وله يقول المتلمس في هجائه عمرو بن المنذر:
أطردتنى حذَرَ الهُجاء ... واللات والأنصاب لا تئل
فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. وفي ذلك يقول ابن عارض الجُشَمى حين هُدِّمت وحُرِّقت ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها.
لا تنصروا اللاتَ إنَّ الله ملكُها ... كيف نصركموا من ليس ينتصرُ
إنَّ التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتِل لدى أحجارها هَدَرُ
إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يظعن وليس بها من أهلها بَشرُ
وقال أوس بن حجر يحلف باللات.
وباللات والعزّى ومن دانَ دينَها ... وبالله إن الله منهن أكبر (١)
كان صنم اللات أعظم أصنام العرب شأنًا في نفوس ثقيف خاصة والعرب عامة، وكأننا قد مرَّت آلاف السنين والأعراب في الطائف يتوارثون تقديس وتعظيم هذا الصنم جيلًا بعد جيل، وكان وفد ثقيف الذي ذهب إلى المدينة برئاسة عبد ياليل يعرف ما لهذا الصنم الطاغية من منزلة في نفوسِ ثقيف الذين قتلوا سيدهم عروة بن مسعود لأنه عندما عاد من المدينة مسلمًا لم يحلق رأسه عند هذا الصنم كما هي عادتهم، بل رفع شعار التوحيد وهو الأذان.
وحتى بعد أن أسلم رجال الوفد في المدينة وحسن إسلامهم فقد كانوا يتصورون الصعوبات التي سيلاقونها لإِقناع قومهم باعتزال الصنم اللات والقبول بتحطيمها كشرط أساسى لصحة إسلامهم.
لهذا كان وفد المفاوضة من ثقيف (وهو يفاوض الرسول ﷺ للدخول في الإِسلام) أفصح عن تخوّفه من التحطيم الفورى للطاغية (اللات) وكان هذا التخوّف ناتجًا عَمَّا يتوقعونه من النقمة التي سيتعَرضون لها من جماهير ثقيف
стр. 2382
إن هم رأوا زعماءهم من رجال الوفد، يعودون من المدينة وهم يحملون مشروع تحطيم اللات التي ظلت إلهًا عبر آلاف السنين.
لذا طلب عبد ياليل وبقية أعضاء وفده، طلبوا من الرسول ﷺ أن يسمح ببقاء (اللات) ويتجاوز عن بقائها لمدة ثلاث سنوات، على أساس أن يسعى زعماء ثقيف خلالها للتطمين من نفار نفوس الثقفيين وترويضها حتى يدخلوا في الإسلام ويرضوا (بدون متاعب) بتحطيم (اللات) صنمهم الأكبر.
غير أن الرسول ﷺ الذي ما جاء إلا لمحو كل أثر من آثار الوثنية رفض طلب الوفد الثقفى وأصر (إقامة للتوحيد) على أن يهدم صنم اللات في الحال وبمجرد التمكن من هدمه، لأن بقاء هذا الصنم يبقى ما له من تقديس في نفوس جاهير ثقيف، وهذا لا يساعد على نشر الإِسلام بينهم، بل على العكس يشكل عائقًا كبيرا في هذا السبيل.
ولأن السماح (من جهة أخرى) ببقاء هذا الصنم مع وجود سلطان الإسلام على ثقيف، يعني موافقة الرسول ﷺ على أن تمارس طقوس الشرك إلى جانب قيام التوحيد، وهو تناقض ترفضه طبيعة الإِسلام وأبى القبول به الرسول ﷺ وهو في أشد أيام محنته عندما كان بمكة قبل الهجرة في قلة قليلة جدًّا من أصحابه، وعندما لم تكن له أية قوة عسكرية تقف إلى جانبه، فكيف يوافق (إذن) علي هذا التناقض وقد دانت كل الجزيرة العربية وأصبحت كلها عسكرًا للتوحيد.
لهذا رفض الرسول ﷺ السماح ببقاء اللات، وأصر على أن أول عمل يجب أن يتم عند عودة وفد ثقيف إلى الطائف هو تحطيم صنم (اللات) فلم يسع الوفد الثقفى (وقد دان بالإسلام إلا أن يوافق على ذلك).
إلا أن رجال الوفد الثقفى تقدموا إلى الرسول ﷺ بالتماس يطلبون فيه إعفاءهم من أن يحطموا صنم اللات وبقية الأصنام بأيديهم، ولما لم يكن في تحقيق هذا الطلب أي أثر صار على دعوة التوحيد أو على إسلام رجال الوفد، فقد وافق الرسول ﷺ الوفد الثقفي على التماسهم قائلًا: (أما كسر أوثانكم
стр. 2383
بأيديكم فسنعفيكم منه (١)، وقال أنا آمر أصحابي أن يكسروها).
وقد عاد الوفد الثقفى إلى الطائف، بعد أن أعلنوا دخول ثقيف في الإِسلام، أما مهمة تحطيم اللات وبقية أصنام ثقيف فقد أوكلها الرسول ﷺ إلى أبي سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفى، وقد توجه أبو سفيان والمغيرة إلى الطائف لتنفيذ أوامر الرسول ﷺ بشأن هدم الطاغية اللات وبقية الأصنام.
وعندما وصلا الطائف طلب المغيرة من أبي سفيان أن يتقدم ويشرع في هدم (اللات) ولكنَّ أبا سفيان -وقد علم ما أصاب عروة بن مسعود على يد قومه حين قتلوه لما لم يقدّس اللات- طلب هو من المغيرة أن يبدأ هو الهدم قائلًا: (ادخل على قومك أنت (٢)) فاتجه المغيرة بنفسه إلى صنم قومه اللات يصحبه بضعة عشر رجلًا، ليتولى نسف اللات وما حولها من أبنية تابعة لها، فوجد المغيرة حشدًا كبيرًا من عامة ثقيف حول صنم (اللات)، ولكنهم عندما شرع الغيرة في هدم اللات، لم يبدوا أية مقاومة مسلحة، إلا أن بني معتّب من ثقيف (قوم المغيرة) حاولوا إقناعه بعدم توريط نفسه في هدم اللات، فنصحوه بأن لا يُقدِم على الهدم خوفًا عليه (بزعمهم) من أن يُصيبه مكروه من ذلك الصنم، لما بقى في نفوسهم من رواسب الاعتقاد الجاهلى في هذا الصنم.
إلا أن المغيرة (وهو المكين في الإِسلام) سخر من تحذير قومه السخيف، ثم حمل المعول -أمام الجماهير المحتشدة- وتسلق- بناية صنمهم (اللات) حتى بلغ رأسه والعامة لا تشك- لما في نفوسهم من اعتقاد وثنى في اللات- في أن اللات ستدافع عن نفسها، فتطيح بالمغيرة وتقضى كل حياته، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فقد أخذ المشاهدون ينظرون إلى المغيرة بن شعبة في ذهول، وهو يضرب ذلك الصنم الذي يُعبَدُ من دون الله في الطائف آلاف السنين، فيهدمه حجرًا حجرًا، حتى أتى عليه من القواعد دون أن يناله أىُّ مكروه.
стр. 2384
وبهدم صنم اللات انتهت خرافة من أعظم الخرافات في جزيرة العرب، وهي خرافة اللات أعظم الآلهة عند الوثنيين العرب، ثم قام المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب بتحطيم ما بقى من أوثان لثقيف في المنطقة، وبتكسير وتحطيم اللات وبقية أوثانهم أزيل آخر أثر للوثنية في منطقة الحجاز.
كيف أضحك المغيرة الناس من ثقيف
ويذكر المؤرخون وأصحاب السير أن المغيرة بن شعبة (كى يضحك الناس من ثقيف ويبرهن على اعتقادهم الخاطئ وغبائهم الكبير وأنهم كانوا يعيشون وأجدادهم وهمًا) مع هذا الصنم اللات آلاف السنين تظاهر -وهو يهدم الطاغية اللات- بأنها قد أصابته انتقامًا لنفسها، فخرّ متظاهرًا بأنه مغشى عليه، ليرى كيف يكون ردّ الفعل عند الجماهير المحتشدة حول الصنم، ولقد كان رد الفعل كبيرًا بين هذه الجماهير، فلم يكد المغيرة يسقط ويتظاهر بأنه مغشى عليه حتى تصايحت الجماهير المخدوعة فخورة بآلهتها اللات، معلنة أن الربة -كما يسمونها- لن تسكت على من يريد أن يمسها بسوء.
وبينما كانت الجماهير المغفلة المخدوعة في نشوة وهمها بأن اللات قد انتصرت لنفسها، إذا بالمغيرة بن شعبة يقف ساخرًا من تلك العقول الضالة، وموجها الحديث (في توبيخ وتقريع) لأولئك القوم من أهله قائلًا: (يا معشر ثقيف، كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم، ويحكم، وما اللات والعزّى، وما الرَّبة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدرى من عبده ومن لم يعبده، ويحكم أتسمع اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر؟ ثم هدمها وهدم الناس معه (١)).
وفي مصادر الحديث عن هدم الصنم اللات جاء أن بني معتّب قوم المغيرة بن شعبة، عندما تبلَّغوا أن المغيرة ابنهم سيتولى بنفسه هدم (اللات) لبسوا السلاح ووقفوا إلى جانبه مخافة أن تعتدى عليه ثقيف بالقتل كما اعتدت على عمّه عروة بن مسعود، فقام بنو معتّب يحرسون المغيرة حتى انتهى من هدم
стр. 2385
اللات، فلم تقدر أن تناله ثقيف بأي أذى، ولهذا السبب طلب أبو سفيان من المغيرة بن شعبة أن يكون هو البادئ بهدم صنم قومه، لأن أبا سفيان يعلم أن عشيرة المغيرة سيحمونه بالسلاح (١).
حديث الواقدي المطوّل عن ثقيف وصنمها اللات:
ويحدثنا الإِمام الواقدي (بإسهاب) عن تدنِّي مستوى العقول التي كانت تعكف على تقديس اللات والعزّى، وعن المضاعفات والمتاعب التي لقيها الوفد الثقفى في سبيل إقناع ثقيف بالتخلى عن عبادة اللات وبقية الأصنام، وقد سلك الوفد مختلف السبل ولجأ إلى شتى الحيل حتى تمكن من إقناع ثقيف بأن أسلم وسيلة لهم هي الدخول في الإِسلام ففعلوا.
