الموسوعة الكبرى في تاريخ العهد النبوي، وخاصة إذا اكتملت بالكتاب العاشر (غزوة تبوك) الذي شرع المؤلف في تأليفه.
وبعد فإق إذ أزجى شكرى الخالص العميق للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على هذا الجهد الكبير الذي يبذله لخدمة التاريخ الإسلامى بمثابرته (وبصبر كبير) على إصدار هذه السلسلة، أدعو شبابنا المسلم - وخاصة الطلاب منهم - إلى الاهتمام بكنوز تاريخنا الإسلامي المشرق، التي سيجدون منها ما يشفى غليلهم وينير لهم الطريق - في هذه السلسلة، أو الموسوعة السهلة المبسطة، التي قطع المؤلف شوطًا كبيرًا في إكمالها، كما أننى أدعو من صميم قلبى للأخ المؤلف ببالغ التوفيق، وأن يجعل الله تعالى ثوابه جزيلًا على هذا الجهد الكبر.
وزير الإعلام
إبراهيم العنقرى
الرياض .. المملكة العربية السعودية
٢٠/ ٤ / ١٣٩٣ هـ
стр. 2172
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة المؤلف
-١ -
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وصل اللهم على نبيك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد فهذا أيها القارئ الكريم كتابنا التاسع (غزوة حنين) من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة التي استخرنا الله تعالى في إصدارها.
فنسأل الله أن يمدنا بعونه وتوفيقه، وأن يجعلنا ممن يخلصون له في القول والعمل، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائه إنه سميع مجيب.
ونأمل من كل قارئ لهذا الكتاب، أو لأى كتاب آخر من هذه السلسلة أن يرشدنا إلى أي خطأ أيا كان في أيّ من هذه السلسلة لنسارع إلى إصلاحه، فكل بني آدم خطّاءون، وهدفنا إنما هو خدمة التاريخ الإسلامي.
-٢ -
إن في معركة حنين دروسًا وعبرًا ومواعظ، أهمها أن القوة العسكرية وحدها لا تكفى لتحقيق الانتصار، وأن المبالغة في الاعتماد على القوى المادية العسكرية إلى حد الغرور هي - دائمًا وأبدًا - مصدر النكبات.
стр. 2173
فالغرور بالقوة العسكرية يؤدى إلى الاستهانة بالعدو، والاستهانة بالعدو تشيع اللامبالاة والاسترخاء بين عناصر الجيش المغرور، الأمر الذي يتيع لعدوه أكثر من فرصة قد تؤدى إلى تدميره رغم كثرته وحسن تسليحه.
-٣ -
ولقد أدّب الله المسلمين في معركة حنين .. بسبب إعجابهم بقوتهم، فنزلت بهم الهزيمة المروعة في المرحلة الأولى من المعركة، وذلك لكى يشعروا أن السلاح الذي يكفل لهم النصر، إنما هو - في الدرجة الأولى - قوة الإيمان بالله تعالى لا القوة العسكرية المجردة، وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم بقوله ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١) الآية.
وتاريخ المسلمين - في عهودهم المشرقة - زاخر بالشواهد والأدلة على أن ما حققوه من أمجاد رائعة رغم قلتهم وكثرة أعدائهم - إنما سببه في الدرجة الأولى - إيمانهم بالله تعالى واتباعهم الإِسلام اعتقادًا وقولًا وسلوكًا.
فعلى أجيالنا التي تتوق إلى العزة والسؤدد أن تحذو حذو أولئك الأبرار من أسلافنا في التمسك بالإِسلام قولًا وعملًا، وإلا فإن من طلب العزة من المسلمين بغير الإِسلام أذله الله .. نسأل الله تعالى أن يعيد أتباع محمد ﷺ إلى جادة الصواب ليستعيدوا عزهم الضائع ومجدهم المفقود.
المؤلف
جدة - المملكة العربية السعودية
١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م
стр. 2174
الفصل الأول مجمل الأحداث بين فتح مكة وغزوة حنين
بعد أن تمت السيطرة للمسلمين على مكة (وهي أهم وأعظم معقل للوثنية) بدا واضحًا وكأن نجم الوثنية (لا في الحجاز وحده، بل في الجزيرة العربية كلها) يسرع نحو الأفول. وأن أمر انهيار الوثنية في الجزيرة كلها إنما هو مسألة وقت فقط.
لأن مكة (سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو المعنوية أو الروحية) محط أنظار الوثيين على اختلاف ميولهم ومشاربهم.
وبعد انهيار الوثنية شرقي المدينة وبعد انتهاء الوجود اليهودى في خيبر الذي كان أعظم خطر (من الناحية البشرية والسياسية والمالية) يهدد الوجود الإِسلامي .. بعد حدوث ذلك لصالح الإِسلام والمسلمين. لم يبق من يخشاه المسلمون ويحسبون له الحساب الدقيق، وله وزنه الثقيل في نظرهم سوى قوتين عظيمتين اثنتين (قريش في مكة وهوازن في بواديها الشاسعة الواسعة الممتدة من حدود الحرم في الحجاز حتى أطراف نجد في الشرق والشمال).
أما قريش العدو الرئيسى الأكثر تنظيمًا والأخطر عداوة للإسلام والمسلمين فقد تحطم وجوده وزال خطره بوقوع عاصمته مكة في أيدى قوات التوحيد في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة (١)، ولم يبق من يخشاه المسلمون خشية حقيقية سوى قبائل هوازن ذات القوة الحربية الشديدة والعدد الهائل حيث كان باستطاعتها أن تحشد أكثر من عشرين ألف مقاتل، هو ما فعلته حين زحفت بهذه القوة صوب مكة فالتقى بها المسلمون في أوطاس (وادي حنين)
стр. 2175
فدارت بين الفريقين تلك المعركة التاريخية الحاسمة التي هي موضوع دراستنا الرئيسية في هذا الكتاب.
جيوب المقاومة حول مكة قبل هوازن
غير أنه رغم زوال سلطان قريش (الأم الكبرى للوثنية) فقد بقيت حوالي مكة (غير هوازن) جيوب مقاومة للوثنية من العرب .. رأى النبي ﷺ أن ينهى مقاومتها ويخضعها لسلطان التوحيد قبل أن يدخل في المعركة الفاصلة مع قبائل هوازن.
فبعد أن استتب الأمر للمسلمين وتمت لهم السيطرة الكاملة على مكة المكرمة. بعث الرسول ﷺ بعدة وحدات من جيشه من مكة، للعمل على إزالة أي أثر من آثار الوثنية في المنطقة. فقامت هذه الوحدات بهدم كل ما تبقى من أصنام في تلك المناطق الواقعة في الجنوب والجنوب الشرقي من مكة المكرمة.
فهدمت وحدات الجيش الإِسلامي صنم (مَناة) وصنم (العُزَّى) وهما من أعظم الأصنام التاريخية المعظمة عند العرب، واللذين جاء ذكرهما في القرآن الكريم، كما هدمت غيرهما من الأصنام التي هي المظهر الرئيسى للوثنية.
والعمليات الحربية التي قام بها الجيش الإسلامي من مكة (قبل معركة حنين) هي خمس عمليات عسكرية. وهي:
- ١ -
سرية المشلل (١) عام ثمان للهجرة
وهي دورية قتال قام بها من مكة سعد بن زيد الأشهلى لهدم صنم مَنَاة بالمشلل فقام بهدم الصنم ذكر ذلك الواقدي في مغازيه. إلا أنه لم يذكر أية تفاصيل عن كيفية هدم الصنم كيف كان موقف عبَّده. هل حدثت منهم مقاومة أم لا؟ .
стр. 2176
فكل ما قاله الواقدي: وبعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلى إلى مناة بالمشلل فهدمه. ومناة من أقدم الأصنام التي كان العرب يعبدونها، فهي أقدم من العزى وسائر الأصنام كلها. قال الكلبى في كتابه الأصنام: ومناة أقدم أصنام العرب، وكانت العرب تسمى عبد مناة، وزيد مناة، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة، وما قارب من الموضع يعظمونه ويذبحون به ويهدون له.
وكان أولاد معدّ على بقية من دين إسماعيل ﵇ وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه، ولم يكن أحد أشدّ تعظيمًا له (أي مناة) من الأوس والخزرج.
وقال الكلبى: كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ بأخذهم من عرب أهل يثرب وغيرها، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا، أتوا (مَناة) فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك، فَلإعظام الأوس والخزرج (لمنَاة) يقول عبد العزّى بن وديعة المزني أو غيره من العرب.
إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج
وكانت العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا .. الخزرج، فلذلك يقول .. (عند محل آل الخزرج).
ومناة هذه ذكرها الله فقال ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: كانت لهذيل وخزاعة (١).
ويخالف الكلبى الإمام الواقدي. فيذكر أن الذي تولى هدم (مناة) هو الإمام علي بن أبي طالب فيقول: وكانت قريش وجميع العرب تعظمه (أي مناة)، فلم يزل على ذلك حتى خرج رسول الله ﷺ من المدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو عام فتح الله عليه، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس
стр. 2177
ليال بعث عليًّا إليها فهدمها وأخذ ما كان لها، فأقبل به إلى النبي ﷺ ، فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما لها. أحدها يسمى مخذمًا، والآخر رسوبًا، وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في شعره فقال:
مظاهر سربالى حديد عليهما ... عقيلا سيوف مخذم ورسوب
فوهبهما النبي ﷺ لعلي، فيقال: إن ذا الفقار سيف على أحدهما. ويقال: إن عليًّا وجد هذين السيفين في الفلس وهو صنم طئ حيث بعثه النبي ﷺ فهدمه. (١)
- ٢ -
حملة هدم العزى ٢٥ رمضان سنة ثمان للهجرة .
