← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

متمرد مرتد لمحاربة الإِسلام، محاولًا (وهو يقود قومه فزارة وبنى أسد) أن يحتل المدينة وينهى حكم الإِسلام فيها، وذلك أثناء غياب أكثرية العسكر الإِسلامي الذين كانوا قد غزوا الشام بقيادة أسامة بن زيد الكلبي. ولكن الخليفة الأول بمساندة قبيلة مزينة الباسلة صدَّ ذلك الهجوم ودحر عيينة بن حصن والعصاة المرتدين الذين كان يقودهم. وعندما نشبت معركة بزاخة الرهيبة بين المسلمين من جهة بقياد خالد بن الوليد، وبين طليحة بن خويلد الأسدي. كان عيينة هذا قائدا عامًا لجيوش غطفان المرتدة ونائبًا عن طليحة في قيادة الجيوش المرتدة كلها. في بزاخة. وعندما وقع عيينة في الأسر وجئ به إلى المدينة، وانطلق صبيان المدينة يجرون خلفه ويعيّرونه قائلين: هذا المرتد عن الإِسلام فيقول لهم: والله ما لامس الإِسلام قلبى حتى أخرج منه. وقد اختلف المؤرخون في أمر عيينة بن حصن، فمنهم من يقول: أنه جرى إعدامه كزعيم من زعماء الردة، ومنهم من يقول: إنه أسلم وتاب وحسن إسلامه بعد أن عفى عنه الخليفة الصديق. والله أعلم بالصواب. خالد بن الوليد يطلب المبارزة وذكر المؤرخون أنه أثناء حصار المسلمين للطائف برز قائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد متحديا شجعان ثقيف طالبا منهم المبارزة ولكنهم أحجموا ولم يخرج منهم أحد من الحصن فقد نادى خالد: من يبارز فلم يطلع إليه أحد من ثقيف وظلوا مختفين وراء أسوار وأبراج حصنهم، وكرر ذلك النداء طالبًا البراز فلم يبرز إليه أحد. ثم (أخيرًا) قام سيد ثقيف وزعيمها عبد ياليل فنادى خالدا وأبلغه أن أحدا من ثقيف لن يبرز إليه. وأنهم يفضلون الاعتصام بحصنهم قائلًا: لا ينزل إليك منا أحد، ولكن نقيم في حصننا فإن به من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يذهب هذا الطعام، خرجنا إليك بأسيافنا جميعًا حتى نموت عن آخرنا (١).

стр. 2312

الرسول يأمر بإتلاف بساتين ثقيف ثم يعدل عن ذلك: لقد بذل المسلمون مجهودات كبيرة واتبعوا وسائل شتى لاختصار متاعب الحرب باقتحام أسوار الطائف وفتح قلاعها. فقذفوها بالآلات الراجمة بالحجارة الضخمة وبالنيران، كما زحف الفدائيون منهم في حماية الدبابات لنقب الأسوار وفتح ثغرات فيها يدخل منها جند الإِسلام، ولكنهم لم ينجحوا, وظلت قلاع الطائف صامدة في وجه المسلمين. لا يخرج منهم أحد من الحصن، بل يكتفون بقذف المسلمين المحاصرين بمختلف المقذوفات من سهام ومعابل ونيران لإِحراق ما يستخدمه المسلمون من سلاح ثقيل للهجوم على الأسوار كما فعلوا حين صبوا نيرانهم على الدبابات التي استخدمها الفدائيون المسلمون للهجوم على أسوار الحصن فأحرقوها وجرحوا بعض العناصر من الفدائيين. ويذكر بعض المؤرخين أن الرسول لما استعصى عليهم حصن الطائف أمر بإتلاف مزروعات ثقيف بغية إزعاجهم وإجبارهم على الخروج من قلاعهم. ولكن ثقيفا ناشدوا الرسول ﷺ الله والرحم أن لا يفعل فعدل عن إتلاف مزروعاتهم، وبعضهم يذكر أنه أتلف بعض مزروعات ثقيف ثم أمر بإيقاف الإتلاف. فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية. أن الرسول ﷺ لما طال الحصار. وقتل عدة من أصحابه. أمر بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون (١). وذكر بعض المؤرخين أن النبي ﷺ لما أمر بقطع مزروعات ثقيف نادى عمر بن الخطاب سفيان بن عبد الله الثقفي: والله لنقطعن أبا عيالك، فقال سفيان: إذا لا تذهبون بالماء والتراب، فلما رأى نادى سفيان: يا محمَّد، لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم (٢)، كما زعمت، قال رسول الله ﷺ : فإني أدعها لله وللرحم.

стр. 2313

كما ذكر أيضًا أن اثنين من الجيش الإسلامي وهما (أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي)، تقدما إلى ثقيف فقالا: آمنوا حتى نتكلم، فأمنتهما ثقيف. فدنيا من الحصن ثم ناديا نساءا من قريش وكن في الحصن، وكانوا يخافون عليهن أن يقعن في السبى- منهم ابنة أبي سفيان بن حرب، كانت تحت عروة بن مسعود، لها منه ولد، اسمه داود بن عروة، والفراسة بنت سويد بن ثعلبة- كانت تحت قارب بن الأسود (١)، لها منه عبد الرحمن بن قارب, وامرأة أخرى، فأبين أن يخرجن. فلما أبين عليهما، قال لهم ابن والأسود بن مسعود: يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا ندلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني الأسود حيث قد علمتما -وكان النبي ﷺ نازل بينهم وبين الطائف بواد يقال له العمق (بفتح العين وسكون الميم) - ليس بالطائف مال أبعد رشاءًا، ولا أشد مؤنة منه ولا أبعد عمارة- وأن محمدًا إن قطعه يعمر أبدًا، فكلماه ليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل فكلماه فتركه رسول الله ﷺ (٢). فك الحصار عن الطائف: لقد بذل الجيش الإسلامي مجهودات عظيمة لاقتحام قلاع الطائف وفتحها، ولكن الحصون كانت منيعة، وكان الثقفيون مصممين على الصمود ويدافعون عنها بعناد، وكانوا قد استعدوا لطول الحصار بما خزنوا من مواد غذائية تكفيهم

стр. 2314

لسنوات، كما أن الماء من العيون والآبار متوفرة لديهم بكثرة. وكان المسلمون في العراء مكشوفين ومعرضين لسهام الثقفيين ومعابلهم. الأمر الذي يجعل المسلمين أكثر تعرضًا للخطر بينما الثقفيون في بلادهم ومعتصمون بحصونهم عندهم أهلهم وأبناءهم، ولم تُجدِ المحاولات الجدية المضنية التي بذلها جيش الإِسلام لاقتحام أسوار الطائف، حيث كانت قوية وعالية ومنيعة، يحميها مقاتلون ورماة ماهرون في القصف بالنبل والمعابل. واستخدام الأسلحة الثقيلة من راجمات باللهب وغيرها. استمر المسلمون في محاولاتهم فتح الطائف خمسة عشر يومًا (١) وبعض المؤرخين يقول إن الحصار استمر أكثر من عشرين يومًا (٢). وقد فقد المسلمون (وهم يجاهدون لفتح الطائف) اثنى عشر شهيدًا (٣) مقابل رجلين من مشركى ثقيف قتلهما المسلمون أثناء الحصار. وجميع شهداء المسلمين، قتلوا رميًا بسهام ثقيف التي كانوا يقصفون بها المسلمين من الأبراج والأسوار. الرسول يستشير الخبراء بشأن استمرار الحصار أو فكه وبعد مضى خمسة عشر ليلة أو عشرين على محاصرة الطائف دونما أية نتيجة إيجابية لصالح الجيش الإِسلامي تدارس الرسول ﷺ الموقف مع بعض كبار مستشاريه والخبراء في الجيش حول ما إذا كان من المفيد استمرار الحصار أم فكه عن الطائف. وقد انتهت المشاورات إلى اقتناع النبي ﷺ بأنه ليس من مصلحة الجيش الإِسلامي الاستمرار في الحصار. ولذلك قرر أن يفك الحصار عن الطائف ويعود إلى مكة تاركًا ثقيفًا وشأنها حتى يأتي الله بها فتدخل في الإِسلام طائعة بعد أن تجد نفسها معزولة ومحاطة بعناصر عربية كلها دخلت في الإِسلام. كما جاء في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنه لم يأذن الله في ثقيف (أي

стр. 2315

باقتحامهم بقوة السلاح). فقد جاء في الأثر: أن خولة بنت حكيم بن أمية السلمية (وهي امرأة عثمان) قالت: يا رسول الله أعطنى -إن فتح الله عليك الطائف- حلى بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل- وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فقال لها رسول الله ﷺ : وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ . فذكرت خويلة ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أوما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: (لا) قال عمر: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال بلى فأذّن عمر بالرحيل (١). كذلك ذكر أهل السير أن الرسول ﷺ رأى رؤيا فسرت بأن الرسول ﷺ لن ينال من ثقيف في حصاره لهم ما يريد. وخلاصة هذه الرؤيا أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق: إنّ رأيت أنى أهديت لي قعبة (٢) مملؤة زبدًا، فنقرها ديك فأهرق ما فيها. قال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول الله يومك هذا ما تريد. قال رسول الله ﷺ : وأنا لا أرى ذلك (٣). وذكر أصحاب المغازي أن الرسول ﷺ استشار الخبير المجرب نوفل بن معاوية الديلي (٤) بشأن حصار الطائف بعد أن استعصى على المسلمين فتحها. فقال رسول الله ﷺ لنوفل بن معاوية: ما تقول أو ما ترى في المقام عليهم؟ فقال نوفل: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك شيئًا (٥).