قال الواقدي -يصف قدوم الوفد علي قومهم ثقيف وما قابلوهم به: (ثم خرج الوفد عامدين إلى الطائف)، فلما دنوا من ثقيف قال عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموها القضية -أي الاتفاقية التي تمت بين الوفد وبين الرسول ﷺ وخوّفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدًا سألنا أمورًا عظّمناها فأبيناها عليه، ويسألنا تحريم الزنا والخمر، وأن نبطل أموالنا في لربا، وأن نهدم الرَّبة.
وخرجت ثقيف حين دنا الوفد، فَلَمَّا رآهم الوفد ساروا العنق (٢) وقطروا الإبل، وتغشّوا بثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، فقال بعضهم: ما جاء وفدكم بخير، ودخل الوفد، فكان أول ما بدأوا به على اللات، فقال القوم حين نزول الوفد إليها، وكانوا كذلك يفعلون، فدخل القوم وهم مسلمون فنظر فيما خرجوا يدرأون به عن أنفسهم، وقالت ثقيف: كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها، ثم رجع كل واحد إلى أهلة، وأتي رجالًا منهم جماعة من ثقيف فسألوهم: ماذا رجعتم به؟ وقد كان الوفد قد استأذنوا النبي ﷺ أن ينالوا منه فرخّص لهم، فقالوا: جئناكم من عند رجل فظ غليظ، يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف، وأداخ
стр. 2386
العرب (١) ودان له الناس، ورعبت منه بنو الأصفر في حصونهم، والناس فيه إما راغب في دينه وأما خائف من السيف، فعرض علينا أمورًا شديدة أعظمناها فتركناها عليه، حرّم علينا الزنا، والخمر والربا، وأن نهدم الرّبة. فقالت ثقيف: لا نفعل هذا أبدًا. فقال الوفد: لعمرى قد كرهنا ذلك وأعظمناه، ورأينا أنه لم ينصفنا، فأصلحوا سلاحكم، ورمَّوا حصنكم، وانصبوا العرّادات عليه والمنجنيق، وأدخلوا طعام سنة أو سنتين في حصنكم، لا يحاصركم أكثر من سنتين، واحفروا خندقًا من وراء حصنكم، وعاجلوا ذلك فإن أمره قد ظل لا نأمنه، فمكثوا بذلك يومًا أو يومين، يريدون القتال، ثم أدخل الله ﵎ في قلوبهم الرعب فقالوا: ما لنا به طاقة، وقد أداخ العرب كلها، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه، واكتبوا بينكم كتابًا قبل أن يسير إلينا ويبعث الجيوش.
فلما رأى الوفد أن قد سلموا بالقضية، ورعبوا من النبي ﷺ ، ورغبوا في الإسلام، واختاروا الأمن على الخوف، قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببناه، وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس، وأبرّ الناس، وأوصل الناس، وأوفى الناس، وأصدق الناس، وأرحم الناس، وقد تركنا من هدم الربة وأبينا أن نهدمها، وقال: (أبعث من يهدمها)، وهو يبعث من يهدمها. قال: يقول شيخ من ثقيف قد بقى في قلبه شيء من الشرك بعد بقية: فذاك والله مصداق ما بيننا وبينه، إن قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء، فقال عثمان بن العاص: منَّتك نفسك الباطل وغرَّتك الغرور، ومات الرَّبة؟ وما تدرى الرَّبة من عبدها ومن لم يعبدها؟ كما كانت العزَّى، ما تدرى من عبدها ومن لم يعبدها، جاءها خالد بن الوليد وحده فهدمها، وكذلك إساف (٢) ونائلة وهبل (٣)، ومناة
стр. 2387
خرج إليها رجل واحد فهدمها، وسواع (١)، خرج إليه رجل واحد فهدمه، فهل امتنع شيء منهم؟ قال الثقفى: إنَّ الربة لا تشبه شيئًا مما ذكرت، قال عثمان: سترى.
ثم يستمر الإِمام الواقدي فيقول: وأقام أبو سفيان والمغيرة بن شعبة يومين أو ثلاثة، ثم خرجوا وقد تحكم أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود، وهما يريدان يسيران مع أبي يسفيان والمغيرة إلى هدم الربة، فقال أبو مليح يا رسول
стр. 2388
الله، إن أبي قتل وعليه دين، مائتا مثقال ذهب، فإن رأيت أن تقضيه من حليّ الرّبة فعلت. فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال قارب بن الأسود: وعن الأسود بن مسعود أبي، فإنه قد ترك دينًا مثل دين عروة، فقال رسول الله ﷺ : إنَّ الأسود مات وهو كافر. فقال قارب. تصل به قرابة، إنما الدين عليَّ وأنا مطلوب به. فقال رسول الله ﷺ : إذًا أفعل. فقضى عن عروة والأسود دينهما من مال الطاغية.
وخرج أبو سفيان والمغيرة وأصحابهما لهدم الربة فلما دنوا من الطائف قال (المغيرة) لأبي سفيان: تقدم فادخل لأمر النبي ﷺ . فقال أبو سفيان: بل تقدم أنت على قومك، فتقدم المغيرة في بضعة عشر رجلًا يهدمون الربة، فلما نزلوا بالطائف نزلوا عشاء فباتوا، ثم غدوا على الربة يهدمونها، فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: لأضحكنكم اليوم من ثقيف. فأخذ العول واستوى على رأس الربة ومعه العول؛ وقام قومه بنو معتّب دونه، معهم السلاح مخافة أن يصاب كما فعل بعمه عروة بن مسعود. وجاء أبو سفيان وهو على ذلك فقال: كلا، زعمت تقدمنى أنت إلى الطاغية، تراني لو قمت أهدمها كانت بنو معتب تقوم دونى؟ قال المغيرة: إن القوم قد واضعوهم هذا قبل أن تقدم، فأحبوا الأمن على الخوف.
قال الواقدي: وقد خرج نساء ثقيف حسرًا (١) يبكين على الطاغية، والعبيد، والصبيان، والرجال منكشفون، والأبكار خرجن. فلما ضرب المغيرة ضربة بالمعول سقط مغشيًا عليه يرتكض، فصاح أهل الطائف صيحة واحدة: كلا، زعمتم أن الربة لا تمتنع، بلى والله لتمتنعن، وأقام المغيرة مليًا على حاله تلك، ثم استوى جالسًا فقال: يا معشر ثقيف كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم، ويحكم، وما اللات والعزى، وما الربة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدرى من يعبده ومن لم يعبده، ويحكم، أتسمع اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر، ثم هدمها وهدم الناس معه، فجعل السادن يقول: - وكانت سدنة اللات من ثقيف بنو العجلان بن عتاب بن مالك، وصاحبها
стр. 2389
منهم عتاب بن مالك بن كعب ثم بنوه بعده- يقول: سترون إذا انتهي إلى أساسها، يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم.
فلما سمع بذاك المغيرة ولى حفر الأساس حتى بلغ نصف قامة، وانتهى إلى الغبغب خزانتها، وانتزعوا حليها وكسومها وما فيها من طيب ومن ذهب أو فضة. قال: تقول عجوز منهم: أسلمها الرضاع (١)، وتركوا المصاع (٢)، وأعطى رسول الله ﷺ مما وجد فيها أبا مليح، وقاربا، وناسا، وجعل في سبيل الله وفي السلاح منها، ثم إن رسول الله ﷺ كتب لثقيف: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من النبي رسول الله ﷺ إلى المؤمنين، إن عضاه وجّ (٣) وصيده لا يعضد، ومن وجد يفعل ذلك يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ محمدًا، فإن هذا أمر النبي محمد ﷺ ".وكتب خالد بن سعيد بأمر النبي الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ ونهى النبي ﷺ عن قطع عضاه وجّ وعن صيده. وكان الرجل يوجد يفعل ذلك فتنزع ثيابه. واستعمل رسول الله ﷺ على حمى وجّ سعد بن أبي وقاص (٤)
وهكذا وبانتهاء هدم اللات وبدخول ثقيف في الإِسلام انتهت آخر مرحلة من مراحل الصراع بين الإِسلام والوثنية في منطقة الحجاز، حيث أصبحت كل هذه المنطقة داخلة في حظيرة الإِسلام، ولم يعد للوثنية أي وجود في أية ناحية من نواحى الحجاز، وكان إسلام ثقيف في أواخر السنة التاسعة للهجرة. أي بعد مرور حوالي سنة على انهزام ثقيف وكل هوازن في معركة حنين الحاسمة. والعام التاسع من الهجرة، هو المسمى بعام الوفود، وفيه أنزل الله تعالى على نبيه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥).
стр. 2390
الفصل السادس (نظرة وتحليل)
• وقفة عند عدد قتلى الفريقين في المعركة.
• دروس من حنين.
• أسباب هزيمة المسلمين في المرحلة الأولى.
• أسباب انتصار المسلمين بعد انهزامهم.
• ثبات الرسول ﷺ ساعة الهزيمة هو نقطة التحول في تصحيح وضع المسلمين.
• أسباب هزيمة هوازن بعد انتصارها.
• أسباب فشل حصار الطائف.
стр. 2391
قتلى الفريقين في معركة حنين:
برجوعنا إلى مصادر التاريخ الإسلامي كالطبرى والواقدى وابن إسحاق، لم نجد هؤلاء يذكرون سوى أربعة استشهدوا يوم حنين. وهم.
١ - أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ . وعدَّه ابن إسحاق من قريش.
٢ - سراقة بن الحارث من الأنصار.
٣ - رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان ويهمله ابن إسحاق، ويذكر بدلًا منه يزيد بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب، بينما يذكر الواقدي أن يزيدًا استشهد في حصار الطائف لا في حنين.
٤ - أبو عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري.
أما قتلى المشركين، فلم يذكر المؤرخون أية تفاصيل عنهم.، فلم يذكروا (مثلًا) أسماء أحد منهم أربعة رجال من بني مالك هم:
١ - اللجلاج.
٢ - ورجل يقال له وهب.
٣ - عثمان بن عبد الله، وكان سيد ثقيف.
٤ - عوف بن الربيع وهو الملقب بذى الخمار.
ورغم عدم إعطاء المؤرخين جدولًا بأسماء القتلى من مشركى هوازن، فإنه يفهم من ثنايا حديثهم عن المعركة أن عدد القتلى بين هوازن كان كبيرًا.
