دولته. فقد كان من أبرز قادة الفتح الإِسلامي (١).
لقد كان اليد اليمنى للقائد عمرو بن العاص الذي فتح مصر، وكان قائد ميمنة الجيش الذي استولى على مدينة قيسارية بفلسطين. وكان لإخلاصه وقدرته القيادية ومهارته الحربية يبعث به عمرو بن العاص حاكم مصر وقائد الجيوش فيها (بعد فتحها) يبعث به فيغير على الرومان في أفريقيا (المسماة اليوم بليبيا) فيظفر وينتصر في كل غارة يقوم بها، مما أكبره في عين الخليفة الفاروق الخبير بالرجال: والذي ولاه (في عهد ولاية ابن العاص) صعيد مصر (٢).
وقد ارتفعت به أعماله وطول باعه في الجهاد ورشحته لأعلى المناصب حتى أسندت إليه ولاية مصر كلها في عهد الخليفة عثمان (٣). ثم قاد الجيوش بنفسه من مصر نحو أفريقيا الشمالية فاجتاحتها جيوشه فحرر كل الأقاليم الممتدة من حدود مصر حتى منطقة القيروان بتونس، وكان يسانده عقبة بن نافع وغيره من القواد الأكفاء. وهو الذي هزم ملك أفريقيا الروماني "جرجير" في موقعة عقوبة (٤) التاريخية التي اشترك فيها "تحت قيادة عبد الله بن سعد" عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر.
وكان عبد الله بن سعد من أبرز القادة الذين اشتركوا في فتح جزيرة قبرص. كما أنه أيضًا أكمل فتح دنقلة في السودان. وبفضله دخل كثير من أهلها في الإِسلام.
معركة ذات الصوارى البحرية
ولعل من أعظم أعمال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأروعها، انتصاره
стр. 2137
في أول وأعظم معركة بحرية تدور في البحر الأبيض المتوسط بين الأسطولين الإسلامى والرومانى بالقرب من المياه التونسية.
كان عبد الله بن سعد والى مصر، وكان معاوية بن أبي سفيان والى الشام، وبلغ المسلمين أن الرومان بقيادة قسطنطين بن هرقل قد جهزوا من القسطنطينية "اسطمبول" أسطولًا يضم حوالي ألف سفينة. فأمر الخليفة عثمان في المدينة كلًّا من معاوية في الشام وابن أبي سرح في مصر أن يسارعوا لملاقاة الأسطول الروماني. فركب معاوية البحر بأسطوله في أهل الشام.
وخرج ابن أبي سرح بأسطوله من الإِسكندرية. فالتقوا بالأسطول الروماني في عرض البحر. وكان قائد أسطول الإِسلام عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقاتل المسلمون بقيادته الرومان أشد قتال حتى هزموهم شر هزيمة ودمروا أسطولهم، ولم ينج من الرومان في هذه المعركة البحرية الحاسمة إلا الشريد ومنهم قائدهم قسطنطين الذي فرَّ جريحًا على ظهر سفينة القيادة الخاصة ولقى حتفه في جزيرة صقلية "سيشيليا".
وقد دلت تصرفات عبد الله بن سعد على أنه من زهاد الصحابة. فقد اعتزل الفتنة عقب مقتل الخليفة عثمان، رغم أن عثمان أخوه من الرضاعة، وقد اعتكف في مدينة عسقلان بفلسطين، وظل هناك حتى توفى وهو ساجد في صلاة الفجر. وكان قد دعا الله تعالى أن تكون خاتمة أعماله صلاة الصبح فأجاب الله دعاءه (١).
فرار صفوان بن أمية ثم إسلامه
أما صفوان بن أمية بن خَلفَ (٢) فقد كان من أكبر سادات المشركين وأثريائهم. وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ وهو الذي وضع خطة لاغتيال النبي ﷺ وهو في المدينة بعد معركة بدر (٣) وكلف عمير بن وهب الجمحي بتنفيذها (٤). وكان أبوه أمية بن خلف قد قتله المسلمون
стр. 2138
يوم بدر، كما قتلوا أيضًا أبيّ بن خَلَف في أحد: طعنه الرسول ﷺ بحربة - وكان الخبيث يطارد الرسول ﷺ أثناء انسحابه - إلى الجبل - فمات أي متأثرًا نجراحه بسَرَف قريبًا من مكة.
ولم يكن الزعيم صفوان بن أمية من المطلوبين العشرة الذين أهدر الرسول ﷺ دمهم. إلا أنه لشعوره بعظيم ما كان يرتكب من آثام في الجاهلية في حَق النبي ﷺ لم يطمئن على حياته، فخافَ القتل، فهرب من مكَّة يوم الفتح في اتجاه البحر الأحمر ناحية "جدةَ" يريد ركوب البحر. وكان يصحبه غلام له يقال له يسار، ليس معه غيره.
وقد وصل بصفوان بن أمية الهرب إلى ميناء على البحر الأحمر يقال له "الشُعيَبة" (١) بالقرب من جدة، وكان يهم وغلامه بركوب البحر. وبيما هو كذلك إذا بصديقه عمير بن وهب الجمحى قد لحق به حيث هو في ميناء الشعيبة. فخاف صفوان من عمير، وظن أنه إنما جاء ليقتله بينما عمير لم يأت إلا ليعيد صفوان إلى أهله في مكة آمنا بأمان رسول الله ﷺ .
وكان عمير بن وهب الجمحى من السابقين في الإِسلام، ومن أصحاب الرسول المقربين. وكان حريصا على سلامة صفوان بن أمية وطامعًا في إسلامه.
فكلم عُمير النبي ﷺ في صفوان وطلب له الأمان. فأعطاه الرسول الأمان لصفوان، لذلك لحق عمير بصفوان في الشعيبة، وأخبره أنه حصل له على الأمان من الرسول ﷺ وأنه بإمكانه العودة إلى مكة حُرًّا آمنا، ولكن صفوان لم يطمئن وأبلغ عمير بن وهب بأنه لن يعود إلى مكة ولن يطمئن إلا إذا أتاه بعلامة من الرسول يعرفها.
فاضطر عمير بن وهب إلى أن يعود إلى مكة مرة أخرى ليأتى لصفوان بعلامة الأمان وهي عمامة رسول الله ﷺ ، التي عاد بها عمير إلى صفوان في الشعيبة، وهنا اطمأن صفوان وعاد إلى مكة. وترك الرسول ﷺ الحرية
стр. 2139
لصفوان. فبقى على شركه عدة أسابيع. ثم أسلم فحسن إسلامه وصار من خيرة المسلمين.
ولنترك الواقدي يحدثنا كامل قصة سيد بني جمح صفوان بن أمية هذا، قال: وأما صفوان بن أمية، فهرب إلى الشعيبة معه يسار وليس معه غيره. فقال ويحك، انظر من ترى. قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلى، قد ظاهر محمدًا عليّ فلحقه، فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حملتنى دينك وعيالك (١)، ثم جئت تريد قتلى، قال: أبا وهب، جعلت فداك، جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عمير قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، سيد قومى خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، وخاف أن لا تؤمنه، فأمنه فداك أبي وأمى، فقال رسول الله ﷺ : قد أمنته. فخرج في أثره، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أمنك. فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك حتى تأتينى بعلامة أعرفها فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله جئتُ صفوان هاربًا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته: فقال: لا أرجع حتى تأتى بعلامة أعرفها. فقال رسول الله ﷺ : خذ عمامتى. قال: فرجع عمير إليه بها وهو الرد الذي دخل فيه رسول الله ﷺ يومئذ معتجرًا به، برد حبرة، فخرج عمير في طلبه الثانية جاء بالبرد فقال: أبا وهب، جئتك من - عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، أذكرك الله في نفسك. قال له: أخاف أن أقتل: قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرًا، تعرفه؟ قال: نعم فأخرجه، فقال: نعم، هو هو فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو يصلى بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا، فقال
стр. 2140
صفوان: كم تصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات. قال: يصلى بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلم صاح عن صنوان: يا محمد إن عمير بن وهب جاءنى ببردك، وزعم أنك دعوتنى إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرًا وإلا سيرتنى شهرين. قال انزل أبا وهب. قال: لا والله، حتى تبين لي. قال: بلى تسير أربعة أشهر. فنزل صفوان، وخرج رسول الله ﷺ قبل هوازن، وخرج معه صفوان وهو كافر وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: طوعًا أو كرهًا؟ قال رسول الله ﷺ : عارية مؤداة فأعاره، فأمره رسول الله ﷺ فحملها إلى حنين، فشهد حنينًا والطائف ثم رجع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، فبينا رسول الله ﷺ يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أمية، جعل صفوان ينظر إلى شعب ملئ نعمًا وشاء ورعاء، فأدام إليه النظر، ورسول الله ﷺ يرمقه، فقال: أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسلم مكانه (١).
