← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عداوة هوازن للإِسلام كانت هوازن -كما قلنا - أحد عدوين قويين رئيسيين ظلا على عداء للإسلام وفي حالة حرب معه، وهما هوازن وقريش. أما قريش، فقد انتهى وجودها السيامى والعسكري والدينى الوثنى بوقوع عاصمتها مكة في أيدى القوات النبوية في العشرين من شهر رمضان عام ثمان للهجرة. فبقيت (هوازن) وحدها في الميدان، القوة الرئيسية التي عليها أن تواجه الجيش النبوي، وكانت هوازن (كما ذكرنا) ذات قوة عظيمة، وكانت لعدائها للإِسلام ورغبتها في القضاء على قوته العسكرية لينهار من القواعد تعد العدة لمواجهة المسلمين من زمن بعيد يرجع إلى ما قبل فتح مكة. فقد رأينا كيف أن طلائع الاستكشاف للجيش النبوي (وهو يزحف نحو مكة) ألقت القبض على جاسوس كان يرصد تحركات الجيش النبوي. اتضح على أثر استجواب الرسول ﷺ لهذا الجاسوس أنه كان يعمل لحساب (هوازن) بعثت به لينقل لها ما تحتاجه من معلومات عن المسلمين وعن قواتهم العسكرية والجهة التي يقصدونها بتحركاتهم (١). فهوازن (إذن) كانت تستعد للصدام مع المسلمين حتى قبل أن تتم لهم السيطرة على مكة، بان ذلك واضحًا من بثها الأرصاد والجواسيس لرصد تحركات المسلمين. المتعداد هوازن للزحف على مكة وزاد هوازن إصرارًا على الصدام والدخول في معركة فاصلة مع المسلمين، أن وقعت العاصمة المقدسة مكة في قبضة قوات الجيش الإسلامي. وبات من المؤكد لدى سادة هوازن الوثنيين أن دورهم في المواجهة الحربية مع المسلمين، لا بد أن يكون قريبًا. وكانت هوازن مستعدة للصدام المسلح والمواجهة الحربية مع المسلمين قبل

стр. 2207

أن تتم السيطرة لهم على العاصمة المقدسة. غير أن وقوع مكة في أيدى المسلمين ألهب نفوس الهوازنيين حنقًا مشوبًا بالخوف من قوة المسلمين التي باتت ترابط على مقربة من حدود ديارهم. فزادوا من استعدادهم للحرب، وكانوا كما قلنا قبائل وبطونًا كثيرة تسكن مناطق شاسعة من قلب الجزيرة تتخللها جبال شاهقة ووديان سحيقة كلها مواقع استراتيجية تصلح للدفاع. ولو أن هوازن تحصنت في بلادها وانتظرت وصول الجيش الإسلامي فتقاتله في أراضيها وبين ديارها، لكان ذلك أصلح لهوازن، وأصعب على جيش الإسلام. وكانت هذه الفكرة من الناحية العسكرية التعبوية فكرة صائبة بالنسبة لهوازن، لأن تنفيذها يجعل مهمة الجيش الإِسلامي المكلف بإنهاء كل وجود وثنى في جزيرة العرب مهمة صعبة للغاية لأنه ليس من السهل (بل من الصعب جدًّا) على جيش الإسلام الصغير (نسبيًا) أن يقاتل عشرات الألوف من هوازن القبائل الشرسة المحاربة في قمم الجبال الشاهقة وبطون الوديان السحيقة وأمام الحصون المنيعة داخل أراضيهم. هذه حقيقة من الناحية العسكرية لا غبار عليها، فالجيش الإِسلامي لا يزيد على اثنى عشر ألفًا، بينما المحاربون من قبائل هوازن سوف لا يقلون على أربعين ألفًا إذا ما ظلوا مرابطين في بلادهم المنيعة المحصنة، وعلى المسلمين أن ينازلوا هذا العدد الضخم من هؤلاء المحاربين ذوي القدرة القتالية الممتازة التي اشتهروا بها بين العرب، ومنازلتهم أمر صعب على المسلمين سيكلفهم غاليًا إذا ما اضطروا لمهاجة هوازن في ديارها، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار مناعة بلادهم وشدة تحصنهم فيها. وسنرى فيما يأتي من هذا الكتاب، (إن شاء الله) كيف قاومت ثقيف الجيش النبوي (بعد انتصاره في معركة حنين الفاصلة) فلم يتمكن من التغلب على بطن واحد من هوازن، وهم (ثقيف) حيث لم يستطع اقتحام مواقعهم الحصينة التي اعتصموا بها في الطائف ففك الحصار عنهم الذي دام

стр. 2208

حوالي عشرين يومًا، وانصرف عنهم راجعًا إلى المدينة دون أن يخضعهم، وظلوا غير خاضعين للإسلام حتى دخلوا فيه باختيارهم في السنة التاسعة للهجرة، بعد أن رأوا أنه لم يبق غيرهم في المنطقة خارجًا عن نطاق الإِسلام. تنصيب مالك بن عوف قائدًا لهوازن غير أنه لسوء حظ هوازن وحسن حظ المسلمين، أن ظهر بين هوازن شاب شجاع جرئ مقدام لا يهاب الموت، بلغت شجاعته إلى حد التهور والطيش، الذي جعله يجعل هوازن عرضة لهزيمة مدمرة لم ينزل مثلها في الفداحة بحي من العرب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. هذا الشاب هو مالك بن عوف النصرى (أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن) فقد انتزع من بين جميع عشائر هوازن القيادة، إذ بما امتاز به من شجاعة رفصاحة نصبته هوازن ملكًا عليها، وارتضته قائدًا أعلى لقواتها عقب تأزم الموقف بوقوع مكة في قبضة المسلمين. فأخذ مالك بن عوف - بما يمتاز به من جرأة وفصاحة وشجاعة وتهوّر وإقدام يعشقه العرلى القبلى، أخذ يهيئ قبائل هوازن - التي استجاب له معظمها - يهيؤها لا للدفاع عن بلادها إذا ما تعرضت لهجوم المسلمين، بل أخذ يهيئ هذه القبائل ويعبئ شعورها ويحشد الآلاف من رجالها للزحف على مكة وإخراج المسلمين منها بقوة السلاح. قال الطبري ج ٣ ص ٧٠ - ٧١: حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال لما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصرى، واجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمّة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. وكان شيخًا كبيرًا مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهما في الأحلاف:

стр. 2209

قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال وجاع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى. أسلوب الواقدي في الرواية وقال الواقدي في كتابه المغازي ج ٣ ص ٨٨٥ - ٨٨٦: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجى قال: حدثني الواقدي قال: حدثنا محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح، وأبو معشر، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل، وعبد الصمد بن محمد السعدي، ومعاذ بن محمد، وبكير بن مسمار، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، فكلّ قد حدثنا بطائفة، وغير هؤلاء، حدثنا ممن لم أُسَمِّ، أهل ثقة، فكل حدثنا بطائفة من هذا الحديث، وبعضهم أوعى له من بعض، وقد جمعت كل ما حدثونى به. قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ مكة مشت أشراف هوازن بعضها إلى بعض وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وبغوا وأظهروا أن قالوا: والله ما لاقى محمد قومًا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم. فأجمعت هوازن أمرها وجمعها مالك بن عوف - وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة - وكان سيدًا فيها مسبلًا، يفعل في ماله ويحمد، فاجتمعت هوازن كلها، وكان في ثقيف سيدان لها يومئذ: قارب بن الأسود بن مسعود في الأحلاف، هو (الذي) قادها، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث - ويقال الأحمر بن الحارث - وهو الذي قادها مواليًا ثقيفًا، فأوعبت كلها مع هوازن - وقد أجمعوا المسير إلى محمد، فوجد ثقيفًا إلى ذلك سراعًا، فقالوا: قد كنا نهم بالمسير إليه ونكره أن يسير إلينا، ومع ذلك لو سار إلينا لوجد حصنًا حصينًا نقاتل دونه، وطعامًا كثيرًا، حتى نصيبه أو ينصرف، ولكنّا لا نريد ذلك، ونسير معكم ونكون يدًا واحدة. فخرجوا معهم. قال غيلان بن سلمة الثقفى لبنيه، وهم عشرة: إني أريد أمرًا كائنة له أمور، لا يشهدها رجل منكم إلا على فرسه. فشهدها عشرة من ولده على

стр. 2210

عشرة أفراس، فلما انهزموا بأوطاس هربوا، فدخلوا حصن الطائف فغلقوه. وقال كنانة بن عبد يا ليل: يا معشر ثقيف، إنكم تخرجون من حصونكم وتسيرون إلى رجل لا تدرون أيكون لكم أم عليكم، فمروا بحصنكم أن يُرَم ما رث منه، فإنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه. فأمروا به أن يصلح، وخلفوا على مرمّته رجلًا وساروا، وشهدها ناس من بني لم هلال ليسوا بكثير، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب.

стр. 2211

الفصل الثالث • الرسول يتحرك من مكة إلى حنين. • الرسول يقترض المال ويستعير السلاح من أهل مكة. • عيوب الغرور والإِعجاب بالنفس. • من رواسب الجاهلية؛ المطالبة بذات أنواط. • استخبارات هوازن في المعسكر النبوي. • أسلوب قائد هوازن في تعبئة جيشه. • كيف عبَّأ الرسول جيشه. • محاولة اغتيال الرسول ﷺ أثناء التحرك.