فمثلًا ذكر الواقدي أن ثقيفًا وحدها فقدت في المعركة ما يقارب المائة قتيل كما ذكر (كما تقدم في هذا البحث) أن قبيلة بني نصر (قوم القائد العام لهوازن) استحر بينها القتل حتى كادت تفنى مما حدا ببعض المسلمين من بني نصر هؤلاء أبي أن قال (إشفاقًا على قومه رغم شركهم)، يا رسول الله، هلكت بنو رباب، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اجبر مصيبتهم- وقبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن ولا شك أنها تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها، معناه أن قتلاها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من هوازن تشم من حديث المؤرخين عن ضحاياهما أنها بلغت المئات
стр. 2392
فكم هي إذن الضحايا بين العشائر الأخرى من هوازن؟ لا شك أنها تعد بالمئات أيضًا، وهذا غير مستغرب، لأن طبيعة المعركة تفرض أن تكون الضحايا كثيرة جدًّا، لأنها معركة لم يدر مثلها (بعد مؤتة) في الضراوة والشراسة والعنف حيث صبر الفريقان فيها صبرًا عظيمًا كما تقدم وصفه في هذا البحث.
تعليق على عدد القتلى المسلمين:
وإذا كان يستشف من حديث أصحاب السير والمغازى أن هوازن قد فقدت (تقريبًا) أكثر من ألف قتيل، فإن أصحاب السير، المغازي هؤلاء قد وضعوا جدولًا لقتلى المسلمين لم يذكروا فيه (كما تقدم) أكثر من أربعة شهداء، ونحن -واستنادًا إلى نظرية فيلسوف التاريخ الإِمام ابن خلدون الذي ذكرها في مقدمته- نرى أن هذا العدد (بالنسبة لمستوي المعركة الضارية قليل) فنقول:
مما لا جدال فيه ولا اختلاف بين أصحاب السير والمغازى أن معركة حنين هي (بعد معركة مؤتة) أعنف معركة يخوضها الجيش النبوي، وقد شهد بذلك الصادق المصدوق النبي ﷺ حين قال -بعد أن عاد المنهزمون المسلمون إلى الميدان: الآن سمى الوطيس، وهذا قول يصوِّر شدة القتال وضراوته، وهو قول، لم يقل الرسول ﷺ مثله في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته .. قول يجسد ويصوِّر صبر الفريقين في القتال العنيف الضارى، لأن الوطيس في القتال لا يحمى إلا إذا تصافح المحاربون بالسيوف وتداسروا بالرماح وتراشقوا بالنبل على أعلى مستؤيات القتال في ثبات وصبر وعناد.
وهوازن قبيلة محاربة على مستوى ممتاز وقواتها المشتركة في المعركة قوات كثيفة حددها المؤرخون بعشرين ألف مقاتل، كما أن هذه القوات الكثيفة كانت تحت قيادة ملك فتى باسل هو في القمة من حيث الشجاعة والخبرة بالحرب وأساليبها، وكان جيشه الكثيف شديد الانضباط، إلى درجة رأينا معها كيف أطاع عامة الجيش وسمعوا لقائدهم الشاب، رغم الغلطة التعبوية التي ارتكبها، والمتمثلة في إجبار جند هوازن على أن يصطحبوا معهم إلى ميدان القتال النساء
стр. 2393
والأطفال والأموال، وهي الغلطة التي نبه المحارب المجرب دريد بن الصمَّة الجشمى القائد مالكًا إليها وطالبه بشدة أن يتراجع عنها. فرفض استنادًا إلى ما ترسخ في اعتقاده أن ما أقدم عليه بهذا الشأن سيكون من أكبر الحوافز للجند على الثبات وعدم التفكير في الهرب. وفعلًا ثبت جند هوازن حتى فقدوا (وهم صابرون) ما لا يقل عن ألف قتيل في تقديرنا استنادًا إلى إشارات أصحاب المغازي والسير.
ثم إننا (كما شهد المؤرخون أنفسهم) رأينا كيف نزلت الهزيمة المروِّعة بجيش الإِسلام في المرحلة الأولى من المعركة حتى وصلت طلائعه المنهزمة قريبًا من مكة، والمنهزم الهارب يكون القتل فيه كثيرًا دونما جدال، لا سيما إذا كان عدوّه المنتصر يطارده لينزل به أكبر خسارة ممكنة في الأرواح، وهو ما فعلته هوازن المنتصرة (بشهادة أصحاب المغازي والسير) في أول المعركة، وكانت هوازن عشرين ألفًا والمسلمون اثنى عشر ألفًا.
يضاف إلى ذلك (وهو الأهم) نجاح كمائن هوازن في هجومها الصاعق على المسلمين، فقد انقضت الكمائن بأسلوب صاعق مباغت عند الفجر على الجيش النبوي وهاجمته بمختلف الأسلحة بما في ذلك الخيل، كما قصف رجال الكمائن الهوازنية المسلمين من مختلف الجهات بوابل من النبال وصفها بعض المؤرخين لكثافتها كأنما أرجال الجراد. وهذه النبال لا بد وأن تصيب مقاتل كثير من الذين تعرَّضوا لها لاسيما وأنهم كانوا مكشوفين لرماة النبل الذين كانوا يتربصونهم وراء التلال دون أن يعلموا عنهم شيئًا.
وقد رأينا -أثناء حصار الطائف- كيف قُتل أربعة عشر من المسلمين بنبال الثقفيين الذين كانوا في حصونهم، رغم أن المسلمين كانوا على استعداد وحذر، وكانوا بعيدين عن مرمى النبال ومستترين بمختلف، الآلات والوسائل.
فكيف إذن (ومع كل الذي أوضحناه) يكون كل قتلى المسلمين في معركة حنين من أولها إلى آخرها أربعة قتلى فقط؟ .
إن الذي نراه (وهذا مجرد استنتاج وتقييم) أن شهداء المسلمين في معركة حنين أكثر بكثير من الذي ذكره الواقدي وابن إسحاق والطبرى، ولا ندرى (طبعًا) بالتحديد كم هم عدد الشهداء الذين نعتقد أنهم سقطوا في ميدان
стр. 2394
الشرف بحنين، ولكنهم (في نظرنا) يبلغون المئات، وهو عدد لا بد وأن يسلم به كل خبير عسكرى درس وصف المؤرخين لمراحل معركة حنين الطاحنة.
ونحن بهذا لا نتهم الأئمة الأعلام من أصحاب السير والمغازى بإخفاء الحقائق، كلا وألف كلا. بل نؤكد أنهم مثال النزاهة والأمانة والصدق، فهم (كما ذكرنا في كتابنا غزوة مؤتة) أمناء ثقات يقدِّرون مسؤولية ما يكتبون لمن بعدهم من الأجيال، وانطلاقًا من قاعدة الأمانة في النقل التي التزموها لم يذكروا من شهداء معركة حنين إلا ما وصل إلى علمهم عن طريق الثقات، وهم أربعة شهداء فقط.
ولكن هؤلاء المؤرخون الأعلام أثبتوا بالتفصيل ضراوة المعركة وشدتها وطول وقتها وذكروا ما يشير إلى أن قتلى المشركين بلغوا المئات دون أن يضعوا جدولًا سوى لأسماء أربعة منهم على رأسهما قائد قوات ثقيف عبد الله بن عثمان.
ثم إننا (مع ترجيحنا القوى بأن قتلى المسلمين في حنين قد وصلوا المئات) وترجيحنا هذا مبنى على ما درسناه من مراحل القتال الشرس والضارى ابتداء من انهزام إثنى عشر ألف مقاتل (أول الأمر) وهم المسلمون وملاحقة عشرين ألف مقاتل لهم يخبطونهما بالسيوف ويطعنونهما بالرماح ويرمونهم بالنبال، وهم المشركون، مدة من الزمن، ثم رجوع المنهزمين المسلمين والتحامهم مع المنتصرين المشركين في قتال شرس ضار لم يصف الرسول مثله في الضراوة بسبب صبر الفريقين وذلك بقوله ﷺ : "الآن حمى الوطيس". إننا مع ترجيحنا هذا نعتز بنزاهة وأمانة أئمتنا المؤرخين الأعلام الذين لم يكتبوا لنا في مؤلفاتهم إلا أسماء ما وصل إلى علمهم من شهداء المسلمين وهم أربعة .. كما لم يذكروا أيضًا إلا أربعة فقط من القتلى وكلهم من ثقيف.
ثم إن عدم حصول أئمة المغازي والسير على أعداد تفصيلية أو إجمالية لعدد شهداء المسلمين في معركة حنين وفي غيرها مثل معركة مؤتة (وهي في نظرنا أعداد كثيرة) يرجع إلى عدة أمور.
١ - أنه لم يكن هناك (لا في قيادات المسلمين ولا في قيادات المشركين) قسم إدارى مهمته إحصاء القتلى وتقديم قوائم بأسمائهم كما هو النظام السائد في الجيوش العصرية.
стр. 2395
٢ - ليس هناك (كما قلنا في كتابنا غزوة مؤتة) ديوان إحصاء للجند يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش بحيث يمكن الرجوع إلى هذا السجل لعرفة عدد وأسماء الشهداء فيسهل على المختصين بأخبار المغازي والسير وضع قوائم بأسماء هؤلاء الشهداء في مؤلفاتهم.
٣ - يؤلف أبناء البادية من مختلف القبائل الأغلبية في الجيش النبوي يوم حنين، وهؤلاء بعد معركة حنين وحصار الطائف تفرقوا راجعين إلى قمم الجبال وبطون الوديان في بواديهم المنتشرة في طول الجزيرة وعرضها، ولا شك أن كل عشيرة علمت بشهدائها، ولكن من الصعب على المختصين بتدوين أخبار المغازي والحروب في العهد النبوي، الحصول من هؤلاء البدو على عدد وأسماء الشهداء من أبناء هذه العشائر، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاهتمام بتدوين أخبار الحروب الإسلامية في العهد النبوي لم يكن من المؤرخين إلا في أواسط أواخر القرن الثاني الهجرى.
من هنا جاء تقديرنا واستنتاجنا بأن هناك للإسلام جنودًا كثيرين استشهدوا في معركة حنين لم يصل إلى علم المؤرخين الأوائل عددههم وأسماؤهم، وأكثرهم (علي الأرجح) من أبناء البادية الذين يمثلون أكثرية الجيش المحارب في حنين.
