كثيرون) فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلّى مع رسول الله ﷺ ، ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ ، فقال: هذا رسول الله ﷺ فقم إليه فاستأمنه. فذكر لي أنه قام إلي رسول الله ﷺ ، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، وكان كعب كما قلنا من أشد ألسنة الاعلام الوثنية تنفيرًا عن رسول الله ﷺ وعن الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا نازعًا عما كان عليه. قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ﷺ :
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلّا عذافرة ... لها على الأين أرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول
ترمى النجاد بعينى مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل
ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفصيل
غلباء وجناء علجوم مذكرة ... في دفّها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول
حرف أبوها أخوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل
يمشى القزاد عليها ثم يزلقه ... منه لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول
كأنما فات عينها ومنبها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل
تمر مثل عسيب النحل ذا خصل ... في غارز لم تخونه الأحاليل
стр. 2452
قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدّين تسهيل
تخدى على يسرات وهي لاحقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل
سمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤس الأكم تنعيل
كأن أولى ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل
يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحيه بالشمس مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا
شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول
تفرى اللبّان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل
* * *
تسعى الغوات جابيها وقولهمو ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكمو ... فكل ما قدّر الرحمن مفعول
* * *
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لمّا أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشُفٌ ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
شمّ العرانين أبطال لبوسهمو ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفارج إن نالت رماحهمو ... قوما وليسوا مجازيع إذا نيلوا
يمشون مشى الجمال الزُّهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
لا يقع الطعن إلّا في نحورهمو ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
وكان كعب في قصيدته هذه قد غمز الأنصار لموقف صاحبهم الذي طلب
стр. 2453
من الرسول قتل كعب وغمزة كعب للأنصار هي قوله: (إذا عرد السود التنابيل)، وقد غضبت الأنصار على كعب، فقال قصيدة يمدحهم فرضوا، وهذه القصيدة قوله:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحى الأنصار
ورثوا المكارم كابرًا عن كابر ... إن الخياز همو بنو الأخيار
المكرهين السمهريّ بأذرع ... كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرّة ... كالجمر غير كليلة الإِبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار
والقائدين الناس عن أديانهم ... بالمشرفى وبالقنا الخطار
يتطهرون يرونه نسكًا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضوارى
وإذا حللت ليمنعوك إليهمو ... أصبحت عند معاقل الأعقار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله ... فيهم لصدّقنى الذين أمارى
قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقارى
في الغرّ من غسان من جرثومة ... أعيت محافرها على المنقار
***
стр. 2454
الفصل الثاني
• ما هي تبوك؟
• أسباب غزوة تبوك.
• النبي يحشد أعظم جيش في تاريخ حياته.
• التبرع السخي من أغنياء الصحابة لتجهيز الجيش.
• موقف المنافقين التخريبي ضد النبي وجيشه.
• فشل المنافقين في مساعيهم الخبيثة.
стр. 2455
تبوك اسم مشهور في القديم والحديث، وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك، بالفتح ثم الضم وواو ساكنة، وكاف، موضع بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة.
وقال أبو زيد: تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي ﷺ .
وجاء في بعض المعاجم الاسلإمية، أن أصحاب الأيكة الذين جاء ذكرهم في القرآن، الذين بعث الله إليهم نبي الله شعيب ﵇ كانوا في تبوك، وأن شعيبًا لم يكن منهم، وإنما كان من مدين ... ومدين تقع ديارهم على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر)، وعلى ست مراحل من تبوك.
قال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حُسْمَى وجبل شرورى .. حسمى غربيها وشرورى شرقيها. وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة، وكان ابن عريض اليهودى قد طوى بئر تبوك لأنها تنطم في كل وقت، وكان عمر بن الخطاب أمره بذلك.
تاريخ قبائل الشمال:
يعتبر الركن الشمالي الغربي من جزيهرة العرب (بما فيه تبوك) موطنًا لقبائل عديدة ذات تاريخ مشهور، وكانت هذه القبائل منذ عصور قديمة - ذات مقدرة قتالية ممتازة، وقد كان الملك في بعضها، فكان منها ملوك حكموا الأطراف الشمالية لجزيرة العرب، والأطراف الجنوبية للشام.
وكل هذه القبائل يرجع أصلها إلى حضرموت، وترجع هذه القبائل القحطانية التي استوطنت شمال الجزيرة وجنوب الشام في فترات مختلفة - إلى أصلين اثنين - وهما:
١ - قضاعة .. وقضاعة نزحت من الشحر بحضرموت وأسست ملكا لها بأطراف الشام، ويتفرع من قضاعة عدة قبائل منها بلى وعذرة وبهرأ وغيرها.
стр. 2456
٢ - بنو كلب. وهؤلاء من كندة، وكندة نزحت من شمال حضرموت، وأسست لها ملكا مشهورًا في دومة الجندل التي تعرف اليوم بالجوف، وكان هؤلاء الحضارمة القضاعيون والكنديون يدينون بالوثنية، إلا أنهم - بتأثير - من جيرانهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمون الشام - تحولوا إلى النصرانية، فأكثرية قبائل الشمال القحطانيين عند ظهور الإِسلام كانوا على النصرانية.
وكانت قبائل قضاعة تستوطن منطقة تبوك وما حولها حتى شواطئ البحر الأحمر غربًا، أما قبائل كلب من كندة فتسكن إلى الشرق وشمال الشرق من تبوك - حيث كان ملكهم بدومة الجندل (١).
وكانت هذه القبائل (قضاعة وكندة) على عداء شديد للمسلمين، وكانت أحيانًا - لما تشعر به من قوة وكثرة جند - تفكر في غزو المسلمين في المدينة، وذلك (على ما يبدو) بتحريض من أصدقائهم الرومان، الذين يتهيبون حروب الصحراء، ثم بدافع من هؤلاء القحطانيين من الخوف من أن يمتد نفوذ الإِسلام إلى مناطقهم، التي لهم فيها ملك وسلطان مثل ملوك (دوفة الجندل) أو اليد المطلقة في الحكم تحت رعاية الرومان مثل قبائل قضاعة في الركن الشمالي الغربي من الجزيرة ومشارف الشام.
غير أن المسلمين كانوا متيقظين لهذه الناحية، فما يبلغهم أي حشد من هؤلاء الحضارمة النصارى (وخاصة قضاعة) إلا ومسارعوا إلى غزوهم وتشتيت كلهم قبل أن يشرعوا في تنفيذ ما يفكرون فيه من غزو للمدينة.
وقد دلت الأحداث على أن هناك مصلحة مشتركة بين قبائل الشمال المتنصرة القحانية وبين الإمبراطورية البيزطية، جعلت الفريقين يجعلون من قواتهم المسلحة قوة واحدة تقف على أهبة الاستعداد لمحاربة المسلمين، كلما سنحت الفرصة، وهذه المصلحة المشتركة هي حرص الحضارمة من قضاعة وكلب على الاحتفاظ بسلطانهم الشبه المطلق في مناطق الشمال،
стр. 2457
وحرص الرومان على حماية حدودهم من أي غزو قد تتعرض له الشام من قبل المسلمين.
وهذه حقيقة أثبتها التاريخ، فالناظر في كتب السير والمغازى وكتب التاريخ الأخرى يجد أن قبائل الشمال المتنصرة هؤلاء (وخاصة قضاعة) كانوا أشبه بحرس يحرسون حدود الشام الجنوبية لحساب الإِمبراطورية البيزنطية، كما يحاولون الصمود والثبات في بواديهم بالشمال من الجزيرة في وجه أي تحرك تقوم به القوات الإِسلامية.
فكانت (دائما) فصائل الخيالة والهجانة من هذه القبائل تقوم بأعمال الدورية في شمال الجزيرة، وكثيرًا مما تصطدم هذه الدوريات بطلائع القوات الإِسلامية المسلحة، وحتى العزل من الدعاة المسلمين تفتك بهم هذه القبائل المتوحشة، فقد رأينا (كما هو مفصل في كتابنا السابع غزوة مؤتة) كيف أعدم هؤلاء العرب المتنصرة في ذات الطلح بالشمال خمسة عشر مدنيًا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يدعون إلى الإِسلام بالحسنى.
