← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والنضر هذا، هو الذي قالت ابنته قتيلة فيه تلك الأَبيات. المشهورة التي تعد من أروع الشعر المؤثر: يا راكبًا إن الأَثيل مظنة ... من صبح خامسة وأَنت موفق أبلغ بها ميتًا بأَن تحية ... ما أَن تزال به النجائب تخفق منى إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخري تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق أَمحمد يا خير ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو منَنْت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيض المحنق أَو كنت قابل فداية فلينفقن ... بأَعز ما يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أَسرت قرابة ... وأَحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أَبيه تنوشه ... لله أَرحام هنالك تشقق صبرًا يقاد إلى المنية متعبًا ... رسف القيود وهو عان موثق ويقول بعض الرواة إن النبي ﷺ لما بلغه هذا الشعر الجزل تأثر وقال، لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه، وتفيد رواية ابن هشام عدم صحة هذه الرواية، وهو المعقول لأن الرسول لم يأْمر بقتله إلا وهو مستحق، فلا تكون أَبيات من الشعر مغيرة لحكم مشروع. قتل عقبة بن أبي معيط ولما وصل ﷺ إلى عرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط،

стр. 212

وهو من بني أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (١). ويقول بعض الرواة إن النبي ﷺ لما أَمر بقتل عقبة قال .. أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال نعم، ثم قال الرسول لأَصحابه. أَتدرون ما صنع هذا بي؟ . جاءني وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أَن عيني ستندران من رأْسي، وجاء مرة أُخرى بسلا شاة (٢) فألقاه على رأْسى وأَنا ساجد فجاءت فاطمة (٣) فغسلته عن رأْسى.

стр. 213

مجرمو الحرب والنضر بن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط، هما الأَسيران الوحيدان اللذان قتلا صبرًا من بين أَسرى بدر. وكان هذان الرجلان من أَشد عباد الله كفرًا وعنادًا وبغيًا وحسدًا وكانا من أكبر دعاة الحرب ومثيرها ضد الإسلام، والمتربصين بالرسول الدوائر، وبقاؤهما مصدر خطر كبير على الإسلام، لا سيما في تلك الظروف الحربية التي تجتازها دعوة محمد ﷺ فهما إذن من مجرمي الحرب الذين لو أُطلق سراحهم لما تورعوا عن سلوك أَي طريق فيه تدمير لمحمد وأَصحابه ونسف لدعوتهم، ولا أدل على ذلك مما كانا يرتكبانه من إهانات وتنكيل في حق محمد ﷺ وهو أعزل آمن في مكة. فقتلهما (إذن) ضرورة تحتمها مصلحة دعوة الإِسلام الفتية، لا سيما وأَنهما من أَكبر مجرمي الحرب المسؤولين عن إشعال نيران معركة بدر التي خاضتها قريش بغيًا وعدوانًا، وما كانت لتخوضها لولا عناد أَمثال هذين الزعيمين المجرمين اللذين وأَمثالهما ساقا مكة إلى الحرب قسرًا بدافع الحقد على الإسلام. وإذا كان الرسول قد قتل هذين الأسيرين العريقين في الإِجرام فقط، وقبل الفداء عن غيرهما من الأَسرى ومنّ على البعض الآخر، فإِن القرآن قد نزل بالعتاب على إطلاق سراح الأَسرى الذي تم إما بالمنِّ وإما بالفداء، فقد كان القرآن يحبذ الإِثخان في هؤلاء الأسرى ويفضل القتل على قبول الفداء. وقد جاء هذا العتاب صريحًا في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).

стр. 214

إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أَبطرتهم منازلهم فساقوا عامة مكة إلى حرب ما كان لها من داع فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأَيدي من خناقهم؟ (١) لقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة، وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل أو بالأسر كسبًا ضخمًا في هذه الحالة لا يعدله مال. وكان هنالك معنى آخر يراد تقريره في النفوس وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أَشار إليه عمر ﵁ في صرامة ونصاعة (وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين) لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله كره للمسلمين أن يفادوا أساري بدر (٢). فقتل الأَسيرين إذن .. النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إنما هو تنفيذ لما كان يريد القرآن تنفيذه وأمر تتطلبه ظروف المسلمين الحربية التي أجبروا فيها على خوض المعارك، التي أثارها هؤلاء البغاة وأَشعلوا أواردها بالقرب من ديار المسلمين. وفود التهنئة ولما وصل النبي إلى الروحاء (٣) لقيه رؤوس المسلمين من أَهل المدينة يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال لهم سلمة بن سلامة، ما الذي

стр. 215

تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن (١) فتبسم الرسول ﷺ ثم قال، يا ابن أَخي أولئك الملأُ (٢). وقال أسيد بن الحضير، (وكان فيمن قدم إلى الروحاء للتهنئة) يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن إنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله: صدقت (٣). كيف تلقت المدينة أنباء النصر عند وقوع معركة بدر كان سكان المدينة يتألقون من عناصر ثلاثة: المسلمون .. واليهود .. والمنافقون. وقد كان اليهود والمنافقون يتمنون، بل ويتوقعون الهزيمة للمسلمين والنصر والغلبة المشركين في هذه المعركة. وقد نظم هؤلاء - قبل وصول البشير بنصر المسلمين - حملة من الإرجاف وبلبلة الأفكار أشاعوا فيها خبر قتل النبي وتمزيق جيشه في معركة بدر. وبينما كان المسلمون يترقبون - في تلهف وهم على أحرّ من الجمر - أنباء المعركة، وبينما كانت الإشاعة والإرجاف بهزيمة المسلمين تملآن أرجاءَ المدينة، بشكل كادت تذهب له عقول المسلمين خوفًا على نبيهم

стр. 216

وجيشهم الفتى الصغير .. إذا بصوتي عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة (١) يهزان أنحاء المدينة تهليلا وتكبيرًا معلنين انتصار المسلمين الكامل وهزيمة المشركين الساحقة وقرب قدوم النبي ﷺ وجيشه سالمين غانمين فعمت البهجة والسرور نفوس المسلمين، وزالت عنهم جميع الهواجس المزعجة التي انتابتهم نتيجة الإشاعات الكاذبة والإرجاف المقصود الذي نظمه اليهود والمنافقون. وبالرغم من وصول البشير بنصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد حاول اليهود والمنافقون تكذيب أنباء الانتصار التي وصل بها البريد النبوي من بدر. فاستمروا في إرجافهم، حتى إن أحد المنافقين عندما رأَى زيد بن حارثة - أحد المبشرين بالنصر - راكبًا القصواء ناقة رسول الله ﷺ بحضور أبي لبابة الأنصاري قال: لقد قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدرى ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا (٢) وقالت اليهود ما جاء زيد إلا فلا.