هذا كما قلنا (في تعقيبنا على شهداء غزوة مؤتة) مجرد استنتاج وتقييم جعلنا نبديها استساغتنا -بل والتزامنا- للقاعدة الفلسفية التاريخية التي وضعها فيلسوف التاريخ والاجتماع الأول الإِمام عبد الرحمن بن خلدون الكندى الحضرمي في مقدمته الذائعة الصيت، والقائلة: إن على المؤرخ الباحث أن لا يجمد على النصوص المتعلقة بالتاريخ، بل عليه (مع فحص النصوص) أن يقيم الأحداث ويزن الأمور بميزان العقل فيرفض تصديق ما لا يقبله العقل والوجدان (كقصة العبّاسة أخت الرشيد) كما عليه أن يستخرج الحقائق على ضوء الواقع التاريخي والتي قد لا تكون النصوص التاريخية المسطورة قد ذكرتها ولكنَّ سياق هذه النصوص تُستشف منه هذه الحقائق كالترجيح بأن عدد شهداء المسلمين في معركتى حنين ومؤتة أكثر مما أورده أصحاب المغازي في كتبهم ﵃.
стр. 2396
بين أحد وبدر وحنين:
قد يقول قائل: -لمعارضة استنتاجنا وتقدير هذا: - ولكن كيف تمكن أصحاب المغازي والسير من وضع جدول دقيق لقتلى الفريقين (المسلمين والمشركين) في كل من معركتى بدر وأحد بل وحتى عدد الأسرى من المشركين في بدر، وذكر اسم كل واحد من أولئك القتلى من الفريقين والأسرى من المشركين؟ .
والجواب على هذا التساؤل هو كما يلي:
١ - إن المتحاربين في هاتين المعركتين كل فريق منهم يمثل عنصرًا واحدًا أشبه ما يكون بالعائلة الواحدة بحيث يعرف كل أفراد هذه العائلة بعضهم البعض فردًا فردًا.
فقريش (مثلًا) قبيلة واحدة خرجت من مدينة واحدة وكل عشيرة بل كل العشائر القرشية تعرف بالتحديد عدد وأسماء المشركين من قريش في المعركتين.
ومثل ذلك يقال في المقاتلين المسلمين من أهل المدينة فهم عنصر واحد كذلك أشبه بعائلة واحدة يعرف أفراد هذه العائلة بعضهم بعضًا فردًا فردًا فمن السهل جدًّا التعرف على اسم الرجل الذي يفقدون في أي المعركتين أحد أو بدر، وهذا بالنسبة للفريقين المشركين والمسلمين، على حد سواء. وإذا كان الأنصار لا يعرفون أسماء كل القوات القرشية المشتركة في كل من معركتى بدر وأحد، فإن فيهم من المهاجرين (كلهم من قريش) عدد غير قليل يعرف كل واحد منهم اسم ونسب كل جندى مشرك اشترك في أي من المعركتين لأن هؤلاء المشركين نشأوا وهؤلاء المهاجرين في بلدة واحدة هي مكة، فهم أبناء بلدة واحدة ومن قبيلة واحدة هي قريش أو الأحابيش الذين يعتبرون من قريش أيضًا.
٢ - بالإضافة إلى ما تقدم فإن عدد المحاربين المسلمين في كلتا المعركتين محدود، فهم في معركة بدر حوالي ثلاثمائة، وفي معركة أحد حوالي سبعمائة، فهم مع هذا العدد المحدود، عندما خرجوا إلى كلتا المعركتين محفوظة أسماؤهم
стр. 2397
في سجل مضبوط، وإن كان سجلًا غير مكتوب حيث كان هذا السجل صدور نساء ورجال أهل المدينة الذين يحفظون بكل دقة أسماء وأنساب هؤلاء الذين خرجوا من المدينة إلى كلّ من المعركتين، ومثل هذا القول ينطبق على المشركين من قريش، من هنا سهل على أصحاب المغازي والسير معرفة عدد بل وأنساب القتلى من الفريقين في كلتا المعركتين وكذلك عدد وأسماء وأنساب الأسري من المشركين. أما في كل من معركة مؤتة وحنين، فالأمر يختلف اختلافًا كبيرًا، فالجيش فيهما مؤلف من قبائل عديدة وخاصة في فتح مكة ومعركة حنين كما هو موضح في جدول المحاربين لأسماء القبائل المشتركة في فتح مكة (انظر كتابنا فتح مكة) وهذه القبائل هي التي اشتركت في معركة حنين وأكثرها من سكان البادية المنتشرين في مختلف أرجاء الجزيرة. والذين من الصعب، جدًّا على المختصين بكتابة مغازى الرسول ﷺ أن يعرفوا عن شهدائهم من التفاصيل مثل الذي عرفوه ودونوه عن شهداء معركتى بدر وأحد.
دروس من حنين
إن أول درس استفاده ويجب أن يستفيده المسلمون من معركة حنين، هو عواقب الإعجاب بالنفس والاعتداد بالكثرة إلى حد الغرور، هذا الإعجاب الذي كرهه الله للمسلمين وذكرهم به في القرآن بما جره عليهم من وبال ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ الآيات.
فالإعجاب يؤدى إلى الغرور، والغرور بدوره يؤدى إلى الاستهانة بالعدو، والاستهانة بالعدو تؤدى في النهاية إلى مساعدة هذا العدو في أعماله الحربية إلى حد كبير، وقد تحقق له النصر الكامل وإن كان غير مُهيءٍ له. وهكذا يمكن إجال النتائج السيئة التي نتجت عن إعجاب المسلمين بكثرتهم فيما يلي:
أ - الاستهانة بقوات هوازن.
ب- جزم عناصر الجيش بأنهم لن يغلبوا في المعركة.
جـ - الإهمال واللامبالاة التي سادت مقدمة الجيش وعناصر الاستطلاع المسؤولة عن الاستكشاف الأمر الذي جعل هذه العناصر تقصّر في مهمتها إلى الحد الذي جعلها تجهل أخطر عمل تعبوى قامت به قيادة هوازن، وكاد يؤدى
стр. 2398
بجيش الإِسلام إلى كارثة مدمرة، وهو تنظيم الكمائن، ووضعها في أضيق المضايق والممرات التي سيمر بها الجيش النبوي عند بزوغ الفجر، مما أدى إلى الهزيمة المنكرة التي نزلت بالعسكر الإسلامي في الصدمة الأولى من المعركة، نتيجة انقضاض الكمائن على أرتال المسلمين وبصورة صاعقة مفاجئة، وفي مكان ضيق ووعر.
أسباب هزيمة المسلمين في البداية:
أ- الغرور والإعجاب:
كان إعجاب المسلمين بكثرتهم والذي تحول لدي بعض عناصر الجيش إلى غرور- السبب الرئيسى في الأهمال والاسترخاء الذي حل لدى كثير من عناصر الجيش محل التنبه واليقظة والحذر مما أدى إلى تمكين العدو من وضع خطة الكمائن وتنفيذها بصورة ناجحة أدت إلى هزيمة المسلمين هزيمة منكرة عند الصدمة الأولى، هذه الهزيمة التي كادت أن تكون كاملة شاملة ساحقة لولا ثبات الرسول ﷺ والقائد الأعلى للجيش في الميدان.
ب- مستوى التعبئة الممتاز الذي كانت عليه قوات هوازن قبل المعركة، فقد رأينا كيف أن ذلك الشاب الألمعى قائد هوازن وملكها، مالك بن عوف رغم غلطه التعبوية القاتلة (استصحاب الجند للأهل والمال معهم) قد لجأ عند تعبئة قواته في حنين إلى عامل نفسي كان له أثره الرعب في نفوس جند المسلمين، وهو أنه أركب النساء في الصفوف الخلفية من جيشه على الجمال، فظهرن وكأنهن جزء من الجيش، حتى بدا جيش هوازن وكأنه مائة ألف لا عشرين ألفًا كما شهد بذلك أحد الصحابة الذين حضروا حنين كما تقدم في هذا البحث.
ج- نجاح قائد هوازن في سبق المسلمين إلى وادي حنين واختياره المرابطة بجيشه في المكان المناسب من هذا الوادي، حتى بدا واضحًا وكأنه أجبر المسلمين على المرور في مضايق وشعاب، لا يفضلون المرور فيها لوعورتها وضيقها وشدة انحدارها، وهذه حقيقة أدلى بها أحد الصحابة وهو يتحدث عن التحرك إلى حنين، فذكر أن جيش الإِسلام -وهو يحاول الدخول إلى وادي حنين-لم يكن يتحرك في سهل منبسط، كما هو الأفضل لجيش أكثره
стр. 2399
من الفرسان والهجانة، وإنما كان ينحدر في منحدرات وعرة شديدة الانحدار، الأمر الذي جعله يفقد الكثير من انتظام صفوفه، ويسهل على الكمائن التمكن منه وإنزال الهزيمة به وعلى تلك الصورة الخيفة.
د- نجاح قائد هوازن في اختيار مواضع الكمائن التي نصبها لتنقض على عسكر الإِسلام في الوقت الذي حدده لها، حيث اختار مضايق الشعاب والمنحدرات التي سيمر بها جيش الإِسلام، ووضع الكمائن في التلال والأماكن المحيطة بها، ، وضع وحدات من فرسانه عند مخارج هذه الشعاب لتضرب (وبأسلوب صاعق محكم) مقدمة جيش الإِسلام عندما تحاول الخروج من هذه الشعاب. وكانت مقدمة المسلمين أكثرها من بدو بني سليم عليهم خالد بن الوليد.
هـ- نجاح خطة السرية والكتمان التي اتبعها القائد مالك بن عوف، وهو يضع وحدات الكمائن الخاصة في المواقع التي اختارها على طريق الجيش النبوي، حيث قامَ بتفقد هذه المواقع واختيارها بمهارة ودقة، وقام بترتيب الكمائن فيها في ظلام الليل، مما جعل عناصر استطلاع جيش الإِسلام المكلفة بالرصد والاستكشاف على جهل تام بهذه الكمائن ومواقعها، الأمر الذي عرّض المسلمين لتلك الهزيمة المروّعة عند الصدمة الأولى.
و- نجاح استخبارات ودوريات المشركين في الحصول على أدق المعلومات عن عدد جيش الإِسلام ومواعيد تحركاته بشكل لسنا متجنِّين إذا قلنا: إنه أدق من أعمال دوريات واستخبارات المسلمين.
ولولا نجاح دوريات واستخبارات هوازن الممتازة، لما استطاعوا أن يحددوا لقائدهم العام المواضع التي وصلها جيش الإسلام والأماكن التي سيكون فيها عند الفجر، الأمر الذي يسَّر لمالك بن عوف (وفق معادلات وحسابات دقيقة) أن يضع الكمائن في المواقع المناسبة لتنقض على جيش الإِسلام بصورة فعالة في الوقت المناسب.
