← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

[خريطة]

стр. 2417

أهم مراجع هذا الكتاب اسم الكتاب - اسم المؤلف تفسير ابن كثير - ابن كثير فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكاني في ظلال القرآن (تفسير) - سيد قطب الكشاف - الزمخشري صحيح البخاري - البخاري صحيح مسلم - مسلم زاد المعاد - ابن القيم تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق الأغاني - أبو الفرج الأصبهاني الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندي المغني في الفقه - ابن قدامة الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتي شبهات حول الإِسلام - محمد قطب جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان زاد المسلم (تفسير) - ابن الجوزي سقوط الجولان - خليل مصطفى

стр. 2418

اسم الكتاب - اسم المؤلف غاية المنتهي - الشيخ مصطفى السيوط الرحيباني الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري القانون الدولي العام - الدكتور سموحي فوق العادة محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد فقه السنة - السيد سابق الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على السيرة الحلبية - ابن برهان الدين فقه السيرة - محمد الغزالي سمط النجوم العوالي - عبد الملك بن حسين العصامي البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير جوامع السيرة - على بن حزم آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري وفاء الوفاء - على بن أحمد السمهودي دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي لسان العرب - ابن منظور الإفريقي المصري نيل الأوطار - محمد بن على الشوكاني

стр. 2419

اسم الكتاب - اسم المؤلف اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طباره الطبقات الكبرى - ابن سعد معجم البلدان - ياقوت الحموي مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة صفي الدين عبد المؤمن ابن عبد الحق معجم النساء - عمر رضا كحالة الأعلام - خير الدين الزركلي ديوان الحماسة. - أبو تمام الطائي العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان الأبطال - توماس كارليل حضارة العرب - جوستاف لوبون التشريع الجنائي في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة الإصابة - ابن حجر العسقلاني الاستيعاب - ابن عبد البر أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - على البجاوي الروض الأنف - السهيلي نهاية الأرب - القلقشندي معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبي قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون مروج الذهب - المسعودي معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة معجم البكرى - البكرى تاريخ الإسلام السياسي - الدكتور حسن إبراهيم حسن

стр. 2420

اسم الكتاب - اسم المؤلف تاريخ الأمة العربية - محمد أسعد طلس عجائب الأقاليم السبعة - محمد بن موسي الخوارزمي حياة محمد - محمد حسين هيكل بهجة المحافل - يحيى بن أبي بكر العامري إمتاع الأسماع - المقريزي تهذيب تاريخ ابن عساكر - عبد القادر بن أحمد بن مصطفي الدمشقي عصر النبي - محمد عزة دروزة البدء والتاريخ -أبو زيد أحمد بن سهل البلخي مغازي الواقدي - محمد بن عمر بن واقد صورة الأرض - ابن حوقل الآثار الباقية من القرون الخالية - محمد بن أحمد البيروني أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - المقدسي المعروف بالبشاري أنساب الأشراف - أحمد بن يحيى البلاذري جمهرة أنساب العرب - على بن أحمد بن حزم جمهرة رسائل العرب - أحمد زكي صفوت مجمع البيان في تفسير القرآن - الفضل بن الحسن الطبرسي جامع الأصول من أحاديث الرسول - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري مسند الإمام زيد - زيد بن على بن الحسين نصب الراية - عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي النهاية في غريب الحديث - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري منهاج السنة النبوية - أحمد بن تيمية جزيرة العرب - حافظ وهبة صفة جزيرة العرب - الهمداني

стр. 2421

اسم الكتاب - اسم المؤلف نسب قريش - المصعب بن عبد الله الزبيري فتوح البلدان - أبو الحسن البلاذري الحرية عند العرب - إبراهيم الحداد تاريخ اليعقوبي - أحمد بن أبي يعقوب جزيرة العرب - جان جاك بيرك الوثائق السياسية في العهد النبوى والخلافة الراشدة - الدكتور محمد حميد الله لمحات من تاريخ العالم - جواهر لال نهرو المحبر - محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي قصة الحضارة - ول. ديورانت فجر الإسلام - أحمد أمين عيون الأخبار - محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة معالم تاريخ الإنسانية - هـ. ج. ولز تاريخ الشعوب الإسلامية - كارل بروكلمان شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام - محمد بن أحمد بن على الفاسي تاريخ الأمم الإسلامية - محمد الخضري المختصر في تاريخ البشر نخبة الدهر من عجائب البر والبحر - شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري عبقرية محمد - عباس محمود العقاد غزوة بدر الكبرى - المؤلف غزوة أحد - المؤلف غزوة الأحزاب - المؤلف غزوة بني قريظة - المؤلف تهذيب الصحاح - محمود بن أحمد الزنجاني

стр. 2422

اسم الكتاب - اسم المؤلف مجمع الزوائد - على بن أبي بكر الهيثمي الجامع الصغير - الإمام السيوطي صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار - محمد بن بلهيف صحيح الترمذي - الإمام الترمذي سنن أبي داود - الإمام أبو داود الفاروق القائد - محمود شيت خطاب تاج العروس - محمد مرتضى الزبيدي الأخبار الطوال - أبو حنيفة الدينوري الفتوحات العربية الكبرى - الجنرال جلوب باشا التنبيه والإشراف - على المسعودي المجتمعات الإسلامية في القرن الأول - شكري فيصل

стр. 2423

محمد أحمد باشميل من معارك الإسلام الفاصلة - ١٠ - غزوة تبوك المكتبة السلفية

стр. 2424

[حقوق الطبع محفوظة] [الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م] عنيت بطبعه دار المطبعة السلفية ٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة - تليفون ٨٤٠٣٦٤

стр. 2425

غزوة تبوك

стр. 2426

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة المؤلف اللهم بك نستعين وبك نعوذ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. اللهم نسألك التوفيق في القول والعمل. وصل اللهم على نبيّك محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، فهذا هو الكتاب العاشر من سلسلتنا التاريخية (معارك الإِسلام الفاصلة) نتقدم به إلى القارئ الكريم، آملين أن يكون محل رضاه، موضوعًا وإخراجًا. إن غزوة تبوك هي أعظم غزوة في تاريخ العهد النبوي بن حيث كون الجيش الذي قام بها بلغ ثلاثين ألفًا وهو عدد لم يسبق في تاريخ العهد النبوي وإن اجتمع مثله تحت قيادة الرسول ﷺ ، وكما أن هذه الغزوة هي أعظم حملة عسكرية يقوم بها النبي ﷺ ، فإنها آخر عملية عسكرية يقوم بها حتى توفاه الله تعالى. *** في غزوة تبوك هذه لم يحدث أي اصطدام بين الجيش الإسلامي والجيش الروماني المقصود بهذه الغزوة، لأن هذا الجيش إذا كان -كما يقول المؤرخون- قد حشد عدة وحدات كثيفة على حدود الجزيرة العبربية بغية