стр. 217

ولشدة الإرجاف وقوة الإشاعة بقى كثير من المسلمين مترددين في تصديق خبر انتصار المسلمين. قال أسامة بن زيد (١) لقد جئت أبي (وهو أحد مبعوثي النبي من بدر بخبر النصر) حتى خلوت به فقلت له أحق ما تقول؟ ؟ فقال أي والله، حق ما أقول. قال أسامة فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت له، أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لتقدمنك إلى رسول الله ﷺ إذا قدم فليضربن عنقك، فقال المنافق (متخاذلا) إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه. طلائع الجيش المنتصر وبالرغم من تأكيد الرسولين (ابن حارثة وابن رواحة) خبر نصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد ظل اليهود والمنافقون يقاومون ما قرع آذانهم من بشائر الفوز المحقق، واستمروا في مكابرتهم حتى أخرستهم الحقيقة الملموسة المجسدة التي لا تجدى معها إشاعة أو إرجاف.

стр. 218

فقد أُسقط في أيدى هؤلاء اليهود والمنافقين، عندما رأَوا طلائع الجيش المحمدى المنتصر تزدحم بها طرقات المدينة، وأمامها يساق أَسرى البغي والعدوان مقرَّنين في الأَصفاد، تعلو وجوههم ذلة الهزيمة. وقد كاد اليهود والمنافقون يتهمون أبصارهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو، وعمرو بن أبي سفيان والعباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث، والوليد بن الوليد وغيرهم من سادات مكة وقادتها، قد شدت أيديهم إلى الوراء يتعثرون في خطاهم بين أفواج أَسرى الشرك. حقًّا لقد كانت النهاية التي انتهت بها معركة بدر، حدثًا خطيرًا اهتزت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أَقصاها. الرسول المنتصر يدخل المدينة وقبل وصول الأسرى مع طلائع الجيش إلى المدينة بيوم واحد دخلها ﷺ يحيط به قادة جيشه وهيئة أَركان حربه. وقد استقبلته المدينة استقبالا رائعًا، أما اليهود والمنافقون فقد اسودت وجوههم واستبد بهم الغل والحقد فأفقدهم رشدهم وأذهب صوابهم. معاملة الأسرى أما الأسرى فقد فرقهم النبي على جماعته وأوصى بهم خيرًا. قال أبو عزيز وهو أحد الأسرى، وأَخو مصعب بن عمير , حامل لواء المسلمين يوم بدر .. قال: كنت في رهط من الأنصار حتى أقبلوا من بدر، فكانوا، إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم، خصونى بالخبز وأكلوا

стр. 219

التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، فما تقع في يد رجل كسرة من الخبز إلا نفحني بها، قال فأَستحى فأَردها عليه، فيردها على ما يمسها. الاختلاف حول مصير الأسرى وبعد أن استقر الرسول ﷺ بالمدينة عقد مجلسًا استشاريًا أَعلى شهده كبار الصحابة، لبحث موضوع الأسرى وتقرير مصيرهم، وقد شهد هذا المجلس أبو بكر وعمر وعثمان (١) وعلي وعبد الله بن رواحة وغيرهم من كبار الصحابة وقادة الجيش المنتصر. وقد اختلف أعضاء هذا المجلس حول مصير الأسرى. فقد كان فريق يرى إبادة هؤلاء الأسرى جميعهم، وعلى رأس هذا الفريق عمر بن الخطاب الذي قال: "يا رسول الله .. كذبوك وأخرجوك، قدّمهم واضرب أعناقهم" وشاطر عمر هذا الرأي، القائد عبد الله بن رواحة الأنصاري الذي قال:

стр. 220

يا رسول الله .. انظر واديا من حطب فأَدخلهم فيه ثم أُضرمه عليهم نارًا، وكان العباس بن عبد المطلب (وهو أحد الأَسرى) يسمع، فقال لابن رواحة قطعتك رحمك. وكان فريق آخر يرى الرأْفة بهم والتأَني في شأْنهم، وعلى رأْس هذا الفريق أبو بكر الصديق الذي قال: يا رسول الله .. قومك وأهلك، استبقهم واستأْن بهم لعل الله أَن يتوب عليھم. القرار الأخير وبعد أن عرف الرسول رأْى الفريقين شكرهما وأثنى على اجتهادهما، حيث شبيه رأْي الفريق الأَول الذي يرى إبادة الأَسرى برأْي نبي الله نوح الذي طلب من الله تدمير قومه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾. (١) وشبه الفريق الثاني الذي يرى الرأْفة بالأَسرى، بنبي الله عيسى الذي قال في قومه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٢). إلا أَن الرسول اتخذ بشأْن هؤلاء الأسرى رأيًا وسطًا بين الرأيين، فقد خير الأَسرى بين القتل أَو الفداء، حيث قال لهم: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق. وهكذا انتهت مشكلة الأَسرى، وأَبلغت المدينة مكة هذا القرار، وتم على أساسه فما بعد إطلاق سراح الأَسرى جميعًا، إما بواسطة الفداء

стр. 221

الذي دفعه الموسرون، وإما بواسطة المنِّ الذي تكرم به ﷺ وأطلق سراح بعض الأَسري من غير فداءٍ لفقرهم. كما اتفق مع المثقفين من الأسرى على إطلاق سراحهم مقابل قيامهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة. آية العتاب بشأن الأسرى غير أنه بعد صدور قرار الرسول بشأْن الأَسرى نزل وحى من السماء فيه عتاب بشأن هذا القرار. فقد روى عمر بن الخطاب ﵁ قال، غدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان فقلت، يا رسول الله أَخبرني، ما الذي يبكيك أنت وصاحبك؟ , فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال ﷺ الذي عرض على أصحابك من أخذهم عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة -الشجرة قريبة-، وأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. كيف تلقت مكة نبأ هزيمة جيشها لقد فر من ساحة المعركة يوم بدر من مشركي مكة حوالي ثمانمائة وخمسين مقاتلا، بہعثرتهہم الهزيمة الساحقة في وديان تهامة وشعابها. واتجهوا صوب مكة مذعورين , لا يدرى الواحد منهم كيف يدخلها خجلًا، للذي منوا به من اندحار على كثرتهم وقلة أعدائهم. ففي الوقت الذي تلقت فيه المدينة نبأ انتصار المسلمين بالغبطة

стр. 222

والسرور والابتهاج، كانت مكة في ذهول شديد، عند تلقى الأنباء الأَولية عن هزيمتها، واستعصى على عقول أهلها تصديق تلك الأَنباء، إلى درجة أنهم اتهموا الناقل الأول لأَنباء الهزيمة بالجنون. فما كان يخطر لهم على بال، وما كانوا يتصورون أن ألف مقاتل يضم خيرة شباب قريش وأَمهر قادتها وأشجع زعمائها سيندحر هكذا (وبهذه الصورة المخزية) أَمام ثلاثمائة مقاتل من أهل المدينة الذين يفوقهم جيش مكة في كل شيء أضعافًا مضاعفة. اسألوه إن كان يعقل كان أَول من صك أسماع أهل مكة بهزيمة جندهم، الحيسمان بن إياس الخزاعي (١)، الذي كان أحد الفارين وأول القادمين من ساحة المعركة. تجمع حوله أهل مكة وأَحاطوا به كتلا متراصة يسألونه (في لهفة) عن نتيجة المعركة، وقال قائلهم: ما وراءاك يا حيسمان؟ . فأبلغهم (وهو يلهث من شدة الإعياء) خبر الهزيمة الساحقة التي نزلت بجيشهم، وبينما كان يعد عليهم بعض أسماء الصرعى من زعماء مكة وقادتهہاوقف عليه صفوان بن أُمية (٢) - وهو أحد زعماء الشركبن

