← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الرسول ﷺ يحرر سبايا هوازن قلنا كان رسول الله ﷺ عقب عودته من حصار الطائف انتظر حوالي شهر في الجعرانة، لم يقسم السبايا من هوازن على الجيش الإِسلامي، على أمل أن يتقدم وجوه هوازن وزعماؤها بطلب يلتمسون فيه تحرير نسائهم وأطفالهم، ولكن هوازن توانت في التقدم بمثل هذا الطلب إلى الرسول القائد ﷺ وألح عامة الجيش الإِسلامي المنتصر على رسول الله ﷺ طالبين منه تقسيم الغنائم بما في ذلك السبى فقسم الرسول ﷺ على الجند لأن ذلك حق من حقوقهم كما تقضى بذلك قوانين الحرب في الإِسلام. فنساء العدو المحارب وأبناؤه. وأمواله يكونون ملكًا للجيش المنتصر، ومن السبى يتكوّن الرقيق. وقد ذكرنا في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) بالتفصيل موقف الإسلام من الرق، وأن هذا الدين قد جاء لتحرير البشرية فردم جميع منابع الرق المتعارف عليها في العالم آن ذاك، ولم يبق إلا على الرق الحربى كعملية عسكرية مقابلة. ومع ذلك فقد رغب الإِسلام ترغيبًا كبيرًا في تحرير هذا النوع من الرقيق الذي أقره (١)، وكان الرسول ﷺ يحرص دائمًا على تحرير الرقيق بدليل أنه (كما سيأتي في هذا البحث) حرر ستة آلاف من سبى هوازن بعد أن شفع لأهاليهم عند جند الجيش الإسلامي. وفد هوازن بين يدي الرسول ﷺ - وكا كان الرسول ﷺ يتوقع، فقد بعثت هوازن بوفد من كبار زعمائها لمقابلة الرسول ﷺ ليقدم التماسا إلى الرسول ﷺ يطلب فيه المنّ على السبى وتحريرهم. ولكن وفد هوازن جاء بعد أن جرت قسمة السبى بين عامة الجيش، فكانت إعادتهم إلى أهاليهم وتحريرهم فيها شيء من الصعوبة والتعقيد. ولكن الرسول ﷺ تغلب على هذه الصعوبة واتخذ الإجراءات الكفيلة بإعادة السبى إلى ذويه من هوازن.

стр. 2347

كان وفد هوازن إلى الرسول ﷺ مكوّنًا من أربعة عشر رجلًا. وكان رئيسهم، أبو صرد زهير بن صرد (١) وكان في الوفد عم الرسول ﷺ وكان أحد المتكلمين. وكان وفد هوازن قد جاء مسلمًا كما جاء بإسلام من وراءه من هوازن. استقبل الرسول ﷺ في الوفد أكرمهم وأحسن استقبالهم، ثم تكلم رجال الوفد في المهمة التي من أجلها جاءوا، فأخبرهم الرسول ﷺ أنه قد تأنى في قسمة السبى وانتظرهم كثيرًا حتى ظن أنهم لن يأتوا، فأجرى السهمين على السبى وجرت قسمته بين عامة الجيش، غير أنه ﷺ وعدهم بأنه سيسعى لتحرير السبى رغم أنه قد توزع وقسم على الجند كجزء من الغنائم. وفعلًا بذل الرسول ﷺ مساعيه لدى عامة الجيش كي يحرر كل منهم ما في يده من سبى هوازن، ومن تمسك بحقه في السبى دفع له الرسول ﷺ تعويضًا من بيت مال المسلمين حتى حرر جميع سبى هوازن وعددهم ستة آلاف رأس. قال الواقدي: فقدم وفد هوازن، وكان في الوفد عمّ الرسول ﷺ من الرضاعة، قال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضنك وقد حضنَّاك في حجورنا، وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضَعًا فما رأيت مرضَعًا خيرًا منك، ثم رأيتك شابًّا فما رأيت شابًّا خيرًا منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك. فقال رسول الله ﷺ : قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قُسم السبى وجرت فيهم السهمان. ويؤكد الواقدي إسلام الوفد وإسلام من خلفهم من هوازن وإنهم جاءوا بإسلام الجميع فيقول: وقدم على رسول الله ﷺ أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم، فكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله، إنا أهلك وعشيرتك، وقد

стр. 2348

أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك. يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو ملحنا (١) للحارث بن أبي شمر وللنعمان بن المنذر، ثم نزلا منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفهما وعائدتهما (٢)، وأنت خير المكفولين. ويقال إنه قال يومئذ أبو صرد-: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعمّاتك وبنات عمّاتك وخالاتك وبنات خالاتك، وأبعدهنّ قريب منك يا رسول الله، بأبي أنت وأمى، إنهن حضنّك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن وأنت خير المكفولين ثم أنشد: أمنن علينا رسولَ الله في كرم ... فإنك المَرءُ نرجوه وندَّخِرُ أمنن على نسوة قد عاقها قَدَر ... مُمزّق شملها في دهرها غيَرُ أمنن على نسوة قد كنت ترضَعُها ... إذ فوك مملوءة من محضها الدرر (٣) اللائى إذا كنت طفلًا كنت ترضَعُها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذرُ ألا تداكها نعماه تنشرها ... يا أرجح الناس حتى حين يختبرُ لا تجعلنا كمن شامت نعامته (٤) ... واستبق منّا فإنّا معشرَ زهرُ إنا لنشكر آلاء وإن قدمت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخرُ قالوا: وبعد أن تكلم رجال وفد هوازن في أسراهم وطالبوا بتحريرهم والمن عليهم تكلم الرسول الأعظم ﷺ فقال: إن أحسن الحديث أصدقه وعندى من ترون من المسلمين، فأبناءكم ونساؤكم أحب إليكم من أموالكم (٥) قالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، وما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فرّد إلينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبي ﷺ : أما ما لي ولبني عبد

стр. 2349

المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، وإذا صليت الظهر بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين. وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر بالناس قام الهوازنيون فتكلموا بالذي أمرهم به، فقالوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فقال رسول الله أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعباس بن مرداس والسلمى عن التصدق بتحرير ما في أيديهم من سبايا. فقد قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وفزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. إلا أن بني سليم خالفوا سيدهم عباس بن مرداس، وقالوا: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال عباس: وهنتمونى (أي أضعفتمونى). وبعد الأخذ والرد وقف الرسول ﷺ خطيبًا وأعلن أن جميع السبى من هوازن سيحرر وأن كلًّا من هذا السبى سيعود إلى أهله، وأعلن النبي ﷺ أن من لم تطب نفسه بالتصدق بالعتق، فإن بيت مال المسلمين سيدفع له التعويض اللازم عما في يده من سبى لا يرغب في التصدق بعتقه. فقد قال الرسول ﷺ لقادة الجيش وزعماء القبائل المشتركين في معركة حنين: إن هؤلاء القوم (يعني هوازن) جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم فخيَّرتهم بين النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه فليرسل (أي يطلق) ومن أبي منكم تمسك بحقه فليرد عليهم، وليكن فرضًا علينا ست فرائض (أي ست من الإبل) من أول ما يفئ الله به علينا. وقد حدد الرسول ﷺ نوع التعويض للمتمسكين بحقهم في السبى فجعل

стр. 2350

فداء الفرد من السبى (من بيت المال) ثلاث حقاق (١) وثلاث جذاع (٢). وقد قبل الممتنعون بالتعويض الذي حدده الرسول ﷺ . أما الأغلبية الساحقة من الجيش الإسلامي المنتصر في حنين وهم المهاجرون والأنصار وبنو سليم فقد تصدقوا بعتق ما في أيديهم من سبى. أما المتمسكون بحقهم في السبى (وهم أقلية قليلة من الأعراب) فقد قبلوا بالتعويض الذي حدده الرسول ﷺ : وقالوا رضينا وسلمنا. فقال لهم رسول الله ﷺ : فمروا عرفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نعلم ففعلوا. وهكذا حرر الرسول ﷺ ستة آلاف من سبى هوازن في حنين فأعتقهم جميعًا ومنع أن يجرى عليهم الرق. وبهذه المناسبة روي أن معاذ بن جبل كان يقول: قال رسول الله ﷺ يومئذ: لو كان ثابتًا على أحد من العرب ولاء أو رق لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار وفدية. ثم إن الرسول ﷺ لكى يستوثق أكثر من المهاجرين والأنصار (وهم الأغلبية الساحقة بين الجند الذين شاركوا في تحقيق النصر يوم حنين) بعث مندوبَين ليطوفا عليهم فيستوثق بأنهم راضون بعتق ما في أيديهم من سبايا هوازن. فإلى المهاجرين بعث عمر بن الخطاب، وإلى الأنصار بعث زيد بن ثابت، فكان زيد بن ثابت يطوف على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبّروه أنهم سلموا ورضوا. ولم يتخلف رجل واحد، وبعث عمر بن الخطاب إلى المهاجرين يسألهم عن ذلك، فلم يتخلف رجل واحد، وكان أبو رهم الغفاري يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء، واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله ﷺ فاتفقوا على قول واحد، تسليمهم ورضاهم ودفع ما كان في أيديهم من السبى (٣).