وكان مالك يعلّق أكبر الآمال على عمليات الكمائن الصاعقة المباغتة، والتي نجحت في مهمتها مائة في المائة، وكاد مالك يقطف الثمرة النهائية اليانعة لنجاح خطة الكمائن، لولا ثبات الرسول القائد ﷺ والقلة من أصحابه،
стр. 2400
الذين ضيَّعوا على ملك هوازن وقائده ثمرة عمليات الكمائن الناجحة.
ز- كذاك من أسباب هزيمة المسلمين أول الأمر أنه يوجد في جيش الإِسلام عناصر من قريش وكنانة مدخولة العقيدة، أسلمت ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم .. كانت هذه العناصر تتمنى أن تنزل الهزيمة الكاملة بالجيش النبوي، وتود أن تتمكن هوازن من أن تعيد للوثنية سلطانها على مكة المكرمة.
لذلك ومن المنطلق السئ فإن هذه العناصر المشبوهة (وكانت جزءًا من الجيش النبوي) كانت أول المنهزمين عندما بدأت كمائن هوازن هجومها المباغت عند الفجر على المسلمين، فكانت هذه العناصر المشبوهة -بالإضافة إلى إسراعها في الهزيمة- عامل بلبلة وإرجاف، حيث قامت عن قصد وسوء نية بإشاعة الذعر والفزع في نفوس المسلمين، للتأثير على معنوياتهما التي كانت قد تعرّضت لهزة عنيفة نتيجة تعرّضها لهجوم الكمائن الصاعق المباغت في عماية الصبح.
ح- وجود عناصر أخرى في الجيش من أهل مكة وكنانة غير سيئة النية- ولكنها على جهل شبه تام بالإِسلام، لحداثة عهدها بهذا الدين حيث انضمت إلى الجيش النبوي ولم يمض على إسلامها سوى حوالي خمسة عشر يومًا. فظلت هذه العناصر لذلك على كثير من المعتقدات الوثنية، فقد رأينا كيف أن هذه العناصر طلبت من الرسول ﷺ عند التحرك إلى حنين- أن يسمح لها بمباشرة ما يباشرة المشركون من أعمال وثنية، حيث طلبوا من الرسول ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط، فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم (أي المشركين) ذات أنواط (١).
فهذه العناصر قد لا تكون سيئة النية، ولكنها جاهلة حقيقة الإِسلام المبنى على عقيدة التوحيد، مما جعل وجودها عامل بلبلة وعامل ارتباك وضعف في الجيش، لأن أهم حوافز القوة القتالية لدى المسلمين إنما كان قوة عقيدة الإِسلام.
стр. 2401
أهم أسباب انتصار المسلمين بعد انهزامهم:
أ- ثبات الرسول ﷺ :
يأتي (دونما شك) وفي الدرجة الأولى، من أسباب انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المنكرة في حنين: يأتي في الدرجة الأولى، ثبات الرسول ﷺ عند الهزيمة، حيث انحاز في الميدان إلى مكان مناسب وثبت فيه، وصار يناشد المنهزمين ليعودوا إلى ميدان الشرف وينضمُّوا إليه.
الأمر الذي جعل هزيمة المسلمين غير شاملة، بعد أن كادت تكون كاملة ومدمرة وساحقة، فقد انتاب المنهزمين (وخاصة الأنصار) الخجل من أنفسهم، عندما علموا أن نبيهم وقائدهها الأعلى ثابت في الميدان يقاتل المشركين مقبلًا غير مدبر، فعادوا إلى الميدان وأعادوا تشكيل وحداتهم كلها من جديد وشرعوا بقيادة نبيِّهم ﷺ في القيام بهجوم مضاد كاسح جديد، فضيَّعتْ عودتهم إلى الميدان ثمرة الانتصار التي كاد أن يقطفها قائد هوازن وملكها الداهية.
وهذه حقيقة واقعة يقرها -في كل عصر وزمان- المختصون بدراسة الشؤون العسكرية. فثبات القائد العام وهيئة أركان حربه، عندما يتعرّض الجيش لهزة عنيفة أو هزيمة، يكون له أحسن النتائج في تصحيح الأوضاع على الأقل، وتحويل الهزيمة إلى نصر مؤزر، وهذا ما حدث بالفعل للجيش النبوي بسبب ثبات قيادته، حين عاد هذا الجيش المنهزم والتف من جديد حول قائده الأعلى النبي ﷺ الذي بثباته يوم حنين ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والاستبسال.
ولا غرو، فتاريخ الرسول العسكري قبل حنين وبعدها، هو من أروع الصفحات في تاريخ العسكريين الشجعان، فما تعرّض المسلمون لروع أو فزع إلا وكان الرسول ﷺ في مقدمتهم أثبت من الرواسى، يحميهم ويثبّت من أفئدتهم، فكانوا يلوذون به عندما تدلهمُّ الخطوب، ولقد وصف هذه الحقيقة الناصعة البراء بن عازب حين قال: ولقد كنا، إذا حمى البأس، نتقى برسول الله ﷺ وإنه الشجاع الذي يحاذى به (١).
стр. 2402
وهزيمة المسلمين في حنين ليست أول هزيمة منكرة تنزل بالمسلمين، فيكون ثبات الرسول ﷺ العامل الرئيسى والأول في إنقاذ الموقف وتجنُّب عواقب الهزيمة الوخيمة بإعادة المسلمين إلى الميدان، ومقاتلتهم العدو، بعد أن فرُّوا أمامه.
ففي معركة أُحد نزلت بالمسلمين (كما حدث في حنين) هزيمة مروِّعة، ووصلت طلائع المنهزمين منهم أطراف المدينة، ولكن ما أن علموا بثبات نبيهم وقائدهم الأعلى النبي ﷺ في مكانه من الميدان حتى كرّوا راجعين للتجمع حوله، ومن أجل تحقيق هذا الغرض اشتبكوا مع طوابير المشركين المحيطة به في قتال شرس ضار، فقدوا أثناءه سبعين من خيرة رجالهم، ولكن ذلك -بفضل الله ثم بفضل ثبات نبيهم ساعة الهزيمة- مما أعاد لهم السيطرة على مكان المعركة في أُحد، فامتنعوا بسيوفهم وضيّعوا على قريش النصر الذي يسرته لهم غلطة فصيلة الرُّماة المسلمين، فجعل رسول الله ﷺ نصر قريش نصرًا تعبويًا محدودًا، بعد أن كاد أن يكون سَوَقيًا (١) له آثاره المدمرة على مصير المسلمين.
فلولا ثبات الرسول ﷺ ساعة انكسار المسلمين يوم أحد لكانت هزيمتهم كاملة شاملة، وعندما تصبح هزيمتهم هكذا فإنه من السهل على قائد جيش مكة أبي سفيان أن يحتل المدينة، وبهذا يكون نصر المشركين في أُحد نصرًا سَوَقيًا شاملًا لا نصرًا تعبويًا محدودًا.
ونفس الشيء فعله الرسول ﷺ في حنين .. فقد انتصرت هوازن في الصفحة الأولى من المعركة انتصارًا كاد يكون انتصارًا سَوَقيًا كاملًا شاملًا مدمرًا، لولا ثبات الرسول ﷺ مكانه في الميدان منذ اللحظة الأولى التي تعرض فيها جيشه لتلك الهزيمة المزلزلة.
فكانت ثمرة ثبات سيد الشجعان الرسول القائد ﷺ ، حصر انتصار هوازن بجعله (فقط) تعبويًا محدودًا غير ذي أثر مصيرى، حيث كان ثباته
стр. 2403
- ﷺ السبب الرئيسى في عودة أصحابه إلى الميدان، هذه العودة المحمودة التي قلبت موازين القوى في المعركة لصالح المسلمين.
غير أن مما تجدر الإشارة إليه أن الوضع المتحرّج الذي عالجه الرسول القائد ﷺ بثباته وشجاعته يوم حنين يختلف عن الوضع الخطر الذي عالجه بثباته وشجاعته يوم أُحد من حيث النتائج النهائية لكل من المعركتين.
في معركة أحد كانت مكاسب الرسول ﷺ ساعة انهزام أصحابه:
١ - حرمان المشركين من توسيع انتصارهم حيث كان ذلك الثبات سببًا في حصر ذلك الانتصار في دائرة الانتصار التعبوى الضيق الذي يتمثل (فقط) في تمكن المشركين مِنْ قتل سبعين من الصحابة ﵃ مع إصابة الرسول ﷺ نفسه بجراحات بليغة.
٢ - إجبار قريش على الاكتفاء بما حققت من نصر تعبوى محدود ورضاها من الغنيمة بالإياب حيث انسحبت من الميدان وتركته تحت سيطرة المسلمين، مخلفة فيه أربعة وعشرين قتيلًا من جيشها، الذي انهزم ثم انتصر نتيجة غلطة حماة مؤخرة المسلمين وهم الرماة الذين وضعهم القائد الأعلى النبي في الجبل الذي يشرف على ميدان القتال، ولكن قريشًا عندما عاد المسلمون إلى الميدان بعد هزيمتهم المنكرة -لم تتعرض لأية هزيمة نتيجة انتصار سَوَقى حققه المسلمون بعد رجوعهم إلى الميدان، فقد انسحبت قريش إلى بلادها من الميدان بقواتها سليمة ما عدا ٢٤ قتيلا فقدتهم مقابل ٧٠ فقدهم المسلمون.
أ- أما مكاسب المسلمين من ثبات الرسول ﷺ يوم حنين فقد كانت أعظم، ذلك أن ثبات الرسول ﷺ لم يقتصر على أن كان سببًا في حصر انتصار هوازن عند الصدمة الأولى في دائرة الانتصار التعبوى، بل جعل هذا الانتصار التعبوى المحدود يتحول إلى انتصار سَوَقى كامل للمسلمين الذين نزلوا بهوازن هزيمة كاملة شاملة لم تقم للمشركين بعدها قائمة.
فعندما عاد المسلمون إلى الميدان في حنين لم يكتفوا بتجميع صفوفهم وإعادة تنطيمهم ومنع هوازن من تحقيق مزيد من الانتصارات كما حدث في
стр. 2404
أحد، بل قاموا بهجوم معاكس قوى صاعق، كانت نتيجته انهزام جند هوازن المشركين انهزامًا مروّعًا شاملًا ونهائيًا، تمثل في فرار جند هوازن وتركهم نساءهم وأموالهم وأطفالهم في الميدان غنيمة للمسلمين.