стр. 2316

ملاحاة أبي محجن وابن الخطاب وذكر المؤرخون أن الفاروق عمر بن الخطاب جرت بينه وبن أبي محجن الثقفى (وكان يومها مشركًا) مشادّة. فقد طلع أبو محجن من علي سور الطائف ونادى المسلمين: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لقيتم أحدًا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشرّ محبّس، ثم تنصرفون لم تدكوا شيئًا مما تريدون، نحن قَسى وأبونا قسا (١) والله لا نسلم ما حيينا وقد بنينا طائفًا حصينًا، فناداه عمر بن الخطاب: يا ابن حبيب، والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج. فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبلات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك. فقال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، لن نبرح عن باب جحرك حتى تموت. فقال أبو بكر الصديق: يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف. فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ فقال: نعم، . فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: لم يؤذن لك يا رَسول الله في فتحها؟ قال: (لا) (٢). تذمر الجيش النبوي لفك الحصار عن الطائف وبعد مراجعات دقيقة واستشارات قام بها الرسول ﷺ بين بعض أصحابه بشأن الاستمرار أو عدم الاستمرار في حصار الطائف، بل وبعد تلقى الرسول الوحى بعدم الإذن في الاستمرار في الحصار لفتح الطائف، قرر الرسول ﷺ فك الحصار وأمر الجيش بالرحيل إلى مكة تاركًا ثقيفًا في حصونها على أمل أن يأتي بها الله لتدخل في الإسلام طائعة مختارة. وقد أمرَ الرسول ﷺ وزيره الثاني عمر بن الخطاب أن يعلم الجيش بأنه تقرر فك الحصار عن الطائف وأن يؤذن في الناس بالرحيل، وقد فعل عمر ما أمره الرسول ﷺ به. وعندما سمعت جمهرة الجيش النبوي وتلقت الأوامر بالرحيل وترك ثقيف في

стр. 2317

حصونها جرى بين صفوف الجيش شيء من التذمر الواضح، فقد أظهرت بعض وحدات الجيش معارضة صريحة وأبدى بعض عناصر هذه الوحدات امتعاضًا واضحًا .. وقالوا: كيف ننصرف عن ثقيف وهي أضعف من جيوش هزمناها وأخضعناها .. ومشت بعض عناصر مِنْ الجيش مبدين اعتراضهم على الانسحاب .. مشت إلى أبي بكر وعمر وصارحتهما بهذه المعارضة وطلبت هذه العناصر من وزيرى رسول الله ﷺ أن يراجعاه كى يستمر في محاصرة ثقيف حتى تستسلم وهي صاغرة. وحاول أبو بكر وعمر إقناع عناصر المعارضة للانسحاب وفك الحصار، ولكن هذه العناصر أصرَّت على أن يستمر الرسول ﷺ في محاربة ثقيف. ولم يغضب الرسول ﷺ لهذه المعارضة بل استمع إليها، وأمر بمعاودة الهجوم على ثقيف (بعد إصداره الأمر بالانسحاب) ونشب القتال من جديد بين الجيش الإِسلامي وبين ثقيف وكانت ثقيف (كما هو معلوم) معتصمين بقلاعهم والمسلمون مكشوفين. فرمتهم ثقيف بالنبال من على الأسوار. فأصابت عناصر من الجيش الإسلامى جراحات كثيرة دون أن يستطيعوا إحراز أي تقدم لاقتحام الطائف. وعندها اقتنع المعارضون بأن الصواب فيما قرره الرسول ﷺ من الأمر بفك الحصار عن حصون الطائف. قال الواقدي متحدثًا عن قرار الانسحاب وظهور المعارضة في الجيش، ثم رجوع المعارضة وقبولها بقرار الانسحاب وفك الحصار: دخل عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ فقال: أو لم يؤْذن لك فيهم (أي ثقيف) قال: (لا)، قال: أفلا أؤذّن في الناس بالرحيل، قال رسول الله ﷺ : بلى. فأذّن عمر بالرحيل فجعل المسلمون يتكلمون، يمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف، لا نبرح حتى يفتح الله علينا، والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرَّق الله تلك الجموع، وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا. وكثر القول بينهم والاختلاف فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى

стр. 2318

وقال: قد رأينا الحديبية، ودخلنى من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله ﷺ يومئذ بكلام ليت أنى لم أفعل (١)، وأن أهلي ومالي ذهبا، ثم كانت الخيرة لما من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرا للناس من صلح الحديبية- بلا سيف، دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل - من يوم بعث رسول الله ﷺ إلى يوم كتب الكَتاب. فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله ﷺ ، ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدًا، والأمر أمر الله، وهو يوحى إلى نبيه ما يشاء. وقال الواقدي في موضع آخر عن استجابة الرسول ﷺ لعناصر المعارضة من جيشه بمعاودة ثقيف للقتال، وإذعان عناصر المعارضة لقرار فك الحصار بعد أن أصابتهم جراح كثيرة من سهام الثقفيين: (حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الديلى فقال: يا نوفل ما تقول أو ترى؟ فقال نوفل: يارٍ سول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك شيئًا. قال أبو هريرة: ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتحها. قال: فأمر رسول الله ﷺ عمر وأذن في الناس بالرحيل. قال: فجعل الناس يضجّون من ذلك قال رسول الله ﷺ فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات. فقال رسول الله ﷺ إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون والنبي ﷺ يضحك (٢). عيينة بن حصن يفخر بثقيف فيزجره عمرو بن العاص وعندما أخذ المسلمون يفكون الحصار عن الطائف ويرحلون، نادى سعد بن عبيد بن أسيد بن عمرو بن علاج الثقفى قال: ألا إن الحيّ مقيم، فقال عيينة بن حصن (معجبًا بمقاومة ثقيف) أجل والله مَجَدةٌ كرام. فقال له عمرو بن العاص: قاتلك الله، تمدح قومًا مشركين بالامتناع من

стр. 2319

رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره؟ فقال عيينة: إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفًا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلًا، فإن ثقيفًا قوم مباركون، وفي رواية (مناكير) (١)، فأخبر عمرو النبي ﷺ بمقالة عيينة فتبسم ﷺ ، ولم يتخذ ضد عيينة بن حصن أي إجراء تأديبى على قوله المنكر ذاك. بل قال (فقط) ردًّا على ما فاه به عيينة بن حصن: (هذا الأحمق المطاع) (٢). وهكذا فك الرسول ﷺ الحصار عن الطائف دون أن ينال من ثقيف شيئًا، وظلوا على شركهم حتى أسلم كل من حولهم من قبائل المناطق المجاورة. فوجدوا أنفسهم في حالة تشبه الحصار، يعيشون وحولهم جوّ معاد ويحوطهم من كل مكان، فاضطروا إلى الدخول في الإسلام، فذهب منهم وفد إلى المدينة فأعلق إسلامهم وذلك عام تسع للهجرة. دعاء الرسول ﷺ لثقيف وعندما فك الحصار الرسول ﷺ عن الطائف وشرع في مغادرتها، طلب إليه بعض أصحابه أن يدعو على ثقيف، ففعل العكس، حيث دعا الله أن يهديهم. فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر. أن بعض أصحاب الرسول ﷺ قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال اللهم اهد ثقيفًا (٣) وعند بعضهم أنه ﷺ قال اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم (٤) وقد أتى الله بهم إلى المدينة مذعنين مسلمين استجابة لدعوة نبيه ﷺ . وذكر أصحاب السير أن الرسول ﷺ حين أراد أن يرتحل بالجيش ويفك الحصار عن الطائف، قال لأصحابه قولوا: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقلوا قال: آيبون إن