стр. 223

الذين لم يشهدوا بدرًا - وبمجرد استماعه إلى حديث الحيسمان عن الهزيمة أكد للحاضرين أنه مجنون، وليؤكد ذلك، قال لهم، اسأَلوه عنى إن كان يعقل؟ ؟ فقالوا له ما فعل صفوان بن أمية؟ . قال، هو ذالك جالس في الحجر، وقد رأَيت أَباه وأخاه حين قتلا. فأُسقط في أيدى أهل مكة، وهاج الناس وماج بعضهم في بعض من هول الصدمة، وزاد الأَمر تأْكيدًا أن قدم أبو سفيان بن الحارث (١)، وهو أحد القادة الذين أداروا دفة القتال ضد النبي يوم بدر، فأيد ما أذاعة الحيسمان عن هزيمة الجيش المكي. وقع الهزيمة على نفس أبي لهب قال أبو رافع (٢) مولى رسول الله ﷺ ، قال كنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح، أَنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس إذ أقبل أَبو لهب (عم رسول الله ﷺ ) وهو يجر رجليه بہشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينما هو جالس، إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث قد قدم،

стр. 224

فقال له أبو لهب بن عبد المطلب، هلم إلي فعندك، لعمري، الخبر. قال فجلس والناس قيام عليه، فقال يا ابن أَخي، أَخبرنى كيف كان أَمر الناس؟ . فقال الحارث، والله ما هو إلا أَن لقينا القوم، فمنحناهم أَكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأْسروننا كيف شاءُرا، وأَيم الله - مع ذلك - ما لمت الناس، لقيَنا رجال بيض على خيل بُلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء. قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت، تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهى ضربة شديدة، فثاورته فاحتملنى فضرب بي الأرض؛ ثم برك علي يضربي، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أُم الفضل (١) (زوج العباس بن عبد المطلب) إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فعلت في رأْسه شجة منكرة، وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته (٢).

стр. 225

منع النياحة على قتلى بدر وبعد أن تأكدت قريش من نتيجة المعركة، وعرف كل بيت في مكة مصابه فيها أقامت المناحات، وهي المآتم - وتلك عادة جاهلية أزالها الإسلام. ناحت قريش على قتلاها فترة قصيرة من الزمن، بعدها أصدر قادة مكة أمرًا بأن لا ينوح أحد على قتيل من قتلى هذه المعركة البتة، وأن يلتزم الناس السكون تجلدًا، ولئلا يشمت محمد ﷺ وأصحابه بهم. لقد كانت فاجعة مكة في معركة بدر فاجعة مروعة حقًّا، ما منيت بمثلها تاريخها الطويل إذ لم يكد ينجو بيت فيها من مأتم على ابن أو زوج أخ أو أب أو قريب. ولهذا هال زعماءُ مكة وأزعجهم أن سمعوا جبال هذه المدينة تردد أصوات النائحات الثكالى أينما ذهبوا بشكل تنهار له أقوى الأعصاب، حيث انقلبت مكة من أقصاها إلى أقصاها إلى مناحة مفزعة رهيبة. فسارع هؤلاء الزعماء إلى إصدار خطر كامل منعوا بموجبه البكاء على قتلى بدر، لئلا يشمت بهم المسلمون. ولقد بلغ المصاب من الهول إلى درجة أن بعض أشراف مكة فقد أكثر من ابن له في هذه المعركة التي أشعلها أبو جهل دونما مبرر إلا الخيلاء والغرور. فقدْ، فَقَدَ صفوان بن أُمية في هذه المعركة أباه أُمية وأخاه علي بن أُمية، وفقد أبو سفيان بن حرب ابنه حظلة وأسر ابنه عمرو، كما فقد عكرمة بن أبي جهل أباه (واسمه عمرو بن هشام) وعمه

стр. 226

العاص بن هشام، كما فقد خالد بن الوليد أَخاه الوليد بن الوليد. أتبكى أن يضل لها بعير ؟ وكان أشد الناس مصابًا في هذه المعركة، الأَسود بن المطلب، فَقَدَ في هذه المعركة ثلاثة من أَبنائه دفعة واحدة. حيث قتل فيها ابنه زمعة (١)، وعقيل، والحارث، وكان الأَسود هذا شيخًا طاعنًا في السن وشريفًا في قومه. وكان الحزن يحرق جوفه كلما تذكر مصرع أبنائه الثلاثة، وكان يود لو يسمح له زعماءُ مكة بإعلان البكاء على أولاده لتخفف عليه وطأة الحزن، فقد كان لا يذوق للنوم طعمًا حزنًا على أبنائه. وبينما هو على هذا الحال إذ سمع نائحة في الليل، فطمع أن يكون قد سمح بالنحيب ليبكي وينوح على أبنائه، وكان الأسود هذا قد ذهب بصره، فاستدعى غلامًا له، وقال له: انظر هل أَحل النحيب؟ - يعني هل رفع حظر البكاء على قتلى بدر؟ ؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة - يعني ابنه زمعة - وكان من أحب أبنائه إليه - فإن جوفي قد احترق. فذهب الغلام يستطلع الخبر، ثم عاد ليخبر سيده بأن الحظر لا يزال قائمًا، وأن التي تنوح إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته، فهاجت أحزان الشيخ المفؤود وسالت دموعه، فقال بعد أن أدرك بذكائه أن صاحبة الجمل الضائع لم يكن بكاؤها - في الحقيقة على

стр. 227

جملها - وإنما جعلت من ضياعه وسيلة تتحيل بها للبكاء على قتيل لها فقدته في معركة بدر، أنشد قصيدته التي مطلعها: أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود فما تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود فداء الأسرى وهكذا عاشت مكة فترة من الزمن في ذهول وحزن، وبعد أن هدأت عاصفة الحزن في النفوس أخذ مشركو مكة يفكرون في مصير سبعين أسيرًا من أبنائهم لا يزالون في معسكر المدينة. وبينما هم كذلك إذا بنص القرار الذي اتخذه مجلس المدينة الأعلى بشأْن الأَسرى يصل إليهم، وكان هذا القرار يقضي بتخييرهم بين الأسر أو دفع الفداء عنهم، ومقداره أربعة آلاف درهم عن كل أسير. وهنا شرعت مكة في الاتصال بالمدينة وأخذ مندوبوها يتوافدون إلى المدينة لإطلاق سراح الأسرى ودفع الفداء عنهم. ك يف فدى العباس بن عبد المطلب نفسه وكان العباس بن عبد المطلب (عم النبي) أحد الأسرى، وهو من أغنياء قريش، فدى نفسه ودفع الفداء عن ابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، كما دفع الفداء عن