стр. 2427

اقتحامها بمساندة من العرب المتنصرة الموالين له، فإن هذا الجيش يكون بمجرد علمه بتحركات المسلمين من المدينة قد انسحب من الحدود إلى أواسط الشام خوفًا من الاصطدام بجيش الإِسلام بدليل أن المسلمين عند وصولهم إلى تبوك بثّوا دورياتهم فلم يجدوا أيّ أثر للعسكر والرومان. لهذا يكون الجيش الإِسلامي - وإن لم يحقق على الرومان في هذه الغزوة - نصرًا عسكريا إلا أنه حقق أعظم انتصار معنوى حيث أرعب جيش أعظم إمبراطورية في العالم يوم ذاك حين هربت من الحدود لقدومه الوحدات التي حشدها هرقل بقصد الإِغارة على جزيرة العرب. وقد كان انتصار النبي ﷺ المعنوى في تبوك مقدمة لأعظم انتصارات عسكرية حققها خلفاؤه على الرومان بعده حيث انتزعوا منهم الشام كلها وجانبًا من آسيا الصغرى كما هو معلوم. * * * كذلك سجل الرسول ﷺ وهو بتبوك نصرًا عسكريا له أهميته العظمى، وهو أنه بعث خالد بن الوليد وهو بتبوك في أربعمائة فارس إلى دومة الجندل فقضى على أخطر جيب لا يزال معاديا للإسلام داخل الجزيرة وهي مملكة دومة الجندل الكندية العربية النصرانية حيث احتل حصونها وأسر ملكها (أكيدر بن عبد الملك) وقتل أخاه حسان. بل إن عدة أمراء من المرتبطين بالتاج البيزنطى داخل الشايم قد أفزعهم وجود الجيش النبوي في تبوك فألقوا بأيديهم وجاءوا إلى النبي ﷺ وعقدوا معه صلحًا قبلوا بموجبه الدخول تحت طاعة المسلمين بدفع الجزية لهم - وهم أهل أذرح وجربا بمعان وأهل إيلات بخليج العقبة - وكل هذه المناطق داخلة في الشام ضمن ممتلكات بيزنطا. بهذا تكون غزوة تبوك قد حققت أهدافها كاملة وعاد الجيش النبوي إلى

стр. 2428

المدينة منتصرًا انتصارًا عظيمًا. * * * كما أن الرسول ﷺ قبل وبعد غزوة تبوك أي في السنة التاسعة هجرية جرد عدة حملات عسكرية إلى الأنحاء النائية في الجزيرة قامت هذه الحملات بتصفية جميع الجيوب الوثنية المتبقية في الجزيرة فقد جرّد قبل غزوة تبوك ثماني حملات حربية قامت بالتصفية النهائية لجميع مظاهر الوثنية في الجزيرة ولم يلتحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة إلّا وقد أصبحت الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها يرفرف عليها علم الإِسلام الخفاق. والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه. محمد أحمد باشميل جدة - المملكة العربية المحروسة ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م

стр. 2429

الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية بين غزوة حنين وغزوة تبوك • حملة تأديب بني تميم بقيادة عيينة بن حصن الفزاري • حملة تأديب خثعم بقيادة قطبة بن عامر. • سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب. • حملة بحرية بقيادة علقمة بن مجزر المدلجى. • سرية علي بن أبي طالب إلى قبيلة طئ. • قصة إسلام عدى بن حاتم. • قصة إسلام كعب بن زهير. • حملة خالد بن الوليد إلى نجران. • سير علي بن أبي طالب إلى اليمن. • قصة إسلام كعب الأحبار.

стр. 2430

مما لا جدال فيه أن معركة حنين التي دارت بين المسلمين وهوازن بالقرب من مكة، هي أعنف وآخر معركة يخوضها النبي ﷺ بنفسه. وكان انتصار المسلمين الساحق في هذه المعركة بمثابة آخر مسمار يدق في نعش الوثنية في جزيرة العرب. فقد انهزم في هذه المعركة أمام المسلمين أعظم تحالف عشائرى وثنى، واجهه الإِسلام في تاريخه (بعد تحالف الأحزاب) (١)، وكان المتبقون على الوثنية في جزيرة العرب والمرتابون الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم، يعلقون أكبر الآمال على انتصار قوات هوازن على جند الإِسلام في حنين، فقد كانت قوات هوازن التي جاءت من بلادها لخوض المعركة ولإِخراج المسلمين من مكة تقدر بعشرين ألفًا بينما كانت قوات المسلمين لا تزيد على عشرة آلاف مقاتل يضاف إليهم ألفان من مسلمي مكة الذين لم يمض على إسلامهم سوى نصف شهر، والذين بينهم الكثير ممن يضمر الكيد للإِسلام والمسلمين ويتمنى النصر للمشركين على النبي ﷺ . غير أن تمكن الجيش الإِسلامي من سحق العسكرية الهوازنية المتغطرسة في حنين حطم كل الآمال التي تتشبث بها بقايا أوكار الوثنية المبعثرة هنا وهناك في جزيرة العرب. وقد بقى جناح من أجنحة العسكرية الهوازنية (له أهميته) شبه سليم، وهو جناح ثقيف الذي بقى - بعد الهزيمة في حنين - يشكل بعض الخطر على المسلمين، حيث اعتصم هذا الجناح في حصونه بالطائف متمسكًا بوثنيته، ومبديًا العداوة والمقاومة الحربية لسلطان الإِسلام. غير أن خطر هذا الجناح الهوازنى قد زال عندما دخلت كل قوادم هذا الجناح وخوافيه في الإِسلام، وذلك بعد أن وجدت ثقيف نفسها معزولة وشبه محصورة من بقية عشائر هوازن التي دخلت (صادقة في الإسلام) وصارت بقيادة ملك هوازن السابق وقائدها العام في معركة حنين تضيق الخناق على ثقيف في عقر دارها.

стр. 2431

فسارع عقلاء ثقيف إلى عقد اجماع تباحثوا فيه بشأن ما آل إليه أمرهم بعد دخول إخوانهم الهوازنيين في الإِسلام، وتحولهم إلى جنود لهذا الدين يشنون (لنصرته) الغارات على الطائف نفسها لبقاء أهلها على الشرك. وقد كانت قبائل ثقيف قوة حربية لها وزنها ما في ذلك شك، فثقيف جيل محارب على مستوى ممتاز من أقدم العصور، يشهد على مقدرتهم القتالية وعراقتهم في شئون الحرب صمودهم بعناد داخل حصونهم أمام الحصار الشديد الذي فرضه الجيش النبوي البالغ اثنى عشر ألفًا عقب انتصاره في حنين وقيامه بمطاردة ثقيف هؤلاء، وقد رأينا (كما تقدم في كتابنا التاسع غزوة حنين) كيف أن الرسول ﷺ اضطر إلى فك الحصار عن الطائف، بعد أن فقد جيشه أربعة عشر شهيدًا قتلوا بسهام ثقيف، وهو عدد لم يذكر أحد من المؤرخين أن المسلمين فقدوا مثله في معركة حنين الحاسمة نفسها، الأمر الذي يدل على عناد ثقيف وكونهم جيلًا محاربًا شرسًا، وقد فك الرسول الحصار عن حصون ثقيف دون أن يتمكن جيشه من إخضاع أي قبيلة من قبائل ثقيف بقوة السلاح. إلا أنه ﷺ أخبر أصحابه أن الله سيأتي بثقيف وستدخل في الإِسلام طائعة، ولهذا لا داعى لإهدار الوقت من أجل حصار قوم سيأتون مسلمين باختيارهم إن عاجلًا أم آجلًا. وبعد أن تدارس قادة ثقيف وعقلاؤها الوضبع الذي هم عليه -كما تقدم رأوا بالإِجماع أن لا نجاة لهم مما هم فيه من ضيق وخوف - نتيجة بقائهم مشركين في محيط عشائر من إخوانهم وجيرانهم كلهم دخل في الإِسلام - إلّا بدخولهم هم أيضًا في الإِسلام، ونتيجة الاتفاق على هذا الرأي، ذهب وفد من ثقيف إلى المدينة، وأعلنوا إسلامهم جميعًا، بعد مفاوضات طويلة، أبدى فيها الوفد الثقفى الكثير من السخف، كما هو مفصل في كتابنا التاسع من هذه السلسلة (غزوة حنين). الحملات العسكرية بعد حنين والطائف: وبعد انتصار المسلمين الحاسم في حنين، وبالرغم من هذا الانتصار العظيم، فقد بقيت للوثنية جيوب، بدا وكأنها (رغم تبعثرها وضعفها)