كذلك كانت قبائل الشمال (وخاصة منطقة تبوك وكل الركن الشمالي الغربي) أشبه بمرتزقة في جيش الإمبراطورية البيزنطية، رغم ما هم فيه من حرية واستقلال، إلا أنهم (رغم كونهم مستقلين في بواديهم داخل الجزيرة العربية) كانوا دائمًا رأس الحربة في أية قوات رومانية مسلحة تعمل ضد المسلمين، وكان هؤلاء العرب (وخاصة قضاعة) قوة مرهوبة ذات عدد غامر، تستفيد منهم الإِمبراطورية البيزنطية، ولقد رأينا كما هو مفصل في كتابنا السابع (غزوة مؤتة) كيف كانت هذه القبائل من الحضارمة، يشكلون نصف الجيش الروماني الذي قاده أخو هرقل واصطدم في (مؤتة) بمنطقة الكرك بالجيش الإِسلام الذي كان أول جيش يجتاز حدود الجزيرة إلى الشام في تاريخ الإِسلام ورأينا كيف قتل في معركة مؤتة إلى جانب الرومان قائد هؤلاء الحضارمة المتنصرة واسمه مالك رافلة.
بل لقد كان القضاعيون (هؤلاء الذين كان منطلق هجرتهم الشجر بحضرموت). تنتسب إليهم القبيلة العظيمة ذات التاريخ الحافل في الجاهلية والإِسلام (قبيلة جهينة) التي تمتد ديارها من ساحل خليج العقبة على
стр. 2458
شريط البحر الأحمر حتى ينبع، إلا أن جهينة هذه لم تكن على صلة بالرومان أو على ولاء لهم في أية فترة من فترات تاريخها، ولهذا كانت جهينة من أسرع القبائل استجابة لدعوة الإِسلام، وكانت منهم كتيبة مؤلفة من حوالي أربعمائة مقاتل اشتركت تحت قيادة الرسول ﷺ في فتح مكة.
وذلك عكس إخوانهم من قبائل قضاعة في الشمال مثل بهراء وعذرة وعاملة وسليح، الذين ظلوا بمنطقة تبوك وما جاورها من مناطق حدود الشام على عداء شديد للإِسلام والسلمين، يشاطرهم هذا العداء الشديد المستحكم أبناء عمومتهم الحضارمة الآخرون من كندة الذين منهم ملوك دومة الجندل ذات القلاع المشهورة، والتي - لعناد أهلها في الكفر ومعاداة المسلمين - حاربهم خالد بن الوليد مرتين، مرة عندما أرسله الرسول ﷺ في أربعمائة فارس من تبوك ليشن الغارة على هؤلاء الكنديين الحضارمة من كلب، ومرة في خلافة الصديق، عندما جاءهم خالد من الحيرة في العراق واقتحم عليهم قلاعهم في دومة الجندل بمساندة عياض بن غنم الفهرى الذي عجز بمفرده عن إخضاع أولئك الكنديين لأنهم كانوا ذوي عدد مسلح غفير وكانوا يعتصمون بحصون مبنية بالحجارة.
ورغم الحملات التي كان المسلمون يشنونها ضد قبائل الشمال النصرانية هذه من كندة وقضاعة، فقد ظلوا قوة ذات خطر على الإِسلام والمسلمين، لأنهم كانوا إذا ما ضايقتهم أية حملة عسكرية إسلامية ورأوا أن ليس من مصلحتهم الاشتباك معها، يلجأون إلى جنوب الشام حيث يتلقاهم حلفاؤهم وشركاؤهم في النصرانية، الرومان بالترحاب وكانوا إذا ما عادت القوات الإِسلامية إلى المدينة عاد هؤلاء القضاعيون النصارى إلى بواديهم وديارهم في مناطق الحدود الشمالية، كما حدث حين غزاهم عمرو بن العاص ومعه صفوة ممتازة من كبار المهاجرين والأنصار وذلك في غزوة ذات السلاسل التي كانت موجهة بصفة خاصة إلى قضاعة الذين هم أخوال عمرو نفسه.
إذن فهناك جيوب مقاومة كبيرة ضد الإِسلام من بطون الحضارمة من قضَاعة وكندة الذين تقع ديارهم في الشريط الشمالي من الجزيرة، والممتدة
стр. 2459
من حدود العراق شرقًا، حتى بحر القلزم (البحر الأحمر) غربًا، وهذه الطون التي أكثرها يدين بالنصرانية - إذا ما اتحدث كلمتها ستشكل خطرًا كبيرًا على الوجود الإسلامي، لأنها (إذا ما اتحدت) تستطع حشد ما لا يقل عن مائة ألف مقاتل، وهذا العدد إذا ما غفلت عنه القيادة الإِسلامية العليا في المدينة وسمحت له بالتجمع والتكتل والتلاحم داخل الجزيرة العربية، فستجد هذه القيادة نفسها أمام مشكلة عسكرية قد تكون أخطر من مشكلة الأحزاب التي واجهتها في السنة الثالثة للهجرة، ومن مشكلة التجمع الهوازني الذي عانت من أخطاره الشديدة الأهوال في ملحفة حنين.
يضاف إلى خطورة جيوب المقاومة المتمثلة في هذه البطون القضاعية الكندية المنتشرة في الشريط الشمالي من الجزيرة. يضاف إلى هذه الخطورة خطر آخر كبير وهو وجود الرومان في الشام الذين - منذ عصور قديمة - كانوا ولا يزالون على صلات وثيقة بهؤلاء النصارى من كندة وقضاعة، وذلك بحكم اعتناق الجميع لدين هو واحد في الأصل، وبحكم ارتباط هؤلاء الجنوبيين بتاج الإمبراطورية البيزنطية التي على رأسها ملك (وهو هرقل) الذي لا تزال خمرة انتصاره على الفرس تلعب برأسه، حيث عاد لتوه من معارك سجل فيها أروع الانتصارات على الإِمبراطورية الفارسية التي كانت - قبل أن يهزمها هرقل - أعظم إمبراطورية في العالم. فالرومان قد لا يغامرون بزج فيالقهم الثقيلة في صحراء الجزيرة العربية كي يقضوا على كيان الإِسلام الذي أصبحوا يتخوفون من انتشاره عبر الحدود إلى الشام وخاصة بعد أن تلقى ملكهم هرقل كتاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه وشعبه إلى الإِسلام، وأدرك الملك القسيس هرقل - بما عنده من علم بالإِنجيل - أن محمدًا هو النبي الذي بشر به عيسى في الإنجيل .. الرومان هؤلاء قد لا يغامرون بزج فيالقهم في صحراء الجزيرة العربية لقطع أو على الأقل لإيقاف تيار الإِسلام، لأنهم يخشون حروب الصحراء أشد الخشية، لأن هذه الصحراء تنجح فيها (فقط) حرب الصاعقة التي لا يجيدها الجندى الروماني بيما يجيدها الجندى المسلم البدوى، وذلك لثقل سلاح ومعدات الأول وعدم مباشرته في حياته العسكرية
стр. 2460
لمثل هذه الحرب، ولخفة سلاح ومعدات الثاني ومعرفته العملية التامة بحرب الصاعقة هذه التي نشأ وتدرب عليها.
نعم قد لا يغامر الرومان بأن تقتحم فيالقهم الثقيلة الصحراء في الجزيرة، ولكنهم بما لديهم من إمكانات، قد يقتحمون مناطق معينة من الجزيرة تصلح لأن تكون قواعد لقواتهم الثقيلة، ثم يوحدون كلمة البطون العربية البدوية من قضاعة كندة والقادرة (بحكم نشأتها البدوية) على حروب الصاعقة، ويكونون منها (داخل الجزيرة نفسها) جيشًا يكون عربيًّا في مظهره ورومانيا في جوهره، حيث تتولى القيادة الروبانية تسليح هذا الجيش العربي وإعاشته، وبالتالى قيادته وتوجيهه، بقيادة ضباط من الرومان لغزو المسلمين في المدينة، أو على الأقل شنّ غارات متفرقة على المسلمين، بقصد اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من جزيرة العرب لحساب الرومان، وبقصد إعاقة أيّ نفوذ وامتداد لدعوة الإِسلام في الشريط الشمالي من الجزيرة، وبالتالى حراسة الشام من أن تتغلغل إليه هذه الدعوة.