стр. 228

حليفه عتبة بن عمرو بن جحدم (١) أبره بذلك رسول الله ﷺ ، فقال، لا مال لي. فقال له رسول الله ﷺ ، أين المال الذي وضعته عند أم الفضل، وقلت لها إن أُصبت فللفضل كذا، ولعبيد الله كذا، وقال والذي بعثك بالحق، ما علم به أحد غيرى وغيرها، وإني لأعلم إنك رسول الله. وفدى نفسه وابنى أخويه وحليفه (٢). وكان المسلمون، أثناء معركة بدر، قد استولوا على أربعين أوقية من الذهب أخذوها من العباس بن عبد المطلب عند أسره، وعندما جاء وقت إطلاق الأسرى بالفداء، طلب العباس من الرسول ﷺ ، أن يحسب كمية الذهب التي صودرت منه يوم بدر من الفداء، فرفض الرسول ﷺ طلبه، وقال لا. ذلك شيء أعطاناه الله (أي أنه أصبح غنيمة للمقاتلين المسلمين بعد استيلائهم عليه) (٣). زينب بنت الرسول وزوجها الأسير وكان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس، زوج زينب بنت الرسول ﷺ ، وكانت أُمه هالة بنت خويلد أُخت أُم

стр. 229

المؤمنين خديجة ﵂، فسألت الرسول ﷺ أن يزوج أبا العاص ابنته زينب ففعل. وكان ذلك قبل أن يوحى إليه ﷺ حيث كانت زينب وأبو العاص على شركهما، فلما نزل الوحى آمنت زينب بأبيها، وبقى أبو العاص على شركه، ولم يستطع الرسول التفريق بينهما، لأنه كان مغلوبًا بمكة قبل الهجرة. ولما وقع أبو العاص بن الربيع في الأسر بعثت زوجه زينب (وهي بمكة) في فدائه بقلادة لها كانت خديجة ﵂ جهزتها بها يوم زفافها، فلما رآها الرسول ﷺ رق لها رقة شديدة فقال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فأطلقوا سراح زوجها وردّوا إليها قلادتها، وأَخذ الرسول على أبي العاص أن يبعث بزينب إلى المدينة ففعل، وفرق الرسول بينهما، وعندما أسلم أبو العاص فيما بعد رد عليه الرسول زينب بعقد جديد. انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبًا وكان من بين الأسرى سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري (١) وكان شجاعًا وهو أحد أشراف مكة، وخطيب قريش المشهور، وكان لخطاباته الشهيرة تأْثير كبير في محاربة دعوة الإِسلام. لذلك لما جاءَ وقت دفع الفداءِ عنه وتقرر إطلاق سراحه، طلب عمر

стр. 230

ابن الخطاب من الرسول ﷺ أن يحدث له عاهة لا يتمكن بعدها من أن يقوم خطيبًا ضد النبي ﷺ حيث قال يا رسول الله، انزع ثنيتي (سهيل يدلع لها لسانه) فلا يقوم عليك خطيبًا في موضع أبدًا. فرفض الرسول ﷺ طلب ابن الخطاب ﵁ وقال: لا أَمثل فيمثل الله بي وإن كنت نبيًّا، ثم قال النبي لعمر (دعه فعسى أن يقوم مقامًا تحمده) ولقد صدق الرسول ﷺ فيما أشار إليه من موقف سهيل المحمود، وهذا من أعلام النبوة. فعند موت النبي ﷺ هم بعض أهل مكة بالارتداد عن الإسلام وبدأت الفتنة تظهر قرونها على أيدى المتربصين من ضعاف الإيمان ولما بلغ سهيلا ذلك - وكان سيدًا مطاعًا وشجاعًا مهابًا - وقف خطيبًا وقال (في حزم وصرامة): يا أهل مكة، لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ارتدادًا، والله من رابنا أمره شيء ضربنا عنقه كائنا من كان. . أو كما قال: فكان لموقفه البطولى هذا أكبر الأثر في قتل الفتنة في مهدها. إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم وكان سهيل بن عمرو هذا من أرجح الناس وأصدقهم لهجة. حضر الناس (مرة) باب عمر بن الخطاب ﵁ وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش فخرج آذنه يأْذن لأَهل بدر. . لصهيب الرومى وبلال الحبشى، وأهل بدر، وكان (عمر) يحبهم، وكان قد أوصى بهم. فقال أبو سفيان، ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاءِ العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل بن عمرو:

стр. 231

أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأْتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون فيه، ثم قال: أيها القوم إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم الشهادة، ثم نفض ثوبه ولحق بالشام، وخرج بجماعة أهله - إلا ابنته هند - إلى الشام مجاهدًا حتى ماتوا كلهم هنالك (١). أثر المعركة على سكان الجزيرة وهكذا انتهت معركة بدر بهذا الانتصار الحاسم للمسلمين، الذي تدهورت له سمعة قريش العسكرية والسياسية في بلاد العرب. لقد دهش العرب قاطبة للنصر الحاسم غير المتوقع الذي ناله المسلمون في هذه المعركة. وكان اليهود والمنافقون أشد الناس استياءً لهذا النصر المبين. وبالرغم من تباين الوقع الذي تلقت به أَحزاب الكفر نبأَ انتصار المسلمين في هذه المعركة، فقد كان الاستياءُ عامًّا بينهم، والإجماع منعقدًا منهم على الوقوف في وجه المسلمين. فقد صمم الجميع على أن لا يمكنوا المسلمين مرة أُخرى من تحقيق أي نصر يزيد من قوتهم ويقوى من شوكتهم. إلا أن هؤلاء الأعداء قد تباينوا في سلوكهم إزاءِ المسلمين بعد هذا

стр. 232

النصر، إذ ذهب كل فريق يعمل في سبيل الإيقاع بالمسلمين وتفريق جمعهم وخضد شوكتهم بالطريقة التي يراها كفيلة ببلوغ غايته. مكة بعد الهزيمة ففي مكة انطوى أَهلها على أنفسهم يندبون قتلاهم ويداوون جراح قلوبهم، بعد أن مرغت الهزيمة كبرياءهم وجدعت أنف غرورهم، ولكنهم مع هذا لم يستكينوا، فبعد أن أفاقوا من هول الصدمة أخذوا يواصلون الاجتماعات، ويعقدون المؤتمرات للنظر في الطريقة التي يغسلون بها عار الهزيمة التي أنزلها المسلمون بهم، والتي لم تزدهم إلا حقدًا على محمد ﷺ وبغضًا للإسلام. فأَعلنوا التعبئة العامة التي كانت نتيجتها معركة أَحد الرهيبة، كما أَن الهزيمة قد ضاعفت من نقمتهم على المسلمين الذين يعيشون بينهم في مكة، فأَخذوا يشددون على من يدخل الإِسلام من أهل مكة ويضاعفون من اضطهادهم والتنكيل بهم. فعاش في مكة - آن ذاك - كل مسلم إما مستخفيًا بإسلامه، وإما ذليلًا مستضعفًا، عرضة للتنكيل والإهانة، لأَن الدولة هناك كانت للمشركين. الموقف في المدينة بعد المعركة أَما في المدينة فقد كان الأمر على العكس تمامًا - من حيث السيطرة فقد أَصبحت سلطة المسلمين - بعد معركة بدر - هي النافذة، مما