قامت بها دورية قتال مكونة من ثلاثين فارسا قام بقيادتهم خالد بن الوليد الذي كلفه الرسول ﷺ بهدم العزّى (وهي أعظم الأصنام عند قريش).
وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن خالد بن الوليد ذهب بفرسانه إلى العزّى (وهي مقامة بأحد روافد وادي نخلة المسمى اليوم بوادى اليمانية) فهدمها.
قال الواقدي: قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رمضان فبث السرايا في كل وجه، أمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإِسلام فخرج هشام بن العاص إلى يلملم وبعث خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قِبَل عُرنَة (٢).
وبعث خالد بن الوليد إلى العزّى يهدمها، وقال ابن إسحاق: كانت بنخلة، كانت بيتًا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها من بني شيبان (٣) من بني سليم (٤).
стр. 2178
فلما سمع صاحبها (أي سادنها) السلمي بمسير خالد إلها، وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:
أيا عزّ شدى شدة لا شوى لها ... على خالد ألقى القناع وشمرى
أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدًا ... فبوئى بإثم عاجل أو تنصرّى (١)
فلما انتهى إليها خالد هدمها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ (٢).
وفي رواية بعض المؤرخين، أن خالدًا لما هدم العزى ورجع إلى النبي ﷺ قال له: هدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : هل رأيت شيئًا ما؟ قال: لا. قال: فارجع فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد وهو متغيظ، فلما انتهى إليها جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة، ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها. قال خالد وأخذنى اقشعرار في ظهرى فجعل يصيح:
أيا عزّ شدى شدة لا تكذبى ... على خالد ألقى القناع وشمرى
أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدا ... فبوئى بذنب عاجل أو تنصّرى
فأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول:
يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني وجدت الله قد أهانك
فضربها بالسيف فجزلها (٣) باثنين ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادك أبدًا ثم قال خالد، أي رسول الله، الحمد لله الذي أكرمنا وأنقذنا من الهلكة. إني كنت أرى أبي يأتي إلى العزى بحتره (٤). مائة من الإبل والغنم فينبها للعزى ويقيم عندها ثلاثًا ثم ينصرف إلينا مسرورًا. فنظرت إلى ما مات عليه أبي وذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله، كيف خدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع. فقال رسول الله ﷺ إن هذا الأمر إلى الله، فمن يسّره للهدى تيسر، ومن يسره للضلالة كان فيها. وكان هدم العزى
стр. 2179
لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان (للهجرة).
وكان سادنها أفلح بن نُضر الشيبانى من بني سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه وهو حزين، فقال له أبو لهب: ما لي أراك حزينًا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى من بعدى. قال أبو لهب: فلا تحزن، فأنا أقوم علها بعدك. فجعل كل من لقى قال: إن تظهر العزى كنت قد اتخذت يدًا عندها بقيامى علها، وأن يظهر محمد على العزى - ولا أراه يظهر - فابن أخي.
فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ويقال: إنه قال هذا في اللات (١).
تاريخ العزي
يدل سياق المختصين بتاريخ الأصنام ونشوء الوثنية في جزيرة العرب أن الصنم (مناة) أقدم وجودًا من الصنم (العزى). وأن العزى إنما اتخذتها قريش وغيرها من العرب إلهًا من دون الله، بعد اللات ومناة، فقد ذكر الكلبى في كتابه (الأصنام) أن العزّى أحدث من اللات ومناة، وعلل ذلك بقوله: إننى سمعت العرب سمَّت بهما قبل (العزى)، فوجدت تميم بن مر سمى ابنه (زيد مناة) بن تميم بن مر بن أن بن طابخة، وعبد مناة بن أد، وباسم (اللات) سمى ثعلبة بن عكابة ابنه (تيم اللات) .. وتيم اللات بن رفيدة بن ثور .. و (زيد اللات) بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أن بن طابخة .. و (تيم اللات) بن افر بن قاسط و (عبد العزى) بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم فهي (أي العزى) أحدث من الأوليين.
أول من تسمى باسم العزّى من العرب:
وكان عبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب .. وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن سعد.
كانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض بإزاء العُمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال فبنى علها
стр. 2180
(يريد بيتًا)، وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمى بها عبد العزى، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح (١).
وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول.
واللات والعزى ... ومناة الثالثة الأخرى
فإنهن الغرانيق العلى ... وإنَّ شفاعتهن لترتجى
وكانوا يقولون .. بنات الله عن ذلك) وهن يشفعن إليه. فلما بعث الله رسوله أنزل عليه ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢).
وكانت قريش قد حمت للعزى شعبًا من وادي حراض يقال له سقام. يضاهون به حرم مكة، فذلك قول أبي جندب الهذلى ثم القردى في امرأة كان يهواها فذكر حلفها له بالعزى:
لقد حلفت جهدًا يمينًا غليظة ... بفرع الذي أحمت فروع سقام
لئن أنت لم ترسل ثيابى فانطلق ... أباديك أخرى عيشنا بكلام
يعز عليه صَرم أم حويرث ... فأمسى يروم الأمر كل مرام
ولها يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني وبيت العزى السعيدة ... والله الذي دون بيته سرف
وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها يقال له الغُبَغُب.
فله يقول الهذلى وهو يهجو رجلًا تزوج امرأة جميلة يقال لها أسماء:
لقد أنكحت أسماء الحى بُقَيرة ... من الأدم أهداها امرؤ من بني غَنم
رأى قذعًا في عينها إذ يسوقها ... إلى غبغب العزّى فوضع في القسم
стр. 2181
فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها. فلغبغب، يقول نهيكة الفزاري العامر بن الطفيل:
يا عام لو قدرت عليك رماحنا ... والرقصات إلى منى فالغبغب
لتقيت بالجعّاء طعنة فاتك ... مُران أو لثويت غير محسب
وله يقول قيس بن منقذ بن عبيد بن ضاطر بن حبشية بن سلول الخزاعي (ولدته امرأة من بني حداد من كنانة) وهو قيس بن الحدادية الخزاعي:
تلينا ببيت الله أول حلفة ... وإلا فأنصاب يسُرنَ بغبغب
وكانت قريش تخصها بالإِعظام .. فلذلك يقول زيدين بن عمر بن نفيل. وكان قد تأله في الجاهلية وترك عبادتها وعبادة غيرها من الأصنام:
تركت اللات والمعزى جميعًا ... كذلك يفعل الجلدُ الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمى بني غنم أزور ..
ولا هُبلًا أزور وكان ربًا ... لنا في الدهر إذ حلمى صغير
وكان سدنةُ العزّى بنو شيبان بن جابر بن مرة بن عبس رفاعة بن الحارث بن عتبة بن سليم بن منصور من بني سليم، وكان آخر بن سدنها منهم دبية بن حرمى السلمي، وله يقول أبو خراش الهذلى - وكان قدم عليه فحذاه نعلين جيدتين فقال:
حذانى بعدما خذمت نعالى ... دبيّة إنه نعم الخليل
مقابلتين من صلوى مشبّ ... من الثيران وصلهما جميل
فنعم معرِّس الأضياف ... تذحى رحالهم شآمية بليل
يقاتل جوعهم بمكللات ... من الفرنى يرعبها الجميل
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه ﷺ فعابها وغيرها من الأصنام، ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها.
فاشتد ذلك على قريش، ومرض أبو أحيحة (وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف) مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لهب يعوده، فوجده يبكى. فقال: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكى ولابد منه؟ قال: لا. ولكنى أخاف ألا تعبد العزى بعدى. قال أبو لهب: والله ما عبدت في حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك فقال أبو
стр. 2182
أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة، وأعجبه شدة نصبه في عبادتها.
قالوا: فلما كان عام الفتح دعا النبي ﷺ خالد بن الوليد فقال: انطلق إلى شجرة ببطن نخلة فاعضدها، فانطلق فأخذ دُبية فقتله، وكان سادنها، فقال أبو خراش الهذلى في دُبية يرثيه:
ما لدُبيّة منذ اليوم لم أره ... وسط الشروط ولم يلمم ولم يطف (١)
لو كان حيًّا لغاداهم بمترعة ... من الرواويق من شيزى بني الهطف (٢)
ضخم الرماد عظيم القدر جفنته ... حين الشتاء كحوض المنهل اللقف (٣)
أمسى سقام خلاء لا أنيس به ... إلا السباع ومَر الريح بالغرف
قالوا: وكان سعيد بن العاص أبو أحيحة يعتمّ بمكة، فإذا اعتم لم يعتم أحد بلون عمامته.
وعن ابن عباس. قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث مرات ببطن نخلة.
ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامهم العزى. فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش العزى. وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين، كلهم كان معظمًا لها (أي العزى).
ولم يكونوا يرون في الخمسة الأصنام التي دفعها عمرو بن لحيٍّ وهي التي ذكرها الله تعالى في القرآن المجيد حيث قال: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ كرأيهم في هذه ولا قريبًا من ذلك (٤)
стр. 2183
- ٣ -
حملة يلملم أواخر شهر رمضان سنة ثمان للهجرة:
وهي دورية قتال مكونة من مائتى مقاتل بعث بهم النبي ﷺ بقيادة هشام بن العاص لمقاتلة من تبقى على الوثنية في منطقة يلملم الواقعة جنوب شرقي مكة المكرمة والواقعة بين مكة والطائف، وعلى مسافة ليلتين من الطائف للماشى.
ويلملم هو ميقات أهل اليمن للحج، وفيه مسجد معاذ بن جبل. وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين. وقيل، هو واد، قال فيه الشاعر أبو دهبل:
فما نام من راع ولا ارتد سامر ... من الحى حتى جاوزت بي يلملما (١)
ولم أر فيما بين يدي من مصادر إلى أية قبيلة في يلملم قصدت ذلك الحمنة العسكرية التي جردها الرسول ﷺ بقيادة هشام بن العاص. كما أنه لم يبلغنا هل دار قتال في هذه الغزوة أم لا.