ب- تسبب ثبات الرسول ﷺ في تماسك مائة من صفوة أصحابه يوم حنين، وكان لثبات هذه المائة أحسن الأثر في تخفيف هزيمة المسلمين، حيث شكل هؤلاء المائة بقيادة الرسول ﷺ -ساعة اشتداد النكبة- قوة حماية، حمت إلى حد كبير ساقة (مؤخرة) المسلمين المنهزمين، حيث قاد الرسول ﷺ بهذه المائة هجومًا عنيفًا مضادًا على عناصر هوازن التي كانت تشكل مقدمتهم لمطاردة المسلمين، فاستبسل الرسول ﷺ والصفوة المائة من أصحابه في هذا الهجوم المضاد حتى أنزلوا ببعض وحدات هوازن خسائر فادحة، بدليل أن المنهزمين المسلمين لم يعودوا إلى الميدان من جديد إلا والأسرى من مشركي هوازن موثقين في الحبال بين يدي الرسول القائد ﷺ .
ج - كان ثبات الرسول ﷺ والمائة الصابرة من أصحابه ثم هجومهم المضاد على الوحدات المطاردة من هوازن -ساعة النكبة- عاملا رئيسيًا في انخفاض زخم هجوم هوازن الذي بدأته الكمائن، حيث من المرجح أن هوازن ظنت (لِمَا تعرَّضت مقدمتها له من هجوم قوى مضاد من الرتل الصغير الذي قاده الرسول ﷺ أن جند الإسلام كله لم ينهزم، الأمر الذي خفف حدة هجوم هوازن الصاعق (بعض الشيء) فيسر ذلك إلى حد كبير- مهمة عودة الجيش الإِسلامي إلى الميدان، والذي كان في واقعه قد انهزم بأكمله عند الصدمة الأولى مع الفجر.
د - كذلك كان دور العباس بن عبد المطلب (عم الرسول ﷺ وكان من المائة الثابتة) دورًا مهمًا فعالًا في إعادة المنهزمين، حيث قام (وبأسلوب يدل على الشجاعة) قام حسب أمر الرسول ﷺ ، وبصوته الجهورى الذي يسمع عبر عدة أميال- بإبلاغ المسلمين المنهزمين الحقيقة الرائعة التي ما كان الكثير منهم يتوقعها، وهي أن القائد ﷺ ثابت مكانه في الميدان يجالد المشركين بسيفه، ثم ناشدهم (وخاصة الأنصار) أن يعودوا إلى الميدان.
فكان لسماع مناشدة الرسول القائد ﷺ المنهزمين -عبر صوت عمه
стр. 2405
العباس- أحسن الأَثر في تقوية روحهم المنهارة، وفي إثارة الشعور بالخجل من أنفسهم، حين أدركوا أنهم فروا وتركوا نبيهم والأحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم وحيدًا في الميدان، فعطفوا راجعين، ثم تحوَّلوا إلى إعصار كاسح، عصف بهوازن وآلافها العشرين، حتى بعثروها بحنق وغيظ كما تبعثر العاصفة الورق اليابس.
فلولا سماع المنهزمين المسلمين صوت العباس يبلغهم ثبات نبيهم ﷺ ويناشدهم باسمه العودة إلى ميدان القتال، لكانت هزيمتهم هزيمة ساحقة كاملة، ولتطور انتصار هوازن من انتصار تعبوى محدود إلى انتصار سَوَقى شامل قد تبيد فيه هوازن أكثر القوات الإسلامية المنهزمة.
وهكذا فأساس انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المروِّعة وسببه الرئيسى هو ثبات سيد الشجعان وأشرفي الخلق محمد ﷺ وبتلك الشجاعة التي لا مثيل لها.
هـ- العقيدة .. مما لا جدال ولا خلاف بين خبراء الحروب، أن العقيدة للجندى في أية حرب يخوضها، هي أكبر مصدر لقوته المعنوية التي هي أولى وأهم أسلحة الجندى المحارب.
والمسلمون الحقيقيون. ومنذ سطع نور الإِسلام- وهم يجعلون الحفاظ على عقيدتهم في المقام الأول، ولعله من تحصيل الحاصل وتكرار القول، التصريح بأن عقيدة الإِسلام كانت في مقدمة العوامل التي حققت لقوات محمد ﷺ النصر الكامل في حنين.
ولقد رأينا كيف انتصر المسلمون في حروبهم التاريخية بعقيدتهم على أعداء يتفوقون عليهم في كل شيء مادى .. انتصروا لا في العهد النبوي داخل الجزيرة فحسب، بل وخارجها .. انتصروا انتصارات لا يكاد العقل يصدقها، وذلك عندما كانوا يحملون عقيدة التوحيد الراسخة التي يعتقدون أن الموت في سبيل الدفاع عنها وحمايتها أسمى ما يتوق إليه المسلم الصادق .. هذه حقيقة أكدها واعترف بها الباحثون حتى من غير المسلمين.
ولا أدل على هذه الحقيقة من أن المسلمين -بعد أن ضعفت في نفوسهم
стр. 2406
هذه العقيدة أو تلاشت بعد خير القرون- توالت عليهم النكبات والإهانات والمصائب ونزلت بهم الهزائم المخجلة، مع كثرة عددهم وتوفر عتادهم، وقلة عدد وعتاد عدوهم، فانقلب الوضع بالنسبة للمنتسبين إلى الإسلام نتيجة الخواء العقائدى الذي تعرضت له نفوسهم في الأعصر الأخيرة، فتخلفوا في كل شيء، وخاصة بعد أن استوردوا عقائد ومبادئ غريبة أحلوها محل عقيدة الإسلام .. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أسباب هزيمة هوازن الساحقة بعد انتصارها:
مما لا جدال فيه أن قيادة هوازن قد رأسها شاب شجاع ألمعى أثبت منذ بداية المعركة حتى نهايتها أنه على مستوى ممتاز من الدراية العسكرية والخبرة بفنون القتال والسياسة الحربية والدقة في رسم الخطط واختيار المواقع.
أما الشجاعة، فقد رأينا منذ البداية كيف دعا قومه -وهو يلقى فيهم كلمة حماسية- إلى أن يكسروا جفون سيوفهم عند اللقاء، فكسر عشرون ألف مقاتل جفون سيوفهم ولقوا المسلمين بعشرين ألف سيف مصلتًا مكسور الجفن، كسر جفون السيوف، اتباعه علامة تدل على الشجاعة والتصميم على الاستماتة في القتال، ومن الناحية العملية فقد رأينا كيف ثبت مالك بن عوف في الميدان على رأس قبيلته الخاصة بني نصر وجالد المسلمين -رغم انهيار بقية عشائر هوازن- حتى كادت قبيلته (لثباتها بقيادته) أن تفنى عن آخرها.
أما الخبرة والدراية والسياسة العسكرية، فقد دلت تصرفات هذا القائد العجيب وهو يهيئ جيشه لمقاتلة المسلمين- وكأنه من خريجى المعاهد العسكرية الحديثة، فقد رأينا كيف حرص هذا القائد الشاب (بعد أن علم بخروج المسلمين من مكة) على أن يسبقهم إلى مكان التجويف الواسع من وادي حنين ويجعله معسكرًا لجيشه، لأنه (كما وصفه المعمِّر الخبير دريد بن الصمة) واسع وصلب غير رخو صالح لمجال الخيل التي هي سلاح الصاعقة في ذلك العصر ولدى هوازن منها يوم حنين الآلاف.
كما رأينا من شاب صغير لم يتخط الرابعة والعشرين من عمره، كيف
стр. 2407
كانت قدرته على الدقة في رسم الخطط وسرعة تنفيذها، والتي منها -ولعلها أبرعها- خطة الكمائن التي كان مالك دقيقًا في وضعها وتنفيذها إلى أبعد الحدود، كما رأينا كيف لجأ القائد مالك (وهو يعبِّئ جيشه في الوادي) إلى التمويه الحربى حين جعل جيشه يظهر في أعين المسلمين أكبر من حجمه الحقيقي بعدة أضعاف.
إذن فالمسلمون واجهوا يوم حنين أعداء مقاتلين شجعانًا وقادة ممتازين من الدرجة الأولى .. أما شجاعة القائد العام لهوازن شخصيًا، فلا أدل عليها من أنه (بشهادة المؤرخين المسلمين) كان ساعة انهزام عامة هوازن، قد ثبت في الميدان على رأس عشيرته الخاصة (بني نصر) حتى كادت سيوف المسلمين أن تبيدها عن آخرها، ولم ينهزم القائد مالك إلا حين رأى أن لا فائدة من الاستمرار في القتال، ومع ذلك فلم يفرّ من الميدان فرار الجبان الرعديد، بل كان انهزامه أشبه بالانسحاب المنظَّم، فقد رأينا فيما مضى من هذا الكتاب كيف تراجع هذا القائد في هيئة أركان حربه، ووقف في كتبية من فرسانه على تل يوفرّ الحماية لبعض الفارين من الميدان من قومه، وخاصة الضعفة والنساء، وظل ثابتًا على التل في هيئة أركان حربه حتى أيقن أنه إن لم يختف ستحيط به كتيبة الفرسان المطاردة التي يقودها الزبير بن العوام، فلجأ إلى الاختفاء بين الأشجار في وادي اليمانية (نخلة) وواصل ترحاله حتى لحق بحصنه في وادي ليَّة، ثم لحق بثقيف فتحصن معها في الطائف.
إذن ما دام مستوى هوازن القتالى والقيادى ممتاز إلى هذه الدرجة فما هي الأسباب التي أدَّت إلى هزيمتها المدمرة؟
يمكن تلخيص أسباب هزيمة هوازن بعد انتصارها في الأمور الآتية.
أ- غياب العقيدة:
فإذا كان المسلمون أصحاب العقيدة الجديدة (عقيدة التوحيد) يستعذبون الموت في ظلها، ويرون هذا الموت أعزَّ ما يتوق إليه المسلم -وهذا أعظم رافد يمد النفس بالروح المعنوية اللازمة للصبر على القتال حتى الموت- فإن جند هوازن (رغم شجاعتهم) ليس لهم عقيدة يستعذبون الموت في سبيلها، بل ويبحثون عنه ليكونوا شهداء في سبيل الله كما هو شأن المسلمين
стр. 2408
في كل معركة خاضوها تحت قيادة الرسول ﷺ .
وإذا كانت لهوازن عقيدة، فإن هذه العقيدة (وهي عقيدة وثنية) هي في حكم المعدوم، لأنها عقيدة ضحلة مهزوزة غير واضحة ولا راسخة، وليس من معطياتها الاعتقاد بأن المقتول في سبيلها سيفوز بالجنة، فليس في جيش هوازن جندى واحد يعتقد أنه إن قتل دفاعًا عن اللات والعزّى أو أي صنم آخر، سيكون مأواه الجنة.