стр. 2212

الحالة بين هوازن وقريش بعد ظهور الإسلام لم تكن العلاقات بين قريش وبين هوازن علاقات حسنة، بل كانت علاقات أشبه ما تكون حالتها بحرب قبلية .. وذلك منذ حرب الفِجار، فليس هناك ود بين قريش وبين هوازن بل قطعة وتربص. ولهذا لم يكن هناك أي اتصال أو تنسيق بين قريش وبين هوازن، عندما بدأت نذر الغزو النبوي لمكة تلمح في الأفق. ولكن عندما وقعت مكة في قبضة جيش التوحيد شعر قادة هوازن بحرارة خطر الوجود الإِسلامي تلفح وجوههم، فاستعد قائدهم الشاب مالك بن عوف للمواجهة وحشد عشرين ألف مقاتل، لا للدفاع عن بلاد هوازن، وإنما للزحف على مكة لضرب المسلمين وإخراج الجيش النبوي منها لتعود من جديد تحت سلطان الوثنية. أسلوب قائد هوازن المتهور في التعبئة وقد اتبع القائد الشاب مالك بن عوف في تعبئة هوازن أسلوبًا غريبًا متهورًا، لم يسلكه أحد قبله في المعارك الفاصلة التي نشبت في الجزيرة. فبعد أن تم له حشد عشرين ألف مقاتل من مختلف قبائل هوازن، قرر أن يزحف بهم على مكة، والأسلوب الغريب المتهور الذي اتبعه قائد هوازن، هو أنه قرر أن يصحب كل جندى أو قائد في جيش هوازن نساءه وأطفاله وكل ما يملك من إبل وشاة وذهب وفضة. وهدف القائد الشاب من وراء ذلك أن يعطى المقاتلين في جيشه مزيدًا من التصميم على القتال عندما يصطدم بالمسلمين، وأن يقطع على كل مقاتل في الجيش فكرة الفرار من أمام المسلمين عند اللقاء، على أساس الاعتقاد أنه من المستحيل على محارب أن يهرب من الميدان ويترك زوجته ونساءه وكل ما يملك يقع في قبضة أعدائه. ذلك هو منطلق فهم القائد الشاب مالك بن عوف للوضع وهو يحشد جيشه ويرسم الخطط للمعركة الفاصلة مع المسلمين، وقد نسى، أو بالأحرى جهل (لعدم خبرته بالسياسة الحربية) أن المنهزم لا يرده شيء، كما قال

стр. 2213

المحارب الشهير دريد بن الصمّة الجشمى ذلك لمالك بن عوف - وهو ينصحه بإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال ويلقى المسلمين متون الخيل -كما سيأتي فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله. أول انشقاق في جيش هوازن ورغم الحشد الكبير الذي حشده مالك بن عوف النصرى (عشرين ألفًا لغزو المسلمين في مكة) فإن شقاقًا خطيرًا قد حدث بين صفوف التجمع الوثنى الهوازني. فقد عارضت قبيلتان طما وزنهما العسكري الكبير بين هوازن .. عارضت هاتان القبيلتان فكرة مالك بن عوف القائد العام، والقائلة بنقل المعركة إلى مكة ومحاربة المسلمين لإِخراجهم منها، وكانت معارضة هاتين القبيلتين (على ما يبدو) منطلقة من أن ترك هوازن لديارها وزحفها بقضها وقضيضها ونسائها وأطفالها وأموالها لمواجهة المسلمين خارج ديار هوازن، يحمل كل معاني التهور وعدم الحسبان للنتائج حيث يعرض هوازن لخطر مدمر لأن الحرب (أيّ حرب) غير مأمونة عواقبها، إذ لو حديث (وهو ما حدث بالفعل) وأن نزلت الهزيمة بهوازن فإنها ستكون هزيمة فاضحة فاضحة لا يمكن أن تقوم لهوازن بعدها قائمة، حيث سيقع نساؤها وأبناؤها وكل ما تملك غنيمة في أيدى المسلمين. غير أن مالك بن عوف غلبه طيش الشباب فاصر على تنفيذ فكرته، وقرر الزحف (حسب الخطة المرسومة) على المسلمين في مكة. وهكذا ولا لم يسمع صوت المعارضة بين هوازن والمتمثل في رجال قبيلتى (كعب (١) وكلاب (٢) وهما من بني عامر بن صعصعة) أعلنت هاتان

стр. 2214

القبيلتان رفض الانضمام إلى جيش هوازن الغازى، فحدث بذلك أول انشقاق خطير في جيش هوازن، لأن قبيلتى (كعب وكلاب) تعتبر من أهم الأجنحة العسكرية ذات القدرة القتالية والكثرة العددية بين قبائل هوازن. هذا ما شهد به الخبير العسكري المجرب (دريد بن الصمة) عندما تبلغ وهو في وادي حنين يجادل القائد العام مالك بن عوف حول الخطأ القاتل الذي ارتكبه باصطحاب الجيش نساءه وأطفاله وأمواله. فقد سأل دريد بن الصمة (وهو ينصح مالك بن عوف بإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال): - ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: ليس في الجيش منهم أحد. فقال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب (١). وكان الذي منع كلابًا من حضور حنين مع هوازن، ابن أبي البراء. فقد روى الواقدي في مغازيه ج ٣ ص ٨٨٦ فقال: ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وقد كانت كلاب قريبة، فقيل لبعضهم: لم تركتها كلاب؟ فقال: أما والله إن كانت لقريبة، ولكن ابن أبي البراء مشى فنهاها عن الحضور فأطاعته، وقال: والله لو ناوأ محمدًا من بين المشرق والمغرب لظهر عليه. ورغم انشقاق كعب وكلاب من صفوف التجمع الهوازني وتمردها على القائد العام مالك بن عوف بعدم انصياعها لأوامره وإعلانها عدم الانخراط في سلك جيشه، فإن قوة هوازن بقيت (من الناحية الحربية) قوة جبارة مرهوبه حيث انصاع عشرون ألف مقاتل من هوازن لقائدهم الشاب مالك بن عوف، يقابلهم اثنا عشر ألف مقاتل من المسلمين.

стр. 2215

وتدل لهجة المؤرخين في أمهات التاريخ على أن النية كانت مبيتة لدى هوازن لمواجهة المسلمين وغزوهم في أي مكان، وأنهم كانوا يعدون العدة لذلك حتى قبل أن تتم السيطرة للمسلمين على مكة، كما أنهم كانوا في استعدادهم قد ذهبوا إلى أن يدخلوا في حسابهم أسوأ الظروف، فحسبوا (وهم يضعون خطة الحرب ضد المسلمين أينما كانوا) حساب احتمال نزول الهزيمة بهم وهم يشنون الهجوم على المسلمين في أي مكان. فوضعوا (انطلاقًا من هذا الحسبان) خطة الدفاع -بعد وضعهم الهجوم-، وخطة الدفاع هذه تتلخص في الاستعداد للتحصن في المدن (كالطائف مثلًا) إذا ما كانت الهزيمة نصيبهم من هجومهم على المسلمين. واستكمالًا لخطة الدفاع هذه (وهي خطة احتياطية) أرسلوا من ثقيف (بطن من هوازن) بعثة أبي مدينة جرش في الأُردن التي كانت جزءًا من الشام الخاضع يوم ذاك لسلطان الإِمبراطورية الرومانية المعادية للإسلام والمسلمين. وكانت مهمة هذه البعثة التي كان يرأسها (عروة بن مسعود (١) الحصول على آلات حرب ثقيلة تصلح للحروب التي يكون فيها حصار، بحيث تُستخدم في الدفاع عن القلاع والحصون، وفي شن الهجمات المضادة على جيش العدو الذي يتولى الحصار. وكانت جرش (الرومانية آن ذاك) بها مصانع للمنجنيقات والعرادات (راجمات) والدبابات (آلات واقية يتستر خلفها الجنود عند الزحف في بعض الحالات لتقيهم السهام)، ولذلك قررت هوازن ضمن خطتها الحربية أن ترسل هذه البعثة للحصول من المصانع الرومانية في (جرش) على هذه الأسلحة الحربية الثقيلة. وكانت هذه الخطة التي تدل على تبييت النية على غزو المسلمين من قبل هوازن قبل وصولهم مكة بل وحتى قبل تحركهم من المدينة .. كانت هذه الخطة قد كشفها جاسوس من هوازن ألقت عليه القبض جريدة من الخيل التابعة لسلاح الاستكشاف في الجيش النبوي الذي كان يتحرك من المدينة نحو مكة.

стр. 2216

فقد ذكر المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع) أن النبي ﷺ وهو يتحرك بجيشه من المدينة صوب مكة، قدم جريدة من الخيل طليعة، فألقت هذه الطليعة القبض على رجل من هوازن، كان يعمل في جهاز استخبارات مالك بن عوف سيد هوازن وقائدها، ليمد هذا الجهاز بما يحتاج من أخبار عن المسلمين، وتحركات جيشهم الذي كانت هوازن تتوقعه بعد نقض قريش صلح الحديبية. فعندما مَثَلَ هذا الجاسوس الهوازنى بين يدي القائد الأعلى النبي، سأله (أثناء استجوابه) عن حقيقة الوضع العسكري الذي عليه قبائل هوازن فقال: قد جمعوا الجموع وأجلبوا العرب، وبعثوا إلى ثقيف فأجابتهم، فتركت ثقيفًا قد جمعوا الجموع وأجلبوا العرب وبعثوا إلى جرش في عمل الدبابات والمنجنيق، وهم سائرون إلى هوازن، فيكونون جميعًا .. فقال الرسول ﷺ : وكل هوازن قد أجاب؟ . قال الجاسوس: كلا، أبطأ من بني عامر، كعب وكلاب. فقال النبي ﷺ (معقبًا على ما أدلى به جاسوس هوازن من معلومات): ما أراه إلا صدقنى، ثم أمر بحبسه حبسًا تحفظيًا (١). استخبارات الرسول في ديار هوازن وهكذا فالرسول القائد ﷺ قد كان علي علم بما يجرى في ديار هوازن، فلم يكن (بعد استيلائه على مكة) غافلًا عما يجرى هناك. فقد كان (كما هو واضح) على علم بالعداوة الشديدة التي تضمرها له قبائل هوازن، والنية المبيتة التي تحمل في نفوس هذه القبائل العزم على غزو المسلمين أينما كانوا. فقد أبلغت الرسول ﷺ عيونه (استخباراته) التي بثها بين يديه- وهو يتحرك بالجيش نحو مكة قبل فتحها- أبلغته أن هناك تحشدات واسعة تقوم بها الأحلاف من هوازن .. القصد منها مواجهة المسلمين في معركة فاصلة.