стр. 2351

إسلام ملك هوازن وقائدها مالك بن عوف (١): كان مالك بن عوف قائد هوازن وملكها قد قاتل قتالًا مريرًا يوم حنين هو وقبيلته بنو نصر حتى استحر القتل بينهم وكادوا أن يفنوا. غير أن القائد مالكًا لما رأى أن هوازن قد خسرت المعركة، وأنَّ الاستمرار في مقاتلة المسلمين لم يعد نافعًا ولا مجديًا لهوازن قرر الانسحاب مع هيئة أركان حربه من مكان المعركة لينجو بن سيوف المسلمين. فانسحب إلى بلاده عن طريق نخلة (وهو المسمى اليوم باليمانية)، ثم استمر في الهرب حتى وصل وادي ليَّة بالقرب من الطائف، وهناك تحصن في حصن له. ثم تَرَك وادي ليَّة والتحق بالطائف حيث تحصن مع ثقيف في حصنها. وكانت ثقيف من أهم بطون هوازن. وكان رسول الله ﷺ وهو في طريقه لمحاصرة الطائف - قد هدم حصن مالك بن عوف وحرّقه بالنار عندما مرّ ﷺ بهذا الوادي. النبي يعلن العفو عن مالك بن عوف ويذكر أصحاب المغازي والسير أن الرسول ﷺ بعد أن فرغ من تقسيم الغنائم في الجعران وأعاد السبى إلى هوازن سأل وفدهم عن ملكهم وقائدهم

стр. 2352

مالك بن عوف النصرى. قالوا: يا رسول الله، هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف قال رسول الله ﷺ : أخبروه أنه إن كان يأتي مسلمًا رددت عليه أهله وماله، وأعطته مائة من الإِبل. وكان النبي ﷺ قد أمر بالحجز التحفظى على أموال مالك بن عوف وأهله، وأن لا تجرى عليهم قسمة الغنائم كغيرهم. فحفظت أموال القائد مالك بن عوف وأهله بمكة عند عمتهم، أم عبد الله بنت أبي أمية. فلما أمر الرسول ﷺ بالحجز التحفظى على أموال القائد مالك وأهله. قال وفد من هوازن: يا رسول الله أولئك سادتنا وأحبتنا الينا. فقال الرسول ﷺ : إنما أريد بهم الخير. فلما بلغ ملك هوازن وقائدها ما قاله النبي ﷺ بشأنه، وما وعده به من خير إن هو دخل في الإسلام، وأن أهله وماله موقوف لم يجر عليه سهم القسمة، قرر أن يلتحق بالرسول ﷺ ويعلن إسلامه، ولكنه خاف أن تعلم ثقيف أن الرسول ﷺ قال ما قال بشأن مالك وماله وأهله فيحبسونه منعًا له من اللحاق بالنبي ﷺ . لذلك تكتم على الخبر وقرر أن يغادر الطائف سرًّا، فطلب ممن يثق به أن يهيئ له راحلة فيضعها له جاهزة في مكان يقال له: دحنا (١) ثم أمر بفرسه فجاءه به أحد أتباعه ليلًا فخرج من حصن الطائف (خلسة) ثم امتطى صهوة جواده، فركضه حتى أتى دحنا، ومن هناك كب على بعيره فلحق برسول الله ﷺ ، فلما جاء، رد عليه النبي ﷺ أهله وماله، ثم أعطاه مائة من الإِبل. وهنا أسلم مالك فحسن. إسلامه (٢). قائد المشركين يتحول إلى قائد المسلمين . وبعد أن أسلم القائد مالك بن النصرى الذي قاد معركة حنين الفاصلة ضد الجيش النبوي، وبعد أن اطمأن الرسول ﷺ إلى إسلامه، ولّاه الرسول ﷺ على من أسلم من قومه من هوازن وفهم، وجعله قائدًا عسكريًا يجاهد

стр. 2353

بهم المشركين في سبيل الله. وقد انضم إلى القائد مالك (وكان زعيمًا شجاعًا مشهورًا) انضم إليه كل الذين دانوا بالإسلام في المناطق القريبة من الطائف، فعقد له الرسول ﷺ عليهم لواءًا، فكوّن مالك من هؤلاء المسلمين جيشًا صار يغير بهم على من كان على الشرك. وهكذا وبعد أن كان هذا الشاب الشجاع مصدر قلق وإزعاج للإسلام والمسلمين حين جيش الجيوش لمحاربة المسلمين وهزمهم في حنين (أول الأمر). تحول إلى عامل توطيد لدعائم الإِسلام، ومصدر إزعاج لمن بقى على الشرك من قبائل تلك النواحى التي يجاورها. فبعد أن جعله الرسول ﷺ أمرًا وقائدًا على المسلمين من قومه وسكان النواحى المجاورة صار يشن بهم الغارات، على أهل الشرك وخاصة قومه ثقيف الذين هم أقوى قوة بقيت من هوازن بعد الهزيمة في حنين تناوئ الإِسلام. كيف يصنع الإِسلام إذا لامس القلب وهكذا هو الإِسلام إذا لامس قلب الإنسان وخالطه، أزال من الإِنسان كل عوامل الشر، وغرس مكانها عناصر الخير. فهذا مالك بن عوف النصرى، عندما كان على شركه - غاية في العناد والمكابرة والمضى في مضمار الشيطان. فقد رأينا كيف جمع مالك عشرين ألف مقائل من هوازن وأحلام تدمير الإسلام والاستيلاء على مكة تداعب خياله، فخرج بهذه القوات غازيًا، ومصممًا على إخراج المسلمين من مكة انتصارًا للشرك والوثنية، ورأينا كيف بذل مالك جهده لإنزال الهزيمة المدمرة بالمسلمين، كيف أنه (عنادًا منه) عندما عارض بعض عقلاء قومه حمله النساء والذرية والأموال مع الجيش فعارضوا بعض مخططاته للمعركة، هددهم بأنه سينتحر إذا لم يوافقوه على الخطة التي رسمها لمحاربة المسلمين، ورأينا كيف كان جهده وصبره في القتال لتوطيد دعائم الشرك في حنين. ولكن ها هو اليوم مالك بنفسه -وبعد أن جعل الإسلام منه إنسانًا آخر، إنسانًا أدّبه القرآن وهذّب طباعه النافرة بالإسلام- ها هو يتحول إلى

стр. 2354

سيف باتر سله الله على المشركين، فصار يشن عليهم الغارات صادقًا مخلصًا للإسلام، حتى دوخهم، وخاصة قومه ثقيف، فصار جهاده من أكبر العوامل التي مهدت الطريق لسلطان الإسلام كى يبسط ظله على ثقيف التي ظلت حتى السنة التاسعة للهجرة مستعصية تقاوم الدعوة الإسلامية وتحاربها بكل شراسة وعناد. قال الواقدي: واستعمل رسول الله ﷺ مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن تلك القبائل حول الطائف من هوازن. وفهم، فكان قد ضوى إليه قوم مسلمون، وعقد له لواء، فكان يقاتل بهم، ولا يخرج لثقيف سرح (١) إلا أغار عليه، وقد رجع حين رجع وقد سرح الناس مواشيهم، وأمنوا فيما يرون حيث انصرف عنهم رسول الله ﷺ ، فكان لا يقدر على سرح إّلا أخذه، ولا على رجل إلا قتله، فكان قد بعث إلى النبي ﷺ بالخمس مما يغير به، مرة مائة بعير ومرة ألف شاة، ولقد أغار على سرح لأهل الطائف فاستاق ألف شاة في غداة واحدة. فقال أبو محجن بن حبيب. تهاب الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمه وأتانا مالك بهمو ... ناقضًا للعهد والحُرُمَه وأتونا في منازلنا ... ولقد كانوا أولى نقمه وقال مالك بن عوف شعرًا يمتدح الرسول ﷺ وهو: ما إن رأيت ولا سمعتُ بمثله ... في الناس كلّهمو بمثل محمدِ أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يُخْبِرْك عمَّا في غد وإذا الكتيبة عرَّدت أنيابها ... بالمشرفيِّ (٢) وضرب كل مهندِ (٣)

стр. 2355

فكأنه ليثُ على أشباله ... وسط الهباء (١) خادِرُ (٢) في مرصد (٣) إسلام صفوان بن أمية (٤) كان صفوان بن أمية الجمحى سيدًا من سادات قريش وذوى العقول الراجحة، وكان من زعماء قريش الذين أولاهم النبي ﷺ اهتمامًا خاصًّا وقال: إنه يربأ بهم عن أن يظلوا على الشرك. وعندما حرر الجيش النبوي مكة أعطى الرسول ﷺ الأمان، ثم منحه مهلة أربعة أشهر ليقرر بمحض إرادته ما إذا كان يريد الدخول في الإِسلام. وقد خرج صفوان (وهو مشرك ضمن الجيش النبوي إلى حنين، ورغم بقائه على شركه فقد كان مواليًا للجيش النبوي يتمنى له النصر على مشركى هوازن، بدليل أنه لما بشره بعض المنحرفين القرشيين بانهزام المسلمين، انتهره صفوان وزجره وقال له: اسكت فض الله فاك، لأن يربنى (أي يكون ملكًا عليَّ) رجل من قريش أحب إلى من أن يربّنى رجل من هوازن (٥). وظل صفوان (على شركه) ضمن الجيش النبوي، لم يأت أيَّ عمل مشين ضد المسلمين، بل كان كثيرًا (بعد النصر) ما يتجول مع الرسول ﷺ لتفقد الغنائم وأحوال السبى، وقد أعطاه النبي ﷺ وهو على شركه- من الخمس مائة من الإِبل. وذكر بعض المؤرخين أن النبي ﷺ بينما كان يطوف على الغنائم بالجعرانة، ومعه صفوان بن أمية، إذ مر بشعب مما أفاء الله على المسلمين، فيه غنم وإبل ورغاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال له رسول الله ﷺ أعجبك أبا وهب؟ قال: نعم. قال: هو لك وما فيه، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط إلَّا نبيّ، وأشهد أنك رسول الله، وأسلم