هكذا كانت الاحتمالات، وهكذا كان الموقف في شمال الجزيرة، حيث البطون العربية النصرانية من قضاعة وكندة الحضارمة، الذين يشكلون جيوب مقاومة قوية ضد الإِسلام داخل الجزيرة، كما أن إلى جانبهم في الشام قوات الإِمبراطورية الرومانية. التي تعتبر (بعد انتصارها على الفرس) أعظم وأقوى إمبراطورية في العالم، والتي تجد في نفسها الرغبة والقدرة على اجتياز حدود الجزيرة لمحاربة المسلمين.
فهو إذن خطر روماني جسيم قائم في الشمال يهدد المسلمين، وفعلًا قد تجسد هذا الخطر الروماني الكمير حين وصلت إلى المسلمين أنباء عن حشود رومانية في جنوب الشام شمالي تبوك.
إذن لا بد من تحرك عسكرى إسلامي ضخم يرهب الرومان (أولًا) وينسخ من أذهانهم فكرة القدرة على اجتياز حدود الجزيرة، ويثبت لهم أن المسلمين قادرون عسكريًا على أن ينقلوا المعركة إلى الشام نفسها، ثم يقوم هذا التحرك الإسلامي - بعد إرهاب الروم - بتصفية جيوب المقاومة
стр. 2461
العربية النصرانية وغير النصرانية التي بقيت في الشريط الشمال من الجزيرة العربية على كفرها وعلى عدائها الشديد للإِسلام.
وهكذا أعلن الاستنفار العام بين المسلمين في الحاضرة والبادية فاحتشد للرسول ﷺ أضخم جيش في تاريخ حياته العسكرية، حيث تمكن من حشد ثلاثين ألف مقاتل في المدينة، تحرك هذا الجيش الضخم نحو الشيمال في اتجاه تبوك، ومما يدل على شعور المسلمين بالخطر الروماني الشديد في الشمال، سرعة حشدهم وإسراعهم في التحرك بجيشهم الضخم، حتى أن الرسول القائد ﷺ تحرّك بهذا الجيش في وقت تشتد فيه حرارة الصيف اللاهبة، الأمر الذي يستنتج منه أن القيادة الإِسلامية في المدينة، قد تلقت عن الحشد الروماني معلومات خطيرة تستدعى التحرك من المدينة بأسرع ما يمكن نحو الحدود الشمالية، ولولا ذلك لما تحرك الرسول ﷺ بذلك الجيش الضخم في ذلك الفصل من الصيف ذي الحرارة اللاهبة، الأمر الذي أعطى المنافقين الفرصة كي يحاولوا تثبيط عزائم المسلمين مضخمين لهم التاعب التي سيلاقونها من شدة الحر أثناء تحركهم كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
كيف حشد الرسول جيشه:
كان من عادة الرسول الأعظم ﷺ أنه إذا أراد أن يغزو عدوًا، أن يلتزم خطة الكتمان فلا يفصح في هدفه من التحرك حتى لأقرب المقربين إليه، اللهم إلا هيئة أركان حربه مثل أبي بكر الصديق، وذلك كما فعل عندما تحرك لفتح مكة بعشرة آلاف مقاتل، لم يعلم عامتهم بالجهة التي يتحركون نحوها، إلا عندما وصل مسافة حوالي عشرة أميال عن العاصمة المقدسة، حيث علم عامة الجيش أنه يريد قريشًا بمكة.
أما في غزوة تبوك فقد أعلن رسميًّا أنه يريد غزو الروم، ليستعد كل من يمكنه الانخراط في سلك الجيش المقرر زحفه نحو الحدود الشمالية، ويجهز نفسه بكامل ما يحتاج من عتاد حربي وإعاشة، لأن الرسول ﷺ سيقطع بهذا الجيش قرابة ستمائة ميل (حوالي ألف كيلو متر).
стр. 2462
فهي ليست غارة خاطفة يمكن القيام بها عبر مسافة قصيرة وبقوات خفيفة، كما أنه لم يعد مجال للتورية في التحرك حيث لم تغد "في جزيرة العرب" قوة معادية لها خطرها تستدعى هذا الحشد العظيم يروى الرومان والخليط من العرب والنصارى الموالين لهم في منطقة الحدود في تبوك ودومة الجندل والعقبة وإيلة (إيلات) وما جاورها.
فهو إذن غزو شامل وبقوة ضاربة، ستقطع مسافة طويلة جدًّا، وقد يتطلب الأمر أن تجتاز هذه القوة الضاربة حدود الجزيرة إلى الشام للقتال هناك.
ثم إن للرومان في المدينة طابورا خامسًا من المنافقين، سيطيرون لهم -ولا شك- خبر هذا الحشد الضخم، والذي -حتى وإن التزم الرسول ﷺ سياسة التكتم بشأن وجهة هذا الحشد- فإن الرومان سيكون من المؤكد لديهم أنهم وحلفاؤهم من قضاعة وكلب وغسان، دون سواهم، المقصودون بهذا الحشد، لأنهم يعلمون أنه -بعد القضاء على العسكرية الهوازنية وقبلها القرشية والغطفانية وبعدها الطائية- لم تعد هناك في جزيرة العرب قوة عسكرية معادية للإسلام ذات خطر تستدعى مثل هذا الحشد العسكري الضخم الذي لم تشهد الجزيرة مثله في العهد النبوي.
لهذا لم يعد من المفيد أن يلتزم الرسول ﷺ خطة الكتمان بالنسبة لهذا التحرك، لأن الرومان بمجرد علمهم "من جواسيسهم" بهذا التحرك، سيجزمون بأنهم وحلفاءهم العرب في الشمال، المقصودون دون غيرهم بهذا التحرك، ثم لطول المسافة وبعد الشقة في هذه الغزوة -ولما سيلاقى فيها الجيش من متاعب نتيجة شدة الحر- لا بد من مصارحة المسلمين بالحقيقة، كى لا ينخرط في سلك الجيش إلا الذي لديه من الإِيمان الصادق ما يجعله يتقبل المشاق والصعاب في غزوة العسرة هذه بثقة وتصميم، ويجعله يوفر لنفسه من النفقة وبقية الوسائل ما يمكنه من التغلب على الصعاب الذي ستلاقيه ولا شك في هذه الغزوة الشاقة.
الاستنفار العام بين المسلمين:
وتقديرًا لخطورة ما الرسول ﷺ مقدم عليه من هذا الغزو الشاق
стр. 2463
الخطير، وبعد معادلات وحسابات دقيقة للنتائج والعواقب التي يتوقعها المسلمون نتيجة ما قد يحدث من صدام - قد يكون ضاريًا - بين المسلمين وبين بني الأصفر "الرومان" فإن الرسول ﷺ قرر أن يستوعب جيشه كل قادر على حمل السلاح من المسلمين في الحاضرة والبادية، فأعلن الاستنفار العام موضحًا للجميع أنه يقصد الروم في الشمال.
فبالإضافة إلى إعلان الاستنفار الكامل بين المهاجرين والأنصار في الحاضرة المدينة، بعث رسول الله ﷺ إلى البادية بمندوبين خاصين من السابقين الأولين من أصحابه، كل من هؤلاء المندوبين إلى القبيلة التي ينتسب إليها ليستنفرها للجهاد في سبيل الله، على أن يخبروهم أن الهدف من هذا الحشد هو الرومان.
ولم يقتصر في بعث مندوبيه ﷺ للاستنفار والحشد على سكان العاصمة المدينة وسكان البوادى فحسب، بل بعث أيضًا إلى أهل مكة الذين لم يمض على إسلامهم أكثر من ثمانية أشهر - يستنفرهم للجهاد.
وذكر المؤرخون أسماء أحد عشر من مشهورى الصحابة من أبناء القبائل، بعث بهم رسول الله ﷺ إلى البادية ليستنفروا قبائلهم للقتال تحت لواء الرسول ﷺ ، وهؤلاء المبعوثون هم:
اسم المبعوث - اسم القبيلة المبعوث إليها
١ - بريدة بن الحصيب - أسلم الذين تقع منازلهم بين مكة والمدينة.
٢ - أبو رهم الغفاري - غفار ناحية بدر والصفراء.
٣ - أبو واقد الليثى - بني ليث من كنانة
٤ - أبو الجعد الضمرى - بني ضمرة بالساحل.
٥ - رافع بن مكيث - جهينة.
٦ - جندب بن مكيث - جهينة.
٧ - نعيم بن مسعود - أشجع.
٨ - بديل بن ورقاء - خزاعة.
٩ - عمرو بن سالم - خزاعة.
стр. 2464
١٠ - بشر بن سفيان - خزاعة.
١١ - العباس بن مرداس (١) - سليم.