стр. 2432

تتحدى المسلمين، وتبدى شيئًا من الاستهانة بهم، وترفض الدخول فيما دخل فيه أكثر سكان الجزيرة من الإِسلام. وكانت هذه الجيوب الوثنية في واقعها، لا تشك أي تهديد عسكرى لكيان الإِسلام الذي صار صاحب السلطة الأقوى من كل سلطة في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت هذه الجيوب الوثنية مبعثرة في نقاط متباعدة جدًّا في الجزيرة، وليس بينها أي أرتباط عسكرى، يجعلها تشكل قوة حربية متحدة ضد المسلمين. ولكن بقاء هذه الجيوب المبعثرة القليلة على وثنيتها وعدائها للإِسلام، لا يتفق وأهداف هذا الدين، التي من أهمها توحيد الجزيرة العربية تحت لواء التوحيد وعدم السماح لأى أثر من آثار الوثنية أن يبقى قائمًا في هذه الجزيرة. لذلك (وكى لا يبقى أيّ سلطان في جزيرة العرب إلا للإِسلام وكى لا يبقى فيها شيء من معالم الوثنية) جرّد الرسول ﷺ خمس حملات عسكرية تولت تصفية كلِّ ما تبقى من جيوب وثنية في مختلف أنحاء الجزيرة. - ١ - حملة تأديب بني تميم محرم سنة تسع للهجرة: وهي دورية قتال قادها إلى دار بني تميم سيد فزارة عيينة بن حصن (١). وسبب ذلك أن الرسول ﷺ بعد عودته من حنين، وبعد أن انتشر الإِسلام بين الأغلبية الساحقة من سكان الجزيرة العربية، بعث برجال من أصحابه إلى مختلف القبائل ليجمعوا لبيت مال المسلمين الزكاة المفروضة. فبعث بريدة بن الحصيب (٢) إلى أسلم وغفار، وبعث عباد بن بشر الأشهلى إلى سليم ومزينة، وبعث رافع بن مكيث (٣) إلى قومه جهينة، وبعث عمرو

стр. 2433

ابن العاص (١) إلى فزارة، وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب. وكان فيمن بعث، بُسر بن سفيان الكعبى (٢) إلى قومه خزاعة، فجاءهم بسر فرحبوا به وأبدوا استعدادهم لأداء ما فرض الله عليهم من زكاة، وكانت تجاور خزاعة في أرضها قبيلتان من تميم يقال لإِحداهما: بنو جهيم، وللأخرى: بنو عمرو بن جندب بن العتير، وكانوا يشربون مع خزاعة على غدير واحد بذات الأشطاط ناحية عسفان وعلى مسافة غير بعيدة من الحديبية، وكان هذان الحيان من تميم لا يزالان على الوثنية، وكانوا ضيوفًا على خزاعة لأنهم في أرضها. غير أن التيميين لما رأوا خزاعة تحشر جميع مواشيها ليأخذ منها بسر بن سفيان الزكاة لبيت مال المسلمين، استنكروا ذلك، وقالوا لخزاعة: ما هذا؟ تؤخذ أموالكم بالباطل. فقال لهم الخزاعيون: إننا مسلمون وهذا شيء يفرضه ديننا ونحن راضون به، فنفخ شيطان الجاهلية في مناخر التيميين فقالوا: والله لا يصل إلى بعير منها أبدا، ثم احتشدوا وأخذوا أسلحتهم، فتقلدوا القسى وشهروا السيوف ليمنعوا بالقوة مبعوث الرسول ﷺ من أن يأخذ زكاة مواشى خزاعة المسلمة. وكان المبعوث النبوي إلى خزاعة ليس معه من مرافقيه سوى اثنين فقط، فلما رأى احتشاد التيميين في سلاحهم خاف وهرب راجعًا إلى المدينة، قال الواقدي: (وهو يخافهم، والإسلام يومئذ لم يعمّ العرب، قد بقيت بقايا من العرب -أي على الوثنية- وهم يخافون السيف لما فعل رسول الله ﷺ بمكة وحنين، وقد كان النبي ﷺ قد أمر مصدّقيه -أي الذين يجمعون الزكاة أن يأخذوا العفو منهم، ويتوقوّا كرائم أموالهم، فقدم المصدق على النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إنما كنت في ثلاثة نفر) (٣)

стр. 2434

خزاعة تطرد بني تميم من بلادها: لقد كان تصرف بني تميم يحمل كل معاني الرعونة والصفاقة، فهم ليسوا في بلادهم وإنما منتجعون ضيوف في بلاد خزاعة، ولولا حلم خزاعة ورعايتها جانب قرابتها من بني تميم لفتكوا بهم، ولقد غضبت خزاعة لتصرف بني تميم، وقالت لبنى تميم: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من عداوة رسول الله ﷺ وعلى أنفسكم، تعرضون لرسول رسول الله ﷺ ، تردّونهم عن صدقات أموالنا. ثم أمرت خزاعة بني تميم أن يخرجوا من بلادها في الحال، وذلك كتعبير عن عدم رضي خزاعة بما صنعت تميم، فخرج بنو تميم هاربين من ديار خزاعة إلى بلادهم. وعندما اطلع الرسول ﷺ على ما حدث من بني تميم. قال: من لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟ فقال عيينة بن حصن الفزاري: أنا والله لهم، أتبع آثارهم ولو بلغوا يبرين حتى آتيك بهم إن شاء الله، فترى فيهم رأيك أو يسلموا. فبعث رسول الله ﷺ عيينة على رأس قوة صغيرة من الفرسان قوامها خمسون فارسًا، كلهم من البادية، ليس بينهم مهاجر واحد ولا أنصارى، فأسرع عيينة بقواته الخفيفة كى يعترض بني تميم قبل أن يصلوا بلادهم، فصار يسير الليل ويكمن لهم بالنهار، وكان يتبع أخبارهم، فبلغه أنهم قد خيموا في أرض بني سليم، فلما عرف مكانهم توجه بفرسانه لمهاجمتهم. وعندما شنّ عليهم الهجوم لم يثبتوا له، بل ولوا هاربين، ولكنه تمكن من أن يأسر أحد عشر رجلا منهم، كما سبى إحدى عشرة امرأة منهم وثلاثين صبيًّا، فحمل الجميع إلى المدينة، فأنزلهم الرسول ﷺ في دار، رملة بنت الحارث، إلى أن جاء وفد كبير من تميم مذعنين، وأعلنوا إسلام تميم كلها، فأطلق الرسول ﷺ أسراهم ثم أعاد إليهم نساءهم وصبيانهم كما هو مفصل في أخبار وفد تميم المشهورة، والذين أنزل الله تعالى فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].