إذن فهوازن يمكن القول: إنهم خاضوا المعركة بدون عقيدة، ولهذا فإن قائدهم مالك بن عوف -لعلمه بهذه الحقيقة كوثنى- لجأ إلى جعل الدفاع عن النساء والأطفال والأموال يحل محل الدفاع عن العقيدة الصحيحة الراسخة كالتي لدى المسلمين والتي يفقدها الهوازنيون، فأمر جميع الجند باصطحاب أهلهم وأموالهم إلى الميدان كى يستميتوا في الدفاع عنهم، حينما لم يكن لديهم غيرهم ما يجبرهم على الاستماتة في الدفاع عنه، ولكن هذه الخطة لم تجد شيئًا، فقد انهزمت هوازن هزيمة كاملة شاملة تاركة الأهل والأموال وراءها .. والسبب غياب العقيدة الصحيحة الراسخة التي لا يقوم مقامها شيء في مد الجندى بالروح المعنوية اللازمة للصمود حتى الموت.
ب- القبلية الضيقة والمطامع:
أثناء تحليل الدوافع لخوض القبائل الوثنية (مثل هوازن) للمعارك مع أي كان، يتضح للباحث أن العنصرية الضيقة المتمثلة في الدفاع عن القبيلة فقط، وكذا الرغبة في السلب والنهب هما الباعثان الرئيسيان للجندى الوثنى العربي على القتال، وهذان الباعثان (في نظر الخبير العسكري) غير كافيين لمد الجندى بالثبات والصمود حتى الموت.
فالعنصرية رغم أنها قد تكون عامل تجميع وحشد، فإنها لدى المحارب ليست عامل ثبات وصمود حتى الموت، فهو سيقاتل إلى جانب من هو من قبيلته دونما شك، وقد يصمد بشجاعة ويضحى، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعله يُقبِلُ على الموت راضيًا كى يحيا الآخرون (ولا عبرة بالنادر الشاذ) فهو سيقاتل بشراسة وشجاعة ما دام أن هناك أملًا في الانتصار، ولكن عندما
стр. 2409
تضرّسه الحرب وتشتد عليه وطأة القتال إلى الحد الذي لا خيار له معه إلا اتباع أحد إما الموت أو الفرار، فإنه -دونما شك- سيفضِّل الفرار.
أما باعث السلب والنهب فإنه أضعف من باعث العنصرية، لأن المحارب من أجل السلب والنهب، فإنما يخوض الحرب من أجل التمتع (حيًّا) بما يسلب وينهب، ولذلك فإنه عندما يترجح لديه أن الموت سيكون مصيره إذا ما استمر في القتال، سيركن إلى الفرار دونما شك، مهما كان شجاعًا وبارعًا في القتال وهذا هو الذي حدث لهوازن.
ج- الغرور والاستبداد:
هاتان الصفتان، هما صفتا قائد هوازن مالك بن عوف، فبالرغم من أن هذا السيد الشاب ذكي شجاع ألمعى، فإنه كان مغرورًا مستبدًا، والغرور والاستبداد في قادة الجيوش من أخطر ما يتهدد هذه الجيوش ويسبب لها النكبات كما سجل التاريخ ذلك عبر القرون.
أما استبداد مالك فقد كان جليًّا (كما رأينا) في رفضه نصيحة المحارب الخبير المعمّر دريد بن الصمة، حينما انتقده لإجباره الجند على اصطحاب أهاليهم وأموالهم معهم إلى الميدان، ونصحه بأن يعيد النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال لتكون في مأمن إذا ما كانت الهزيمة على هوازن، فرفض هذه النصيحة بعجرفة، وعندما استصوب وجوه وقادة عشائر هوازن نصيحة دريد بن الصمة ومالوا إلى الأخذ بها، هددهم قائدهم بأنه سينتحر إذا لم يسيروا حسب خطته وتبعًا لمزاجه، فأذعنوا له، (رغم الخطأ القاتل في تصرفه)، لأنه كان محبوبًا لديهم، ولأنهم يخشون الانقسام والمعركة على الأبواب.
أما غروره فقد ذكر المؤرخون أنه كان متكبِّرًا لا يسير إلا مُسبِل الإِزار، وقد تجلى غروره في إعلانه الاستهانة بقوات المسلمين، هذه الاستهانة التي تجلت في قوله (ضمن كلمة ألقاها في جنده قبيل المعركة): (إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب
стр. 2410
فينصر عليهم) (١). مع أن دريد بن الصمة نصح مالكًا بأن يترك الغرور لأنه سيقاتل رجلًا لا كالرجال، حين قال له: (يا مالك إنك تقاتل رجلًا كريمًا وقد أصبحت رئيس قومك وإن هذا اليوم كائن لما بعده من الأيام) (٢).
وغرور القائد واستهانته بجنود الجيش الإِسلامي، كان بمثابة إيحاء إلى جنده بأن يكونوا مثله، فسرب روح الاستهانة بين فصائلهم بجند الإِسلام لا سيما بعد أن انهزم المسلمون عند الصدمة الأولى، فكان هذا الغرور والاستهانة (دونما شك) من أهم أسباب انتكاسة هوازن بعد انتصارها، هذه الانتكاسة التي تحولت إلى هزيمة ساحقة شاملة.
د- الانشقاق بين هوازن:
بالرغم من أن هوازن كانت في حنين قوة جبارة (عشرين ألف محارب) إلا أنها كانت قد تعرَّضت (منذ اللحظة الأولى من التحشد) لانشقاق كان له الأثر السئ على معنوياتها فقد رفضت قبيلتان من هوازن الاشتراك في حرب المسلمين، وهاتان القبيلتان (وهما كعب (٣) وكلاب (٤)) من أشجع وأقوى قبائل هوازن، بل هما بشهادة المعمر الخبير دريد بن الصمة، أقوى قوة بين عشائر هوازن -وذلك بقوله - (لما أخبِر أنهما لن تشهدا حنينًا مع هوازن-: (غاب الجِدُّ والحد، ولو كان يوم رفعة وعلاء لم تغب عنه كعب ولا كلاب).
стр. 2411
ورغم امتناع كعب وكلاب أكثر بني هلال من الانضمام إلى حشد مالك بن عوف لم يحدث أي تردد بين أوساط عشائر هوازن الأخرى، إلا أن امتناع كعب وكلاب وبنى هلال كان له أثره الضَّار على معنويات العشائر الأخرى من هوازن، لأن جيش مالك بن عوف الذي يتكون من هذه العشائر قد خسر (بمختلف العشائر الثلاث عنه) عنصرًا من أهم عناصره القتالية، فأنقص ذلك من مستوى روح هذا الجيش المعنوية، حتى أن الخبير الحربى المعمر الذي بلغ مائة وستين سنة قضى معظمها في الحروب، توقع نزول الشر بجيش هوازن لما بلغه غياب كعب وكلاب وبنى هلال عن مقاتلة المسلمين، حين قال: (لو كان خيرًا ما سبقتموهم إليه، ولو كان ذكرًا أو شرفًا ما تخلَّفوا عنه فأطيعونى يا معشر هوازن وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء) (١).
وفعلًا (وكما توقع دريد بن الصمة) فإن هوازن لم تلق في حربها ضد المسلمين إلا الشر كل الشر وهو الهزيمة الشاملة الساحقة.
هـ- الرعب المفاجئ:
لقد أظهرت هوازن (وخاصة في المرحلة الأولى من المعركة) مقدرة قتالية كبيرة، وعندما تراجع المسلمون المنهزمون وشنوا هجومهم المعاكس الضارى، قاتلت أيضًا هوازن قتالًا شديدًا، وثبت قائدها مالك بن عوف في الميدان يجالد المسلمين بثبات وضراوة حتى كادت قبيلته الخاصه أن تفنى لثباتها إلى جانبه.
ولكنَّ جند هوازن -ساعة استئناف المسلمين القتال واشتداد هذا القتال- تعرّضوا لسلاح خفى كان له أكبر الأثر في التعجيل بهزيمة هوازن .. وهذا السلاح هو الرعب المفاجئ الذي قذفه الله في قلوب جند هوازن، بالإضافة إلى جنود مجهولين كان جند هوازن يشاهدونهم على هيئة مفزعة إلى جانب العسكر الإسلامي، وقد ذكر مؤرخو الإسلام (استنادًا إلى نصوص موثوق بها) أن هؤلاء الجنود الذين يشاهدهم جند هوازن على هيئة خيالة، هم من الملائكة لبث الرعب في نفوس المشركين، وقد أكد حقيقة هذا الرعب المفاجئ رجال من ثقيف ممن شهدوا حنينا مع المشركين ثم هداهها الله
стр. 2412
للإسلام كما تقدم تفصيله في هذا الكتاب.
أسباب فشل المسلمين في حصار الطائف:
كما تقدم في هذا الكتاب، كان الرسول ﷺ قد قام- يقود جميع جيشه- بمطاردة هوازن من حنين، حتى وصل إلى الطائف، حيث يوجد بها أهم أجنحة هوازن (ثقيف) وفرض الحصار على حصونها، وكان يأمل من وراء هذا الحصار أن تستسلم ثقيف للمسلمين، ولكن ثقيفًا قاومت بعنف واستعصت حصونها، فلم ينجح الحصار، فاضطر النبي ﷺ إلى فكه وترك ثقيف وشأنها، فما هي أسباب الإسراع بفك الحصار دونما أية نتيجة إيجابية للمسلمين؟ .. يمكن إيجاز الأسباب في الأمور الآتية:
أ- كانت حصون الطائف منيعة بحيث يصعب على مشاة المسلمين وفرسانهم اقتحامها، وكان لدى الجيش الإِسلامي سلاح ثقيل يستخدم عادة في الهجوم على القلاع والحصون، وهذا السلاح هو المنجنيقات والعرّادات والدبابات، وقد استخدم الرسول ﷺ هذا السلاح الثقيل بغية تسهيل مهمة اقتحام تلك الحصون، ولكنَّ الدفاع من ثقيف كان شديدًا والأسوار كانت منيعة بحيث لم يكن القذف بالقذائف النارية وغير النارية ذا أثر فعال على هذه الحصون.