стр. 2320

شاء الله عابدون، لربنا حامدون (١) وروى ابن كثير أن الرسول ﷺ قال في حق ثقيف وهو يرحل عنهم: اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم (٢). الشهداء في حصار الطائف: وأثناء حصار الطائف، لم يفقد المشركون سوى رجلين اثنين فقط. أما المسلمون فقد استشهد منهم أثناء الحصار اثنا عشر رجلًا قتلوا جميعًا بنبال ثقيف تسعة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار والأسماء كالآتي: ١ - سعيد بن سعيد بن أمية أموى ٢ - حبيب بن عبد مناف الكناني أموى بالحلف ٣ - يزيد بن زمعة بن الأسود أسدى ٤ - عبد الله بن أبي بكر الصديق أصابه سهم فمات متأثرًا بجرحه في المدينة - تيمى ٥ - عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة مخزومى ٦ - عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزى عدوى بالحلف ٧ - السائب بن الحارث بن قيس سهمى ٨ - عبد الله بن الحارث سهمى ٩ - جليحة بن عبد الله سعدى ليثى ١٠ - ثابث بن الجذع أنصارى ١١ - الحارث بن سهل أنصارى ١٢ - المنذر بن عبد الله أنصارى طريق الرسول إلى مكة: وبعد أن فك الرسول ﷺ الحصار عن الطائف عاد إلى الجعرانة، حيث توجد غنائم حنين والسبى الذي وقع في أيدى المسلمين يوم حنين. وقد سلك الرسول ﷺ في عودته من الطائف نفس الطريق الذي جاءها

стр. 2321

منه، فقد سلك على دحنا (١) ثم على قرن المنازل (٢) ثم على نخلة وهو المسمى اليوم (بوادى اليمانية). وأثناء عودة الرسول من الطائف وفي أثناء الطريق، حدثت من الرسول ﷺ تصرفات، كانت دروسًا عملية رائعة في شرف السلوك والعدل والإِنصاف والتواضع، ينبغي لكل قائد أو زعيم مسلم مسؤول عن فئة أو أمة أن يجعلها نصب عينيه كى تكون له نبراسًا يستضئ به في معاملة مرؤوسيه، ليكون محل احترامهم وموضع ثقتهم ومحبهم وتقديرهم. فقد رأينا (أولًا) كيف أن أكثر وحدات الجيش تضجّرت ولم ترض أن يفك الرسول ﷺ الحصار عن الطائف، بل طالبت باستمرار القتال، رغم أن الرسول ﷺ وهو القائد الأعلى- قد أذن مؤذنه ونادى بالرحيل عن ثقيف. ورأينا كيف أن الرسول ﷺ لم يصر على الانسحاب الفورى من الميدان بل لكى يقنع العناصر المتذمرة في الجيش والغير الراضية بالانسحاب، لم يفرض عليهم إرادته ويأمر بالانسحاب بدون مراجعة، بل أمر بمعاودة الهجوم على المشركين الثقفيين، وعندما فشل الهجوم وتعرض الجيش لجراحات كثيرة من سهام ثقيف، اقتنعت العناصر المتذمرة بعدم جدوى استمرار الحصار فانسحب الرسول ﷺ بالجيش وكل عناصره مقتنعة بوجاهة الانسحاب، وهذا من الرسول درس عسكرى في التمعن فيه فائدة كبرى لمن هم في مراكز القيادة على أي مستوى كانوا. مثالية الرسول ﷺ - وحدث أبو رهم (٣) الغفاري بأنه كان (وهم عائدون من الطائف) إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة له، وفي رجله نعلان غليظتان، إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله ﷺ ووقع حرف نعله على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه. فقال الرسول: أوجعتنى أخرّ رجلك، وقرع رجله بالسوط. قال:

стр. 2322

فأخذنى من أمرى ما تقدم وما تأخر، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن العظيم لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر (١) وما هو يومى، فرقًا أن يأتي النبي ﷺ وحى، ورسول الله يطلبنى، فلما روّحت الركاب سألت، فقالوا طلبك رسول الله ﷺ . فجئته وأنا أترقب فقال: إنك أوجعتنى برجلك فقرعتك بالسوط، فخذ هذه الغنم عوضًا من ضربتى. قال أبو رهم: فرضاه عنى كان أحب إليَّ من الدنيا وما فيها. وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي (٢) يقول: كنت مع النبي ﷺ في مسيره (أي من الطائف) وهو يحادثنى، فجعلت ناقتى تلتصق بناقته، وكانت ناقتى شهمة (٣) فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعنى، فلصقت بناقة النبي ﷺ وأصيبت رجله فقال: (أخ) أوجعتنى، فرفع رجله من الغرز كأنها جمارة (٤)، ودفع رجلى بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينزل في عذاب، قال: فلما نزلت قلت لأصحابى: إني أرعى لكم، ولم يكن ذلك يوم رعيتى، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغينى؟ فقالوا: رسول الله ﷺ جاء يبغيك. فقلت في نفسي: هي والله هي، قلت: من جاء؟ قالوا. رجل من الأنصار. قال: فكان أكره إليّ، وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة. قال: ثم جاء بعده رجل من قريشى يبغينى. قال: فخرجت خائفًا حتى واجهت رسول الله ﷺ فجعل يبتسم في وجهى. وقال: أوجعتك بمحجنى البارحة. ثم قال: خذ هذه القطعة من الغنم فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة (٥). كذلك حدث أبو زرعة الجهني (٦) فقال: لما أراد رسول الله ﷺ أن

стр. 2323

يركب من قرن المنازل راحلته القصوى وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطويّ، فركب على الرّحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف (١) الناقة بالسوط، كل ذلك يصيبنى، فالتفت إليَّ فقال: أصابك السوط؟ قلت نعم بأبي وأمى، قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة (٢) من الغنم ناحية من الغنائم. فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا، قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس. قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس. قال: فتأثّلت (٣) بها مالًا. قصة سراقة بن جعشم المثيرة كان سراقة بن جعشم (٤) المدلجى فارسًا ممتازا. وعندما أعلنت قريش منح جائزة مالية قدرها مائة ناقة، لمن يأتي بالرسول ﷺ حيًّا أو ميتًا، وذلك عندما نجح في الإفلات من قبضتهم وهاجر إلى المدينة .. عند ذلك الإِعلان الغاشم ركب سراقة فرسه وأخذ سلاحه (بعد أن علم بالمكان الذي فيه الرسول ﷺ سائرًا نحو المدينة) قاصدًا قتله أو إلقاء القبض عليه ففشل ولم يمكنه الله مما أراد. فأيقين أن الله مانع رسوله من شر قريش. فاعترف للرسول بأنه جاء لاعتقاله أو قتله، ولكن كل ما طلبه من الرسول أن يكتب له أمانًا يبرزه عند اللزوم، فأمر الرسول (يومها) أبا بكر فكتب له ما طلب في كتف بعير. فاحتفظ سراقة بهذه الوثيقة وثيقة الأمان المكتوبة في كتف البعير (٥). ومرت السنون وعلا شأن النبي ﷺ حتى توجت انتصاراته بتغلبه على هوازن في أعظم معركة حربية وهي معركة حنين.