стр. 2435

- ٢ - حملة لتأديب خثعم (١) .. صفر سنة تسع هجرية: وهي دورية قتال صغيرة مكونة من عشرين رجلًا، أعطى الرسول قيادتهم إلى قطبة بن عامر بن حديدة (٢)، وأمرهم أن يغيروا على حيّ من خثعم ظلوا على الوثنية، وهم في ناحية تبالة .. فخرج قطبة بن عامر في صحبة، ومعهم عشرة جمال، يتعقبونها، وقد غيّبوا السلاح، زيادة في التكتم، وصارت الحملة تكمن بالنهار وتسير الليل. وعندما وصلوا إلى مكان يقال له: بطن مسحب وجدا رجلًا فاستجوبوه - وكان كما يبدو - من قبيلة خثعم، فلم يخبرهم بشيء، بل صاح محاولًا إنذار الوثنيين من خثعم فقتله قطبة بن عامر قائد السرية. ثم أقام عامر بسريته مكانهم حتى مضت ساعة من الليل، فبعث برجل طليعة يستكشف مواقع العدو، فعرف مواقعهم وأنهم مخيمون في الحضر وعندهم الإبل والشاء، فأصدر قطبة إلى رجاله الأوامر بالهجوم، على أن يدبّوا دبيبًا بحيث لا يشعر بهم الحرس، وعلى أن يكون الهجوم بعد أن يهدأ من في الحى ويناموا. وفعلًا لما هدأ رجال العدوّ وناموا كبّر قطبة ورجاله وشنّوا عليهم الغارة، فخرج إليهم من في الحاضر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثرت الجراح في الفريقين، واستمرت المعركة إلى أن أصبح الصباح، وعندها جاءت النجدات الكثيرة من خثعم وكادت سرية قطبة تطوق من جميع الجهات، إلا أن الله جاء بسيل عظيم حال بين نجدات خثعم وبين أسياد قومهم المشتبكين مع رجال قطبة بن عامر حيث لم يستطعوا عبور الوادي، وهنا تمكن قطبة وسريته من القضاء على جميع من في الحى، ثم استولى على كل ما في الحى من نعم وشاء واستاق بعه جميع النساء سبايا، وعاد بالجميع إلى المدينة، فكان حصة كل رجل من

стр. 2436

رجال السرية في الغنائم أربعة من الجمال، وذلك بعد عزل الخمس من أصل الغنيمة (١). - ٣ - سرية بني كلاب شهر ربيع الأول سنة تسع ه ـ: ومضى رسول الله ﷺ في تطهير بقايا جيوب المقاومة الوثنية الصغيرة في جزيرة العرب، فقد بلغه أن بطنًا من القرطاء من بني بكر بناحية نجد لا يزالون يناوئون ويتمسكون بالوثنية، فجرد عليهم حملة عسكرية بقيادة الضحاك بن سفيان (٢) الكلابي، ولم يذكر أحد من المؤرخين عدد رجال هذه الحملة، إلا أن الواقدي ذكر أنها جيش، وهذا يعني أنها كانت تضم عددًا كبيرًا من المقاتلين. وكان هؤلاء الوثنيون البكريون بناحية ضريَّة في نجد شرقي المدينة، وقد تحركت الحملة من المدينة لتأديبهم - وفيها الأصيد بن سلمة بن قرط - وقد التقى الضحاك بن سفيان وسريته بالأعداء القرطاء في مكان بنجد يقال له: زجّ لاوة، فدعوهم إلى الإِسلام، فكان جوابهم على هذه الدعوة

стр. 2437

مباشرة الحرب، فاشتبك معهم المسلمون، فدارت بين الفريقين معركة انتهت بفوز المسلمين وهزيمة المشركين، وبهذا تم تطهير ذلك الجيب الوثنى الصغير المتبقى بناحية ضريَّة. ومن عجيب المفارقات التي تأتي نتيجة الاختلاف في العقيدة أن أحد الأعيان المشتركين في سرية الضحاك بن سفيان (وهو الأصيد بن سلمة) لقى أباه سلمة في صفوف المشركين، فدعاه إلى الإِسلام، وأعطاه الأمان، فسبَّه, وسبّ الإِسلام. فما كان من الأصيد إلا أن حمل على أبيه - وكان أبوه فارسًا - فضرب الأصيد عرقوب فرس أبيه، فلما وقع الفرس في الماء، ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك به لئلا يغرق، فحمل عليه أحد جنود السرية فقتله، ولم يقتله ابنه، ولكنه يسر لغيره من المسلمين قتله غير آسف، حين عقر فرسه. وكان رسول الله ﷺ قد بعث إلى القرطاء البكريين هؤلاء بكتاب يدعوهم فيه إلى الإِسلام، فاستهزأوا به وبكتابه، فأخذوا الصحيفة التي تحمل دعوتهم إلى التوحيد، فغسلوها من الحبر، ثم رقعوا بها إست دلوهم، وأبوا أن يجيبوا الرسول ﷺ إلى ما دعاهم إليه. فأنكرت امرأة عاقلة فهم ما فعلوا بكتاب الرسول ﷺ وهي أم حبيب بنت عامر بن خالد بن عمرو، ابنة ابن أخي سيد القوم حارثة بن عمرو .. أنكرت عليهم واستهجنت ما صنعوا، فقالت - وقولها يدل على أنها مسلمة -: أيا ابن سعيد لا تكونن ضحكة ... وإياك واستمرر لهم بمرير أيا ابن سعيد إنما لقوم معشر ... عصوا منذ قام الدين كلّ أمير إذا ما أتتهم آية من محمد ... محوها بماء البئر فهي عصير (١) ويذكر أصحاب السير أن القرطاء لما فعلوا بكتاب رسول الله ﷺ ما فعلوا

стр. 2438

فصاروا دائمًا أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط، وأهل سفه، وكان الذي جاءهم بالكتاب رجل من عرينة يقال له: عبد الله بن عوسجة. قال الواقدي: رأيت بعضهم عييًّا لا يبين الكلام (١). - ٤ - حملة علقمة المدلجي البحرية .. ربيع الآخر سنة تسع ه ـ: وهي حملة بحرية قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها وخاض بها البحر الأحمر (بحر القلزم) علقمة بن مجزّر المدلجى (٢)، وسبب تجريد هذه الحملة أن النبي ﷺ بلغه أن قرصانًا من الحبشة شاهدهم أهل الشعيبة (وهي ميناء قرب جدة) يجوبون البحر بسفنهم، فجند الرسول ﷺ ثلاثمائة من أصحابه، وأعطى قيادتهم علقمة بن مجزر ليهاجم بهم القراصنة الأحباش. فتوجه علقمة من المدينة بكتيبته حتى وصل ساحل جدة - عند الشعيبة - ومن هناك كب برجاله البحر حتى انتهى إلى جزيرة كان يعسكر فيها القراصنة، فلما رأوا الجيش النبوي يقترب من الجزيرة (لم يذكر المؤرخون أية جزيرة هي) ركبوا سفهم وهربوا إلى عرض البحر باتجاه الحبشة. فعاد علقمة بكتيبته إلى ساحل الجزيرة عند الشعيبة، دون أن يحدث أي اشتباك بينه وبين القراصنة الأحباش. وكان جيش علقمة مكوّنا من قبائل مختلفة، فلما وصلوا بعض المنازل أثناء عودتهم، استأذنه بعض أفراد الجيش، حيث لم تعد لهم حاجة بعد طرد القراصنة، فأذن لهم وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمى (٣) - وكان