أما المبعوثون إلى أهل مكة فلم أر فيما بين يدي من مصادر اسم أحد منهم، وكما ذكر أن الرسول ﷺ بعث إلى أهل مكة يستنفرهم كما بعث إلى أهل البوادى، كما جاء في مغازي الواقدي.
ولقد لقيت دعوة استنفار الرسول ﷺ تجاوبًا كبيرًا، سواء في الحاضرة أو في البادية، فتم حشد ثلاثين ألف مقاتل، رغم كيد المنافقين ومحاولة توهينهم عزائم المسلمين.
ولقد تحدث الواقدي في كتابه المغازي عن التهيؤ لهذه الغزوة الخطيرة. فقال راويا عن عشرة من شيوخه: كانت الساقطة -وهم الأنباط- يقدمون المدينة بالدرك والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإِسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند المسلمينِ كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة فذكروا أن الروم قد حمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه "أي دفع رواتبهم" لسنة كاملة، وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم -إذ كانوا يقدمون عليهم تجارا- من العدد والعدة والكراع.
وكان رسول الله ﷺ لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها، لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، واستقل غزى وعددًا كثيرًا، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة غزوهم، وأخبر بالوجه الذي يريد. ثم ذكر الواقدي أسماء المبعوثين الذين بعثهم إلى البادية لاستنفار سكانها للجهاد.
لقد كانت السنة التي أعلن فيها الرسول ﷺ الاستنفار العام لمواجهة الرومان في الشمال، سنة جدب وجفاف، فالمسلمون "وخاصة البادية"
стр. 2465
في حالة ضيق شديد، ولذلك أطلق على غزوة تبوك اسم غزوة "العسرة" لما لاقى الرسول ﷺ وأصحابه من جهد ومشقة لإكمال تمويل وتجهيز هذا الجيش الضخم، ولكون هذه الغزوة قام بها المسلمون في صائفة شديدة الحر، ولطول المسافة التي سيقطعها الجيش الضخم هذا من المدينة إلى الحدود الشمالية، فإن التجنيد الإِجبارى لم يتناول إلا الذين يجدون مركبًا من خيل أو إبل، فقد كان هذا الجيش كله محمولا، ولذلك أعفى الذين لم يجدوا ما يحملون عليه في هذه الغزوة، أعفوا من الاشتراك في هذه الغزوة رغم حرصهم الصادق الشديد على أن يشهدوها، كما جاء ذلك صريحًا في القرآن الكريم: ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
ومما يدل على أن التجنيد لغزو الروم كان إجباريًا، لا يجوز لمسلم قادر "جسديًا وماديًا" أن يتخلف عن الانخراط في سلك الجيش الغازى، قول الله تعالى -بعد أن عذر المعسرين ماديًا وأثنى عليهم-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقد يتساءل البعض: لماذا لم يؤجل الرسول ﷺ تحرك هذا الجيش، حتى ينتهى فصل الصيف اللاهب، وتتحسن أحوال الناس المعيشية فتزول الضائقة المادية التي هم عليها الناس، الذين لولا سخاء أغنياء الصحابة وتبرعهم العظيم بأموالهم لما استطاعوا "لفقرهم" الاشتراك في هذه الغزوة التاريخية؟ .
الجواب هو أن الحالة في الحدود الشمالية "كما ذكرت المعلومات" من حيث حشد الجيوش الرومانية والعرب المتنصرة بقصد اجتياح حدود الجزيرة- تدعو إلى القلق والسرعة الشديدة من المسلمين لدفع الخطر الروماني قبل أن يستفحل، وهذا "على ما يبدو"هو الذي اضطر القيادة
стр. 2466
الإِسلامية في المدينة إلى أن تقوم بهذا التحرك العسكري الضخم السريع رغم المتاعب التي سيلاقيها الجيش نتيجة شدة الحر وضيق ذات يد الكثير ممن اشتركوا في غزوة العسرة هذه.
أغنياء الصحابة يتبرعون للجيش:
ولما كانت سنة غزوة تبوك سنة قحط وعسرة بين عامة المسلمين، فقد حث الرسول ﷺ أغنياء الصحابة على التصدق -وهو ما يسمى بلغة العصر بالتبرع- لتجهيز ذلك الجيش الضخم وإكمال تموينه، لأن بيت مال المسلمين بالمدينة ليس فيه ما يكفي لتموين وتجهيز هذا الجيش اللجب.
لم يكن هناك في العصر النبوي نظام عسكرى إدارى تدفع بموجبه رواتب للمحاربين يتقاضونها مقابل اشتراكهم في القتال لتدعيم سلطان الإسلام، بل يكون القتال هذا بدافع من منطلق وجدانى أساسه الإيمان بأن هذا القتال هو الجهاد الذي أعد الله للقائمين به أعلى الدرجات في الدار الآخرة، وخاصة الذين يلقون حتفهم وهم يباشرون هذا الجهاد، والذين أكد القرآن أنهم يفضلون جميع أموات المسلمين، بأنهم يصيرون بعد موتهم أحياء. تتمتع أرواحهم بأعلى درجات النعيم عند الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وانطلاقًا من هذه العقيدة (عقيدة الجهاد لإعلاء كلمة الله) يقوم القادرون منهم بواجب تجهيز أنفسهم بما يلزمهم من سلاح وإعاشة ووسائل نقل إلى ميادين القتال، فلا يطلبون من الدولة شيئًا من هذه المستلزمات للجهاد وإنما يطلب هذه المستلزمات من المجاهدين، من الدولة غير القادرين من المعوزين، فهؤلاء تبذل الدولة جهدها لتوفير ما يحتاجونه من سلاح وإعاشة ووسائل نقل.
وهؤلاء كانوا كثيرين عندما أعلن الاستنفار العام كى يتحرك الرسول بالجيش نحو الشمال لمواجهة الروم، ولما كان بيت المال، ليس فيه ما يوفر
стр. 2467
لهؤلاء الفقراء من مستلزمات القتال شيء كالسلاح والإعاشة ووسائل النقل، وجه الرسول ﷺ إلى أثرياء الصحابة وميسورى الحال نداء بأن يتصدقوا بما تسخو به نفوسهم من أموالهم لسد احتياجات الراغبين في الجهاد، من الذين لا يجدون (في أموالهم الخاصة) ما يوفر لهم ما يحتاجونه في هذه الرحلة القتالية الشاقة الطويلة التي تستغرق ذهابًا وإيابًا حوالي شهر كامل.
وما كاد الأغنياء وميسورو الحال من الصحابة يتبلغون نداء الرسول ﷺ الحاث على التصدق والتبرع لإكمال تجهيز الغازى هذا حتى تسابقوا إلى ميدان التبرع والتصدق طمعًا فيما عند الله تعالى من ثواب.
وكان التبرع من هؤلاء الكرام البررة على أعلى مستويات السخاء، فتم للرسول ﷺ -وفي وقت وجيز- جمع أموال عظيمة من المتصدقين، تمكن بهذه الأموال من تموين الجيش وإكمال تجهيزه، حيث بهذه الأموال وفرّ الإعاشة ووسائل النقل والأسلحة للذين لا يقدرون على أن يوفرّوها لأنفسهم من مالهم الخاص.
وكان أعظم المتصدقين المتبرعين سخاء من الصحابة لتجهيز الجيش هذا، عثمان بن عفان، فقد ضرب أعلى رقم قياسى في البذل والسخاء في سبيل الله بماله، تولى وحده تموين وتجهيز ثلث الجيش من ماله الخاص. أي أن عثمان قام وحده بتجهيز عشرة آلاف من ماله الخاص الحلال، وكان عثمان تاجرًا ناجحًا.
أي إيمان عظيم جعل صاحبه يذهب في الكرم وحبّ الخير إلى أن ينفق بسخاء وطيب خاطر كل هذه النفقات العظيمة (عشرة آلاف مجاهد يمونهم ويجهزهم بكل ما يحتاجونه من ماله الخاص؟ ) .. تضحية ما بعدها تضحية، وسخاء -باعثه الإيمان- ما بعده سخاء جعل الرسول ﷺ تقديرًا لهذا الكرم العظيم- أن يقول مبشرًا عثمان أن الله قد رضي عنه: (ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا).