стр. 2217

إلا أن المعلومات عما يجرى في ديار هوازن ضد المسلمين لم تكن متكاملة لدى الرسول القائد ﷺ لأن أحدًا من رجال استخباراته (بالذات) لم يكن قد ذهب إلى ديار هوازن، واختلط هناك بالقوم ورأى بعينه وسمع بأُذنه ما يجرى ضد المسلمين. لذلك قرر الرسول ﷺ أن يبعث رجلًا من أصحابه إلى ديار هوازن ليجمع له كل المعلومات اللازمة عن كل ما يجرى هناك ضد المسلمين. فكان رجل الاستخبارات الذي وقع عليه اختيار النبي ﷺ للقيام بهذه المهمة الخطيرة، رجلًا من بني سليم المجاورة ديارهم لديار هوازن، وهذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي (١). الصحابي الشهير، والبطل المشهور في معارك خيبر. فقد استدعاه الرسول ﷺ وكلفه بأن يذهب إلى ديار هوازن، وأن يتنكر لئلا يعرف أحد من هوازن حقيقته، ولكى يتمكن من الاختلاط بهم، ويعرف كل ما يجب أن يلم به الرسول ﷺ ومدى قوتهم وأى الطرق يريدون سلوكه، إلى غير ذلك مما يجب أن يعرفه قائد مسئول عن حقيقة عدوه من كل النواحى. وقد صدع ابن أبي حدر بأمر النبي ﷺ فذهب إلى مقر قيادة هوازن بأرضهم فاختلط بمختلف القيادات الرئيسية والفرعية هناك، واندس داخل جموع القبائل، واستمر هناك عدة أيام يدوِّن في ذاكرته كل ما يهم رسوله محمدًا ﷺ من معلومات عن تلك الحشود الهوازنية. وبعد أن رأى عبد الله بن أبي حدرد، أنه قد حصل على ما فيه الكفاية من معلومات يحتاجها الرسول القائد ﷺ انسل من بين جوع هوازن التي توافدت الآلاف من كل عشيرة وفخيذة منها إلى حيث يعسكر قائدها العام مالك بن عوف النصرى مجيبة دعتهه إلى حرب رسول الله ﷺ . وكانت هوازن (كما قلنا) جيلًا عظيمًا ذا أفخاذ وبطون عظيمة تحتل ديارها مساحة عظيمة من الجزيرة متداخلة من الحجاز ونجد. فهي قبيلة حجازية نجدية.

стр. 2218

انسل رجل الاستخبارات النبوية (عبد الله بن أبي حدرد) من بين الجموع الزاخرة من هوازن واتجه صوب مكة حيث يقيم ﷺ بعسكره بعد الفتح. التقرير عن حالة هوازن الحربية وعندما وصل رجل الاستخبارات ابن أبي حدرد إلى مكة قدم للرسول والقائد الأعلى للجيش تقريرًا شفويًا مفصلًا عن جيش هوازن، وما يقوم به من استعداد لحرب الرسول ﷺ وتبلغ الرسول ﷺ ضمن التقرير الذي قدم إليه عن وضع هوازن العسكري -أنها قد حشدت عشرين ألف مقاتل، ولا شك أنه تلقى ضمن هذا التقرير أن هوازن قد قررت عدم الانتظار في ديارها وقمم جبالها، بل استجابت لغرور قائدها اليافع مالك بن عوف، فقررت القيام بغزو المسلمين في مكة نفسها. وأنها قد عسكرت بوادى حنين. ولذلك سارع النبي ﷺ وبأقصى سرعة إلى الخروج من مكة بالجيش ليكون صدامه مع هوازن الغازية خارج مكة. حتى إن الرسول ﷺ (لخطورة الوضع) كما يقول الواقدي تحرك من مكة بجيشه ثانى يوم عيد الفطر. كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله. قال ابن إسحاق ولما سمع رسول الله ﷺ بهم (أي بهوازن) بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم، حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدر فدخل فهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله ﷺ ، وسمع من مالك (ابن عوف) وأمر هوازن وما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر (١). تحرك هوازن صوب مكة هكذا بعد أن أكملت هوازن تجهيزها واكتمل حشد القسم الأكبر من جيشها في أعاليها تحرك بها ملكها الشاب (مالك بن عوف) صوب مكة لمنازلة المسلمين فيها قبل أن يسيروا إليه هم منها.

стр. 2219

وكان مالك قد أصدر أمره (كما هي خطته للحرب) إلى جميع الفصائل المشتركة من هوازن في جيشه بأن يحملوا معهم أبناءهم ونساءهم وأموالهم. لقد كان منظرًا مهيبًا حقًّا عشرين ألف مقاتل يصاحبهم على (أقل تقدير) ثلاثة أضعافهم من النساء والشيوخ والأطفال أي أن هوازن تحركت في اتجاه مكة بحوالى ثمانين ألف إنسان معهم من الإِبل أربعة وعشرين ألف بعير (١) وعدد لا يحصى من عشرات الألوف من الغنم. وادي أوطاس مركز تجمع هوازن الرئيسى وكان مكان التجمع النهائى لعشائر هوازن المشتركة في الحشد هو وادي أوطاس، وهو أحد أودية حنين الرئيسية الواقعة شرقي مكة والتي تصب في وادي حنين بين الشرائع والزيمة وجبال كرا وبنى مالك الواقعة جنوب شرقي مكة والتي من ناحيتها جاءت قبائل ثقيف (أحد بطون هوازن الشهيرة) والتقت في (أوطاس) بملك هوازن وقائدها العام مالك بن عوف النصرى. وبها اكتمل حشد جيش هوازن عشرين ألف مقاتل. لقد كانت القوة الرئيسية من هوازن، تحركت من الشرق حتى عسكرت بأوطاس بقيادة مالك، وفي أوطاس توالت الإِمدادات من مختلف القبائل البعيدة عن مكان الحشد الرئيسى بديار هوازن شرقي الحجاز. قال الواقدي: واجتمع الناس في أوطاس فعسكروا، وأقاموا به، وجعلت الإمدادات تأتيهم من كل ناحية. دريد بن الصمة في جيش هوازن كان دريد بن الصمة (أحد بني جشم بن بكر بن معاوية بن هوازن محاربا شهيرًا وسيدًا من سادات هوازن، ولكنه عند الحشد لمعركة حنين كان قد بلغ من العمر مائة وستين سنة. فلم تعد به قدرة على القتال، حيث كان مقعدًا يُحمل في الهودج أو على أكتاف الرجال لعدم قدرته على المشي. فضلًا عن القتال.

стр. 2220

إلا أن دريدًا مع تقدمه في السن وعجزه (لكبره) عن القتال ظل متمتعًا بكامل قواه العقلية وكل حواسه (ما عدا السمع الذي كاد يفقده). وكان مرجعًا لقومه هوازن في السياسة العسكرية والفنون الحربية، بسبب تجاربه الحربية المتواصلة التي عاشها طوال مائة وعشرين عامًا في المجتمع القبلى الملتهب دائمًا بنار الحرب، فقد كان فارسًا مجربًا لا يشقّ له غبار، وشاعرًا مفكرًا فحلًا متوقد الذهن. ومع عدم قدرته على القتال فقد أحب وأحب قومه أن يكون ضمن جيش هوازن الغازى، لعلهم يستفيدون من خبرته وتجاربه الحربيتين، فقد حمله الجيش على شجار (والشجار دون الهودج) وجعلوا له قائدًا يقود البعير الذي يحمله حتى عسكر الجيش بأوطاس. القائد العام المستبد لم يستفد من خبرة دريد بن الصمة ولم يشأ ملك هوازن وقائدها الشاب، مالك بن عوف النصرى أن يستفيد من خبرة دريد بن الصمة الحربية وتجاربه العسكرية التي اكتسبها طوال أكثر من قرن من الزمن قضاه وهو يخوض المعركة تلو المعركة حتى أقعده الكبر .. فقد كان مالك بن عوف معتدا برأيه متكبرًا مستبدا، وكان شابًّا يافعًا في عنفوان الشباب، ورغم ما امتاز به من شجاعة وجرأة وإقدام، فقد سد الزهو والغرور والإعجاب بالنفس على مالك كل منافذ التفكير في نتائج ما هو مقدم عليه، وكأنه لغروره ولكونه يقود عشرين ألف محارب من خيرة محاربى العرب يصحبهم نساؤهم وأبناؤهم وأموالهم، ليس أمامهم سوى اثنى عشر ألف مقاتل ليس لهم خبرة بالقتال (كما أشاع بين قومه وخدعهم) .. كأنه بهذا قد ضمن النصر لهوازن على المسلمين. ولهذا فإنه بعد أن توجته هوازن عليها ملكًا وأصبح قائدًا عامًا لجيشها استبد برأيه وسار يضع الخطة بمفرده ثم يسارع في تنفيذها بطريقة استبدادية، فلم يفكر في استشارة وجوه عشائر هوازن وسادتها المسنين الذين عركتهم الحوادث. سنين طويلة، بل أهملهم جميعًا، وصار يتخذ القرارات الانفرادية ثم يأمر بتنفيذها بصرامة فلا تعصى له هوازن أمرًا لأنها قد ارتضته ملكًا عليها وقائدًا

стр. 2221

عامًا لجيشها .. اللهم إلا بني كعب وبنى كلاب الذين عصوه ورفضوا إطاعة أوامره منذ البداية .. فكان من نتيجة اتخاذه القرارات الفردية والإسراع في تنفيذها بصورة استبدادية أن قاد قومه إلى هزيمة مدمرة لم يمنَ بمثلها جيل من العرب. وكان من بين الذين أهملهم (دريد بن الصمة) الذي رغم كبره الشديد الذي أقعده، كان ذا خبرة كبيرة وتجربة واسعة بشئون الحروب ومكائدها ووسائل النصر وأسباب الهزيمة فيها لطول ما خاضها عبر أكثر من قرن من الزمن. دريد بن الصمة الخبير الحربى الكبير هذا أهمله مالك بن عوف، فحُمل على ظهر بعيره في الجيش وهو (لثقل سمعه) لا يدرى ماذا يصنع القائد العام مالك، كيف يعبئ الجيش ويتصرف في شئونه المصيرية الأخرى. حتى إن (دريد بن الصمة) لم يعلم أن القائد مالكًا قد جعل الجند يحملون معهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم إلا في وادي أوطاس الذي كان المكان الرئيسى والأخير للتجمع والذي فيه أكملت هوازن حشد قواتها من كل بطونها (ما عدا كعب وكلاب). ففي هذا الوادي الذي عسكر فيه مالك بن عوف بهوازن عدة أيام سمع دريد بن الصمة (رغم ثقل سمعه) الضجة الشديدة التي مبعثها رغاء الإبل وأصوات الحمير والشياه، وأصوات النساء والأطفال، وهو أمر لم يتوقع دريد (كخبير عسكرى مجرب) أن يكون ضمن جيش عرمرم يتحرك ليخوض معركة حياة أو موت. لذلك عندما سمع تلك الضجة الهائلة في وادي أوطاس، قال -بلغة الاستغراب-: "ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء الصغير؟ ". وكان الخبير المجرّب (دريد بن الصمة) عندما حط به الشجار على الأرض تحسسها بيده وقال: بأي واد أنتم؟ . قالوا: بأوطاس.

