← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قيادة هوازن في المعسكر وسمع ما كان يدور بين ملك هوازن وقائدها وبين بقية رؤسائها من أحاديث حول الحرب بينهم وبين المسلمين. بل وحصل رجل الاستخبارات النبوية على كامل تفاصيل الخطة التي وضعها قائد هوازن وملكها للمعركة، وعرف بالتحديد عدد الجند الذي يقوده مالك بن عوف لمحاربة الجيش النبوي. ورجل الاستخبارات النبوية هذا هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الذي سمع مالك بن عوف (وهو في خيمة القيادة) يضع لهوازن خطة الهجوم ويصغِّر لهم من شأن المسلمين ويرفع من معنويات قادة الكتائب في جيشه بأن لديه عشرين ألف مقاتل من هوازن ستكون الغلبة لهم ولا شك على المسلمين، لأن المسلمين -بزعمه- لم يقاتلوا في كل حروبهم إلا أُناسًا لا علم لهم بالحرب. أمَّا هوازن فهي (بزعم مالك) ستبرهن لمحمد وأصحابه كيف تكون الحرب. فقد سمع ابن أبي حدرد .. سمع مالك بن عوف يقول لقادة وزعماء هوازن في مقر قيادته: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى أغمارًا لا علم لهم بالحرب، فيُنصَر عليهم (١). ثم شرع في وضع خطة المعركة الفاصلة فقال: فإذا كان السّحر فصفُّوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم ثم تكون الحملة منكم. ثم دعاهم إلى اتباع طريقة تمكنهم من خفة الحركة في القتال وتحملهم على الاستبسال وعدم التراجع، وهي كسر جفون السيوف وإلقاؤها جانبًا، ودعاهم أن يكونوا هم البادئين بالهجوم لأن النصر -حسبما يقول- إنما يكون للبادئ بالهجوم فقال: ثم تكون الحملة منكم واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولًا. وبعد أن حصل عبد الله بن أبي حدرد على هذه المعلومات الخطيرة الهامة

стр. 2242

عن هوازن وخططها للحرب انسل من معسكرهم دون أن يشعر به أحد من رجال العدو. وحتى إذا ما وصل مقر قيادة الرسول القائد ﷺ قدم له تقريرًا مفصلًا عن كل ما رآه وسمعه في معسكر العدو (١). قال سهل بن حنيف: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة هوازن فأسرع السير حتى أتاه رجل فقال: يا رسول الله قد تقطعوا من ورائك (يعني المسلمين)، كأنه يقصد أن جيش الرسول ﷺ فقد شيئًا من تنظيمه الذي كان عليه- قال سهل: فنزل (أي رسول الله ﷺ ) فصلى بهم العصر وآوى إليه الناس فأمرهم فنزلوا (٢). وجاء فارس آخر ممن كلفوا القيام بمهمة الاستطلاع جاء إلى رسول الله ﷺ في مقر قيادته وقدم له تقريرًا آخر عن وضع قوات العدو كما رآه، فقال: يا رسول الله إني انطلقت من بين أيديكم على جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيها بظعنها ونسائها ونعمها في وادي حنين. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة للمسلمين غدًا إن شاء الله (٣). أعمال الحراسة ليلة المعركة وعندما اقترب الرسول ﷺ بجيشه من وادي حنين حيث دارت المعركة الفاصلة أمر بإنشاء جهاز الحراسة -يرصد العدو- ويرقب تحركاته لئلا يتعرض المسلمون لهجوم مفاجئ. والهجوم المفاجئ من أحطر ما تتعرض له الجيوش المحاربة. وكان الذي أوكل إليه النبي ﷺ مهمة الحراسة ورصد العدو ومراقبة أي تحرك يقوم به هو أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوى (٤) وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا.

стр. 2243

وقد أمر الرسول ﷺ أن يكون مركز الحراسة بعيدًا عن المعسكر الإسلامي وقريبًا من معسكر العدو ليكشف أي تحرك يقوم به المشركون فيحذر المسلمين منه. قال الواقدي (وهو يصف تحركات الرسول ﷺ بجيشه نحو حنين) ثم قال رسول الله ﷺ : ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوى على فرسه، فقال أنا ذا يا رسول الله. فقال ﷺ : انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا، فلا تنزلن إلا مصليا أو قاضى حاجة، ولا تغرّن من خلفك. قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أأحسستم فارسكم الليلة؟ قلنا: لا والله فأقيمت الصلاة، فصلى بنا، فلما سلَّم رأيت رسول الله ﷺ ينظر خلال الشجر، فقال: ابشروا، فقد جاء فارسكم .. وجاء (أي الفارس) وقال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتنى فلم أنزل عن فرسى إلا مصليًا أو قاضى حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحدًا. قال رسول الله ﷺ : انطلق فأنزل عن فرسك، وأقبل علينا. فقال: ما عليه ألا يعمل بعد هذا عملًا؟ . كيف عبأ الرسول ﷺ جيشه ؟ . وبعد أن حصل الرسول ﷺ على المعلومات التي يريدها عن هوازن وقواتها المعسكرة في وادي حنين محمد إلى قواته فعبأها للقتال استعدادًا للمعركة الوشيكة الفاصلة التي نشبت عند فجر اليوم الثالث عشر من شهر شوال عام ثمان للهجرة، فهُزمَ المسلمون -عند الصدمة الأولى- هزيمة منكرة وكادت تكون ساحقة لولا أن ثبت الله رسوله ﷺ وقلة من خلصاء أصحابه هم هيئة أركان حربه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وسادة الأنصار، فعاد المنهزمون إلى الميدان عندما علموا أن نبيهم ﷺ باق في قلب المعركة وحملوا على جموع المشركين حملة رجل واحد فمزّقوا صفوفهم شر ممزق ثم أنزلوا بهم الهزيمة المدمرة الساحقة. وكانت تعبئة الرسول ﷺ لجيشه قبيل الفجر.

стр. 2244

كان الرسول القائد ﷺ قد عبأ جيشه لخوض معركة حنين على أساس قَبلى، وهو ما فعله عندما استعد لدخول مكة وتحريرها. فقد عمد إلى جيشه الزاحف نحو حنين والبالغ اثنى عشر ألفًا فقسمه إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: المهاجرون من أهل مكة وحلفائهم. القسم الثاني: الأنصار. القسم الثالث: مختلف القبائل بمن فيهم المهاجرون السابقون الأولون منهم. أما القسم الأول وهم المهاجرون القرشيون وحلفاؤهم، فقد قسمهم الرسول ﷺ إلى كتائب ثلاث أعطى قيادتها لثلاثة من كبار المهاجرين وكلهم من قريش. وأما القسم الثاني وهم الأنصار (الذين يمثلون العمود الفقرى للجيش) فقد نظمهم فرقتين رئيسيتين وهما الأوس والخزرج اللتان إليهما ينتسب جميع الأنصار. وأعطى قيادة هاتين الفرقتين إلى سيدين من سادات الأوس والخزرج كل منهما يحمل لواء قبيلته الأعظم. ثم قسم الرسول ﷺ رجال هاتين القبيلتين الرئيسيتين إلى فصائل على أساس قبلى أيضًا بحيث صارت كل فخيذة من الأوس والخزرج تشمل رجالها المنتسبين في الجيش فصيلة منفردة لها قائدها الخاص وعلمها الخاص. على أن يكون ارتباط قائد كل فصيلة من القبيلة بحامل اللواء الأعظم من الأنصار وهو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير اللذان كل واحد منهما قائد عام لقبيلته الأم .. سعد بن عبادة قائد عام لقبيلة الخزرج .. وأسيد بن حضير قائد عام لقبيلة الأوس .. على أن يكون مرجع الجميع الرسول الأعظم ﷺ كقائد أعلى للجيش. أما بقية القبائل العربية في الجيش من غير المهاجرين والأنصار، فقد عبأها النبي ﷺ على أساس قبلى أيضًا، فجعلهم فصائل. وكانت هذه الفصائل (قلة وكثرة) حسب عدد رجال القبيلة. فبعض القبائل (لكثرتها) قُسمت إلى أربع فصائل وعيّن لكل فصيلة حامل راية قائد.

стр. 2245

وبعضهم قسم إلى ثلاث فصائل، وبعضهم قسم إلى فصيلتين. وبعضهم كانت القبيلة كلها (لقلة عدد رجالها) فصيلة واحدة. الجدول بأسماء القادة في حنين: وفيما يلي جدول يوضح أسماء القادة الكبار من حملة الألوية، ثم جدول ب أسماء حملة الرايات من قادة الفصائل من المهاجرين والأنصار وبقية القبائل العربية من أهل البادية: أسماء حملة الألوية الاسم النسب ١ - علي بن أبي طالب - قرشى مهاجرى ٢ - سعد بن عبادة - خزرجى أنصارى ٣ - أسيد بن حضير - أوسى أنصارى أسماء حملة الرايات الاسم النسب ١ - سعد بن أبي وقاص - قرشى مهاجرى ٢ - عمر بن الخطاب - قرشى مهاجرى ٣ - أبو نائلة - أوسى أنصارى ٤ - أبو بردة بن نيار - أوسى أنصارى ٥ - أبو لبابة بن عبد المنذر - أوسى أنصارى ٦ - قتادة بن النعمان - أوسى أنصارى ٧ - جبر بن عتيك - أوسى أنصارى ٨ - أبو أسيد الساعدى - خزرجى أنصارى ٩ - عمارة بن حزم - خزرجى أنصارى ١٠ - أبو سليط - خزرجى أنصارى ١١ - سليط بن قيس (١) - خزرجى أنصارى