كيف أسلم عكرمة بن أبي جهل
أما عكرمة بن أبي جهل المخزومي (٢) فقد كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وقد خلف أباه في هذه الغداوة، إلا أنه كان "مع شدته في عداوة رسول الله ﷺ " أعف من أبيه. فلم يكن فاحشًا مثله، بل كان أقرب إلى الاستجابة إلى صوت المنطق والصراحة في وزن الأمور بموازينها الصحيحة. يدل على ذلك أنه كان - عندما اشتجر أبو سفيان بن حرب وخالد بن الوليد عندما أعلن الأخير قبل الفتح أن محمدًا على الحق، وحاول أبو سفيان الهجوم على خالد لقوله هذا - كان عكرمة قد وقف موقف المتعقل المتوقع النصر والغلبة لرسول الله ﷺ ، فحجز
стр. 2141
يومها بين أبي سفيان وخالد، وطلب من أبي سفيان أن يدع خالدًا وشأنه، قائلًا له ما معناه: إننى أخشى أو أتوقع أن لا يأتي العام القادم إلا وقد دخلنا فيما دخل فيه خالد.
إلا أن عكرمة "مع ذلك" غلبت عليه يوم الفتح عصبية الجاهلية المترسبة في نفسه، فلم يوافق أبا سفيان على اتفاقية تسليم مكة للجيش النبوي بدون قتال، فقاد مجموعة من القرشيين قاوم بها قطعات خالد بن الوليد في الخندمة جنوبي مكة هو وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو فهزموا في الحال.
فرار عكرمة إلى اليمن
وكان عكرمة من القادة المطلوبين الذين "قبل دخول مكة" أهدر الرسول ﷺ دماءهم وأمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة لجرائم استحقوا بها القتل. لذلك لم تكد جيوش الإسلام تستولى على مكة حتى ركب عكرمة وغادر مكة هاربًا نحو الغرب في اتجاه جدة يريد اليمن "عن طريق البحر" خوفًا من القتل، وقد وصل جدة ووجد سفينة على وشك الإبحار من جدة إلى اليمن، فركبها، وبينما كانت السفينة على وشك أن تبحر بعكرمة إلى اليمن، إذا بزوجته الوفية أم حكيم (١) تصل إلى ميناء جدة وتطلب منه العدول عن الهرب، وتبلغه بأنه في إمكانه أن يعود إلى مكة آمنا.
أم حكيم تحصل لزوجها عكرمة على الأمان من رسول الله
وكانت أم حكيم - وهي امرأة عاقلة - قد أسلمت يوم الفتح مع هند بنت عتبة، وطلبت من رسول الله ﷺ أن يتفضل فيعفو عن زوجها عكرمة، ويمنحه الأمان، ويلغى الأمر الصادر بإعدامه. فقد قالت: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه. فقال رسول الله ﷺ : هو آمن (٢).
стр. 2142
فحزمت أم حكيم أمرها وسافرت في اتجاه جدة لتبلغ زوجها أمان الرسول ﷺ الذي أعطاه له ولتطلب منه أن يعود إلى مكة.
وكانت قد اصطحبت معها غلامًا لها مملوكًا إلى جدة، فاستغل الوضع المضطرب التي هي عليه، فراودها عن نفسها أثناء الطريق، فجعلت تمنيه "وكانت امرأة عفيفة فاضلة عاقلة" حتى قدمت على حي من العرب هم بنو عك. فطلب منهم اعتقال الغلام - بعد أن أخبرتهم خبر صنيعه القبيح - فأوثقوه كتافًا، وأبقوه لديهم حسب طلبها. ثم واصلت سفرها حتى وصلت ميناء جدة.
وكان عكرمة قد ركب السفينة، وعندما ركبها قال له ربانها "وكان مسلمًا" أخلص. فقال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله. قال عكرمة "متعجبًا" ما هربت إلا من هذا.
وبينما هو، هكذا يحاور ربان السفينة، إذ بامرأته الوفية العفيفة أم حكيم بنت الحارث بن هشام واقفة على رصيف الميناء، وتناديه في "إلحاح" .. يابر عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك. فوقف لها، واستوضحها: ما الخبر؟
فقالت: إني استأمنت لك محمدًا رسول الله ﷺ . قال: أنت فعلت ذلك؟ قالت نعم، فلم يتردد في تصديقها، فغادر السفينة إلى البر ورجع معها.
وفي أثناء العودة إلى مكة سألها عن غلامها الرومى .. فأخبرته خبر محاولته الدنيئة، فلما وصل حيث الغلام مكتوفًا قتله في الحال، وذلك قبل أن يسلم.
فلما دنا عكرمة من مكة، بشر النبي ﷺ أصحابه بإسلام عكرمة، فقال: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرًا. ثم نهى عن سب أبيه أبي جهل قائلًا: لا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذى الحي ولا يبلغ الميت.
قالوا وجعل عكرمة "قبل أن يسلم" يطلب امرأته للفراش. فتأبى عليه
стр. 2143
وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة. فيقول إن أمرًا منعك منى لأمر كبير.
قيام الرسول ﷺ لعكرمة فرحًا بإسلامه
وذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ لما أقبل عليه عكرمة بن أبي جهل وثب إليه - وما على النبي ﷺ رداء - فرحًا بعكرمة. ثم جلس رسول الله ﷺ فوقف بين يديه، وزوجته متنقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتنى أنك أمنتنى. فقال رسول الله ﷺ : صدقت، فأنت آمن. فقال عكرمة: فإلى ما تدعو؟ قال: أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وعد عليه بقية واجبات الإِسلام. فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثًا وأبرنا برًا. ثم قال عكرمة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
فسرَّ بذلك رسول الله ﷺ لأن عكرمة سيد من السادات وقائد من القادة الذين وزنهم في المجتمع القرشي، بالإِضافة إلى شجاعته التي استفاد منها الإِسلام كإحدى الطاقات الفعالة في الحرب ضد أعدائه. فقد كانت مواقف عكرمة البطولية إلى جانب الإِسلام في حروب الردة وفي حروب الشام، مواقف لا تنكر.
عكرمة المهاجر المجاهد
وبعد أن شهد عكرمة شهادة الحق، قال للنبي ﷺ ثم ماذا؟ قال رسول الله ﷺ : تقول أشهد الله وأشهد من حضر أنى مسلم مهاجر مجاهد. فقال عكرمة ذلك. فقال رسول الله ﷺ : لا تسألنى اليوم شيئًا أعطيه أحدًا إلا أعطيتكه، فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير
стр. 2144
إطفاء نورك، فاغفر له ما نال منى من عرض، في وجهى أو وأنا غائب عنه.
فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتال في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهدَ في القتال حتى قُتِلَ شهيدًا. ثم أقر رسول الله ﷺ عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميَّة على نكاحهما الأول (١). وقالوا: إن هناك بشائر وإرهاصات رآها النبي ﷺ وأخبر أن عكرمة ابن أبي جهل سيكون من خيار المسلمين.
فقد روى أن النبي ﷺ رأى في منامه - قبل إسلام عكرمة - أنه في الجنة ورأى عذقًا فأعجبه وقال: لمن هذا؟ فقيل لأبي جهل، فشق ذلك عليه ﷺ وقال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة.
فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل فرح به وأول ذلك العذق العكرمة. وكان عكرمة - قبل إسلامه - بارز رجلًا من المسلمين فقتله، فضحك النبي ﷺ : فقال له بعض الأنصار ما أضحكك يا رسول الله وقد فجعنا بصاحبنا؟ فقال: أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة (٢) مشيرًا بذلك إلى أن عكرمة سيقتل شهيدا، وقد حدث ذلك فقد استشهد عكرمة في معركة اليرموك وهو يقود كتيبة كلها من الفدائيين ذلك اليوم (٣).
قصة الهارب هبار بن الأسود
كان هبار بن الأسود في الجاهلية لسَّنًا فصيحًا يؤلب الناس على رسول الله ﷺ وكان سيء الخلق عظيم الشر، لا تعرف الرحمة سبيلًا إلى قلبه، فهو الذي عندما هاجرت زينب بنت النبي ﷺ لتلحق بأبيها إلى المدينة وكانت حاملًا - من زوجها العاص بن أبي الربيع - لحق بها هبار
стр. 2145
ابن الأسود - بأطراف مكة ونخس بها الجمل الذي تركبه، فسقطت على الأرض ثم ضربها بالرمح على ظهرها، حتى أسقطت جنينها، وما زالت مريضة بالنزيف الذي كان يعاودها من ذلك اليوم حتى ماتت رحمها الله.
فكان هبار بن الأسود يعتبر مسؤولًا عن موتها وموت جنينها: ولهذا كان من المطلوبين الذين أهدر النبي ﷺ دمهم يوم الفتح، وكان يعلم أن حكمًا بالإِعدام قد صدر بحقه.