стр. 2222

قال: نعم مجال الخيل، لا حَزن ضَرِس (١) ولا سهل دَهِس (٢)، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء الصغير؟ . قالوا: ساق مالك من الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. وهنا سأل عن موقف قبيلتين من أشد وأقوى قبائل هوازن وأصبرها على القتال، فقال: - يا معشر هوازن، أمعكم من بني كلاب بن ربيعة أحد؟ . قالوا: لا. قال: فمعكم من بني كعب بن ربيعة أحد؟ . قالوا: لا. قال: لو كان خيرًا ما سبقتموهم إليه، ولو كان ذكرًا أو شرقًا ما تخلفوا عنه (٣). وقال دريد أيضًا لما بلغه تخلف كعب وكلاب عن المشاركة في حرب المسلمين في حنين: "غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعه لم تغب عنه كعب وكلاب ولوَدِدت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب" (٤). ثم سأل: فمن شهدها منكم؟ . قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان (٥) من بني عامر لا ينفعان ولا يضران (٦). دريد بن الصمة يدعو للرجوع بالجيش وتفادى الصدام مع المسلمين وعندما أطلع الخبير الحربى المجرّب المسنّ ابن الصمة على الحقيقة الرهيبة

стр. 2223

المتمثلة في جلب النساء والأطفال والأموال مع الجند وتخلف أهم أجنحة هوازن المحاربة كعب وكلاب، طلب من وجوه هوازن وشيوخ عشائرها أن يفعلوا فعل كلاب كعب، فيعصوا مالكًا ويرجعوا إلى بلادهم قبل أن يصطدموا بالمسلمين فقال: "أطيعونى يا معشر هوازن، وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء" -يعني كعبًا وكلابًا- فأبت عليه هوازن (١). وعندما لم تستجب شيوخ العشائر ووجوه القبائل في جيش هوازن لنداء دريد بن الصمة، الداعى إلى عصيان القائد مالك بن عوف، والرجوع بالجيش دون أن يلقى المسلمين، وحيث بان له أن القائد المتغطرس المستبد المغرور مصمم على محاربة المسلمين، بذل محاولة جديدة أراد بها تجنيب النساء والأطفال والأموال الهائلة الوقوع في أيدى جيش الإِسلام إذا ما كانت له الدائرة على هوازن. فاستدعى القائد العام الشاب مالك بن عوف، وبعد أن سأله عن سبب إكرأهه الجيش على حمل نسائهم وأبنائهم وأموالهم معهم، وبعد أن سفَّه رأيش وشرح له خطورة ما أقدم عليه، تقدم إليه باقتراح وطالبه بتنفيذه إنقاذًا لكرامة هوازن التي لم يعد لدى الخبير المحنك (دريد) أدنى شك في أنها ستمسح في الوحل، إذا ما أصر القائد العام على الاستمرار في اصطحاب النساء والأطفال والاموال مع الجيش. وهذا الاقتراح يتلخص في أن يأمر القائد العام مالك بن عوف بإِعادة النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال لينجو من الوقوع في الأسر إذا ما كان النصر للمسلمين في المعركة، وأن يلقى مالك المسلمين على ظهور الخيل ليتمكن جيش هوازن من الانسحاب بأقل خسارة ممكنة إذا ما دارت عليه الدائرة. لكن القائد المغرور مالكًا استكبر أيضًا هذه المرة ورفض الاستجابة لنصيحة الخبير (دريد بن الصمة). فقد ذكر أصحاب المغازي والسير وأصحاب الحديث أن دريدًا بن الصمة قد أفزعه تصرف القائد مالك بن عوف عندما ساق مع الجيش نساءهم وأبناءهم وأموالهم، لأن ذلك (في نظر دريد كما هو في نظر كل قائد عسكرى

стр. 2224

مسئول يقدّر المسئولية) ضرب من الانتحار والتهور، لا يقدم عليه من يضع نتائج المعارك في مقدمة حسابه قبل الإِقدام عليها. ولذلك استدعى دريد بن الصمة الملك والقائد مالكًا، فلما حضر مالك دار بينهما هذا الحوار الحاد: دريد: يا مالك إنك تقاتل رجلًا كريمًا (يعني النبي ﷺ )، وقد أصبحت رئيس قومك وأن هذا اليوم كائن لما بعده من الأيام .. يا مالك ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء أو ثغاء الشاء؟ (١). مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. دريد: ولم؟ مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وولده وماله ونساءه، حتى يقاتل عنهم. دريد: (بسخرية وحنق) راعى ضأن ماله وللحرب -يعني مالكًا- ثم انقض (٢) بيده .. ثم قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك رجل إلا بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ في أهلك ومالك، ثم أردف: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة (٣) هوازن إلى نحور الخيل شيئًا. فإذا صنعت ما صنعت فلا تعصنى في هذه الخطة، ارفعهم (أي النساء والأموال والأولاد) إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم وعزهم، ثم الق الصباة (٤) (يعني المسلمين) على متون الخيل، فإن كانت لك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك.

стр. 2225

مالك: (بغضب واستكبار): والله لا أفعل، ولا أغيِّر أمرًا صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، وحدث بعدك من هو أبصر بالحرب منك. دريد: يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، هذا فاضحكم في عورتكم ممكن منكم عدوّكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه. قائد هوازن يهدد بالانتحار ويظهر أن كلام المجرب الخبير (دريد) وحواره المركّز الذي أجراه مع ملك هوازن وقائدها قد أثر في قادة الكتائب ووجوه القبائل في جيش هوازن، فبدا عليهم الميل للأخذ بنصيحة دريد بن الصمة لإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى أعالي الجبال. لذلك (وقد أحس مالك أن زعماء قومه يرون أن المنطق والصواب يكمنان في نصائح وتوجيهات دريد بن الصمة وأن التوفيق قد جانب مالكًا في تصرفه) لم يجد القائد الشاب الطائش أمامه سوى التهديد بالانتحار إن لم تطعه هوازن وتصرف النظر عن نصائح وتوجيهات دريد بن الصمة. فقد استل مالك سيفه (أمام وجوه وقادة هوازن) ثم نكسه (١) ثم قال: - يا معشر هوازن، والله لتطيعننى أو لأتكئن على السيف حتى يخرج من ظهرى. وكره مالك أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى، فتشاور القوم وتناقشوا ودرسوا الوضع ومشى بعضهم إلى بعض. فقالوا: والله لئن عصينا مالكًا، وهو شاب، ليقتلن نفسه ونبقى مع دريد، شيخ كبير، لا قتال فيه، ابن ستين ومائة. وأجمعوا أمرهم مع مالك، وخالفت هوازن دريدًا. فلما رأى ذلك دريد وأنهم قد خالفوه، قال: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه، ثم قال: يا ليتنى فيها جذع ... أخبُّ فيها وأضع (٢) أقود وطفاءَ الزّمع ... كأنها شاة صدع (٣)

стр. 2226

وكان دريد قد ذُكر بالفروسية والشجاعة، ولم يكن له عشرون سنة، وكان رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم نسبًا، ولكن السن أدركته حتى فنى فناء- وهو دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن (١). وهكذا نجح الشاب القائد ملك هوازن مالك بن عوف في حمل وجوه هوازن وشيوخها وقادتها على القبول بخوض معركة كان دريد بن الصمة قد أخبره (مسبقًا) بأنها معركة خاسرة ونتائجها رهيبة مفزعة بالنسبة لهوازن .. لطريقة الحشد والتعبئة التي اتبعها القائد مالك بن عوف النصرى والتي أخطر ما فيها حشد النساء والأطفال والشاء والإبل والحمير وكل ما تملك هوازن واصطحابه كله مع الجيش إلى حنين. تحرّك الجيش النبوي من مكة استمر جيش هوازن في التحرك في اتجاه مكة إلا أن قائده العام مالك بن عوف لما بلغه أن النبي ﷺ قد تحرَّك (هو الآخر) بجيشه من مكة لمواجهة هوازن قرر أن يعسكر بجيشه في وادي حنين لأنه أصلح مكان من حيث السعة والطول لجولان الخيل التي يعتمد مالك وقادة هوازن على عدة آلاف منها. وكانت الخيل من أهم الأسلحة المتحركة التي يعتمد عليها المحارب في ذلك العصر فهي تقوم مقام سلاح المدرعات في هذا العصر. أما الرسول ﷺ فبعد أن بلغه تحرك هوازن من ديارها في اتجاه مكة، سارع إلى حشد جيشه في مكة وأسرع بالتحرك به ليواجه هوازن قبل أن يصل جيشها إلى مكة، وكان ذلك من الرسول ﷺ سياسة عسكرية حكيمة ألهمه الله اتباعها. إذ أن ملاقاة الجيش النبوي للمشركين خارج مكة بعيدًا عنها، أصلح (من نواحى عدة) للجيش النبوي من مواجهتهم فيها أو قريبًا منها.