стр. 2356

وحسن إسلامه (١). وعن صفوان نفسه قال: ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق حتى ما خلق الله شيئًا أحب إليَّ منه (٢). عودة الرسول ﷺ إلى المدينة . وبعد أن انتهى الرسول من توزيع الغنائم على الجيش المنتصر، فأعطى كل ذي حق حقه، بموجب قانون تقسيم الغنائم الذي نزل به القرآن، وأعطى المؤلفة قلوبهم من الخمس مئات من الإِبل. وبعد أن أقام بالجعرانة (وهي من الضواحى القريبة من مكة) ثلاثة عشر ليلة، من الخامس ذي القعدة حتى الثامن عشر منه سنة ثمان للهجرة، قرر العودة بأصحابه إلى المدينة. ولكنه قبل أن ينصرف إلى المدينة دخل مكة المكرمة وأدى وأصحابه نسك العمرة حيث أحرم بالعمرة من الجعرانة التي تقع خارج حدود الحرم. وبعد أن أكمل وأصحابه مناسك العمرة، تفقد أحوال العاصمة المقدسة ومسقط رأسه، وأقام فيها السلطات المدنية حيث عين عليها حاكمًا يدير شئونها، وهو عتاب بن أسيد. كما أسند إلى فئة الفقهاء والقراء من خيرة أصحابه مهمة تعليم أهل مكة الحديثي العهد بالإسلام -أمور دينهم، فيفقهونهم في الدين، ويقرؤونهم القرآن، ليعرفوا الدين الجديد الذي دخلوا فيه حديثًا- على حقيقته. ورغم المعاملة السيئة التي كان أهل مكة يعاملون بها الرسول ﷺ طوال إقامته بين أظهرهم قبل الهجرة، مقد أبدي عطفًا ملحوظًا عليهم، فأوصى عامله الجديد على مكة. أوصاه بأهلها الذين سماهم أهل الله (٣). وبعد أن أقام وجيشه بمكة ليلتين غادرها إلى المدينة، وذلك يوم الخميس لعشر بقين من شهر ذي القعدة سنة ثمان للهجرة. وقد استبقى ما تبقى من خمس غنائم حنين وهي آلاف من الجمال والغنم. استبقى هذا المتبقى من الخمس حيث حبسه (عند دخوله مكة للعمرة) بمجنّة بناحية مرّ الظهران (٤) وذلك لكى

стр. 2357

يصطحبه معه ليقسمه على الأعراب المنتشرين ما بين مكة والمدينة تأليفًا لقلوبهم كي يثبت منهم من دخل في الإسلام ويرغب فيه من لم يكن، قد دخل فيه (١). قال الإِمام الواقدي يصف عملية رحيل الرسول ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة بعد انتهاء معركة حنين وحصار الطائف: (وانتهى رسول الله ﷺ إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة، خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنى عشر بقيت من ذي القعدة ليلًا، فأحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، وكان مصلى رسول الله ﷺ إذا كان بالجعرانة -فأما هذا المسجد الأدنى، فبناه رجل من قريش واتخذ ذلك الحائط عنده- ولم يجز رسول الله ﷺ الوادي إلّا محرمًا، فلم يزل يلبى حتى استلم الركن. ويقال: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى أناخ راحلته على باب بني شيبة، ودخل وطاف ثلاثة أشواط يرمل (٢) من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه عند المروة، حلقه أبو هند (٣) عبد بني بياضة، ويقال حلقه خراش بن أمية (٤). ولم يسق رسول الله ﷺ منها هديًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى الجعرانة فكان كبائب بها، فلما رجع إلى الجعرانة خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة، وسلك معه حتى خرج على سرف (٥)، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران.

стр. 2358

أمير مكة الشاب القوي الصالح وبما أن مكة المكرمة مدينة كبيرة، ولها منزلة عظمى بين المسلمين حيث بها وحواليها توجد كل مقدسات الإسلام والمشاعر التي يحج إليها المسلمون فقد أصدر الرسول ﷺ قبل مغادرته لها - مرسوما عين بموجبه حاكمًا لها، عتاب بن أسيد الزهري، وكان شابًّا في حوالي الثالثة والعشرين من عمره. وقد اختاره الرسول ﷺ رغم صغر سنه ورغم أنه لم يسلم إلا يوم الفتح - اختاره من بين جميع سادات مكة وأشرافها، لأنه راجح العقل حسن الإسلام وسيد مطاع بين قومه ويتمتع باحترام كبير بين القرشيين، وقد ظل عتاب بن أسيد أميرًا على مكة حتى التحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى. وعندما همّ أهل مكة بالارتداد عقب موت الرسول ﷺ وقف أمير مكة الشاب عتاب (وكان حازمًا) وقف موقفًا مشرفًا، دل على متانة دينه وشدة إخلاصه. وكان أهل مكة أثناء حياة النبي ﷺ قد شكوا إليه شدة عتاب عليهم، وكان عتاب صلب الإيمان شديدًا على أهل الريبة. فقد جاء في الإصابة لابن حجر أن النبي ﷺ ولى عتاب إمارة مكة وهو ابن نيف وعشرين سنة، وعن أنس بن مالك أن عتابًا كان شديدًا على المريب لينًا على المؤمن، وكان يقول: والله لا أعلم متخلفًا عن اهذه الصلاة إلا ضربت عنقه. فإنه لا يتخلف عنها إلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله، استعملت على أهل الله أعرابيًّا جافيًا، فأجابهم النبي ﷺ (مزكيًا هذا الشاب الطيب المؤمن القوى): إني رأيت فيما يرى النائم أنه (أي عتاب بن أسيد) أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقعقعها حتى فتح له ودخل، وروي عن ابن عباس في تفسر قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أنه قال: هو عتاب بن أسيد (١). وقال ابن هشام: وبلغنى عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل رسول الله

стр. 2359

- ﷺ عتابا بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهمًا، فقام فخطب بالناس، فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله ﷺ درهمًا كل يوم، فليست لي حاجة إني أحد (١). وكما عيَّن الرسول ﷺ قبل انصرافه إلى المدينة- عتاب بن أسيد أميرًا على مكة (وهو أول أمير مسلم يتولى شئونها) خلَّف كذلك معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري في مكة يعلَّمان الناس القرآن والفقه في الدين (٢). وقد قال رسول الله ﷺ للأمير الشاب عتاب بن أسيد يوصيه بأهل مكة: أتدرى على من استعملتك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: استعملتك على أهل الله، بلّغ عني أربعًا، لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تأكل ربح ما ليس عندك (٣). تاريخ وصول الرسول المدينة وجاء في كتب السيرة أن الرسول ﷺ أثناء عودته من مكة إلى المدينة .. قطع المسافة بينهما في تسعة أيام، فقد خرج من مكة يوم الأربعاء في الثامن عشر من ذي القعدة سنة ثمان للهجرة ووصل المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من الشهر نفسه (٤). إسلام ثقيف الحديث عن ثقيف ذو ارتباط وثيق بالحديث عن معركة حنين الحاسمة. فقد كانت ثقيف (وقد تقدم في هذا البحث الحديث عن نسبها) تشكل جناحًا من أهم الأجنحة في الجيش الذي خاض معركة حنين ضد المسلمين. لأنها تشكل عدة عشائر، كلها ينتسب إلى هوازن التي قادها مالك بن عوف في حنين ضد النبي ﷺ وأصحابه. وباعتبار ثقيف جناحًا من أهم أجنحة الجيش الهوازني الذي خاض ملحمة

стр. 2360

حنين ضد المسلمين، فقد طاردهم الجيش الإسلامي بقيادة الرسول ﷺ ، حتى ألجأهم إلى حصنهم المنيع بالطائف، وعندما وجدهم متحصنين وراء الأسوار في الطائف، ضرب عليهم الحصار، على أمل أن يستسلموا، أو أن يتمكن المسلمون من اقتحام حصون الطائف، ولكن الثقفيين صمدوا وقاوموا المسلمين أشد المقاومة. ولما أدرك الرسول ﷺ أن لا فائدة من فرض الحصار على ثقيف فك عنها الحصار، ورجع إلى مكة ثم إلى المدينة. على أمل أن يأتي الله بثقيف فتدخل في الإسلام طائعة، وقد تقدم أن بعض الصحابة قال للرسول ﷺ وهو يفك الحصار عن الطائف - ادع الله على ثقيف، فأبى وفعل العكس حيث دعا الله تعالى أن يأتي بها. ثقيف تقتل سيدها بعد إسلامه وقد ظلت ثقيف على كفرها متشبثة بوثنيتها، وكان مالك بن عوف النصرى الذي قاد معركة حنين الفاصلة ضد النبي ﷺ وأصحابه، كان مالك -بعد أن هداه الله تعالى للإسلام- يتولى القيام بالغارات المسلحة على ثقيف، باعتباره أحد قادة المجتمع الإسلامي، غير أن غارات مالك بن عوف -رغم عنفها- لم تؤثر كثيرًا على موقف ثقيف المعادى للإسلام، لأن ثقيفًا كانت قوة كبيرة تتألف من عدة عشائر متماسكة. غير أن موقف ثقيف أخذ يتغير نحو الإسلام عندما عاد سيد ثقيف عروة بن مسعود من جرش حيث كان قد ذهب إلى هناك لشراء معدات حربية ثقيلة وللتدرب على صنعها واستخدامها وتركيبها. كان عروة بن مسعود من أعظم سادات ثقيف ومن أرجحهم عقلًا، وكان المفروض أن يكون قائد ثقيف يوم أن خاضت هوازن حربها الخاسرة ضد المسلمين في حنين. ولكن عروة كان متغيبًا عن ديار قومه عندما نشبت هذه المعركة، لأن هوازن بعثوه مندوبًا على رأس وفد من ساداتهم إلى جرش (١). لشراء أسلحة

стр. 2361

ثقيلة (مثل المنجنيق والعرّادات والدبابات). وكان عروة بن مسعود ووفده العسكري قد ذهبوا إلى جرش، قبل أن يتحرك النبي ﷺ بجيوشه لفتح مكة، أي قبل معركة حنين التي خسرتها هوازن بحوالى شهرين اثنين. وقد مكث عروة بن مسعود وبعثته الحربية في جرش حوالي ثلاثة أشهر، تدربت البعثة أثناءها على صنع استخدام الأسلحة الثقيلة، ولذلك فإن سيد ثقيف عروة بن مسعود، لم يعد بهذه الأسلحة الثقيلة من جرش إلى الطائف إلا بعد أن انتهت معركة حنين وفك الرسول ﷺ الحصار عن الطائف. كان عروة بن مسعود راجح العقل حليمًا حكيمًا نافذ البصيرة، فعندما عاد من جرش جال بعينى بصيرته فيما دار ويدور في جزيرة العرب من صراع بين الإسلام والوثنية، فأدرك أن ظل الشرك والوثنية آخذ في التقلص بسرعة كبيرة، وخاصة بعد هزيمة قومه هوازن في معركة حنين التاريخية: وهوازن كانت أقوى قوة وثنية ضاربة يمكنها أن تجابه المسلمين في جزيرة العرب، بدليل أن محاربيها الذين خاضوا معركة حنين كانوا عشرين ألفًا، وهو عدد لم يسبق لجبهة وثنية (في الصراع الدائر بين الإِسلام والوثنية) أن حشدت مثلة لمحاربة الرسول ﷺ في جزيرة العرب كلها. من هنا وبإلهام من الله تعالى أدرك عروة بن مسعود أن الإسلام غالب لا محالة، وأنه لم يبق سوى وقت قصير حتى تصبح الجزيرة العربية كلها قد شملها الإسلام ولفَّها تحت جناحيه. لذلك أضمر سيد ثقيف أن يعتنق الإسلام طائعا مختارًا.