стр. 2439

فيه دعابة، يحب المزاح - فلما انصرفوا وكانوا ببعض الطريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها ويصنعون الطعام، فقال لهم: عزمت عليكم إلّا تواثبتم في هذه النار، وكان الانضباط العسكري في الإِسلام (حسب أوامر الرسول ﷺ شديدًا، فظن الجند أنه أمر عسكرى، فاستعدوا للوثوب في النار كما أمرهم قائدهم، فلما رأى قائدهم أنهم واثبون في النار لا محالة، قال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه (١). - ٥ - سرية علي بن أبي طالب إلى قبيلة طئ .. ربيع الآخر سنة تسع ه ـ وهي دورية قتال كلها من الأنصار وقوامها مائة وخمسون مقاتلا كانوا محمولين على خمسين فرسًا ومائة بعير، كان أميرها علي بن أبي طالب، وكانت هذه الدورية تضم سادات الأوس والخزرج. كان هدف هذه الدورية ديار طيئ في أقصى الشمال، حيث تقيم (على وجه التحديد) أسرة آل حاتم الطائى وعميدها عَدى بن حاتم الذي كان بمثابة

стр. 2440

ملك لطئ، كان الرسول ﷺ بعد انتصاره العظيم في معركة حنين الحاسمة، لا يبلغه وجود صنم أو وثن في أية ناحية من جزيرة العرب إلا وبعث إليه من يحطمه، كى لا يبقى في الجزيرة أي أثر من آثار الجاهلية. وكان لقبيلة طيء صنم يقال له: الفُلس (بضم أوله وسكون ثانيه)، فبعث الرسول ﷺ علي بن أبي طالب على رأس هذه الحملة كى يتولّى تحطيم الصنم (الفُلس). كانت طئ قبيلة يمانية عظيمة ذات أفخاذ متعددة وكانت قد هاجرت من جنوب الجزيرة إلى شمالها في نجد منذ أقدم العصور، حتى صارت تعد في القبائل النجدية. ومن الناحية العسكرية، كانت قبيلة طيئ ذات مقدرة قتالية فائقة، ومن حيث العدد فهي قبيلة عظيمة، إذ لا تقل عن غطفان وأسد وهوازن، سواء من ناحية الشجاعة والعدد، أو من ناحية القوة. كان يمكن أن يلاقى الجيش الإسلامي من قبيلة طيئ من المصاعب والمتاعب والمقاومة العنيدة المنظمة، مثلما لقى من غطفان في أول عهد الإِسلام، ومن هوازن في معركة حنين، ولكن انهيار مقاومة هذه القبائل القوية العنيدة، ودخول كل عشائرها في الإِسلام، ودخول الأغلبية الساحقة من قبائل الجزيرة في هذا الدين، جعل من قبيلة طيئ - رغم ماضيها العسكري الشهير وكثرة عددها - قوة غير مرهوبة الجانب لدى المسلمين، فقد اعترى عشائر هذه القبيلة العظيمة التخاذق وانتابها الرعب من المسلمين، فتلاشت - أمام تيار الإِسلام - قوتها العسكرية العظيمة التي كانت عليها. ولا أدل على هذا الضعف والتلاشى والتخاذل من أن النبي ﷺ لما أراد أن يهدم صنم هذه القبيلة المعبود (الفُلس) لم يبعث لهذه المهمة سوى قوة خفيفة قوامها مائة وخمسون مقاتلا، مع العلم أن عشائر طيئ تضم عدة آلاف من القادرين على القتال. كانت المسافة بين المدينة وبن المكان الذي فيه صنم طيئ (الفُلس)،

стр. 2441

حوالي ستمائة ميل، لذلك كان رجال السرية محمولين على مائة بعير وخمسين فرسًا، وقد حققت الدورية أهدافها، فقد تمكن علي بن أبي طالب من تحطيم (الفُلس) صنم طيئ، بعد مقاومة أبداها الطائيون، سحقها على ورجال سريته، بعد أن قتل عددًا من المقاومين وأوقع الكثير منهم في الأصر. وكان ضمن الذين وقعوا في الأسر ابنة لحاتم طئ اسمها (السفانة) وكانت أخت عَدى بن حاتم الذي كان بمثابة الملك على طيئ، وكان قد خلف أباه حاتمًا في زعامة طيئ، أما عَديّ بن حاتم نفسه، فقد تمكن من الهرب إلى الشام، وكان يدين بالنصرانية، إلا أن أخته (السفانة) التي أكرمها الرسول ﷺ وحررها من الرق بعد أن علم أنها ابنة حاتم طيئ الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه كان يحب مكارم الأخلاق، السفانة هذه ذهبت إلى أخيها عَدى بالشام. فأقنعته - وكانت ذات عقل راجح - بأن يدخل في الإِسلام، فجاء - تحت تأثير أخته الحصيفة - إلى المدينة وأعلن إسلامه، وكان لإسلامه أثر طيب في نصرة الإِسلام فقد أعز الله به هذا الدين، وكانت أبرز مواقفه المشرّفة، ثباته وتثبيت قومه طيئ على الإِسلام عندما ارتد أكثر العرب عند وفاة النبي ﷺ ، كما كانت له مواقف مشرفة رائعة في معارك الجهاد في الشام والعراق، حيث كان عدى من زملاء القائد خالد بن الوليد الذين هم ضمن هيئة أركان حربه سواء كان في الشام أم في العراق. أما قصة نجاح حملة الدورية الخفيفة التي قادها علي بن أبي طالب إلى ديار طيئ وقصة انهيار المقاومة بين عشائر قبيلة طيئ التي تعد بالآلاف، فلنترك الإمام الواقدي يحدثنا عنها في كتابه الشهير (المغازي). قال الواقدي عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: بعث رسول الله ﷺ عليًّا ﵇ في خمسين ومائة رجل، على مائة بعير وخمسين فرسًا، وليس في السرية إلا أنصارى، فيها وجوه الأوس والخزرج، فاجتنبوا الخيل واعتقبوا على الإبل حتى أغاروا على أحياء من العرب، ثم قال: وبعث عليًّا إلى الفلس (صنم طيئ) ليهدمه، فخرج بأصحابه، معه راية سوداء ولواء