стр. 2227

ذلك أن الحالة تعتبر (باطنيًا) داخل مكة غير مستقرة .. فالرسول ﷺ لم يمض على سيطرة قواته على مكة أكثر من سبعة عشر يومًا. ومكة كانت معقل الوثنية وبها أعظم رؤوس قريش الذين لم يتركوا وسيلة للقضاء على الإسلام إلا واتبعوها. واستسلامهم للجيش النبوي وتقريرهم عدم مقاومته وهو يدخل مكة لم يكن عن اقتناع بأن الإسلام دين الحق يجب الإذعان والتسليم له .. وإنما كان عن ضعف وعدم قدرة على مواجهة الجيش النبوي عسكريًا. ولو كانت قريش تعرف وتحس في نفسها القدرة على مواجهة النبي ﷺ وأصحابه والتغلب عليهم ودحرهم، لما ترددت في اتباع خطة المقاومة ولواجهت النبي ﷺ وأصحابه مواجهة عسكرية لدحره .. يدل على ذلك أنها لما فوَّضت رئيسها أبا سفيان ليأخذ لها الأمان من النبي ﷺ وجيشها لمَّا يزل في الطريق لم يدخل مكة بعد، قالت لأبي سفيان ما معناه: (خذ لنا منه الأمان واقبل بأن يدخل مكة إلا أن ترى في أصحابه ضعفًا فنابذه، أي أعلن عليه الحرب). إذن فكثير من أهل مكة بعد أن سيطر الجيش النبوي على مكة أعلنوا إسلامهم ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم .. وهذه حقيقة عبَّر عنها أحد سادتهم الذي كان حاضرًا معركة حنين .. حقيقة عبَّر عنها بقوله (حينما انهزم المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة): بطل السحر إنها هزيمة لن تنتهي حتى الحر. فالرسول ﷺ لو تحصن بمكة واعتمد خطة قتال الشوارع في مواجهته هوازن لأصبح هو وجيشه في وضع غير مأمون، لأن الكثير من قريش قد تعود إليهم جاهليتهم فيغتنموا فرصة هجوم هوازن على مكة، فيشكلوا قوة قريشية تضرب المسلمين داخل مكة .. إنه احتمال غير بعيد، وكل قائد يكون على ما كان عليه النبي ﷺ لا بد وأن يدخل في حسابه (وهو يرسم خطة المعركة الفاصلة) هذا الاحتمال. من هنا كانت خطة رسول الله المرسومة على أساس الخروج من مكة واصطحابه ألفين من أهلها معه في الجيش خطة حكيمة جعلت ظهره مأمونًا

стр. 2228

من أن يضربه المرتابون الذين أعلنوا الإِسلام ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم. مثل الزعيم الذي اغتبط بهزيمة المسلمين في المرحلة الأولى في حنين وقال كلمته تلك (بطل السحر إنها هزيمة لن تنتهي حتى البحر). بل إن هناك من أهل مكة مَن بقى على شركه فلم يجبره النبي ﷺ على الدخول في الإسلام بل ترك له الحرية مثل صفوان بن أمية وغيره، وهذا يؤكد الاحتمال القائل: إن أهل مكة ربما ينضمون إلى هوازن عندما تنشب المعركة في مكة بين هوازن وبين الجيش النبوي. ولهذا كان (من وجهة النظر العسكرية) عين الحكمة والحنكة السياسية أن يخرج النبي ﷺ بجيشه من مكة، وقرار مصادمة جيوش هوازن في العراء بعيدًا عن مكة، التي لم يترك فيها (عند خروجه منها لملاقاة هوازن) سوى حامية صغيرة لحفظ الأمن والنظام بقيادة عتّاب بن أسيد. وكانت الحامية التي تركها كافية لحفظ النظام والضرب على يد أي مريب تحدثه نفسه بالتمرد أو الإخلال بالأمن، لاسيما وأن الله ملأ قلوب القرشيين عامة هيبة ورعبًا بعد أن سيطر الجيش النبوي على العاصمة المقدسة. استعارة الرسول السلاح من المشركين . ولما قرر الرسول ﷺ الخروج من مكة لمواجهة هوازن خارجها، قام بتقييم للعتاد الحربى الذي يحتاجه جيشه، فوجد أن هناك نقصًا في هذا العتاد لا بد من تكملته ليكتمل تسليح جيشه لأنه مقدم على معركة فاصلة يتقرر فيها مصير الإسلام والمسلمين، فقد كان عدوه أكثر عددًا وأجود تسليحًا ولهذا فكر في مصدر يحصل منه على العتاد الحربى الذي يكمل تسليح جيشه. كان صفوان بن أمية من كبار زعماء مكة وكان من أغنيائها وكان من أشهر تجار السلاح. وكان رغم سيطرة المسلمين على مكة وإعطائه الأمان من قِبَل الرسول ﷺ بقى على شركه فلم يجبره الرسول ﷺ على الإسلام حتى دخل فيه مختارًا بعد عودة الرسول من حنين منتصرًا. بحث الرسول ﷺ عن مصدر للسلاح ليموِّن به جيشه فوجد مصدرين في مكة فقط استطاع أن يحصل منهما على ما يحتاجه من سلاح للمعركة القادمة

стр. 2229

الفاصلة .. وهذان المصدران هما ابن عمه نوفل بن الحارث وصفوان بن أمية. كان صفوان بن أمية (حتى معركة حنين مشركًا) وفي مكة فاتحه الرسول ﷺ بأنه بحاجة إلى السلاح نظرًا لكونه مقدمًا على خوض معركة كبيرة حاسمة مع هوازن، وطلب منه أن يمده بالسلاح قائلا: يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلقَ به عدوَّنا غدًا. فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال النبي ﷺ : بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك. قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح (رماحًا وسيوفًا). وعند ذلك طلب رسول الله ﷺ من صفوان أن يتولى نقل السلاح إلى مكان المعركة قائلًا: إكفنا حملها، فحملها صفوان على إبله إلى أوطاس فدفعها إلى الرسول ﷺ . أما نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (وكان من كبار تجار السلاح أيضًا) فقد أعان النبي ﷺ في معركة حنين بثلاثة آلاف رمح، وقد استفاد الجيش الإسلامي فائدة عظمى من رماح نوفل بن الحارث هذه يوم حنين , شهد بذلك النبي ﷺ حين قال لنوفل: كأني أنظر إلى رماحك تقصف أصلاب المشركين. استقراض الرسول ﷺ المال من أهل مكة كان الرسول ﷺ قد فتح مكة عنوة، وكان في استطاعته -بعد أن استسلمت له مكة- أن يأخذ (كفاتح منتصر) من المغلوبين أهل مكة ما شاء من أموال وسلاح. أما السلاح فبالرغم من أن الأعراف الحربية تقضي بأن يصادر المنتصر كل قطعة سلاح في حوزة العدو المهزوم -فإن الرسول المنتصر ﷺ لم يستول على شيء منها إلا التي ألقت بها في الشوارع بعض الوحدات القرشية التي عصت أمر أبي سفيان وقاومت الجيش النبوي وهو يدخل مكة ثم انهزمت. أما الأسلحة المخزونة في البيوت بمكة، سواء كانت للتجارة أو للاستعمال الخاص، فلم يسمح الرسول ﷺ بمصادرة شيء منها، فلم يحدث أي اقتحام لأى بيت من بيوت المهزومين القرشيين من قبل الجيش الإسلامي المنتصر بحثًا عن السلاح لمصادرته وقد رأينا كيف أن الرسول ﷺ استعار من

стр. 2230

صفوان بن أمية الجمحى (وهو من كبار قادة المشركين في مكة) السلاح، وعندما سأله صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها. كذلك الأموال، فقد كان الجيش النبوي في أمس الحاجة إليها عندما سيطر على مكة، ورغم أنه كذلك، ورغم أنه جيش فاتح منتصر سيطر على أعظم وأكبر مدينة في بلاد العرب يوم ذاك، فإن هذا الجيش (وبأمر من قائده الأعلى النبي) قد عفّ عَنْ أن يأخذ درهمًا واحدًا أو أي شيء من أموال أهل مكة قسرًا أو بالقوة. وكل ما فعله النبي القائد المنتصر، هو أنه لما رأى ما عليه بعض جنده من فقر وعوز وفاقة، طلب من أغنياء مكة التي فتحها أن يعطوه من أموالهم قرضًا ليخفف به من الضائقة التي يعاني منها بعض الجند من أصحابه، على أن يسدد لهم هذا القرض عندما يكون قادرًا على ذلك، فأقرضه أغنياء مكة مائة وخمسين ألف درهمًا أعادها إليهم (بعد معركة حنين) مشفوعة بالشكر والحمد لهم. وهذا التصرف من الرسول القائد المنتصر، خُلُق لم يصل إلى مستواه في النبل والنزاهة والعفة والشرف العسكري والعدل المدني حتى هذا اليوم أحد من قادة العالم. لقد كان بإمكانه (كفاتح منتصر على ألد عدو له) أن يأخذ بأسلوب المصادرة ما شاء من أموال أهل مكة الذين لم يتركوا وسيلة للقضاء عليه وعلى دعوته إلا واتبّعوها، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك ولكن لا غرابة فهو إنما جاء لتحرير البشرية لا لقهرها وإذلالها. قال الواقدي أرسل رسول الله ﷺ عام الفتح فاستلف من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فلما فتح الله عليهم هوازن وغنَّمه أموالها ردّها وقال: إنما جزاء السلف الحمد، وقال: بارك الله لك في مالك وولدك، كما ذكر الواقدي في موضع آخر أن الرسول ﷺ استقرض من حويطب بن عبد العزّى أربعين ألف درهم ومن صفوان بن أمة خمسين ألف درهم، فقسمها رسول الله ﷺ بين أصحابه من أهل الضعف.