لذلك هرب يوم الفتح من مكة ولحق بالبادية وظل متواريًا عن الأنظار خوفًا من أن يقع في قبضة أحد من أصحاب النبي ﷺ فينفذ فيه حكم الإِعدام الصادر بحقه.
وظل هبار مختفيًا في البادية حتى واقع النبي ﷺ هوازن في حنين وانتصر عليهم وعاد إلى المدينة بأصحابه.
ولما هدأت الأحوال ودخل أهل مكة كلهم في الإِسلام، واستقر النبي ﷺ في المدينة، قرر هبار بن الأسود أن يذهب بنفسه إلى المدينة ويسلم نفسه للرسول ﷺ ويطلب منه العفو، وفعلًا ذهب إلى المدينة ودخل المسجد على رسول الله ﷺ فعرفه ورغم أنه أصدر حكمًا عليه بالإِعدام فقد أمر أصحابه بأن لا يمسه أحد بسوء لأنه عرف أنه ما جاء إلا ليُعلن إسلامه.
وقد روى الواقدي قصة هبار هذا فقال: حدثني هشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم (١) عن أبيه عن جده، قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ في أصحابه منصرفًا من الجعرانة، فطلع هبار بن الأسود فلما نظر القوم إليه قالوا: يا رسول الله .. هبّار بن الأسود، قال رسول الله ﷺ قد رأيته، فأراد بعض القوم القيام إليه، فأشار النبي ﷺ أن اجلس.
ووقف هبّار فقال: السلام عليك يا رسول الله، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولقد هربت منك في كل البلاد وأردت اللحوق
стр. 2146
بالأعاجم، ثم. ذكرت عائدتك وفضلك وبرّك وصفحك عمن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلى وعما كان يبلغك عنى، فإني مقر بسوء فعلى معترف بذنبي. فقال رسول الله ﷺ : قد عفوت عنك، وقد أحسن الله بك حيث هداك للإِسلام، والإِسلام يَجُبُّ ما قبله (١).
وقال الزبير بن العوام: ما رأيت رسول الله ﷺ ذكر هبارًا قط إلا تغيظ عليه، ولا رأيت رسول الله ﷺ بعث سرية قط، إلّا قال: إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يديه ورجليه ثم اضربوا عنقه. والله كنت أطلبه وأسأل عنه، والله يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول الله ﷺ لقتلته. ثم طلع على رسول الله ﷺ وأنا عنده جالس، فجعل يعتذر إلى رسول الله ﷺ ويقول: سُبّ يا محمد من سبك وأوذى من آذك، فقد كنتُ موضعًا في سبك وأذاك وكنت مخذولًا، وقد نصرنى الله وهدانى للإِسلام. قال الزبير: فجعلت أنظر إلى النبي ﷺ وإنه ليطأطى رأسه استحياء مما يعتذر هبّار، وجعل رسول الله ﷺ يقول: قد عفوت عنك، الإِسلام يجبّ ما كان قبله. وكان هبار لسنا. وكان يُسَبُّ حتى يبلغ منه فلا ينتصف من أحد فبلغ رسول الله ﷺ حلمهُ وما يحمل عليه من الأذى، فقال: هبّار سُبَّ من سبك (٢).
إسلام ابن الزبعرى
أما عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب. فقد كانا من سادات المشركين في مكة وذوى الشأن فيها، إلا أنه لم يصدر بحقهما حكم الإعدام كما صدر بحق ابن الأخطل وهبار بن الأسود وابن منقذ، ولكنهما، (رغم ذلك)، خافا على أنفسهما فهربا من مكة يوم الفتح، وكان ابن الزبعرى شاعرًا مجيدًا يهجو رسول الله ﷺ .
стр. 2147
وكان هرب ابن الزبعرى وابن أبي وهب إلى نجران في الجنوب حيث التجأ إلى قبيلة بني الحارث ودخلا حصنًا لهم هناك.
غير أن عبد الله بن الزبعرى، قذف الله الإسلام في قلبه فترك نجران عائدًا إلى المدينة، فطلب الصفح من النبي ﷺ فصفح عنه بعد أن أعلن إسلامه. أما ابن أبي وهب، فقد ركبه العناد وظل مقيما بنجران حتى مات على الشرك والعياذ بالله تعالى.
قال الواقدي: يروى قصة هرب هذين الزعيمين إلى نجران: "وهرب هُبيرة بن أبي وهب، هو وابن الزبعرى، جميعًا حتى انتهيا إلى نجران، لم يأمنا من الخوف حتى دخلا حصن نجران، فقيل لهم: ما وراءكما؟ قالا: قتلت قريشى ودخل محمد مكة. ونحن والله نرى محمدًا سائرًا إلى حصنكم هذا، فجعلت بنو الحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم، وجمعوا ماشيتهم. غير أن ابن الزبعرى أوقع الله الإِسلام في قلبه، فتهيأ للعودة إلى مكة، فقال له زميله هُبيرة بن أبي وهب: أين تريد يا بن عم؟ .
قال: أردت والله محمدًا. قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: أي والله. قال: يقول ابن أبي وهب: يا ليت أني رافقت غيرك، والله ما ظننت أنك تتبع محمدًا أبدًا. قال ابن الزبعرى: هو ذلك فعلى أيّ شيء نقيم مع بني الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأبرهم رمع قومى ودارى؟
فانحدر ابن الزبعرى، حتى جاء رسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه، فلما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: هذا ابن الزّبعرى ومعه وجه فيه نور الإِسلام، فلما وقف على رسول الله ﷺ قال: السلام عليكم، أي رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذي هدانى للإِسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت الفرس والبعير ومشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد ألا أقرب الإِسلام أبدًا، ثم أراد بي الله منه بخير فألقاه في قلبى وحببه إلى وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يُعبد ويذبح له، لا يدرى مَن عبده ومن لا يعبده قال رسول الله
стр. 2148
- ﷺ : الحمد لله الذي هداك للإِسلام، إن الإِسلام يجب ما كان قبله. وأما هبيرة بن أبي وهب فقد أقام بنجران حتى مات مشركًا، وأسلمت زوجته أم هانئ بنت أبي طالب بمكة (١).
هروب حويطب بن عبد العزى وإسلامه
أما حويطب بن عبد العزى (٢) فقد كان أيضًا من سادات قريش وأركانها، كان أحد أعضاء الوفد القرشي في مفاوضات صلح الحديبية التاريخي، وكان من أشد المناوئين لرسول الله ﷺ وكان حويطب ثالث ثلاثة وقعوا "نيابة عن مشركي مكة" وثيقة الصلح بين المسلمين والمشركين في الحديبية.
لم يكن حويطب من الزعماء المشركين المطلوبين الذين صدر الحكم بإعدامهم يوم الفتح، ولكنه أيضًا "رغم ذلك" خاف على نفسه القتل، رغم أن الرسول ﷺ قد أصدر تعليماته المشددة بأن لا يقتل الجيش أحدا من أهل مكة إلا النفر الذين قضى بإعدامهم! وهم لا يتجاوزون العشرة على أكبر تقدير لم ينفذ حكم الإعدام إلا في ثلاثة منهم، أما الباقون فقد شملهم الرسول ﷺ بعفوه".
هرب حويطب يوم الفتح فخرج من مكة مستخفيًا، فبصر به أبو ذر الغفاري (وكان صديقًا له في الجاهلية) فلما رآه أبو ذر ناداه وهدأ من روعه، وطلب منه العودة إلى مكة وتعهد له بأنه سيكون في أمان من أي سوء.
فقد ذكر المؤرخون أنه لما كان يوم فتهح مكة هرب حويطب بن عبد العزى حتى انتهى إلى حائط (٣) عوف فدخل هناك، وخرج أبو ذر لحاجته وكان داخله، فلما رآه هرب حويطب فناداه أبو ذر. تعال أنت آمن.
стр. 2149
فرجع إليه فسلم عليه ثم قال: أنت آمن. فإن شئت أدخلتك على رسول الله ﷺ وإن شئت فاذهب إلى منزلك. قال: وهل لي سبيل إلى منزلى؟ ألقى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلى، أو يدخل على منزلى فأقتل. قال فأنا أبلغ معك منزلك، ثم جعل (أبو ذر) ينادى على بابه: إن حويطبًا آمن فلا يُهجم عليه. ثم انصرف أبو ذر إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: أو ليس قد آمنا كلّ الناس إلَّا من أمرت بقتله؟ (١) وبهذا زال الخوف عن الزعيم العامري حويطب بن عبد العزى. ولم يعد يخشى القتل. لأن المسلمين تبلغوا من جديد الأمر بعدم التعرض لأحد من قريش بأي سوء (كائنا من كان) ما عدا الذين أمر الرسول ﷺ بإعدامهم، وأكثرهم عاد الرسول فألغى حكم الإعدام الصادر بحقهم فعاشوا جنودًا للإِسلام أبلوا بلاءًا حسنًا في سبيل نصرته مثل عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري.