وقد روى أصحاب السير والمغازى، كل حسب سنده وروايته يصفون حملة التبرعات التي قام بها الصحابة لتموين الجيش في هذه الغزوة (غزوة
стр. 2468
العسرة): وحض رسول الله ﷺ المسلمين على القتال والجهاد، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، فكان أول من حمل أبو بكر الصديق، جاء بماله أربعة آلاف درهم، فقال رسول الله ﷺ : هل أبقيت شيئًا؟ قال: الله ورسوله أعلم، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، فقال له رسول الله ﷺ : هل أبقيت شيئًا؟ قال: نعم، نصف ما جئت به.
وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر فقال: ما استبقنا إلى الخير قط، إلا سبقنى إليه، وحمل العباس إلى رسول الله ﷺ مالًا، وحمل طلحة بن عبد الله إلى النبي ﷺ مالا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالا، مائتى أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالا، وحمل محمد بن مسلمة إليه مالا وتصدق عاصم بن عدي (١) بتسعين وسقا تمرًا، وجهّز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، حتى كفى ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم شنق أسقيتهم (٢). فيقال: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا (٣).
ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف، واحتسبوا في ذلك، وقووا أناسًا دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتى بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه، ويأتى الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج (٤).
اشتراك النساء في التبرع للجيش:
ولم يقصر النساء عن الرجال في مساندة الجيش بالتبرع لإكمال تجهيزه، كل حسب قدرتها والتي لم يكن عندها دراهم أو دنانير، تتصدق بما تتزين
стр. 2469
به من حلى. قال الواقدي: حتى إن كنّ النساء ليعنّ بكل ما قدرن عليه. قالت أم سنان الأسلمية (١): لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة فيه مسك ومعاضد (٢) وخلاخل وأقرطة وخواتيم وخدمات، مما يبعث به النساء يعنّ به المسلمين في جهازهم والناس في عسرة شديدة (٣).
عناصر التخريب تتحرك في المدينة:
لا شك أن الظرف الذي حشد فيه الرسول ﷺ جيشه الضخم للتحرك نحو الشمال لإرهاب الروم، كان ظرفًا صعبًا بالنسبة للمسلمين الغزاة من جهات كثيرة، فقد كان الناس في عسرة شديدة، حتى أن الإِمام البخاري سمّى غزوة تبوك هذه: غزوة العسرة (٤).
وبالإضافة إلى الضائقة العامة والعسرة الشديدة التي عليها المسلمون، كان الوقت وقت حر شديد، وكانت ثمار النخل قد طابت، والنفوس بطبعها ميالة في ذلك الظرف إلى التمتع بالظلال في عروشهم بين النخيل، فالناس -كما قال أصحاب السير- يحبّون (في ذلك الظرف) المقام في ديارهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان، الذي هم عليه، والضائقة التي تأخذ بتلابيبهم.
ولكن الأغنياء وميسورى الحال من الصحابة قد خففوا بتبرعاتهم السخية العظيمة من هذه الضائقة المادية، ولكن شدة الحر اللاهب، والخروج من المدينة في وقت طابت فية الثمار حيث يودّ الكثير قطفها والتمتع بها في ظل النخيل والعروش، جعل الناس يودون لو أنهم لم يغادروا المدينة في ذلك الفصل، ولكنه أمر .. أمر عسكرى من الرسول القائد ﷺ وأمر الرسول ﷺ إذا قضى به لا يجوز لمسلم أن يخالفه حتى وإن لم تكن نفسه ميّالة إليه.
стр. 2470
ووجدت عناصر التخريب من المنافقين المناخ مواتيًا للتخريب والإِرجاف وبث الإِشاعات المثبطة للعزائم في صفوف الجيش، فقد ساء هذه العناصر النافقة المنتسبة إلى الإِسلام والمحسوبة على المسلمين، ساءها ما رأت من شوكة حربية عظيمة، لم يكن للمسلمين مثلها منذ بزغت شمس الإِسلام، فحاولت هذه العناصر الخبيثة، وهي الرتل الخامس من الباطنيين الذين سماهم الله تعالى في القرآن (المنافقين) حاولت القيام بأعمال التخريب داخل صفوف الجيش الذي كان يتم حشده، وذلك بمحاولة بث الإِرجاف وتثبيط الهمم وتفريق الكلمة وإحداث البلبلة والتشويش بين مختلف فئات المسلمين، كى يعجز الرسول ﷺ عن حشد الجيش المطلوب، فيفشل الغزو.
غير أن الطابور الخامس من هؤلاء المنافقين -رغم محاولاتهم المستميتة لم يجنوا سوى الفشل الذريع، فقد تجاهلهم المؤمنون الصادقون وسخروا من محاولاتهم الخبيثة، فاستجابوا لداعى الجهاد بغير تردد، سواء منهم الحاضرة أو البادية، فتم حشد ذلك الجيش اللجب الذي بلغ ثلاثين ألفًا.
وقد فطن الرسول القائد ﷺ لتحركات المنافقين المشبوهة، فقضى عليها، وتتبع خلاياهم التخريبية السرية، فكشفها، وهدم الأوكار التي تحوك فيها هذه الخلايا الباطنية الخبيثة مؤامراتها ضد وحدة المسلمين، كما نزل القرآن الكريم يندد بهؤلاء المنافقين، ففضحهم، وثبت المؤمنون الصادقون، وتحرك الجيش بكامله من المدينة حسب الخطة المرسومة، حتى أدى مهمته وحقق أهدافه على أكمل وجه، رغم أنه قد اندس فيه جماعات من الرتل الخامس (المنافقين). ورغم أن هؤلاء المنافقين قد نجحوا في حمل بعض الوحدات على التمرد بالانسلاخ عن الجيش بعد أن انخراط في سلكه، ولكن انسلاخ هذه الوحدات كان في صالح المسلمين، حيث كانت عناصر مشبوهة معادية للإِسلام في الباطن، ومنتسبة إلى المسلمين في الظاهر.
فلو أن هذه العناصر الخبيثة المشبوهة ظلت (مع كثرتها) داخل الجيش الإِسلامي حتى عودته من تبوك، لكانت عامل تخريب وفتنة داخل هذا الجيش المؤمن، وما زادته إلّا شرًّا وخبالًا كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك:
стр. 2471
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
وكان الرسول ﷺ كقائد عسكرى حريصًا على سلامة جيشه، وخاصة بعد أن نجح في حشده وتجهيزه، وكان حذرًا كل الحذر من دسائس المنافقين واستمرار محاولاتهم في التأثير بروحهم الخبيثة على الجيش، فبعد أن تم حشده وتجهيزه، سارع الرسول ﷺ إلى الخروج به من المدينة، وبذلك عزله عن عناصر الرتل الخامس من المنافقين، بعد تصفيته منهم. قال الواقدي: وأخذ رسول الله ﷺ الناس بالانكماش (أي الإسراع) والجد، وضرب رسول الله ﷺ عسكره بثنيّة الوداع (خارج المدينة) والناس كثير لا يجمعهم كتاب.
نماذج من تصرفات المنافقين:
لقد كان المنافقون -منذ قدوم الرسول ﷺ المدينة- وهم يضمرون العداوة للمسلمين ويسببون المتاعب للرسول ﷺ وسائلهم الباطنية الخبيثة، فكانوا لا يصارحون المسلمين بالعداوة، بل يبدون في الظاهر وكأنهم مسلمون بما يؤدون من شعائر معهم كالصلاة والحج وغير ذلك من الشعائر الظاهرة، ولكنهم في الباطن يكيدون للمسلمين كلما سنحت لهم الفرصة سرًّا.
ولما كان هؤلاء المنافقون يحملون الهوية الإسلامية، حيث يعتبرون -لاعتناقهم الإسلام ظاهرًا- جزءًا من الأمة الإسلامية، فإن القانون الإسلامي الذي يحكم به النبي ﷺ لم يضعهم تحت طائلة أية عقوبة، رغم القرائن والمؤشرات التي تشير -من خلال تصرفاتهم- إلى خبث طويتهم وإضمارهم البغض والكيد للإسلام والمسلمين، لأن هذا القانون الإسلامي لا يصدر حكمًا بالعقوبة إلا ضد جريمة معلنة ثابتة مشهودة، وعلى أساس هذا القانون كان النبي ﷺ يعامل هؤلاء المنافقين، فلم يثبت أن الرسول ﷺ حكم على أحد منهم بعقوبة استنادًا إلى ما تضمره نفوسهم وتنطوى عليه من كيد وبغض للمسلمين، ورغبة ملحة في إلحاق الضرر بهم.