وكل ما حصلنا عليه هو قول الواقدي: "فبعث رسول الله ﷺ السرايا في كل وجه وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام، فخرج هشام بن العاص في مائتين قبل يلملم" (٢).
ولكن من المرجح أن تكون حملة هشام بن العاص هذه وجهت إلى حي من هوازن، لأن قبائل كل تلك المنطقة الواقعة حول الطائف كلهم من هوازن أو حلفاء ثقيف، وهم بطن من هوازن.
стр. 2184
- ٤ -
حملة عُرنَة: أواخر رمضان سنة ثمان للهجرة:
وعرنة هو الوادي المشهور اليوم بحذاء عرفات، وليس منها، وفي هذا الوادي ألقى الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى عرفات - خطبته المشهورة بخطبة حجة الوداع.
وكان سكان عرنة عند ظهور الإسلام بطنا من هُذيل، شديدى العداوة لرسول الله ﷺ فكانوا في السنة الرابعة من الهجرة قد حشدوا جيشًا في عرنة يقصدون به غزو النبي ﷺ في المدينة.
إلا أن النبي ﷺ أرسل أحد الفدائيين من أصحابه وهو عبد الله بن أنيس الجهني، ففتك (في عرنة) بقائد الجيش خالد بن سفيان الهذلى. ففشل غزو هذيل إذ ألغوا مخطط الغزو بعد مصرع قائدهم (١).
أما القوة التي تحركت من مكة إلى عرنة في السنة الثامنة من الهجرة عقيب الفتح فقد كانت مكونة من ثلاثمائة مقاتل، أعطى النبي ﷺ قيادتهم لخالد بن سعيد بن العاص (٢)، لإنهاء الوجود الوثنى في عرنة، غير أن أحدًا من المؤرخين كذلك (فيما وصل إلى علمنا) لم يعط أية تفاصيل عن عمليات القوة العسكرية التي قادها خالد بن سعيد بن العاص إلى عرنة .. إلا أنه مما لا جدال فيه أنها موجهة إلى قبيلة هذيل التي بقى الكثير منهم على الوثنية عقب فتح مكة، والتي موطنها (عرنة) التي وجهت إليها الحملة.
- ٥ -
غزوة بني جذيمة (٣)، أواخر شهر رمضان سنة ثمان للهجرة:
ومن أهم الأحداث العسكرية التي حدثت بعد فتح مكة وقبل غزوة
стр. 2185
حنين. تلك الوقعة التي أوقع فيها خالد بن الوليد ببنى جذيمة، وتعرض فيها للوم من رسول الله ﷺ بسبب خطأ وقع فيه لم يكن عن سوء نية منه. حيث قتل مجموعة من بني جذيمة وهم مسلمون ظنًّا منه أنهم لا يزالون مشركين.
وتفصيل ذلك أن النبي ﷺ كلف خالدًا بن الوليد قائد الفرقة الرابعة التي تولت الزحف على مكة من جنوبيها كلفه بالتوجه إلى ديار بني جذيمة داعيًا إلى الإِسلام، ولم يبعثه مقاتلًا (١).
فقد ذكر المؤرخون أن النبي ﷺ عقد لخالد بن الوليد لواء القيادة على ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المجاهدين والأنصار وبنى سليم. وبعثه من مكة إلى بني جذيمة أسفل مكة.
وكان خالد (كقائد عسكرى حازم) معروفًا بسرعة اتخاذ القرارات وسرعة تنفيذها .. ونتيجة ذلك تسرع في أمور (مجتهدًا) فارتكب أعمالًا تبرأ منها الرسول ﷺ وغضب لها على خالد، وذلك أنه (باجتهاد منه) أمر رجاله بأت يعدموا بعض الأسرى من بني جذيمة الذين اتضح أنهم مسلمون وليسوا مشركين. ولكن الرسول ﷺ عقب التحقيق الذي أجراه مع خالد ﵁ بعد أن استغفر له ثم دفع ديات القتلى من بني جذيمة. لأنهم مسلمون ولأن قتلهم كان عن طريق الخطأ في الاجتهاد من القائد المسؤول خالد بن الوليد.
قال الواقدي: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى إلى رسول الله ﷺ وهو مقيم بمكة، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني جذيمة، وبعثه داعيًا لهم إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلًا فخرج في المسلمين من المجاهدين والأنصار وبنى سليم، فكانوا ثلاثمائة وخمسين رجلًا، فانتهى إليهم بأسفل مكة، فقيل لبنى جذيمة هذا خالد بن الوليد معه المسلمون. قالوا: ونحن قوم مسلمون، قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد وأذنا فيها. فانتهى إليهم خالد وقال:
стр. 2186
الإِسلام. فقالوا: نحن مسلمون. قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم. فأخذنا السلاح لكى ندفع عن أنفسنا من خالف دين الإِسلام. قال: فضعوا السلاح فقال لهم رجل منهم يقال له جحدم: يا بني جذيمة، إنه والله خالد وما يطلب محمد من أحد أكثر من أن يقر بالإِسلام، ومخن مقرون بالإسلام، وهو خالد لا يريد بنا ما يراد بالمسلمين، وأنه ما يقدر مع السلاح إلا الإِسار، ثم بعد الإِسار السيف .. قالوا نذكرك الله، تسومنا. فأبى يلقى سيفه حتى كلموه جميعًا، فألقى سيفه وقالوا: إنا مسلمون والناس قد أسلموا، وفتح محمد مكة، فما نخاف من خالد؟ فقال: أما والله ليأخدنكم بما تعلمون من الأحقاد القديمة. فوضع القوم السلاح، ثم قال لهم خالد: استأسروا. فقال جحدم: يا قوم ما يريد من قوم مسلمين يستأسرون. إنما يريد ما يريد، فقد خالفتموني وعصيتم أمرى، وهو والله السيف، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم يكتِّف بعضًا، فلما كتفوا دفع إلى كل رجل من المسلمين الرجل والرجلين، وباتوا في وثاق، فكانوا إذا جاء وقت الصلاة يكلمون المسلمين فيصلون ثم يربطون، فلما كان في السحر، والمسلمون قد اختلطوا بينهم، فقائل يقول: ما نريد بأسرهم، نذهب بهم إلى النبي ﷺ . وقائل يقول: ننظر هل يسمعون أو يطيعون، ونبلوهم ونخبرهم، والناس على هذين القولين، فلما كان في السحر نادى خالد بن الوليد: من كان معه أسير فليذافِّه - والمذافة الإجهاز عليه بالسيف - فأما بنو سليم فقتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا (أطلقوا) أساراهم.
وقد جرت مشادة بين القائد خالد بن الوليد وأحد كبار الأنصار - أبو أسيد الساعدى -، حين غضب خالد إذ أطلق الأنصار والمهاجرون أسراهم ولم يعدموهم. فقال أبو أسيد: اتق الله يا خالد والله ما كنا لنقتل قومًا مسلمين. قال خالد: وما يدريك؟ قال (أبو أسيد): نسمع إقرارهم بالإِسلام، وهذه المساجد بساحتهم.
وعند عودة خالد من ديار جذيمة - بعد الذي فعل - لامه كبار الصحابة، عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وكان
стр. 2187
يدافع عن نفسه مبررًا ما صنع.
إلا أن عمر بن الخطاب استطاع أن يكشف له أنه قد أخطأ في تصرفه، فاعترف خالد وطلب من عمر أن يذهب إلى رسول الله ﷺ ويطلب منه أن يستغفر له.
فقد قال عمر لخالد وهو يناقشه في الأمر-: ويحك يا خالد أخذت بني جذيمة بالذي كان من الجاهلية، أو ليس الإِسلام قد محا ما كان قبله في الجاهلية؟ فقال: يا أبا حفص، ما أخذتهم إلا بالحق، أغرت على قوم مشركين وامتنعوا فلم يكن لي بد من قتالهم إذ امتنعوا فأسرتهم، ثم حملتهم على السيف. فقال عمر أيُّ رجل تعلم عبد الله بن عمر؟ قال أعلمه والله رجلًا صالحًا، قال فهو أخبرني غير الذي أخبرتنى وكان معك في ذلك الجيش. قل خالد. فإني أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فانكسر عنه عمر، وقال: ويحك إيت رسول الله يستغفر لك (١).
قالوا: فلما بلغ رسول الله ﷺ ما صنع خالد رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وهو يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وقدم خالد بن الوليد والنبي ﷺ عاتب.
ثم إن النبي ﷺ بعد الذي بلغه، وبعد ما أثبتت التحقيقات خطأ خالد فيما صنع، قرر أن يدفع ديات قتلى بني جذيمة الذين أعدمهم خالد باعتبار أن قتلهم كان خطأ، فاستدعى علي بن أبي طالب وأعطاه مالًا. فقال: انطلق إلى بني جذيمة واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فَدَلَّهم ما أصاب خالد بن الوليد.
فخرج على بذلك المال حتى جاءهم، فشرع في دفع ديات قتلاهم، فلم يكف المال الذي اصطحبه معه، فاستزاد من رسول الله مالًا جديدًا ليكمل دفع حقوق بني جذيمة، حيث بعث أبا رافع إلى الرسول ﷺ يطلب منه مده بالمال فأجاب طلبه ودفع المال المطلوب إلى رافع، الذي عاد بدوره إلى على بديار بني جذيمة، فوَدَى (أي دفع دية) كل ما أصاب خالد حتى أنه
стр. 2188
ليدى لهم ميلغة (١) الكلب، حتى إذا لم يبقَ لهم شيء يطلبونه، بقى مع على بقية من المال. فقال علي: هذه بقية من المال لكم من رسول الله ﷺ مما أصاب مما لا يعلمه ولا تعلمونه. فأعطاهم ذلك المال، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فأخبره (٢).