هل جدد الرسول نكاح الذين أسلموا وزوجاتهم ؟
كان هناك عدد من مشركي قريش (بينهم زعماؤهم) بعضهم أسلم قبل زوجه وبعضهم أسلم بعد إسلام زوجه فكان الإِسلام قد فرق بينهم وبين زوجاتهم. فكيف عادت إليهم زوجاتهم. بعد أن أسلم الجميع بعد كفرهم؟ .
بعض العلماء يقول: إن النبي ﷺ قد أعاد كل زوجة إلى زوجها بعقد جديد. والبعض الآخر يقول: إنه أقرهم على نكاحهم الأول وبدون اللجوء إلى إجراء مراسيم عقد جديد .. وهذا الرأي الأخير هو الأصح.
فقد ثبت أن النبي ﷺ قد أعاد ابنته زينب إلى زوجها العاص بن الربيع الأموي عندما أسلم دون أن يجدد عقد النكاح. كما أعاد إلى سادات مكة يوم الفتح نساءهم على النكاح السابق المعقود في الجاهلية دون أن يلجأ إلى تجديده.
فقد روى يزيد بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح. قال أسلم أبو سفيان
стр. 2150
ابن حرب، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، قبل نسائهم، ثم قدموا على نسائهم في العدة، فردهن رسول الله ﷺ بذلك النكاح، وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة قبل زوجيهما، ثم أسلما، فرد رسول الله ﷺ نساءهم عليهم. وذلك أن إسلامهم كان في عدتهن (١). وهذا التصرف من الرسول ﷺ يضع تشريعًا عامًّا وقاعدة أساسية تسهيلية: وهي أن أي زوجين كانا كافرين ثم أسلما معًا أو أسلم أحدهما قبل الآخر. فإنه يجوز أن يظلا زوجين دونما حاجة إلى انقضاء عدة أو إجراء مراسيم عقد زواج جديد. وهذا بحق من معطيات الإِسلام في مجال التسامح وتبسيط الأمور لإِفساح الطريق أمام الناس إلى الإِسلام دونما تعقيد أو تشديد.
النبي ﷺ يعفو عن وحشي قاتل عمه حمزة:
كان العبد الحبشى وحشى مولى لجبير بن مطعم. وكان ممن أهدر النبي ﷺ دماءهم. ولكن الرسول ﷺ ألغى حكم الإِعدام الصادر بحقه. فعفى عنه، بعد أن أخبره (كما هي رغبته) كيف قتل عمه حمزة يوم أحد.
فقد حدث ابن أبي سبرة عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل وحشى مع النفر، ولم يكن المسلمون على أحد أحرص منهم على قتل وحشى، وهرب وحشى إلى الطائف، فلم يزل مقيمًا به، حتى قدم وفد الطائف على رسول الله ﷺ ، فدخل على رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي ﷺ : وحشى؟ قال: نعم. قال: اجلس، حدثني كيف قتلت حمزة. فأخبره، فلم يزد رسول الله ﷺ على أن قال: غيب عنى وجهك "أي لأنه والله أعلم لا يحتمل النظر إلى قاتل أسد الله حمزة عمه"، قال وحشى: فكنت إذا رأيته
стр. 2151
تواريت عنه ثم خرج الناس إلى مسيلمة (١) فدفعت إلى مسيلمة فزرقته (٢) بالحربة، وضربه رجل من الأنصار، فربك أعلم أينا قتله (٣).
النبي يستلف من أغنياء مكة ليخفف من ضائقة أصحابه المالية
ورغم أن النبي ﷺ قد فتح مكة عنوة، واستولى جيشه عليها. ورغم أنه كان بإمكانه كفاتح منتصر أن يصادر ويأخذ ما شاء من أموال أثرياء مكة المغلوبين المهزومين، فإنه قد عفّ عن أن يأخذ منهم درهمًا واحدًا قسرًا وبالقوة. رغم أن عامة جيشه الفاتح المنتصر في أمس الحاجة إلى المال. لحالة العوز والفقر التي هو عليها. بل اقترض من أولئك الأغنياء مائة وخمسين ألف درهم فوزعها على المحتاجين من جنود الجيش. ثم لما نصره الله على هوازن في معركة حنين. وغنم تلك الغنائم العظيمة من أولئك المشركين أعاد إلى أغنياء مكة ما استقرضه منهم مشفعًا بالشكر والحمد لهم.
فقد حدث الواقدي. فقال: أرسل رسول الله ﷺ عام الفتح فاستلف من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فلما فتح الله عليهم هوازن وغنمه أموالها ردها وقال: إنما جزاء السلف الحمد والأداء وقال: بارك لك في مالك وولدك.
وقال: استقرض رسول الله ﷺ من ثلاثة نفر من قريش: من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ألف. فقسمها رسول الله ﷺ بين أصحابه من أهل الضعف، قال فأخبرنى من بني كنانة، كانوا مع رسول الله ﷺ في الفتح، أنه قسم فيهم دراهم فيصيب الرجل خمسين درهمًا، أو أقل أو أكثر، ومن ذلك المال. بعث إلى بني جزيمة (٤).
стр. 2152
غضب الرسول لقتل رجل مشرك من هذيل بمكة يوم الفتح
كان النبي ﷺ قد أصدر عفوًا عامًا عن جميع سكان مكة من المشركين يوم الفتح ما عدا نفرًا قليلًا أمر بقتلهم ولكنه عفى فيما بعد عن أكثرهم.
وقد امتثل جميع أفراد الجيش النبوي الأمر فامتنعوا عن قتل أيّ مشرك في مكة أثناء سيطرتهم عليها إلا من قاتلهم، كما حدث للوحدات من الفرسان التي كان يقودها خالد بن الوليد جنوبي مكة (المسفلة). إلا أن بعضا من جنود الجيش النبوي (ومن خزاعة حلفاء الرسول ﷺ خرجوا على الانضباط العسكري فقتلوا (بدافع ثأرى) رجلًا من هذيل بمكة مشركًا بعد أن أمن الرسول ﷺ الناس. الأمر الذي أغضب الرسول والقائد الأعلى للجيش. فجمع الجيش وخطبهم مستنكرًا قتل الهذلى الشرك. ثم دفع ديته لأهله.
وكان سبب القتل يرجع إلى ثارات بين قبيلة أسلم وقبيلة هذيل: فقد خرج غزاة من هذيل في الجاهلية وفيهم جنيدب يريدون حي أحمر بأسًا. وكان أحمر بأسا رجلًا من أسلم شجاعًا لا يرام. وكان لا ينام في حيه، إنما ينام خارجًا من حاضره، وكان إذا نام غطّ غطيطًا منكرًا، لا يخفى مكانه. وكان الحاضر إذا أتاهم فزع صرخوا (بأحمر بأسا) فيثب مثل الأسد. فلما جاءهم أولئك الغزاة من هذيل. قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر بأسا في الحاضر فليس إليهم سبيل، وإن كان له غطيط لا يخفى فدعونى أتسمع فتسمع الحس فسمعه، فأمه حتى وجده نائمًا فقتله، حيث وضع السيف في صدره ثم اتكأ عليه فقتله، ثم حملوا على الحيّ، فصاح الحيّ .. يا أحمر بأسا .. فلا شيء، لا أحمر بأسا. قد قتل. فنالوا من الحاضر حاجتهم، ثم انصرفوا، فتشاغل الناس بالإسلام، فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع مكة يرتاد وينظر - والناس آمنون - فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي (من قبيلة أحمر بأسا) فقال .. جندب بن الأدلع، قاتل أحمر بأسا.؟ فقال جنيدب. نعم.
فخرج جندب يستجيش عليه، وكان أول من لقى خراش بن أمية
стр. 2153
الكعبي (١) فأخبره، فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه، والناس حوله وهو يحدثهم عن قتل أحمر بأسا، فبينما هم مجتمعون عليه إذ أقبل خراش بن أمية فقال هكذا عن الرجل. فظن الناس أنه يفرّج عنه الناس لينصرفوا عنه، فانفرجوا عنه، وهنا حمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه في بطنه. وابن الأدلع مستند إلى جدار من جدران مكة، فجعلت أمعاؤه تتسايل من بطنه. وأن عينه لتبرقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة، ثم وقع الرجل، فمات في الحال (٢).
قال الواقدي: فسمع النبي ﷺ بقتله فقام خطيبًا "مستنكرًا ما حدث" وهذه الخطبة الغد من يوم الفتح بعد الظهر فقال: أيها الناس إن الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة. لا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحل لأحد بعدى، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم. فإن قال قائل: قد قَتَل فيها رسول الله فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر القتل إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار، إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعَقْله.
وفي رواية عن جويرية بنت الحصين عن عمران بن الحصين. أن النبي ﷺ قال: لو كنت قاتلًا مؤمنًا بكافر لقتلت خراشًا بالهذلى. ثم أمر رسول الله ﷺ خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته، وكانت دية القتيل الهذلى الشرك مائة من الإِبل (٣).