стр. 2231

تاريخ تحرك الجيش النبوي من مكة إلى حنين ويذكر المؤرخون أن النبي ﷺ أقام بمكة بعد الفتح خسمة عشر يومًا ثم تحرك بجيشه إلى حنين يوم السابع من شوال عام ٨ للهجرة، وكان فتح مكة في شهر رمضان من هذه السنة. قال الواقدي في مغازيه: وقالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان فأقام رسول الله ﷺ لمكة خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ثم غدا يوم السبت لستّ خلونَ من شوال (١). وقال بعضهم: كان فتح مكة يوم الثالث عشر من رمضان، وهذا يعني أن الرسول ﷺ أقام بمكة يقصر الصلاة سبعة عشر يومًا (٢). نائب الرسول على مكة وعندما استكمل الرسول ﷺ تسليح جيشه وحشده وقرر التحرك به من مكة أصدر مرسومًا عين بموجبه أحد شباب قريش الصادقين في إسلامهم أميرًا على مكة ليدير شؤونها في حالة غيابه. والشاب الأمير الذي عينه الرسول ﷺ حاكمًا علي أهل مكة هو عتّاب بن أسيد (٣). وتلك عادة الرسول ﷺ الإِدارية. إذا ما غادر مدينة أقام عليها أميرًا نائبًا عنه حتى عودته إليها. وقد بقى عتّاب بن أسيد أميرًا على مكة

стр. 2232

حتى بعد عودة الرسول ﷺ من حنين ومغادرته مكة راجعًا إلى المدينة. بل ظل عتاب أميرًا على مكة حتى توفى رسول الله ﷺ وهو الذي (بالاشتراك مع سهيل بن عمرو) هدد أهل مكة بالقتل إن هم حاولوا الارتداد عن الإسلام وذلك عنده ما ارتد أكثر العرب وشاعت شائعات في مكة بأن عناصر من أهلها يفكرون في الخروج من الإسلام. فرقى سهيل بن عمرو المنبر وقال: (يا أهل مكة لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ارتدادًا) وقال عتاب بن أسيد: (من تأخر عن حضور الصلاة في المسجد ضربنا عنقه أو كما قال). عدد القوات النبوية المتحركة إلى حنينن وعندما أكمل الرسول القائد ﷺ حشد قواته وتعبئتها داخل مكة تحرك بها ناحية حنين الذي قررت هوازن أن يكون مكان المعركة الفاصلة بين المسلمين والمشركين. أما عدد القوات النبوية في الجيش المتحرك إلى حنين فقد بلغ اثنى عشر ألف مقاتل. عشرة آلاف من أهل المدينة وعناصر مختلفة من القبائل العربية التي ساهمت في فتح مكة، وألفان من أهل مكة ممن أسلم بعد الفتح (١)، وفيهم بعض الذين بقوا على شركهم حتى انتهاء المعركة مثل (صفوان بن أمية) وكان البعض من أهل مكة ممن انخرط في سلك الجيش النبوي، لم يكن له هدف سوى المشاركة في الغنيمة إذا تم النصر للمسلمين والتشفي من النبي ﷺ إذا خسر المعركة بل إن بعضهم لما انهزم المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة جاء يبشر صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركًا، فانتهره صفوان بشدة وأخبره أنه يفضل أن يرأسه رجل من قريش بدلًا من أن حكمه رجلًا من هوازن. قال الواقدي: وخرج رجال من مكة مع النبي ﷺ ، فلم يغادر منهم أحلى على غير دين ركبانًا ومشاة ينظرون لمن تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم لا يكرهون أن تكون الصدمة لمحمد ﷺ وأصحابه وخرج أبو سفيان بن حرب في أثر

стр. 2233

العسكر، كلما مر بترس ساقط أو رمح أو متاع من متاع النبي ﷺ أخذه وحمله، والأزلام في كنانته، حتى أوقر جمله وخرج صفوان بن أمية ولم يسلم، وهو في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ فاضطرب خلف الناس، ومعه حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وسهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، ينظرون لمن تكون الدائرة اضطربوا خلف الناس والناس يقتتلون فمر به (أي صفوان بن أمية) رجل فقال: أبشر أبا وهب، هزم محمد وأصحابه. فقال له صفوان: إن ربًا (أي حاكما) من قريش أحبّ إلى من رب من هوازن إن كنت مربوبًا (١). ومعنى مربوبًا أي محكومًا لملك أو غيره. فالعرب في لغتهم يعبرون عن الملك أو الحاكم بالرب، وهذا كثير في أقوالهم من شعر ونثر. وخامة عواقب الإعجاب بالنفس: بعد فتح مكة قويت شوكة المسلمين سواء من الناحية المعنوية أو العسكرية .. فمن الناحية المعنوية بات سلطان الإسلام على شبه الجزيرة العربية شبه مطلق بعد وقوع مكة في قبضة الجيش الإسلامي، لأن مكة تعتبر عاصمة الجزيرة العربية كلها لما لها من مركز دينى بين العرب على اختلاف مشاربهم وميولهم. ومن الناحية العسكرية، فقد اجتمعت للإسلام (بعد فتح مكة) قوة حربية لم ينضو تحت لواء الإسلام مثلها منذ بزغت شمس هذا الدين. اثنا عشر ألف مقاتل تحركت من مكة في اتجاه حنين بقيادة الرسول الأعظم ﷺ وهو عدد كما قلنا لم يجتمع لمسلمين مثله من قبل. لقد كانت هذه الكثرة، كثرة الجيش التي لم يعرف المسلمون مثلها في تاريخهم العسكري من قبل .. كانت هذه الكثرة باعث عجب بين بعض فصائل المحاربين في الجيش النبوي، تحوّل هذا العجب (عند البعض) إلى ما يشبه الغرور. والغرور من أول ثمراته الاستهانة بالعدو.

стр. 2234

والاستهانة بالعدو في حالة الحرب من أخطر ثمراتها التساهل في أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة هذا العدو. والتساهل وعدم أخذ الحيطة تؤدى بالتالى إلى الهزيمة والانكسار من حيث لا يتوقع المتساهلون المعجبون بأنفسهم. وهذا ما حدث بالفعل في صفوف الجيش النبوي، حيث أدى الإعجاب بكثرته إلى الجزم (سلفًا) بأن انتصاره على هوازن أمر مفروغ منه. وهو اعتقاد أدى إلى الاستخفاف بهوازن وقواتها الضاربة المدربة المنسقة, فكانت النتيجة أن هُزم المسلمون في حنين هزيمة كادت تكون ساحقة مدمرة، لولا أن ثبت الله القائد الأعلى النبي ﷺ ساعة الهزيمة ونفر قليل من أصحابه الذين ثبتوا معه ساعة الهزيمة المنكرة، الأمر الذي أعاد للمسلمين المنهزمين تنظيمهم الذي فقدوه عند الصدمة الأولى حين انقضت عليه في غلس الفجر كمائن هوازن من الشعاب التي نظمهم ورتبهم فيها قائدهم الشاب وملكهم الشجاع مالك بن عوف. فتحول (بعد ذلك) ميزان القتال لصالح الجيش النبوي، بعد أن محصهم الله بالهزيمة عند الصدمة الأولى، تحول ميزان القتال من هزيمة مزقت شمل الجيش الإسلامي (حتى وصل بعض المنهزمين منه قرب مكة) إلى انتصار ساحق كان أعظم ظفر من وجهة النظر الحربية يحرزه الرسول ﷺ وأصحابه في معركة خاضوها في العهد النبوي، نظرًا للقوى الكثيفة الشرسة المحاربة التي اصطدموا بها في وادي حنين، حيث كانت هذه القوى من هوازن لا تقل عن عشرين ألف مقاتل، بينما جيش المسلمين لا يزيد على اثنى عشر ألف مقاتل. حديث الجيش عن الإعجاب بالكثرة لقد تفوهت عناصر مِنْ الجيش النبوي بما يشبه الزهو والغرور بكثرة هذا الجيش، ويوحى بغفلة بعض القلوب عن الله نتيجة الإعجاب بالكثرة، فعاقبهم الله بالهزيمة التي ردتهم إليه تعالى. فقد جاء في كتب التفسير والسير والتاريخ أن النبي ﷺ لما فصل من مكة

стр. 2235

باثنى عشر ألف مقاتل، قال رجل من أصحابه (بلهجة الإِعجاب): لو لقينا بني شيبان ما بالينا. ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة، وذكر بعض المؤرخين أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله لن تغلب من قلة (١). والخلاصة أن كثرة المسلمين قد أعجبتهم إلى حد وصل مرحلة الغرور في نفوس بعض العناصر منهم، مما أدى إلى هزيمتهم في المرحلة الأولى من المعركة. وهذه حقيقة أشار إليها القرآن الكريم بكل وضوح. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (٢)﴾. قال العلامة سيد قطب ﵀ (في كتابه: في ظلال القرآن): (ثم لمسة للمشاعر بالذكرى وباستعراض صفحة من الواقع الذي عاشه المسلمون إذ ذاك منذ قريب يوم حنين، يوم غفلت قلوب الممسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد ليعلم المؤمنون أن التجرد لله وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد وحين يخذلهم المال والإخوان والأولاد.) ثم يقول (مشيرًا إلى ما ذكره القرآن من نتائج إعجاب المسلمين بكثرتهم): والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية وبانفعالاتها الشعورية ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فمن انفعال الإعجاب بالكثرة إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة، ويهدئ الانفعالات الثائرة ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ فلم تعلم