وكان النبي ﷺ قد استقرض المال الذي دفعه ديات وتعويضات لبني جذيمة. استقرضه، لأنه لم يكن لدى المسلمين مال عند فتح مكة .. قالوا: استقرض رسول الله ﷺ هذا المال من ثلاثة من كبار تجار مكة وهم حويطب بن عبد العزّى، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة (٣).
حقيقة موقف خالد من قتل بني جذيمة
ليس هناك شك في أن القائد خالدًا قد أخطأ في قتله مَن قتل من بني جذيمة، ولو لم يكن قتلهم ومصادرة أموالهم خطأ ما دفع الرسول ﷺ لهم الديات والتعويضات. كما أن مما لا جدال فيه أن تصرف خالد الذي انتهى بقتل من قتل من بني جذيمة ناتج عن خطأ في الاجتهاد، فلم يقتلهم عن عمد وإصرار مع علمه أنهم مسلمون. بل حدث التباس في الأمر، فجرى قتلهم على اعتبار أنه أمر بالإغارة عليهم وانطلاقًا من الظن أنهم غير مسلمين. وهذه حقيقة يسندها أن النبي ﷺ دفع الديات عن القتلى لبنى جذيمة، ولو ثبت أن خالدًا قتلهم (مع تيقنه أنهم مسلمون) لنفذ فيه الرسول حكم القصاص، ولكن عنصر الخطأ الناتج عن الخطأ في الاجتهاد، لما كان موجودًا في القضية، اكتفى الرسول ﷺ بدفع ديات من قتل خالد من بني جذيمة. بل إن النبي ﷺ رضي بعد ذلك عن خالد بعد أن كان قد غضب عليه وأعرض عنه فترة من الزمن.
بل لقد جاء في بعض الروايات (صريحًا) أن خالدًا إنما قتل مَن قتل من بني جذيمة بعد أن امتنعوا منه واستعدوا لمقاتلته رغم إعطائهم مهلة كافية نهايتها صلاة العشاء.
стр. 2189
فقد قال الواقدي: وحدثني سيف بن يعقوب بن عتبة عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد يغير علي بني كنانة إلا أن يسمع أذانًا أو يعلم إسلامًا، فخرج حتى انتهى إلى بني جذيمة فامتنعوا أشد الامتناع، وقاتلوا وتلبَّسوا السلاح، فانتظر بهم صلاة العصر والمغرب والعشاء، لا يسمع أذانًا، ثم حمل عليهم فقتل من قتل وأسر من أسر فادَّعوا بعد الإسلام.
قلت: بل مما يؤكد الالتباس في مشكلة بني خذيمة ؤان خالدًا أخطأ في قتلهم عن عدم سوء نية ما جاء في صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٠٣ من رواية الزهري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل نهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسرى، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه فرفع النبي ﷺ يده فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين.
وقال بعض من يعذر خالدًا: إن خالدًا قال - لا وجه إليه اللوم - ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمى (١) وقال: إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام (٢).
وجاء في كتب السيرة أن النبي ﷺ لما بلغه ما حدث لبنى جذيمة على يد خالد سأل رجلًا ممن انفلت من الجيش بالخبر: هل أنكر عليه (أي خالد) أحد فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد فسكت عنه. وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه، فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة (٣).
стр. 2190
الرسول يرضى عن خالد بعد أن غضب عليه
وقد جرت مشادة (في مجلس الرسول ﷺ ) بين خالد وبعض السابقين الأولين في الإِسلام مثل عبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر .. حول ما صنع خالد ببنى جذيمة، وكان خالد قد غالط عبد الرحمن بن عوف في الكلام فبلغ الرسول ﷺ ذلك فقال حديثه المشهور: "يا خالد ذروا لي أصحابي متى يُنكَ أنف الرء يُنكَ، لو كان أُحد ذهبًا تنفقه قيراطًا قيراطًا في سبيل الله لم تدرك غَدوة أو رَوحة من عدوات أو روحات عبد الرحمن بن عوف .. وفي حق عمّار بن ياسر. قال رسول الله ﷺ : "صه يا خالد لا تقع بأبي اليقظان، فإنه مَن يعادِه يعاده الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يسفهه يسفهه الله" (١).
وقد ذكر المؤرخون أن خالد بن الوليد اعتذر لعبد الرحمن بن عوف عما بدر منه وطلب منه الصفح فقد مشى عثمان بخالد إلى عبد الرحمن بن عوف فاعتذر إليه حتى رضي عنه فقال: استغفر لي يا أبا محمد (٢).
غير أن الرسول ﷺ إذا كان قد نهى خالدًا عن التعرض للسابقين الأولين مثل عبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر، فإن الرسول كذلك نهى الجميع عن سب خالد والتعرض له .. فقد روى الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد بن الأخنسي عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبُّوا خالد بن الوليد فإنما هو سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين (٣).
وقد رضي الرسول ﷺ عن خالد بن الوليد (بعد عتبه وعضبه عليه) وكرر الثناء عليه. فقد روي عن أبي الأحوص عن النبي ﷺ أنه قال: نَعِم عبد الله خالد بن الوليد وأخو العشيرة، وسيف من سيوف الله، سله على الكفار والمنافقين. كما أن الرسول ﷺ بعد قدوم علي بن أبي طالب من مهمته التي دفع فيها ديات قتلى بني جذيمة. رضي عن خالد وأقبل عليه (بعد أن
стр. 2191
ترضّاه خالد)، وما زال خالد عند الرسول ﷺ من علية أصحابه حتى توفى الرسول ﷺ (١).
ولا أدل على أن مكانة القائد خالد بن الوليد ظلت على ما كانت عليه لدى الرسول ﷺ من أنه ﷺ جعل خالدًا على مقدمة الجيش عندما تحرك به إلى حنين. فخاض معه (وهو على مقدمة جيشه من الفرسان) تلك المعركة الحاسمة.
وقال الواقدي: ولقد كان (أي خالد) المقدّم حتى مات. ولقد خرج معه ﷺ بعد ذلك إلى حنين على مقدّمته، وإلى تبوك، وبعثه رسول الله ﷺ إلى أكيدر، ودومة الجندل فسبى من سبى، ثم صالحهم. ولقد بعثه رسول الله ﷺ إلى بلحارث بن كعب إلى نجران أميرًا وداعيًا إلى الله. ولقد خرج في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فلما حلق رسول الله ﷺ رأسه أعطاه ناصيته، فكانت في مقدمة قلنسوته، فكان لا يلقى أحدًا إلا هزمه الله تعالى، ولقد قاتل يوم اليرموك فوقعت فجعل يقول: القلنسوة .. القلنسوة. فقيل بعد ذلك يا أبا سليمان .. عجبًا لطلبك القلنسوة وأنت في حومة القتال. فقال: إن فيها ناصية النبي ﷺ ، ولم ألق بها أحدًا إلا وليَّ.
ولقد توفى خالد يوم توفى وهو مجاهد في سبيل الله، وقره بحمص. قال الواقدي: فأخبرنى مَن غسله وحضر موته، ونظر إلى ما تحت ثيابه، ما فيه مصح، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم. لقد كان عمر بن الخطاب، الذي بينه وبينه ليس بذلث، ثم يذكره فيترحم عليه ويتندم على ما كان صنع في أمره، ويقول: سيف من سيوف الله تعالى. ولقد نزل رسول الله ﷺ حين هبط من لفت (٢) في حجته، ومعه رجل، فقال رسول الله ﷺ : من هذا؟ فقال الرجل: فلان. فقال: بئس عبد الله فلان. ثم طلع آخر. فقال: من الرجل؟ فقال: فلان. فقال: بئس فلان عبد الله. ثم طلع خالد بن الولد فقال: من هذا؟ قال: خالد بن الوليد. فقال: نعم عبد الله خالد بن الوليد (٣).
стр. 2192
الفصل الثاني
• من هم هوازن؟
• هوازن تشعر بالخطر بعد استيلاء المسلمين على مكة.
• الاستنفار العام بين عشائر هوازن لحرب المسلمين.
• هوازن تفكر في إخراج المسلمين من مكة.
• هوازن تحشد عشرين ألف مقاتل لغزو المسلمين.
• هوازن تنصب مالك بن عوف النصرى ملكًا عليها وقائدًا عامًا لجشها.
• الخطأ القاتل في استراتيجية قائد هوازن.
• قائد هوازن يأمر باصطحاب النساء والأطفال والأموال مع الجيش.
• دريد بن الصّمَّة المعمِّر ينتقد استراتيجية مالك بن عوف.
• استخبارات الرسول ﷺ في معسكرات هوازن.
• تحرك الجيش الهوازنى صوب مكة.
• هوازن تعسكر في وادي حنين قبل المسلمين.
стр. 2193
من هم هوازن ؟
قبل الدخول في تفاصيل معركة حنين يحسن بنا إعطاء القارئ الكريم لمحة عن نسب وتاريخ هوازن.
يُجمع المؤرخون وأصحاب المعاجم أن هوازن من أعظم القبائل أكثرها
خطرًا في الجزيرة العربية. فهي قبيلة مضرية عدنانية، وهي تنتسب إلى قيس
عيلان. وتعتبر أهم بطونها.
فهي تنتسب إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان.
لهوازن أجنحة كثيرة جدًّا ومن أهم هذه الأجنحة (ثقيف سكان الطائف وما حواليها) كعب وكلاب وبنو هلال وبنو عامر بن صعصعة وبنو جُشَم عشيرة (دريد بن الصمّة) وبنو نصر (قوم مالك بن عوف).