стр. 2154
الخاتمة
نظرة وتحليل
- ١ -
بعد هزيمة الأحزاب أمام الخندق في السنة الرابعة من الهجرة، وبعد ضرب الجيش الإِسلامي لأقوى العناصر العربية المحاربة: عناصر غطفان في نجد وخضد شوكتها في عمليات عسكرية متلاحقة .. وبعد تصفية اليهود "وهم أقوى قوة ضاربة تجاور المدينة في خيبر" بعد هذا الذي كسبه العسكر الإِسلامي بعد أعمال عسكرية شاقة - رسخت جذور هذا الدين وضربت في الأعماق بعيدًا .. وأخذ بناء الدولة الوليدة السياسي والعسكري يتصاعد عالمًا.
حتى أن الرسول ﷺ نتيجة الشعور بالاستقرار الكامل اتصل بملوك وأمراء الشرق الأوسط خارج الجزيرة العربية يدعوهم إلى الإِسلام، بل ونقل المعركة إلى داخل أراضى الإِمبراطورية الرومانية في الشام حيث خاض ثلاثة آلاف مقاتل من أصحابه معركة - مؤتة التاريخية - (١). وذلك أثناء صلح الحديبية قبل أن تقدم قريش وحلفاؤها من بني بكر على نقضه.
- ٢ -
نعما بعد الاستقرار الذي نعمت به المدينة عقب خضد شوكة الخصوم المجاورين اليهود وغطفان في نجد، لم تعد هناك من قوة معادية محاربة يخشاها المسلمون في جزيرة العرب كلها سوى قبيلتين عظيمتين لهما وزنهما المعنوى والحربى والسياسى أيضًا وهما:
١ - قبيلة قريش.
٢ - قبيلة هوازن.
стр. 2155
أما قريش أعظم قبائل الحجاز وأرفعها شأنًا في نظر العرب الوثنيين وعاصمتها مكة المكرمة وتستطيع أن تحشد من رجالها ومن حلفائها البكريين وبقية كنانة ستة آلاف مقاتل.
أما هوازن فهي من الناحية الحربية أعظم من قريش إذ تستطيع أن تحشد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل وهي قبيلة حجازية نجدية، إذ تمتد منازلها من حدود الحرم في الحجاز حتى حدود غطفان في نجد .. مما يدل على كثرة بطونها وأفخاذها.
وهي في أصلها قبيلة عدنانية، فهي وقريش من أصل واحد. ولكن هوازن لا تلتقى بقريش إلا في (مضر).
- ٣ -
كان الرسول ﷺ قد عقد صلحا مع قريش وحلفائها وجيرانها الكنانيين من بني بكر وهو صلح الحديبية التاريخي فأمن جانب قريش - فترة ما - ولكن قريشًا نقضت هذا الصلح بعد مضى ثلاثة وعشرين شهرًا فقط على عقده، مع أن مدته عشر سنوات.
وبهذا عادت الأحوال إلى ما كانت عليه من حيث قيام حالة الحرب بين المسلمين وقريش، وعودة القلق إلى صفوف المسلمين من أن تقدم قريش من جديد على أعمال عدوانية ضد المسلمين.
الأمر الذي جعل المعسكر الإِسلامي يعيد النظر في تقييم حساباته العسكرية من جديد، فيوجه اهتمامه - (بجدية وحذر) ناحية الجنوب حيث تقع مناطق العدو الرئيسى (قريش وهوازن).
- ٤ -
لقد كان محمد ﷺ بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا ملهما ومؤيدًا بتأييد الله تعالى .. كان قمة في السياسة العسكرية وبعد النظر وحسبان -
стр. 2156
النتائج قبل الإِقدام على العمل.
لقد كان أخشى ما يخشاه المسلمون - بعد أن نقضت قريش صبح الحديبية - أن تعقد الأخيرة مع (هوازن) حلفا عسكريا تواجهان به القبيلتان مجتمعتين الرسول ﷺ وأصحابه في معركة حاسمة .. ولو حدث ذلك للقى المسلمون متاعب وأخطار .. الله وحده يعلم بنتائجها. لأن القبيلتين تستطيعان حشد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل. بينما المسلمون لم يستطعوا (رغم التجنيد الإِجبارى) حشد أكثر من عشرة آلاف محارب.
إن النبي محمد ﷺ كقائد عسكرى مسئول قد قدر قوة كل من قريش وهوازن العسكرية وحسب حسابهما، وإن الصدام معهما مجتمعتين. أو كل واحدة على انفراد ليس بالأمر الهين.
وكان من أسس أخلاق الرسول ﷺ التي هي أخلاق الإِسلام في الحرب، أن يحسم أي نزاع مسلح بأقل خسارة ممكنة إلّا أنه لا يتردد في استخدام أقصى أساليب الفتك بالعدو في ساحة القتال إذا ما اضطر إلى ذلك كما حدث في بدر وحنين.
- ٥ -
ولعل من أنجح سياساته الحربية، وهو يضع خطة الغزو للسيطرة على مكة، أنه انتهج خطة الكتمان الشديد، فرغم أنه قد أعلن النفير العام وحشد عشرة آلاف من أصحابه فإنه كتم - حتى عن قادة الفرق فيهم - حقيقة الوجهة التي يقصد التحرك بهم نحوها، فلم يعرف جيشه (قادة وجنودًا) الجهة التي يقصدونها إلَّا بعد أن وصلوا على أربعة أميال من مكة المكرمة. كما أقفل الطرق المؤدية من المدينة إلى مكة والجنوب كله ومنع السفر كليا فأقام حراسًا يمنعون الناس من السفر ويعتقلون من يشكون في أمره. وكانت خطة الكتمان وعدم الإفصاح عن الجهة التي يريدها ﷺ تستهدف (والله أعلم) أمرين اثنين.
стр. 2157
١ - في الدرجة الأولى مباغتة أهل مكة، فلا يدرون إلا والجيش النبوي اللجب يحيط بهم على غير أهبة أو استعداد، فيسقط في أيديهم فينهارون، فتتم السيطرة لجيش الإسلام على العدو دونما أية خسارة تذكر في الأرواح بين الفريقين.
٢ - إدخال البلبلة على كل من العدوين الرئيسيين هوازن وغطفان (فيما إذا اكتشف أحدهما أو كلاهما التحرك بالجيش من المدينة) بحيث لا يدرون، أيهم، ولا أي من العرب مقصود بالغزو.
وهذا هو الذي حدث بالفعل فإن كلا من قريش وهوازن لم تعلم أن قريشًا المقصودة بالغزو إلا عندما أصبح الرسول ﷺ في ضواحي مكة. أما هوازن فلم تعلم إلا بعد أن وقعت مكة المكرمة تحت سيطرة الجيش الإِسلامي لأن جاسوس هوازن الذي بعثت به يرصد لها تحرك الجيش النبوي، وقع في قبضة طلائع استكشاف هذا الجيش وظل في قبضتهم حتى دخلوا مكة فعميت الأخبار عن هوازن إلى أن فتحت مكة المكرمة.
- ٦ -
وأخيرًا وقعت مكة في قبضة المسلحين وسيطر عليها الجيش الإِسلامي دونما أية خسارة في المعسكرين، اللهم إلا حوالي بضعة وعشرين رجلا قتلوا بدون رضا قادة الفريقين، وذلك عندما قام بعض المتطرفين من شباب قريش باعتراض قطعات خالد بن الوليد وشهروا السلاح في وجهها جنوبي مكة. ثم قضى خالد على تلك المقاومة في لحظة وجيزة. واستتب الأمر لجيش الإِسلام في مكة. فكان فتحها حدث اهتزت له جزيرة العرب ودهش له سكانها. لأنهم ما كانوا متوقعون أن مكة أعظم المعاقل الروحية للوثنية والشرك ستقع بمثل تلك السهولة في قبضة قوات التوحيد.
فما هي العوامل في هذا النصر الخاطف الذي حققه جيش الإِسلام. والذي ما كان (حتى المسلمون) يتوقعون حدوثه بذلك الشمول وتلك السرعة الخاطفة؟ .
стр. 2158
- ٧ -
يمكن إيجاز العوامل الرئيسية في هذا النصر بصورة مختصرة فيما يلي:
١ - العقيدة
٢ - المباغتة والتضليل.
٣ - تهاون قريش في الاستعداد والتنظيم للمقاومة.
٤ - تخلخل العقيدة الوثنية في نفوس الأكثرية من أهل مكة وعدم تحسسهم لبذل الأرواح في سبيلها.
٥ - بقاء قريش وحدها في ميدان معاداة المسلمين باستثناء قبائل هوازن التي رغم بقائها على الشرك لم تكن على وئام مع قريش.