стр. 2324

وجاء دور إظهار سراقة وثيقة الأمان كى ينجو من أي سوء قد يعترض له من الجيش المنتصر، فأبرز سراقة تلك الوثيقة للرسول ﷺ وهو عائد من الطائف فوفى له بما فيها، ولنترك الصحابي سراقة بن مالك نفسه يحدثنا حديثه الشيق. قال سراقة: لقيت رسول الله ﷺ ، وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت (١)، والناس يمضون أمامه أرسالًا (٢) فوقعت في مقنب (٣) من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونى بالرماح ويقولون: إليك، إليك، ما أنت؟ وأنكرونى حتى إذا دنوت وعرفت أن الرسول ﷺ يسمع صوتى، أخذت الكتاب الذي كتبه أبو بكر، فجعلته بين إصبعين من أصابعى، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، وهذا كتابى، فقال رسول الله ﷺ : يوم وفاء، أدنوه، فأدنيت منه، فكأنى أنظر إلى ساق رسول الله ﷺ في غرزه كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمَت، وسقت إليه الصدقة، فما ذكرت شيئًا أسأله عنه إلّا أنى قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل ترد حياضى وقد ملأتها لإبلى، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم في كل ذات كبد حَرَّى (٤) أجر (٥). وقفة فقهية وأثناء عودة النبي ﷺ من حصار الطائف، اعترض رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله ﷺ على راحلته، فقال: يا رسول الله: هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟ قال: رجل من أسلم. قال: إني لا أقبل هدية من مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله، قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب (٦) لمالى بعينه مصدقًا. قال: وأقبل بريدة فلحق بالنبي ﷺ فقال: صدق، هذا من قومى

стр. 2325

شريف، ينزل بالصفاح (١). قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع (٢) من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فألحقنا بالجعرانة، قال فخرج يعدو عراض (٣) ناقة رسول الله ﷺ وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معى إلى الجعرانة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تَسُقْها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنمًا أخرى إن شاء الله. ثم سأل الأسلمي رسول ﷺ عن شيء مما يهمه في دينه فقال: يا رسول الله، تدركنى الصلاة وإنا في عطن (٤) الإبل، أفأصلى فيه؟ قال: لا. قال فتدركنى وأنا في مراح الغنم، أفأصلى فيه؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟ قال: نعم، ويتيمم. قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض قال: تتيمم. قال: فلحق النبي ﷺ بالجعرانة فأعطاه مائة شاة (٥). هل استسلمت ثقيف لوحدات من جيش الرسول بعد انصرافه عنها ؟ هكذا انتهى حصار الطائف. فانصرف الرسول ﷺ عنها دون أن يتمكن جيشه من فتحها. هذا بإجماع المؤرخين وأهل السير. غير أن هناك روايات تذكر أن وحدات من جيش الإسلام فرضت الحصار على الطائف من جديد بعد انصراف الرسول ﷺ عنها، وأن هذه الوحدات التي جاءت (في شكل نجدات للجيش النبوي بعد انصرافه) قد ضيقت الحصار على ثقيف حتى استسلمت لهذه الوحدات، ونزلت على حكم رسول الله ﷺ . وأن ذلك قد تم بقيادة صخر (٦) أبي العيلة الأحمسى الذي جاء إلى الطائف بقومه (أحمس (٧)، وكانوا من الفرسان).

стр. 2326

فقد روى أبو داود فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص حدثنا الفريانى حدثنا أبان حدثنا عمرو -هو ابن عبد الله بن أبي حازم- عن أبيه عن جده صخر -هو أبي العيلة الأحمسى- أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفًا، فلما أن سمع ذلك صخر، ركب في خيل يمد رسول الله ﷺ ، فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهدا وذمة، لا يفارق هذا القصر (يعني الطائف) حتى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ . وكتب إليه صخر: أما بعد فإن ثقيفًا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل بهم في خيلى، فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة، فدعا لأحمس عشر دعوات (اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها). وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة (الثقفى) فقال: يا رسول الله إن صخرًا أخذ عمتى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال: يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته. فدفعها إليه، وسأل رسول الله ﷺ ماء لبنى سليم قد هربوا عن الإِسلام وتركوا ذلك الماء. فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومى؟ قال: نعم. فأنزله وأسلم الأسلميون، فأتوا صخرًا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فقال رسول الله ﷺ : يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم. قال: نعم يانبي الله، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من آخذ الجارية وأخذه الماء، تفرد به أبو داود (١). قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (معقبًا على قصة ثقيف وصخر أبي العيلة): قلت: وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلًا، لأنه قد تقدم أنه ﷺ لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ، وذلك بعد موت

стр. 2327

عمه أبي طالب فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهمومًا، فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب (١) فإذا هو بغمامة فيها جبريل، فناداه ملك الجبال. فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ : بل استأنى بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئًا. فناسب قوله: بل استأنى بهم أن لا يفتع حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل (أي عام تسع للهجرة). وهو العام الذي وفد فيه سادات ثقيف إلى المدينة فأعلنوا إسلامهم وإسلام ثقيف. وسياق الإمام أبي داود في صحيحه يدل على أنهم إنما وفدوا بعد أن حل بساحتهم صخر أبو العيلة وقومه الأحمس من بجيلة ولم يفك الحصار عنهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأتى بهم المدينة فأسلموا، فأحرزوا دماءهم وأموالهم وصاروا قوة للإِسلام والله أعلم. الغنائم والسبي في الجعرانة كان المسلمون قد غنموا بعد انتصارهم في موقعة حنين غنائم عظيمة بلغت من الماشية وحدها (وهي أغلى ما يملك العرب في ذلك العصر) خمسة وعشرين ألف بعير وأربعين ألف شاة وشيئًا عظيم من الفضة، كما وقع في يد الجيش الإِسلامي ستة آلاف من السبى نساءًا وأطفالًا. وكان هؤلاء السبى الذين أصبحوا مماليك الجيش الإسلامي كما هي شرعة الحرب في الإِسلام، والتي لم ير هذا الدين مناصًا من العمل بها كإجراء حربى مقابل، لأن رقيق الحرب عملة عالمية يتعامل بها كل المحاربين في العالم آن ذاك (٢) كان كل هؤلاء السبى من هوازن وهم أخواك الرسول ﷺ من الرضاعة، وقد حررهم جميعًا كما سيأتي تفصيله فيما يلي في هذا البحث. وكان رسول الله ﷺ بعد انتصاره في معركة حنين. وحين قرر أن يطارد أهم أجنحة هوازن المنهزمة الطائف وهي ثقيف - أمر بالتحفظ على الغنائم

стр. 2328

والسبى في الجعرانة حتى يعود من مطاردة الثقفيين. وكان الرسول القائد ﷺ قد أسند أمر التحفظ على الغنائم والسبى إلى بديل بن ورقاء (وهو أحد زعماء خزاعة حلفاء النبي التقليديين). كما أسند أمر العناية بالسبى من النساء، والأطفال المحتجزين في الحظائر إلى بُسر بن سفيان الخزاعي (١). بناء المساكن للسبى بالجعرانة ولما كان السبى (بعد انتصار الجيش الإسلامي) لا يملك من أمره شيئًا بعد انهزام هوازن، وأصبح أمانة في عنق الجيش الإسلامي. ولما كانت تعاليم الإِسلام تعاليم شفقة ورحمة وخاصة بالنسبة للأسير والمسكين ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢). فقد أمر الرسول القائد ﷺ أن تبنى لهم منازل يستظلون فيها من الشمس في الجعرانة، حتى يعود من الطائف، فيبت في أمرهم. كما أمر الرسول ﷺ المشرف على شئون مالية الجيش والإعاشة (وهو بسر بن سفيان) أن يشتوى للسبى جميعًا ثيابًا فيكسوهم، فاشتراها سفيان وكساهم كلهم. وقال الواقدي: كان سبى هوازن من حنين ستة آلاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، وكانت: الغنم لا يدرى عددها، وقد قال بعضهم: إنها أربعين ألف شاة. فلما قدم رسول الله ﷺ أمر بسر بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشترى للسبى ثيابًا يكسوها من بروب هجر (٣) فلا يخرج المرء منهم إلا كاسيًا، فاشترى بسر كسوة فكسى بها السبى كلهم (٤). الأعراب يلحون في تقسيم السبى والغنائم كان السبى من النساء والأطفال من هوازن حوالي ستة آلاف. وكانت

стр. 2329

هوازن أخوال الرسول ﷺ . كانت حليمة السعدية الهوازنية أمه من الرضاعة. وكان الرسول ﷺ قد أخر تقسيم الغنائم والسبى حوالي شهر (١)، على أمل أن يتقدم الهوازنيون باسترحام ويطلبون. تحرير ذراريهم فيحورهم الرسول ﷺ قبل أن تجرى عليهم القسمة بين الجيش. ولكن أحدًا من هوازن طوال شهر (والسبى متحفظ عليه) لم يتقدم بأي طلب مع أن المدة كافية للتقدم بمثل هذا الاسترحام. وكان السبى والغنائم (بموجب قانون الحرب في الإِسلام) ملكا للجيش (بعد الخمس الذي نص القرآن على أن يكون تحت تصرف الرسول ﷺ لينفقه حسب مقتضيات المصلحة العامة). وقد اضطر الرسول ﷺ إلى توزيع غنائم المعركة بمن فيهم السبى. وبعد تقسيم الغنائم وتوزيع السبايا جاء وفد من هوازن يطلب من رسول الله ﷺ أن يحرر السبى ولكن بعد تقسيمه على أفراد القوات المسلحة التي شاكت في معركة حنين. غير أن الرسول ﷺ حقق رغبة هوازن فحرر السبى وكل رقيق الحرب منهم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. لقد ألح الأعراب الذين ساهموا في معركة حنين وكانوا كثيرين .. ألحوا على الرسول ﷺ بعد عودته من الطائف يسألونه الإِسراع بتوزيع الأسلاب والغنائم حتى ضايقوه وضربوا حوله شبه دائرة حتى سقط رداؤه من على عاتقه لشدة الزحام. قال أصحاب الغازى والسير: وجعلت الأعراب في طريقه يسألونه وكثروا عليه، يقولون: أقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سَمرة فخطفت رداؤه. فقال: ردوا عليّ ردائى. أعطونى ردائى أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته فيكم ثم ما ألفيتمونى بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا، ثم قام رسول الله ﷺ إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال: أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه

стр. 2330

الوبرة. وعند بعضهم: (والله ما يحل لكم مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم (١). فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار وشنار يوم القيامة). أمانة وشرف الجندى المسلم قالوا ونادى منادى رسول الله ﷺ يحذّر الجند من أخذ أي شيء من الغنائم (قبل القسمة مهما قل). فقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل، وجعل الناس غنائمهم في موضع حتى استعمل رسول الله ﷺ عليهما. وكان عقيل بن أبي طالب (قبل أن ينادى منادى رسول الله ﷺ قد دخل على زوجته وسيفه متلطخ دمًا، فقالت: إني قد علمت أنك قد قاتلت المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟ قال: هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، وهي فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. ثم سمع منادى رسول الله ﷺ يقول: من أصاب شيئًا من المغنم فليرده، فرجع عقيل إلى زوجته وقال! لها: والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت، ثم أخذ الإبرة منها وألقاها في الغنائم (٢). وهذا رجل آخر هو عبد الله بن زيد المازنى (٣) أخذ أثناء القتال قوسًا من أقواس المشركين فرماهم بها، فلما سمع منادى الرسول ﷺ ردها إلى المغنم. وعقب مناداة الرسول ﷺ بأن يرد كل من أخذ شيئًا من المغنم، جاء

стр. 2331

رجل إلى النبي ﷺ بكبة (١) شعر، فقال: يا رسول الله، أضرب بهذه، أي دعها لي. فقال رسول الله ﷺ أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لك. فردها الرجل في المغنم. وجاء رجل آخر بحبل فقال: يا رسول الله هذا الحبل وجدته حيث انهزم العدو فاشدد به على رحلى؟ قال: نصيبي منه لك، كيف تصنع بأنصباء المسلمين؟ . ووجد رسول الله ﷺ في برذعة (٢) رجل (حين نزل قبيلته) عقدًا من جزع غلولا، فأتاهم رسول الله ﷺ فكبر عليهم كما يكبر على الميت (٣). قسمة غنائم حنين بين الجيش وبعد أن استقر الرسول ﷺ في الجعرانة بالقرب من مكة (وحيث توجد الغنائم والسبى) أمر ﷺ أحد كبار الأنصار وهو زيد بن ثابت (٤) بإحصاء الغنائم ثم إعطاء كل جندى ما يستحق حسب تعاليم الشريعة في الغنائم. فقام زيد بإحصاء الغنم، ثم قسمها على الجند، فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الإبل أو أربعون شاة. هذا بالنسبة للمشاة، أما الفرسان فقد كان نصيب كل فارس من الغنيمة اثنتى عشرة من الإبل أو عشرون ومائة شاة، وتلك قوانين التوزيع على المحاربين في شرعة الإسلام، لأن للجندى غير الفارس سهم واحد. أما الفارس، فله ثلاثة أسهم، سهم له كجندى وسهمان لفرسه. والإِسلام بهذا يأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير بين المشاة والفرسان. فالفارس أكثر تأثيرًا على العدو في الحرب من الجندى غير الفارس. فراكب الفرس المقاتل يشبه من وجوه كثيرة كقائد الدبابة التي هي ملكه. وهو دونما شك أعظم نكاية في العدو من الراجل الذي لا يملك فرسًا. أما من كان معه أكثر من فرس واحد فلم يسهم له الرسول ﷺ في الغنيمة. أي أنه لم يسهم إلا للفرس الذي قاتل عليه (٥).

стр. 2332

الرسول يغدق العطايا على المؤلفة قلوبهم يقضى التشريع الإِسلامي والذي نزل به القرآن الكريم بشأن غنائم الحرب التي يغنمها جيش الإِسلام، بأن يعزل الخمس من الغنائم ليكون في متناول يد الرسول ﷺ وتحت تصرفه الخاص ليتصرف فيه وفق مصلحة الإِسلام التي هو أدرى الناس بها لأنه رسول الإسلام. وهذا التشريع صريح واضح في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١). وبإلقاء نظرة على ما غنمه جيشى الإِسلام المنتصر من أموال العدو في حنين، نجد أن من الغنائم أربعة وعشرين ألف بعير وحوالى أربعين ألف شاة كمية هائلة من الفضة. وعلى أساس أن خمس هذه الغنائم يكون تحت تصرف الرسول القائد ﷺ ، فإن خمس الأربعة والعشرين ألف بعير (أربعة آلاف وثمانمائة بعيرًا) وخمس من الغنم ثمانية آلاف شاة وهذه كميات كبيرة. بالإِضافة إلى خمس عشرات الآلاف من أواق الفضة التي عزلت ضمن خمس من الغنائم للرسول ﷺ . وقد تصرف الرسول ﷺ في خمس الغنائم في حدود مصلحة الإِسلام، فأنفق شيئًا عظيمًا من هذا الخمس لجذب قلوب زعماء العرب الحديثى العهد بالإِسلام، ليكون لهذا الدين بهم قوة، وليرسخ في قلوبهم. وهؤلاء الذين أعطاهم الرسول ﷺ من الخمس أكثرهم ممن أسلم بمكة قبل معركة حنين بحوالى نصف شهر. والبعض الآخر من غير أهل مكة. أسماء المؤلفة قلوبكم الذين أعطوا من الغنائم: وهذا جدول بأسماء المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم الرسول ﷺ من الغنيمة على قدر مراتبهم. ومقدار الكميات التي أعطيت لهم من الإبل والفضة. الاسم- عدد الإبل- الفضة عدد أوقية أبو سفيان بن حرب - ١٠٠ - ٤٠

стр. 2333

الاسم- عدد الإبل- الفضة عدد أوقية معاوية بن أبي سفيان ٤٠ - ١٠٠ يزيد بن أبي سفيان ١٠٠ - ٤٠ حكيم بن حزام ١٠٠ النضير بن الحارث بن كلدة (١) ١٠٠ أسيد بن حازلة الزهري (٢) ١٠٠ العلاء بن حارثة (٣) ٥٠ مخرمة بن نوفل (٤) ٥٠ الحارث بن هشام (٥) ١٠٠ سعيد بن يربوع (٦) ٥٠ صفوان بن أمية (٧) ١٠٠ قيس بن عدي (٨) ١٠٠ عثمان بن وهب (٩) ٥٠ سهيل بن عمرو (١٠) ١٠٠ حويطب بن عبد العزّى (١١) ١٠٠

стр. 2334

الاسم - الإبل - الفضة عدد أوقية هشام بن عمرو (١) ٥٠ الأقرع بن حابس التميمي (٢) ١٠٠ عيينة بن حصن الفزاري (٣) ١٠٠ مالك بن عوف النصرى ١٠٠ العباس بن مرداس (٤) ١٠٠ علقمة بن علاثة الثقفى (٥) ١٠٠ أول السائلين من الغنيمة أبو سفيان (٦): ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان بن حرب. كان أول من سأل رسول الله ﷺ منحه من الغنائم، فقد دخل على رسول الله ﷺ وبين يديه الفضة فقال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريشًا مالًا، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال أبو سفيان: أعطى من هذا المال يا رسول الله. قال: يا بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: ابنى يزيد أعطه، قال رسول الله ﷺ زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإِبل، قال أبو سفيان: ابنى معاوية يا رسول الله، قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمى، ولقد