стр. 2362

كان وصول عروة بن مسعود في أواخر السنة الثامنة الهجرية، فقام بتركيب الأسلحة الثقيلة التي جلبها لقومه من جرش في الأردن، وقد فعل ذلك أداءًا للأمانة التي ائتمنه قومه عليها حين بعثوه إلى الأردن لشراء هذه الأسلحة وتسليمه إياها لقومه المشركين، لم يُغَير من عزمه عن اعتناق الإِسلام، بعد أن قذف الله نور هذا الدين في قلبه. لذلك (ودون أن يستشير أحدًا) غادر الطائف قاصدًا المدينة ليعلن بين يدي الرسول ﷺ إسلامه. وعندما وصل عروة المدينة استقبله الرسول ﷺ بالترحاب، وكان يعرفه (مسبقًا) لأنه قد اجتمع به عندما جاء وسيطًا لقريش يوم الحديبية عندما كانت أزمة الحديبية بين النبي ﷺ وعشيرته على أشدها (١) وكان عروة بن مسعود رغم كونه حليفًا لقريش قد حذّرها من مغبة عنادها حين منعت المسلمين من دخول مكة وقد جاءوا معتمرين لا محاربين، وقد توقع أن كارثة ستنزل بقريش نتيجة بغيها يوم ذاك وتصلفها. ثم فارقها ورجع إلى بلاده الطائف. وقد اعتبر العقلاء تصرف عروة بن مسعود هذا دليلًا على رجاحة عقله وبعد نظره. وعندما أسلم عروة بن مسعود وشهد شهادة الحق، قرر أن يعود إلى الطائف فيدعو قومه ثقيفًا إلى الإِسلام، وطلب من الرسول ﷺ أن يأذن له بذلك، ولكن النبي ﷺ حذَّره بأن قوفه سيقتلونه، فقد قال عروة: يا رسول الله إيذن لي فآتي قومي فأدعوهم إلى الإِسلام، فوالله ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب، فأقدم بخير قادم، وما قدم وافد (قط) على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به، وقد سبقت يا رسول الله في مواطن كثيرة. وكان عروة بن مسعود سيدًا مطاعًا محبوبًا بالفعل في قومه لشرف نفسه ودماثة أخلاقه وكرمه، وكان يتوقع أنهم جميعًا سيجيبونه إلى الإِسلام حينما يدعوهم إليه.

стр. 2363

غير أن الرسول ﷺ كان قد اختبر نفسيات أولئك المشركين الثقفيين العتاة الغلاظ القلوب مرتين .. مرة عندما لجأ إليهم أيام اشتداد محنته في مكة بعد وفاة عمه أبي طالب، فأساءت إليه ثقيف بدلًا من أن تستضيفه وتكرمه وتخفف من آلامه، بل وأغرت به السفهاء والعبيد حتى طاردوه في شوارع الطائف ورجموه بالحجارة، الأمر الذي اضطره إلى أن يترك الطائف ليعود إلى مكة حيث الكرب واشتداد المحنة .. ومرة حينما حاصرهم بعد أن تراجعت جيوشهم منهزمة من حنين فقاوموه أشد المقاومة وأبدوا من العداوة الشيء الكثير. ولذلك فإن الرسول ﷺ عندما استأذنه السيد عروة بن مسعود ليذهب إلى قومه ثقيف يدعوهم إلى الإِسلام قال له الرسول ﷺ عندما أصر على الذهاب إليهم-: أنهم إذن قاتلوك، قالها ثلاثًا، ولكن عروة كرر الاستئذان في الذهاب إليهم (مبديًا ثقته بحب قومه له) قائلًا: يا رسول الله لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم، يا رسول الله لو وجدونى نائمًا ما أيقظوني، فقال له الرسول ﷺ (عندئذ): إن شئت فخرج إلى الطائف، وكان الأمر كما حذره رسول الله ﷺ فقد قتله قومه أولئك الأشرار وهو يدعوهم إلى الإِسلام. فلم تمض خمسة أيام حتى وصل عروة الطائف، وعندما وصل سيد ثقيف بلده أنكرت ثقيف عليه أمرًا كانوا يعرفونه منه ومن كل قادم من سفر إلى الطائف (ولم يكونوا قد علموا بإسلامه) وهذا الأمر هو أن يبدأ القادم إلى الطائف من سفر بتقديم فروض العبادة والتقديس لصنمهم الأكبر (اللات) .. ففي هذه المرة تجاهل عروة هذا الصنم لأنه كمسلم موحد -لم يعد مكان في نفسه لهذا الصنم، فقد ذهب من فوره إلى منزله، وبعد أن توافد إليه أعيان قومه لاستطلاع حقيقة أمره، حيوه بتحية الشرك، فأنكرها عليهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، وهنا كانت نهايته القتل حيث استشهد وهو يؤذن للصلاة في منزله. وقد كاد يؤدى قتل عروة بن مسعود إلى حرب أهلية طاحنة بين عشائر ثقيف، فقد تحزبت عشائر عروة واستعدوا للقتال كي يأخذوا بثأره، لولا أنه قبل أن يفارق الحياة تصدق بدمه على قاتله حقنًا للدماء وإطفاء لنيران الحرب

стр. 2364

الأهلية، فطاب عروة حيًّا وميتًا. ولنترك الإِمام الواقدي وأشهر من ألفَّ في مغازى رسول ﷺ يحدثنا حديث إسلام عروة بن مسعود. قال الواقدي: كان عروة بن مسعود حين حاصر النبي ﷺ أهل الطائف بجرش، يتعلّم عمل الدبابات والمنجنيق، ثم رجع إلى الطائف، بعد أن ولى رسول الله ﷺ ، فعمل الدبابات والعرّادات وأعد ذلك حتى قذف الله في قلبه الإِسلام، فقدم المدينة على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم قال: يا رسول الله إيذن لي فآتى قومى فأدعوهم إلى الإِسلام، فوالله ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب، فأقدم على أصحابي وقومى بخير قادم، وما قدم وافد قط على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به وقد سبقت يا رسول الله في مواطن كثيرة. فقال رسول الله ﷺ : إنهم إذن قاتلوك، قال رسول الله، لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم، ثم استأذنه الثانية فأعاد عليه الكلام الأول، وقال رسول الله ﷺ : إنهم إذن قاتلوك، قال: يا رسول الله، لو وجدونى نائمًا ما أيقظوني، واستأذنه الثالثة، فقال: إن شئت فاخرج، فخرج إلى الطائف، فسار إليها خمسًا، فقدم على قومه عشاء فدخل منزله، فأنكر قومه دخوله منزله قبل أن يأتي الرّبة (١)، ثم قالوا: السفر قد حصره (٢) فجاءوا منزله فحيّوه تحية الشرك، فكان أول ما أنكر عليهم تحية الشرك، فقال: عليكم تحية أهل الجنة. ثم دعاهم إلى الإسلام، وقال يا قوم: أتتهموننى؟ ألستم تعلمون أننى أوسطكم نسبًا، أكثركم مالًا، وأعزكم نفرًا؟ فما حملني على الإِسلام إلا أنى رأيت أمرًا لا يذهب عنه ذاهب، فاقبلوا نصحى، ولا تستعصونى، فوالله ما قدم وافد على قوم بأفضل مما قدمت به عليكم، فأتَّهموه واستغشُّوه، وقالوا: قد واللات وقع في أنفسنا حيث لم تقرب الرّبة ولم تحْلق رأسك عندها إنك قد صبوت فآذوه ونالوا منه، وحلم عليهم، فخرجوا من عنده يأتمرون كيف يصنعون به، حتى إذا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذن بالصلاة، فرماه رجل من رهطه من الأحلاف يقال له: وهب بن جابر -ويقال رماه

стр. 2365

أوس بن عوف من بني مالك، وهذا أثبت عندنا- وكان عروة رجلًا من الأحلاف، فأصاب أكحله (١) فلم يرقأ دمه (٢) وحشد قومه في السلاح، وجمع الآخرون وتجايشوا، فلما رأى عروة ما يصنعون قال: لا تقتتلوا فيّ فإني قد تصدقت بدمى على صاحبه ليصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمنى الله بها، الشهادة ساقها الله إليّ، أشهد أن محمدًا رسول الله، خبرّني عنكم هذا أنكم تقتلونني، ثم قال لرهطه: ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، قال: فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله ﷺ قتله فقال: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه. فلما قتل عروة، قال ابنه أبو مليح (٣) بن عروة بن مسعود، وابن أخيه قارب بن الأسود بن مسعود (٤) لأهل الطائف: لا نجامعكم على شيء أبدًا، وقد قتلتم عروة، ثم لحقا برسول الله ﷺ فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ : توليَّا من شئتما، قالا نتولى الله ورسوله. قال النبي ﷺ : وخالكما أبو سفيان بن حرب، حالفاه. ففعلا، ونزلا على المغيرة بن شعبة، وأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف في رمضان سنة تسع الهجرية (٥). ثقيف كلها تدخل الإِسلام: وعقب ارتكاب ثقيف جريمتها النكراء المتمثلة في قتل سيدها المسلم عروة بن مسعود، وبعد أن شعرت وأحست بما يشبه العزلة القاتلة بين العرب، تنبه أحد دهاتها وعقلائها وهو عمرو بن أمية أحد بني علاج (٦). تنبه إلى