стр. 233

اضطر كثيرًا من غير المسلمين إلى التظاهر بالإسلام مع الانطواءِ على بغض الإسلام وإضمار الكيد للمسلمين. وفي مقدمة هؤلاء رأْس النفاق عبد الله بن أُبى بن سلول (١) الذي نصح أَصحابه - بعد معركة بدر - بأَن يعلنوا إسلامهم حين قال مشيرًا إلى اشتداد شوكة المسلمين - بعد معركة بدر - هذا أَمر قد توجه (أي استمر) فلا مطمع في إزالته، ثم أعلن إسلامه، وتبعه على ذلك جميع أحزاب النفاق فتظاهروا بالإسلام. ولكنهم مع هذا ظلوا في الباطن يتربصون بالإسلام الدوائر، وقد لجأَ هؤلاء المنافقون (في محاربة النبي وصحبه) إلى سلوك سبل الدس والمخاتلة، فظلوا يرسمون الخطط سرًّا للإيقاع بالنبي ﷺ ، وينتهزون الفرص لتفكيك وحدة أَصحابه وإضعاف قوتهم، كما هو مفصل في قصص المنافقين التي قصها القرآن وروتها أُمهات التاريخ. اليهود بعد المعركة على أنه إذا كانت هذه الفئة في المدينة وضواحيها من عبدة الأَوثان وقلة من اليهود، قد تظاهرت بالإسلام، وكفَّت عن معالنة النبي بالعداءِ

стр. 234

فإن فئة أُخرى وكلها من اليهود ظلوا على دينهم أحرارًا، لم يكرههم الرسول على الدخول في الإسلام، كما هي شرعة الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. المعاهدة بين النبي واليهود كان النبي ﷺ عندما وصل إلى المدينة مهاجرًا، وجد بها يهودًا قد اتخذوا منها وطنًا، فعقد معهم كما قلنا معاهدة، كان من أَهم بنودها أن يمتنع كل من الفريقين عن إيصال أَي أَذى للفريق الآخر وأن لا يعين أحد منهما عدوا على الفريق الآخر. لم يحدّث المسلمون أنفسهم بنقض عهود اليهود ولا فكروا في طردهم من أرض الجزيرة (بالرغم من أن المسلمين أصبحوا سادة الموقف بعد المعركة) بل على العكس توقع المسلمون منهم أن يكونوا عونًا لهم في حرب الوثنية المخرّفة ودعم عقيدة التوحيد، ورجا المسلمون أن يصدق اليهود محمدًا فيما يثبته الله من تنزيه ومجد، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة والفتهم لأَحاديث المرسلين سببًا في إقناع العرب الأُميين بأَن الرسالات حق والإيمان بها واجب، وهذه المشاعر الحسنة تتمشى مع القرآن النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها قول القرآن ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا، قُلْ. . كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١).

стр. 235

مخالفة اليهود لنصوص المعاهدة ولكن هذه الفئة من اليهود وعلى رأسها المرابي الكبير , كعب بن الأَشرف النبهانى (١) قد خالفت نصوص هذه المعاهدة وأعلنت سخطها على النبي ﷺ ، وجاهرت بعدائها له وأَظهرت تأَلمها للهزيمة التي حاقت بالمشركين في بدر. وأخذ هؤلاء اليهود يحرضون المشركين (وخاصة أهل مكة) على الفتك بالنبي والقضاء على دعوته، ويقدمون لهم كل مساعدة ممكنة، ويدلونهم عل عورات المسلمين، ناكثين بذلك كل العهود والمواثيق التي أعطوها لمحمد ﷺ على أَنفسهم. وهكذا أَفقد النصر الذي أَحرزه المسلمون اليهود صوابهم، فاشتد حقدهم على الإسلام، مما ضاعف نشاطهم ضده وضہد حامل دعوته، واكتشف المسلمون عدة مؤامرات دبرها اليهود بغية القضاء عليهم وعلي نبيهم. وظل المسلمون (بالرغم من هذا) ضابطين لأعصابهم حتى تفاقم الأَمر، واتسعت شقة الخلاف بين الفريقين، ولم تنته الحرب الباردة بين الفريقين إلا بتلك الأَحداث الدامية الخطيرة التي جاءت نتيجة للحماقات المتكررة التي كان اليهود يرتكبونها ضد الإِسلام والمسلمين، والتي كانت ثمارها إبادة فريق منهم ونفي الفريق الآخر من المدينة

стр. 236

وتطهيرها من شرور دسائسهم ومؤامراتهم، كما حدث لبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير , كما سنفصل ذلك في أَول حديثنا عن معركة أُحد وغزوة الأَحزاب إن شاء الله. موقف الأعراب بعد المعركة أما الأعراب - وخاصة الضاربين حول المدينة - فقد كان وقع انتصار المسلمين شديدًا على نفوسهم. فقد اضطربوا لهذا الانتصار وأَصابهم الذعر، وخافوا أَن تقوم للإسلام دولة في المدينة تحول بينهم وبين ما أَلفوه (حسب شريعة الغاب) من السلب والنهب الذي هو مصدر رزقهم وعليه يقوم كيانهم. وهذا هو المصدر الرئيسى لقلقهم من انتصار المسلمين، أَما مسأَلة الكفر أَو الإِيمان فإنها ليست ذات أَهمية بالنسبة لهؤلاء الأَعراب، إذا قيست بمسأَلة حرصهم وإصرارهم على إخضاع المنطقة لرماحهم ينهبون ويسلبون في ظلها، كما هي شرعة الجاهلية في جميع مناطق الأَعراب. فباعث قلق الأَعراب من انتصار المسلمين في هذه المعركة وانتشار نفوذهم لم يكن باعثًا سياسيًا أو عقائديًا، وهذا عكس ما عليه أَهل مكة الذين يعتبرون أَنفسهم حراس الوثنية وسدنة الكعبة، والزعماء الروحيين لجميع المشركين في الجزيرة بحكم وجودهم في منطقة الحرم التي يعظمها ويحج إليها جميع الوثنيين على اختلافهم في تعدد الآلهة التي يعبدون من دُون الله. كما أَن قريشا كانت تعتبر من الناحية السياسية والمدنية والعسكرية