стр. 2335

حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا، وأعطى في بني أسد (١). حكيم بن حزام الزاهد: وحدث الواقدي قال: قال الحكيم بن حزام: سألت رسول الله ﷺ بحنين مائة من الإبل، فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله ﷺ : يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا، فكان عمر بن الخطاب يدعو حكيم إلى عطائه فيأبى يأخذه فيقول عمر: أيها الناس، إني أشهدكم على حكيم أنى أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه. وحدث ابن أبي الزناد أن حكيم بن حزام لم يأخذ من الرسول ﷺ سوى المائة الأولى من الإِبل (٢). معاتبة العباس بن مرداس للرسول ﷺ - ويذكر أصحاب السير والمغازى أن الرسول ﷺ أعطى أولًا العباس بن مرداس السلمي (٣) (وهو سيد بني سليم) أربعًا من الإِبل فقط. فعاتب الرسول ﷺ في شعر قال فيه: كانت نهابا (٤) تلافيتُها ... بكِرَّى على القوم في الأجرعِ (٥) وحثِّي الجنودَ لكى يُدلجوا ... إذا هجع القومُ لم أهجعِ فأصبح نهبى ونهب العبيد (٦) ... بين عيينة والأقرع

стр. 2336

إلا أفائل (١) أعطيتُها ... عديدَ قائمها الأربعِ وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أعط شيئًا ولم أمنع وما كان حِصن (٢) ولا حابس ... يفوقنا مرداسَ في المجمعِ وما كنتُ دون امرئ منهما ... ومن تضع اليومَ لا يرفَعِ فلما بلغ الرسول ﷺ عتاب عباس بن مرداس الشعرى لم يغضب ولم يحاسبه على ما فاه به من عتاب. وكل ما فعله الرسول ﷺ أنه أمر بأن يعطى العباس بن مرداس مائة من الإِبل بدلًا مِن الأربع حيث قال ﷺ اقطعوا لسانه عنى. وقطع اللسان تعبير تعبّر به العرب عندما تريد إسكات إنسان بما يحرص على الحصول عليه بمثل الأسلوب الذي سلكه العباس بن مرداس وقد أعطوه مائة من الإِبل (٣). ما قاله بعض المنافقين أثناء تقسيم الغنائم وأثناء تقسيم غنائم حنين وإعطاء المؤلفة قلوبهم كميات خاصة من الإِبل تأليفًا لهم، تحركت أفاعى النفاق الكامنة في بعض نفوس العناصر الموجودة في الجيش النبوي. فقالوا في رسول الله ﷺ قولًا منكرًا حيث اتهموه بعدم العدل وعدم إرادة وجه الله فيما صنع. فتألم لما سمع ولكنه لم يتخذ أي إجراء تأديبى أساءوا إليه بأقاويلهم المنكرة تلك. فقد روى أهل الحديث في الصحاح أن رسول الله ﷺ لما قسم الغنائم في حنين قال رجل (هو في عداد الأنصار): ما أراد بها وجه الله فبلغ النبي ﷺ هذا القول فتغير وجهه ألمًا. ثم قال: رحمة الله على موسى لقد أوذى بأكثر من هذا.

стр. 2337

وفي رواية صحيحة أخرى عن أبي وائل: قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسًا، أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإِبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله. فلما بلغ الرسول ﷺ قول ذلك المنحرف. قال ﷺ : رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر (١). وفي روايات أخرى صحيحة، يدعم بعضها بعضًا أن رجلًا من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، وقف على النبي ﷺ وهو يعطى الناس (من الغنائم) فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم فقال رسول الله ﷺ : أجل فكيف رأيت؟ . قال لم أرك عدلت. قال: فغضب النبي ﷺ فقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ . فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال ﷺ : دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (٢)، ينظر في النصل (٣) فلا يوجد شيء، ثم في القدح (٤) فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم (٥). ومن طريق آخر عن جابر بن عبد الله. قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطى الناس، فقال (الرجل): يا محمد إِعدل، قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب: دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن تتحدث الناس أنى أقتل أصحابي، إنَّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وفي رواية أخرى في الصحيحين من حديث الزهري عن أبي سعيد عن أبي سلمة. قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا (أي بالجعرانة) إذ أتاه ذو الخويصرة، رجل من بني تميم. فقال: يا رسول الله إعدل، فقال رسول الله

стр. 2338

- ﷺ : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل. لقد خبتُ وخسرتُ، إذ لم أعدل فمن يعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إيذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم إلى رصافه (١) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصله (وهو قدحه) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه (٢) فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة، تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعته. قال ابن كثير: ورواه مسلم أيضًا من حديث القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد به نحوه (٣). عتاب الأنصار للرسول بشأن الغنائم كان الأنصار (الأوس والخزرج) منذ بيعة العقبة الكبرى وهي (حسب التعبير العصرى) المعاهدة العسكرية التي أبرمت بين الرسول ﷺ والأنصار. وتعهدوا فيها بحماية الرسول ﷺ كما يحمون نساءهم وأنفسهم وأطفالهم .. كان هؤلاء الأنصار (دائمًا وأبدًا) العمود الفقرى للجيش النبوي في أية معركة ضد أعداء الإِسلام، وكانوا هم الذين آووا الرسول ﷺ وتحملوا مسؤولية حمايته بعد أن هاجر إليهم، مع علمهم بأنهم بذلك يعادون الجزيرة العربية كلها التي كان سكانها يوم ذاك مشركين معادين للتوحيد. وعلى موقف الأنصار النبيل هذا إزاء رسول الله ﷺ ومن هاجر معه من

стр. 2339

أهل مكة، أثنى الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). فكان الأنصار (كما سمّاهم الله تعالى) أنصار رسوله الريئسيين في كل موقف، وكانوا لكثرة عددهم وشدة بأسهم في الحرب - مركز الثقل في أي جيش يقوده الرسول ﷺ .. ففي معركة بدر الكبرى التي دخل المسلمون بعدها التاريخ من أوسع أبوابه، كان جيش الإِسلام كله ثلاثمائة وثمانية عشر مقاتلًا، بينهم من الأنصار وحدهم، حوالي مائتين وثلاثين محاربًا. وفي جيش الفتح الذي فتح الله به مكة المكرمة والذي هو عشرة آلاف مقاتل والمكوَّن من أكثر من عشرين قبيلة. كانت قبيلة الأنصار وحدها تشكل نصف هذا الجيش (تقريبًا) حيث كان عددهم وحدهم فيه أربعة آلاف مقاتل. وفي معركة حنين الحاسمة وعندما انهزم الجيش في المرحلة الأولى من القتال. إنما ناشد الرسول ﷺ حينما ناشد المسلمين الرجوع إلى ساحة الشرف -أول ما ناشد الأنصار فعادوا إلى الميدان وصاروا القطب الذي دارت رحى هذه المعركة الفاصلة التي انتهت بنصر المسلمين الساحق على مشركى هوازن. الأنصار الكرام هؤلاء قد عبّروا عن استيائهم للعطايا الجزيلة التي أعطيت من غنائم حنين لبعض زعماء القبائل الحديثى العهد بالإِسلام والذين لم يمض على إسلام بعضهم (كأهل مكة) أكثر من شهر. والذين أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل وذلك من الرسول الهادي الذي لا مكان لحب الدنيا في قلبه- بدافع الحرص على تألف قلوبهم وجذبهم نحو الإِسلام كما بيَّن هذا الدافع فيما بعد للأنصار عندما قالوا ما قالوا حول هذا الموضوع. فقد ذكر المؤرخون وأصحاب الحديث كالبخارى ومسلم. أن الأنصار لما

стр. 2340

أجزل الرسول ﷺ العطاء من الغنائم لزعماء القبائل من الأعراب ومن أهل مكة. صدر عنهم ما يمكن تسميته عتابًا للرسول الأعظم ﷺ . ولما بلغ هذا العتاب إلى مسامع الرسول ﷺ تأثر له كثيرًا حتى بدا عليه الغضب واضحًا. وكان الرسول ﷺ يحب الأنصار كثيرًا. لذلك استدعى زعماءهم وأجرى بينه وبينهم حوارًا مفتوحًا صريحًا حول ما قالوه، وحول ما كان السبب في عتابهم للذي صنع الرسول ﷺ من إجزاله العطاء للمؤلفة قلوبهم. وقد شرح الرسول ﷺ لأحبابه الأنصار وجهة نظره والأسباب التي يجزل العطاء لهؤلاء المؤلفة قلوبهم من زعماء مكة وزعماء القبائل الأخرى. فاقتنع الأنصار في تأثر بلغ حد البكاء - بشرح وإيضاح الرسول ﷺ ، حتى أعلنوا رضاهم بما صنع. فقد ذكر رواة الحديث وأصحاب المغازي والسير تفاصيل قصة العتاب هذه، فذكروا أن الأنصار الذين لم تكن حصة جندى المشاة منهم من غنائم حنين أكثر من أربع من الإِبل، بينما حصل مثل عيينة بن حصن وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس، كل واحد منهم على مائة من الإِبل ولم تكن لهم أية سابقة في نصر الإِسلام. ذكر رواة الحديث وأصحاب السير أن مما قاله الأنصار في عتابهم للرسول ﷺ بهذا الصدد: (لقى رسول الله ﷺ قومه أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم (أي قسم الغنائم) .. فقومه وعشيرته .. وددنا أن نعلم ممن كان هذا .. إن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان هذا من رسول الله ﷺ استعتبناه (١). وقال آخرون من الأنصار حين طفق الرسول ﷺ يعطى رجالًا المائة من الإِبل: يغفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطى قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم (٢).