стр. 2366

ما ستتعرض له ثقيف من أخطار جسيمة قد يكون فيها هلاكها، إذا لم تسارع إلى إعلان إسلامها أسوة بالقبائل المحيطة بها، والتي أصبحت ثقيف (لبقائها على الشرك) بين هذه القبائل في عزلة تامة، تغير عليها هذه القبائل وتحاربها أينما وجدتها بمن في هذه القبائل سيد هوازن وملكها السابق مالك بن عوف النصرى قائد حشد الشرك في حنين ضد المسلمين. والذي أسلم قبل انصراف الرسول ﷺ إلى المدينة. كان عمرو بن أمية هذا مغاضبًا ومهاجرًا لعبد ياليل (١) سيد ثقيف الثاني، ولكنّ عمرو تناسى ما بينه وما بين عبد ياليل، وبعث إليه يطلب الاجتماع به، بغية بحث الوضع الشاذ الذي صارت إليه ثقيف بعد أن انتشر الإِسلام وغمر القبائل المحيطة بثقيف. وقد أجاب عبد ياليل عمرو بن أمية فاجتمعا، فشرح لعبد ياليل خطورة الوضع الذي آلت إليه ثقيف، وأن الحل الوحيد للمخرج من هذا المأزق الذي فيه ثقيف هو أن تدخل ثقيف في الإِسلام، فوافقه عبد ياليل على هذا الاقتراح، فدعيا إلى اجتماع عام حضره وجوه ثقيف وأعيانها بالطائف، وقد وقف فيهم عمرو بن أمية خطيبًا شارحًا لهم خطورة الوضع الذي عليه ثقيف، فوافقوه على الرأي القائل بأن لا مخرج لثقيف إلا بأن تبعث بوفد منها إلى المدينة ليعلن إسلامها بين يدي الرسول ﷺ . فقد جاء في أمهات التاريخ أن عمرو بن أمية أخو بني علاج، كان مهاجرًا لعبد ياليل بن عمرو، لشئ بينهما، وكان عمرو من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول: أخرج إليَّ. قالوا: فقال عبد ياليل للرسول: ويلك، أعمرو أرسلك إليّ؟ قال: نعم وها هو ذا واقف في دارك، وكان عبد ياليل يحب صُلحه،

стр. 2367

ويكره أن يمشى إليه، فقال عبد ياليل: إنّ هذا لشئ ما كنت أظنُّه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، وما هو إلا عن أمر قد حدث وكان أمرًا سوءًا، ما لم يكن من ناحية محمد. ثم خرج عبد ياليل إلى عمرو فلما رآه رحّب به، فقال عمرو: قد نزل بنا أمر ليست معه هِجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ) ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلهما، وليست لكم بحربهم طاقة، وإنما نحن في حصننا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه أطرافنا تصاب، ولا نأمن من أحد منا يخرج شبرًا واحدًا من حصننا هذا، فانظروا في أمركم. قال عبد ياليل لعمرو: قد والله رأيت ما رأيت، فما استطعت أن أتقدم بالذي تقدمت به، وإن الحزم والرأى الذي في يديك. قالوا: فدعا زعماء ثقيف إلى مؤتمر عام حضره عامة الثقفيين، فائتمروا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب (١)، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فائتمروا بينهم وتم الاتفاق على أن يدخلوا في الإسلام (٢). وعلى أثر الاتفاق على أن لا نجاة ولا مخرج لثقيف من المأزق التي هي فيه، إلا بالإسلام، قررت ثقيف أن تبعث إلى النبي ﷺ برسول خاص ليفاوضه بشأن دخولها في الإِسلام، فرشحوا لذلك عبد ياليل بن عمرو، وهو يومئذ في منزلة عروة بن مسعود وفي مثل سنه. وعبد ياليل هذا هو الذي أساء إلى الرسول ﷺ أبلغ الإِساءة عندما جاء ﷺ ملتجئًا إلى ثقيف عندما اشتد عليه أذى قريش بعد وفاة زوجه خديجة وعمه أبي طالب. وقد اعتذر عبد ياليل لثقيف أن يكون رسولها إلى النبي ﷺ ، ولم يكن اعتذاره عن خوف من أن ينتقم منه النبي ﷺ لإِساءته تلك .. كلا، فهو يعرف وكل العرب والعجم تعرف أن النبي ﷺ لا ينتقم لنفسه من أحد، فمن أخلاقه ﷺ أن يقابل الإِساءة بالإِحسان، ولكن اعتذار عبد ياليل لقومه

стр. 2368

ثقيف عن القيام بمهمة القيام بإبلاغ الرسول ﷺ إسلام ثقيف، هو أنّ عبد ياليل يعرف شراسة قومه ثقيف وجرأتهم على سفك الدماء وتقلبهم، فقد رأى العبرة في أحب الناس إلى ثقيف (عروة بن مسعود) حيث قتلوه بمجرّد أن دعاهم إلى الإِسلام، فهو إذن يخشى أن يكون مصيره مصير عروة بن مسعود إن هو قبل المهمة منفردًا حيث من المحتمل جدًّا أن يقتلوه إن هو عاد من المدينة يدعوهم إلى الإِسلام، لذلك اعتذر عن أن يكون رسول ثقيف إلى النبي ﷺ ، غير أن عبد ياليل- لما رأى إلحاح قومه عليه لكى يكون مبعوثهم إلى النبي ﷺ وافق ولكن بشرط أن يبعثوا معه من كل فخيذة من ثقيف رجلًا. فوافقت كل القبائل الثقفية على اقتراح السيد عبد ياليل بن عمرو. فبعث كلّ من القبيلتين الرئيسيتين في ثقيف (وهما الأحلاف وبنو مالك) بعث كل منهما بصحبة عبد ياليل ممثل عنه في وفد إلى المدينة مكوّن من ثلاثة من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك على أن يكون رئيسهم عبد ياليل بن عمرو (وهو من بني مالك). وكان هدف عبد ياليل من اشتراك كل عشائر ثقيف ممثلة في جناحيها الرئيسين (الأحلاف وبنى مالك) في الوفد الذاهب إلى المدينة، واضحًا، وهو أن يكف كل رجل في الوفد رهطه عن عبد ياليل إذا ما أرادوا به سوءًا عندما يعود من المدينة إلى الطائف وقد بايع النبي ﷺ على الإسلام نيابة عنهم. وهكذا تقرر أن تبعث ثقيف وفدها برئاسة عبد ياليل، الذي يسمون (لشدة شكيمته) ناب القوم، وقد غادر الوفد الطائف قاصدًا المدينة في أواخر السنة التاسعة للهجرة، فوصل الوفد إلى المدينة، وقابل الرسول ﷺ وأبلغه رغبة ثقيف في الدخول في الإِسلام، فرحب بهم الرسول ﷺ وعم المسلمين الفرح لدخول ثقيف في الإِسلام، لأن ثقيفًا قبيلة عظيمة ذات قوة وشوكة، وكانت آخر قوة مسلحة في جزيرة العرب، يمكنها مصادمة المسلمين وبدخول ثقيف في الإسلام لم يبق للشرك والوثنية أي أثر في منطقة الحجاز كلها. قال الواقدي وابن إسحاق: وأجعت ثقيف أن ترسل إلى المدينة رجلًا،

стр. 2369

كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا ذلك عليه فأبى أن يفعل، وخشى إن رجع إلى قومه مسلمًا أن يصنع به إذا رجع من عند النبي ﷺ ما صنع بعروة، فقال: لست فاعلًا حتى ترسلوا معى رجالًا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة. فبعثوا مع عبد ياليل، الحكم بن عمرو بن وهب بن معتَّب (١)، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب (٢)، وهؤلاء رهط عروة. وبعثوا في بني مالك: عثمان بن أبي العاص (٣)، وأوس بن عوف (٤) ونمير بن

стр. 2370

خرشة (١) ستة. ويقال: إن الوفد كانوا بضعة عشر رجلًا، فيهم سفيان بن عبد الله (٢). قالوا: فخرج بهم عبد ياليل وهو رأسهم وصاحب أمرهم، ولكنه أحب أن يسهل كل رجل رهطه (٣). اتجه وفد ثقيف صوب الشمال الغربي قاصدًا المدينة المنورة، ليحمل إلى الرسول ﷺ القرار الذي توصل إليه سادات ثقيف والمتضمن خروج ثقيف من الشرك ودخولها في الإِسلام، وكان ذلك من أعلام النبوّة، فقبل ما يقرب من سنة- وعندما كان النبي ﷺ يفك الحصار عن حصن ثقيف بالطائف بعد معركة حنين الفاصلة- سأل بعض الصحابة الرسول ﷺ أن يدعو على ثقيف بالهلاك، فأبى سيد الرحماء، ودعا لهم بدلًا من أن يدعو عليهم. فقال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم. وهاهى ثقيف تأتى إلى المدينة (ممثلة في وفدها الكبير) طائعة مختارة برئاسة رجل كان من أشرس الناس وأشدهم عداوة للنبي ﷺ وسخرية به وبدينه الحق (عبد ياليل بن عمرو) الذي قال للرسول ﷺ في أول الإِسلام عندما لجأ إلى ثقيف يطلب نصرتها على مشركى مكة- قال له مستهزئا: (وهو يمرط (٤) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك)، وقال له أخوه مسعود بن عمرو: (أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ )، وقال أخوه الثاني حبيب بن عمرو: (والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت

стр. 2371

أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك (١)). استمر عبد ياليل وأعضاء وفده في تحركهم من الطائف نحو المدينة دون أن يعلم بهم أحد من المسلمين حتى وصلوا ضواحي المدينة وفي وادي قناة (٢) على وجه التحديد، فكان أول من تعرَّف عليهم (وأدرك أنهم جاءوا ليعلنوا إسلام ثقيف) أحد أبناء الأحلاف من ثقيف، وهو المغيرة بن شعبة الذي كان من أصحاب النبي ﷺ السابقين في الإسلام. فقد عرف المغيرة رجال الوفد وأثبتهم واحدًا واحدًا لأنهم كلهم أبناء بلده، وقد عايشهم أكثر عمره بالطائف، وعندما عرفهم المغيرة وعلم أنهم جاءوا لإعلان إسلام ثقيف، ترك الوادي (الذي كان فيه يرعى إبلًا للرسول ﷺ ) وصار يعدو على رجليه بأقصى سرعة ليبشر الرسول ﷺ بقدوم هذا الوفد، لأن المسلمين (وعلى رأسهم النبي ﷺ ) يدركون أن إسلام ثقيف له ما بعده، مما يعود على الإِسلام والمسلمين بأعظم المكاسب، إذ يعني ذلك تنظيف آخر جيب من جيوب المقاومة الوثنية الخطيرة التي تشغل بال المسلمين، حيث لم تبق قوة وثنية مسلحة تحتاج إلى تجريد الجيوش، سوى ثقيف ذات العدد والعدة، والتاريخ الحربى يثبت هذه الحقيقة، فقد رأينا في أواخر السنة الثامنة الهجرية كيف ضرب إثنا عشر ألفًا من المسلمين بقيادة النبي ﷺ الحصار على حصون ثقيف فعجزت كل هذه القوات الكثيفة القوية عن فتح بلادهم. لقد دلت تصرفات كبار الصحابة، حين علموا بقدوم وفد ثقيف ليعلن الإسلام، دلت على أن إسلام ثقيف حدث هام عظيم بدليل أنهم كانوا يتبارون في أيهم الأول يبشر الرسول ﷺ بقدوم وفد ثقيف. فقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن وفد ثقيف لما دنا من المدينة ونزل وادي قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب رسول الله ﷺ وكانت

стр. 2372

نوبًا على أصحابه، فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضبر (١) يشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، حتى انتهى إلى باب المسجد، فلقى أبا بكر الصديق فأخبره خبر قومه، فقال المغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله ﷺ بخبرهم حتى أكون أنا أخبره -وكان رسول الله ﷺ قد ذكرهم ببعض الذكر- فأبشّره بمقدمهم، فدخل أبو بكر على النبي ﷺ فأخبره والمغيرة على الباب، ثم خرج أبو بكر إلى المغيرة فدخل المغيرة على النبي ﷺ وهو مسرور (٢). أما المغيرة بن شعبة، فقد غمره الفرح والسرور مجئ قومه للاهتداء بهدى الإِسلام، فعاد إليهم حيث خيموا بوادى قناة فرحب بهم وأعانهم في ترويح إبلهم وأخذ في تهذيبهم والترويض من طباعهم النافرة الجافة الشرسة، حيث كانوا أعرابًا أجلافًا لا يعرفون من تعاليم الإسلام وآدابه شيئًا، فعلَّمهم كيف يحيون الرسول ﷺ . الشروط السخيفة التي اشترطتها ثقيف لإسلامها: غير أن جذور الجاهلية المتأصلة في نفوس الوفد الثقفى جعلت رجال هذا الوفد -وهم يفاوضون النبي ﷺ يشترطون لدخولهم في الإسلام شروطًا تناقض أصول هذا الدين، وقد رفض الرسول ﷺ هذه الشروط، إلا أنه بحكمته وحلمه وأناته وصبره، تغلِّب على كل الصعاب في المفاوضات التي استغرقت وقتًا غير قصير بينه وبين وفد ثقيف، حتى دخلوا في الإسلام وتخلوا عن تلك الشروط السخيفة. ظلت رواسب الجاهلية (رغم توجيه المغيرة بن شعبة) ذات تأثير على عقول رجال وفد ثقيف فبدلًا من أن يحيّوا الرسول ﷺ بتحية الإسلام التي علمهم إياها المغيرة بن شعبة، حيوه بتحية الجاهلية وهي (عم صباحًا)، كما أن وفد ثقيف في المرحلة الأولى من المفاوضة، لم يتصل بالنبي ﷺ مباشرة كما كانت تفعل الوفود الوافدة إلى المدينة لإعلان إسلام عشائرهم، بل لجأ الوفد

стр. 2373

الثقفي في مفاوضاته مع الرسول ﷺ أول الأمر إلى واسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وكان هذا الواسطة، هو خالد بن سعيد بن العاص (١) الذي كان ينقل من وادي قناة (حيث يخيم الوفد الثقفى) إلى رسول الله ﷺ آراء ومقترحات وشروط وفد ثقيف، ويعود إليهم بجواب رسول الله ﷺ عليها. كان وفد ثقيف ضيفًا على النبي ﷺ رغم أن رجال هذا الوفد لم يعلنوا إسلامهم صراحة إلا بعد مفاوضات طويلة وشاقة. فكان الطعام - بأمر من رسول الله ﷺ ينقل من المدينة إلى رجال الوفد في وادي قناة شمالي المدينة، ولكن هؤلاء الثقفيين (لما نشأوا عليه من جلافة الأعراب، ولما ترسب في نفوسهم من رواسب وثنية، لم يمحها غير الإسلام حينما دخلوا فيه) كان الشك ينتابهم حيال الرسول ﷺ وأصحابه، فكانوا لهذه الوساوس، لا يأكلون من الطعام الذي يبعث به إليهم النبي ﷺ حتى يأكل منه الصحابي الوسيط، خالد بن سعيد بن العاص. أما خلاصة الشروط السخيفة المناقضة لأصول الإسلام والتي اشترطتها ثقيف والمطالب التي تقدمت بها إلى النبي ﷺ فهي:

стр. 2374

١ - إباحة الزنا لهم. ٢ - السماح لهم بالتعامل بالربا. ٣ - السماح لهم بتعاطى الخمر. ٤ - إسقاط الصلاة عنهم. ٥ - تأخير هدم صنمهم اللات لمدة ثلاث سنوات. هذه هي المطالب والشروط السخيفة التي تقدم بها الوفد الثقفى إلى النبي ﷺ لدخولهم في الإِسلام، ولكنّ النبي ﷺ رفض (جملة وتفصيلًا) كل هذه الشروط والمطالب، لأنها كلها تناقض أصول الإِسلام. ثم ما زال رسول الله ﷺ يقدم الحجج والبراهين لرجال الوفد على أن الإِنسان لا يكون مسلمًا ما لم يتبّع تعاليم الإِسلام كلها حتى اقتنعوا وسلموا وأسلموا. وقد ذكر أصحاب المغازي والسير، كل بسنده وأسلوبه، ذكر القصة المطوّلة للمفاوضات التي جرت بين الوفد الثقفى وبين الرسول ﷺ فقالوا: دخل المغيرة بن شعبة على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ ، قدم قومى يريدون الدخول في الإِسلام بأن تشرط لهم شروطًا ويكتبون كتابًا على من وراءهم من قومهم وبلادهم. فقال رسول الله ﷺ : لا يسألون شرطًا ولا كتابًا أعطيته أحدًا من الناس إلّا أعطيتهم فبشرهم، فخرج المغيرة راجعًا فخبّرهم ما قال لهم رسول الله ﷺ ، وبشّرهم وعلمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ ، فكل ما أمرهم به المغيرة فعلوا، إلا التحية فإنهم قالوا: أنعم صباحًا، ودخلوا المسجد. فقال الناس: يا رسول الله ﷺ ، يدخلون المسجد وهم مشركون؟ فقال رسول الله ﷺ إنّ الأرض لا ينجّسها شيء. وأنزل المغيرة ثقيفًا في داره بالبقيع، وهي خطة خطّها رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ بخيمات ثلاث من جريد فضربت في المسجد، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشى بينهم وبين رسول الله ﷺ ، حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.

стр. 2375

وكانوا (وهم في المسجد قبل أن يسلموا) يسمعون القراءة بالليل وتهجّد أصحاب النبي ﷺ ويتوضأون وينظرون إلى الصفوف في الصلاة المكتوبة، ويرجعون إلى منزل المغيرة فيطعمون ويتوضَّأون، ويكونون فيه ما أرادوا، وهم يختلفون إلى المسجد. وكان رسول الله ﷺ يجرى لهم الضيافة فِي دار المغيرة، وكانوا يسمعون خطبة النبي ﷺ ، فقالوا: أمرنا بالتشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغ رسول الله ﷺ قولهم قال: أنا أول من شهد أنى رسول الله، ثم قام فخطب وشهد أنه رسول الله في خطبته، فمكثوا على هذا أيامًا، يغدون على النبي ﷺ كل يوم يخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، وكان أصغرهم، فكان إذا رجعوا إليه وناموا بالهاجرة خرج فعمد إلى النبي ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، وأسلم سرًّا من أصحابه فاختلف إلى النبي ﷺ مرارًا حتى فقه، وسمع القرآن، وقرأ من القرآن سورًا على رسول الله ﷺ ، فإذا وجد رسول الله ﷺ نائمًا عمد إلى أبي بكر ﵁ فسأله واستقرأه -ويقال: إذا وجد النبي ﷺ نائمًا جاء أبي بن كعب فاستقرأه- فبايع النبي ﷺ على الإِسلام قبل الوفد وقبل القضية، وكتم ذلك عثمان من أصحابه، وأعجب النبي ﷺ به وأحبه. فمكث الوفد أيامًا يختلفون إلى النبي ﷺ والنبي يدعوهم إلى الإِسلام، فقال عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال عبد ياليل: أرأيت الزنا؟ فإنا قوم عزَّاب بغرب (أي ببعد)، لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العزبة. قال: هو مما حرّم الله على المسلمين، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) قال: أرأيت الربا؟ . قال: الربا حرام. قال: فإن أموالنا كلها ربا. قال: لكم رؤوس أموالكم، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا

стр. 2376

بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). قال: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، لا بد لنا منها. قال: فإنَّ الله قد حرمها، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ الآية. قال أصحاب المغازي والسير: فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ياليل: ويحكم، نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث، والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدًا، ولا عن الزنا أبدًا، وكان في الوفد رجل ذا عقل وبصيرة هو سفيان بن عبد الله. فقال لعبد ياليل: أيها الرجل، إن يرد الله بها (أي ثقيفًا) خيرًا تصبر عنها، قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض، والإسلام حولنا فاش، والله لو قام على حصننا شهرًا لمتنا جوعًا، وما أرى إلا الإسلام، وأنا أخاف يومًا مثل يوم مكة. ثم قالوا للرسول ﷺ : أرأيت الربّة (يعني اللات) ما ترى فيها؟ . قال: هدمها. قالوا: هيهات، لو تعلم الربَّة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد ياليل إن الربَّة حجر لا يدرى من عبده ممن لا يعبده. قال عبد ياليل: إنا لم نأْتك يا عمر فأسلموا (٢). وهكذا فشل الوفد الثقفى في الحصول على أية امتيازات تسقط عن ثقيف بعض التكاليف كالصلاة أو تبيح لهم بعض المحرمات في الإِسلام كالربا والزنا والخمر، وذلك بعد أن رفض الرسول ﷺ كل هذه المطالب بصراحة، وأبلغ الوفد الثقفى أن الإسلام بكل تكاليفه وأوامره ونواهيه كل لا يمكن تجزئته بأخذ

стр. 2377

بعضه وترك بعضه. بعد هذه المفاوضات والمراجعات الطويلة، وبعد تداول أعضاء الوفد الثقفى فيما بينهم الرأي استصوبوا رأى سفيان بن عبد الله، تغلب وازع العقل على نداء العاطفة فدخلت ثقيف في الإِسلام دونما قيد أو شرط، إلا أن الرسول ﷺ قبل أن يُعفى ثقيفًا من تحطيم صنمها اللات وبقية أصنامها بأيديها. قال الواقدي: وكمل الصلح، وكتب ذلك خالد بن سعيد فلما كمل الصلح، كلموا النبي ﷺ يدع الربَّة ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى، قالوا: سنتين، فأبى. قالوا: سنة، فأبى. قالوا: شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقِّت لهم وقتًا. وإنما يريدون بترك الربَّة لما يخافون من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي ﷺ أن يعفيهم من هدمها. قال رسول الله ﷺ : نعم أنا أبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها، واستعفوا رسول الله ﷺ أن يكسروا أصنامهم بأيديهم، وقال: أنا أمر أصحابي أن يكسروها. وسألوا رسول الله ﷺ أن يعفيهممن الصلاة. فقال ﷺ : لا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد أما الصلاة فسنصلى، وأما الصيام فسنصوم. وتعلموا فرائض الإِسلام وشرائعه، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يصوموا ما بقى من الشهر، وكان بلال يأتيهم بفطرهم، ويخيَّل إليهم أن الشمس لم تغب، فيقولون: ما هذا من رسول الله ﷺ إلا استبار لنا، ينظر كيف إسلامنا. فيقولون: يا بلال ما غابت الشمس بعد، فيقول بلال: ما جئتكم حتى أفطر رسول الله ﷺ ، فكان الوفد يحفظون هذا عن رسول الله ﷺ من تعجيل فطره. وكان بلال يأتيهم بسحورهم قال: فأسترهم من الفجر (١). هكذا أسلمت ثقيف، وبدخولها في الإِسلام لم تتبق في جزيرة العرب قوة ذات شأن تناوي الإسلام. وبعد إسلام ثقيف أخذت الوفود من جميع أنحاء

стр. 2378

الجزيرة العربية يفدون إلى المدينة لدخول من تبقى من قبائل العرب في الإسلام. أمير ثقيف منهم: وبعد أن أشرقت قلوب وفد ثقيف بالإسلام وهم في المدينة، وأصبحوا ضمن الأسرة الإسلامية الكبرى. طلبوا من الرسول ﷺ أن يعيّن لهم أميرًا يرجعون إليه في الإدارة والحكم ببلادهم ويتولى إرشادهم ويؤمّهم في الصلاة. فقالوا: يا رسول الله أمِّر علينا رجلًا يؤمُّنا، ولما كان التَفَقُّه في الدين مع الكفاءة في العمل، هو المقياس عند الإِسلام لتولى الأمر فقد اختار الرسول ﷺ لثقيف أميرًا عليها في بلادها كلها عثمان بن أبي العاص، ولم يمنع الرسول من أن يؤمّر على ثقيف عثمان هذا كونه أصغر رجال الوفد سنًّا، فقد اختاره الرسول ﷺ من بينهم أميرًا لما رأى من حرصه على الإسلام، وحرصه على تعلم القرآن ولكونه كان أسبق رجال الوفد إلى الدخول في الإِسلام. فقد عينَه الرسول ﷺ أميرًا على الطائف كلها، وبعد أن عينَه أميرًا زوده بوصايا نبوية سامية، قال عثمان: وكان آخر عهد عهده إليَّ رسول الله ﷺ أن اتخَذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، وإذا أممت قومًا، فأقدرهم (١) بأضعفهم، وإذا صليت لنفسك فأنت وذاك (٢). وكان أبو بكر الصديق قد أثنى على عثمان بن أبي العاص فقال: يا رسول الله إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن (٣). وفي رواية أخرى أن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ حين بعثنى على ثقيف أن قال: يا عثمان تجاوز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعافهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة (٤).

стр. 2379

وبعد أن تمت كل الإِجراءات الخاصة باعتناق ثقيف الإِسلام، كتب الرسول ﷺ بينه وبينهم كتابهم وعيَّن أميرهم، غادروا المدينة قاصدين بلادهم الطائف ليعلموا قومهم بنتيجة محادثتهم ويدعونهم إلى الدخول في الإِسلام. وقد لاقى رجال الوفد الثقفى من قومهم في الطائف بعض المتاعب وشيئًا من المقاومة فلم يتقبلوا الإِسلام بسهولة، ولكن رجال الوفد اطمأنوا من نفارهم ولا ينوهم وروّضوهم حتى تم التغلب على كل المتاعب، ودخل الثقفيون في الإِسلام جميعهم. هدم الطاغية اللات وما صاحبه من متاعب: كان إسلام ثقيف في السنة التاسعة الهجرية آخر مسمار دق في نعش الوثنية في منطقة الحجاز وغربى نجد حيث تسكن قبائل هوازن العظيمة والكثيرة العدد. حيث لم يعد للوثنية أي وجود في هذه المناطق. لقد كان يومًا مشهودًا ذلك اليوم الذي تحطم فيه صنم ثقيف (اللات) وهو صنم قد اتخذته ثقيف إلهًا من دون الله ليقرِّبها إلى الله زلفى. وقد جاء ذكر هذا الصنم في كتاب الله العزيز، فقال تعالى ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١). تاريخ اللات ومن هو ومن الجدير بالذكر أن اللات هو اسم رجل صالح، كان منذ القدم -قد أتخذ له مكانا طريق الحاج يطعم فيه المحتاجين من الحجاج عندما يمرون به، وكان يلتُّ لهم السويق (أي يعجنه) بنفسه، ويطعمهم تقربًا إلى الله تعالى، ولهذا أطلق عليه لقب (اللات) نسبة إلى قيامه بلت العجين. كان اللات يفعل المعروف هذا والناس على الحنفية دين إبراهيم ﵇، فلما مات هذا الرجل الصالح (اللات) اتخذ قومه على قبره مشهدا فصاروا

стр. 2380

يختلفون إليه للتكريم والتبرك، وبمرور الزمن وتكاثف الجهل وتفلّت الناس من الحنفية دين إبراهيم ﵇ تحوَّل اللات إلى صنم يُعْبَد من دون الله (١) بالدعاء والطواف والتقديس والذبح والنذر، لا بالاعتقاد أن اللات يخلق أو يرزق أو يحيى أو يميت، وإنما بالاعتقاد أنه لقربه من الله (بزعمهم) يتوسط لهم عند الله على أساس قاعدتهم التي أشار إليها القرآن ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢). ولقد روى الإِمام ابن جرير الطبري بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان يلتُّ لهم السويق (٣) فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: (كان يلت السويق للحجاج) وعن سعيد بن منصور: (فيطعم من يمر من الناس فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات) (٤). كان اللات أكبر الأوثان عند العرب (٥). وقال الإمام هشام الكلبى في كتابه (الأصنام): واللات بالطائف، هو أحدث من مناة، وكان صخرة مربعة، وكان يهودى يَلتُّ عندها السويق، وكانت سدنتها من ثقيف بنو عتّاب بن مالك، وكانوا قد بنوا عليها بناءً وكانت قريش وجميع العرب تعظِّمها، وبها كانت العرب تسمّى (زيد اللات وتيم اللات)، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم (أي في عهد الكلبى)، وهو الذي ذكره الله في القرآن فقال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. وله يقول عمرو بن الجعد: فإني وتركى وصلَ كأس كالذي ... تبرأ من لات وكان يدينُها

стр. 2381

وله يقول المتلمس في هجائه عمرو بن المنذر: أطردتنى حذَرَ الهُجاء ... واللات والأنصاب لا تئل فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. وفي ذلك يقول ابن عارض الجُشَمى حين هُدِّمت وحُرِّقت ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها. لا تنصروا اللاتَ إنَّ الله ملكُها ... كيف نصركموا من ليس ينتصرُ إنَّ التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتِل لدى أحجارها هَدَرُ إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يظعن وليس بها من أهلها بَشرُ وقال أوس بن حجر يحلف باللات. وباللات والعزّى ومن دانَ دينَها ... وبالله إن الله منهن أكبر (١) كان صنم اللات أعظم أصنام العرب شأنًا في نفوس ثقيف خاصة والعرب عامة، وكأننا قد مرَّت آلاف السنين والأعراب في الطائف يتوارثون تقديس وتعظيم هذا الصنم جيلًا بعد جيل، وكان وفد ثقيف الذي ذهب إلى المدينة برئاسة عبد ياليل يعرف ما لهذا الصنم الطاغية من منزلة في نفوسِ ثقيف الذين قتلوا سيدهم عروة بن مسعود لأنه عندما عاد من المدينة مسلمًا لم يحلق رأسه عند هذا الصنم كما هي عادتهم، بل رفع شعار التوحيد وهو الأذان. وحتى بعد أن أسلم رجال الوفد في المدينة وحسن إسلامهم فقد كانوا يتصورون الصعوبات التي سيلاقونها لإِقناع قومهم باعتزال الصنم اللات والقبول بتحطيمها كشرط أساسى لصحة إسلامهم. لهذا كان وفد المفاوضة من ثقيف (وهو يفاوض الرسول ﷺ للدخول في الإِسلام) أفصح عن تخوّفه من التحطيم الفورى للطاغية (اللات) وكان هذا التخوّف ناتجًا عَمَّا يتوقعونه من النقمة التي سيتعَرضون لها من جماهير ثقيف