стр. 2472
وفي ظل القانون الإسلامي هذا ظل هؤلاء المنافقون -رغم ما يضمرون من شر للمسلمين- يتمتعون بحقوق المواطن المسلم، رقد استغلوا تمتعهم بهذا الحق لجعله ستارًا يكيدون من خلفه للإسلام ويعملون بكل إمكاناتهم (سرًّا) للتآمر على كيان المسلمين، فلا تسنح لهم فرصة يظنون أنهم قادرون فيها على الإضرار بالمسلمين (على أي مستوى) إلا واغتنموها كي يصيبوا المسلمين بهذا الضرر ولكن بخبث وحذر بحيث لا يقعون تحت طائلة القانون.
كما أن النبي ﷺ وبما عرف عنه من مرونة وتسامح وصبر- يلجأ دائمًا إلى تجاهل تصرفات هؤلاء المنافقين، حتى وإن بلغت -في بعض الأحيان- حد الضرر الواضح بالمسلمين، كما حدث في غزوة أحد، حين تمرد ثلاثمائة منافق بقيادة عبد الله. بن أُبَيّ كانوا قد انخرطوا في سلك الجيش النبوي الذاهب إلى أحد لمواجهة قريش، فرجع عبد الله بن أبَيّ بهؤلاء المنافقين من منتصف الطريق بين المدينة وأحد، بقصد توهين عزائم المسلمين وإحداث الفرقة في صفوفهم وتقوية معنويات المشركين الذين كانوا يرون ما يحدث من تمرد من هؤلاء المنافقين، ومع ذلك فلم يتخذ الرسول ﷺ أي إجراء تأديبى ضد هؤلاء المنافقين، بالرغم من اقتراح بعض أصحابه -آن ذاك- بتصفية هذه العناصر التخريبية المنافقة عسكريًا قبل ملاقاة قريش (١).
ومثل هذه المواقف المشينة سبق وأن تكررت من عناصر النفاق كما حدث من زعيمهم من إثارة للفتنة في غزوة بني المصطلق، وإشاعة قالة السوء الكاذبة في أم المؤمنين الطاهرة عائشة ﵂، والتي على أثرها طلب الابن الصالح لهذا المنافق وهو (أي الابن) عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ السماح له بقتل أبيه إذا كان الرسول ﷺ قرر (ولابد قتله)، ولكن الرسول عالج تلك المشاكل والبلبلات التي أثارها عبد الله بن أُبيّ. عالجها بكل حكمة، ولم يسمح بقتل رأس النفاق، بل تركه وشأنه، حتى اكتشفه أبناء عشيرته على حقيقته الخبيثة فمقتوه، وصار نفوذه يتضاءل
стр. 2473
حتى تلاشى نهائيًا واستراح المسلمون بموته (١). وذلك بعد أن تمت السيطرة الكاملة للإسلام على جميع نواحى الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
موقف ابن أبَيّ والجد بن قيس في غزوة تبوك:
ورغم انحسار نفوذ زعماء المنافقين شيئًا فشيئا في المدينة، فقد بقى لهم بعض النفوذ بين العناصر المغرر بها، فكان عبد الله بن أبي والجد بن قيس، وهما رأسا النفاق، لا يزالان على قيد الحياة عندما اعتزم الرسول ﷺ أن يتحرك بالجيش إلى الحدود الشمالية لإِرهاب الروم.
ولقد بذل هذان الزعيمان المنافقان كل جهد لتمزيق وحدة المسلمين بنشر الشائعات المغرضة، والتي هدفها إحداث الفوضى والبلبلة داخل صفوف الجيش الذي تقرر أن يتحرك من المدينة إلى تبوك بقيادة الرسول ﷺ .
أما الجد بن قيس فقد قال له الرسول ﷺ كزعيم من زعماء المسلمين (في الظاهر) ولعله ينقى سريرته ويشترك -بإخلاص- في هذه الحملة العسكرية التاريخية، فالرسول دائما لا ييأس من إصلاح النفوس التي اعتراها الخراب، فهو رسول رحمة ومحبة وإصلاح، لذلك فقد قال للجد بن قيس هذا (بأدب نبوى رفيع): هل لك العام تخرج معنا، وبلهجة فيها شيء من المداعبة قال له: لعلك تحتقب من بنات بني الأصفر؟ . وكان الإسلام يبيح سبى نساء الأعداء وتسريهن كعمل حربى مقابل لا بد منه (٢) لأن العداء إذا ما سبوا نساء المسلمين إسترقوهن وتسروهن (٢) فقال الجد بن قيس للنبي ﷺ بلغة منافقة خبيثة ماكرة-: أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فوالله، لقد عرف قومى ما أحد أشد عجبًا بالنساء منى، وإني لأخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر، لا أصبر عنهن.
ولقد استاء الرسول ﷺ لهذا الجواب الخبيث، غير أن الرسول -لما هو عليه من أدب رفيع جم- لم يعبر عن استيائه من هذه الإجابة التي
стр. 2474
تحمل أكثر من معنى من معاني الخبث والنفاق، لم يعبر عن استيائه بأكثر من أنه (فقط) أعرض عن الجد بن قيس، وذهب في الحلم على هذا المنافق إلى أن أذن له في التخلف عن الجيش قائلًا: قد أذنت لك (١).
ومن عجائب المفارقات التي تصنعها العقيدة، أن لهذا المنافق الجد بن قيس، ابن صالح شديد الإِيمان، كان شهد بدرًا مع المسلمين، وهو أخو معاذ بن جبل لأمه، واسمه عبد الله (٢) .. هذا الشاب الثابت العقيدة الصالح المؤمن، لما بلغته مقالة أبيه النابية لرسول الله ﷺ ذهب إليه لقدم له النصح كى يتوب إلى الله مما فاه به من منكر القول أمام الرسول ﷺ ولينفر ضمن الجيش مع رسول الله ﷺ إلى حيث يريد، لا سيما وأنه غنى من أغنياء المدينة، وسيد من سادات الخزرج المرموقين، والمفروض فيهم أن يكون (بإخلاص) في مقدمة الجيش النبوي الغازى.
فقد قال هذا الشاب المؤمن الطيب عبد الله لأبيه الباطنى المنافق الجد بن قيس -متسائلا في استنكار-: لم ترد على رسول الله ﷺ مقالته؟ فوالله ما في بني سلمة أكثر مالا منك، ولا تخرج ولا تحمل أحدًا (أي لا تساعد أحدًا من المعوزين المجاهدين) بخيل ولا ركاب يركبها في هذه الغزوة، فقال الجد المنافق لابنه المؤمن الصادق: يا بني ما لي وللخروج في الريح والحر والعسرة إلى بني الأصفر؟ .
ثم اندفع بلغة الإِرجاف والتخوف من قوة الرومان لعله يؤثر في معنويات ابنه المؤمن ومن يسمع قوله الخبيث، فيخافوا فيقعدوا مثله مع الخوالف، فقال -وهو يحاور ابنه-: والله ما آمن من بني الأصفر وأنا في منزلى بخربى، فأذهب إليهم فأغزوهم، إني والله يا بني عالم بالدوائر.
وهنا تفاعلت عوامل الغضب لله ولرسوله في نفس الشاب المؤمن الصادق -فوضع اعتبار العقيدة فوق كل اعتبار، فداس -في سبيل نصر عقيدته- على عاطف الأبوة، فخاطب أباه كما يخاطب المنحرفين الضالين
стр. 2475
الخبثاء، حيث صارحه بأنه منافق وأن باعث تخلفه عن رسول الله ﷺ لم يكن الخوف من بني الأصفر كما زعم، ولكنه الرغبة في الكيد للإسلام وتثبيط المسلمين عن الغزو، حيث قال له: ولكنه النفاق، والله لينزلن على رسول الله ﷺ فيك قرآن يقرأونه، فغضب المنافق الكبير لمقالة ابنه، ثم ضربه بالنعل على وجهه، وكان ابنه به برًا، فصبر الابن المؤمن الصادق وانصرف من مجلس أبيه ولم يكلمه (١).
وازداد المنافق الكبير إياه كفرًا وعنادًا، فاستمر في إرجافه برسول الله ﷺ وتشكيكه الناس في دين الله وتجسيمه ما سيلاقون في غزوتهم الطويلة الشاقة من مشاق الحر الشديد، وذلك عن سبق إصرار دنئ ورغبة خبيثة في التأثير على المسلمين لعلهم يتأثرون بإرجافه فيعدلوا عن المشاركة في الجهاد، فيصيب التصدع والتفكك الجيش النبوي الذي بدأ يستكمل حشده وتجهيزه استعدادا للتحرك إلى تبوك.