"أ" أما بالنسبة للعقيدة، فإن قريشا لها عقيدتها، ولكنها عقيدة ضحلة فاسدة تقوم على أساس المصلحة الشخصية والزعامة الفردية. فسادات قريش. رغم تعصبهم لعقيدة الشرك يعرفون في قرارة أنفسهم أنها خرافة تافهة، ولكنها عقيدة موروثة مرتبط ببقائها بقاء زعاماتهم الشخصية. وعقيدة هذا شأنها، يكون المتشبثون بها أزهد الناس فيها عندما لم تعد قادرة على الحفاظ على مصالحهم الشخصية.
أما العقيدة عند المسلمين فهي التزام لا علاقة له بالمصلحة الشخصية حتى يكون التمسك بهذه العقيدة أو التراخى عنها تبعًا لبقاء أو زوال هذه المصلحة، بل أنها التزام يقوم عليه كيان المسلم المبنى على اعتقاد لا جدل فيه .. اعتقاد يقول "بجزم": إن سعادة المسلم في الدنيا وفلاحه في العالم الآخر لا سبيل إلى الظفر بهما إلا بالوفاء لهذه العقيدة وبذل أغلى ما لدى المسلم للوفاء لها والدفاع عنها. كما يقول: إن التهاون في نصر هذه العقيدة يعني تعاسة في الدنيا وشقاء في الآخرة.
لهذا شهد الصدر الأول في الإِسلام من التضحية والفداء والضراوة في القتال دفاعًا عن عقيدة الإِسلام، نماذج لم يسجل التاريخ مثلها منذ فجره.
في سبيل نصرة العقيدة قتل الابن أباه، وأبدى الأب استعداده لقتل
стр. 2159
ابنه (١)، وأبدت القلة المؤمنة من الثبات أمام الكثرة الكافرة الغامرة الساحقة ما أنزل بالأخيرة الهزائم الفاضحة المدمرة كما في -بدر وأحد وخيبر-، أو الاندحارات المخزية والفشل الذريع كما حدث في غزوة الأحزاب.
وكانت قريش أكثر العرب عرضة لتجربة معطيات العقيدة الإِسلامية في كل مجالات الصراع المسلح، لهذا كان من البدهى أن يسيطر الرعب المزلزل عليها في مكة بعد أن علمت أنها مطوقة بعشرة آلاف من المسلمين يرابطون على مشارف مكة فكان استسلامها أمرًا إلا مفر منه بسبب الأمور التي ذكرنا. إنها العقيدة العامل الرئيسى في إزالة فكرة المقاومة من أذهان أهل مكة. إنهم لا يزالون يذكرون - عندما كانوا أكثر عددًا وأقوى عدة يوم بدر - لا يزالون يذكرون تقرير رجل استخباراتهم "عمير بن وهب الجمحى" حين استكشف لهم قوات المسلمين في ذلك اليوم التاريخي. حين قال لهم: إن المسلمين ثلاث مائة وأنتم ألف، ولكننى رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع فلن يطال الموت أحدًا منهم حتى يقتل رجلًا منكم على أقل تقدير، أو كما قال (٢).
"ب" أما بالنسبة لخطة الكتمان والمباغتة - وهي من أهم عوامل الانتصارات منذ فجر التاريخ حتى اليوم - فقد نجح الرسول فيها نجاحا باهرا - وإلى أبعد الحدود.
فقريش - بسبب إحكام خطة الكتمان - لم تعلم شيئًا عن تحركات الجيش النبوي حتى بات على مرمى الحجر من مكة المكرمة، فكان ذلك من أهم عوامل التعجيل باستسلام قريش وقبولها بالاقتراح القائل: أن تكون مكة مدينة مفتوحة، يسيطر عليها جيش الإسلام دونما أي قتال أو مقاومة، وقد كان ذلك ونفذ بكل دقة من كلا الجانبين، ما عدا جهة قطعات الفرسان التي يقودها خالد بن الوليد، والتي لقيت من المشركين
стр. 2160
البكريين والقرشيين بعض المقاومة وقضى عليها في لمح البصر.
"ج" أما تهاون قريش في الإِعداد والتهيؤ لمواجهة المسلمين، فهو سر حير كثيرًا من خبراء الحرب والمهتمين بتتبع تاريخ الصراع بين الإِسلام والوثنية في العهد النبوي.
فقريش رغم فشلها في الحصول على معرفة ميعاد تحرك الجيش النبوي من المدينة لغزوها، فإنها على يقين بأن غزوها أمر لا بد منه كما صارحها بذلك قائد جيشها العام أبو سفيان بن حرب، وذلك تأديبًا لها على نقض الصلح الذي نقضته بغدرها بخزاعة حليف النبي ﷺ ولكنها لأسباب لا يدرى أحد معرفتها بالتحديد. لم تقم بأي حشد أو أي استعداد لمواجهة الغزو المحتمل بل الذي لم تشك لحظة في أنها ستتعرض له. بل ظل زعماؤها وقادتها يدورون في حلقة مفرغة حتى داهم الجيش النبوي ضواحي مكة بغته.
ولعل أكبر خطأ ارتكبته قريش في سياستها العسكرية - من الناحية التعبوية - وهي تواجه التعرض لغزو إسلامي، هو أنها لم تتصل بهوازن العدو القوى الجبارذى العدد والعدة، والذي يشاركها الرغبة الملحة العارمة في القضاء على المسلمين، والذي هو جار لها لا تفصله عن حدودها مرمى سهم.
فلم يذكر أحد من المؤرخين أن قريشا أجرت أيّ نوع من أنواع الإيصال بقبائل هوازن لإِقامة تحالف عسكرى تواجه به الجيش النبوي الذي تعرف قريش أن الصدام بينه وبينها ثم بينه وبين هوازن أمر محتم.
ولو أن قريشا فعك ذلك لتغير مجرى الصراع بين الفريقين .. ولكن قريشا لم تفعل شيئًا من ذلك، راجع إلى أن بين قريش وهوازن عداوات قبلية مستحكمة منذ حرب (الفجار الشهير) التي نشبت بين كنانة (ومنها قريش) وبين قيس عيلان ومنها (هوازن)
وعلى العموم فقد كفى الله المؤمنين شر القتال، وتمت على مكة للمسلمين دونما قتال يذكر، وذلك لخير أراده الله بالمسلمين وقريش على
стр. 2161
السواء.
إذ لم تمض عدة أشهر على فتح مكة حتى أصبح كل أهلها مسلمين مغتبطين سعداء باعتناقهم الدين الجديد. حتى ألد أعداء النبي ﷺ عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، واغتبطوا بدخولهم في الإسلام وصاروا سادة وقادة من سادة وقادة المسلمين. وتلك من أميز مميزات سماحة الإِسلام الذي (كما قال الصادق المصدوق ﷺ ) يَجُبُّ ما قبله.
أما هوازن الخصم الأعظم قوة والأشد شراسة في القتال والوحيد العنيد المتبقى على عدائه السافر العارم للإِسلام فلم تسلك مسلك قريش في التراخى في المواجهة، بل سارع قائدها مالك بن عوف وحشد عشرين ألف مقاتل. وقرر أن ينقل المعركة إلى مكة الإِخراج المسلمين منها والحلول في منصب قيادة العرب فيها محل قريش التي استسلمت للمسلمين دونما حرب، فتحركت فخائذ هوازن من أطراف نجد ومناطق الحجاز بجيش لجب في اتجاه مكة فسارع الرسول القائد ﷺ وخرج بجيشه من مكة لملاقاتها فاصطدم بها في وادي حنين، حيث دارت تلك المعركة التاريخية الطاحنة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والتي ستكون موضوع كتابنا التالي إن شاء الله وهو الكتاب التاسع من (معارك الإِسلام الفاصلة).
"د" أما تخلخل عقيدة الوثنية في نفوس القرشيين فذاك أمر قد بدا واضحًا منذ يوم صلح الحديبية الذي كان فيه أول المتأثرين بعقيدة الإِسلام ومعجبًا بفعاليتها في احتواء المسلمين وضبط سلوكهم وطيب سمعتهم وتحقيق وحدتهم الصحيحة المتكاملة والتعريض بالقرشيين وعقيدتهم الوثنية .. كان أول المتأثرين حليف قريش ورسوله إلى المسلمين عروة بن مسعود الثقفى (١) الذي قال لزعماء قريش في تقريره الذي قدمه لهم عن واقع المسلمين يوم أن زارهم (مندوبًا في الحديبية) .. "يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشى وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع
стр. 2162
فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلّا أن يشير إلى أمر فيفعل، وقد حزرت القوم واعلموا: إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما ما يبالون ما يصنع بهم إذا ما منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت (نُسيات) معه إن كن ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم (١) ".
وكذلك حويطب بن عبد العزى أحد أعضاء وفد قريش في مفاوضات صلح الحديبية التاريخي أدلى بتصريح يدل على التأثر البالغ بواقع المسلمين والتخلخل في ثقة المشركين بأنفسهم وعقيدتهم واقتناعهم بأن الغلبة في أي صراع قادم إنما ستكون "ولابد للعقيدة الإِسلامية".