стр. 2382

إن هم رأوا زعماءهم من رجال الوفد، يعودون من المدينة وهم يحملون مشروع تحطيم اللات التي ظلت إلهًا عبر آلاف السنين. لذا طلب عبد ياليل وبقية أعضاء وفده، طلبوا من الرسول ﷺ أن يسمح ببقاء (اللات) ويتجاوز عن بقائها لمدة ثلاث سنوات، على أساس أن يسعى زعماء ثقيف خلالها للتطمين من نفار نفوس الثقفيين وترويضها حتى يدخلوا في الإسلام ويرضوا (بدون متاعب) بتحطيم (اللات) صنمهم الأكبر. غير أن الرسول ﷺ الذي ما جاء إلا لمحو كل أثر من آثار الوثنية رفض طلب الوفد الثقفى وأصر (إقامة للتوحيد) على أن يهدم صنم اللات في الحال وبمجرد التمكن من هدمه، لأن بقاء هذا الصنم يبقى ما له من تقديس في نفوس جاهير ثقيف، وهذا لا يساعد على نشر الإِسلام بينهم، بل على العكس يشكل عائقًا كبيرا في هذا السبيل. ولأن السماح (من جهة أخرى) ببقاء هذا الصنم مع وجود سلطان الإسلام على ثقيف، يعني موافقة الرسول ﷺ على أن تمارس طقوس الشرك إلى جانب قيام التوحيد، وهو تناقض ترفضه طبيعة الإِسلام وأبى القبول به الرسول ﷺ وهو في أشد أيام محنته عندما كان بمكة قبل الهجرة في قلة قليلة جدًّا من أصحابه، وعندما لم تكن له أية قوة عسكرية تقف إلى جانبه، فكيف يوافق (إذن) علي هذا التناقض وقد دانت كل الجزيرة العربية وأصبحت كلها عسكرًا للتوحيد. لهذا رفض الرسول ﷺ السماح ببقاء اللات، وأصر على أن أول عمل يجب أن يتم عند عودة وفد ثقيف إلى الطائف هو تحطيم صنم (اللات) فلم يسع الوفد الثقفى (وقد دان بالإسلام إلا أن يوافق على ذلك). إلا أن رجال الوفد الثقفى تقدموا إلى الرسول ﷺ بالتماس يطلبون فيه إعفاءهم من أن يحطموا صنم اللات وبقية الأصنام بأيديهم، ولما لم يكن في تحقيق هذا الطلب أي أثر صار على دعوة التوحيد أو على إسلام رجال الوفد، فقد وافق الرسول ﷺ الوفد الثقفي على التماسهم قائلًا: (أما كسر أوثانكم

стр. 2383

بأيديكم فسنعفيكم منه (١)، وقال أنا آمر أصحابي أن يكسروها). وقد عاد الوفد الثقفى إلى الطائف، بعد أن أعلنوا دخول ثقيف في الإِسلام، أما مهمة تحطيم اللات وبقية أصنام ثقيف فقد أوكلها الرسول ﷺ إلى أبي سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفى، وقد توجه أبو سفيان والمغيرة إلى الطائف لتنفيذ أوامر الرسول ﷺ بشأن هدم الطاغية اللات وبقية الأصنام. وعندما وصلا الطائف طلب المغيرة من أبي سفيان أن يتقدم ويشرع في هدم (اللات) ولكنَّ أبا سفيان -وقد علم ما أصاب عروة بن مسعود على يد قومه حين قتلوه لما لم يقدّس اللات- طلب هو من المغيرة أن يبدأ هو الهدم قائلًا: (ادخل على قومك أنت (٢)) فاتجه المغيرة بنفسه إلى صنم قومه اللات يصحبه بضعة عشر رجلًا، ليتولى نسف اللات وما حولها من أبنية تابعة لها، فوجد المغيرة حشدًا كبيرًا من عامة ثقيف حول صنم (اللات)، ولكنهم عندما شرع الغيرة في هدم اللات، لم يبدوا أية مقاومة مسلحة، إلا أن بني معتّب من ثقيف (قوم المغيرة) حاولوا إقناعه بعدم توريط نفسه في هدم اللات، فنصحوه بأن لا يُقدِم على الهدم خوفًا عليه (بزعمهم) من أن يُصيبه مكروه من ذلك الصنم، لما بقى في نفوسهم من رواسب الاعتقاد الجاهلى في هذا الصنم. إلا أن المغيرة (وهو المكين في الإِسلام) سخر من تحذير قومه السخيف، ثم حمل المعول -أمام الجماهير المحتشدة- وتسلق- بناية صنمهم (اللات) حتى بلغ رأسه والعامة لا تشك- لما في نفوسهم من اعتقاد وثنى في اللات- في أن اللات ستدافع عن نفسها، فتطيح بالمغيرة وتقضى كل حياته، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فقد أخذ المشاهدون ينظرون إلى المغيرة بن شعبة في ذهول، وهو يضرب ذلك الصنم الذي يُعبَدُ من دون الله في الطائف آلاف السنين، فيهدمه حجرًا حجرًا، حتى أتى عليه من القواعد دون أن يناله أىُّ مكروه.

стр. 2384

وبهدم صنم اللات انتهت خرافة من أعظم الخرافات في جزيرة العرب، وهي خرافة اللات أعظم الآلهة عند الوثنيين العرب، ثم قام المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب بتحطيم ما بقى من أوثان لثقيف في المنطقة، وبتكسير وتحطيم اللات وبقية أوثانهم أزيل آخر أثر للوثنية في منطقة الحجاز. كيف أضحك المغيرة الناس من ثقيف ويذكر المؤرخون وأصحاب السير أن المغيرة بن شعبة (كى يضحك الناس من ثقيف ويبرهن على اعتقادهم الخاطئ وغبائهم الكبير وأنهم كانوا يعيشون وأجدادهم وهمًا) مع هذا الصنم اللات آلاف السنين تظاهر -وهو يهدم الطاغية اللات- بأنها قد أصابته انتقامًا لنفسها، فخرّ متظاهرًا بأنه مغشى عليه، ليرى كيف يكون ردّ الفعل عند الجماهير المحتشدة حول الصنم، ولقد كان رد الفعل كبيرًا بين هذه الجماهير، فلم يكد المغيرة يسقط ويتظاهر بأنه مغشى عليه حتى تصايحت الجماهير المخدوعة فخورة بآلهتها اللات، معلنة أن الربة -كما يسمونها- لن تسكت على من يريد أن يمسها بسوء. وبينما كانت الجماهير المغفلة المخدوعة في نشوة وهمها بأن اللات قد انتصرت لنفسها، إذا بالمغيرة بن شعبة يقف ساخرًا من تلك العقول الضالة، وموجها الحديث (في توبيخ وتقريع) لأولئك القوم من أهله قائلًا: (يا معشر ثقيف، كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم، ويحكم، وما اللات والعزّى، وما الرَّبة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدرى من عبده ومن لم يعبده، ويحكم أتسمع اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر؟ ثم هدمها وهدم الناس معه (١)). وفي مصادر الحديث عن هدم الصنم اللات جاء أن بني معتّب قوم المغيرة بن شعبة، عندما تبلَّغوا أن المغيرة ابنهم سيتولى بنفسه هدم (اللات) لبسوا السلاح ووقفوا إلى جانبه مخافة أن تعتدى عليه ثقيف بالقتل كما اعتدت على عمّه عروة بن مسعود، فقام بنو معتّب يحرسون المغيرة حتى انتهى من هدم

стр. 2385

اللات، فلم تقدر أن تناله ثقيف بأي أذى، ولهذا السبب طلب أبو سفيان من المغيرة بن شعبة أن يكون هو البادئ بهدم صنم قومه، لأن أبا سفيان يعلم أن عشيرة المغيرة سيحمونه بالسلاح (١). حديث الواقدي المطوّل عن ثقيف وصنمها اللات: ويحدثنا الإِمام الواقدي (بإسهاب) عن تدنِّي مستوى العقول التي كانت تعكف على تقديس اللات والعزّى، وعن المضاعفات والمتاعب التي لقيها الوفد الثقفى في سبيل إقناع ثقيف بالتخلى عن عبادة اللات وبقية الأصنام، وقد سلك الوفد مختلف السبل ولجأ إلى شتى الحيل حتى تمكن من إقناع ثقيف بأن أسلم وسيلة لهم هي الدخول في الإِسلام ففعلوا. قال الواقدي -يصف قدوم الوفد علي قومهم ثقيف وما قابلوهم به: (ثم خرج الوفد عامدين إلى الطائف)، فلما دنوا من ثقيف قال عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموها القضية -أي الاتفاقية التي تمت بين الوفد وبين الرسول ﷺ وخوّفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدًا سألنا أمورًا عظّمناها فأبيناها عليه، ويسألنا تحريم الزنا والخمر، وأن نبطل أموالنا في لربا، وأن نهدم الرَّبة. وخرجت ثقيف حين دنا الوفد، فَلَمَّا رآهم الوفد ساروا العنق (٢) وقطروا الإبل، وتغشّوا بثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، فقال بعضهم: ما جاء وفدكم بخير، ودخل الوفد، فكان أول ما بدأوا به على اللات، فقال القوم حين نزول الوفد إليها، وكانوا كذلك يفعلون، فدخل القوم وهم مسلمون فنظر فيما خرجوا يدرأون به عن أنفسهم، وقالت ثقيف: كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها، ثم رجع كل واحد إلى أهلة، وأتي رجالًا منهم جماعة من ثقيف فسألوهم: ماذا رجعتم به؟ وقد كان الوفد قد استأذنوا النبي ﷺ أن ينالوا منه فرخّص لهم، فقالوا: جئناكم من عند رجل فظ غليظ، يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف، وأداخ
следующие страницы →