стр. 2442

أبيض، معهم القنا والسلاح الظاهر، وقد دفع رايته إلى سهل بن حنيف، ولواءه إلى جبّار بن صخر السلمي، وخرج بدليل من بني أسد، يقال له: حريث، فسلك بهم على قيد (١)، فلما وصل بهم إلى موضع قال: بينكم وبين الحي الذي تريدون يوم تام، وإن سرناه بالنهار وطئنا أطرافهم ورعاءهم، فأنذروا الحى فتفرقوا، فلم تصيبوا منهم حاجتكم، ولكن نقيم يومنا هذا، في موضعنا حتى نمسى ثم نسرى ليلتنا على متون الخيل فنجعلها غارة حتى نصبحهم في عماية الصبح. قالوا: هذا الرأي، فعسكوا وسرّحوا الإِبل، واصطنعوا (أي صنعوا لهم طعامًا) وبعثوا نفرًا منهم يتقصون ما حولهم، فبعثوا أبا قتادة والحباب بن المنذر وأبا نائلة، فخرجوا على متون خيل لهم يطوفون حول العسكر، فأصابوا غلامًا أسود فقالوا: ما أنت؟ قال: أطلب بغيتى، فأتوا به عليًّا ﵇ فقال، ما أنت؟ فقال: باغ، قال: فشدوا عليه. فقال: أنا غلام لرجل من طيئ من بني نبهان، أمرونى بهذا الموضع، وقالوا: إن رأيت خيل محمد فطر إلينا فأخبرنا، وأنا لا أدرك أثرًا، فلما رأيتكم أردت الذهاب إليهم ثم قلت: لا أعجل حتى آتى أصحابي بخبر بين من عددكم وعدد خيلكم وركابكم، ولا أخشى ما أصابنى، فلكأنى كنت مقيدًا حتى أخذتنى طلائعكم. قال علي (﵇): أصدقنا ما وراءك، قال: أوائل الحى على مسيرة ليلة طرّادة، تصبحهم الخيل ومغارها حين غدوا، قال على (﵇) لأصحابه: ما ترون؟ قال جبّار بن صخر: نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا حتى نصبح القوم وهم غارّون، فنغير عليهم ونخرج بالعبد الأسود ليلًا ونخلف حريثًا مع العسكر حتى يلحقوا إن شاء الله. فقال علي هذا الرأي، فخرجوا بالعبد الأسود، والخيل تعادى، وهو ردف بعضهم عقبة، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، وهو مكتوف، فلما

стр. 2443

انهار الليل، كذب العبد وقال: قد أخطأت الطريق، وتركتها ورائى، قال على: فارجع إلى حيث أخطأت، فرجع ميلًا أو أكثر، ثم قال: أنا على خطأ. فقال على: إنا منك على خدعة، ما تريد إلا أن تثنينا عن الحى، قدّموه، لتصدقنا أو لنضربن عنقك، قال: فقدّم وسل السيف على رأسه، فلما رأى البشر قال: أرأيت إن صدقتكم أينفعنى قالوا: نعم، قال: فإنى صنعت ما رأيتم، إنه أدركنى ما يدرك الناس من الحياء فقلت كما أقبلت بالقوم أدلهم على الحى من غير محنة ولا حق فآمنهم، فلما رأيت منكم ما رأيت وخفت أن تقتلونى كان لي عذر، فأنا أحملكم على الطريق. قالوا: أصدقنا. قال: الحى منكم قريب، فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحى، فسمعوا نباح الكلاب وحركة النعم في المراح والشاء، فقال هذه الأصرام وهي على فرسخ، فينظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: فأين آل حاتم؟ قال: هم متوسطو الأصرام (أي البيوت). قال القوم لبعضهم البعض: إن أفزعنا الحي تصايحوا وأفزعوا بعضهم بعضًا، فتغيب عنا أحزابهم في سواد الليل، ولكن نمهل القوم حتى يطلع الفجر معترضًا فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضًا لم يخف علينا أين يأخذون، وليس عند القوم خيل يهربون عليها، ونحن على متون الخيل. قالوا: الرأي ما أشرت به، قال: فلما اعترضوا الفجر أغاروا عليهم فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، واستاقوا الذرية والنساء، واستاقوا الغنائم المختلفة الأنواع، ولم يخف عليهم أحد تغيب فملأوا أيديهم، وبعد السيطرة على منازل الأعداء واحتلالها والقضاء على كل مقاومة أبدوها، سار على إلى صنمهم الفُلْس، فهدمه وخرّبه وبذلك أنهى آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الشمال الشرقي لجزيرة العرب. وهكذا كانت عملية تمشيط جيوب المقاومة الوثنية في جزيرة العرب التي تقوم بها الوحدات العسكرية النبوية تسير سيرًا ناجحًا ودونما أي عائق، لقد كانت قبيلة طيئ (بحق) أقوى جيوب المقاومة الوثنية في جزيرة العرب، وكان المتبادر إلى الذهن أن هذه القبيلة - لما هي عليه من كثرة في العدد وقدرة قتالية لا تنكر - ستكون مقاومتها للوحدة الخفيفة التي قادها

стр. 2444

علي بن أبي طالب شديدة. ولكن الذي حدث هو العكس حيث انهارت هذه القبيلة عند الصدمة الأولى، ويظهر أن الرعب الكامل قد سيطر على نفوسهم من المسلمين، فحطم فيها القدرة القتالية الممتازة التي اشتهروا بها عبر العصور قبل الإِسلام، حيث كانوا يأتون في مقدمة رجالات نجد عندما يأتي ذكر الفروسية، فقد كانت طيئ مشهورة باقتناء الخيل. ولا شك أن انهيار معنويات طيئ حتى الحضيض راجع إلى نجاح القيادة الإِسلامية في تحطيم أقوى العناصر العسكرية المعادية للإِسلام بمن فيها قبائل غطفان وعشائر هوازن وبطون قريش بالإِضافة إلى تصفية العنصر اليهودى الدخيل الذي يعتبر (وخاصة في خيبر) من أخطر العناصر القتالية شرقي المدينة على المسلمين. إذن، فعناصر طيئ (وهم أحلاس الخيل ونسور الحرب) لم تعد آلافهم المؤلفة تغنى شيئًا، فقد استطاعت دورية مسلحة خفيفة قوامها مائة وخمسون من المسلمين أن تتغلب عليهم وتجعلهم يطلبون النجاة لأنفسهم، رغم أن عندهم من سلاح الفرسان ما لا يقل عن ألفى فارس، ولكنه الرعب من المسلمين ملأ قلوبهم، والرعب أخطر سلاح يتعرّض له من يصاب به .. والرعب الذي افهزمت طيئ بفعله، هو مصداق الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه قول النبي ﷺ : ونصرت بالرعب. وإلا فإن من يعرف طيئًا وملكها الكبير وفرسانها المغاوير لا يكاد يصدّق أن الآلاف المؤلفة منهم قد انهزمت أمام مائة وخمسين من المسلمين هاجموا طيئ على بعد ستمائة ميل من المدينة وليس معهم سوى خمسين فرسًا، بينما تملك طىيء في شعاب ووديان أجا وسلمى ما لا يقل عن ألفى فرس. ولكنه الرعب قد ملأ قلوبها حتى أصبحت هواء. وحتى سيدها وملكها وفارسها المعلم عَدى بن حاتم الطائى للرعب الذي أصابه هرب إلى الشام عند اقتراب المسلمين من دياره دون أن يشهر سيفًا أو يشرع رمحًا في وجوههم. حتى أنه عند هربه إلى الشام، لم يتمكن من استصحابه شقيقته السفانة التي وقعت ضمن السبايا اللواتى وقعن في أيدى جند دورية علي بن أبي طالب.