стр. 2341

وقال آخرون من الأنصار: والله إنَّ هذا لهو العجب إنَّ سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم (١) وفي رواية للإِمام البخاري: قال الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا (٢) سيد الخزرج يبلغ الرسول عتاب قومه الأنصار ودخل سعد بن عبادة (٣) سيد الخزرج على رسول الله ﷺ وأبلغه ما يجد الأنصار في نفوسهم بسبب ما أعطى من غنائم لسادات قريش وزعماء القبائل الأخرى. فقال سعد: إن هذا الحيّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذي أصبت. قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحى من الأنصار شيء، قال رسول الله ﷺ : فأين أنت من ذلك يا سعد، قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومى (٤). وفي بعض المصادر قال رسول الله ﷺ : فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ (٥). الرسول يناقش الأنصار حين عاتبوه بشأن الغنائم قال رواة الحديث وأصحاب السير أن الرسول ﷺ لما بلغه مقالات الأنصار التي تتضمن عتابهم له حين أجزل العطاء من الخمس لبعض سادات العرب، غضب حتى انعكس فعل الغضب على وجهه الشريف. قالوا: وأمر سيد الخزرج سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار ليتحدث إليهم ويشرح لهم الأسباب التي دعته إلى أن يصنع ما صنع من الذي أغضبهم فقالوا ما قالوا .. وأمر الرسول ﷺ سعد بن عبادة بأن لا يحضر هذا الاجتماع أحد من غير الأنصار. وصدع سعد بن عبادة بالأمر فجمع الأنصار (أي ساداتهم) في خيمة

стр. 2342

كبيرة. وأبلغ سعد رسول الله ﷺ باجتماع الأنصار. فحضر إليهم. وجاء رجال من المهاجرين فردّهم لأنه يريد الاجتماع خاصة بالأنصار. وقد دخل رسول الله ﷺ على الأنصار المجتمعين والغضب يعرف في وجهه، ثم ألقى فيهم كلمة قال فيها (بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله): يا معشر الأنصار مقالة بلغتنى عنكم وجَدَة (١) وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة (٢) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل، قال: ألا تجيبونى يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولرسول الله المَنُّ والفضل؟ . قال: والله لو شئتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذَّبًا فصدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك (٣)، وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار لشئ، وفي بعض الروايات (لعاهة) (٤) من الدنيا تألفت به قومًا أسلموا، وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله ﷺ ، إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. الأنصار شعار والناس دثار (٥). وفي رواية في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال للأنصار: (إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ قالوا بلى. قال: لو سلك الناس واديًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت وادي

стр. 2343

الأنصار أو شعب الأنصار (١). وفي بعض المصادر أن الرسول ﷺ بعد أن أجرى الحوار هذا مع أنصاره وشرح لهم وجهة نظره والسبب الذي جعله يخص بعض القرشيين بالعطاء الجزيل من خمس الغنائم - قال لهم: (أكتب لكم بالبحرين كتابًا من بعدى تكون لكم خاصة دون الناس، فهو يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأنصار، قالوا: وما حاجتنا بالدنيا بعدك يا رسول الله؟ قال: أما (لا) فسترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى اخضلَّت لحاهم، وقالوا: رضينا يا رسول الله حظًا وقسمًا. وانصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا (٢). وذكر أصحاب الحديث والمغازى أن الرسول ﷺ لما أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. كل واحد مائة من الإِبل، قال له سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى (٣) فقال: والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض (٤) كلها مثل عيينة والأقرع، ولكنى تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه (٥). وروى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قومًا

стр. 2344

ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: إني أعطى قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم، عمرو بن تغلب (١) قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم. أخت الرسول التي كانت بين السبايا قضت ظروف الهزيمة التي نزلت بهوازن في حنين والتي حملت معها كل أموالها ونسائها وأطفالها إلى حيث المعركة .. قضت ظروف الهزيمة (وكما هي شرعة الحرب في الإِسلام وفي كل الأعراف والقوانين السائدة في العالم آن ذاك (٢)) أن يقع كل نساء وأطفال هوازن في الأسر وأن يعتبروا جزءًا من الغنيمة التي تقسم بين المحاربين المنتصرين. وكان من البديهى أن يقع كل نساء سعد بن بكر بن هوازن (أخوال الرسول ﷺ من الرضاعة) ضمن السبايا في أيدى المسلمين. وكان من ضمن أولئك السبايا، الشيماء بنت الحارث (٣) التي أمها حليمة بنت أبي دوئب السعدية أم الرسول ﷺ من الرضاعة. وكانت الشيماء تحمل الرسول ﷺ مع أمها حليمة وتقوم عليه وترعاه عندما كان طفلًا رضيعًا في بني سعد بديار هوازن .. الشيماء هذه التي هي أخت الرسول ﷺ ومن الرضاعة وقعت سبيّة في أيدى الجيش الإِسلامي يوم حنين ضمن سبى هوازن.

стр. 2345

وكان بعض الذين سبوها من المسلمين قد عنّفوا عليها في السياق. فكانت تقول لهم: إني والله أخت صاحبكم، ولا يصدقونها، وكان الذين أخذوها طائفة من الأنصار وكانوا أشد الناس على هوازن، فلما أتوا بها الرسول ﷺ قالت: إني أختك من الرضاعة. قال: وعلامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا حاملتك على وركى بوادى السر ونحن يومئذ برعائهم، أبوك أبي وأمك أمى، قد نازعتك الثدى، وتذكر يا رسول الله. فعرف رسول الله العلامة فوثب قائمًا، ثم بسط لها رداءه وقال لها: اجلسى عليه، ورحب بها ودمعت عيناه وسألها عن أمه وأبيه من الرضاعة فأخبرته موتهما في الزمان، فخيّرها رسول الله ﷺ بين أن تقيم عنده وبين أن تعود إلى قومها قائلًا: إن أحببتِ فأقيمى عندنا محبَّبة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وَصلتَك رَجعت إلى قومك. قالت: أرجع إلى قومى، ثم أسلمت فأكرمها رسول الله ﷺ فأعطاها نعمًا وشاء، ومما أعطاها عبد وجارية زوّجت أحدهما الآخر. وجاء في بعض المصادر أن الرسول ﷺ لما بسط رداءه لأخته الشيماء قال لها: سلى تعطى. واشفعى تشفعى. وقالوا: إن الشيماء شفعت عند رسول الله ﷺ في رجل من قومها بني سعد اسمه بجاد. هذا الرجل قد استحق عقوبة الإِعدام، لأنه قتل رجل من المسلمين ومثل به، حيث حرّقه بالنار بعد أن قتله. فأمر الرسول ﷺ خيله بطلبه، وقال: إن قدرتم على بجاد فلا يفلتن منكم. قال الواقدي: وكان بجاد من بني سعد وكان قد أتاه رجل من المسلمين فأخذه بجاد فقطّعه عضوًا عضوًا، ثم حرقه بالنار، فكان قد هرب، فأخذته الخيل فضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث، وقال عبد الصمد: لما رجعت الشيماء إلى منزلها بالجعرانة بعد أن عرفها رسول الله ﷺ أكرمها كلمها النسوة من هوازن في بجاد، فرجعت إلى أخيها الرسول ﷺ وطلبت منه أن يهب لها بجادًا ويعفو عنه ففعل (١).