стр. 237

في الدرجة الأُولى بالنسبة لجميع سكان الجزيرة، ما أَعطاها مركزًا ممتازًا بين جميع قبائل العرب في كل هذه الميادين. ولهذا كان حقد قريش على محمد وبغضهم للإسلام قائمًا على بواعث عقائدية وسياسية في الدرجة الأُولي , ومن هنا صاروا أَشد سكان الجزيرة حرصًا على القضاء على محمد وقتل دعوته. إحاطة الأخطار بالمسلمين وهكذا وجد النبي ﷺ وصحبه أَنفسهم, بعد انتصارهم في بدر وسط دائرة من الأَخطار تحيط بهم من كل جانب. فهم وإن كان انتصارهم في بدر قد عزز مركزهم في المدينة أَكثر من أَى وقت مضى، حيث أَصبحت وما حواليها خاضعة لنفوذهم، إلا أَنهم أَصبحوا أَكثر من ذي قبل عرضة لشتى الدسائس والمؤامرات والاستفزازات والتحرشات العلنية من الوثنيين واليهود، الذين أَدركوا بعد معركة بدر - أَنهم أَمام قوة خطيرة تهدد نفوذهم وسلطانهم. مؤامرة لاغتيال النبي وبينما كان النبي وصحبه يتعرضون في المدينة وما حولها لشتي التحرشات والدسائس والاستفزازات كانت مكة ضدهم تغلى كالمرجل، تهدد وتتوعد حيث أَعلنت التعبئة العامة لغسل عار الهزيمة (بغزو محمد ﷺ في عقر داره). بل لقد بلغ الغيظ والحقد إلى أَبعد من هذا، فقد قررت مكة

стр. 238

اختصار الطريق للتخلص من النبي ﷺ فدبرت مؤامرة لاغتياله في المدينة. وهذه أَول مؤامرة تدبرها مكة لاغتيال النبي بعد معركة بدر. بطل المؤامرة وقد اختارت مكة لتنفيذ هذه المؤامرة الخطيرة شيطانًا من شياطين قريش، وفارسًا من فرسانها المشهورين بعدائهم الشديد وبغضهم العارم للنبي ودينه ... وهو عمير بن وهب الجمحي، الذي زاده كرها للنبي وحقدًا عليه أَن أَسر المسلمون ابنه وهبًا يوم بدر. فقد اتفق مع بعض زعماء مكة (وفي مقدمتهم صفوان بن أُمية الذي قتل أَبوه وأَخوه يوم بدر) على أَن يقوم باغتيال النبي في المدينة. وقد كان من السهل تنفيذ هذه المؤامرة، لولا عناية الله. ذلك أَن الوقت الذي حدّد فيه تنفيذ المؤامرة، كان وقتًا ليس من المستنكر فيه وجود أَي مشرك مكي في المدينة، فقد كان المنتدبون من مكة لدفع فداء الأَسرى، وإطلاق سراحهم موجودين بكثرة في المدينة. لهذا كانت خطة المؤامرة تقضى بأَن يذهب عمير بن وهب إلى المدينة بحجة دفع الفداء عن ابنه (١) والعودة به إلى مكة. وهناك يقوم باغتيال النبي ﷺ بطريقة انتحارية حيث تعهد لصفوان بن أُمية بقتل النبي أَينما وجده وبين أَي قوم لقيه , وفي مقابل

стр. 239

ذلك تعهد له صفوان بن أُمية بتسديد ما عليه من ديون، ثم إعالة عياله طيلة حياتهم إن هو قتل. فشل المؤامرة وفعلا وصل بطل المؤامرة إلى المدينة متظاهرًا بأَنه جاء لدفع الفداء عن ابنه وهب وإطلاق سراحة. وكان أَول من ارتاب في أمره وقرأ (بفراسته) نوايا الشر في وجهه، عمر بن الخطاب ﵁، فقد كان ابن الخطاب واقفًا مع نفر من المسلمين، قريبًا من المسجد، يتحدثون عن يوم بدر وما كتب الله لهم فيه من نصر حاسم. وبينما هم كذلك، إذ حانت التفاتة من ابن الخطاب، رأَى فيها عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد النبوي متوشحًا سيفه، فارتاب في أَمره وقال لرفقائه: هذا عدو الله عمير بن وهب، ما جاءَ إلا الشر، وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر (١). وفور رؤية ابن الخطاب لعمير بن وهب دخل على النبي، وهو في المسجد وقال: يا رسول الله , هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاءَ متوشحًا سيفه فقال النبي ﷺ ، ادخلوه علي.

стр. 240

احذروا عليه من هذا الخبيث فخرج ابن الخطاب من المسجد ليدخل عمير بن وهب على النبي (كما أَمر) وقبل أَن يدخله طلب من الصحابة الموجودين عند باب المسجد أَن يسارعوا بالدخول إلى المسجد ليتولوا حراسة رسول الله ﷺ ويراقبوا حركات عمير بن وهب عند دخوله على الرسول قائلا: أَدخلوه على رسول الله فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم قاد ابن الخطاب عمير هذا بحمائل سيفه بعد أَن لببه بها في عنقه حتى أَوقفه على النبي ﷺ ، وبمجرد وقوفه على النبي طلب ﷺ من ابن الخطاب أَن يطلقه قائلا: أَرسله يا عمر ... ثم قال النبي ﷺ : أُدن يا عمير. فدنا .. ثم قال: أَنعم صباحًا يا محمد .. وكانت هذه تحية الجاهلية. فقال الرسول ﷺ قد أَكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير .. بالسلام تحية أهل الجنة. كيف أسلم بطل المؤامرة ثم قال النبي ﷺ ما جاءَ بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأَسير الذي في أَيديكم، فأَحسنوا فيه. قال: فما بال السيف في عنقك؟ . قال: قبحها الله من سيوف، وهل أَغنت عنا شيئًا؟ قال: اصدقني، ما الذي جئت له?

стр. 241

قال: ما جئت إلا لذاك. قال: بل قعدت أَنت وصفوان بن أُمية في الحجر فذكرتما أَصحاب القليب من قريش , ثم قلت، لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أَقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أُمية بدينك وعيالك، على أَن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك. فقال عمير: أَشهد أَنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأْتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أَمر لم يحضره إلا أَنا وصفوان. والله إني لأَعلم ما أَتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإِسلام، وساقني هذا المساق. فقال الرسول ﷺ فقهوا أَخاكم في دينه وعلِّموه القرآن، وأَطلقوا أَسيره ففعلوا (١) وهكذا فشلت المؤامرة الخبيثة، وبدلا من أَن يعود بطلها إلى مكة مبشرًا رءوس الكفر بقتل النبي ﷺ عاد إليهم مسلمًا، يتحدى مكة كلها بإسلامه، فقد جاهر أَهل مكة بأَنه قد أَسلم، وكان شجاعًا مهيبًا، ولذلك لم يجرؤ أحد من أَشراف مكة على التعرض له عندما قام يدعو إلى الإِسلام علنا في مكة , حيث كان من المحظور التظاهر بالإسلام فضلًا عن الدعوة إليه، وخاصة بعد معركة بدر. قال ابن كثير في تاريخه: إن عمير هذا بعد أن هداه الله للإِسلام استأْذن الرسول ﷺ في العودة إلى مكة ليكون داعية إلى الإِسلام قائلا: "يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إِطفاءِ نور الله شديد الأَذى لمن كان على دين الله، وأَنا أَحب أَن تأْذن لي فأَقدم مكة فأَدعوهم إلى الله