стр. 2246

هذه أسماء حملة الألوية والرايات من المهاجرين والأنصار .. أما بقية القبائل العربية من أهل البادية والذين يأتون في الدرجة الثانية من حيث كثرة عددهم في الجيش. فقد كان بينهم من حملة الرايات يوم حنين ثمانية عشر قائدًا وهم كما يلي: أسماء حملة الرايات من أهل البادية الاسم - القبيلة ١ - بريدة بن الحصيب - أسلم ٢ - جندب بن الأعجم - أسلم ٣ - أبو ذر الغفاري - غفار ٤ - أبو واقد الليثى - بنو ضمرة ٥ - بشر بن سفيان - بنو كعب بن عمرو ٦ - أبو شريح - بنو كعب بن عمرو ٧ - بلال بن الحارث - مزينة ٨ - النعمان بن مقرّن - مزينة ٩ - عبد الله بن عمرو بن عوف - مزينة ١٠ - رافع بن مكيث - جهينة ١١ - عبد الله بن يزيد - جهينة ١٢ - معبد بن خالد أبو زرعة - جهينة ١٣ - سويد بن صخر - جهينة ١٤ - نعيم بن مسعود - أشجع ١٥ - معقل بن سنان - أشجع ١٦ - العباس بن مرداس - بنو سليم ١٧ - خفاف بن ندبة - بنو سليم

стр. 2247

١٨ - الحجاج بن علاط (١) - بنو سليم (٢) قال الواقدي: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين -وهو وادي أجوف، ذو شعاب ومضائق- وفرَّق الناس وأوعز إلى الناس أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة. وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه وصفَّهم صفوفًا في السّحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها .. ثم ذكر الواقدي أسماء حملة الألوية والرايات من المهاجرين والأنصار وأهل البادية على النحو الذي فصلناه فيما مضى. وقال الواقدي: وكانت رايات الأوس والخزرج في الجاهلية خضر وحمر، فلما كان الإسلام أقروها على ما كانت عليه. وكانت رايات المهاجرين سود والألوية بيض. الخيل في مقدمة الجيش النبوي ومع أن النبي ﷺ قد قسم جيشه ونظمه عند التعبئة على أساس قبلي فصار الجيش النبوي يتألف من تسع وعشرين فصيلة .. فصيلتان من المهاجرين. وتسع من الأنصار. وثماني عشر من مختلف القبائل من أهل البادية. فقد أبقى تعبئة الخيل على ما كانت عليه عند دخوله مكة لتحريرها. فقد جعل الخيل (عند تحركه من مكة إلى حنين) في مقدمة الجيش، ورغم أن الرسول ﷺ قد نظم جيشه ورتَّبه على أساس قبلي إلا أنه ﷺ جعل (وبصورة استثنائية) القائد الشهير خالد بن الوليد قائدًا على ألف فارس، كلهم من بني سليم يقودهم ثلاثة من ساداتهم .. هم العباس بن مرداس .. والحجاج بن علاط .. وخفاف بن ندبة .. فظل خالد قائدًا عامًا للخيل حتى انتهت معركة حنين وحصار الطائف. ولم يزل خالد على مقدمة الجيش حتى عاد النبي ﷺ من حنين والطائف إلى الجعرانة (٣).

стр. 2248

وجعل الخيل في مقدمة الجيش، أسلوب يتبعه النبي ﷺ دائمًا في حروبه عندما تكون لديه في الجيش خيل متوفرة، لأن الخيل في ذلك العصر أقوى سلاح في أي جيش على الإطلاق، وهو بمثابة سلاح المدرعات في هذا العصر. كيف عبأ قائد هوازن قواته في حنين أما قائد هوازن وملكها فقد كان شابًّا في عنفوان شبابه، وهو مالك بن عوف النصرى الذي كان يقود عشرين ألفًا من هوازن يقابلهم (فقط) في الجانب الإسلامي إثنا عشر ألف مقاتل. كان مالك رغم صغر سنه (وكما دل أسلوبه في تعبئة جيشه) محاربًا ممتازًا من الدرجة الأولى، وكان خبيرًا عسكريًا ومحنكًا في رسم الخطط للمعارك ووضع الكمائن، بالإضافة إلى الشجاعة المتناهية التي بلغت حد التهور .. وكان مع كل هذا يتمتع بسلطات مطلقة على جميع عشائر هوازن، لأنه كان بمنزلة الملك بينهم توَّجوه واعترفوا بسلطانه المطلق. لقد كانت خطة مالك بن عوف التي رسمها للمعركة خطة محكمة دقيقة أكسبته الجولة الأولى في أول الصدام، حيث أنزلَ بالمسلمين هزيمة منكرة، مزقت كتائبهم، وجعلت بعضهم يدوس بعضًا وهم يفرّون من الشعاب عند طلوع الفجر في اتجاه مكة لا يلوون على شيء، وكادت تكون النهاية المفجعة للجيش الإِسلامي، لولا أن ثبت الله الرسول القائد ﷺ ونفرًا قليلًا من خلصاء أصحابه، استبسلوا وثبتوا حول نبيهم وأهابوا بالمنهزمين أن يعودوا إلى ساحة الوغى، فعادوا وجالدوا المشركين أعنف مجالدة وقاتلوهم أشرس قتال بقيادة نبيهم ﷺ حتى دارت الدائرة على الكفار ونزلت بهم الهزيمة الساحقة. وكتب الله النصر المؤزر للمسلمين. أما أسلوب القائد مالك بن عوف في تنظيم جيشه وتعبئته وإعداده للمعركة فقد كان كما يلي: ١ - رفع الروح المعنوية بين جنده فقد وقف مالك خطيبًا في هوازن مشيدًا بهم ولافتًا نظرهم إلى أن يثقوا

стр. 2249

بأنفسهم لأنهم أكثر عددًا من المسلمين، وأقدر (بزعمه) على الصبر والثبات منهم. فمما قاله في خطابه لهوازن: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم. ٢ - حشد نساء هوازن وأطفالها وأموالها خلف الجيش فقد أصدر مالك أوامره إلى جند هوازن بأن يجعلوا نساءهم وأطفالهم ومواشيهم وراء الصفوف قريبا من ميدان المعركة. وهدف القائد مالك من هذا التصرف، أن يستبسل المحارب الهوازنى في القتال، لأنه من الصعب على المحارب أن يفكر في الفرار، فينجو بنفسه ويترك نساءه وولده وماله ليقعوا أسرى في أيدى أعدائه. فكان مالك بذلك يقصد أن يدخل في نفوس المحاربين من جنده عنصرًا جديدًا من عناصر الثبات والصمود. وكان دريد بن الصمة الجُشمى المحارب الشهير والشاعر المشهور، قد انتقد خطة القائد مالك هذه أثناء التحرك إلى حنين أشد الانتقاد، واعتبرها نوعًا من المغامرة، بل ضربًا من الانتحار، ونصح مالكًا بأن يعيد النظر في خطته هذه بأن يعيد النساء والأطفال والمواشى إلي رؤوس الجبال ويلقى المسلمين على متون الخيل. ولكن مالكًا أصرَّ فنفَّذَ خطته وصحب معه النساء والأطفال والمواشى حتى انتهت المعركة حيث وقعوا جميعًا في قبضة الجيش الإسلامي. ٣ - جرد السيوف وكسر الجفون وكانت العرب ترى أن كسر جفون السيوف أبلغ في توطين النفس على الموت، وهو يعني عندهم عدم التراجع بل القتال. حتى النصر أو الموت، وذلك هو الذي قصد إليه القائد مالك بن عوف حين خاطب جنود هوازن وهو ينظمهم: (واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن).

стр. 2250

٤ - وضع الكمائن كان وادي حنين (كما وصفه المؤرخون) واديًا أجوف ذا منافذ مختلفة وشعاب عدة، وكان مالك لديه كل المعلومات الجغرافية عن هذا الوادي، ولهذا قرر أن يتبع خطة الكمائن لتكون ضربات هذه الكمائن أول ما يلاقيه المسلمون في الحرب. وفي الحروب القديمة، بل وفي كل الحروب، ليس أضر على الجيوش من تعرضها لضربات الكمائن المفاجئة. كان مالك بن عوف هو السابق إلى وادي حنين فاختار المكان المناسب لضخامة جيشه فعسكر فيه. وفي الليلة التي كانت صبيحتها معركة حنين، انتخب مالك بن عوف عدة مفارز من رجال هوازن الأشداء وذهب بهم في ظلام الليل إلى الشعاب والمضائق التي سيمر أمامها جيش النبي ﷺ ، وهناك وزَّع مالك رجاله إلى عدة فصائل، نظمها على شكل كمائن، وبعد أن رتب هذه الكمائن ونظمها في ظلام الليل (زيادة في الكتمان) أصدر إلى قادتها الأوامر المشددة بأن يهاجوا المسلمين في عماية الصبح وقبل أن ينشر الفجر ضوءَه ليدخلوا بذلك الفوضى على صفوفهم ويبثوا الذعر في نفوسهم ويشتتوا شملهم ولا يتركوا لهم فرصة يعيدون فيها تنظيمهم. وهذا ما حدث بالفعل, فكانت خطة الكمائن أنجع الخطط التي اتبعها مالك بن عوف في حربة ضد المسلمين، حيث نزلت بهم على أيدى الكمائن هزيمة منكرة كادت تكون ساحقة مدمرة لولا أن ثبَّت الله رسوله فثبت مكانه مع قلة من خلصاء أصحابه كان ثباتهم جميعًا سببًا في إعادة تنظيم المنهزمين وعودتهم إلى قلب المعركة بعد أن فروا منها كما سنرى فيما يلي من هذا البحث إن شاء الله. ٥ - البدء بالهجوم واتباع خطة المباغتة كذلك كان ضمن خطة مالك بن عوف التي رسمها لمعركة حنين: البدء بالهجوم أي أن تكون هوازن آخذة بزمام المبادرة فتهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، لأن النصر يكون (غالبًا) كما صرح مالك بن عوف لمن يكون بادئًا بالهجوم.