وتجمع هوازن أجرام رئيسية ثلاثة كلهم لبكر بن هوازن، وهم: بنو سعيد بن بكر، وبنو معاوية بن بكر، وبنو منبّه بن بكر.
وهوازن من حيث القوة والعدد يضاهون قبائل غطفان النجدية الشهيرة والتي حاربت الرسول ﷺ في عدة مواطن، وحاصرت المدينة مع قريش عام الأحزاب.
أما مواطن هوازن فهم يحتلون مسافات شاسعة في الجزيرة العربية حتى إنهم لكثرة عشائرهم وبطونهم يشتركون في سكنى نجد والحجاز، حيث تمتد منازلهم من وادي حنين قرب مكة حتى توغل في جنوب نجد الغربي مما يلي اليمن. فهوازن قبيلة نجدية حجازية.
كانت هوازن قبيلة شرسة محاربة في الجاهلية، ولها حروب كثيرة مع جيرانها من القبائل المختلفة، ومع بعضها البعض، كما هي أساليب الحياة السائدة في الجاهلية قبل الإِسلام.
فمثلًا ثقيف تُعتبر من أهم أجنحة هوازن، أنها من نسل أحد الأجرام الرئيسية لهوازن، ثقيف هذه دارت بينها وبين بقية قبائل هوازن في الجاهلية معركة تاريخية، تسمى معركة أنتان، وذلك لكثرة جثث القتلى التي تركت في
стр. 2194
الميدان حتى أنتنت، وهذه المعركة دارت بين ثقيف وهوازن بالقرب من الطائف.
كما حاربت هوازن في الجاهلية كنانة وانتصرت عليها، وكنانة قبيلة عظيمة تقع في الحجاز على محور يدور بين قريش وسُليم وخزاعة وهوازن. وكانت كنانة حليفة لقريش. وكان اليوم الذي دارت فيه المعركة بين كنانة وهوازن يسمى يوم شمظة.
كذلك في الجاهلية حاربت هوازن بني الحارث بن كعب وهي من أعظم القبائل القحطانية الساكنة بنجران وما حواليها.
هوازن وحروب الفِجَار
ولعل أشهر حروب هوازن في الجاهلية هي حروب الفجار (١) وكانت الحروب كلها بين هوازن من جهة وبن كنانة وقريش من جهة ثانية.
وكانت هذه الحروب أربع كلها تقع في الأشهر الحُرمُ حيث يجتمع العرب في سوق عكاظ. وكانت أخطر هذه الحروب وأشدها ضراوة حروب الفِجار الرابعة التي استمرت عدة سنوات وقتل فيها مجموعة هائلة من شيوخ وسادات الفريقين. ونحن نذكر باختصار هذه الفِجارات الأربع:
الفجار الأول: وسببه أن رجلًا من غفار ثم من بني كنانة يقال له بدر بن معشر، كان قد حضر سوق عكاظ، وكان متكبرًا ويتحرش بالناس ويتحداهم، وكان قد اتخذ مجلسًا وبسط فيه رجليه وينادى: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعز منى فليضرب هامتى بالسيف. فمر به رجل من بني نصر من هوازن يقال له الأحمر بن مازن بن أوس، فتحداه وضربه بالسيف فبتر رجله. وكادت الحرب الشاملة تنشب بين الفريقين إلا أن العقلاء تداركوا الأمر، واصطلحوا فيما بينهم.
стр. 2195
الفجار الثاني: وسببه أن فتية من قريش وكنانة تحرشوا في سوق عكاظ بامرأة من هوازن من بني عامر بن صعصعة ونالوها بإهانة. فغضبت لذلك هوازن ودارت الحرب بين الفريقين، ولكن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف سيد قريش، نجح في إيقاف هذه الحرب حيث اعتذر لهوازن باسم قريش عما بدر من فتيانها حيال المرأة العامرية ثم دفع ديات قتلى هوازن ولم يحسب قتلى قريش وكنانة فرضيت هوازن.
الفجار الثالث: وكان سببه أن رجلًا من بني جشَم من هوازن له دين على رجل من بني كنانة، فماطله طويلًا، فلما أعياه عمد أبي التشهير به في سوق عكاظ، حيث أخذ قردًا ثم صار يطوف على القبائل مناديًا: من يبيعنى مثل هذا الرُّباح بما لي على فلان بن فلان الكناني، فلما طال بذلك نداؤه وتعييره به كنانة، مر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بسيفه فقتله، فتداعى الفريقان للحرب، إلا أن العقلاء من الفريقين حجزوا بينهم، وقالوا: أفي قرد تريقون دماءكم. ثم حسم الموقف عبد الله بن جدعان كريم قريش المشهور، وضمن للهوازنى ماله الذي له على الكناني ودفعه إليه. وانتهت المشكلة.
الفجار الرابع: وهو أخطر الفجارات الأربع حيث بسببه دارت بين هوازن من جهة وبين قريش وكنانة من جهة ثانية خمس حروب طاحنة سقط فيها عدد هائل من الضحايا من الفريقين .. ولم تتوقف هذه الحروب إلا بعد أن شعر الفريقان بالدمار، فأجروا فيما بينهم مفاوضات انتهت بالصلح.
أما سبب هذه الحروب والمشهورة بكرب الفجار. والتي كان بين بدايتها وبين مبعث النبي ﷺ ست وعشرون سنة (١)، هو أن رجلًا من بني ضِمرة بن بكر من كنانة، كان سكيّرًا مدمنًا وفاسقًا، اسمه البرَّاض بن قيس بن رافع، فخلعه قومه وتبرأوا منه لسوء سلوكه. فلجأ إلى قريش في مكة، وحالف حرب بن أمية بن عبد شمس، فأحسن إليه، ولكن البكرى (البرَّاض) الخليع عاد سيرته الأولى فسكر وعربد في مكة، فهمَّ حرب بن أمية أن يخلعه ويتبرأ من حلفه. ولكن البراض رجا حرب بن أمية أن لا يفعل، وأن
стр. 2196
يبقيه على حلفه، شريطة أن يغادر مكة. وفعلًا خرج من مكة ولحق بالملك النعمان بن المنذر بالحيرة في العراق فأقام عنده وهو على حلفه مع حرب بن أمية.
سوق عكاظ هي السبب
كانت سوق عكاظ من أشهر الأسواق بين العرب لا في الجزيرة العربية وحدها، بل في الشرق الأدنى كله، وكانت هذه السوق تبدأ بأول ذي القعدة من كل عام ولا تزال قائمة يبيع الناس ويشترون فيها ويتعاكظون إلى أن يحضر الحج. وعكاظ تقع ما بين نخلة (وادي اليمانية والطائف). فهي (أصلًا) في ديار هوازن.
وكان الملك النعمان بن المنذر يغتنم فرصة سوق عكاظ فيبعث من كل سنة قوافل محملة بمختلف السلع والبضائع إلى هذه السوق، لتباع هذه البضائع والسلع، ويُشترى بثمنها من منتوجات البلاد العربية، وبضائع أخرى مما يرد إلى سوق عكاظ.
وفي تلك السنة التي نشنبت فيها حرب الفجار، أوقر الملك النعمان قافلة كبيرة من الجمال بمختلف السلع والبضائع، وقرر أن يبعث بها (كالمعتاد) إلى سوق عكاظ، وبحث عمن يجيرها في بلاد العرب حتى تعود من عكاظ إلى الحيرة. فقال البراض أنا أجيرها. فقال له النعمان (وكان يعرف أنه خليع وأنه ليس من قيس): إنما أريد رجلًا يجيرها على أهل نجد. فقال عروة الرحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب (وهو من هوازن): أنا أجيرها أبيت اللعن. فقال له البراض (وهو من كنانة): أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم وعلى الخلق كله، أفكلب خليع يجيرها؟ يعرّض بالبراض بن قيس. وكان عروة الرحال في أعز قبيلة نجدية هوازنية، وهي بنو عامر بن صعصعة. فقبل الملك النعمان بجوار عروة، فشخص عروة بقافلة الملك النعمان، فاجتاز بها حدود الجزيرة العربية. وكان البراض بن قيس يتعقب عروة الرحال، فيعرف عروة ذلك فلا يخشاه.
وحتى إذا ما تخطى عروة بالقافلة أكثر بلاد نجد، وفي مكان من أرض
стр. 2197
غطفان يقال له (تيمن) وهو قريب من خيبر، نام عروة الرحال في ظل شجرة، فاغتنمها البراض بن قيس فرصة فوثب على عروة في الشهر الحرام وقتله. ثم استولى على القافلة واستاقها وما تحمل من أموال تابعة للملك النعمان وقصد بها مكة.
وفي الوقت الذي قتل فيه البراض بن قيس الكنانى عروة الرحال الهوازنى، كانت سوق عكاظ قائمة وذلك في الشهر الحرام وهو شهر ذي القعدة الذي يأمن فيه العرب، كل العرب، بعضهم بعضًا مهما كانت بينهم من دماء. وكان البراض، كما قلنا، كنانيًا وحليفًا لقريش، وكانت قريش وكنانة متواجدتان في سوق عكاظ التي هي في أرض هوازن، فخشى البراض، بعد أن ارتكب فعلته، أن يبلغ الخبر هوازن فتقتل برجلها عروة رجلًا عظيمًا من قريش أو كنانة، فاستأجر البراض رجلًا وكلفه، بعد أن أجزل له العطاء من الإِبل، بأن يبلغ حليفه حرب بن أمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وهشامًا والولد ابنَى الغيرة بأنه قد قتل عروة الرحال لينسحبوا مع سائر قريش وكنانة من عكاظ قبل أن يبلغ قيسا عيلان الخبر فيقتلوا به عظيمًا من قريش. فقال المستأجَر للبراض: وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل؟ قال: إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلًا خليعًا طريدًا من بني ضمرة (يعني نفسه).
