الجمحي بتنفيذها (٤). وكان أبوه أمية بن خلف قد قتله المسلمون

стр. 2138

يوم بدر، كما قتلوا أيضًا أبيّ بن خَلَف في أحد: طعنه الرسول ﷺ بحربة - وكان الخبيث يطارد الرسول ﷺ أثناء انسحابه - إلى الجبل - فمات أي متأثرًا نجراحه بسَرَف قريبًا من مكة. ولم يكن الزعيم صفوان بن أمية من المطلوبين العشرة الذين أهدر الرسول ﷺ دمهم. إلا أنه لشعوره بعظيم ما كان يرتكب من آثام في الجاهلية في حَق النبي ﷺ لم يطمئن على حياته، فخافَ القتل، فهرب من مكَّة يوم الفتح في اتجاه البحر الأحمر ناحية "جدةَ" يريد ركوب البحر. وكان يصحبه غلام له يقال له يسار، ليس معه غيره. وقد وصل بصفوان بن أمية الهرب إلى ميناء على البحر الأحمر يقال له "الشُعيَبة" (١) بالقرب من جدة، وكان يهم وغلامه بركوب البحر. وبيما هو كذلك إذا بصديقه عمير بن وهب الجمحى قد لحق به حيث هو في ميناء الشعيبة. فخاف صفوان من عمير، وظن أنه إنما جاء ليقتله بينما عمير لم يأت إلا ليعيد صفوان إلى أهله في مكة آمنا بأمان رسول الله ﷺ . وكان عمير بن وهب الجمحى من السابقين في الإِسلام، ومن أصحاب الرسول المقربين. وكان حريصا على سلامة صفوان بن أمية وطامعًا في إسلامه. فكلم عُمير النبي ﷺ في صفوان وطلب له الأمان. فأعطاه الرسول الأمان لصفوان، لذلك لحق عمير بصفوان في الشعيبة، وأخبره أنه حصل له على الأمان من الرسول ﷺ وأنه بإمكانه العودة إلى مكة حُرًّا آمنا، ولكن صفوان لم يطمئن وأبلغ عمير بن وهب بأنه لن يعود إلى مكة ولن يطمئن إلا إذا أتاه بعلامة من الرسول يعرفها. فاضطر عمير بن وهب إلى أن يعود إلى مكة مرة أخرى ليأتى لصفوان بعلامة الأمان وهي عمامة رسول الله ﷺ ، التي عاد بها عمير إلى صفوان في الشعيبة، وهنا اطمأن صفوان وعاد إلى مكة. وترك الرسول ﷺ الحرية

стр. 2139

لصفوان. فبقى على شركه عدة أسابيع. ثم أسلم فحسن إسلامه وصار من خيرة المسلمين. ولنترك الواقدي يحدثنا كامل قصة سيد بني جمح صفوان بن أمية هذا، قال: وأما صفوان بن أمية، فهرب إلى الشعيبة معه يسار وليس معه غيره. فقال ويحك، انظر من ترى. قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلى، قد ظاهر محمدًا عليّ فلحقه، فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حملتنى دينك وعيالك (١)، ثم جئت تريد قتلى، قال: أبا وهب، جعلت فداك، جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عمير قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، سيد قومى خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، وخاف أن لا تؤمنه، فأمنه فداك أبي وأمى، فقال رسول الله ﷺ : قد أمنته. فخرج في أثره، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أمنك. فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك حتى تأتينى بعلامة أعرفها فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله جئتُ صفوان هاربًا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته: فقال: لا أرجع حتى تأتى بعلامة أعرفها. فقال رسول الله ﷺ : خذ عمامتى. قال: فرجع عمير إليه بها وهو الرد الذي دخل فيه رسول الله ﷺ يومئذ معتجرًا به، برد حبرة، فخرج عمير في طلبه الثانية جاء بالبرد فقال: أبا وهب، جئتك من - عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، أذكرك الله في نفسك. قال له: أخاف أن أقتل: قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرًا، تعرفه؟ قال: نعم فأخرجه، فقال: نعم، هو هو فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو يصلى بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا، فقال

стр. 2140

صفوان: كم تصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات. قال: يصلى بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلم صاح عن صنوان: يا محمد إن عمير بن وهب جاءنى ببردك، وزعم أنك دعوتنى إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرًا وإلا سيرتنى شهرين. قال انزل أبا وهب. قال: لا والله، حتى تبين لي. قال: بلى تسير أربعة أشهر. فنزل صفوان، وخرج رسول الله ﷺ قبل هوازن، وخرج معه صفوان وهو كافر وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: طوعًا أو كرهًا؟ قال رسول الله ﷺ : عارية مؤداة فأعاره، فأمره رسول الله ﷺ فحملها إلى حنين، فشهد حنينًا والطائف ثم رجع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، فبينا رسول الله ﷺ يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر إلى شعب ملئ نعمًا وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر، ورسول الله ﷺ يرمقه، فقال: أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسلم مكانه (١). كيف أسلم عكرمة بن أبي جهل أما عكرمة بن أبي جهل المخزومي (٢) فقد كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وقد خلف أباه في هذه الغداوة، إلا أنه كان "مع شدته في عداوة رسول الله ﷺ " أعف من أبيه. فلم يكن فاحشًا مثله، بل كان أقرب إلى الاستجابة إلى صوت المنطق والصراحة في وزن الأمور بموازينها الصحيحة. يدل على ذلك أنه كان - عندما اشتجر أبو سفيان بن حرب وخالد بن الوليد عندما أعلن الأخير قبل الفتح أن محمدًا على الحق، وحاول أبو سفيان الهجوم على خالد لقوله هذا - كان عكرمة قد وقف موقف المتعقل المتوقع النصر والغلبة لرسول الله ﷺ ، فحجز
следующие страницы →