стр. 2236

ماهيتها وطبيعتها -وما يعلم جنود ربك إلا هو- ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر والسلب والهزيمة ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. من بقايا تأثيرات الجاهلية المطالبة بذات أنواط تحرك الرسول ﷺ كما قلنا- بجيشه من مكة في السابع من شهر شوال عام ثمان للهجرة متجهًا إلى حنين لمواجهة هوازن. وكان في جيشه البالغ اثنى عشر ألف مقاتل -ألفان من حديثى العهد بالإسلام من أهل مكة. فكثير من هؤلاء لم ينخلعوا (كليًّا) من معتقدات الجاهلية، بل ظلت- من تصورات الوثنية رواسب راسبة في نفوسهم لقرب عهدهم بما كانوا عليه من شرك ووثنية. ومن هذه الرواسب أن بعضًا ممن كان في الجيش النبوي من حديثى العهد بالإسلام الذين لم يكونوا قد استوعبوه كله، طلبوا من الرسول ﷺ أن يحقق لهم طلبًا .. تحقيقه هو عين الشرك والوثنية. وخلاصة ذلك أن النبي ﷺ بينما كان يتحرك بجيشه بين مكة وحنين، مر الجيش بشجرة عظيمة خضراء، كانت قريش وسائر العرب يعظمونها، يقال لها: (ذات أنواط)، وهنا (وعندما رأوا الشجرة المذكورة) طلب بعضهم من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة مثل تلك الشجرة يعظمونها كما يعظم المشركون ذات أنواط، فقال الرسول ﷺ .. مستنكرًا: الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ... إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم. قال ابن إسحاق وحدثني ابن شهاب الزهري عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي، عن أبي واقد الليثى أن الحارث بن مالك. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يومًا. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات

стр. 2237

الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال رسول الله ﷺ : الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم (١). وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس. قال كانت ذات أنواط شجرة عظيمة. أهل الجاهلية ينبون بها ويعكفون عليها يومًا، وكان من حج منهم وضع رداءه عندها، ويدخل بغير رداء تعظيمًا لها، فلما مر بها رسول الله ﷺ إلى حنين. قال رهط من أصحابه، فيهم الحارث (٢) بن مالك: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فكبّر رسول الله ﷺ ثلاثًا وقال: هكذا فعل قوم موسى بموسى (٣). محاولة اغتيال الرسول ﷺ في الطريق إلى حنين في كل حرب (وخاصة في الحروب القديمة التي يكون قتل قائد الجيش السبب الرئيسى في هزيمة جيشه) يفكر كل جانب في التخلص من كائد الجيش الذي تقرر الاشتباك معه، ليوهن بذلك من عزيمة جنده بقتله. وليس من المستبعد أن يكون ملك هوازن وقائد جيشها العام قد فكر هذا التفكير، فوضع خطة لاغتيال الرسول القائد ﷺ قبل نشوب المعركة وأوعز إلى من يثق به من رجاله لتنفيذ هذه الخطة. فقد روى المؤرخون أن رجلًا من المشركين -لم يذكروا اسمه- تمكن من التسلل إلى حيث يرقد الرسول ﷺ وهو في الطريق إلى حنين فتخطى الحرس النبوي (خلسة)، فلم يشعر النبي ( ﷺ ) إلا وذلك الرجل المشرك فوق

стр. 2238

رأسه قد جرد سيفه والنبي ﷺ نائم بعيدًا عن سلاحه، غير أن الله تعالى أفشل هذه المحاولة الخطيرة، ونجَّا الرسول ﷺ من شرها، فقد أشعر الرسول ﷺ حرسه فاعتقلوا المشرك المتآمر، وحاولوا إعدامه ولكن الرسول ﷺ نهاهم عن ذلك. قال أبو بردة بن نيار (١) وهو من المقربين إلى رسول الله ﷺ : لما كنا دون أوطاس، نزلنا ونظرنا إلى شجرة عظيمة، فنزل رسول الله ﷺ تحتها وعلَّق بها رسول الله ﷺ سيفه وقوسه وقال: وكنت من أقرب أصحابه إليه. قال: فما أفزعنى إلا صوته. يا أبا بردة، فقلت: لبيك، فأقبلت سريعًا، فإذا رسول الله ﷺ جالس وعنده رجل جالس. فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الرجل جاء وأنا نائم، فسل سيفى ثم قام به على رأسى ففزعت به، وهو يقول: يا محمد، من يؤمِّنك منى اليوم؟ قلت: الله، قل أبو بردة: فوثبت إلى سيفى فسللته، فقال رسول الله ﷺ شِم (٢) سيفك. قال: قلت: يا رسول الله دعنى أضرب عنق عدو الله، فإن هذا من عيون المشركين. قال: فقال لي: أسكت يا أبا بردة. قال: فما قال له رسول الله ﷺ شيئًا ولا عاقبه. قال: فجعلت أصيح به في العسكر ليشهده الناس فيقتله قاتل بغير أمر من رسول الله ﷺ ، فأما أنا فإن رسول الله ﷺ قد كفَّنى عن قتله. فجعل رسول الله ﷺ يقول: إلهَ عن الرجل يا أبا بردة، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا بردة إن الله مانعى وحافظى حتى يظهر دينه على الدين كله (٣). تقارير استخبارات هوازن عن الجيش النبوي وكما هي العادة المتبعة في كل حرب فإن حصول العدو عن المعلومات الكاملة في مختلف القطاعات والمجالات أمر يضعه كل قائد مسؤول في مقدمة خططه وحساباته واستعداداته للمواجهة. وانطلاقًا من هذه القاعدة (وكما فعل الرسول ﷺ حين بعث باستخباراته للحصول على المعلومات اللازمة عن

стр. 2239

قوة هوازن، فقد فعل مالك بن عوف النصرى ملك هوازن وقائدها نفس الشيء، فبعد أن سبق المسلمين إلى وادي حنين وعسكر به وبعد أن علم بتحركهم من مكة، قرر أبي يبعث برجال من استخباراته العسكرية تستطلع أمر الجيش النبوي وتحمل إليه المعلومات الهامة عن الجيش النبوي التي يحتاج إليها قائد عام جيش هوازن الذي أصبح على أبواب معركة مصيرية حاسمة على نتائجها يتقرر مصير الوثنية بأكملها. فقد انتخب مالك بن عوف ثلاثة من رجاله وأمرهم بأن يقوموا بمهمة التجسس على جيش المسلمين لمعرفة مدى قوته، فكوّن منهم جهاز استخبارات خاصًّا للقيام بهذه المهمة. فقد أمر مالك بن عوف هؤلاء الثلاثة بأن يندسوا في معسكر المسلمين، وينقلوا إليه كل ما يحتاج إلى معرفته عن جيش الإسلام. فقام هؤلاء الثلاثة بتنفيذ أمر ملكهم وقائدهم فتسللوا (متنكرين) حتى وصلوا إلى المعسكر الإسلامي وجاسوا خلاله دون أن يشعر أحد من المسلمين، فعرفوا عن جيش الإسلام ما حل قواهم المعنوية وجعلهم يستيقنون في أنفسهم أن أحدًا (مهما كان) لن يقدر على أن يتغلب على جيش الإسلام الذي رأوا. لذلك عادوا إلى ملكهم وقائدهم مالك بن عوف فقدموا له عن جيش المسلمين تقريرًا أغضبه، ولم يكتف جهاز استخبارات مالك، بل أسدوا لقائدهم النصح بأن يتجنب الصدام مع المسلمين، وأن يعود بجيشه إلى ديار هوازن دون أن يلتحم بالجيش النبوي، لأن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي بها ينجو مالك وينجِّي جيشه من هزيمة ستكون ماحقة لا محالة. قدم جهاز استخبارات ملك هوازن تقريره ثم نصحه بعدم الصدام عن قناعة بنوها نتيجة لواقع شهدوه ولمسوه، حينما خالطوا المسلمين في معسكرهم بين مكة وحنين حيث رأوا ما أفزعهم وبث الرعب في نفوسهم. ولكن مالكًا اتهم استخباراته بالجبن فسخر منهم ومن نصائحهم، كلف رجلًا آخر من رجاله بأن يقدم له تقريرًا عن واقع الجيش الإسلامي، وقد ذهب الرجل إلى معسكر المسلمين للاستكشاف ولكنه عاد إلى القائد مالك

стр. 2240

يحمل نفس الشعور والانطباع اللذين حملهما الجواسيس الثلاثة، فنصح القائد مالكًا، بأن يعود إلى ديارهم دون أن يلقى المسلمين، وإلا فإن الهزيمة ستكون من نصيبه ومن نصيب جيشه إن هو أصر على ملاقاة المسلمين. ولكن الغرور حال بين مالك وبين أن يأخذ ويعمل بما في التقارير والنصائح التي قدمها رجال استخباراته عن جيش المسلمين، فأصر على مقاتلة المسلمين مهما كانت النتائج، وقد فعل، فنزلت به وبجيش هوازن تلك الهزيمة المنكرة التي كانت خاتمة الصراع الدامى بين الإِسلام والوثنية في جزيرة العرب. قال الواقدي: وبعث مالك بن عوف رجالًا من هوازن ينظرون إلى محمد وأصحابه، ثلاثة نَفر، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم. فقال: ما شأنكم ويلكم؟ فقالوا: رأينا رجالًا بعضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. وقالوا له: ما نقاتل أهل الأرض إن نقاتل إلا أهل السموات -وإن أفئدة عيونه (أي جواسيسه) تخفق- وإن أطعتنا رجعت بقومك. فإن الناس إن رأوا ما رأينا أصابهم مثل الذي أصابنا. قال: أفّ لكم بل أنتم قوم أجبن أهل العسكر. فحبسهم عنده فرقًا (أي خوفًا) أن يشيع الرعب في العسكر. وقال: دلونى على رجل شجاع، فخرج، ثم رجع إليه وقد أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال رأيت رجالًا بيضًا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى. فلم يثنه ذلك عن وجهه (١). الاستخبارات النبوية في معسكر هوازن وعندما اقترب الرسول ﷺ من وادي حنين الذي اتخذه مالك بن عوف معسكرًا لجيوش هوازن بعث بأحد أصحابه إلى معسكر هوازن ليقوم بمهمة جمع المعلومات اللازمة عن هذا الجيش، ويعرف كل ما يمكنه معرفته من أخباره. وقد صدع رجل الاستخبارات الحربية النبوية فدخل (متنكرًا) إلى معسكر هوازن حيث تعسكر في حنين. رجال في جميع نواحيه حتى إنه وصل إلى مقر