وفي الحال وقبل أن يصل خبر الحادث الفظيع هوازن - تبلَّغت قريش وكنانة الخبر فكتموه لئلا تفتك بهم هوازن في عكاظ، فقرروا الانسحاب منها خلسة.
ولما كان الوقت في الشهر الحرام والناس آمنون بعضهم بعضًا، دفع العرب كلهم أسلحتهم إلى عبد الله بن جدعان القرشي وديعة حتى يفرغوا من أسواقفم وحجهم ثم يردها عليهم، وتلك عادتهم من كل سنة.
المعركة الأولى من الفجار الرابع
فقد كان عبد الله بن جدعان من أرفع قريش بل من أرفع العرب قدرًا، وكان سيدًا عاقلًا حكممًا وواسع الثراء، فجاءه حرب بن أمية حليف
стр. 2198
البراض القاتل. وطلب منه أن يمنع عن هوازن سلاحها المؤمن لديه، كى يسهل على قريش وكنانة التغلب على هوازن، إذا ما نشبت الحرب بينهما، فغضب عبد الله بن جدعان وقال لحرب بن أمية: أبالغدر تأمرنى؟ والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئًا، ثم نادى منادى ابن جدعان في عكاظ من كان له سلاح قِبَلى فليأت وليأخذه فأخذ الناس جميعًا أسلحتهم، وانسحبت قريش وكنانة من عكاظ خلسة، وبعد انسحابهم وهم لمَّا يزالوا في الطريق خارج الحرم أرسل عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وبقية سادات قريش يبلغون هوازن سبب خروجهم المفاجئ من عكاظ وأنهم يخشون الاشتباك المسلح وتفاقم الأمر في السوق حيث تحضره عامة العرب، وبلغ هوازن آخر النهار قتل البراض عروة، فقال سيد هوازن بعكاظ، أبو البراء: خدعنى حرب وابن جدعان، وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن وجدُّوا على متون الخيل في أثر قريش، فأدركوهم بوادى نخلة فاقتتلوا وتدرجَت قريش في الانسحاب وهي تقاتل حتى دخلوا الحرم وجنَّ عليهم الليل، فكفت هوازن عن ملاحقتهم تهيبًا من إجراء القتال في الحرم، ولكنهم اتَّعَدوا عكاظًا من العام القادم للقتال.
المعركة الثانية من الفجار الرابع
واستعد الفريقان للمعركة الثانية ولم يتحرَّجوا أن تكون في الشهر الحرام فأوعبت قريش وكنانة كما احتشدت كل قبائل هوازن ما عدا كعب وكلاب، وسبقت هوازن إلى سمطة من عكاظ، وجاءت قريش وكنانة فالتقى الفريقان ودارت المعركة رهيبة بين الفريقين، وكان النصر في المرحلة الأولى من المعركة لقريش وكنانة غير أن هوازن تذامروا وصبروا، فاستحرّ القتل في قريش، فساندتهم كنانة ولكن الهزيمة كانت من نصيبهم آخر الأمر حيث انسحبوا إلى جبل يقال له: رخما.
المعركة الثالثة من الفجار الرابع
وبعد مضى سنة التقى الفريقان بعكاظ في مكان يمال له: العَبلاء فاقتتلوا قتالًا ضاريًا وكان النصر في هذه المعركة حليف هوازن على كنانة وقرش. فقال
стр. 2199
في ذلك شاعر هوازن:
ألم يبلغك ما قالت قريش ... وحيّ بني كنانة إذ أثيروا
دهمناهم بأرعنَ مُكْفَرٍّ ... فظل لنا بعقوتهم زئير
نقوِّم مارنَ الخطِّي فيهم ... يجئ على أسنتنا الزئير
وانسحبت كنانة وقريش بعد أن نزلت بهم الهزيمة.
المعركة الرابعة من الفجار الرابع
وقد تأثرت قريش بالهزيمة في العبلاء فاستعدت للمعركة القادمة أضخم استعداد، حتى أن عبد الله بن جدعان وحده جهز ألف مقاتل من كنانة على ألف بعير من ماله الخاص، وخشيت قريش أن تغلبها هوازن كما في يوم العبلاء. فوطن رجالها أنفسهم على الموت، وعلى مدار الحول التقى الفريقان من جديد بعكاظ في الشهر الحرام، ؤلبتت قريش ذلك اليوم ثباتًا عطمًا حتى إن إخوة ثلاثة وهم حرب وسفيان وأبو سفين أبناء أمية بن عبد شمس قيدوا أنفسهم وقالوا لا نبرح حتى نموت مكاننا.
ودارت المعركة رهيبة صارية وصبر الفريقان صبرًا عطمًا وأوجع القتل بني كنانة فهموا بالانهزام، ولكن قريشًا حافظت أشد الحفاظ على مواقعها فخجل بنو كنانة (بعد أن قرروا الهرب) وصبروا، فاستعرَّت المعركة بضراوة من جديد، وحملت قريش وكنانة حملة شديدة على هوازن، فشرعت بعض عشائر هوازن في الهزيمة وانهزمت كلها إلا بني نصر فصبروا وعقل قائدهم سبيع بن أبي ربيعة نفسه كى تخجل هوازن، ونادى يا آل هوازن وكررها، ولكن الهزيمة كانت أكبر من أن يسمع فيها أحد صوت سبيع.
امرأة من قريش تجير هوازن
وركبت قريش وكنانة هوازن تقتل فيهم وتأسر، وكان مسعود بن معتَّب الثقفى، والد عروة بن مسعود قد ضرب على امرأته القرشية، سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء في عكاظ. وقال لها: من دخله من قومك قريش هو آمن. فأخذت توسَّع في خبائها ليتسع لأكبر عدد ممكن من الناس، فقال لها زوجها مسحود: لا يتجاوزنى خباؤك، فإني لا أضمن حياة إلا من
стр. 2200
أحاط به الخباء، فأغضبها قوله، وقالت له (ساخرة): أما والله إني لأظن أنك ستودّ أن لو زدت في توسعته.
فلما انهزمت هوازن دخل رجال من هوازن خباءها مستجيرين بها من القتل. فاستدعت ابن أخيها حرب بن أمية. فقال لها يا عمة: من تمسك بأطناب خبائك أو دار حوله فهو آمن، فنادت بذلك في هوازن وقيس حتى كثروا جدًّا - حيث لم يبق أحد منهم لا نجاة عنده إلا دار بخبائها، فقيل لذلك الموضع: مدار قيس (وهي قيس عيلان التي منها هوازن وكان يضرب به المثل فتغضب قيس منه) ولما انهزمت قيس عيلان خرج مسعود بن معتب هاربًا إلى زوجته ربيعة بنت عبد شمس، فجعل أنفه في صدرها، وقال: أنا بالله وبك فقالت: كلا زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومى، اجلس فأنت آمن.
المعركة الخامسة من الفجار الرابع
ثم نشبت بين الفريقين المعركة الخامسة، وقد دارت بعكاظ أيضًا وفي الشهر الحرام، وهذه المعركة سمِّيت (يوم الحريرة) وهي حرَّة إلى جانب عكاظ، وكانت المعركة شديدة أيضًا، واستحر القتل في صفوف الفريقين إلا أن الدائرة دارت على كنانة قريش فانهزموا، وكان القتل في كنانة وقريش أكثر في هذه المعركة، إلا أن عقلاء الفريقين أدركوا أن هذه الحرب لن تنتهي حتى يتفانى الفريقان، فعقدوا بينهم هدنة مؤقتة للتفاوض، وتفاوض زعماء الفريقين فعلًا، واتفقوا على الصلح، وذلك بأن يُحصى قتلى الفريقين ثم تدفع ديات عدد القتلى الزيادة إلى الفريق الذي يكونون فيه، فاتفقوا على ذلك، ولكى ينجح الصلح وتنتهي الحرب إلى الأبد، قدَّم كل من المتحاربين رهينة حتى تدفع ديات القتلى الزيادة.
فرهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان عن قريش، ورهن الحرث بن كلدة الثقفى عن هوازن ابنه النضر، ورهن سفيان بن عوف عن كنانة ابنه الحرث، حتى أُحصى قتلى الفريقين ودفعت ديات القتلى الزيادة وكانوا عشرين قتيلًا، تزعم هوازن أنهم من قريش وكنانة، وتزعم كنانة أنهم من هوازن. وبهذا
стр. 2201
الصلح انتهت تلك الحروب الضارية التي خاضها الفريقان وارتكبوها في الأشهر الحرم التي أجمع العرب منذ آلاف السنين على تحريم سفك الدم فيها مهما كانت المبررات، ولذلك سميت (حرب الفِجار)، ومن الشخصيات البارزة التي قتلت في هذه المعارك .. من قريش أبو سفيان بن أمية بن عبد شمس عم أبي سفيان بن حرب، والعوام بن خويلد أبو الزبير بن العوام، وأخوه حزام بن خويلد، وأحيحة بن أبي أحيحة العبشمى ومعمَّر بن حبيب الجُمَحى، كما جرح حرب بن أمية أبو أبي سفيان بن حرب.
ومن هوازن قتل (الصمّة) أبو دريد بن الصمّة الشاعر والفارس المشهور. ويذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ شهد حروب الفجار وهو دون العشرين وكان يناول أعمامه وأهله النبل في القتال، ويقال: إنه ﷺ طعن أبا براء ملاعب الأسنة، وسئل ﷺ عن مشهده يومئذ فقال: ما سرنى أنى أشهده، إنهم تعدوا على قومى، عرضوا عليهم أن يدفعوا البراض صاجهم فأبوا (١) هذه هي خلاصة حرب الفجار بين هوازن وقريش.