стр. 242

وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أُوذى أَصحابك في دينهم". فأَذن له الرسول ﷺ فلحق بمكة، (وكان صفوان يتوقع وصوله بين آونة وأُخرى) فكأن يسأَل عنه الركبان، حتى قدم راكب (قبل عمير) فأَخبر صفوان عن إسلامه، فغضب غضبًا شديدًا وحلف أَن لا يكلمه أَبدًا ولا ينفعه نفعًا أَبدًا. قال ابن إسحاق، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإِسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأَسلم على يديه ناس كثير. نظرة وتحليل وهكذا انتهت معركة بدر، هذه النهاية التي غيرت موازين القوى الروحية والسياسية والعسكرية والاجتماعية في الجزيرة العربية، وقفزت بسمعة المسلمين العسكرية إلى الذروة وجعلتهم سادة الموقف، وخاصة في منطقة يثرب. كما تدهورت لها (من ناحية أخرى) سمعة قريش العسكرية والسياسية في أنحاء الجزيرة. معركة عفوية ومما لا جدال فيه أَن معركة بدر هي معركة عفوية غير مقصودة (أصلا) من جانب المسلمين، وإنما أُجبروا على خوضها دونما سابق استعداد أَو قصد مبيت. فهم عندما خرجوا من المدينة , إنما كان قصدهم العير , وهي قافلة

стр. 243

للعدو آتية من الشام إلى مكة، لم يزد حرسها على أَربعين مقاتلا. وهو أَمر لا يستحق من الاستعداد أَكثر مما استعد به جيش المدينة عندما غادرها للاستيلاءِ على القافلة. ولقد كان المسلمون -وخاصة المهاجرين الذين هاجروا وكل واحد منهم صفر اليدين بعد أَن صادر مشركومكة كل أَموالهم- كانوا حريصين كل الحرص على الاستيلاء على هذه القافلة الضخمة التي تتأَلف من أَلف بعير محملة بمختلف السلع والأَرزاق. وكان الصحابة يومها في ضيق من العيش، يدل على هذا أَن النبي ﷺ لما فاتته العير وانتهى إلى بدر قال: اللهم إنهم جياع فأَشبعهم، اللهم إنهم حفاة فأَحملهم، اللهم إنهم عراة فأَكسهم (١). فقد كانوا يريدون العير، ولكن الله أَراد غير الذي أَرادوا، حيث وجدوا أَنفسهم (بدلا من العير وما تحمله من أَرزاق وأَموال يحلمون بالاستيلاء عليها) أَمام جيش لجب عرمرم، لا يحمل تجارة ولا أَرزاقا، وإنما يحمل أَلف سيف يجرها أَلف مقاتل من صفوة شباب مكة وأَمهر قادتها بحثًا عن الموت، فأُجبروا على خوض معركة يفوقهم فيها العدو عددًا وعدة أضعافًا مضاعفة. غير ذات الشوكة وهذا هو الذي عناه الله تعالى بقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).

стр. 244

لقد أَراد المسلمون أَن تكون لهم العير التي لا شوكة لها. ولكن الله أراد أَن تكون ملحمة لا غنيمة، وأَن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويباطل الباطل ويزهقه، وأَراد أَن يقطع دابر الكافرين، فيُقتل منهم فريق ويؤسر منهم فريق، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتدول دولتهم، تخفق راية الإِسلام عالية جهارًا نهارًا، عن استحقاق لا مصادفة، وبالجهد والجهاد، لا بالمال ولا بالأَنفال. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أَن تصبح أُمة وأَن تصبح دولة، وأَن يصبح لها سلطان وقوة، وأَراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أَعدائها، فترجح قوتها على قوة أَعدائها. وأَن تعلم أَن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد، إِنما هو بمقدار اتصال القلوب بالقوة الكبرى، التي لا تقف لها في الأَرض قوة، وأَن يكون هذا عن تجربة واقعية، لا كلامًا ولا اعتقادًا. لتتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن أَنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أَن تغلب خصومها وأَعداءَها مهما تكن هي من القلة فيكن عدوها من الكثرة. ومهما تكن هي من ضعف القوة المادية فيكن عدوها من الاستعداد والعتاد، وما كان هذا المعنى ليستقر في القلوب كما استقر بالمعركة الفاصلة بين قوة الإِيمان، وقوة الطغيان. وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أَراده المسلمون لأَنفسهم يومذاك , وما أَراد لهم الله , بين ما حسبه المسلمون خيرًا، وما قدره الله من الخير.

стр. 245

ينظر فيرى هذه الآماد المتطاولة، ويعلم كيف يخطئ الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أَن يختاروا لأنفسهم الخير، ما لم يوفقهم الله إليه، وحين يتضررون مما يريده الله لهم، وقد يكمن وراءَه الخير الذي لا يخطر لهم ببال ولا بخيال. فأين ما أرادوه لأنفسهم مما أراده الله لهم؟ ؟ لقد كانت تمضى - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة .. قصة قوم أغاروا على قافلة تجارة فغنموها (فحسب). فأَما معركة بدر فقد مضت في التاريخ كله، قصة نصر حاسم، قصة فرقان بين الحق والباطل، قصة انتصار الحق على أعدائه، المدججين بالسلاح، المزودين بكل زاد، وهو في قلة العدد، وضعف في الزاد والراحلة، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي، بل قصة انتصار حفنة من القلوب من حولها الكارهون للقتال، ولكنها بيقينها انتصرت على نفسها، وانتصرت على من حولها وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل، فقلبت بيقينها الميزان، فإذا الحق راجح غالب. إلا أن غزوة بدر بملابساتها هذه، لتمضي مثلًا في التاريخ، ألا وإنها لتقرر دستور النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة، الأسباب الحقيقية، لا الأسباب الظاهرة المادية، ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأَجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها، فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الماضية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض (١).