стр. 2241

قيادة هوازن في المعسكر وسمع ما كان يدور بين ملك هوازن وقائدها وبين بقية رؤسائها من أحاديث حول الحرب بينهم وبين المسلمين. بل وحصل رجل الاستخبارات النبوية على كامل تفاصيل الخطة التي وضعها قائد هوازن وملكها للمعركة، وعرف بالتحديد عدد الجند الذي يقوده مالك بن عوف لمحاربة الجيش النبوي. ورجل الاستخبارات النبوية هذا هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الذي سمع مالك بن عوف (وهو في خيمة القيادة) يضع لهوازن خطة الهجوم ويصغِّر لهم من شأن المسلمين ويرفع من معنويات قادة الكتائب في جيشه بأن لديه عشرين ألف مقاتل من هوازن ستكون الغلبة لهم ولا شك على المسلمين، لأن المسلمين -بزعمه- لم يقاتلوا في كل حروبهم إلا أُناسًا لا علم لهم بالحرب. أمَّا هوازن فهي (بزعم مالك) ستبرهن لمحمد وأصحابه كيف تكون الحرب. فقد سمع ابن أبي حدرد .. سمع مالك بن عوف يقول لقادة وزعماء هوازن في مقر قيادته: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى أغمارًا لا علم لهم بالحرب، فيُنصَر عليهم (١). ثم شرع في وضع خطة المعركة الفاصلة فقال: فإذا كان السّحر فصفُّوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم ثم تكون الحملة منكم. ثم دعاهم إلى اتباع طريقة تمكنهم من خفة الحركة في القتال وتحملهم على الاستبسال وعدم التراجع، وهي كسر جفون السيوف وإلقاؤها جانبًا، ودعاهم أن يكونوا هم البادئين بالهجوم لأن النصر -حسبما يقول- إنما يكون للبادئ بالهجوم فقال: ثم تكون الحملة منكم واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولًا. وبعد أن حصل عبد الله بن أبي حدرد على هذه المعلومات الخطيرة الهامة

стр. 2242

عن هوازن وخططها للحرب انسل من معسكرهم دون أن يشعر به أحد من رجال العدو. وحتى إذا ما وصل مقر قيادة الرسول القائد ﷺ قدم له تقريرًا مفصلًا عن كل ما رآه وسمعه في معسكر العدو (١). قال سهل بن حنيف: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة هوازن فأسرع السير حتى أتاه رجل فقال: يا رسول الله قد تقطعوا من ورائك (يعني المسلمين)، كأنه يقصد أن جيش الرسول ﷺ فقد شيئًا من تنظيمه الذي كان عليه- قال سهل: فنزل (أي رسول الله ﷺ ) فصلى بهم العصر وآوى إليه الناس فأمرهم فنزلوا (٢). وجاء فارس آخر ممن كلفوا القيام بمهمة الاستطلاع جاء إلى رسول الله ﷺ في مقر قيادته وقدم له تقريرًا آخر عن وضع قوات العدو كما رآه، فقال: يا رسول الله إني انطلقت من بين أيديكم على جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيها بظعنها ونسائها ونعمها في وادي حنين. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة للمسلمين غدًا إن شاء الله (٣). أعمال الحراسة ليلة المعركة وعندما اقترب الرسول ﷺ بجيشه من وادي حنين حيث دارت المعركة الفاصلة أمر بإنشاء جهاز الحراسة -يرصد العدو- ويرقب تحركاته لئلا يتعرض المسلمون لهجوم مفاجئ. والهجوم المفاجئ من أحطر ما تتعرض له الجيوش المحاربة. وكان الذي أوكل إليه النبي ﷺ مهمة الحراسة ورصد العدو ومراقبة أي تحرك يقوم به هو أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوى (٤) وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا.

стр. 2243

وقد أمر الرسول ﷺ أن يكون مركز الحراسة بعيدًا عن المعسكر الإسلامي وقريبًا من معسكر العدو ليكشف أي تحرك يقوم به المشركون فيحذر المسلمين منه. قال الواقدي (وهو يصف تحركات الرسول ﷺ بجيشه نحو حنين) ثم قال رسول الله ﷺ : ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوى على فرسه، فقال أنا ذا يا رسول الله. فقال ﷺ : انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا، فلا تنزلن إلا مصليا أو قاضى حاجة، ولا تغرّن من خلفك. قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أأحسستم فارسكم الليلة؟ قلنا: لا والله فأقيمت الصلاة، فصلى بنا، فلما سلَّم رأيت رسول الله ﷺ ينظر خلال الشجر، فقال: ابشروا، فقد جاء فارسكم .. وجاء (أي الفارس) وقال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتنى فلم أنزل عن فرسى إلا مصليًا أو قاضى حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحدًا. قال رسول الله ﷺ : انطلق فأنزل عن فرسك، وأقبل علينا. فقال: ما عليه ألا يعمل بعد هذا عملًا؟ . كيف عبأ الرسول ﷺ جيشه ؟ . وبعد أن حصل الرسول ﷺ على المعلومات التي يريدها عن هوازن وقواتها المعسكرة في وادي حنين محمد إلى قواته فعبأها للقتال استعدادًا للمعركة الوشيكة الفاصلة التي نشبت عند فجر اليوم الثالث عشر من شهر شوال عام ثمان للهجرة، فهُزمَ المسلمون -عند الصدمة الأولى- هزيمة منكرة وكادت تكون ساحقة لولا أن ثبت الله رسوله ﷺ وقلة من خلصاء أصحابه هم هيئة أركان حربه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وسادة الأنصار، فعاد المنهزمون إلى الميدان عندما علموا أن نبيهم ﷺ باق في قلب المعركة وحملوا على جموع المشركين حملة رجل واحد فمزّقوا صفوفهم شر ممزق ثم أنزلوا بهم الهزيمة المدمرة الساحقة. وكانت تعبئة الرسول ﷺ لجيشه قبيل الفجر.

стр. 2244

كان الرسول القائد ﷺ قد عبأ جيشه لخوض معركة حنين على أساس قَبلى، وهو ما فعله عندما استعد لدخول مكة وتحريرها. فقد عمد إلى جيشه الزاحف نحو حنين والبالغ اثنى عشر ألفًا فقسمه إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: المهاجرون من أهل مكة وحلفائهم. القسم الثاني: الأنصار. القسم الثالث: مختلف القبائل بمن فيهم المهاجرون السابقون الأولون منهم. أما القسم الأول وهم المهاجرون القرشيون وحلفاؤهم، فقد قسمهم الرسول ﷺ إلى كتائب ثلاث أعطى قيادتها لثلاثة من كبار المهاجرين وكلهم من قريش. وأما القسم الثاني وهم الأنصار (الذين يمثلون العمود الفقرى للجيش) فقد نظمهم فرقتين رئيسيتين وهما الأوس والخزرج اللتان إليهما ينتسب جميع الأنصار. وأعطى قيادة هاتين الفرقتين إلى سيدين من سادات الأوس والخزرج كل منهما يحمل لواء قبيلته الأعظم. ثم قسم الرسول ﷺ رجال هاتين القبيلتين الرئيسيتين إلى فصائل على أساس قبلى أيضًا بحيث صارت كل فخيذة من الأوس والخزرج تشمل رجالها المنتسبين في الجيش فصيلة منفردة لها قائدها الخاص وعلمها الخاص. على أن يكون ارتباط قائد كل فصيلة من القبيلة بحامل اللواء الأعظم من الأنصار وهو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير اللذان كل واحد منهما قائد عام لقبيلته الأم .. سعد بن عبادة قائد عام لقبيلة الخزرج .. وأسيد بن حضير قائد عام لقبيلة الأوس .. على أن يكون مرجع الجميع الرسول الأعظم ﷺ كقائد أعلى للجيش. أما بقية القبائل العربية في الجيش من غير المهاجرين والأنصار، فقد عبأها النبي ﷺ على أساس قبلى أيضًا، فجعلهم فصائل. وكانت هذه الفصائل (قلة وكثرة) حسب عدد رجال القبيلة. فبعض القبائل (لكثرتها) قُسمت إلى أربع فصائل وعيّن لكل فصيلة حامل راية قائد.

стр. 2245

وبعضهم قسم إلى ثلاث فصائل، وبعضهم قسم إلى فصيلتين. وبعضهم كانت القبيلة كلها (لقلة عدد رجالها) فصيلة واحدة. الجدول بأسماء القادة في حنين: وفيما يلي جدول يوضح أسماء القادة الكبار من حملة الألوية، ثم جدول ب أسماء حملة الرايات من قادة الفصائل من المهاجرين والأنصار وبقية القبائل العربية من أهل البادية: أسماء حملة الألوية الاسم النسب ١ - علي بن أبي طالب - قرشى مهاجرى ٢ - سعد بن عبادة - خزرجى أنصارى ٣ - أسيد بن حضير - أوسى أنصارى أسماء حملة الرايات الاسم النسب ١ - سعد بن أبي وقاص - قرشى مهاجرى ٢ - عمر بن الخطاب - قرشى مهاجرى ٣ - أبو نائلة - أوسى أنصارى ٤ - أبو بردة بن نيار - أوسى أنصارى ٥ - أبو لبابة بن عبد المنذر - أوسى أنصارى ٦ - قتادة بن النعمان - أوسى أنصارى ٧ - جبر بن عتيك - أوسى أنصارى ٨ - أبو أسيد الساعدى - خزرجى أنصارى ٩ - عمارة بن حزم - خزرجى أنصارى ١٠ - أبو سليط - خزرجى أنصارى ١١ - سليط بن قيس (١) - خزرجى أنصارى
следующие страницы →