نظرة العرب إلى قريش
كان العرب الوثنيون ينظرون إلى قريش نظرة تهيب مشوبة بالكثير من التبجيل والإكبار، باعتبارها من الناحية الدينية سادنة الكعبة (البيت المعظم عند كافة العرب) الختصة دون سائر العرب بحراسة الحرم وسقاية الحاج واستضافته.
فهي من الناحية الدينية الأب الروحى لجميع قبائل العرب الوثنية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ينظر العرب الوثنيون إلى قريش نفس النظرة، باعتبارها النموذج الوحيد للوحدة والتماسك واتحاد الكلمة.
حيث كانت الجيل الوحيد بين العرب الذي يعيش (رغم تعدد عشائره) في ظل وحدة سياسية، وترابط اجتماعى مكين، ووحدة عسكرية متماسكة كل التماسك. كل ذلك تحت قيادة جماعية منسقة وموزعة توزيعًا محكمًا يدل على عراقة في السياسة وبعد النظر وحظ وافر في التحضر والوعى بالقياس إلى بقية قبائل
стр. 2202
العرب الأخرى، التي تعيش كلها في أنظمة تحكمها الفوضى ولا شيء غير الفوضى.
دستور غير مكتوب
وقد كانت قريش تعيش هذه الحالة الفريدة المميزة لها على سائر العرب من حيث الموحدة والتماسك والتناسق، بموجب قواعد قديمة موغلة في القدم، اتفقت عليها العشائر القرشية منذ عهد قصى بن كلاب موحد كلمتها، وواضع أسس وحدتها.
وقد كانت القواعد التي تحكم المجتمع القرشي، المتحد في ظلها (عبر القرون) أشبه بالدستور الدائم المقدس (عندهم) غير المكتوب، وبهذا تكون قريش قد سبقت بريطانيا إلى اتخاذ دستور غير مكتوب تحترمه ولا تخرج على حدوده بأكثر من عشرين قرنًا.
فقد كانت جميع العرب في الجاهلية، لا توجد بينها أية مجموعة من عشائر أية قبيلة، استطاعت الوصول إلى ما وصلت إليه قريش من وحدة وتماسك واتحاد فيما يشبه الدولة ذات الكيان الواحد المماسك المترابط رغم الجو العشائرى الذي هو طابع حياتها.
أول برلمان عربي
فقد كانت قريش هي القبيلة الوحيدة من بين جميع القبائل الوثنية العربية التي لها (برلمان ومجلس شورى) له نوابه من نحتلف العشائر، يتشاور فيه هؤلاء النواب في الأمور الهامة التي تحتاج إلى بحث ودرس وتشاور، ويتخذون فيه القرارات الملزمة وهو (دار الندوة) التي أول من أسسها (فيما أذكر) قصى بن كلاب الجد الرابع للنبي ﷺ .
لذلك لم يكن طابع المجتمع القرشي الفوضى العشائرية، كما هي الحال عند سائر العرب، بل كانت قريش، بواسطة برلمانها (دار الندوة) تضبط أمورها في محيطها الوثنى، وتسيطر على النظام في المجتمع المكي سيطرة تامة، ويحل زعماؤها الأزمات الداخلية كلما نشبت بين بعض الجهات القرشية، أو بين بعض القرشيين وغيرهم.
стр. 2203
فلا يسمحون بأن تتطور أية منازعات (مهما اشتدت) إلى حد الاقتتال كما هي الحال الشائعة في محيط مختلف القبائل العربية الوثنية الأخرى التي قد تنشب بينهم حرب ضروس من أجل ناقة أو حصان كما حدث في حربى داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وحرب البسوس بين بكر وتغلب.
ولا أدل على هذه الحقيقة الحضارية (إن صحت هذه التسمية) التي تمتاز بها قريش من أنها لَمَّا اشتد الخلاث بين عشائرها حول أية عشيرة يحق لها أن ترفع الحجر الأسود إلى موضعه عند بناء الكعبة في الجاهلية، وبلغ شدة الخلاف إلى أن أصبحت على حافة حرب أهلية مدمرة، تراجع العقلاء من زعمائها المتخاصمين على حل حكيم يدل على رجاحة عقل وتمدن بعيد المدى، وهو أن يكون أول داخل من باب بني شيبة من أبناء قريش حكمًا في النزاع الخطير حول الحجر الأسود. فكان أول داخل محمد بن عبد الله الهاشمي قبل أن يتلقى الوحى من السماء، ففرح زعماء قريش واطمأنت نفوسهم لأن الحكم بينهم سيكون رجلًا تجمع قريش كلها على حبه واحترامه حتى أنها تسميه بالأمين، فحل النبي محمد ﷺ الخلاف وقضى على النزاع الخطير بتصرف دل على رجاحة عقل وبعد نظر لا مثيل لهما، حيث طلب إحضار ثوب وأمر بوضع الحجر الأسود فيه، ثم طلب رجلًا من كل قبيلة ليمسك بجانب من الثوب فيرفع الجميع الحجر الأسود إلى موضعه في الكعبة، وبهذا تكون قريش كلها قد اشتركت في رفع الحجر الأسود، وبهذا التصرف الحكيم اختفى شبح الحرب الأهلية التي كانت تهدد قريشًا بالفناء.
وقد حمدت قريش لمحمد ﷺ الذي كانوا يسمونه - قبل أن يدعوهم إلى التوحيد - بالأمين. حمدت له تصرفه الحكيم الذي أبعدها عن حافة حرب أهلية مدمرة كادت أن تقع فيها، وزادت منزلته سموًا حتى بعثه الله تعالى رسولًا فناصبوه العداء وحاربوه. وراموا قتله كما هو معلوم.
كما أنه لا أدل على تماسك المجتمع القرشي وتقدمهم على بقية الوثنيين العرب في مضمار التمدن من حلف الفضول الذي أقاموه والذي بموجب بنوده تعهد سادات قريش بأن لا يوجد مظلوم في مكة إلا أنصفوه من ظالمه كائنًا من
стр. 2204
كان. هذا الحلف الذي أعجب به الرسول ﷺ وقال - بعد أن بعثه الله رسولًا - لو دعيت إلى مثله اليوم لأجبت أو كما قال (١).
من هنا ليس بغريب أن ينظر صائر العرب الوثنيين إلى قريش، وكأنها أهم قوة قادرة على الصمود (باسم الوثنية) في وجه دعوة التوحيد والتصدى للقوة العسكرية الإسلامية التي تدعمه، وأنها بتماسكها (أي قريش) وحسن تنطيمها وشدة انضباطها العسكري تستطيع - لا محالة - صد الغزو الذي تعرضت له عقب نقضها صلح الحديبية الذي كان قائمًا بينها وبين المسلمين الذين كانوا حتى يوم ذلك الصلح تنظر إليهم قريش لا كما تنظر إلى أمة ذات كيان، وإنما كعصابات من عصابات قطاع الطرق، رغم أن واقعهم من حيث السلوك والمعتقد يدل على أنهم كما وصفهم الله تعالى ﴿خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
وحتى اليوم الذي أطبقت فيه من هؤلاء المسلمين عشرة آلاف مقاتل على العاصمة المقدسة (مكة) كانت النظرة الخاطئة تلك إلى المسلمين لا تزال هي السائدة بين سادات مكة .. عبَّر عن هذه النظرة الخاطئة سيد قريش وقائد جيشها أبو سفيان بن حرب، حين قال للنبي ﷺ وهو يفاوضه في معسكره على مشارف مكة قبل دخولها: "يا محمد جئت بأوباش الناس من يُعرف ومن لا يُعرف إلى عشيرتك وأصلك" (٢).
ولهذا كان فزع العرب الوثنيين شديدًا عندما استسلمت قريش لقوات الجيش النبوي المسلحة، ودخلت عقب ذلك مكة ضمن دائرة نفوذ الحكم الإسلامي.
فقد اعتبر من تبقى على الوثنية من العرب - وأكثرهم مِنْ أهل الحجاز وأطراف نجد الغربية - اعتبروا سيطرة المسلمين على مكة وانتهاء كيان قريش الوثنى والسياسى والعسكري من أخطر الأحداث وأهمها على الإطلاق في جزيرة العرب.
стр. 2205
هوازن تشعر بالخطر وتحشد للصدام
وأحس هؤلاء الوثنيون (بدون استثناء) أن استسلام قريش للمسلمين، ووقوع مكة في قبضة القوات النبوية المسلحة، وإنشاء كيان إسلامي في مكة على أنقاض الكيان الوثنى، سيكون ذا أثر مصيرى فعال على مستقبلهم، وإن كيانهم الوثنى - بعد انكسار قريش الأم - أصبح في مهب العاصفة. لذلك صاروا يفكرون بمصيرهم بخوف شديد وهلع بالغ، جث لم يعد لهم مفر من أحد أمرين:
الدخول في دين التوحيد، دين الإِسلام.
أو الدخول في صدام مسلح مع المسلمين حفاظًا على كيانهم الوثنى.
وكانت أولى هذه القبائل الوثنية التي انتابها هذا الشعور، وأشغلها ذلك التفكر، هي قبائل (هوازن) وهي تمثل عدة قبائل عدنانية قوية كثيرة ذات قدرة قتالية ممتازة، ومن هذه القبائل (بنو هلال وثقيف وجشم وبنو سعد وبنو مالك وبنو كلاب وبنو عامر وبنو نصر وبنو الرباب) وأجرامهم الثلاثة الرئيسية التي تنحدر منها جميع أفخاذ هوازن ثلاثة - كلهم لبكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - وهؤلاء الأجرام الرئيسية الثلاثة هم: بنو سعد بن بكر، وبنو معاوية بن بكر، وبنو منبه بن بكر.