стр. 246

أسباب النصر الظاهرية لا جدال في أن القوتين المتصادمتين في معركة بدر، قد كانتا غير متكافئتين من ناحية العدد والاستعداد والعُدد. فقد كان عدد جيش مكة حوالي ألف مقاتل خرجوا من مكة وهم مستعدون لحرب، بينما كان عدد جيش المدينة ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا، غادروا المدينة وهم على غير استعداد للحرب، إذ لم يدر بخلَدَ أحد منهم أنه سيخوض مثل هذه المعركة الرهيبة. فما هي (إذن) أسباب النصر الرئيسية في هذه المعركة، وقد انعدمت - في جانب المسلمين - كل الأسباب المادية التي بها عادة يتم النصر في المعارك؟ . مجمل الأسباب يمكننا - على ضوء الاطلاع على مراحل المعركة منذ البداية - أن نلخص أسباب هذا النصر - بعد التأييد الإلهى فيما يلي: ١ - عدم التحمس في جيش مكة .. فبالرغم من أن هذا الجيش اللجب (١) قد خرج من مكة وهو يتدفق حماسًا للقتال دفاعًا عن العير، وحفاظًا على سمعة قريش التي سيصيبها الانهيار لو أن محمدًا تمكن من الاستيلاء على تلك القافلة القرشية الضخمة، فإن هذا الجيش قد فتر حماسه للقتال عندما بلغته أَنباءُ نجاة العير من قبضة جيش النبي ﷺ . لا سيما بعد أن جاهر كثير من قادة هذا الجيش في رابغ وفي بدر

стр. 247

نفسها بضرورة عودته دونما اصطدام بجيش المدينة، حيث يعد أي مبرر لهذا الاصطدام بعد نجاة العير التي خرجوا لإنقاذها. وهذا كان رأى الأَخنس بن شريق الثقفي الذي انشق على جيش مكة في رابغ ورجع بجميع حلفائه من أفراد قبيلة بني زهرة، عندما لم يصغ أبو جهل لنصحه، كما كان هذا الرأي أيضًا، رأى عتبة بن ربيعة وغيره من أشراف مكة الذين قاموا بمحاولة صادقة وهم في بدر لكى يتجنب جيش مكة خوض هذه المعركة، ونادوا علنًا داخل معسكر قريش بأنه من غير الصواب خوض معركة تصطدم فيها الأُسرة الواحدة، دونما داع لها ولا مبرر (١)، ولكنهم غلبوا على أمرهم، حيث تغليت الرعونة على الرزانة والتعقل. وهذا يعني أن جيش مكة أو أكثره قد خاض هذه المعركة على كره منه، أو غير متحمس لخوضها على الأقل، وهذا في علم الحروب وفلسفة المعارك من أهم الأسباب التي تؤدى إلى الهزائم العاجلة. ٢ - الاعتداءُ .. لقد كانت الحروب من أكره الأشياء إلى النفوس في كل زمان ومكان، ولذا كانت الكريهة اسما من أسمائها، وكان العقلاءُ (في كل عصر) لا يخوضونها إلا لأسباب موجبة قاهرة، لأنهم يعلمون تمام العلم أن الباغى هو المصروع عادة. ومعركة بدر هذه، كان البغي والعدوان والخيلاءُ والغطرسة باعثها الأول من جانب قادة قريش وإن شئت قل، من جانب أبي جهل السيد المشئوم المطاع.

стр. 248

فقد خرج جيش مكة وغايته الأساسية الدفاع عن ألف بعير بأحمالها، وإنقاذها من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وهذا وحده (في نظر جيش مكة) مما يسبغ الشرعية على المعركة وينفي عنصر البغي عنها، ويجعل هذا الجيش يخوضها وهو مقتنع بضرورة خوضها. ولكن هذا الجيش لما وصل إلى رابغ وهي تبعد عن مكان المعركة حوالي مائة وخمسة وعشرين ميلا بلغه نبأُ نجاة القافلة، فزال الموجب والمبرر للقتال، ونادى العقلاءُ بعودة الجيش إلى مكة من مكانه في رابغ، كما حاولوا مرة أخرى موادعة محمد ﷺ (وقد تقابلوا معه وجها لوجه) والعودة إلى مكة دونما قتال، ولكن أبا جهل أصر (أمام كلا المحاولتين) على أن تخوض مكة هذه المعركة باغية معتدية، فخاضتها وكانت نتيجة يتوقعها العقلاءُ دائمًا لكل جيش يقاتل بدافع الباغي والعدوان. ٣ - العقيدة، وهي أم أسباب النصر .. لقد خاض المسلمون هذه المعركة وهم على صلة وثيقة بالله . فقد خاضها كل واحد منهم وهو على يقين بأنه لا شك فائز بإحدى الحسنيين، إما الموت، وهو الشهادة التي بها يدخل الجنة ويعيش فيها عيشة أشرف وأفضل من عيشة الحياة الدنيا من جميع الوجوه (١) وإما

стр. 249

النصر الذي به يعود مرفوع الرأس موفور الكرامة وقد ساهم في نشر العقيدة التي في سبيل نشرها استطاب الموت واستعذب موارده. وهذا دونما شك من أهم بواعث الروح المعنوية التي يعتبرها العسكريون (في كل زمان ومكان) من أهم العناصر التي يجب أن تتوفر في كل جيش لضمان النصر في أية معركة يخوضها. فالعقيدة الصادقة هي مصدر الزخم والقوة لكل أُمة دخلت التاريخ من باب المجد واستوت في قمة الزمان على عرش السؤدد المقامة دعائمه على المحبة والعدل والنزاهة، وهذا هو الذي سجله التاريخ العرب (قبل غيرهم) عندما ساروا في حربهم وسلمهم على هدي العقيدة الصحيحة والمبدإ الثابت السليم الذي جاء به الإسلام. أما المشركون فليسوا كالمسلمين - يدافعون عن عقيدة صحيحة أو يقاتلون في سبيل مبدإ سليم - وإنما يقاتلون بطرًا ورياء وسمعة وسفها (١) فحسب. وهذا لا يمكن البتة، أن يكون باعثًا لشيء من الروح المعنوية الحقة التي هـہي العنصر الضروري الذي يجب توفره للحصول على النصر في أية معركة حربية. فالروح المعنوية - التي معدنها الفياض العقيدة الصالحة - إذا انعدمت في جيش فإن أمل قادته في النصر على أعدائهم، الزاحفين

стр. 250

تحت لواء العقيدة الصحيحة، يكون ضعيفًا هو الذي حدث فعلًا في بدر، ويحدث غالبًا في كثير من المعارك حتى يومنا. ٤ - الأُسلوب الجديد في القتال. لقد دخل المسلمون معركة بدر بأُسلوب جديد يعرفه العرب في تاريخهم، وقد فاجأ النبي أعداءه في بدر بهذا الأسلوب، فكان لهذه المفاجأة أثر كبير في انتصار المسلمين، ويمكن تلخيص هذا الأسلوب المبتكر فيما يلي: ١ - القيادة ... قال السيد اللواء الركن محمود شيت خطاب (١) في كتابه (الرسول القائد): كان النھبي ﷺ هـہوالقائد الأعلى للجيش، وكان المسلمون يعملون في المعركة، كَيَدٍ واحدة تحت قيادة واحدة، يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم، وهذا هو واجب القائد الكفء. وكان ضبط المسلمين تجاه تنفيذ أوامره مثالًا رائعًا للضبط الحقيق المتين، وإذا كان الضبط أساس الجندية، وإذا كان الجيش الممتاز
следующие страницы →