стр. 2251

ولذلك قال القائد مالك لهوازن (وهو يضع لهم الخطة): ثم تكون الحملة منكم، واحملوا حملة رجل واحد واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولًا. وقد نفذت هوازن جميع الخطط التي وضعها للمعركة القائد العام مالك بن عوف وقد أتت هذه الخطط المحكمة ثمارها اليانعة في المرحلة الأولى من المعركة فانكسر المسلمون حتى وصلت طلائع المنهزمين منهم ضواحي مكة. وقال الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم من عناصر الجيش الإِسلامي: إنها هزيمة لن تنتهي حتى البحر .. غيرأن ثبات الرسول ﷺ وقلة من خلصاء أصحابه من المهاجرين والأنصار ساعة الهزيمة أضاع على هوازن ثمرة انتصارها حيث تحوَّل هذا الانتصار إلى هزيمة ساحقة بفضل الله تعالى ثم بفضل ثبات الرسول ﷺ والقلة من صفوة أصحابه، هذا الثبات الذي لمَّا علمه المنهزمون المسلمون خجلوا من أنفسهم وكرّوا راجعين وقاتلوا هوازن أشد ما يكون القتال حتى هزموهم شر هزيمة. التخويف والإِرهاب بالتضليل كذلك كان من خطط مالك بن عوف وأسلوبه في الاستعداد للصدام التخويف باتباع الحرب النفسية بإدخال الرهبة في نفوس المسلمين من قواته. وذلك يجعل جيشه يظهر أكبر من حجمه الطبيعي بكثير. بحيث خُيِّل لمن يراه من المسلمين على بعد وكأنه مائة ألف مقاتل. وهذا المظهر ولا شك يكون ذا أثر في النفوس. فقد عمد الداهية مالك بن عوف (بالإِضافة إلى جيشه الحقيقي) عمد إلى عشرات الألوف من الجمال التي جلبها معه وجعلها وراء جيشه الحقيقي كالجيش الاحتياطى صفوفًا، ثم أركب عليها النساء، فبدا سواد جيشه وكأنه مائة ألف مقاتل. وفعلًا ظن المسلمون أن الجمال التي تحمل النساء، تحمل رجالًا محاربين. لاسيما وأن الجمال تأتى في ذلك العصر (بعد الخيل) من أهم الأسلحة في الحرب حيث كان العرب يحاربون وهم عليها كما يحاربون وهم على الخيل. صحابي يصف ضخامة جيش هوازن ولنترك أحد كبار الصحابة الكرام ممن اشتركوا في معركة حنين .. يصف

стр. 2252

لنا هذه الخدعة الحربية التي لجأ إليها القائد الملك مالك بن عوف النصرى. وهذا الصحابي الجليل هو أنس بن مالك، فقد قال: لما انتهينا إلى وادي حنين وهو واد من أودية تهامة، له مضائق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن شيء لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة، قد ساقوا نساءهم وأموالهم وأبناءهم وذراريهم، ثم صُفوا صفوفًا فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإِبل والبقر والغنم. فجعلوها وراء ذلك لئلا يفرّوا (بزعمهم). فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالًا كلهم، فلما تحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل -خيل سليم- موليِّة فولوا، وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين. من هذا الوصف الذي رواه الصحابي أنس بن مالك عن خطة التضليل والإِيهام التي اتبعها ورسمها أثناء تعبئته قائد هوازن الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره .. من هذا الوصف يتضح أي خصم عنيد شجاع محنك ومدرب، واجهه المسلمون في موقعة حنين الحاسمة، التي بمهارته وحسن تعبئته لجيشه، كسبها مالك بن عوف في الجولة الأولى وكاد يركب أكتاف المسلمين ويحتل مكة لولا أن أمدَّ الله رسوله وقلة من صفوة أصحابه فَقَلَبُوا (بثباتهم بعد عون الله) ميزان القوى لصالح الإِسلام فرفعوا رصيد الجيش الإِسلامي (الذي عاد إلى الميدان) من الصفر إلى أعلى درجات النصر.

стр. 2253

الفصل الرابع * نشوب المعركة عند الفجر. * البداية السيئة للمسلمين في القتال. * هجوم كمائن هوازن المفاجئ الصاعق على المسلمين. * هزيمة المسلمين المروِّعة في بداية المعركة. * ثبات الرسول ومائة فقط من أصحابه عند الهزيمة. * المحاولة الثانية لاغتيال الرسول أثناء الهزيمة. * الرسول يناشد المسلمين الثبات والعودة إلى الميدان. * استجابة المنهزمين للرسول بعودتهم إلى الميدان. * احتدام المعركة وعنفها الشديد. * دور المرأة المسلمة في معركة حنين. * هزيمة هوازن الساحقة. * فرار القائد العام لهوازن بعد استبساله.

стр. 2254

نشوب المعركة وهزيمة المسلمين وهكذا وبعد أن أكمل الفريقان المسلمون والمشركون في حنين تعبئتهما دنت ساعة الصفر واستعد الفريقان للمعركة الحاسمة. كانت تعبئة المسلمين للجيش عند السحر قريبًا من الفجر، وكان انحدارهم إلى وادي حنين عند غلس الفجر، حيث يغلب الظلام على الضياء. وتلك كانت فرصة ذهبية للكمائن الكثيرة التي ضعها قائد هوازن في الشعاب والمضائق، فقد كان جل اعتماد القائد ابن عوف لكسب المعركة على نجاح الكمائن الكثيرة الخطيرة التي وضعها بدقة وإحكام أثناء الليل ودون علم استخبارات الجيش النبوي في مضايق الشعاب التي سيمر من أمامها الجيش النبوي قاصدًا السهل الفسيح الذي تعسكر فيه هوازن بنسائها وأطفالها وأموالها من وراء جيشها. وكان المسلمون يظنون (لعدم علمهم بكمائن هوازن) أن الصدمة الأولى في المعركة ستكون في سهل حنين حيث يعسكر سواد الجيش الهوازنى بأثقاله وأمواله ونسائه وأطفاله. ولم يُدخِلوا في حسابهم أمر الكمائن التي وضعها لهم عند مداخل وادي حنين قائد هوازن، وإلا لاستعدوا لها ولم يمكنوها من تحقيق شيء من أهدافها. ولكن أمر الله كان مقضيًا، فقد كتب أن تنجح كمائن المشركين وتنزل الهزيمة بالمسلمين (الذين أعجبتهم كثرتهم) عند الصدمة الأولى وقبل أن يكملوا انحدارهم إلى الوادي ويصلوا إلى السهل الذي دارت فيه (فيما بعد) المعركة الحاسمة بعد تراجع المسلمين من هزيمتهم.

стр. 2255

كمائن المشركين تهزم المسلمين لا شك أن الكمائن هي من أخطر الأخطار التي تتعرض لها الجيوش النظامية في القديم والحديث، وكم كانت الكمائن سببًا في إلحاق الهزائم المدمرة بالجيوش التي تفوق الكمائن عددًا وعدة. وهذا ما فطن له القائد المحنك مالك بن عوف النصرى فأحكم تركيب الكمائن للمسلمين في الشعاب ومضائق التلال ووراء الهضاب في حنين، فأنزل الهزيمة بالجيش النبوي عند الصدمة الأولى فولَّى الجيش هاربًا دون أن يشرع أحد منه رمحًا أو يجرد سيفًا. لا شك أن رجال الكمائن الذين وضعهم مالك بن عوف في أماكنهم بطريق الجيش النبوي هم أقل بكثير من عدد جيش الإِسلام، ولكن المباغتة لها (دائما في الحروب) تأثيرها الصاعق الذي يشل فعالية الجيوش ويربكها مما يجعل الهزيمة تحيق بها مهما كانت كثرتها ومهما كان تنظيمها وحسن تسليحها. وهذا هو الذي فعلته كائن هوازن (وهم مفارز صغيرة) بالجيش الإِسلامي الكبير الذي يبلغ اثنى عشر ألف مقاتل يتقدمهم ألف فارس يقودهم فارس من أمهر فرسان العرب وهو خالد بن الوليد. وما كان خالد قائد المقدمة من الرجال الذين ينخذلون لكمائن أو غيرها، ولكن يظهر أنه فقد السيطرة على فرسانه الذين أكثرهم من أهل البادية الذين هم حديثو عهد بالحرب النظامية التي اتبعها كل من الرسول ﷺ وخصمه مالك بن عوف، فأفقدهم الثبات هجمات الكمائن المباغتة التي شُنَّت عليهم بأسلوب صاعق فانكفأوا هاربين نحو مكة وهم ألف فارس فجرفوا من ورائهم بقية الجيش بعد أن أدخلوا بفرارهم الرعب في النفوس، فانفرط عقد الجيش النبوي وصار كل جندى فيه همه النجاة بنفسه في تلك اللحظات العصيبة التي نجحت فيها كائن هوازن كل النجاح. أسباب نجاح كمائن هوازن ويمكن تلخيص أسباب نجاح كمائن مالك بن عوف عند الصدمة الأولى في

стр. 2256

أمور ثلاثة: أولًا: عدم علم قيادة الجيش الإسلامي بهذه الكمائن وأماكنها ولو علمت بها لأبطلت فعالتها. ثانيًا: قيام الكمائن بهجومها على المسلمين والظلام لا يزال سائدًا مع بزوغ الفجر حيث تعرض المسلمون لقصف شديد بالسهام، وللهجوم الصاعق بمختلف الأسلحة من كل ناحية فلم يتبينوا من أين يأتيهم الهجوم، فنفرت خيلهم من السهام، ولا شيء يؤذى الخيل ويفزعها مثل السهام، فانسحب أصحابها إلى الخلف وكانوا في المقدمة وهم ألف فارس، فتحول انسحابهم إلى هزيمة كبرى. ثالثًا: كانت مواقع الكمائن تشرف على منحدرات وعرة وضيقة كثيرة التعاريج، غير صالحة لجولان الخيل التي كانت في مقدمة الجيش والتي كان تراجعها سببًا في إنزال الهزيمة بالجيش النبوي عند فجر يوم الثالث عشر من شوال عام ٨ للهجرة. كيف انهزم المسلمون بفعل الكمائن يدل سياق المؤرخين على أن قائد هوازن مالك بن عوف قد كان دقيقًا في توقعاته وتوقيته للهجوم الذي قرر أن تكون كمائنه هي البادئة به، وبحيث يكون هذا الهجوم أول هجوم تشنه قواته على الجيش النبوي. فقد افترض هذا القائد وأدخل في حسابه (وهو يضع الخطة للمعركة) افترض -وضمن حسابات ومعادلات دقيقة- .. افترض وقدَّر (وكان افتراضه وتقديره في محلهما) أن الجيش النبوي سيمر بالأماكن التي وضع فيها الكمائن، عند عماية الصبح وقبل أن يغمر ضوء الصباح الأرض بنوره، فيستفيد مالك من الظلام وهو يشن بكمائنه الهجوم المباغت الصاعق على الجيش الإِسلامي، وقد يكون توقعه وافتراضه هذان بناهما على معلومات نقلها إليه جواسيسه عن سير تحركات الجيش النبوي. المهم أن الأمور جاءت كما توقع القائد مالك. فعند بزوغ الفجر وقبل أن ينسخ ضياء الصبح ظلام الليل، وجدت مقدمة الجيش الإِسلامي نفسها (وكلها من الخيل) بين كمائن هوازن، فانقضت هذه الكمائن على مقدمة

стр. 2257

المسلمين انقضاضة رجل واحد وقصفتها بسيل من السهام وهاجمتها بمختلف الأسلحة من مختلف الجهات, ولم تكن كمائن هوازن من المشاة فقط، بل إن هناك كمائن من الخيل أيضًا اشتركت وقت عماية الصبح في مهاجمة المسلمين حيث كانت هذه الكمائن الهوازنية ترابط في فجاج الشعاب والوديان الصغيرة الرافدة إلى حنين. وعندما تعرضت مقدمة الجيش النبوي لذلك الهجوم المفاجئ الصاعق من الكمائن انهزمت كلها واتجهت هاربة نحو مكة دون أن تشهر سيفًا أو تشرع رمحًا أو تطلق سهمًا. وأحدث تراجع مقدمة جيش الإسلام وفرارها الفوضى الشاملة والارتباك الكامل داخل صفوف الجيش النبوي الذي فقد تنظيمه تمامًا، وصارت خيل المسلمين المنهزمة تحطم مَن أمامها وتدوسه من جند المسلمين، وظن الكثير أنها الهزيمة التي لن تقوم للمسلمين بعدها قائمة، وأخذت كتائب الجيش النبوي تتدفق وكأنها السيل الجارف -لا إلى المعركة للقتال- وإنما فرارًا نحو مكة. وشرعت قوات هوازن في مطارة المسلمين الذين لم يباشروا أي قتال بعد لأنهم فروا فور تعرضهم لهجوم الكمائن الصاعق. كان موقفًا عصيبًا وامتحانًا شديدًا لم تتعرض القيادة الإسلامية العليا لمثله في تاريخ حروبها ضد الوثنية وحتى في يوم أُحد. لأن المسلمين انهزموا ذلك اليوم بعد أن سجلوا نصرًا رائعًا على المشركين في المرحلة الأولى من المعركة. أما في يوم حنين فإن جيوش الإسلام تمزقت وولت الآلاف المؤلفة من المشاة والفرسان هاربة لا تلوى على شيء، ولو استمر الوضع على ما كان عليه عند الصدمة الأولى لأبيد أكثر الجيش الإِسلامي ولسقطت مكة نفسها في أيدى المشركين من هوازن الذين يبلغ تعداد قواتهم عشرين ألفًا كانوا قادرين على اجتياح مكة في أقل من ساعتين، ولكن الله غالب على أمره فقد كان ثبات النبي ﷺ ومائة (فقط) من خلصاء أصحابه عاملًا حاسمًا في تغيير مجرى تلك الأحداث الخطيرة لصالح الإِسلام.

стр. 2258

المرجفون في جيش الإِسلام كان في الجيش النبوي ألفان من أهل مكة، الكثير منهم أسلموا ولمَّا يدخل الإِيمان في قلوبهم، وكان خروجهم مع الجيش النبوي لا للقتال في جانب الإِسلام ضد الوثنية، وإنما للحصول على حصتهم في الغنيمة عندما يتم النصر للمسلمين. هذه العناصر من أهل مكة لما رأت انهزام المسلمين ورأت فرسان هوازن الوثنية تطاردهم، ظهر ما كانت تبطن هذه وتفوهت بكلام يدل على فرحتها بهزيمة الجيش النبوي وتشفيها منه .. فقد قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان بن حرب (وهو حديث عهد بالإِسلام لم يمر على إسلامه أكثر من عشرين يومًا): لا تنتهي هزيمتهم حتى البحر (١). وصرخ كلدة بن الحنبل (وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ وكان ضمن الجيش النبوي) ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان بن أمية: اسكت فض الله فاك، فوالله لئن يَربُّنى (٢) رجل من قريش أحب إلى من أن يربُّنى رجل من هوازن (٣). وفي مغازي الواقدي أن كلدة بن حنبل قال لصفوان بن أمية -ساعة اندحار المسلمين-: أبشر أبا وهب، هُزم محمد وأصحابه. فقال له صفوان (زاجرًا): إن ربًا من قريش أحب إليَّ من ربّ من هوازن إن كنت مربوبًا .. قال هذا الكلام صفوان وهو لا يزال مشركًا. وقد أسلم وحسن إسلامه وكان عاقلًا شديد الإِنصاف، وقد استشهد في حروب الجهاد في الشام. محاولة اغتيال الرسول ﷺ ساعة الهزيمة وفي تلك اللحظات من ساعات المصير التي شرع المسلمون فيها في

стр. 2259

الانكسار والتراجع، تعرَّض الرسول ﷺ وهو يواجه ذلك الموقف الصعب - لمحاولة اغتيال شريرة، فقد اغتنم أحد الموتورين من قريش فرصة انكشاف المسلمين فقرر اغتيال الرسول ﷺ انتقامًا لمقتل أبيه يوم أحد على أيدى المسلمين، وكان أبوه حامل لواء المشركين يوم أحد. وهذا الرجل الذي أضمر اغتيال الرسول ﷺ هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرى حامل مفتاح الكعبة وكان ضمن من أسلم يوم الفتح ولمَّا يدخل الإِيمان في قلبه. ولكن الله تعالى منع رسوله ﷺ من تلك المؤامرة الشريرة وحماه منها. فقد تحدث المخطِّط لهذه المؤامرة نفسه بعد أن حسن إسلامه فقال: قلت: اليوم أدرك ثأر أبي. اليوم أقتل محمدًا. قال: فأردت رسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشَّى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنه قد مُنع منى (١). حديث المؤرخين عن الهزيمة أما هزيمة المسلمين عند الصدمة الأولى وقت الفجر فقد أجمع المؤرخون وأصحاب الحديث على أنها كانت هزيمة مخيفة لم يثبت عندها أحد من المسلمين إلا الرسول ﷺ ومائة فقط من هيئة أركان حربه وهم خلصاء أصحابه كلهم من سادات المهاجرين والأنصار. وكان وصف المؤرخين والحديث للهزيمة مقتضيًا ليس فيه كثير تفصيل. ونحن نذكر هنا ما جاء فيما بين أيدينا من أمهات التاريخ من وصف لهذه الهزيمة: قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف خَطوط (٢)، إنما ننحدر فيه انحدارًا. قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضائقه، وقد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا

стр. 2260

فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدة رجل واحد .. وانشمر (١) الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: أين الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله. قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس إلا أنه بقى مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وعن يونس بن بكر، قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله ﷺ إليها فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي وأحنائه. وأقبل رسول الله ﷺ حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدّت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: (أين الناس؟ هلموا إليّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله). قال: فلا شيء. وركبت الإبل بعضها بعضًا (٢). وقال ابن حزم يصف الهزيمة: ثم نهض (أي رسول الله ﷺ ، فلما أتى وادي حنين وهو واد حَدور (٣) من أودية تهامة، وهوازن قد كمنت جنبتى الوادي، وذلك في عماية الصبح (٤) فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المنهزمون لا يلوى أحد على أحد، فناداهم رسول الله ﷺ فلم يرجعوا (٥). وقال الطبري في تاريخه -بعد سرد أسانيده عن جابر بن عبد الله عن أبيه-: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضائقه، قد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا-، فوالله ما راعنا -ونحن منحطون- إلا الكتائب قد شدَّت علينا

стр. 2261

شدة رجل واحد، وانهزم الناس فانشمروا لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ذات اليمين، ثم قال: أين الناس؟ هلمّ إليَّ أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء احتملت الإِبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس (١). وقال محمد بن سعد في طبقاته: وانحدر رسول الله ﷺ في وادي الحنين على بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، وانكشفت الخيل خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله (٢). وقال محمود شيت خطاب (وهو من المؤرخين العسكريين الإِسلاميين المعاصرين): دخلت قوات المسلمين وادي حنين فجرًا، وكان واديا أجوف منحدرًا ينحط فيه الركبان كلما أوغلوا، كأنهم يسيرون إلى هاوية، فلما استقرت أكثر قوات المسلمين في الوادي، رماهم المشركون بوابل من سهامهم، فلم يعرف المسلمون مصدر ذلك الرمي، لأن الظلام كان سائدًا وقتذاك، ولأن مواضع المشركين كانت مخفية تمامًا، فانسحبت مقدمة المسلمين وجرفت أمامها المسلمين (٣) الأخر، فانقلب انسحاب المسلمين إلى هزيمة. ورأى أبو سفيان هزيمة المسلمين فقال: (لا تنتهي هزيمتهم دون البحر). وقال آخرون ممن أسلموا حديثًا مثل قوله، بل إن عثمان بن طلحة الذي قتل أبوه في غزوة أحد حاول اغتيال الرسول ﷺ في هذا الموقف العصيب ليدرك ثأر أبيه من محمد، وترك المشركون مواضعهم للقيام بالمطاردة بعد انسحاب المسلمين، وكان يتقدم هوازن رجل على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف منحدرون وراءه يطعنون. وانتشر الفزع بين المسلمين وازدحمت المسالك بالسابلة، وارتبكت الصفوف واختلطت القبائل ببعضها، وركبت الإبل بعضها بعضًا وهي مولية

стр. 2262

بأصحابها وتعقدت الأمور (١). وقال ابن الأثير: واستعمل رسول الله ﷺ على مَن بمكة عتّاب بن أسيد (٢). قال جابر: فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حَطوط إنما ننحدر فيه انحدارًا في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا، فولله ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائب قد شدَّت علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس أجمعون لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: أيها الناس هلموا إليَّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، قالها ثلاثًا، ثم احتملت الإبل بعضها بعضًا (٣). الكمائن بمشورة دريد بن الصمة ويذكر ابن برهان الدين أن الكمائن التي نصبها الشاب القائد مالك بن عوف كانت بإشارة من المجرّب المعمّر دريد بن الصمة فقد قال: فلما كان النبي ﷺ بحنين وانحدروا في الوادي عند غبش الصبح خرج عليهم القوم وكانوا قد كمنوا لهم في شعاب الوادي ومضايقه، وذلك بإشارة دريد بن الصمة، فإنه قال لمالك: اجعل لك كمينًا يكون لك عونًا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فاستقبلوهم بالنبل كأنهم جراد منتشر، لا يكاد يسقط لهم سهم (٤). ثبات الرسول القائد ساعة الهزيمة هكذا كانت هزيمة المسلمين عند الصدمة الأولى في حنين، هزيمة منكرة، ركب المسلمون فيها بعضهم بعضًا وهم يفرّون من ساحة القتال لا يلوون على شيء، وقد كانت هزيمة عامة شاملة شملت جميع قطاعات الجيش البالغ اثنى

стр. 2263

عشر ألفًا .. والمنهزم - (كما قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف) لا يرده شيء. وللخبير الحربي أن يتصور اثنى عشر ألف مقاتل بينهم أكثر من ألفين وأربعمائة فارس وعدة آلاف من الجمال ينطلقون من الميدان راجعين فارين على غير تعبئة ولا نظام، إنها الفوضى المخيفة المريعة، الناس يدوس بعضهم بعضًا وهم قوة هائلة انفرط عقدها وضاع نظامها، قوة هائلة منهزمة، خيلها وجمالها ومشاتها انهزمت جميعها ما عدا الرسول القائد ﷺ وقلة من أصحابه لا يزيدون على المائة في أكبر تقدير. وهذه القوات المنهزمة من ورائها عشرون ألفًا من هوازن يطاردونها بأقصى قوة. الرسول يحاول إيقاف المنهزمين وقد حاول الرسول القائد ﷺ إيقاف المنهزمين، وهو ثابت في الميدان، فناداهم بأن يثبتوا ويلتفوا حوله فلم يلتفت إليه أحد ولم يجبه أحد، بل يمكن أنه لم يسمع صوته أحد في تلك الساعات الرهيبة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، حيث أصبح همّ كل واحد من الجند النجاة بنفسه، ولا يستبعد أن أكثر المنهزمين قد ظنوا أن الرسول ﷺ قد قُتل أو انهزم، بدليل أنهم لما أفاقوا من صدمة الهزيمة وسمعوا صوت العباس بن عبد المطلب يُشعرهم بأن الرسول ﷺ حي ثابت مكانه يناشدهم الرجوع إلى ميدان الشرف تنادوا وأخبر بعضهم بعضًا ورجعوا إلى الميدان من جديد. أما الرسول القائد ﷺ فقد ثبت عند الهزيمة، وجرد سيفه ورمى غمده وأخذ حربته ليواجه الأعداء ثابتًا وحوله تلك القلة القليلة من صفوة أصحابه. وقد قاتل الرسول ﷺ المشركين في تلك الساعات الحرجة ببسالة وشجاعة وثبات تليق بمقامه كنبي مرسل وقائد أعلى مسئول، وواجه جموع هوازن الهائلة تسانده تلك القلة الصابرة من أصحابه وهم مائة فقط. بينما تبلغ جيوش هوازن المتدفقة في الميدان عشرين ألفًا. وليس يوم حنين هو اليوم العصيب الوحيد الذي يثبت فيه الرسول ﷺ عندما يفزع الناس أو يتعرضون لهزيمة. فقد كان الثبات عند الرّوع وتحرُّج

стр. 2264

الأمور سجية أساسية وخلقًا مكينًا من أخلاق سيد القادات والشجعان محمد ﷺ . ففي يوم أحد عندما انكشف المسلمون نتيجة غلطة الرماة واقتحام خيل خالد بن الوليد مؤخرة المسلمين، ثبت الرسول ﷺ مكانه بمنتهى الشجاعة والثبات، حتى أن ثباته في تلك الساعة الحرجة، كان العامل الرئيسى في تراجع المسلمين عن الهزيمة وتكتلهم وإعادة تنكل قواتهم من جديد وعلى نحو أعاد لهم هيبتهم وسيطرتهم على مكان المعركة رغم الخسائر الفادحة التي نزلت بهم والتي بلغت عشرة في المائة من قواتهم يومئذ (١). وفي أيام الخندق عندما تحرجت الأمور ونقضت يهود قريظة العهد وتعرَّض المسلمون لأشد الأخطار حتى بلغت القلوب الحناجر، كما جاء في القرآن الكريم، كان الرسول ﷺ يمثِّل أعلى مستويات الصبر والشجاعة والثبات، فقد كان بشجاعته وإيمانه يشيع الطمأنينة في النفوس القلقة التي بلغ بها الخوف من جيوش الأحزاب الهائلة حد الاختناق، بل كان الرسول ﷺ يقوم بنفسه بأعمال الحراسة. وأين؟ أمام أخطر النقاط التي يمكن أن تكون دون غيرها عرضة لاقتحام خيالة الأحزاب، وذلك على مشارف الخندق في ليال شاتية شديدة البرودة مع العواصف المزعجة، وذلك في وقت تحرَّجت فيه حالة المسلمين وتناقص عدد قواتهم من ألف مقاتل إلى ما لا يزيد على ثلثمائة بعد تسلل المنافقين وضعاف النفوس من صفوف الجيش النبوي خوفًا من قوة الأحزاب التي بلغت عشرة آلاف مقاتل (٢). وهكذا كان الرسول ﷺ (دائمًا) ملاذ أصحابه، وتصرفه في ميادين الثبات والصبر عندما تشتد خطوب الحرب- عاملًا رئيسيًا في استبسالهم وتقوية روحهم المعنوية وسد المنافذ التي يمكن أن يتسرب منها إلى نفوسهم الخور والتخاذل ساعة الروع وساعة تقاطر البلايا والمحن الحربية عليهم. الامتحان العظيم حقًّا لقد كانت الهزيمة للمسلمين (عند الصدمة الأولى) امتحانًا عظيمًا

стр. 2265

ما في ذلك شك، وقد صمد الرسول الأعظم ﷺ والقائد الأكبر لهذا الامتحان، فثبت مكانه كقطب يمكن أصحابه المنهزمين من العودة ليكونوا حوله إذا ما علموا أنه حي باق في موقعه، وما كان لمن هو في منزلة محمد بن عبد الله الهاشمي أن يفرَّ مهما كانت الظروف ومهما كانت النتائج والاحتمالات في تلك الساعات الرهيبة التي لم تمر بجيش للإسلام يقوده النبي ﷺ تجربة مريرة مثل تلك التجربة .. إنه نبي مرسل واثق من نصر الله له ومن يثق بالله لا يمكِّن عدوه منه، ثم إن محمد بن عبد الله سيد السادات وقائد القادات، قائد أعلى لجيش هو مسئول عنه، ولابد من أن يعالج الوضع الذي صار إليه الجيش الإِسلامي (رغم هزيمته) لا يزال سليمًا ولم تنزل به أية خسارة في الأرواح تذكر. إذن لا بد من إعادته إلى الميدان، إن الذين فوجئوا بهجوم هوازن المباغت الصاعق ليسوا من الجبناء، إن من بينهم من رفعوا الرأس وجعلوا الإسلام يدخل التاريخ من أوسع أبوابه يوم بدر فصمدوا في ذلك اليوم لقوات الشرك وانتصروا عليها وهي تفوقهم في العدد ثلاثة أضعاف، وتتفوق عليها في العتاد والتموين وكل شيء مادي تفوقًا ساحقًا. أما في حنين فقوات هوازن عشرون ألفًا والمسلمون اثنا عشر ألف، إنه ليس هناك تفوق ساحق لهوازن على المسلمين في العدد، إذن فهزيمة المسلمين المفاجئة يوم حنين عند الصدمة الأولى لها أسباب ليس من بينها الجبن أو الخور، إنه (على ما يفسر الخبراء العسكريون) عامل المفاجأة المذهل، ووجود عناصر قبلية بدائية حديثة العهد بالإسلام لا تزال تتحكم فيها الفوضى، كما أنه كانت هناك عناصر داخل الجيش الإِسلامي أظهرت إسلامها ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، هذه العناصر كان لها دور في صنع الهزيمة بما تختزنه نفوسها من بقايا جاهلية جعلتها تتصرف تصرف من يقصد أن تكون الهزيمة للجيش النبوي، ويكون النصر لجيش هوازن، بدليل أن أول المنهزمين في الجيش النبوي عند الصدمة الأولى هم من هذه العناصر كما أكد ذلك وكّرره كبار المؤرخين الذين كتبوا وقائع معركة حنين. والخلاصة أن الهزيمة عند الصدمة الأولى كانت هزة وامتحانًا اضطربت فيه وحدات الجيش النبوي ثم انهزمت، فثبت القائد الأعلى النبي ﷺ فكان ثباته

стр. 2266

والمائة من أصحابه عاملًا أساسيًا في معالجة الوضع وتحسينه ثم تعديله وترجيح كفة الجيش الإِسلامي المهزم، وجعله يتخذ موقف الهجوم الصاعق بعد أن كان في موقف المهزم الهارب، وذلك بعد أن ثبت الله المؤمنين فعادوا إلى الميدان بعد أن علموا أن نبيهم وقائدهم الأعلى لا يزال ثابتًا في موقفه في الميدان يضرب وجوه هوازن بالسيف ويطعن في صدورهم بالرمح. صيحة العباس تعيد المنهزمين كان العباس بن عبد المطلب من القلة (المائة) الصابرة التي ثبتت مع الرسول ﷺ عندما انهزم المسلمون يوم حنين، وحين رأى الرسول ﷺ الجيش الإسلامي منهزمًا لا يلوى على شيء عمد اإلى معالجة الوضع المتدهور (وكان على ثقة بأن أصحابه وخاصة الأنصار والمهاجرين) إذا علموا بمكانه وأنه ثابت يقاتل المشركين لم ينهزم سيعودون حتمًا إلى ساحة الميدان وبعودتهم سيتغير ميزان القوى لصالح الإِسلام والمسلمين وإن النصر سيكون حليف جيش التوحيد، فالنبي ليس لديه أدنى ريب في أن الله ناصره. لذلك طلب من عمه العباس (وكان صيتًا يسمع صوته لعدة أميال) طلب منه أن يناشد الجيش العودة إلى ميدان الشرف والجهاد، كلفه بأن يصرخ باسم الأنصار وأصحاب شجرة الرضوان خاصة لأنهم العمود الفقرى للجيش في كل معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوي (وعلى الخصوص الأنصار) الذين يكونون الأكثرية دائمًا في أي قتال يدور بين الإِسلام وأعدائه. فعل العباس ما أمره النبي ﷺ ونادى باسم الأنصار خاصة وباسم أصحاب السَّمُرة (الشجرة التي بايع المسلمون النبي ﷺ تحتها يوم الحديبية قبل فتح مكة). ولم يكد المسلمون المنهزمون يسمعون المناشدة النبوية، عبر صوت العباس بن عبد المطلب حتى أفاقوا من صدمة المفاجأة، وخاصة بعد أن أيقنوا أن نبيهم ﷺ ثابت مكانه يقاتل المشركين، فعادوا جميعًا إلى ميدان المعركة، فتجمعوا حول النبي ﷺ وبسرعة هائلة، فأخذ الوضع في التحسن لصالح الجيش النبوي، وصارت هوازن تتلقى ضربات المسلمين، بعد أن كانت قد

стр. 2267

ركبت أكتافهم وظن قادتها أن هزيمة المسلمين ساحقة وأن مكة أصبحت في حكم المنتهى أمرها سقوطًا في قبضة هوازن. احتدام القتال من جديد وبعد استجابة الصحابة المنهزمين لنداء الرسول الحبيب ﷺ عبر صوت عمه العباس، احتدم القتال بين المسلمين وهوازن كأعنف ما يكون، فدارت المعركة رهيبة، وتحوَّل موقف هوازن في لحظات من الهجوم إلى الدفاع، وقاتل المسلمون المشركين بحنق وغيظ فصبروا صبرًا عظيمًا حتى كتب الله لهم النصر المؤزر، وانهزمت هوازن هزيمة مدمرة لم يهزم مثلها أحد من العرب عبر التاريخ. تحطم كبرياء هوازن الذي هزها بسبب نصرها المفاجئ المؤقت عند الصدمة الأولى، ونزل بها الذل والهوان، والهزيمة التي ما كان أحد من قادتها يتصور أنها ستحدث. أو حتى سيتمكن المسلمون من عدم مواصلة الانهزام حتى مكة. أو حتى البحر، كما قال أحد الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم. كل ذلك حدث بفضل الله تعالى ثم بفضل ثبات النبي القائد بأبي وأمى هو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والذي كان ثباته مكانه ومهاجمته المشركين ساعة انهزام المسلمين (رغم أنه لم يثبت معه سوى مائة من أصحابه) سببًا في رفع رصيد المسلمين بالمعركة في حساب النصر من الصفر حتى أعلى رقم في حسابات الفوز والغلبة. فقد خجل المنهزمون المسلمون حين علموا أن نبيهم ثابت مكانه يصارع أمواج الجيش الهوازنى وهم يفرّون منهزمين، خجلوا حين سمعوا المناشدة النبوية بدعوتهم إلى العودة إلى ساحة القتال حول نبيهم، فرجعوا وانقضوا على العدو بحنق وغيظ) وكأنهم الرياح العاتية تكتسح كل شيء يعترضها، حتى أن أحدهم (كى يكون أسبق العائدين إلى ميدان القتال) يرمى خطام جمله ثم يقفز من على ظهره حاملًا سيفه ورمحه وهو يجرى بأقصى سرعة إلى حيث يقف الرسول الأعظم ﷺ لمجالدة المشركين. وكما كان المسلمون في هزيمتهم عند الصدمة الأولى يدوس بعضهم بعضًا صاروا أشد من ذلك في الازدحام حينما عادوا إلى ميدان الشرف ونفضوا غبار

стр. 2268

الهزيمة عن وجوههم، حتى كادت رماحهم تصيب رسول الله ﷺ من شدة الازدحام حوله لمقاتلة المشركين. وصف الواقدي للمعركة ولعله من المستحسن أن نستمع إلى إمام المغازي محمَّد بن عمر الواقدي، وهو يصف لنا تلك الساعات الدقيقة الحرجة المحرجة الخجلة التي انهزم فيها المسلمون، واللحظات الرائعة المشرفة التي عادوا فيها وغسلوا عمار الهزيمة المفاجئة بدمائهم الشريفة الطاهرة، فسجلوا أعظم نصر سجله الإِسلام على الوثنية في العهد النبوي. قال الواقدي: قال أنس بن مالك: فلما تحدرنا في الوادي وادي حنين، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة واحدة فانكشف أول الخيل -خيل سليم- مولية، فولوا، وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء، قال أنس فسمعت رسول الله ﷺ والتفت عن يمينه ويساره- والناس منهزمون وهو يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله صابر. قال ثم تقدّم ﷺ بحربته أمام النَّاس. وعن العباس ابن عبد المطلب: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركرن، فولى المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذ بثغر بغلة رسول الله ﷺ والنبي ﷺ لا يألو مسرعًا نحو المشركين. قال العباس: كنت رجلًا صيتا. فقال رسول الله ﷺ حين رأى من الناس ما رأى لا يلوون على شيء قال: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فناديت: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك، فيذهب الرجل منهم فيُثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقدمها في عنقه، ويأخذ ترسه وسيفه، ثم يقتحم في بعيره فيخلى سبيله في الناس، ويؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله ﷺ حتى إذا ثاب إلينا الناس اجتمعوا، فكانت الدعوة أولًا، يا للأنصار، ثم قصرت الدعوة فنادوا

стр. 2269

يا للخزرج، قال: وكانوا صُبُرًا عند اللقاء صُدُقًا عند الحرب قال: فأشرف رسول الله ﷺ كالمتطاول في ركابه -فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمى الوطيس (١)، ثم أخذ ﷺ بيده من الحصى فرماهم، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال أنس: فوالله ما زلت أرى أمرهم مدبر وحدّهم كليلًا حتى هزمهم الله، وكأنى أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم بغلته. اهـ. ووصف شاهد عيان (يوم حنين) عودة الأنصار المنهزمين إلى رسول الله ﷺ فقال: لقد عطف الأنصار نحو رسول الله ﷺ ، (وهم يقولون الكرّة بعد الفرّة) فعطفو, عطفة البقر على أولادها قد شرعوا الرماح حتى إني لأخاف على رسول الله ﷺ من رماحهم أشد من خوفى رماح المشركين يؤمّون الصفوف ويقولون: يا لبيك يا لبيك فلما اختلطوا، واجتلدوا (٢) ورسول الله ﷺ قائم على بغلته في ركابه يقول: اللهم إني أسألك وعدك، لا ينبغي لهم أن يظهروا. ثم قال للعباس ناولنى حصيّات من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه، ورمى بها المشركين وقال: انهزموا ورب الكعبة (٣). وقد أجاب الله تعالى دعاء رسوله ﷺ فانقلب ميزان القوى في المعركة لصالح المسلمين حتى هزموا المشركين شر هزيمة. الذين ثبتوا مع الرسول ساعة الهزيمة وقال أنس يصف ثبات الرسول ﷺ وأصحابه النخبة: فسمعت رسول الله ﷺ والتفت عن يمينه ويساره والناس منهزمون، وهو يقول يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله صابر. قال ثم تقدم بحربته أمام الناس، فوالذي بعثه بالحق، ما ضربنا بسيف ولا طعنَّا برمح حتى هزمهم الله، ثم رجع النبي ﷺ إلى العسكر وأمر بقتل من قدر عليه منهم، وجعلت هوازن تولى وثاب من انهزم من المسلمين.

стр. 2270

وقد جاء في كتب التاريخ ذكر أسماء رجال ثبتوا مع رسول الله ﷺ من بينهم أبو بكر وعمر، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب والفضل بن العباس (١) وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد الخزرجى (٢)، وأسامة بن زيد وحارثة بن النعمان (٣). فعن عاصم بن عمرو بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه. قال: لما انكشف الناس والله ما رجعت راجعة هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند النبي ﷺ مكتفين. قال: والتفت رسول الله ﷺ يومئذ إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنع في الحديد، وكان ممن صبر يومئذ، وهو آخذ بثغر بغلة النبي ﷺ قال: من هذا؟ قال: ابن أمك يا رسول الله. ويقال إنه قال: من أنت قال: أخوك فداك أبي وأمى -أبو سفيان بن الحارث. فقال رسول الله ﷺ نعم أخي- ناولنى حصى من الأرض، فناولته فرمى بها في أعينهم كلهم وانهزموا (٤). وقال الواقدي: قالوا: فلما انكشف الناس انحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وهو واقف على دابته لم ينزل إلا أنه قد جرد سيفه وطرح غمده. وبقى

стр. 2271

رسول الله ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته (العباس وعلى والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد الخزرجى وأسامة بن زيد، وأبو بكر وعمر ﵈ (١).) شأن المائة الصابرة مع الرسول وذكر بعض المؤرخين (بشأن المائة الصابرة مع الرسول ﷺ أنه ﷺ لما انكشف الناس وانهزموا، عند الصدمة الأولى. قال لحارثة بن النعمان: كم ترى الذين ثبتوا؟ فقال حارثة: فلما التفت ورائى تحرّجًا (٢) فنظرت عن يمينى وشمالى فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله هم مائة .. حتى كان يوم مررت على النبي ﷺ وهو يناجى جبريل ﵇ عند باب المسجد، فقال جبريل: من هذا يا محمَّد؟ فقال ﷺ : حارثة بن النعمان. فقال جبريل: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه. فأخبره النبي ﷺ فقال حارثة: ما أظنه (يعني جبريل) إلا دِحية الكَلْبى (٣) واقف معك. وعن معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن جبريل قال: إن الله تكفل لهم (أي الذين صبروا مع الرسول) بأرزاقهم وأرزاق عيالهم في الجنة، وكان العباس يقول: وكان أبو سفيان بن الحارث من الذين تكفل الله بأرزاقهم وأرزاق عيالهم في الجنة (٤). وفي ثبات النبي ﷺ ساعة الهزيمة روي عن البراء بن عازب (وكان من الذين ثبتوا) (٥) أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه وقف واستنصر، ثم نزل وهو يقول: أنا النبي لا كَذِب ... أنا ابن عبد المطلب فأنزل الله عليه نصره وكبت عدوه وأفلح حجته (٦).

стр. 2272

دعاء النبي يوم حنين وكان دعاء النبي ﷺ حين انهزم جيشه وثبت هو: (والمائة الصابرة من الصفوة من المهاجرين والأنصار): (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان). قال جبريل لقد لقنت (بفتح اللام كسر القاف) الكلمات التي لقن الله موسى يوم فلق البحر أمامه وفرعون خلفه. وكما ذكرنا دائمًا كان الأنصار دائمًا العمود الفقرى للقوات النبوية المسلحة طيلة حياة الرسول ﷺ ولهذا فقد كان من المائة الصابرة الثابتة مع النبي ﷺ ساعة الهزيمة يوم حنين سبعة وستون من الأنصار وثلاثة وثلاثون من المهاجرين (١). اشتداد القتال بين الفريقين وبعد أن تراجع المنهزمون المسلمون إلى ساحة الوغى احتدم القتال وقاتلت هوازن بشراسة وضراوة منقطعة النظير، ولكنها بعد عودة العسكر الإسلامي المنهزم كله، تحولت من مركز الهجوم إلى مركز الدفاع، فقد شن المسلمون (بقيادة نبيهم) على هوازن هجومًا مضادًا كاسحًا، حاولت هوازن وأحلافها الثبات أمامه ولكن دون جدوى. فقد اكتسحهم المسلمون بحنق وغيظ، وفتكوا بهم وجرفوهم أمامهم كما تجرف العاصفة الورق اليابس، فأثخنوا فيهم، حتى بلغ الحنق ببعض المسلمين إلى أن امتدت أيديهم إلى ذرية المشركين لقتلهم، فأوقفهم النبي ﷺ عن ذلك بنفسه؛ لأن شريعة الإسلام لا تبيح قتل الذرية مهما كانت المبررات والأسباب. فقد حدث محمَّد بن أبي صعصعة قال: لما نادى العباس مهيبًا بالمسلمين أن يعودوا عن الهزيمة، صاح سعد بن عبادة سيد الخزرج يا للخزرج يا للخزرج، وصاح سيد الأوس أسيد بن حضير: يا للأوس يا للأوس، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل تأوى إلى يعسوبها، قال فحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية، فبلغ

стр. 2273

ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تقتل الذرية، نادى بها ثلاثًا, فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله إنما هم أولاد المشركين. فقال الرسول ﷺ مجيبًا أسيدا: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهوِّدانها أو ينصرانها (١). ومما لا خلاف فيه أن هوازن بعد تراجع المسلمين إلى الميدان قد قاتلت قتالًا ضاريا وكان فيهم رجال قد أكثروا القتل في المسلمين بشراسة ولا أدل على ذلك من هذه القصة التي رواها المؤرخون عن أن رجلًا من هوازن على جمل له يهبر المسلمين بسيفه حتى أكثر القتل فيهم إلى أن تعاون عليه علي بن أبي طالب وأبو دجانة فقتلاه. ورجل. يتعاون على قتله ألمع فارسين في المهاجرين والأنصار لهو رجل فاتك شجاع ما في ذلك شك فعلى فارس المهاجرين وأبي دجانة فارس الأنصار وصاحب سيف. رسول الله ﷺ يوم أحد وصاحب المواقف البطولية المشهودة في ذلك اليوم. قالوا: (في وصف فعل الهوازنى الأفاعيل بالمسلمين): وكان "رجل من هوازن على جمل أحمر، بيده راية سواء في رأس رمح له طويل أمام الناس، إذا أدرك طعن، قد أكثر القتل في المسلمين، فيصمد له أبو دجانة فعرقب جمله فسمع خرخرة جمله (٢). واكتسح الجمل وسدَّ علي وأبو دجانة عليه فيقطع عليّ يده اليمنى ويقطع أبو دجانة يده الأخرى، وأقبلا يضربانه بسيفيهما جميعًا حتى تثلم سيفاهما فكفَّ أحدهما. وأجهز الآخر عليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: إمض لا تعرج على سلبه، فمضيا يضربان أمام النبي ﷺ ، ويعترض لهما فارس من هوازن بيده راية حمراء، فضرب أحدهما يد الفرس ووقع لوجهه ثم ضرباه بأسيافهما فمضيا على سلبه. ويمر أبو طلحة فسلب الأول ومر بالآخر فسلبه.

стр. 2274

وكان عثمان بن عفان وعلي وأبو دجانة وأيمن بن عبيد يقاتلون بين يدي رسول الله ﷺ (١). استبسال قائد قبيلة هوازن كذلك شهد المؤرخون (نقلًا عن شهود عيان) أن القائد العام لقوات هوازن مالك بن عوف النصرى وقبيلته بني نصر، قد قاتلوا بشراسة وشجاعة وثبات، حتى كادوا أن يفنوا عن آخرهم، ولم ينسحب القائد العام مالك بن عوف من الميدان إلا بعد أن رأى أنه قد فقد السيطرة كليا على جيوشه التي شَتَّتَتها الهزيمة كما تشتِّت العاصفة الورق اليابس ولم يعد لأحد من جنود هوازن ما يهمه سوى النجاة بنفسه، قال الواقدي: واستحر القتل في بني نصر (قوم مالك بن عوف) وفي بني رباب من بني نصر، حتى صار عبد الله بن قيس النصرى -وكان مسلمًا- يقول: يا رسول الله هلكت بنو رباب، فقال اللهم اجبر مصيبتهم. وقال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركًا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم. قال: فأتيته فضربت يده, فقطعتها، واعتنقنى بيده الأخرى، فوالله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الموت، وكاد يقتلنى فلولا أن الدم نزفه (٢) لقتلنى، فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال (أي شغلنى)، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه، فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم. قال رسول الله ﷺ من قتل قتيلًا فله سلبه. فقلت: يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلًا ذا سلب، فأجهضنى (٣) عنه القتال؛ فما أدرى من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك الرجل القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا والله لا يرضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سلبه، أردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله ﷺ : صدق أردد عليه

стр. 2275

سلبه. فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفًا (١) فإنه لأول مال اعتقدته (٢). المعجزة السماوية يوم حنين وتحدث مختلف المؤرخين عن المعجزات التي أيد الله بها نبيه يوم حنين حيث بث الرعب بها في نفوس المشركين: فقد قالوا عن بعض الصحابة ممن شهدوا حنينا: أنهم رأوا قبل هزيمة هوازن (والناس يقتتلون) مثل البجاد (٣) الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم. قال أحدهم: فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث (٤) قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة ثم لم يكن إلا هزيمة القوم. وقال آخر: إن رجال مالك بن عوف (وكانوا عيونًا له) عادوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا حتى أصابنا ما ترى. وعن شيوخ من الأنصار. قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركامًا (٥) فنظرنا فإذا نمل مبثوث فإن كنا لننفضه عن ثيابنا فكان نصرا أيدنا الله به. وكان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمراء قد أرخوها بين أكتافهم، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يوم حنين كوقع الحصى في الطست (٦). فكان سويد بن عامر السوائي يحدث، وكان حاضرًا يومئذ (مع المشركين) فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فيطن فقال: إن كان في أجوافنا مثل هذا.

стр. 2276

وكان مالك بن أوس بن الحدثان يتحدث عن مدى أثر الحصى الذي قذف به رسول الله ﷺ في وجوه المشركين فيقول: حدثني عدة من قومى شهدوا ذلك اليوم (مع المشركين) يقولون: لقد رمى رسول الله ﷺ بتلك الكف من الحصيات فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانًا كوقع الحصى في الطساس، ما يهدأ ذلك الخفقان عنا, ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين اكتافهم، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئًا (١) ولا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم (٢). تعليق السهيلى على المعجزة وقال السهيلى في كتابه (الروض الأنف ج ٧ ص ٢١٣ تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل ﵀ تعليقا على هذه المعجزات: ويقول جبير بن مطعم (هو صحابي حضر المعركة): لقد رأيت مثل البجاد يعني الكساء من النمل مبثوثًا، يعني رآه ينزل من السماء. قال: لم أشك أنهما الملائكة، وقد قدم ابن إسحاق قول الآخر: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، وكانت الملائكة فأراهم الله لذلك الهوازنى على صور الخيل والرجال ترهيبًا للعدو، ورآهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعارًا بكثرة عددها، إذ أن النمل لا يستطاع عدّها، من أن النملة يضرب بها المثل في القوة، فيقال: أقوى من النملة لأنها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف، وقد قال رجل لبعض الملوك: جعل الله قوتك قوة النملة، فأنكر عليه، فقال: ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وهذا المثل قد ذكره الأصبهاني في كتاب الأمثال مقرونًا بهذا الخبر، وقد أهلك بالنمل أمة من الأمم وهم جرهم اهـ. ومعجزة أخرى يحدثنا حاجب البيت شيبة الحجبى (بأسلوب أوسع) فيقول -عن سبب اسلامه-: ما رأيت أعجب مما كنا فيه، من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ولما كان عام الفتح ودخل رسول الله

стр. 2277

- ﷺ مكة وسار إلى حرب هوازن، قلت أسير من قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمَّد غِرَّة فأقتله فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وفي لفظ: اليوم أدرك ثأرى من محمَّد - لأن أباه وعمه. قتلا يوم أحد قتلهما حمزة ﵁ وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد لا أتبع محمدًا، لا يزداد ذلك الأمر عندي إلا شدة، فلما اختلط الناس، ونزل ﷺ عن بغلته أصلتُّ السيف (١) ودنوت منه، ورفعت السيف حتى كدت أوقع به الفعل، رفع إليَّ شواظ من نار كالبرق كاد يهلكنى، فوضعت يدي على بصرى خوفًا عليه، فنادانى ﷺ يا شيبة، أن مني فدنوت منه، فالتتفت إلي وتبسَّم وعرف الذي أريد منه فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال شيبة: فوالله لهو كان الساعة إذن أحب إلى من سمعى وبصري ونفسى، وأذهب الله ما كان فيّ، ثم قال ﷺ : أدنُ فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفى، الله أعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شيء ولو كان أبي حيا ولقيته في تلك الساعة لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون كروا كرة واحدة، وقربت إليه ﷺ بغلته فاستوى عليها قائما وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه أي المشركون، وأمر رسول الله ﷺ أن يقتل من يقدر عليه واتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى قتلوا الذرية فنهاهم النبي ﷺ عن قتل الذرية (٢). دور المرأة المسلمة في معركة حنين وفي معركة حنين، كان للمرأة المسلمة دورًا مشرفًا، فقد كان ضمن الجيش النبوي نسوة أربع من نساء الأنصار ثبتن مع رسول الله ﷺ يوم حنين، على رأسهن أم عمارة (٣) صاحبة المواقف المشهورة في معركة أحد، فقد روي سليمان بن هلال عن أمَّ عمارة ﵂ قالت: لما كان يومئذ والناس منهزمون في كل وجه وأنا وأربع نسوة في يدي سيف لي صارم وأم سليم (٤) معها خنجر قد حزمته على وسطها، وهي يومئذحامل بعبد الله بن

стр. 2278

أبي طلحة (١) وأم سليم (٢) وأم الحارث (٣) قالوا: فجعلت (أم عمارة) تسلّه وتصيح بالأنصار (لما انهزم المسلمون): أية عادة هذه؟ ما لكم وللفرار. قالت: وانظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل فيقع على عجزه. وأشد الرجل، فلم أزل أضربه حتى أثبته، وأخذت سيفا له وتركت الجمل يخرخر، ورسول الله ﷺ قائم مصلت السيف بيده قد طرح غمده ينادى يا أصحاب سورة البقرة، قال: وكر المسلمون فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان رسول الله ﷺ قد سمى خيله خيل الله، وجعل شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وجعل شعار الأوس بني عبيد الله، فكرت الأنصار، ووقفت هوازن حلب ناقة فتوح (٤)، ثم كانت إياها، فوالله ما رأيت هزيمة كانت مثلها، ذهبوا في وجه، فرجع ابناى إلى -حبيب وعبد الله ابنا زيد- بأسارى مكتفين، فأقوم لهم من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس يأتون بالأسارى، فرأيت في بني مازن بن النجار ثلاثين أسيرًا. وكان المسلمون قد بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم النبي ﷺ جميعًا (٥).

стр. 2279

امرأة تطلب إعدام المنهزمين المسلمين والعجيب أن حماس الثبات مع الرسول ﷺ وعامل الغضب على المسلمين المنهزمين قد بلغ بإحدى نساء الأنصار اللواتى ثبتن مع الرسول ﷺ ساعة الهزيمة وهي (أم سليم بنت ملحان) طلبت من الرسول ﷺ أن ينفذ حكم الإعدام في الذين فرّوا من أصحابه عند الصدمة الأولى يوم حنين. فقد ذكر المؤرخون أن أم سليم هذه -وكانت مع زوجها أبي طلحة (١)، وهي حامل بابنها عبد الله، وهي حازمة وسطها، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزّها (٢) الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته (٣) مع الخطام، فقال لها رسول الله ﷺ أم سليم؟ . قالت: نعم بأبي أنت وأمى يا رسول الله. أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفرّوا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. وفي رواية: اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ يا أم سليم قد كفى الله .. عافية الله أوسع. قالوا: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ . قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد المشركين بعجته (٤) به، قال يقول: أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول الرميصاء (٥). كما طالبت امرأة أخرى بإعدام المنهزمين من المسلمين وهي أم الحارث الأنصارية. فقد روى الواقدي قال: وكانت أم الحارث الأنصارية أخذت بخطام جمل أبي الحارث زوجها، وكان جمله يسمَّى المجسار فقالت: يا حار، تترك رسول الله ﷺ فأخذت بخطام الجمل، والجمل يريد أن يلحق بألافه، والناس يولوّن منهزمين، وهي لا تفارقه. فقالت: أم الحارث: فمر بي عمر بن الخطاب (وكان ممن ثبت) فقالت أم الحارث: يا عمر، ما هذا، فقال

стр. 2280

عمر: أمر الله. وجعلت أم الحارث تقول: يا رسول الله، من جاوز بعيرى فاقتله، والله إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم بنا تعنى بني سليم وأهل مكة الذين انهزموا بالناس (١). حكم الفارين من الزحف وقد تكلم علماء التشريع الإسلامي عن مسألة فرار المسلمين وانهزامهم يوم حنين وموقفهم من قوله تعالى في تحريم الفرار يوم الزحف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). فقد قالوا: إن الإجماع لم ينعقد بين المسلمين على أن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر. ثم إن الله تعالى غفر للفارين يوم حنين كما تاب على الذين فرا يوم أحد كما جاء ذلك صريحًا في القرآن. قال السهيلى: (إن قيل كيف فر أصحاب رسول الله ﷺ والفرار من الزحف من الكبائر، وقد أنزل الله فيه من الوعيد ما أنزل.؟ قلنا: لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر, كذلك قال الحسن ونافع مولى عبد الله بن عمر، وظاهر القرآن يدل على هذا، فإنه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فيومئذ، إشارة إلى يوم بدر، ثم نزل، التحقيق من بعد ذلك في الفارِّين يوم أحد، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وكذلك في يوم حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر، وكذلك يكون في ملحمة الروم الكبرى, وعند الدجال، وأيضًا فإن المنهزمين عنه ﵇ رجعوا لحينهم وقاتلوا معه حتى فتح الله عليهم (٣). كلام الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان قلوبهم وفي يوم حنين وعندما انهزم المسلمون تكلم رجال من زعماء قريش أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم فانفرجت أساريرهم للهزيمة وفاهوا من الحديث بما يدل على
следующие страницы →