стр. 2445

كيف هرب عدى بن حاتم إلى الشام: ولنترك ملك طيئ عدى بن حاتم نفسه يحدثنا عن الحالة النفسية التي كانت عليها عشائر طيئ وعلى رأسها عدى بن حاتم الذي انتابه الرعب، حيث قرر الهرب إلى الشام، بمجرد أن علم باقتراب أية قوة للمسلمين من مواطن طيئ مهما كان عدد هذه القوة، وذلك بعد أن علم أن السيطرة لقوات الإِسلام المسلحة في الشرق والغرب والجنوب والوسط من الجزيرة كاملة، وأنه لم يبق على عداء للإِسلام سوى قبائل طيئ وبعض عشائر قضاعة بدومة الجندل والجميع متجاورون تقع منازلهم في أقصى شمال الجزيرة العربية بالقرب من الحدود الشامية والعراقية. فقد ذكر ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق، أن عدى بن حاتم الطائي قال: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منى. أما أنا فكنت امرأ شريفًا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومى بالمرباع (أي أنه كملك يأخذ الربع من الغنائم التي تغنمها طيئ في الجاهلية) فكنت في نفسي على دين (وهو النصرانية رغم أن قومه وثنيون) وكنت ملكًا في قومى لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته. فقلت لغلام كان لي عربي - وكان راعيا لإِبلى -: لا أبا لك أعدد لي من إبلى أجمالا ذللا سمانًا فاحتبسها قريبًا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنى (أي أخبرني) ففعل. ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدى ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد (مع العلم أنه لم تكن هناك جيوش وإنما هي دورية قتال خفيفة ولكنه الرعب العام) قال عَدى: فقلت: فقرب إلى أجمالى، فقربها فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، فسلكت الجوشية (١) وخلّفت بنتًا لحاتم في الحاضر (قلت هي السفانة المشهورة

стр. 2446

برجاحة العقل وبعد النظر والتي أسرت وأكرمها الرسول ﷺ وأعتقها من الأسر). قال عدى: فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفنى خيل لرسول الله ﷺ فتصيب ابنة حاتم (السفانة) فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا طيئ (١) وقد بلغ رسول الله ﷺ هربى إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم في حضيرة بباب المسجد، كانت السبايا يوضعن فيها، فمرّ بها رسول الله ﷺ فقامت إليه (وكانت امرأة جزلة أي شجاعة وجريئة) فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك. قال: فمن وافدك؟ قالت: عَديّ بن حاتم. قال: الفارّ من الله ورسوله؟ قالت: نعم. قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ وتركنى، حتى إذا كان من الغد مرّ لي فقلت له مثل ذلك، وقال لي: ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرّ بي وقد يئست منه فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه، قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ من الله عليك. فقال ﷺ : قد فعلت فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنينى (أي أخبرينى). قالت السفانة: فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن أكلمه فقيل: علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة. قالت: وإنما أريد أن آتى أخي بالشام. قالت: فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومى لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكسانى رسول الله ﷺ وحملنى (أي أعطانى بعيرًا) وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.

стр. 2447

قال عَدى بن حاتم: فوالله إني لقاعد في أهك إذ نظرت إلى ظعينة (الظعينة المرأة التي في سفر) تصوّب إليّ تؤمنا. قال: فقلت: ابنة حاتم. قال: فإذا هي هي، فلما وقفت عليّ انسحلت تقول: القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك؟ . قال: قلت: أي أخية لا تقولى إلا خيرًا، فوالله ما بي من عذر ولقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت وأقامت عندي. فقلت لها - وكانت امرأة حازمة -: ماذا ترين في أمر هذا الرجل (يعني رسول الله ﷺ ). قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت. واللة إن هذا الرأي. قال عَدى فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت عديّ بن حاتم، فقام رسول الله ﷺ فانطلق بي إلى بيته، فوالله إني لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلًا تكلمه في حاجة قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقذفها إليّ وقال: اجلس على هذه. قال: قلت: بل أنت تجلس عليها. فقال: بل أنت، فجلست عليها وجلس رسول الله ﷺ على الأرض. قال عديّ: قلت في نفسي: ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدى بن حاتم، ألم تك ركوسيًا؟ (الركوسية دين بين دين الصابئة والنصارى) قال: قلت: بك، قال: أو لم تكن تسير في كما قومك بالمرباع؟ قال: قلت بلى. قال: لم يكن يحل لك في دينك. قال: قلت: أجل والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. ثم قال: لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، فوالله لوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع

стр. 2448

بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. قال عدى: فأسلمت. وهكذا قضت دورية علي بن أبي طالب على آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الشمال الشرقي لجزيرة العرب، وقضى على العسكرية الوثنية الطائية، وهكذا أسلم عديّ بن حاتم الطاق فصار - فيما بعد من خيرة أصحاب محمد ﷺ فأعز الله به الإِسلام في مواقف عصيبة، ولعل أروع موقف وقفه عديّ بن حاتم، حين كان أكبر عون للقائد خالد بن الوليد في إخماد فتن الأعراب المرتدين في مناطق طيئ وأسد وغطفان، حيث ثبت على إسلامه، ثم أقنع أكثر من ثلاثة آلاف فارس من قومه طيئ بالعودة إلى الإِسلام وكانوا قد خرجوا منه مرتدين مساندين لطليحة بن خويلد الأسدي، فحوّل عديّ بن حاتم بحكمته ونفوذه هذه الآلاف من الفرسان إلى صفوف قوات الإِسلام التي كان يقودها خالد بن الوليد، فكان لهذه الآلاف في طيئ أكبر الأثر في إنزال الهزيمة بطليحة بن خويلد الأسدي ونائبه عيينة بن حصن الفزاري في معركة بزاخة الطاحنة الشهيرة. إسلام كعب بن زهير الشاعر: سنة تسع ه ـ: وهكذا أخذت جيوب المقاومة الوثنية المبعثرة في أقاليم الجزيرة العربية تتهاوى الواحد بعد الآخر، وقد هوى وتحطم ما يمكن اعتباره من الناحية العسكرية أقوى جيب من هذه الجيوب، وهم طيئ، فقبيلة طيئ التي بآلافها المؤلفة من الفرسان، لم تستطع أن تقاوم دورية قتال صغيرة للمسلمين مكونة من مائة وخمسين ليس معهم سوى خمسين فرسًا. لقد أثبت سير الأحداث في جزيرة العرب أنه - منذ أوائل - السنة التاسعة للهجرة - قد أصبحت الكلمة النافذة والسلطان المطلق في طول الجزيرة وعرضها للإِسلام، بالرغم من توقف بعض القبائل عن إعلان دخولهم في الإِسلام، فهذا البعض من القبائل، هم إما ضعفاء لا يقوون على مجرد التفكر في محاربة المسلمين، وأما أقوياء بعض الشيء ولكنهم بعيدون جدًّا عن حاضرة الإِسلام المدينة، مثل بعض قبائل قضاعة وبلى وعذرة وكلب وبلقين الذين يسكنون أقصى الشمال على حدود الشام، وهؤلاء جرد عليهم الرسول ﷺ وهو بتبوك غازيًا - حملات عسكرية