стр. 2346

الرسول ﷺ يحرر سبايا هوازن قلنا كان رسول الله ﷺ عقب عودته من حصار الطائف انتظر حوالي شهر في الجعرانة، لم يقسم السبايا من هوازن على الجيش الإِسلامي، على أمل أن يتقدم وجوه هوازن وزعماؤها بطلب يلتمسون فيه تحرير نسائهم وأطفالهم، ولكن هوازن توانت في التقدم بمثل هذا الطلب إلى الرسول القائد ﷺ وألح عامة الجيش الإِسلامي المنتصر على رسول الله ﷺ طالبين منه تقسيم الغنائم بما في ذلك السبى فقسم الرسول ﷺ على الجند لأن ذلك حق من حقوقهم كما تقضى بذلك قوانين الحرب في الإِسلام. فنساء العدو المحارب وأبناؤه. وأمواله يكونون ملكًا للجيش المنتصر، ومن السبى يتكوّن الرقيق. وقد ذكرنا في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) بالتفصيل موقف الإسلام من الرق، وأن هذا الدين قد جاء لتحرير البشرية فردم جميع منابع الرق المتعارف عليها في العالم آن ذاك، ولم يبق إلا على الرق الحربى كعملية عسكرية مقابلة. ومع ذلك فقد رغب الإِسلام ترغيبًا كبيرًا في تحرير هذا النوع من الرقيق الذي أقره (١)، وكان الرسول ﷺ يحرص دائمًا على تحرير الرقيق بدليل أنه (كما سيأتي في هذا البحث) حرر ستة آلاف من سبى هوازن بعد أن شفع لأهاليهم عند جند الجيش الإسلامي. وفد هوازن بين يدي الرسول ﷺ - وكا كان الرسول ﷺ يتوقع، فقد بعثت هوازن بوفد من كبار زعمائها لمقابلة الرسول ﷺ ليقدم التماسا إلى الرسول ﷺ يطلب فيه المنّ على السبى وتحريرهم. ولكن وفد هوازن جاء بعد أن جرت قسمة السبى بين عامة الجيش، فكانت إعادتهم إلى أهاليهم وتحريرهم فيها شيء من الصعوبة والتعقيد. ولكن الرسول ﷺ تغلب على هذه الصعوبة واتخذ الإجراءات الكفيلة بإعادة السبى إلى ذويه من هوازن.

стр. 2347

كان وفد هوازن إلى الرسول ﷺ مكوّنًا من أربعة عشر رجلًا. وكان رئيسهم، أبو صرد زهير بن صرد (١) وكان في الوفد عم الرسول ﷺ وكان أحد المتكلمين. وكان وفد هوازن قد جاء مسلمًا كما جاء بإسلام من وراءه من هوازن. استقبل الرسول ﷺ في الوفد أكرمهم وأحسن استقبالهم، ثم تكلم رجال الوفد في المهمة التي من أجلها جاءوا، فأخبرهم الرسول ﷺ أنه قد تأنى في قسمة السبى وانتظرهم كثيرًا حتى ظن أنهم لن يأتوا، فأجرى السهمين على السبى وجرت قسمته بين عامة الجيش، غير أنه ﷺ وعدهم بأنه سيسعى لتحرير السبى رغم أنه قد توزع وقسم على الجند كجزء من الغنائم. وفعلًا بذل الرسول ﷺ مساعيه لدى عامة الجيش كي يحرر كل منهم ما في يده من سبى هوازن، ومن تمسك بحقه في السبى دفع له الرسول ﷺ تعويضًا من بيت مال المسلمين حتى حرر جميع سبى هوازن وعددهم ستة آلاف رأس. قال الواقدي: فقدم وفد هوازن، وكان في الوفد عمّ الرسول ﷺ من الرضاعة، قال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضنك وقد حضنَّاك في حجورنا، وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضَعًا فما رأيت مرضَعًا خيرًا منك، ثم رأيتك شابًّا فما رأيت شابًّا خيرًا منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك. فقال رسول الله ﷺ : قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قُسم السبى وجرت فيهم السهمان. ويؤكد الواقدي إسلام الوفد وإسلام من خلفهم من هوازن وإنهم جاءوا بإسلام الجميع فيقول: وقدم على رسول الله ﷺ أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم، فكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله، إنا أهلك وعشيرتك، وقد

стр. 2348

أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك. يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو ملحنا (١) للحارث بن أبي شمر وللنعمان بن المنذر، ثم نزلا منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفهما وعائدتهما (٢)، وأنت خير المكفولين. ويقال إنه قال يومئذ أبو صرد-: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعمّاتك وبنات عمّاتك وخالاتك وبنات خالاتك، وأبعدهنّ قريب منك يا رسول الله، بأبي أنت وأمى، إنهن حضنّك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن وأنت خير المكفولين ثم أنشد: أمنن علينا رسولَ الله في كرم ... فإنك المَرءُ نرجوه وندَّخِرُ أمنن على نسوة قد عاقها قَدَر ... مُمزّق شملها في دهرها غيَرُ أمنن على نسوة قد كنت ترضَعُها ... إذ فوك مملوءة من محضها الدرر (٣) اللائى إذا كنت طفلًا كنت ترضَعُها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذرُ ألا تداكها نعماه تنشرها ... يا أرجح الناس حتى حين يختبرُ لا تجعلنا كمن شامت نعامته (٤) ... واستبق منّا فإنّا معشرَ زهرُ إنا لنشكر آلاء وإن قدمت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخرُ قالوا: وبعد أن تكلم رجال وفد هوازن في أسراهم وطالبوا بتحريرهم والمن عليهم تكلم الرسول الأعظم ﷺ فقال: إن أحسن الحديث أصدقه وعندى من ترون من المسلمين، فأبناءكم ونساؤكم أحب إليكم من أموالكم (٥) قالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، وما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فرّد إلينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبي ﷺ : أما ما لي ولبني عبد

стр. 2349

المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، وإذا صليت الظهر بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين. وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر بالناس قام الهوازنيون فتكلموا بالذي أمرهم به، فقالوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فقال رسول الله أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعباس بن مرداس والسلمى عن التصدق بتحرير ما في أيديهم من سبايا. فقد قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وفزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. إلا أن بني سليم خالفوا سيدهم عباس بن مرداس، وقالوا: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال عباس: وهنتمونى (أي أضعفتمونى). وبعد الأخذ والرد وقف الرسول ﷺ خطيبًا وأعلن أن جميع السبى من هوازن سيحرر وأن كلًّا من هذا السبى سيعود إلى أهله، وأعلن النبي ﷺ أن من لم تطب نفسه بالتصدق بالعتق، فإن بيت مال المسلمين سيدفع له التعويض اللازم عما في يده من سبى لا يرغب في التصدق بعتقه. فقد قال الرسول ﷺ لقادة الجيش وزعماء القبائل المشتركين في معركة حنين: إن هؤلاء القوم (يعني هوازن) جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم فخيَّرتهم بين النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه فليرسل (أي يطلق) ومن أبي منكم تمسك بحقه فليرد عليهم، وليكن فرضًا علينا ست فرائض (أي ست من الإبل) من أول ما يفئ الله به علينا. وقد حدد الرسول ﷺ نوع التعويض للمتمسكين بحقهم في السبى فجعل

стр. 2350

فداء الفرد من السبى (من بيت المال) ثلاث حقاق (١) وثلاث جذاع (٢). وقد قبل الممتنعون بالتعويض الذي حدده الرسول ﷺ . أما الأغلبية الساحقة من الجيش الإسلامي المنتصر في حنين وهم المهاجرون والأنصار وبنو سليم فقد تصدقوا بعتق ما في أيديهم من سبى. أما المتمسكون بحقهم في السبى (وهم أقلية قليلة من الأعراب) فقد قبلوا بالتعويض الذي حدده الرسول ﷺ : وقالوا رضينا وسلمنا. فقال لهم رسول الله ﷺ : فمروا عرفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نعلم ففعلوا. وهكذا حرر الرسول ﷺ ستة آلاف من سبى هوازن في حنين فأعتقهم جميعًا ومنع أن يجرى عليهم الرق. وبهذه المناسبة روي أن معاذ بن جبل كان يقول: قال رسول الله ﷺ يومئذ: لو كان ثابتًا على أحد من العرب ولاء أو رق لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار وفدية. ثم إن الرسول ﷺ لكى يستوثق أكثر من المهاجرين والأنصار (وهم الأغلبية الساحقة بين الجند الذين شاركوا في تحقيق النصر يوم حنين) بعث مندوبَين ليطوفا عليهم فيستوثق بأنهم راضون بعتق ما في أيديهم من سبايا هوازن. فإلى المهاجرين بعث عمر بن الخطاب، وإلى الأنصار بعث زيد بن ثابت، فكان زيد بن ثابت يطوف على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبّروه أنهم سلموا ورضوا. ولم يتخلف رجل واحد، وبعث عمر بن الخطاب إلى المهاجرين يسألهم عن ذلك، فلم يتخلف رجل واحد، وكان أبو رهم الغفاري يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء، واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله ﷺ فاتفقوا على قول واحد، تسليمهم ورضاهم ودفع ما كان في أيديهم من السبى (٣).
следующие страницы →