فقد قال حويطب بن عبد العزى - وهو ينظر إلى المسلمين في الحديبية من خلال واقعهم المشرف - قال لزميله في وفد قريش، مكرز بن حفص .. "ما رأيت قومًا قط أشد حبًّا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض، أما أني أقول لك .. لا تأخذ من محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم، حتى يدخلها "يعني مكة" عنوة (٢). فقال مكرز: أنا أرى ذلك" (٣).
بل لقد تطور هذا التأثر بواقع المسلمين والإِعجاب بعقيدتهم "عقيدة التوحيد" إلى أن يحدث الانشقاق بين سادات مكة أنفسهم والصلح قائم قبل فتح مكة، فيدخل بعضهم طوعًا واختيارًا في الإِسلام ويذهب إلى المدينة ويلتحق بمعسكر الدين الجديد .. فيحدث بذلك خسفًا شديدًا في الأرضية المتداعية التي يقف عليه بنيان الوثنية في نفوس زعماء مكة قبل دهمائها.
هذا خالد بن الوليد قائد سلاح الفرسان القرشي، وعمرو بن العاص رجل قريش السياسي الذي لا يبارى، وعثمان بن طلحة قائد لواء قريش، كلهم يذهبون بأنفسهم إلى المدينة "قبل أن تقع مكة في قبضة الإِسلام"
стр. 2163
فيعلنون إسلامهم بين يدي الرسول ﷺ .
ولا أدل على تخلخل العقيدة الوثنية وشعور سادات مكة أنفسهم بقرب اضمحلال هذه العقيدة من التصريحات التي أدلى بها بعضهم عند الصفا، على أثر المشادة التي حدثت بين أبي سفيان بن حرب وبين خالد بن الوليد - عندما وقف خالد على الصفا يصارح قريشا بأن دين الإِسلام هو الحق.
فقد وقف خالد - بعد عمرة القضاء وقبل فتح مكة - وقف على الصفا ونادى "بشجاعة خالد المعروفة" .. "يا معشر قريش لقد استبان لكل ذي لب أن محمدًا ليس بساحر، ولا كذاب وأن كلامه من كلام رب العالمين فحق على كل ذي لب أن يتبعه" فغضب لذلك أبو سفيان وهجم على خالد مستنكرًا قوله فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل وخاطب أبا سفيان في لهجة تدل على الشعور بقرب نهاية الوثنية في مكة .. "دعه يا بن حرب فإني أخشى أن لا يأتي العام القادم إلا وقد فعلنا كلنا مثل فعل خالد أو كما قال" (١).
"هـ" أما بقاء قريش وحدها في ميدان مواجهة المسلمين، فهذا أمر كان قائمًا عندما تحرك النبي ﷺ بجيشه من المدينة، فكل قبائل الحجاز قد دخلت في الإِسلام تقريبًا، ولم يبق قبيلة لها وزنها الحربى (بعد قريش) سوى قبيلة هوازن ومنها ثقيف، ولكن قريشًا لم تستفد من موقف هوازن، حيث لم تجر معها أي اتصال لإجراء أيِّ تنسيق معها لمواجهة المسلمين. ولهذا تمكنت قوات الإِسلام، من إخضاع الواحدة بعد الأخرى على انفراد، حيث لم يمض على سيطرة المسلمين على مكة نصف شهر حتى اصطدمت قواتهم خارج مكة بعشرين ألفا من قوات هوازن في أحد وحنين، فنزلت بهوازن تلك الهزيمة الساحقة، ودخل سيد هوازن مالك بن عوف نفسه في الإِسلام، ثم دخلت ثقيف، وبذلك انتهت المقاومة الوثنية في جميع مناطق الحجاز.
(حقوق الطبع محفوظة)
(الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م)
عنيت بطبعه
دَار المَطْبَعَةُ السَّلَفِيَّة
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة - تليفون ٨٤٠٣٦٤
стр. 2167
غَزْوَةُ حُنَيْن
стр. 2168
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
بقلم معالى الشيخ إبراهيم العنقرى وزير الإعلام بالمملكة العربية السعودية
هذا هو الكتاب التاسع من سلسلة (معارك الإِسلام الفاصلة) التي دأب - مشكورًا - الأستاذ محمد أحمد باشميل على إصدارها منذ عدة سنوات.
وقد احتوى هذا الكتاب (وبأسلوب المؤلف المعروف) على دراسات رائعة، وتحليلات ثمينة دقيقة، يجدر بكل حريص على اكتشاف كنوز تاريخه الإسلامي أن يقرأها، ويقرأ دراسات وتحليلات المؤلف في بقية هذه السلسلة التاريخية القيمة .. وفي غزوة حنين دروس وعبر وعظات أجاد المؤلف أيما إجادة في عرضها وإبرازها أثناء دراسته وتحليله في كتابه هذا.
إن معركة حنين هي -من وجهة النظر العسكرية- أهم أكبر معركة يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم ﷺ ، فقد اشترك فيها من جانب العدو الوثنى عشرون ألف مقاتل، ومن جانب المسلمين اثنا عشر ألف مقاتل، وهو عدد لم يسبق وأن قذف الفريقان بمثله في معركة دامية طيلة العهد النبوي كله، كما أن معركة حنين هي آخر وخاتمة المعارك التي يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم ﷺ . كذلك كان انتصار المسلمين الحاسم في هذه المعركة آخر مسمار يدق في نعش الوثنية بجزيرة العرب حيث (بعد انهيار قوة هوازن وهي أقوى قوة ضارية في جزيرة العرب) لم تعد هناك أية قوة قادرة على مواجهة المسلمين.
стр. 2169
ولهذا لم يعد المسلمون - بعد حنين - بحاجة إلى تجريد قوات كثيفة لتوطيد دعاكم الإِسلام في الجزيرة - فما بقى للوثنية بعد حنين إنما هو جيوب صغيرة جرّد الرسول ﷺ على كل منها مفرزة صغيرة من أصحابه أنهت مقاومتها .. وغزوة تبوك الشهيرة التي قاد الرسول فيها بنفسه ثلاثين ألف مقاتل، إنما كانت لإرهاب الرومان الذين بلغه أنهم يحتشدون للإِغارة. على جزيرة العرب.
إن الجهد الذي يبذله الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل لإصدار هذه السلسلة التاريخية الثمينة (معارك الإسلام الفاصلة) جهد مشكور ينبغي أن يلقى حقه من التقدير والتشجيع.
إن الذي يتصفح هذا الكتاب وبقية الكتب من هذه السلسلة يدرك مدى الجهد المضنى الذي يبذله المؤلف لخدمة التاريخ الإسلامى، برفع الأتربة عن كنوز هذا التاريخ الذي يجب أن يهتم به ويقرأه - بتدبر وإمعان - شبابنا ليكون دليهم الهادي في طرق العزة والمجد والشرف والاستقامة.
فالتاريخ الإسلامى (وخاصة العهد النبوي) زاخر بروائع البطولات وأمثلة الفداء والنبل والشهامة، هذه الأمثلة التي عن طريقها دخل المسلمون التاريخ من أوسع أبوابه، وما أحوجنا نحن المسلمين والعرب خاصة (وخاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخنا) إلى الإلمام بهذه الأمثلة والروائع من تاريخ أسلافنا الأماجد كى تكون لنا القدوة النافعة الصالحة، وتبتعد بنا عن مزالق شعارات المبادئ الهدامة المستوردة التي أضرّت بنا في مسيرتنا أكثر مما أضر بنا سلاح العدو العسكري.
لقد سلك الأخ الأستاذ باشميل في تحليلاته ودراساته التاريخية في هذا الكتاب - وفي بقية الكتب من سلسلته - مسلكًا قل الذين يسلكونه اليوم.
فمما يغبط عليه هو تركيزه في هذه السلسلة على الدقة في الدراسة والتحليل وإحالة القارئ بعناية، إلى المصادر التاريخية الرئيسية الكبرى،
стр. 2170
التي لا يفتأ المؤلف يذكرها ويرشد القارئ إليها في كل مناسبة .. الأمر الذي يوحى للقارئ بالثقة بأنه حينما يقرأ للأستاذ باشميل كتابًا من هذه الكتب التسعة، إنما يقرأ مراجع تاريخية إسلامية هامة، لا قصصًا سطحية ينتهى أثرها بالانتهاء من قراءتها.
إذن (وهذه كلمة حق) فسلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي أجهد المؤلف نفسه في إصدارها، هي من أهم المراجع التاريخية الثمينة في العهد النبوي، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الجهد الذي يبذله المؤلف لتنسيق الأحداث التاريخية وربط بعضها ببعض ربطًا دقيقًا محكمًا، بأسلوب سهل ممتنع، بحيث يسهل على أي راغب في معرفة أية سرية أو حملة عسكرية أو حادثة سياسية أو تشريعية هامة في العهد النبوي، أن يجدها في هذه السلسلة، وهذ أمر فيه خدمة كبيرة لطلاب الدراسات العليا في الجامعات والمدارس.