فقد ذكر أصحاب السير والحديث أن الجد بن قيس المنافق هذا وجه نداء إلى قومه بني سلمة وفي مقدمتهم جبار بن صخر (٢)، حثهم فيه على التخلف عن رسول الله ﷺ لأن الفصل فصل حر شديد، فقال لجبار بن صخر ونفر من بني سلمة، يا بني سلمة لا تنفروا في الحر. قال الواقدي: يقول: لا تخرجوا في الحر زهادة في الجهاد، وشكًا في الحق، وإرجافًا برسول الله ﷺ ...
ولكن الخبيث فشل في مسعاه، وأنزل الله فيه قرآنا فضحه فيه -كما توقع ابنه المؤمن- قال تعالى مبينا وضع هذا المنافق الكبير وأمثاله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "التوبة: آية ٨١ - ٨٢".
وفي مقالة المنافق الجد بن قيس لرسول الله ﷺ بشأن بنات الروم: أو
стр. 2476
تأذن لي ولا تفتنى أنزل الله تعالى قرآنا أكد فيه أن هذا المنافق وأضرابه هم واقعون في فتنة أعظم فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٥٠].
فلما نزلت هذه الآية الكريمة التي تفضح الجد بن قيس وأمثاله وتشهر نفاقهم، ذهب إليه ابنه عبد الله. فقال له: مكررًا لومه له على موقفه السئ من رسول الله ﷺ ، ألم أقل لك: إنه سوف ينزل فيك قرآن يقرأه المسلمون؟ .
ولكن الأب المنافق تمادى في غيِّه وازداد النفاق في نفسه الخبيثة، فأظهر شديد غضبه على ابنه المؤمن لتكراره النصح له، وأعلن أنه سيقطع عنه كل صلة، حيث قال له: اسكت يالُكَع، والله لا أنفعك بنافعة أبدًا، والله لأنت أشد من محمد (١).
دور عبد الله بن أُبَيّ التخريبي:
أما دور رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي هو سيد من سادات الخزرج، فقد كان أكبر الأدوار لمحاولة الإرجاف والتخريب داخل صفوف الجيش الذي تقرر أن يتحرك من المدينة إلى تبوك لمواجهة الروم.
فإذا كان دور المنافق الكبير الثاني الجد بن قيس ينحصر في تثبيط وتوهين عزائم المسلمين، بتخويفهم من العسكرية الرومانية وما هي عليه من قوة وبأس، وتوجيهه النداء إلى قومه بأن لا ينفروا مع الرسول ﷺ في هذه الغزوة، لأن الحر شديد، فإن دور عبد الله بن أُبَيّ في مجال التخريب وتمزيق الكلمة أخطر وأعظم.
ذلك أن عبد الله بن أُبَيّ لم يكتف بالتشويش وأعمال التثبيط والتوهين القولى، بل قاد عملية تمرد داخل الجيش النبوي بعد أن انتظم عقده وتم حشدة وتجهيزه.
فقد كان عبد الله بن أُبَيّ وجماعته الباطنيين -باعتبارهم يحملون الهوية
стр. 2477
الإسلامية في الظاهر- قد انخرطوا في سلك الجيش النبوي بأعداد كبيرة عندما أعلن الاستنفار العام، وذلك لا لإسناد هذا الجيش وتقويته، وإنما بقصد إحداث الفرقة والتشويش والبلبلة داخل صفوفه، وذلك بالانفصال عن هذا الجيش والرجوع إلى المدينة عندما يبدأ الجيش التحرك نحو وجهته.
وقد مثل عبد الله بن أُبَيّ بالنسبة للجيش النبوي المتحرك إلى الشمال، مثّل (تمامًا) دور التخريب الذي قام به يوم معركة أحد عندما خرج في جماعته مع الجيش النبوي المتحرك نحو أحد لمقاتلة مشركى قريش، حيث رجع إلى المدينة من منتصف الطريق برتله وكانوا يمثلون ثلث الجيش تقريبًا، الأمر الذي كان له أسوأ الأثر في نفوس المؤمنين، بل كاد يؤدى إلى تمرد آخر في الجيش النبوي أخطر وأعظم، حيث كادت قبيلتان من الأنصار أن تحذوا حذو عبد الله بن أُبَيّ ورتله الخامس، فترجع إلى المدينة وتترك الاشتراك مع النبي ﷺ في مقاتلة قريش، لولا أن الله ثبّت رجال هاتين القبيلتين فثبتوا على إيمانهم واستمروا في مساندة الرسول ﷺ حتى نهاية معركة أحد (١).
ففي غزوة تبوك خرج عبد الله بن أُبَيّ في جيش كبير من أصحابه المنافقين على أنه جزء من الجيش النبوي، غير أن رأس النفاق هذا لما بدأ الجيش النبوي في التحرك من ثنية الوداع حيث كان يعسكر، قام بما يمكن تسميته تمردًا، حيث رجع إلى المدينة بمجموعة كبيرة من المحاربين الذين كانوا قد انتظموا في سلك الجيش النبوي، وكان الذين رجعوا مع رأس النفاق، هم (بالتأكيد) ممن كان مثله على النفاق.
وكان الهدف واضحًا من تصرف رأس النفاق هذا، وهو محاولة تمزيق وحدة الجيش النبوي، بإغراء بعض وحداته الأخرى بأن تصنع صنيعه، وكان عبد الله بن أُبَيّ عندما تمرد برتله، تفوّه بكلمات فيها تخويف لمن بقى ثابتًا حول النبي ﷺ من الجيش وتحريض لوحدات الجيش الأخرى على التمرد بالرجوع إلى المدينة، وترك الرسول القائد ﷺ وشأنه، ولكن محاولات المنافق الكبير هذه باءت بالفشل، فلم يتبعه في الانسلاخ من
стр. 2478
الجيش والرجوع إلى المدينة سوى رتله الخاص، والذي كل أفراده منافقين مثله، فقد بقى الجيش النبوي متماسكًا كأقوى وكأعظم ما يكون، حيث بقى تحت قيادة الرسول ﷺ ثلاثون ألف مقاتل تحرك بهم إلى الشمال وحقق بهم الأهداف التي من أجلها تحرك بهم، ولم يجن عبد الله بن أُبي وبقية عصابة المنافقين إلا الخيبة والخسران.
ورغم أن عبد الله بن أُبَيّ قد انسلخ عن الجيش بوحداته التابعة له، بقصد الإِضرار بوحدة هذا الجيش، وبقصد تحريض المسلمين على الانفضاض من حول الرسول القائد ﷺ كي يفشل النبي ﷺ في غزوته التاريخية تلك، فإن الرسول الحكيم الحليم لم يتخذ أي إجراء تأديبى ضد عبد الله بن أُبَيّ ورتله المتمرد، وتلك دائما عادة الرسول الحكيمة إزاء مثل هذه التصرفات الشائنة التي يلجأ إليها كل المنافقين بقصد تمزيق وحدة المسلمين والتنكيد على الرسول العظيم ﷺ .
قال الواقدي يصف تآمر عبد الله بن أُبَيّ وأتباعه المنافقين يوم تحرّك الجيش النبوي إلى تبوك: وأقبل عبد الله بن أبي بعسكره، فضربه على ثنية الوداع بحذاء ذباب (١) معه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممن اجتمع إليه، فكان يقال له: ليس عسكر ابن أُبَيّ بأقل العسكرل وأقام ما أقام رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يستخلف على العسكر أبا بكر الصديق يصلى بالناس، فلما سار رسول الله ﷺ تخلف ابن أُبَيّ عن رسول الله ﷺ فيمن تخلف من المنافقين، وقال مستهزئًا: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، إلى ما لا قبل له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ونافق معه من هو على مثل رأيه.
ثم قال الخبيث متمنيًا الهزيمة والانكسار للنبي ﷺ وجيشه: والله لكأنى انظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا برسول الله ﷺ وأصحابه (٢).