ب- المقاومة الشديدة .. مما لا جدال فيه أن ثقيفًا جيل محارب ممتاز، وكانوا من أهم أجنحة هوازن ولا أدل على شجاعتهم من أنهم فقدوا يوم حنين وحدهم مائة قتيل بمن فيهم قائدهم عبد الله بن عثمان. وكانوا -استعدادًا للمقاومة في الحصون- قد أدخلوا في حصونهم من المواد الغذائية ما يكفيهم لسنة كاملة، أما الماء فقد كان موجودًا بكثرة داخل حصونهم.
وقد كانت مقاومتهم للحصار شديدة، وكانوا ماهرين في القصف بالسهام ومقاومة الدبابات التي يستخدمها المهاجون لنقب الأسوار كدروع يحتمون بها، ولقد كان جل اعتمادهم على القوس والنبل، فقد صوبوا سهامهم بمهارة نحو المسلمين وقصفوهم بها بغزارة مما أحدث بينهم عدة إصابات قاتلة، الأمر الذي اضطرهم إلى التراجع بعيدًا عن مرمى السهام.
стр. 2413
كذلك عندما حاولت بعض الوحدات الإسلامية استخدام الدبابات (وكانت من الخشب السميك) لفتع ثغرات في أسوار الحصن يدخل منها جند الإِسلام، قابلت ثقيف هذا السلاح الثقيل بسلاح مضاد فعال، وهو قذائف من الحديد المحمى المنصهر، كانت تقذف به هذه الدبابات فتحرقها، الأمر الذي كشف الجنود المحتمين بها، فصاروا عرضة لسهام ثقيف، فاضطروا للتراجع وفشل هجومهم المدَّرع لنقب الأسوار. وهكذا لم تنجح محاولات الجيش الإِسلامي لاقتحام حصون ثقيف عنوة.
ج- صعوبة تطويل أمد الحصار .. لم يبق أمام الجيش الإسلامي إلا أمر واحد لإجبار ثقيف على الاستسلام وهو أن يظل المسلمون محاصرين ثقيفًا حتى ينفد ما لديهم من مواد غذائية، وذلك يستغرق سنة كاملة، والمحارب المسلم في ذلك العهد، لم يتعود (بعد) عَلى البقاء مثل هذه المدة بعيدًا عن أهله وعياله .. فلم ير الرسول ﷺ البقاء لفرض الحصار وتجميد الجييش أمام حصون ثقيف طوال هذه المدة.
د- عدم خطورة ثقيف .. كذلك يعتبر من الأسباب، أن ثقيفًا (بعد اضمحلال قوة هوازن) لم تعد ذات خطر على الإِسلام بحيث يتحتم على المسلمين تجشيم أنفسهم متاعب الانشغال بحصارها لمدة سنة كاملة، فثقيف بعد دخول جميع عشائر هوازن في الإِسلام بقيت معزولة تمامًا، ومحاطة بالأعداء الذين كانوا أصدقاء وإخوة الأمس، فهؤلاء وحدهم كفيلون بإزعاج ثقيف وتضييق الخناق عليها، كلما سنحت لهم الفرصة، وهو ما حدث (فعلًا) وخاصة بعد أن دخل ملك هوازن وقائدها العام يوم حنين مالك بن عوف في الإِسلام، وصار بنفسه (وهو الشجاع المطاع في قومه) يشن الغارات العنيفة على ثقيف.
هـ - ثبت (وهو الأهم) أن الرسول القائد ﷺ جاءه الأمر من السماء بأن يفك الحصار عن ثقيف، لأنه سبق في علم الله تعالى أن ثقيفًا نفسها ستأتي طائعة مختارة إلى المدينة لتعلن إسلامها، ولهذا فإن النبي ﷺ لما طلب منه بعض أصحابه (وهو يفك الحصار عن ثقيف) أن يدعو عليها، رفض ودعا لها قائلًا: "اللهم اهد ثقيفًا وائت بها" أو كما قال ﷺ وهكذا عَجَّل
стр. 2414
الرسول ﷺ الحصار عن ثقيف التي جاءته مسلمة في أواخر السنة التاسعة من الهجرة.
انهيار الوثنية في جزيرة العرب:
كان الوثنيون العرب في الجزيرة كلها يعلقون الآمال -لمقاومة التيار الإسلامي ولحماية الوثنية من خطر التوحيد في الدرجة الأولى- على قريش سدنة الكعبة وحرّاس المشاعر، وعندما وقعت عاصمتها مكة في أيدى المسلمين لم يعد هناك من قوة حربية فعالة تتجه إليها أنظار المتبقين على الوثنية في الجزيرة لمواجهة التوحيد والتغلّب على قواته المسلحة سوى قبائل هوازن الكثيرة العدد وذات القدرة القتالية الممتازة، ولكن ها هي هوازن تسقط آخر الأمر وينتهى وجودها العسكري كقوة معادية للإسلام، بل ويتحوّل كل عشائرها أنصارًا لهذا الدين ..
فماذا عسى أن تفعل الجيوب الشركية الضعيفة المبعثرة هنا وهناك في جزيرة العرب الشاسعة، فقد انهار آخر معقل للوثنية في الجزيرة بانهيار جيوش هوازن يوم حنين، وبهذا صح يقينًا القول: إن الوثنية قد انهارت في الجزيرة العربية إلى الأبد بعد معركة حنين، بدليل أنه بعد هذه المعركة أخذت وفود العرب تتوارد إلى المدينة لإِعلان الدخول في الإِسلام.
والجيوب التي أبدت بعض العناد، كالتي في أقصى الشمال (كقبيلة طيئ) أو في أقصى الجنوب كبنى الحارث ناحية نجران، جرّد عليها الرسول ﷺ حملات عسكرية صغيرة قضت على مقاومتها، ولم تأت السنة العاشرة من الهجرة إلا وأصبحت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها داخلة في الإِسلام ليس بها وثنى وإحد، اللهم إلا جاليات يهودية ونصرانية صغيرة بقيت على دينها في ظل سلطان الإِسلام لأنها من أهل الكتاب الذين يُكتَفَى منهم بأخذ الجزية كإقرار بالخضوع لسلطان الإِسلام.
وهكذا كانت معركة حنين آخر معركة حربية عنيفة يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم، مع الإشارة إلى غزوة تبوك -وإن لم يخض الرسول فيها قتالا مع الرومان- إلا أنها كانت لنجاحها ذات أثر معنوى عظيم في تثبيت دعائم
стр. 2415
الإسلام وهيبة المسلمين في نظر البيزنطيين حكام الشام والعرب المتنصرة الموالين لهم هناك. وهكذا وبعد الانتصار العسكري الحاسم في حنين ومجئ الناس ليدخلوا (باختيارهم في الإِسلام أنزل الله تعالى - كإشارة إلى انتهاء الصراع المسلح في جزيرة العرب التي كانت فيه انتصارات المسلمين الحربية تمهيدًا لهذه الفتوحات المعنوية المتمثلة في تسابق القبائل إلى المدينة المنورة للدخول في الإِسلام - أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
стр. 2416
[خريطة]
стр. 2417
أهم مراجع هذا الكتاب
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تفسير ابن كثير - ابن كثير
فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكاني
في ظلال القرآن (تفسير) - سيد قطب
الكشاف - الزمخشري
صحيح البخاري - البخاري
صحيح مسلم - مسلم
زاد المعاد - ابن القيم
تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي
سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق
الأغاني - أبو الفرج الأصبهاني
الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي
صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندي
المغني في الفقه - ابن قدامة
الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي
كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتي
شبهات حول الإِسلام - محمد قطب
جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان
زاد المسلم (تفسير) - ابن الجوزي
سقوط الجولان - خليل مصطفى
стр. 2418
اسم الكتاب - اسم المؤلف
غاية المنتهي - الشيخ مصطفى السيوط الرحيباني
الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري
القانون الدولي العام - الدكتور سموحي فوق العادة
محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد
ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد
فقه السنة - السيد سابق
الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب
تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا
حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على
السيرة الحلبية - ابن برهان الدين
فقه السيرة - محمد الغزالي
سمط النجوم العوالي - عبد الملك بن حسين العصامي
البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير
الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير
جوامع السيرة - على بن حزم
آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء - على بن أحمد السمهودي
دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي
لسان العرب - ابن منظور الإفريقي المصري
نيل الأوطار - محمد بن على الشوكاني
стр. 2419
اسم الكتاب - اسم المؤلف
اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طباره
الطبقات الكبرى - ابن سعد
معجم البلدان - ياقوت الحموي
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة صفي الدين عبد المؤمن ابن عبد الحق
معجم النساء - عمر رضا كحالة
الأعلام - خير الدين الزركلي
ديوان الحماسة. - أبو تمام الطائي
العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان
الأبطال - توماس كارليل
حضارة العرب - جوستاف لوبون
التشريع الجنائي في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة
الإصابة - ابن حجر العسقلاني
الاستيعاب - ابن عبد البر
أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - على البجاوي
الروض الأنف - السهيلي
نهاية الأرب - القلقشندي
معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبي
قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار
تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون
مروج الذهب - المسعودي
معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة
معجم البكرى - البكرى
تاريخ الإسلام السياسي - الدكتور حسن إبراهيم حسن
стр. 2420
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تاريخ الأمة العربية - محمد أسعد طلس
عجائب الأقاليم السبعة - محمد بن موسي الخوارزمي
حياة محمد - محمد حسين هيكل
بهجة المحافل - يحيى بن أبي بكر العامري
إمتاع الأسماع - المقريزي
تهذيب تاريخ ابن عساكر - عبد القادر بن أحمد بن مصطفي الدمشقي
عصر النبي - محمد عزة دروزة
البدء والتاريخ -أبو زيد أحمد بن سهل البلخي
مغازي الواقدي - محمد بن عمر بن واقد
صورة الأرض - ابن حوقل
الآثار الباقية من القرون الخالية - محمد بن أحمد البيروني
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - المقدسي المعروف بالبشاري
أنساب الأشراف - أحمد بن يحيى البلاذري
جمهرة أنساب العرب - على بن أحمد بن حزم
جمهرة رسائل العرب - أحمد زكي صفوت
مجمع البيان في تفسير القرآن - الفضل بن الحسن الطبرسي
جامع الأصول من أحاديث الرسول - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري
مسند الإمام زيد - زيد بن على بن الحسين
نصب الراية - عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي
النهاية في غريب الحديث - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري
منهاج السنة النبوية - أحمد بن تيمية
جزيرة العرب - حافظ وهبة
صفة جزيرة العرب - الهمداني