ثم إن ما يمتاز به هذا الكتاب التاسع وكل كتب المؤلف من هذه السلسلة هو أن المؤلف لا يقتصر في دراساته وتحليلاته على حيز المعركة أو الغزوة التي يجعلها العنوان الرئيسي للكتاب (كغزوة حنين هذه) وإنما يقدم أثناء ذلك للقارئ - وبمنتهى الدقة والصبر - عرضًا شيقًا للأحداث الدسكرية والسياسية والتشريعية المهمة التي سبقت المعركة الرئيسية أو واكبتها.
ففي كتبه التسعة من هذه السلسلة أتى بالتفصيل على ذكر جميع السرايا والحملات الحربية الثانوية والأحداث السياسية وغيرها من الأحداث الهامة، التي تحدث بين المعركة الرئيسية التي تكون عنوانًا لكتابة، وبين المعركة التي تكون عنوانًا للكتاب الذي يليه، كالأحداث والسرايا والبعوث التي حدثت (مثلًا) ما بين غزوة بدر وغزوة أحد، وهذا هو دائما نهج المؤلف في حميع مؤلفاته التسعة من هذه السلسلة.
إذن يمكن أن يطلق (عن جدارة) على هذه السلسلة القيمة اسم
стр. 2171
الموسوعة الكبرى في تاريخ العهد النبوي، وخاصة إذا اكتملت بالكتاب العاشر (غزوة تبوك) الذي شرع المؤلف في تأليفه.
وبعد فإق إذ أزجى شكرى الخالص العميق للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على هذا الجهد الكبير الذي يبذله لخدمة التاريخ الإسلامى بمثابرته (وبصبر كبير) على إصدار هذه السلسلة، أدعو شبابنا المسلم - وخاصة الطلاب منهم - إلى الاهتمام بكنوز تاريخنا الإسلامي المشرق، التي سيجدون منها ما يشفى غليلهم وينير لهم الطريق - في هذه السلسلة، أو الموسوعة السهلة المبسطة، التي قطع المؤلف شوطًا كبيرًا في إكمالها، كما أننى أدعو من صميم قلبى للأخ المؤلف ببالغ التوفيق، وأن يجعل الله تعالى ثوابه جزيلًا على هذا الجهد الكبر.
وزير الإعلام
إبراهيم العنقرى
الرياض .. المملكة العربية السعودية
٢٠/ ٤ / ١٣٩٣ هـ
стр. 2172
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة المؤلف
-١ -
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وصل اللهم على نبيك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد فهذا أيها القارئ الكريم كتابنا التاسع (غزوة حنين) من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة التي استخرنا الله تعالى في إصدارها.
فنسأل الله أن يمدنا بعونه وتوفيقه، وأن يجعلنا ممن يخلصون له في القول والعمل، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائه إنه سميع مجيب.
ونأمل من كل قارئ لهذا الكتاب، أو لأى كتاب آخر من هذه السلسلة أن يرشدنا إلى أي خطأ أيا كان في أيّ من هذه السلسلة لنسارع إلى إصلاحه، فكل بني آدم خطّاءون، وهدفنا إنما هو خدمة التاريخ الإسلامي.
-٢ -
إن في معركة حنين دروسًا وعبرًا ومواعظ، أهمها أن القوة العسكرية وحدها لا تكفى لتحقيق الانتصار، وأن المبالغة في الاعتماد على القوى المادية العسكرية إلى حد الغرور هي - دائمًا وأبدًا - مصدر النكبات.
стр. 2173
فالغرور بالقوة العسكرية يؤدى إلى الاستهانة بالعدو، والاستهانة بالعدو تشيع اللامبالاة والاسترخاء بين عناصر الجيش المغرور، الأمر الذي يتيع لعدوه أكثر من فرصة قد تؤدى إلى تدميره رغم كثرته وحسن تسليحه.
-٣ -
ولقد أدّب الله المسلمين في معركة حنين .. بسبب إعجابهم بقوتهم، فنزلت بهم الهزيمة المروعة في المرحلة الأولى من المعركة، وذلك لكى يشعروا أن السلاح الذي يكفل لهم النصر، إنما هو - في الدرجة الأولى - قوة الإيمان بالله تعالى لا القوة العسكرية المجردة، وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم بقوله ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١) الآية.
وتاريخ المسلمين - في عهودهم المشرقة - زاخر بالشواهد والأدلة على أن ما حققوه من أمجاد رائعة رغم قلتهم وكثرة أعدائهم - إنما سببه في الدرجة الأولى - إيمانهم بالله تعالى واتباعهم الإِسلام اعتقادًا وقولًا وسلوكًا.
فعلى أجيالنا التي تتوق إلى العزة والسؤدد أن تحذو حذو أولئك الأبرار من أسلافنا في التمسك بالإِسلام قولًا وعملًا، وإلا فإن من طلب العزة من المسلمين بغير الإِسلام أذله الله .. نسأل الله تعالى أن يعيد أتباع محمد ﷺ إلى جادة الصواب ليستعيدوا عزهم الضائع ومجدهم المفقود.
المؤلف
جدة - المملكة العربية السعودية
١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م
стр. 2174
الفصل الأول مجمل الأحداث بين فتح مكة وغزوة حنين
بعد أن تمت السيطرة للمسلمين على مكة (وهي أهم وأعظم معقل للوثنية) بدا واضحًا وكأن نجم الوثنية (لا في الحجاز وحده، بل في الجزيرة العربية كلها) يسرع نحو الأفول. وأن أمر انهيار الوثنية في الجزيرة كلها إنما هو مسألة وقت فقط.
لأن مكة (سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو المعنوية أو الروحية) محط أنظار الوثيين على اختلاف ميولهم ومشاربهم.
وبعد انهيار الوثنية شرقي المدينة وبعد انتهاء الوجود اليهودى في خيبر الذي كان أعظم خطر (من الناحية البشرية والسياسية والمالية) يهدد الوجود الإِسلامي .. بعد حدوث ذلك لصالح الإِسلام والمسلمين. لم يبق من يخشاه المسلمون ويحسبون له الحساب الدقيق، وله وزنه الثقيل في نظرهم سوى قوتين عظيمتين اثنتين (قريش في مكة وهوازن في بواديها الشاسعة الواسعة الممتدة من حدود الحرم في الحجاز حتى أطراف نجد في الشرق والشمال).
أما قريش العدو الرئيسى الأكثر تنظيمًا والأخطر عداوة للإسلام والمسلمين فقد تحطم وجوده وزال خطره بوقوع عاصمته مكة في أيدى قوات التوحيد في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة (١)، ولم يبق من يخشاه المسلمون خشية حقيقية سوى قبائل هوازن ذات القوة الحربية الشديدة والعدد الهائل حيث كان باستطاعتها أن تحشد أكثر من عشرين ألف مقاتل، هو ما فعلته حين زحفت بهذه القوة صوب مكة فالتقى بها المسلمون في أوطاس (وادي حنين)
стр. 2175
فدارت بين الفريقين تلك المعركة التاريخية الحاسمة التي هي موضوع دراستنا الرئيسية في هذا الكتاب.
جيوب المقاومة حول مكة قبل هوازن
غير أنه رغم زوال سلطان قريش (الأم الكبرى للوثنية) فقد بقيت حوالي مكة (غير هوازن) جيوب مقاومة للوثنية من العرب .. رأى النبي ﷺ أن ينهى مقاومتها ويخضعها لسلطان التوحيد قبل أن يدخل في المعركة الفاصلة مع قبائل هوازن.
فبعد أن استتب الأمر للمسلمين وتمت لهم السيطرة الكاملة على مكة المكرمة. بعث الرسول ﷺ بعدة وحدات من جيشه من مكة، للعمل على إزالة أي أثر من آثار الوثنية في المنطقة. فقامت هذه الوحدات بهدم كل ما تبقى من أصنام في تلك المناطق الواقعة في الجنوب والجنوب الشرقي من مكة المكرمة.
فهدمت وحدات الجيش الإِسلامي صنم (مَناة) وصنم (العُزَّى) وهما من أعظم الأصنام التاريخية المعظمة عند العرب، واللذين جاء ذكرهما في القرآن الكريم، كما هدمت غيرهما من الأصنام التي هي المظهر الرئيسى للوثنية.
والعمليات الحربية التي قام بها الجيش الإسلامي من مكة (قبل معركة حنين) هي خمس عمليات عسكرية. وهي:
- ١ -
سرية المشلل (١) عام ثمان للهجرة
وهي دورية قتال قام بها من مكة سعد بن زيد الأشهلى لهدم صنم مَنَاة بالمشلل فقام بهدم الصنم ذكر ذلك الواقدي في مغازيه. إلا أنه لم يذكر أية تفاصيل عن كيفية هدم الصنم كيف كان موقف عبَّده. هل حدثت منهم مقاومة أم لا؟ .