стр. 2449

خضد بها شوكتهم وطهر بها جميع جيوب مقاومتهم المتبقية هناك، أو مثل بعض القبائل القحطانية في الجنوب، مثل بلحارث في نجران وهمدان وحمير في اليمن وكندة في حضرمرت، وهؤلاء جرد الرسول ﷺ على بعضهم حملات عسكرية انتهت بدخولهم في الإِسلام والبعض الآخر جاء إلى المدينة طائعًا مختارًا وأعلن إسلامه ضمن الوفود التي وفدت على المدينة للدخول في الإِسلام عقب عودة الرسول ﷺ من تبوك ظافرًا منتصرًا. ومما يدل على أن كلمة الإِسلام أصبحت - بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في حنين - هي النافذة في جزيرة العرب، وأن من بقى على الوثنية من شراذم هنا وهناك، إما صاروا في ضيق لا ينجيهم إلا دخولهم في دين الحق، قصة كعب بن زهير (١) الشاعر المشهور والذي كان من ألد أعداء رسول الله ﷺ ومن أهم ألسنة الإعلام الجارحة التي كانت تؤذى رسول الله ﷺ بالشعر (والشعر له تأثيره بين العرب) وتدعو إلى التأليب عليه ومقاومة دعوته بكل الوسائل. فعندما انتصر المسلمون ذلك الانتصار العظيم بفتح مكة، وتم لهم في حنين تحطيم العسكرية الهوازنية، ولم تبق قوة حربية في جزيرة العرب يمكنها الوقوف على قدميها في وجه قوات محمد ﷺ خاف كعب بن زهير على نفسه خوفًا شديدًا، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم ينجه إلا أن

стр. 2450

يطير بنفسه إلى المدينة، ويقف فجأة أمام رسول الله ﷺ معلنًا إسلامه طالبًا الصفح والعفو، وذلك بتوجيه من أخيه بجير، وقد قبل الرسول ﷺ إسلامه وعفى عنه. فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته، أن بجير بن زهير أخا كعب (وكان قد أسلم قديمًا) كتب إلى أخيه كعب قائلا له: إن من بقى من شعراء قريش ابن الزبعرى، وهبيرة بن وهب، وقد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك حاجة في نفسك فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا، وكان كعب قد لام أخاه صبيرًا لما أسلم في شعر بعث به إله وهجا فيه الرسول ﷺ ، وهو: ألا أبلغا عنى بجيرًا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا على خلق لم تلق أمًّا ولا أبًا ... عليه وما تلفى عليه أبالكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إمَّا عثرت لما لكا سقاك بها المأمون كأسًا روية ... فأنهلها المأمون منها وعلكا قال ابن إسحاق: وبعث كعب بالأبيات إلى أخيه بجير، فلما أتت بجيرًا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ ، فأنشده إيّاها، فقال رسول الله ﷺ لما سمع (سقاك بها المأمون) صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون. ولما سمع: (على أي خلق لم تلق أمّا ولا أبا عليه) قال: أجل لم يلق عليه أباه ولا أمه. وقد أجاب بجير أخاه كعبًا فقال: من مبلغ كعبًا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلًا وهي أحزم إلى الله (لا العزى ولا اللات) وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى عليّ محرّم قال ابن إسحاق: فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة (والشعراء لهم أصدقاء

стр. 2451

كثيرون) فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلّى مع رسول الله ﷺ ، ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ ، فقال: هذا رسول الله ﷺ فقم إليه فاستأمنه. فذكر لي أنه قام إلي رسول الله ﷺ ، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، وكان كعب كما قلنا من أشد ألسنة الاعلام الوثنية تنفيرًا عن رسول الله ﷺ وعن الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه. قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ﷺ : أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلّا عذافرة ... لها على الأين أرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول ترمى النجاد بعينى مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفصيل غلباء وجناء علجوم مذكرة ... في دفّها سعة قدامها ميل وجلدها من أطوم يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول حرف أبوها أخوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل يمشى القزاد عليها ثم يزلقه ... منه لبان وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول كأنما فات عينها ومنبها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النحل ذا خصل ... في غارز لم تخونه الأحاليل

стр. 2452

قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدّين تسهيل تخدى على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل سمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤس الأكم تنعيل كأن أولى ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحيه بالشمس مملول وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول تفرى اللبّان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل * * * تسعى الغوات جابيها وقولهمو ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكمو ... فكل ما قدّر الرحمن مفعول * * * إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لمّا أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشُفٌ ... عند اللقاء ولا ميل معازيل شمّ العرانين أبطال لبوسهمو ... من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفارج إن نالت رماحهمو ... قوما وليسوا مجازيع إذا نيلوا يمشون مشى الجمال الزُّهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل لا يقع الطعن إلّا في نحورهمو ... وما لهم عن حياض الموت تهليل وكان كعب في قصيدته هذه قد غمز الأنصار لموقف صاحبهم الذي طلب

стр. 2453

من الرسول قتل كعب وغمزة كعب للأنصار هي قوله: (إذا عرد السود التنابيل)، وقد غضبت الأنصار على كعب، فقال قصيدة يمدحهم فرضوا، وهذه القصيدة قوله: من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحى الأنصار ورثوا المكارم كابرًا عن كابر ... إن الخياز همو بنو الأخيار المكرهين السمهريّ بأذرع ... كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرّة ... كالجمر غير كليلة الإِبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار والقائدين الناس عن أديانهم ... بالمشرفى وبالقنا الخطار يتطهرون يرونه نسكًا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضوارى وإذا حللت ليمنعوك إليهمو ... أصبحت عند معاقل الأعقار ضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كله ... فيهم لصدّقنى الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقارى في الغرّ من غسان من جرثومة ... أعيت محافرها على المنقار ***

стр. 2454

الفصل الثاني • ما هي تبوك؟ • أسباب غزوة تبوك. • النبي يحشد أعظم جيش في تاريخ حياته. • التبرع السخي من أغنياء الصحابة لتجهيز الجيش. • موقف المنافقين التخريبي ضد النبي وجيشه. • فشل المنافقين في مساعيهم الخبيثة.

стр. 2455

تبوك اسم مشهور في القديم والحديث، وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك، بالفتح ثم الضم وواو ساكنة، وكاف، موضع بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة. وقال أبو زيد: تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي ﷺ . وجاء في بعض المعاجم الاسلإمية، أن أصحاب الأيكة الذين جاء ذكرهم في القرآن، الذين بعث الله إليهم نبي الله شعيب ﵇ كانوا في تبوك، وأن شعيبًا لم يكن منهم، وإنما كان من مدين ... ومدين تقع ديارهم على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر)، وعلى ست مراحل من تبوك. قال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حُسْمَى وجبل شرورى .. حسمى غربيها وشرورى شرقيها. وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة، وكان ابن عريض اليهودى قد طوى بئر تبوك لأنها تنطم في كل وقت، وكان عمر بن الخطاب أمره بذلك. تاريخ قبائل الشمال: يعتبر الركن الشمالي الغربي من جزيهرة العرب (بما فيه تبوك) موطنًا لقبائل عديدة ذات تاريخ مشهور، وكانت هذه القبائل منذ عصور قديمة - ذات مقدرة قتالية ممتازة، وقد كان الملك في بعضها، فكان منها ملوك حكموا الأطراف الشمالية لجزيرة العرب، والأطراف الجنوبية للشام. وكل هذه القبائل يرجع أصلها إلى حضرموت، وترجع هذه القبائل القحطانية التي استوطنت شمال الجزيرة وجنوب الشام في فترات مختلفة - إلى أصلين اثنين - وهما: ١ - قضاعة .. وقضاعة نزحت من الشحر بحضرموت وأسست ملكا لها بأطراف الشام، ويتفرع من قضاعة عدة قبائل منها بلى وعذرة وبهرأ وغيرها.
следующие страницы →