وهم خلق كثير جدًّا، ويحتلون مناطق شاسعة في قلب الجزيرة العربية. حيث تمتد منازلهم من وادي حنين الواقع على بعد حوالي عشرين كيلو مترًا من مكة حتى بلاد نجد التي تحتل عشائرهم قسمًا كبيرًا منها مما يلي الحجاز واليمن. فهوازن قبائل مِنْ حيث الأصل عدنانية مضرية، ومن حيث الجغرافيا، حجازية نجدية.
كانت هوازن (بعد كنانة) أقرب القبائل العربية الوثنية إلى مواطن الخطر الداهم الذي أصبح يهدد الوثنية بالزوال، والمتمثل في الجيش النبوي الذي أصبح قريبًا جدًّا من ديار هوازن بعد سيطرته على مكة المكرمة.
стр. 2206
عداوة هوازن للإِسلام
كانت هوازن -كما قلنا - أحد عدوين قويين رئيسيين ظلا على عداء للإسلام وفي حالة حرب معه، وهما هوازن وقريش.
أما قريش، فقد انتهى وجودها السيامى والعسكري والدينى الوثنى بوقوع عاصمتها مكة في أيدى القوات النبوية في العشرين من شهر رمضان عام ثمان للهجرة.
فبقيت (هوازن) وحدها في الميدان، القوة الرئيسية التي عليها أن تواجه الجيش النبوي، وكانت هوازن (كما ذكرنا) ذات قوة عظيمة، وكانت لعدائها للإِسلام ورغبتها في القضاء على قوته العسكرية لينهار من القواعد تعد العدة لمواجهة المسلمين من زمن بعيد يرجع إلى ما قبل فتح مكة.
فقد رأينا كيف أن طلائع الاستكشاف للجيش النبوي (وهو يزحف نحو مكة) ألقت القبض على جاسوس كان يرصد تحركات الجيش النبوي. اتضح على أثر استجواب الرسول ﷺ لهذا الجاسوس أنه كان يعمل لحساب (هوازن) بعثت به لينقل لها ما تحتاجه من معلومات عن المسلمين وعن قواتهم العسكرية والجهة التي يقصدونها بتحركاتهم (١).
فهوازن (إذن) كانت تستعد للصدام مع المسلمين حتى قبل أن تتم لهم السيطرة على مكة، بان ذلك واضحًا من بثها الأرصاد والجواسيس لرصد تحركات المسلمين.
المتعداد هوازن للزحف على مكة
وزاد هوازن إصرارًا على الصدام والدخول في معركة فاصلة مع المسلمين، أن وقعت العاصمة المقدسة مكة في قبضة قوات الجيش الإسلامي.
وبات من المؤكد لدى سادة هوازن الوثنيين أن دورهم في المواجهة الحربية مع المسلمين، لا بد أن يكون قريبًا.
وكانت هوازن مستعدة للصدام المسلح والمواجهة الحربية مع المسلمين قبل
стр. 2207
أن تتم السيطرة لهم على العاصمة المقدسة.
غير أن وقوع مكة في أيدى المسلمين ألهب نفوس الهوازنيين حنقًا مشوبًا بالخوف من قوة المسلمين التي باتت ترابط على مقربة من حدود ديارهم.
فزادوا من استعدادهم للحرب، وكانوا كما قلنا قبائل وبطونًا كثيرة تسكن مناطق شاسعة من قلب الجزيرة تتخللها جبال شاهقة ووديان سحيقة كلها مواقع استراتيجية تصلح للدفاع.
ولو أن هوازن تحصنت في بلادها وانتظرت وصول الجيش الإسلامي فتقاتله في أراضيها وبين ديارها، لكان ذلك أصلح لهوازن، وأصعب على جيش الإسلام.
وكانت هذه الفكرة من الناحية العسكرية التعبوية فكرة صائبة بالنسبة لهوازن، لأن تنفيذها يجعل مهمة الجيش الإِسلامي المكلف بإنهاء كل وجود وثنى في جزيرة العرب مهمة صعبة للغاية لأنه ليس من السهل (بل من الصعب جدًّا) على جيش الإسلام الصغير (نسبيًا) أن يقاتل عشرات الألوف من هوازن القبائل الشرسة المحاربة في قمم الجبال الشاهقة وبطون الوديان السحيقة وأمام الحصون المنيعة داخل أراضيهم.
هذه حقيقة من الناحية العسكرية لا غبار عليها، فالجيش الإِسلامي لا يزيد على اثنى عشر ألفًا، بينما المحاربون من قبائل هوازن سوف لا يقلون على أربعين ألفًا إذا ما ظلوا مرابطين في بلادهم المنيعة المحصنة، وعلى المسلمين أن ينازلوا هذا العدد الضخم من هؤلاء المحاربين ذوي القدرة القتالية الممتازة التي اشتهروا بها بين العرب، ومنازلتهم أمر صعب على المسلمين سيكلفهم غاليًا إذا ما اضطروا لمهاجة هوازن في ديارها، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار مناعة بلادهم وشدة تحصنهم فيها.
وسنرى فيما يأتي من هذا الكتاب، (إن شاء الله) كيف قاومت ثقيف الجيش النبوي (بعد انتصاره في معركة حنين الفاصلة) فلم يتمكن من التغلب على بطن واحد من هوازن، وهم (ثقيف) حيث لم يستطع اقتحام مواقعهم الحصينة التي اعتصموا بها في الطائف ففك الحصار عنهم الذي دام
стр. 2208
حوالي عشرين يومًا، وانصرف عنهم راجعًا إلى المدينة دون أن يخضعهم، وظلوا غير خاضعين للإسلام حتى دخلوا فيه باختيارهم في السنة التاسعة للهجرة، بعد أن رأوا أنه لم يبق غيرهم في المنطقة خارجًا عن نطاق الإِسلام.
تنصيب مالك بن عوف قائدًا لهوازن
غير أنه لسوء حظ هوازن وحسن حظ المسلمين، أن ظهر بين هوازن شاب شجاع جرئ مقدام لا يهاب الموت، بلغت شجاعته إلى حد التهور والطيش، الذي جعله يجعل هوازن عرضة لهزيمة مدمرة لم ينزل مثلها في الفداحة بحي من العرب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
هذا الشاب هو مالك بن عوف النصرى (أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن) فقد انتزع من بين جميع عشائر هوازن القيادة، إذ بما امتاز به من شجاعة رفصاحة نصبته هوازن ملكًا عليها، وارتضته قائدًا أعلى لقواتها عقب تأزم الموقف بوقوع مكة في قبضة المسلمين.
فأخذ مالك بن عوف - بما يمتاز به من جرأة وفصاحة وشجاعة وتهوّر وإقدام يعشقه العرلى القبلى، أخذ يهيئ قبائل هوازن - التي استجاب له معظمها - يهيؤها لا للدفاع عن بلادها إذا ما تعرضت لهجوم المسلمين، بل أخذ يهيئ هذه القبائل ويعبئ شعورها ويحشد الآلاف من رجالها للزحف على مكة وإخراج المسلمين منها بقوة السلاح.
قال الطبري ج ٣ ص ٧٠ - ٧١: حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال لما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصرى، واجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمّة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. وكان شيخًا كبيرًا مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهما في الأحلاف:
стр. 2209
قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال وجاع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى.
أسلوب الواقدي في الرواية
وقال الواقدي في كتابه المغازي ج ٣ ص ٨٨٥ - ٨٨٦: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجى قال: حدثني الواقدي قال: حدثنا محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح، وأبو معشر، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل، وعبد الصمد بن محمد السعدي، ومعاذ بن محمد، وبكير بن مسمار، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، فكلّ قد حدثنا بطائفة، وغير هؤلاء، حدثنا ممن لم أُسَمِّ، أهل ثقة، فكل حدثنا بطائفة من هذا الحديث، وبعضهم أوعى له من بعض، وقد جمعت كل ما حدثونى به.
قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ مكة مشت أشراف هوازن بعضها إلى بعض وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وبغوا وأظهروا أن قالوا: والله ما لاقى محمد قومًا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم. فأجمعت هوازن أمرها وجمعها مالك بن عوف - وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة - وكان سيدًا فيها مسبلًا، يفعل في ماله ويحمد، فاجتمعت هوازن كلها، وكان في ثقيف سيدان لها يومئذ: قارب بن الأسود بن مسعود في الأحلاف، هو (الذي) قادها، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث - ويقال الأحمر بن الحارث - وهو الذي قادها مواليًا ثقيفًا، فأوعبت كلها مع هوازن - وقد أجمعوا المسير إلى محمد، فوجد ثقيفًا إلى ذلك سراعًا، فقالوا: قد كنا نهم بالمسير إليه ونكره أن يسير إلينا، ومع ذلك لو سار إلينا لوجد حصنًا حصينًا نقاتل دونه، وطعامًا كثيرًا، حتى نصيبه أو ينصرف، ولكنّا لا نريد ذلك، ونسير معكم ونكون يدًا واحدة. فخرجوا معهم.
قال غيلان بن سلمة الثقفى لبنيه، وهم عشرة: إني أريد أمرًا كائنة له أمور، لا يشهدها رجل منكم إلا على فرسه. فشهدها عشرة من ولده على
стр. 2210
عشرة أفراس، فلما انهزموا بأوطاس هربوا، فدخلوا حصن الطائف فغلقوه. وقال كنانة بن عبد يا ليل: يا معشر ثقيف، إنكم تخرجون من حصونكم وتسيرون إلى رجل لا تدرون أيكون لكم أم عليكم، فمروا بحصنكم أن يُرَم ما رث منه، فإنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه. فأمروا به أن يصلح، وخلفوا على مرمّته رجلًا وساروا، وشهدها ناس من بني لم هلال ليسوا بكثير، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب.