وكان مالك بن أوس بن الحدثان يتحدث عن مدى أثر الحصى الذي قذف به رسول الله ﷺ في وجوه المشركين فيقول: حدثني عدة من قومى شهدوا ذلك اليوم (مع المشركين) يقولون: لقد رمى رسول الله ﷺ بتلك الكف من الحصيات فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانًا كوقع الحصى في الطساس، ما يهدأ ذلك الخفقان عنا, ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين اكتافهم، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئًا (١) ولا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم (٢).
تعليق السهيلى على المعجزة
وقال السهيلى في كتابه (الروض الأنف ج ٧ ص ٢١٣ تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل ﵀ تعليقا على هذه المعجزات: ويقول جبير بن مطعم (هو صحابي حضر المعركة): لقد رأيت مثل البجاد يعني الكساء من النمل مبثوثًا، يعني رآه ينزل من السماء. قال: لم أشك أنهما الملائكة، وقد قدم ابن إسحاق قول الآخر: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، وكانت الملائكة فأراهم الله لذلك الهوازنى على صور الخيل والرجال ترهيبًا للعدو، ورآهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعارًا بكثرة عددها، إذ أن النمل لا يستطاع عدّها، من أن النملة يضرب بها المثل في القوة، فيقال: أقوى من النملة لأنها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف، وقد قال رجل لبعض الملوك: جعل الله قوتك قوة النملة، فأنكر عليه، فقال: ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وهذا المثل قد ذكره الأصبهاني في كتاب الأمثال مقرونًا بهذا الخبر، وقد أهلك بالنمل أمة من الأمم وهم جرهم اهـ.
ومعجزة أخرى يحدثنا حاجب البيت شيبة الحجبى (بأسلوب أوسع) فيقول -عن سبب اسلامه-: ما رأيت أعجب مما كنا فيه، من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ولما كان عام الفتح ودخل رسول الله
стр. 2277
- ﷺ مكة وسار إلى حرب هوازن، قلت أسير من قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمَّد غِرَّة فأقتله فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وفي لفظ: اليوم أدرك ثأرى من محمَّد - لأن أباه وعمه. قتلا يوم أحد قتلهما حمزة ﵁ وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد لا أتبع محمدًا، لا يزداد ذلك الأمر عندي إلا شدة، فلما اختلط الناس، ونزل ﷺ عن بغلته أصلتُّ السيف (١) ودنوت منه، ورفعت السيف حتى كدت أوقع به الفعل، رفع إليَّ شواظ من نار كالبرق كاد يهلكنى، فوضعت يدي على بصرى خوفًا عليه، فنادانى ﷺ يا شيبة، أن مني فدنوت منه، فالتتفت إلي وتبسَّم وعرف الذي أريد منه فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال شيبة: فوالله لهو كان الساعة إذن أحب إلى من سمعى وبصري ونفسى، وأذهب الله ما كان فيّ، ثم قال ﷺ : أدنُ فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفى، الله أعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شيء ولو كان أبي حيا ولقيته في تلك الساعة لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون كروا كرة واحدة، وقربت إليه ﷺ بغلته فاستوى عليها قائما وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه أي المشركون، وأمر رسول الله ﷺ أن يقتل من يقدر عليه واتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى قتلوا الذرية فنهاهم النبي ﷺ عن قتل الذرية (٢).
دور المرأة المسلمة في معركة حنين
وفي معركة حنين، كان للمرأة المسلمة دورًا مشرفًا، فقد كان ضمن الجيش النبوي نسوة أربع من نساء الأنصار ثبتن مع رسول الله ﷺ يوم حنين، على رأسهن أم عمارة (٣) صاحبة المواقف المشهورة في معركة أحد، فقد روي سليمان بن هلال عن أمَّ عمارة ﵂ قالت: لما كان يومئذ والناس منهزمون في كل وجه وأنا وأربع نسوة في يدي سيف لي صارم وأم سليم (٤) معها خنجر قد حزمته على وسطها، وهي يومئذحامل بعبد الله بن
стр. 2278
أبي طلحة (١) وأم سليم (٢) وأم الحارث (٣) قالوا: فجعلت (أم عمارة) تسلّه وتصيح بالأنصار (لما انهزم المسلمون): أية عادة هذه؟ ما لكم وللفرار. قالت: وانظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل فيقع على عجزه. وأشد الرجل، فلم أزل أضربه حتى أثبته، وأخذت سيفا له وتركت الجمل يخرخر، ورسول الله ﷺ قائم مصلت السيف بيده قد طرح غمده ينادى يا أصحاب سورة البقرة، قال: وكر المسلمون فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان رسول الله ﷺ قد سمى خيله خيل الله، وجعل شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وجعل شعار الأوس بني عبيد الله، فكرت الأنصار، ووقفت هوازن حلب ناقة فتوح (٤)، ثم كانت إياها، فوالله ما رأيت هزيمة كانت مثلها، ذهبوا في وجه، فرجع ابناى إلى -حبيب وعبد الله ابنا زيد- بأسارى مكتفين، فأقوم لهم من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس يأتون بالأسارى، فرأيت في بني مازن بن النجار ثلاثين أسيرًا. وكان المسلمون قد بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم النبي ﷺ جميعًا (٥).
стр. 2279
امرأة تطلب إعدام المنهزمين المسلمين
والعجيب أن حماس الثبات مع الرسول ﷺ وعامل الغضب على المسلمين المنهزمين قد بلغ بإحدى نساء الأنصار اللواتى ثبتن مع الرسول ﷺ ساعة الهزيمة وهي (أم سليم بنت ملحان) طلبت من الرسول ﷺ أن ينفذ حكم الإعدام في الذين فرّوا من أصحابه عند الصدمة الأولى يوم حنين.
فقد ذكر المؤرخون أن أم سليم هذه -وكانت مع زوجها أبي طلحة (١)، وهي حامل بابنها عبد الله، وهي حازمة وسطها، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزّها (٢) الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته (٣) مع الخطام، فقال لها رسول الله ﷺ أم سليم؟ . قالت: نعم بأبي أنت وأمى يا رسول الله. أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفرّوا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. وفي رواية: اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ يا أم سليم قد كفى الله .. عافية الله أوسع. قالوا: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ . قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد المشركين بعجته (٤) به، قال يقول: أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول الرميصاء (٥).
كما طالبت امرأة أخرى بإعدام المنهزمين من المسلمين وهي أم الحارث الأنصارية. فقد روى الواقدي قال: وكانت أم الحارث الأنصارية أخذت بخطام جمل أبي الحارث زوجها، وكان جمله يسمَّى المجسار فقالت: يا حار، تترك رسول الله ﷺ فأخذت بخطام الجمل، والجمل يريد أن يلحق بألافه، والناس يولوّن منهزمين، وهي لا تفارقه. فقالت: أم الحارث: فمر بي عمر بن الخطاب (وكان ممن ثبت) فقالت أم الحارث: يا عمر، ما هذا، فقال
стр. 2280
عمر: أمر الله. وجعلت أم الحارث تقول: يا رسول الله، من جاوز بعيرى فاقتله، والله إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم بنا تعنى بني سليم وأهل مكة الذين انهزموا بالناس (١).
حكم الفارين من الزحف
وقد تكلم علماء التشريع الإسلامي عن مسألة فرار المسلمين وانهزامهم يوم حنين وموقفهم من قوله تعالى في تحريم الفرار يوم الزحف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). فقد قالوا: إن الإجماع لم ينعقد بين المسلمين على أن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر. ثم إن الله تعالى غفر للفارين يوم حنين كما تاب على الذين فرا يوم أحد كما جاء ذلك صريحًا في القرآن. قال السهيلى: (إن قيل كيف فر أصحاب رسول الله ﷺ والفرار من الزحف من الكبائر، وقد أنزل الله فيه من الوعيد ما أنزل.؟ قلنا: لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر, كذلك قال الحسن ونافع مولى عبد الله بن عمر، وظاهر القرآن يدل على هذا، فإنه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فيومئذ، إشارة إلى يوم بدر، ثم نزل، التحقيق من بعد ذلك في الفارِّين يوم أحد، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وكذلك في يوم حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر، وكذلك يكون في ملحمة الروم الكبرى, وعند الدجال، وأيضًا فإن المنهزمين عنه ﵇ رجعوا لحينهم وقاتلوا معه حتى فتح الله عليهم (٣).
كلام الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان قلوبهم
وفي يوم حنين وعندما انهزم المسلمون تكلم رجال من زعماء قريش أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم فانفرجت أساريرهم للهزيمة وفاهوا من الحديث بما يدل على
стр. 2281
عدم ولائهم للنبي ﷺ وللإسلام ولكنهم جميعهم (فيما بعد) حسن إسلامهم وكانوا من الصحابة الأخيار وإنما كان الذي فاهوا به ساعة الهزيمة يوم حنين لأنهم حديثو العهد بالإسلام. لم يمض على دخولهم فيه (بعد هزيمتهم في مكة) سوى عشرة أيام. فيها لم يتمكن الإِسلام من قلوبهم .. من هؤلاء أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو. فقد قال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال رجل مِمَنْ أسلم، حسن الإِسلام صادق الإيمان اسمه أبو مقيت. سمعها من أبي سفيان. فقال له: (أما والله لولا أنى سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن قتلك لقتلتك وصرخ كلدة بن الحنبل أخو صفوان بن أمية لأمه .. أسود من سودان مكة: ألا بطل السحر، فقال له صفوان (وكان عاقلًا بعيد النظر): أسكت فض الله فاك؛ لأن يربنى ربُّ من قريش أحبّ إلي من أن يربنى رب (أي ملك) من هوازن، وقال هذا الاستنكار صفوان بن أمية وهو لا يزال على شركه وكان مع المسلمين يوم حنين لأن رسول الله ﷺ عقب فتح مكة أعطى صفوان مهلة أربع أشهر فبقى على شركه ثم أسلم في الجعرانة، والنبي ﷺ عائدًا من حنين.
وقال سهيل بن عمرو (١) (كانا فيما بعد من خيار الصحابة): لا يجترها (أي مصيبة الهزيمة) محمد وأصحابه. وكان عكرمة بن أبي جهل ممن رسخ الإيمان في قلوبهم، وكان حاضرًا يسمع كلمات الشماتة هذه فقال لهؤلاء الشامتين: هذا ليس بقول، وإنما الأمر بيد الله وليس إلى محمَّد من الأمر شيء، إن أديل عليه فإن له العاقبة غدًا، فقال له سهيل بن عمرو: إن عهدك به لحديث. فقال عكرمة: يا أبا يزيد أن كنا لنُوضِعُ في غير شيء، وعقولنا عقولنا، نعبد الحجر لا ينفع ولا يضر (٢).
كيف كانت هزيمة هوازن ؟
وهكذا وبعد أن تراجع المسلمون عن الهزيمة التي أصابتهم استبسلوا في القتال وأنزلوا أفدح الخسائر بالمشركين، وتحول بعض الصحابة عند العودة من الهزيمة إلى ما يشبه الإعصار يكتسح كل من يقف أمامه من الأعداء. ومن هؤلاء أبو
стр. 2282
طلحة الأنصاري (وكان ممن ثبت مع الرسول) فقد قتل وحده من مشركي هوازن خمسة وعشرين رجلا وغنم أسلابهم (١).
جرح قائد الفرسان خالد بن الوليد
وعند عودة المسلمين عن الهزيمة كذلك تعرض كثير من المسلمين للقتل والإصابة بجروح خطيرة (وتلك سنة الحرب).
ومن الذين جرحوا جراحة خطيرة في معركة حنين قائد الفرسان خالد بن الوليد الذي نزف كثيرًا حتى أسند إلى رحله من الضعف لشدة النزيف.
فقد ذكر بعض شهود العيان من الصحابة، أن رسول الله ﷺ بعد ما هزم الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم، كان يمشي في المسلمين ويقول: من يدلنى على رحل خالد بن الوليد، حتى دلّ عليه، فوجده قد أسند إلى مؤخرة رحله لأنه قد أثقل بالجراحة، فتفل النبي ﷺ في جرحه فبرئ (٢).
وهكذا وبعد جلاد عنيف وقتال شرس وصبر على القتال من الفريقين، نزلت الهزيمة بهوازن بعد أن كان النصر في جانبهم، وكادت طلائع جيشهم تصل مكة فاتحة.
وحقق الجيش النبوي (بعد تلك الهزيمة المروعة) نصرًا (من الناحية العسكرية) لم يحقق المسلمون مثله طيلة العهد النبوي. فقد انهزم أمام المسلمين عشرون ألف مقاتل من هوازن، بينما لا يزيد عدد المسلمين على اثنى عشر ألفًا. ألفان منهم من أهل مكة الذين لم يمض على دخولهم في الإِسلام أكثر من عشرة أيام.
وفقد مشركو هوازن في معركة حنين التي خسروها مئات القتلى كما وقع منهم في أسر المسلمين حوالي ستة آلاف إنسان. كذلك غنم المسلمون من هوازن غنيمة لم يغنموا مثلها في الكثرة في أية معركة خاضوها في العهد النبوي.
فقد غنم الجيش النبوي يوم حنين أربعة وعشرين ألف بعير (والإبل بعد الخيل) من أعز ما يمتلك العربي في ذلك العصر، كما غنم المسلمون أيضًا أكثر
стр. 2283
من أربعين ألف شاة، وغنموا أيضًا عشرات الآلاف من أوقيات الفضة.
أما الذين كتبت لهم النجاة من قوات هوازن فقد عمهم الرعب ولاذوا بالفرار وعلى رأسهم ملكهم وقائدهم مالك بن عوف النصرى.
فقد ابتلعتهم الشعاب والوديان مشتتين فارين يطلب كل منهم النجاة لنفسه، تاركين نساءهم وأطفالهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
إنها كارثة مروّعة نزلت بهوازن لم ينزل مثلها يحيي من العرب في الجزيرة. كارثة حذر (مسبقًا) من حدوثها المحارب المجرب الشهير دريد بن الصمة الهوازنى، وناشد الشاب الملك والقائد لهوازن مالك بن عوف أن لا يوقعها بأهله وعشيرته، حين نصحه بوادى أوطاس قبل المعركة، أن يأمر بإعادة النساء والأطفال والمواشى إلى عُلياء بلاد هوازن، ويلقى المسلمين على متون الخيل، ولكن مالكًا عصى دريدًا، فوقعت الهزيمة والكارثة المدمرة التي حذر دريد مالكًا من وقوعها، ومن تصاريف القدر أن دريد بن الصمة لقى حتفه فقتل يوم حنين مشركًا، وهو ابن مائة وستين سنة، وبقى مالك وأسلم وحسن إسلامه وصار من سيوف الله على المشركين من ثقيف وغيرهم من المجاورين لبلاده.
وقد تحدث شهود العيان عن انتصار المشركين أول الأمر ثم عن هزيمتهم ثانيًا وعن الرعب الذي نزل بهم عقب تراجع المسلمين عن الهزيمة وعودتهم إلى ساحة القتال.
فعن عمرو بن زهير، عن عمر بن عبد الله العبسى عمّن أخبره، عن ربيعة، قال: حدثني نفر من قومنا حضروا يومئذ قالوا: كمنّا لهم (أي المسلمين) في المضايق والشعاب، ثم حملنا عليهم حملة ركبنا أكتافهم حتى أتينا إلى صاحب بغلة شهباء (هو رسول الله ﷺ )، وحوله رجال بيض حسان الوجوه فقال شاهت الوجوه، ارجعوا، فانهزمنا، وركب المسلمون اكتافنا وكانت إياها (أي الهزيمة) وجعلنا نلتفت وراءنا ننظر إليهم يكدوننا، فتفرقت جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرعدة تسحقنا حتى لحقنا بعُلياء بلادنا، فإن كان ليحكى عنا الكلام ما كنا ندرى به، مما كان بنا من
стр. 2284
الرعب، فقذف الله الإِسلام في قلوبنا (١).
مقتلة ثقيف وقتل قائدها
تعد ثقيف بطن من بطون هوازن، وقد حضرت ثقيف يوم حنين ورايتها مع قارب بن الأسود، واستحرّ القتل في هوازن وصبرت بنو مالك من ثقيف، وصاحب رايتهم قارب بن الأسود بن مسعود، فإنه (كما قال الواقدي): لما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه من الأحلاف، فلم يقتل منهم إلا رجلان، من بني غيرة (وهب، واللجلاج)، وقال النبي ﷺ حين بلغه قتل اللجلاج: قتل اليوم سيد شبان ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة، قالوا: وكانت راية بني مالك مع ذي الخمار، فلما انهزمت هوازن تبعهم المسلمون، وأحصى القتلى من ثقيف فوجد أنه قتل من بني مالك وحدهم قريب من مائة رجل تحت راياتهم، بينهم عثمان بن عبد الله، فقاتل بها مليًا، وجعل يحث ثقيفا وهوازن على القتال حتى قتل، وكان اللجلاج رجلًا من بني كنُة، وقال رسول الله ﷺ لأخى بني كنة: هذا سيد شبان كنة، فلما قتل عثمان بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ لما بلغه مقتله- أبعده الله فإنه كان يبغض قريشًا. وكانت راية ثقيف ساعتئذ بيع ذي الخمار واسمه (عوف بن الربيع) فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل حتى قتل.
قالوا: وكنّة التي نها اللجلاج القتيل والذي قال الرسول ﷺ إنه سيد شباب كنة .. كنة هذه امرأة من غامد يمانية، قد ولدت في قبائل العرب، وكانت أمة فأعتق الحارث كل مملوك من بني كنة، فقال له عمر بن الخطاب في خلافته: أيسرّك أن أهل بيت عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة مكان كنة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لوددت أن ذلك كذلك، فقال عمر: ليت أمى كنّة وأن الله رزقنى من برّها ما رزقك، وكان أبر الناس بأمه، ما كانت تأكل طعامًا إلا من يده، ولا يغسل رأسها إلا هو، ولا يسرّح رأسها إلا هو (٢).
стр. 2285
وتحدث أشياخ من ثقيف أسلموا- وكانوا حضروا معركة حنين، وانهزموا فيمن انهزم حتى وصلوا الطائف ودخلوا حصنهم، وهم يرجفون من الرعب. فقالوا: ما زال رسول الله ﷺ في طلبنا -فيما نرى- ونحن مولون، حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة (١).
وكان مقتل سيد ثقيف عثمان بن عبد الله على يد عبد الله بن أبي أمية (٢) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: يرحم الله عبد الله بن أبي أمية، وأبعبد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة فإنه كان يبغض قريشًا. ولما بلغ عبد الله بن أبي أمية دعاء رسول الله ﷺ له بالرحمة قال: إني لأرجو أن يرزقنى الله الشهادة في وجهى هذا، فقتل في حصار الطائف وقال النبي ﷺ : لولا ابن جثامة الأصغر لفضحت الخيل اليوم (٣).
وروي الإمام أحمد عن العلاء بن زياد العدوي أنَّهُ قال: يا أبا حمزة هل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم غزوت معه يوم حنين، فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل فهزمهم الله، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل، فبايعوا على الإِسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ إن على نذر لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال: فسكت رسول الله ﷺ ، وجئ بالرجل، فلما رأى نبي الله ﷺ قال: يا نبي الله تبت إلى الله، قال: وأمسك نبي الله ﷺ أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي ﷺ ليأمره بقتله ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ أنه لا يصنع شيئًا بايعه، فقال: يا نبي الله نذرى، قال: لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفى نذرك، فقالا: يا رسول الله، ألا أومأت إلى؟ فقال: إنه ليس لنبي أن يومئ (٤).
стр. 2286
وررى البيهقي عن الشعبيّ عن الحارث بن بدل النصرى عن رجل من قومه شهد يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفى قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا عباس وأبو سفيان بن الحرث، قال: فقبض رسول الله ﷺ قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال: فانهزمنا، فما خيّل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي فأعجزت على فرسى حتى دخلت الطائف (١).
стр. 2287
الفصل الخامس
• المطاردة بعد الانتصار.
• إفلات ملك هوازن وقائدها من أيدى المسلمين.
• مصرع شاعر هوازن وفارسها المعمر، دريد بن الصمّة.
• حصار الطائف.
• فشل الحصار.
• الرسول يفك الحصار عن الطائف ويعود إلى الجِعِرَّانة.
• تقسيم الغنائم الضخمة بين المسلمين.
• الرسول يعطى مئات الإبل للمؤلفة قلوبهم.
• عتاب الأنصار للرسول ﷺ بشأن هذه العطايا.
• الرسول يعتق ستة آلاف من سبى هوازن.
• عودة الرسول وجيشه إلى المدينة.
• إسلام ثقيف باختيارها.
• انتهاء آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الحجاز.
стр. 2288
مطاردة المنهزمين من هوازن .
وبعد أن تمَّ ذلك النصر الساحق للمسلمين على المشركين من هوازن في حنين أمر الرسول القائد ﷺ قادة جيشه بمطاردة المشركين وتعقبهم في كل اتجاه يتجهونه، لئلا يتمكنوا (مجددًا) من جمع قواتهم المهزومة وتنظيمها.
فتحركت كل وحدات الجيش الإسلامي (بقيادة الرسول الأعظم ﷺ ) تطارد هوازن، واستمرت وحدات الجيش النبوي في المطاردة حتى وصلت بقيادة النبي ﷺ في مطاردتها الطائف حيث تحصنت ثقيف، أحد الأجنحة الهامة في هوازن. فضرب الرسول القائد الحصار على هذا الجناح من هوازن كما سيأتي تفصيله في هذا البحث إن شاء الله.
مصرع الفارس المعمر دريد بن الصمة
وأثناء مطاردة الجيش الإسلامي لمشركي هوازن، قتل أحد جنود الإِسلام شيخ هوازن المعمر وفارسها وشاعرها (دريد بن الصمة) (١) وكان له من العمر مائة وستون سنة.
стр. 2289
ودريد بن الصمة هذا، هو الذي عارض الملك القائد لهوازن (مالك بن عوف النصرى) عارضه عندما ساق مع الجيش نساءهم وأطفالهم ومواشيهم وكل أموالهم إلى وادي حنين. ولكن مالكًا عصاه فوقع كل أموال ومواشى وذرارى هوازن غنيمة في أيدى الجيش الإِسلامي وهو ما حذر دريد مالكًا من أن تقع هوازن فيه.
قال المؤرخون: وكان دريد بن الصمَّة الذي أقعده الكبر (ولكنه حضر حنين) يحمل في هودج على جمل لأنه لا يستطيع الحركة للقتال لكبر سنه. وعندما شتتت الهزيمة هوازن لم يعد هناك من يعتنى بالشيخ المعمر (دريد بن الصمة) فترك لوحده يسير به الجمل (وعليه الهودج) على غير هدى، فأدركه شاب يقال له ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع من بني سليم، فأخذ بخطام جمله وهو يظنه امرأة. وذلك أنه كان في هودج، فأناخ الشاب به فإذا هو شيخ كبير ابن ستين ومائة سنة، وكان الشاب ربيعة لا يعرف أنه (دريد بن الصمة المشهور). فقال الفتى السلمي: ما أريد إلى غيره مِمن هو على مثل دينه؟ . قال له دريد: من أنت؟ .
قال الغلام: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بالسيف فلم يؤثر فيه سيف الفتى السلمي. فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفى من وراء الشجار (أي الهودج) فاضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك. ويقال: إن ربيعة لما ضرب دريدًا تكشف للموت عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله دريدًا، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا في غداة واحدة. وجز ناصية أبيك (١) (أي أطلق سراحه بعد أن
стр. 2290
أسره في المعركة) قال الفتى: ما كنت أشعر. وفي رواية قالت أم الفتى له: ألا تكرت عن قتله لما أخبرك بمنِّه علينا، فقال: ما كنت لأتكرم عن رضي الله ورسوله (١).
وقالت عمرة بنت دريد في قتل ربيعة دريدًا:
لعمرك ما خشيت على دريد ... ببطن سميرة (٢) جيش العناق (٣)
جزى عنه الإله بني سليم ... وعقتهم بما فعلوا عقاق (٤)
وأسقانا إذا قدنا إليهم ... دماء خيارهم عند التلاقى
وقالت تذكر بني سليم أيادى دريد عندهم في الجاهلية حين أعتق نساءهم وأطلق سراح أحد آبائهم:
فرب عظيمة دافعت عنهم ... وقد بلغت نفوسهم التراقى
وربّ كريمة أعتقت منهم ... وأخرى قد فككت من الوثاق
وربّ منوه بك من سليم ... أجبت وقد دعاك بلا رِماق (٥)
فكان جزاؤنا منهم عقوقًا ... وهَمًّا ماع منه مخ ساقي (٦)
عفت آثار خيلك بعد أين ... بذى بقر إلى فيف النهاق (٧)
مصير القائد العام لهوازن
أما القائد العام لجيوش هوازن، مالك بن عوف النصرى، فبعد أن تأكد أنه خسر المعركة نهائيًا انهزم وانسحب من الميدان في كوكبة من الفرسان، هم كبار قادته وهيئة أركان حربه وحرسه. وكان الذي تولى مطاردة مالك وصحبه، الزبير بن العوام في الخيل، وقد ذكر المؤرخون، أن القائد الحاكم مالكًا، لما رأى أن الزبير هو الذي يتولى مطاردته (وكان الزبير يعد من أشجع
стр. 2291
الفرسان). نزل عن فرسه واختفى بين الأشجار في الشعاب لئلا يقع أسيرًا في يد الزبير؛ لأن مالكًا يعلم أن الزبير لن يتركه يفلت من يده.
فقد جاء في كتب التاريخ والسير أن مالك بن عوف (عقب انهزامه) وقف على مرتفع من الأرض ومعه فرسان من أصحابه، فأمرهم بأن يقفوا مكانهم حتى يمر الضعفاء ومن استطاع النجاة من الذرارى قائلًا: قفوا حتى يقضي ضعفاؤكم حتى تلتئم أخراكم.
وبعد أن مرَّ الضعفاء وأصبحوا بمنجى في مرتفعات الجبال قال لأصحابه (طالبًا الاستطلاع): انظروا ماذا ترون؟ . قالوا: نرى قومًا على خيولهم واضعين رماحهم على آذان خيولهم. قال (وكان خبيرًا عسكريا واسع الاطلاع على عادات القبائل): أولئك إخوانكم بنو سليم (١) وليس عليكم منهم بأس.
ثم قال: انظروا، ماذا ترون؟ . قالوا: نرى رجالًا أكفالًا (٢) قد وضعوا رماحهم على أكفال (٣) خيولهم قال: تلك الخزرج، وليس عليكم منهم بأس، وهم سالكون طريق إخوانهم. ثم قال: انظروا، ماذا ترون؟ قالوا: نرى قومًا كأنهم الأصنام على الخيل، قال: تلك كعب بن لؤى وهم مقاتلوكم، ثم قال: انظروا ماذا ترون؟ قالوا: نرى رجلا بين رجلين معلمًا بعصابة صفراء، يخبط برجليه الأرض واضعًا رمحه على عاتقه. قال: ذلك ابن صفية، الزبير بن العوام. وأيم الله لينزلنكم عن مكانكم.
وفعلًا، فقد هاجم الزبير مالكا وأصحابه حتى كاد يطوقهم. فلما غشيت مالكًا الخيل نزل عن فرسه، مخافة أن يقع في الأسر، ثم أخذ يلوذ ويتستر بالشجر كى لا يراه أحد من أصحاب الزبير. ثم سلك في يسوم (جبل بأعلى نخلة) فأعجزهم هربًا، وما زال ملك هوازن وقائدها موغلا في الهرب، حتى وصل وادي لية (٤) وهناك تحصن في قصر له، وبلغ النبي ﷺ تحصن
стр. 2292
مالك بن عوف في قصر لية (١) فلم يأمر بتعقبه أو إزعاجه لأنه كان يطمع في أن يهديه الله للإسلام، وفعلًا، بعث الرسول ﷺ إلى ملك هوازن المذكور مبعوثًا خاصًّا يبلغه أن النبي ﷺ سيعفى عنه وسيعيد إليه أهله وأمواله إن هو دخل في الإِسلام، فأسلم مالك وحسن إسلامه وصار خير عون للإسلام في محاربة من تبقى على الشرك كما سيأتي تفصيله في موطنه من هذا الكتاب.
الرسول ينهى عن قتل النساء والأطفال
ووجدت امرأة مقتولة في المعركة، ونسب إلى القائد خالد بن الوليد قتلها، فلما رأى الرسول ﷺ المرأة القتيلة وكانت من المشركين. قال: ما كانت هذه لتقاتل. ثم أمر الرسول ﷺ أحد أصحابه بأن يدرك خالدًا ويقول له: إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة وعسيفًا (٢). كذلك رأى رسول الله ﷺ امرأة من هوازن مقتولة، فسأل (مستنكرًا) عنها فقال رجل من الجيش: أنا قتلتها يا رسول الله، أردفتها ورائى فأرادت قتلى فقتلتها فأمر رسول الله ﷺ بدفنها فدفنت (٣).
تصفية جيوب مقاومة هوازن
ورغم انهزام هوازن في حنين فإن بعضًا من رجالها قد عسكروا بوادى: (أوطاس) محاولين إعادة تنظيمهم بغية الصمود في وجه المسلمين من جديد. وكان النبي ﷺ قد أمر أصحابه بتعقب المنهزمين ومطاردتهم. وكان هو ﷺ على رأس القوات المتحركة للمطاردة حتى وصل الطائف فحاصرها.
ولما بلغ الرسول ﷺ تجمع بعض عسكر المشركين بوادى (أوطاس) بعث لمقاتلتهم والقضاء على مقاومتهم سرية بقيادة أبي عامر الأشعري (٤) عم
стр. 2293
أبي موسى الأشعري (١) فحمل أبو عامر لواء رسول الله ﷺ ، ثم تقدم لمهاجمة المشركين في أوطاس.
وهناك اصطدم بجماعة من هوازن كانوا قد تحصنوا في أماكن استراتيجية من الوادي وثبتوا للقتال، وبارزوا المسلمين حتى قتل منهم تسعة مبارزة. قتلهم بيده قائد السرية أبو عامر الأشعري الذي استشهد في النهاية.
فقد قال أصحاب السير والمغازى: لما انهزم الناس أتوا الطائف، وعسكر منهم عسكر بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة (٢). فبعث إليهم الرسول من يقاتلهم وعقد له لواءًا، فكان معه في ذلك البعث سلمة بن الأكوع (٣) فكان يحدث يقول: لما انهزمت هوازن، عسكروا بأوطاس (٤) عسكرا عظيمًا تفرق منهم من تفرق، وقتل من قتل وأسر من أسر فأتيناهم إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون. وذكر ابن إسحاق، أن من بين مشركي هوازن هؤلاء عشرة إخوة كلهم بارزوا أبا عامر الأشعري فقتل تسعة منهم ثم استشهد في النهاية ﵀.
فقد جاء في سيره ابن هشام والواقدى أن أبا عامر الأشعري (وهو قائد
стр. 2294
السرية) لقى من ضمن عسكر هوازن عشرة إخوة طلب كلهم المبارزة، فبرز الأول. فقال من يبارز؟ فبرز له أبو عامر الأشعري (وهو يقول: اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر، ثم برز آخر فحمل على أبي عامر الأشعري (وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر. ثم برز آخر من الإخوة العشرة فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون على أبي عامر رجلا رجلا ويحمل أبو عامر، وهو يقول: اللهم اشهد. حتى قتل تسعة. وبقى العاشر، فحمل على أبي عامر، وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل (المشرك]): اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، أسلم بعد فحسن إسلامه. فكان رسول الله إذا رآه قال: هذا شريد أبي عامر.
وأثناء القتال رمى رجل من بني جُشَم أبا عامر بسهم فأثبته في ركبته، فانتهى إليه أبو موسى الأشعري فقال: من رماك يا عم؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى إلى الرامى، فقال: إن ذاك قاتلى تراه ذلك الذي رمانى.
قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعته، وجعلت أقول له.: ألا تستحى، ألست عربيًّا، ألا تثبت، فكر، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فضربته بالسيف ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا بن أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام، وقل له: استغفر لي، واستَخلفَني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله ﷺ في بيته على سرير مرّمل وعليه فراش، قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له: استغفر لي، قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر) ورأيت بياض إبطه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس، قال أبو موسى فقلت: ولى فاستغفر، فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا) (١).
стр. 2295
الرجل الذي انتحر في جيش الإسلام
قالوا: وذكروا للنبي ﷺ أن رجلًا كان بحنين قاتل قتالًا شديدًا حتى اشتدت به الجراح، فذكر للنبي ﷺ فقال من أهل النار، فارتاب المسلمون عن ذلك، ووقع في أنفسهم ما الله به عليم، فلما اشتدت به الجراح أخذ مشقصًا من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا أن ينادى: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمنًا، وإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر (١).
الغنائم العظيمة
وعقب انهزام هوازن في معركة حنين وقعت في أيدى الجيش الإسلامي كميات كبيرة من الغنائم والسبى وعلى شكل لم يسبق أن وقع مثله في أيدى الجيش الإسلامي. وهذا بيان تقريبى للغنائم والسبى.
٢٤٠٠٠ بعيرا.
٤٠٠٠٠ شاة.
٨٠٠٠ رأس من السبى.
تجميد الغنائم حتى العودة من الطائف
وعندما قرر الرسول ﷺ مطاردة هوازن حتى الطائف أمر بتجميد الغنائم والسبى في الجعرانة وأسند أمر الإشراف على الغنائم والسبى ورعايته والاعتناء به إلى الزعيم الخزاعي الشهير، بديل بن ورقاء. فبقي السبى وباقي الغنائم مجمدًا ومتحفظ عليه في الجعرانة حتى عاد رسول الله ﷺ من حصار الطائف ، وفي الجعرانة أعتق جميع السبى، وقسم الغنائم على الجيش. كما سيأتي تفصيله في موطنه من هذا الكتاب إن شاء الله.
حصار الطائف
يعتبر حصار الطائف من الناحية العملية الحربية امتدادا لمعركة حنين، ذلك أن ثقيفًا (وهم أهل الطائف) من أهم قبائل هوازن وأثقلهم وزنًا بل يمكن اعتبارهم العمود الفقرى لجيش هوازن في معركة حنين الفاصلة، فقد دل
стр. 2296
تسلسل الأحداث العسكرية -بعد معركة حنين- على أن القوة الرئيسية ذات الخطر والتي قاتلت المسلمين في حنين تحت قيادة مالك بن عوف، هي من ثقيف، بدليل أن النبي ﷺ بعد انتصاره في حنين لم يبق من قبائل هوازن التي اشتركت في هذه المعركة ضده، من يهتم بأمره سوى ثقيف الذين وجه كل قواته لمطاردتهم، وقاد هذه المطاردة بنفسه، حتى وصل إلى الطائف فوجد ثقيفًا قد تحصنت في قلاعه فضرب عليها الحصار سبعة عشر يومًا، ولكن لشدة امتناعهم بحصونهم في الطائف تركهم ﷺ دون أن ينال منهم شيئًا، حتى هداهم الله للإسلام، فجاءوا إلى المدينة وأعلنوا إسلامهم طائعين.
مصير قبائل هوازن
وهذا يعني أن قوة جميع القبائل الهوازنية (ما عدا ثقيف) قد تلاشت، لا سيما بعد أن أسلم ملكهم وسيدهم الشاب القائد مالك بن عوف النصرى، وتحول إلى قائد يحارب إلى جانب الإِسلام.
وقبل التحدث عن نتائج مطاردة النبي لثقيف من حنين وضربه الحصار عليهم في قلاعهم، لا بد من إعطاء القاري الكريم لمحة عن تاريخ قبائل ثقيف، وعن مدى مركزها في التاريخ الجاهلى والإِسلام.
تاريخ ثقيف
فالذي يذكره المؤرخون وأصحاب الأنساب، أن ثقيفًا بطن من هوازن. وهوازن هو ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان.
وهوازن الذي تنتسب إليه ثقيف قد تفرّعت عنه فخائذ كثيرة، تجمعهم قبائل رئيسية ثلاث كلها لبكر بن هوازن وهم.
أولًا .. بنو سعد بن بكر.
ثانيًا .. بنو معاوية بن بكر، الذين منهم مالك بن عوف النصرى.
ثالثًا .. بنو منبّه بن بكر. وإلى هذا الأخير تنتسب ثقيف.
وثقيف اسمه قَسى (بفتح القاف كسر السين) ابن منبّه بن بكر بن هوازن، وقد تفرع عن قسى هذا عدة قبائل، اشتهروا فيما بعد باسم أبيهم
стр. 2297
ثقيف.
ومن أهم هذه القبائل، بنو جهم بن ثقيف، وبنو عوف بن ثقيف -ومنازل بني عوف هؤلاء في وادي لية- وكانت لهم به حصون، وكل هذه القبائل تقسم إلى قبيلتين هما الأحلاف وبنو مالك، وهم الذين اشتركوا (مشركين) في معركة حنين تحت هذين الأسمين.
أما موطنهم الأصلي فهو الطائف وضواحيها، وكانت ثقيف في الجاهلية قوة حربية لها وزنها، وقيل أن خاضت معركة في الجاهلة مشهورة، انتصرت فيها كلها على خصومها.
فمن تاريخ ثقيف الحربي في الجاهلية أن خثعم (وهم جيل من اليمن) غزو ثقيفا في الطائف فخرجت إليهم ثقيف، على رأسهم سيدهم غيلان بن سلمة، فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى هزمهم، بعد أن أحدث فيهم مقتلة عظيمة، وأسر عدة منهم ثم منّ عليهم.
ومن أيامهم التي انتصروا فيها، يوم وادي وجّ، وهو واد مشهور بالطائف. ولعل أعظم الأيام التي انتصرت فيها ثقيف في الجاهلية، هي تلك المعركة التي دارت بينهم وبين بني عامر بن ربيعة من هوازن. فقد جاء في معجم قبائل العرب: أن بني عامر بن ربيعة هؤلاء، جمعوا جموعا كثيرة من أنفسهم وأحلافهم، ثم ساروا إلى ثقيف في الطائف، وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافا لثقيف، فلما بلغ ثقيفا مسير بني عامر، استنجدوا ببنى نصر، فأنجدتهم، فخرجت ثقيف إلى بني عامر، وعلى ثقيف غيلان بن سلمة بن متعب، فلقوهم وقاتلتهم ثقيف قتالًا شديدًا، فانهزمت بنو عامر ومن كان معهم وظهرت ثقيف عليهم، فأكثروا فيهم القتل.
وفي سبب تسمية بلدهم بالطائف، ذكر البكرى في معجم ما استعجم أن بني ثقيف عرفوا فضل المكان الذي يسمى اليوم بالطائف، وكان لبنى عامر بن ربيعة من هوازن، فقالوا لبنى عامر: إن هذه بلاد غرس وزرع، وقد رأيناكم اخترتم المراعي عليها، فأضررت بعمارتها وأعمالها، ونحن أبصر بعملها منكم، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع وتدفعوا بلادكم هذه إلينا فنثيرها حرثًا (أعنابا وثمارا وشجارًا) ونكظمها كظائم ونحفرها أطواء، ونملأها عمارة
стр. 2298
وجنانا بفراغنا لها وإقبالنا عليها وشغلكم عنها واختياركم غيرها؟ .
فإذا بلغت وأدركت الثمار شاطرناكم، فكان لكم النصف بحقكم في البلاد ولنا النصف بعملنا فيها، فكنتم بين ضرع وزرع، لم يجتمع لأحد من العرب مثله، فدفعت بنو عامر الطائف إلى ثقيف لعمارتها، فكانت بنو عامر تجئ أيام الصرام (الحصاد) فتأخذ نصف الثمار كلها كيلًا، وتأخذ ثقيف النصف الثاني.
وكانت عامر وثقيف تمنع الطائف من أرادهم، فلبثوا بذلك زمانًا من دهرهم، حتى كثرت ثقيف، فحصنوا الطائف، وبنو عليها حائطًا يطيف بها، فسميت (الطائف) فلما قووا بكثرة حصونهم، امتنعوا من بني عامر فلم تصل إليهم ولم يقدروا عليهم، ولم تنزل العرب مثلها دارًا. اهـ.
ثقيف عند ظهور الإِسلام
وكانت ثقيف شديدة التمسك بالكفر والضلال حتى أنهم امتنعوا في حصنهم عام ثمان للهجرة تمسكًا بالشرك، ولم يدخلوا في الإِسلام إلا في السنة التاسعة من الهجرة، إلا أن النبي ﷺ بدلًا من أن يدعو عليهم لشدة كفرهم، دعا لهم فأقبلوا جميعًا فأسلموا. فقد ذكر المؤرخون أن النبي ﷺ لما انصرف من الطائف ولم يقدر على حصن ثقيف، قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفًا وَأتِ بها، فجاءت ثقيف بإسلامها إلى المدينة طائعة مختارة. بفضل الله ثم بفضل دعاء الرسول ﷺ .
ثقيف تستقدم المنجنيقات للدفاع
عندما تحرك النبي ﷺ من المدينة يريد الاستيلاء على مكة وتحريرها من نير الوثنية، عقب نقض قريش صلح الحديبية، ظنت ثقيف أن النبي ﷺ يريد مهاجتها، فأبلغت إخوانها من قبائل هوازن، ثم بعثت بسيدها عروة بن مسعود (١) وآخرين إلى جرش بالأردن ليتدربوا على الأسلحة الثقيلة وصنعها هناك. والتي تمثل المنجنيق والعرادات والدبابات وغير ذلك من الأسلحة الثقيلة التي لا تستعمل إلا عند مهاجة الحصون أو الدفاع عنها.
стр. 2299
وكانت جرش (١) في ذلك العهد مدينة عربية واقعة تحت نير الحكم الروماني، وأهلها مشهورون بصناعة الأسلحة الثقيلة، لذلك بعثت ثقيف بسيدها عروة بن مسعود ووفد يصاحبه لتعلُّم صنع هذه الأسلحة والتدرب عليها لاستخدامها في الحرب ضد المسلمين عندما يضربون الحصار على الطائف. فتقذفهم ثقيف بمقذوفات آلاتها الراجمة بالحجارة واللهب من منجنيق وعرادات وسهام ضخمة تحمل النيران.
العمليات الحربية قبل حصار الطائف .
وقبل أن يتحرك الرسول ﷺ من حنين لمحاصرة ثقيف في الطائف أمر الطفيل بن عمرو (٢) الدوسى أن يتوجه إلى قومه فيهدم صنمهم (ذا الكفين) (٣) صنم عمرو بن حممة كما أمره أن يستمد قومه (دَوس) ليعينوا الجيش النبوي في قتاله ثقيفًا. وأمر الرسول ﷺ الطفيل بن عمرو أن يوافيه
стр. 2300
بقومه في الطائف. وكان الطفيل بن عمرو من السابقين الأولين في الإِسلام ومطاعًا في قومه. فصدع الطفيل بن عمرو بأمر الرسول ﷺ .
وقبل أن يتحرك الطفيل لتحطيم الصنم. قال: يا رسول الله أوصنى. قال: أفش السلام وأبذل الطعام، واستحى من الله كما يستحى الرجل ذو الهيئة من أهله، إذا أسأت فأحسن، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١). فخرج الطفيل سريعًا إلى قومه، فهدم ذا الكفين (الصنم) وجعل يحشو النار في جوفه ويقول:
يا ذا الكفين لستُ من عُبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
أنا حشوت النارَ في فؤادكا
وقد استجاب قوم الطفيل بن عمرو له. فانضوى تحت قيادته أربعمائة من قومه المسلمين وافى بهم الطفيل النبي ﷺ وهو بالطائف.
وقد حمل الأزد معهم إلى الطائف من السلاح الثقيل دبابة ومنجنيق. وعندما أرادوا التحرك إلى الطائف. قال بعضهم: يا معشر الأزد، من يحمل رايتكم؟ قال الطفيل بن عمرو: من كان يحملها في الجاهلية، قالوا أصبت، وهو النعمان بن الزرافة اللهبى (٢) وصلت الأزد الطائف بعد وصول النبي ﷺ إليها بأربعة أيام (٣).
النبي يتحرك إلى الطائف
وهكذا بعد انتهاء معركة حنين على النحو الذي انتصر فيه المسلمون ذلك الانتصار الساحق على هوازن، وبعد أن أرسل النبي ﷺ بالغنائم والسبى إلى الجعرانة (قرب مكة) أخذ في مطاردة القوات الرئيسية من هوازن بنفسه. وكانت هذه القوات من ثقيف الذين لجأوا إلى حصنهم واعتصموا به في الطائف.
خالد على مقدمة الجيش إلى الطائف:
وعندما قرر الرسول ﷺ التحرك إلى الطائف لمطاردة ثقيف جعل خالدًا
стр. 2301
ابن الوليد على مقدمة الجيش، وكان خالد دائمًا منذ خرج الجيش النبوي من مكة إلى حنين- على الخيل. كما أن الرسول ﷺ استخدم الأدلاء العارفين بالطرق ليسيروا أمام الجيش في طريقه إلى الطائف.
وما زال الرسول ﷺ يقوم بعملية المطاردة حتى وصل الطائف. وقد سلك الرسول بالجيش إلى الطائف وادي نخلة المعروف اليوم (باليمانية) كما سلك وادي لية المشهور.
قال الواقدي: وقدم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد من حنين على مقدمته وأخذ يسلك به من الأدلاء إلى الطائف، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف .. وكانت ثقيف قد رمّوا (أي أصلحوا) حصنهم، ودخلوا فيه منهزمين من أوطاس وأغلقوه عليهم -وهو حصن على مدينتهم له بابان- وصنعوا الصنائع للقتال وتهيأوا، وأدخلوا حصنهم ما يصلحهم لسنة لو حوصروا.
وقال ابن إسحاق: ولما قدم فلّ (١) ثقيف الطائف أغلقوا أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال.
ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات (٢) والمجانيق (٣) والضّبور (٤) ثم سار، رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين، فسلك على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على الميح، ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى بها مسجدًا فصلى فيه. ثم إنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء، حين نزلها، بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجل من بني ليث قتل رجلًا من هذيل، فقتله به، وأمر رسول الله ﷺ بلية بحصن مالك بن عوف (قائد هوازن) فهدم، ثم سلك في طريق يقال لها: الضيقة، فلما توجه سأل عن اسمها؟ فقيل له: الضيقة.
стр. 2302
فقال: باب هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب، حتى نزل سدرة يقال لها: الصادرة قريبًا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ : إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر رسول الله ﷺ بإخرابه (١).
بداية حصار الطائف
ثم واصل الرسول ﷺ التحرك بجيشه نحو الطائف بعد أن بلغه أن ثقيفا قد اعتصموا به، وكانوا محاربين أشداء شديدى التعصب لإِلههم (اللات) التي جاء ذكرها في القرآن الكريم.
وقد عسكر الرسول ﷺ بجيشه تمهيدًا لاقتحام قلاع الطائف في مكان مكشوف غير استراتيجى وقريب من الحصون الثقفية، وكانت ثقيف يجيدون الرمي بالسهام والقذف بالحراب من على الأبراج، فما كان الجيش الإِسلامي يحط أثقاله في معسكره الأول حتى تعرّض لقصف شديد من النبال التي انهالت على الجيش الإِسلامي كأنها الجراد، وقد أصيب من المسلمين (نتيجة هذا القصف) أناس كثير، الأمر الذي حمل الرسول ﷺ على أن يبدل معسكره، حيث عسكر في مكان بحيث يكون جنده في مأمن من سهام العدو.
وكان هذا التحوُّل بمشورة المحارب المجرب الأنصاري الشهير (الحُباب بن المنذر) (٢) صاحب الفكرة يوم بدر والتي بموجبها غير الرسول ﷺ موقعه الأول بعد أن عمل بمشورة (الحباب بن المنذر) فعسكر في أرض استراتيجية منها أدار الرسول ﷺ معركة بدر الكبرى وتم له الانتصار فيها. كما كان كذلك (الحباب بن المنذر) المشير على الرسول ﷺ في حصار اليهود بخيبر، بتغير موقعه الذي كان قد عسكر فيه لمحاصرة اليهود وأصيب من أصحابه بسهام اليهود التي قصفوهم بها من أبراج القلاع، خلق كثير، وكذلك فعل الحباب في حصار الطائف، حين رأى الرسول ﷺ يعسكر في مكان كان من
стр. 2303
وجهة الخبير العسكري الحباب بن المنذر، غير مناسب لأن يكون معسكرًا لفرض الحصار على حصون ثقيف.
قال الواقدي: ومضى رسول الله ﷺ . حتى نزل قريبًا من حصن الطائف، فيضرب عسكره هناك، فساعة حلّ رسول الله ﷺ وأصحابه جاءه الحباب بن المنذر. فقال: يا رسول الله: إنا قد دنونا من الحصن، فإن كان عن أمر سلمنا، وإن كان عن الرأي فالتأخر عن حصنهم، فأسكت رسول الله ﷺ (١).
ولكن الرسول ﷺ عمل في النهاية برأى الحباب بن المنذر، حيث استدعاه وطلب منه (بصفته خبير مجرّب) أن يختار مكانًا صالحًا لأن يعسكر فيه الجيش في مأمن, من سهام العدو. وذلك بعد أن أصيب عدد من جند الإِسلام بجراح من جراء قصف النبال الثقفية.
ولنترك أحد الصحابة الكبار ممن حضر حصار الطائف وهو (عمرو بن أمية الضمرى) (٢) يصف لنا بداية الحصار وتحويل موقع العسكر بمشورة الحباب بن المنذر. قال عمرو: لقد طلع علينا نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم. كأنه رِجْل (٣) من جراد، وترّسنا لهم، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، ودعا رسول الله ﷺ الحباب فقال: انظر مكانًا مرتفعًا مستأخرًا عن القوم. فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف خارج من القرية. فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يتحولوا. قال عمرو بن أمية: إني لأنظر إلى أبي مِحجَن يرمى من فوق الحصين بعشرته (٤) بمعابل (٥) كأنها الرماح، ما يسقط له سهم.
قالوا: وارتفع رسول الله ﷺ عند مسجد الطائف اليوم، ويصفون خرافة جاهلية قبيحة لجأت إليها ثقيف ضمن الدفاع عن حصنها. قالوا: وأخرجت ثقيف امرأة ساحرة فاستقبلت الجيش بعورتها- وذلك حين نزل الرسول
стр. 2304
- ﷺ يدفعون بتلك الخرافة عن حصنهم.
فلما تحول الرسول ﷺ إلى الأكمة التي اختارها الحباب بن المنذر، وسار المسلمون إلى الحصن، فخرج قدام الناس يزيد بن زمعة بن الأسود (١) على فرسه، فسأل ثقيفًا الأمان يريد أن يكلمهم، فأعطوه الأمان، ولكنهم غدروا به، ذلك أنه لما دنا من حصنهم رموه بالنبل فقتلوه. فكان أول شهيد من المسلمين في حصار الطائف.
مصرع قاتل يزيد بن زمعة
وقد أوقع الله بالذي غدر بالشهيد يزيد بن زمعة (وهو هذيل بن أبي الصلت) أخو الحكيم والشاعر المشهور (أمية بن أبي الصلت)، فقد خرج هذيل هذا من الحصين خلسة، لقضاء حاجة له، وهو يظن أن المسلمين لا يراه منهم أحد، غير أن يعقوب بن زمعة (٢)، أخو الشهيد (يزيد بن زمعة) كان له بالمرصاد، حيث كمن له عند باب الحصين، وعندما خرج هذيل بن أبي الصلت، قبض زمعة عليه وأسره , ثم أتى به رسول الله ﷺ وقال: هذا قاتل أخي يا رسول الله، فأمكنه الرسول ﷺ منه، فضرب عنقه.
محاولة المسلمين اقتحام حصن الطائف
وقد بذل الجيش الإسلامي جهودًا مضنية لاقتحام حصن الطائف وفتحه، ولكنَّ مقامة ثقيف كانت عنيفة ومركزة.
ولمحاولة التأثير على الثقفيين وإضعافهم بغية إجبارهم على التسليم. استخدم الجيش النبوي المنجنيق فضرب به قلاع الطائف وتهديم ما يمكن تهديمه منها.
стр. 2305
بغية فتح الطريق من ثغرات في الأسوار ليقتحم الجيش الإِسلامي الحصون.
ولكن يظهر أن سلاح المنجنيق لم يؤثر التأثير المطلوب في قلاع الطائف. فظل الثقفيون ومن معهم من هوازن صامدين في حصونهم، وكانوا رماة نبل مشهورين بإصابة الهدف.
وقد قامت عناصر من الجيش بمحاولة جريئة، بغية إيجاد السبيل لجمهرة الجيش كى يقتحموا الحصين فيختصروا متاعب الحرب.
وهذه المحاولة الجريئة هي أن مجموعة (يمكن تسميتهم بالفدائيين) زحفوا (متسترين وراء الدبابات) على الحصن حتى وصلوا إلى أسواره، محاولين (تحت حماية الدبابات) إحداث فتحات في السور عن طريق نقبه، حتى يتمكن العسكر الإسلامي من الدخول إلى الحصن، وهناك يضعون حدا للحرب؛ لأن المسلمين على ثقة بأنهم سيتغلبون على المشركين إذا ما تمكنوا من اقتحام الحصن والتحموا معهم في معركة فاصلة.
زرع الحسك حول قلاع الطائف
ومن جهة أخرى (ولكى تعطل تحركات الثقفيين) قامت قيادة الجيش الإِسلامي ببث الحسك حول قلاع الطائف. (والحسك -بفتح أوله وثانيه-: قطع من الحديد صغيرة على هيئة شوك الحسك النباتي ذوي الإبر الحادة المتعددة، وهو من أدوات الحرب يلقى به حول المعسكرات والحصون ليعيق تحركات العدو، فيؤذى المشاة ويعطل حركات الخيل؛ لأنه يعلق بحوافرها فيؤلمها فلا تقوى على الجرى).
وقد لجأ المسلمون إلى استخدام الحسك كوسيلة من وسائل تعويق تحركات العدو، بإيقاعه في حقول الحسك إذا ما حاول رجاله الهجوم على الفدائيين الذين تحركوا -تحت حمايات الدبابات- لنقب أسوار الحصن الرئيسى لثقيف.
فشل الهجوم الفدائي على حصن ثقيف
غير أن محاولة الفدائيين المسلمين لفتح الثغرات في جدار الحصين قد فشلت. فقد تنبه الثقفيون للمحاولة (وكانوا مسلحين بأسلحة دفاعية ثقيلة
стр. 2306
من قاذفات للهب وغيرها) فأحبطوها، حيث سلطوا آلاتهم الراجمة بالنار على دبابات الفدائيين الذين وصلوا أسوار الحصن، فأحرقوا الدبابات التي كان يتستر بها الفدائيون. فانكشف هؤلاء الفدائيون، فقصفهم الثقفيون بسهامهم وأحرابهم، وأحدثوا بينهم بعض الإصابات ما بين قتيل وجريح، وهنا اضطر الفدائيون إلى التراجع إلى معسكر الإِسلام.
قال أصحاب السير: فنصب رسول الله ﷺ المنجنيق. وشاور رسول الله ﷺ أصحابه. فقال له سلمان الفارسى (١) يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، طال الثواء، فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه على حصن الطائف. وذلك بالإضافة إلى منجنيق ودبابتين قدم بهما الطفيل بن عمرو الدوسى. ونشر رسول الله ﷺ الحسَك حول حصنهم، ودخل المسلمون تحت الدبابة وهي جلود من جلود البقر، وذلك يوم يقال له: الشدخة قيل: وما الشدخة؟ قالوا: ما قتل من المسلمين -دخلوا تحت الدبابات، ثم زحفوا بها إلى جدار الحصين ليحفروه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فحرّقت الدبابات، فخرج المسلمون من تحتها، وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال (٢).
стр. 2307
خروج بعض مقاتلي ثقيف من الحصن وإسلامهم:
وأثناء حصار الطائف خرج من الحصن من ثقيف (من مواليهم) بضعة عشر رجلا وانضموا إلى معسكر المسلمين وأسلموا، وذلك بعد أن نادى منادى رسول الله ﷺ بأن أي عبد نزل من الحصن ووصل إلى معسكر المسلمين فهو حر.
قال الواقدي: ونادى منادى رسول الله ﷺ أيما عبد نزل من الحصن فهو حرّ، فخرج من الحصن بضعة عشر رجلًا.
أبو بكرة (١) والمنبعث (٢) - وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله ﷺ المنبعث حين أسلم، وكان عبد العثمان بن عمار بن معتب .. كما خرج الأزرق بن عقبة بن الأزرق، وكان عبدًا للكلدة الثقفي من بني مالك، ثم صار حليفًا في بني أمية فنكحوا إليه وأنكحوه. ووردان عبد لعبد الله بن ربيعة الثقفي، وهو جد الفرات بن زيد بن وردان .. ويخنس النبال وكان عبدًا ليسار بن مالك فأسلم سيده بعد، فرد النبي ﷺ إليه ولاءه -فهم أعبد الطائف .. وإبراهيم بن جابر، كان عبدًا لحرشة الثقفي .. ويسار، عبد لعثمان بن عبد الله لم يعقب، وأبو بكرة بفتح أوله وثانيه نفيع بن مسروح، وكان للحارث بن كلدة، وإنما كنى بأبي بكرة لأنه نزل في بكرة (٣) من الحصن .. ونافع أبو السائب، عبد لغيلان بن سلمة فأسلم غيلان بعد، فرد النبي ﷺ إليه ولاءه .. ومرزوق غلام لعثمان، لا عقب له.
كل هؤلاء أعتقهم رسول الله ﷺ كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين
стр. 2308
يمونه ويحمله. فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص وكان الأزرق إلى خالد بن سعيد، وكان وردان إلى إبان بن سعيد، وكان يحنس النبال إلى عثمان بن عفان ﵁، وكان يسار بن مالك، إلى سعد بن عبادة .. وإبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يقرئوهم القرآن ويعلموهم السنن, فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، فيهم الحارث بن كلدة، يردّوهم في الرق، فقال رسول الله ﷺ : أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم، وبلغ ذلك من أهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم (١).
ولكن هيهات هيهات، فقد أصبح هؤلاء العتقاء، أبناء الإِسلام، وفي كنفه، وقد رباهم أشرف تربية، فأخرج منهم (بعد أن ساوى بينهم وبين مالكيهم في الحقوق) رجالًا كانوا مشاعل هداية ومصابيح إرشاد إلى دروب الخير، ومنهم أبو بكر الصحابي المحدث الشهير والزاهد المعروف في تاريخ الإِسلام.
تصرفات سيد غطفان السيئة بالطائف
ويذكر المؤرخون أن الأصمعي المطاع (وهذا لقب عيينة بن حصن الفزاري (٢) سيد غطفان) كان ضمن الجيش النبوي الذي تولى حصار الطائف. وكان عيينة قد أعلن إسلامه وشهد مع الرسول ﷺ فتح مكة. إلا أن الأحداث أثبتت (حسبما يروى المؤرخون) أن هذا السيد البدوى كان (وحتى حصار الطائف) من الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم. وأنه إنما أعلن إسلامه وانضم إلى المسلمين، طمعًا (فقط) في أن يحصل على حظه من الغنائم والسبى، بعد أن تأكد لديه أن كفة المسلمين هي الراجحة، وأن لا أمل لمن يبقى على الشرك من العرب في التغلب عليهم.
ويؤيد ما ذكرنا أن الأحمق المطاع عيينة بن حصن هذا كان أحد قادة الفتنة العارمة عندما ارتد العرب في أواخر حياة الرسول الله ﷺ وأوائل خلافة أبي بكر
стр. 2309
الصديق. فقد خاض عيينة بن حصن الفزاري هذا، المعارك الطاحنة إلى جانب طليحة بن خويلد الأسدي ضد المسلمين في معركة بزاخة الحاسمة .. هذا الزعيم الغطفاني الذي تألفَّه الرسول ﷺ وجعله ضمن هيئة أركان حربه لكونه سيدًا مطاعًا تتبعه عشرة آلاف رمح في نجد. فدخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وعيينة هذا عن يمينه والأقرع بن حابس سيد بني تميم عن شماله, عيينة هذا الذي أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة من الإبل- تصرف أثناء حصار الطائف تصرفًا شائنًا إذ قام بدور الجاسوس ضد الإِسلام وجيشه الذي كان يفرض الحصار على الطائف، وأثبت أن ظاهره مع المسلمين وباطنه مع المشركين.
فقد جاء في كتب السير والمغازى، أن عيينة بن حصن هذا لما طال الحصار على الطائف دون جدوى، وعرف (كعنصر محارب في جيش الإِسلام) أن هذا الجيش لا يمكنه اقتحام معاقل الطائف لشدة تحصينها، استأذن من الرسول ﷺ في أن يفاوض ثقيفًا، متظاهرًا بأنه سيفاوض لصالح المسلمين، فقال: يا رسول الله ائذن لي حتى آتى حصن الطائف، فأكلمهم، فأذن له الرسول ﷺ ، فجاءهم فقال: أأدنوا منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن. فقال: أن، فدنا ثم استأذن ثقيفًا في أن يدخل إليهم الحصن فأذنوا له.
فلما اجتمع بهم في الحصن (وبدلًا من أن يدعوهم إلى الإِسلام وينصحهم بالاستسلام) حثَّهُم على الاستمرار في مقاومة المسلمين شارحا لهم حقيقة ما عليه المسلمون من أنهم غير قادرين على الاستمرار في فرض الحصار عليهم. مظهرًا سروره واغتباطه بما أبدته ثقيف من مقاومة عنيدة جعلت الجيش الإِسلامي عاجزًا عن اختصار الحرب بفتح الحصن.
فقد قال عيينة لثقيف: فداءكم أبي وأمى، والله لقد سرّنى ما رأيت منكم، والله لو أن في العرب أحدًا غيركم، والله ما لاقى محمَّد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن، لا تخافون قطعه. ثم خرج، فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن: فإنا كرهنا دخوله وخشينا أن يخبر محمدًا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا. قال أبو
стр. 2310
محجن: أنا كنت أعرف له، ليس أحد أشد على محمَّد منه وإن كان معه (١).
وعندما عاد عيينة بن حصن إلى معسكر المسلمين حاول تضليلهم والكذب عليهم، حيث أراد أن يوهمهم بأنه قدم النصيحة لثقيف بأن يأخذوا الأمان لأنفسهم لأن الرسول لن ينصرف عنهم حتى يقتحم عليهم معاقلهم .. ولكن الرسول ﷺ فضح عيينة وبين أنه قد كذب بعد أن أطلع الله نبيه على خبية عيينة هذا.
فقد سأل الرسول ﷺ عيينة: ما قلت لهم؟ قال: قلت: ادخلوا في الإِسلام، والله لا يبرح محمَّد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانًا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم. قينقاع، والنضير، وقريظة، وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام. فخذّلتهم ما استطعت -ورسول الله ﷺ ساكت عنه- حتى إذا فرغ من حديثه قال له رسول الله ﷺ : كذبت، قلت لهم كذا وكذا، للذي قال عيينة. فأسقط في يده، ولم ينكر. وقال: استغفر الله، فطالب عمر بن الخطاب الرسول ﷺ ينفذ الإعدام في عيينة لارتكابه الخيانة العظمى. فقد قال عمر يا رسول الله، دعني أقدّمه فأضرب عنقه. ولكن الرسول ﷺ لم يجب عمر إلى طلبه حين قال: لا يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي.
وقد أغلظ أبو بكر الصديق يومئذ في القول لعيينة بن حصن للذي صنع. فقال له: ويحك يا عيينة إنما أنت توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير، وقريظة، وخيبر، تجلب علينا وقتاتلنا بسيفك، ثم أسلمت كما زعمت، فتحرض علينا عدونا، قال: أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه لا أعود أبدًا (٢).
وهذا الخبر عن عيينة بن حصن تؤكده تصرفات سيد غطفان هذا المنكرة، عقب وفاة النبي ﷺ حيث أعلن عيينة هذا، الردة وقاد أول جيش
стр. 2311
متمرد مرتد لمحاربة الإِسلام، محاولًا (وهو يقود قومه فزارة وبنى أسد) أن يحتل المدينة وينهى حكم الإِسلام فيها، وذلك أثناء غياب أكثرية العسكر الإِسلامي الذين كانوا قد غزوا الشام بقيادة أسامة بن زيد الكلبي.
ولكن الخليفة الأول بمساندة قبيلة مزينة الباسلة صدَّ ذلك الهجوم ودحر عيينة بن حصن والعصاة المرتدين الذين كان يقودهم.
وعندما نشبت معركة بزاخة الرهيبة بين المسلمين من جهة بقياد خالد بن الوليد، وبين طليحة بن خويلد الأسدي. كان عيينة هذا قائدا عامًا لجيوش غطفان المرتدة ونائبًا عن طليحة في قيادة الجيوش المرتدة كلها. في بزاخة.
وعندما وقع عيينة في الأسر وجئ به إلى المدينة، وانطلق صبيان المدينة يجرون خلفه ويعيّرونه قائلين: هذا المرتد عن الإِسلام فيقول لهم: والله ما لامس الإِسلام قلبى حتى أخرج منه. وقد اختلف المؤرخون في أمر عيينة بن حصن، فمنهم من يقول: أنه جرى إعدامه كزعيم من زعماء الردة، ومنهم من يقول: إنه أسلم وتاب وحسن إسلامه بعد أن عفى عنه الخليفة الصديق. والله أعلم بالصواب.
خالد بن الوليد يطلب المبارزة
وذكر المؤرخون أنه أثناء حصار المسلمين للطائف برز قائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد متحديا شجعان ثقيف طالبا منهم المبارزة ولكنهم أحجموا ولم يخرج منهم أحد من الحصن فقد نادى خالد: من يبارز فلم يطلع إليه أحد من ثقيف وظلوا مختفين وراء أسوار وأبراج حصنهم، وكرر ذلك النداء طالبًا البراز فلم يبرز إليه أحد.
ثم (أخيرًا) قام سيد ثقيف وزعيمها عبد ياليل فنادى خالدا وأبلغه أن أحدا من ثقيف لن يبرز إليه. وأنهم يفضلون الاعتصام بحصنهم قائلًا: لا ينزل إليك منا أحد، ولكن نقيم في حصننا فإن به من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يذهب هذا الطعام، خرجنا إليك بأسيافنا جميعًا حتى نموت عن آخرنا (١).
стр. 2312
الرسول يأمر بإتلاف بساتين ثقيف ثم يعدل عن ذلك:
لقد بذل المسلمون مجهودات كبيرة واتبعوا وسائل شتى لاختصار متاعب الحرب باقتحام أسوار الطائف وفتح قلاعها. فقذفوها بالآلات الراجمة بالحجارة الضخمة وبالنيران، كما زحف الفدائيون منهم في حماية الدبابات لنقب الأسوار وفتح ثغرات فيها يدخل منها جند الإِسلام، ولكنهم لم ينجحوا, وظلت قلاع الطائف صامدة في وجه المسلمين. لا يخرج منهم أحد من الحصن، بل يكتفون بقذف المسلمين المحاصرين بمختلف المقذوفات من سهام ومعابل ونيران لإِحراق ما يستخدمه المسلمون من سلاح ثقيل للهجوم على الأسوار كما فعلوا حين صبوا نيرانهم على الدبابات التي استخدمها الفدائيون المسلمون للهجوم على أسوار الحصن فأحرقوها وجرحوا بعض العناصر من الفدائيين.
ويذكر بعض المؤرخين أن الرسول لما استعصى عليهم حصن الطائف أمر بإتلاف مزروعات ثقيف بغية إزعاجهم وإجبارهم على الخروج من قلاعهم. ولكن ثقيفا ناشدوا الرسول ﷺ الله والرحم أن لا يفعل فعدل عن إتلاف مزروعاتهم، وبعضهم يذكر أنه أتلف بعض مزروعات ثقيف ثم أمر بإيقاف الإتلاف.
فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية. أن الرسول ﷺ لما طال الحصار. وقتل عدة من أصحابه. أمر بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون (١).
وذكر بعض المؤرخين أن النبي ﷺ لما أمر بقطع مزروعات ثقيف نادى عمر بن الخطاب سفيان بن عبد الله الثقفي: والله لنقطعن أبا عيالك، فقال سفيان: إذا لا تذهبون بالماء والتراب، فلما رأى نادى سفيان: يا محمَّد، لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم (٢)، كما زعمت، قال رسول الله ﷺ : فإني أدعها لله وللرحم.
стр. 2313
كما ذكر أيضًا أن اثنين من الجيش الإسلامي وهما (أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي)، تقدما إلى ثقيف فقالا: آمنوا حتى نتكلم، فأمنتهما ثقيف. فدنيا من الحصن ثم ناديا نساءا من قريش وكن في الحصن، وكانوا يخافون عليهن أن يقعن في السبى- منهم ابنة أبي سفيان بن حرب، كانت تحت عروة بن مسعود، لها منه ولد، اسمه داود بن عروة، والفراسة بنت سويد بن ثعلبة- كانت تحت قارب بن الأسود (١)، لها منه عبد الرحمن بن قارب, وامرأة أخرى، فأبين أن يخرجن.
فلما أبين عليهما، قال لهم ابن والأسود بن مسعود: يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا ندلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني الأسود حيث قد علمتما -وكان النبي ﷺ نازل بينهم وبين الطائف بواد يقال له العمق (بفتح العين وسكون الميم) - ليس بالطائف مال أبعد رشاءًا، ولا أشد مؤنة منه ولا أبعد عمارة- وأن محمدًا إن قطعه يعمر أبدًا، فكلماه ليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل فكلماه فتركه رسول الله ﷺ (٢).
فك الحصار عن الطائف:
لقد بذل الجيش الإسلامي مجهودات عظيمة لاقتحام قلاع الطائف وفتحها، ولكن الحصون كانت منيعة، وكان الثقفيون مصممين على الصمود ويدافعون عنها بعناد، وكانوا قد استعدوا لطول الحصار بما خزنوا من مواد غذائية تكفيهم
стр. 2314
لسنوات، كما أن الماء من العيون والآبار متوفرة لديهم بكثرة.
وكان المسلمون في العراء مكشوفين ومعرضين لسهام الثقفيين ومعابلهم. الأمر الذي يجعل المسلمين أكثر تعرضًا للخطر بينما الثقفيون في بلادهم ومعتصمون بحصونهم عندهم أهلهم وأبناءهم، ولم تُجدِ المحاولات الجدية المضنية التي بذلها جيش الإِسلام لاقتحام أسوار الطائف، حيث كانت قوية وعالية ومنيعة، يحميها مقاتلون ورماة ماهرون في القصف بالنبل والمعابل. واستخدام الأسلحة الثقيلة من راجمات باللهب وغيرها.
استمر المسلمون في محاولاتهم فتح الطائف خمسة عشر يومًا (١) وبعض المؤرخين يقول إن الحصار استمر أكثر من عشرين يومًا (٢).
وقد فقد المسلمون (وهم يجاهدون لفتح الطائف) اثنى عشر شهيدًا (٣) مقابل رجلين من مشركى ثقيف قتلهما المسلمون أثناء الحصار. وجميع شهداء المسلمين، قتلوا رميًا بسهام ثقيف التي كانوا يقصفون بها المسلمين من الأبراج والأسوار.
الرسول يستشير الخبراء بشأن استمرار الحصار أو فكه
وبعد مضى خمسة عشر ليلة أو عشرين على محاصرة الطائف دونما أية نتيجة إيجابية لصالح الجيش الإِسلامي تدارس الرسول ﷺ الموقف مع بعض كبار مستشاريه والخبراء في الجيش حول ما إذا كان من المفيد استمرار الحصار أم فكه عن الطائف.
وقد انتهت المشاورات إلى اقتناع النبي ﷺ بأنه ليس من مصلحة الجيش الإِسلامي الاستمرار في الحصار. ولذلك قرر أن يفك الحصار عن الطائف ويعود إلى مكة تاركًا ثقيفًا وشأنها حتى يأتي الله بها فتدخل في الإِسلام طائعة بعد أن تجد نفسها معزولة ومحاطة بعناصر عربية كلها دخلت في الإِسلام.
كما جاء في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنه لم يأذن الله في ثقيف (أي
стр. 2315
باقتحامهم بقوة السلاح).
فقد جاء في الأثر: أن خولة بنت حكيم بن أمية السلمية (وهي امرأة عثمان) قالت: يا رسول الله أعطنى -إن فتح الله عليك الطائف- حلى بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل- وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فقال لها رسول الله ﷺ : وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ .
فذكرت خويلة ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أوما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: (لا) قال عمر: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال بلى فأذّن عمر بالرحيل (١).
كذلك ذكر أهل السير أن الرسول ﷺ رأى رؤيا فسرت بأن الرسول ﷺ لن ينال من ثقيف في حصاره لهم ما يريد. وخلاصة هذه الرؤيا أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق: إنّ رأيت أنى أهديت لي قعبة (٢) مملؤة زبدًا، فنقرها ديك فأهرق ما فيها. قال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول الله يومك هذا ما تريد. قال رسول الله ﷺ : وأنا لا أرى ذلك (٣).
وذكر أصحاب المغازي أن الرسول ﷺ استشار الخبير المجرب نوفل بن معاوية الديلي (٤) بشأن حصار الطائف بعد أن استعصى على المسلمين فتحها. فقال رسول الله ﷺ لنوفل بن معاوية: ما تقول أو ما ترى في المقام عليهم؟ فقال نوفل: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك شيئًا (٥).