стр. 2479
ولا شك أن العناصر الطيبة المخلصة في الجيش النبوي قد تألمت للتصرف المشين الذي تصرفه عبد الله بن أبيّ، فساءها أن يخذل عن رسول الله ﷺ ، فيرجع بوحداته العسكرية الخاصة قاصدًا إحداث الفرقة وإشاعة البلبلة داخل الجيش النبوي، ومن المحتمل أن بعض القادة المخلصين قد رغبوا في أن يقوم الرسول ﷺ بتصفية عبد الله بن أبي وعصابته المتمردة تصفية جسدية، بحيث يقاتلهم ويقضى عليهم قبل أن يتحرك لمواجهة الرومان ويترك المدينة وفيها هذا البلاء المتمثل في هؤلاء المنافقن المسلحين الذين - بدافع من الرغبة المجنونة في إلحاق الضرر بالقوات النبوية المسلحة - انسلخوا عن هذا الجيش ورجع رتلهم إلى المدينة معلنًا أن النبي ﷺ حين يتحرك لمواجهة الرومان في الشمال إنما يقدم أصحابه ليوثقهم بنو الأصفر في الحبال، لأن النبي (زعم رأس النفاق) لم يقدر العسكرية الرومانية حق قدرها: (يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ والله لكأنى أنظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال) (١).
ولكن النبي ﷺ وهو البعيد النظر والحليم الذي لا يبلغ أحد مداه في الحلم والأناة والمجرب الذي يقدر النتائج قبل الإقدام على العمل، والذي فوق ذلك كله يتلقى الوحى من السماء فلا يصدر إلا عن أمر ربه لم يشأ أن يتخذ أي إجراء (مهما كان) ضد عبد الله بن أُبَيّ ومن لفّ لفه من المنافقين الذين لم يتركوا وسيلة لتخذيل الجيش وتمزيق وحدة المسلمين إلا واتبعوها، في وقت يمكن تسميته (بلغة العصر) وقت طوارئ وظروف استثنائية، تنزل النظم العصرية -حتى في البلاد الديموقراطية- أقسى العقوبات التي تصل أحيانًا حد الإعدام بمن تثبت إدانته بعمل تخريبى يقصد به الإضرار بالقوات المسلحة، وخاصة إذا كانت في حالة استنفار واستعداد لمواجهة العدو، وهو ما فعله تمامًا عبد الله بن أبي ورتله الذي تمرد به وانسلخ من الجيش بعد أن كان جزءًا منه، بقصد إلحاق الضرر بذلك الجيش.
ولكن الرسول الحكيم (وهو في ذلك الظرف البالغ الخطورة) لم يقدم
стр. 2480
على أي عمل يؤدب به قوات النفاق المتمردة وزعيمها الخبيث، بل حتى لم يسمع منه (آن ذاك) مجرد كلمة لوم يوجهها إلى عبد الله بن أبي وعصابته على ما فعلوا، فقد تجاهلهم الرسول ﷺ وتجاهل تصرفاتهم ومضى بالجيش لوجهه حتى وصل تبوك وحقق أهدافه وعاد ظافرًا منتصرًا، لم تؤثر فيه تصرفات رأس النفاق وحزبه.
ولقد أثبتت الأحداث وأكدت أن سكوت الرسول ﷺ على تصرفات المنافقين ورجوع العسكريين منهم وانسلاخهم عن الجيش النبوي بعد انخراطهم فيه كجنود وقادة، هو عين الحكمة، حيث كان خروج هؤلاء المنافقين من الجيش النبوي بمثابة تطهير له من جراثيم خبيثة كان ستلحق به أفدح الأضرار، لو بقيت منخرطة داخل صفوفه لأنها ستكون دائمًا داخله مبعث فتنة وإرجاف وتشويش.
وقد أكد القرآن هذه الحقيقة فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٧].
وكانت هناك من المنافقين عناصر أقل تجاهرًا بالنفاق من عبد الله بن أبي والجد بن قيس وحزبيهما. جاءت العناصر -وهي قادرة من الناحية الجسدية والمادية- على الاشتراك في الجهاد .. جاءت هذه العناصر تطلب من الرسول ﷺ إعفاءها من الاشتراك في الحملة، معتذرة بمختلف الأعذار الكاذبة، فلم يناقشها الرسول ﷺ فقبل اعتذارها ولم يجبرها على الاشتراك في الغزو، وهذه العناصر المنافقة الأشد تكتمًا، تبلغ بضعة وثمانين رجلًا (١)، وهؤلاء من غير العناصر التي رجع بها عبد الله بن أُبَيّ.
تدمير وكر تآمر المنافقين:
لم يكن خافيا على الرسول القائد ﷺ ولا على أصحابه ما يضمره المنافقون من بغض وحقد على المسلمين، ورغبة في إلحاق الضرر بهم، ومحاولات مبطنة لتدمير الأمة الإسلامية، مع تظاهر هؤلاء المنافقين بأنهم
стр. 2481
مسلمون وحريصون على مصلحة المسلمين، فكان زعماؤهم (مثل عبد الله بن أُبَيّ والجد بن قيس) يحضرون كثيرًا من الإِجتماعات التي يعقدها النبي ﷺ مع كبار أصحابه، باعتبار أن زعماء المنافقين هؤلاء في الظاهر جزءًا من الأمة الإِسلامية، وقد كان النبي يتسامح معهم هكذا مع علمه أنهم منافقون، بل ويتجاوز عن كثير من تصرفاتهم ما دام أن هذه التصرفات لا تتعدى التنفيس عما تكنه صدورهم المريضة من بغض للنبي ﷺ وأصحابه، وما دام إنها لا تصل إلى درجة الإِضرار الفعلى بأمن الأمة الإِسلامية وسلامتها، فحين يصل المنافقون في تصرفاتهم إلى هذه الدرجة، فإن الرسول الحكيم الحازم، يتخذ ضدهم من الإِجراءات ما يحفظ لأمة الإِسلام أمنها وسلامتها.
لذلك كانت عيون المسلمين -وهو ما يسمى اليوم بأجهزة الأمن- تراقب هؤلاء المنافقين، ونتيجة مراقبة أجهزة الأمن هذه للمنافقين، تم اكتشاف نشاطات مشبوهة واجتماعات سرية يعقدها هؤلاء المنافقون للتآمر على سلامة الجيش وأمن الأمة الإِسلامية. فنقل حراس الأمن في المدينة إلى الرسول القائد ﷺ أن هناك وكرًا تلتقى فيه سرًّا عناصر النفاق، وتحيك فيه الدسائس والمؤامرات التي تعرّض سلامة الجيش وأمن الأمة للخطر، وأن هذا الوكر على وجه التحديد، هو بيت أحد اليهود الذي رغم أنه في ذمة المسلمين وحمايتهم- قبل أن يكون بيته ملتقى لعناصر التخريب والتآمر على الإِسلام والمسلمين، وهذا اليهودى اسمه سويلم.
وعندما تبلغ الرسول ﷺ خبر هذا الوكر وما يجرى فيه من دس وتآمر من المنافقين بمساندة بقايا اليهود أمر قوى الأمن في المدينة بأن تنسف وتدمر وكر التآمر هذا وهو بيت سويلم اليهودى، فسارعت قوى الأمن إلى محاصرة بيت سويلم اليهودى الذي كان فيه المتآمرون معه يعقدون اجتماعا من اجتماعاتهم المشبوهة، ثم أضرمت قوى الأمن الإِسلامية النار في ذلك الوكر على من فيه من المتآمرين، والتهمت النيران ذلك الوكر (بيت سويلم اليهودى) وكادت تلتهم المتآمرين المجتمعين فيه، لولا أنهم قفزوا من النوافذ فنجوا من الموت، وكان الذي تولى قيادة قوى الأمن التي نَفَّذَتْ عملية إحراق وتدمير بيت سويلم اليهودى الصحابي الشهير طلحة بن عبيد الله.
стр. 2482
فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق، قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودى، وكان بيته عند جاسوم، يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة بن عبيد الله، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظَهْر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك:
كادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرًا ومرفقى
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار تحرق
ومع ما حدث من هؤلاء المتآمرين، فإن الرسول القائد ﷺ اكتفى (فقط) في تأديب هؤلاء المتآمرين بحرق الوكر الذي يلتقون فيه وهو بيت سويلم اليهودى، فلم يأمر باعتقال أحد ممن كانوا في بيت سويلم ساعة مداهمته وإحراقه، وحتى سويلم اليهودى لم يتخذ الرسول ﷺ ضده أي إجراء سوى حرق بيته.
وكر أخطر:
ومع قيام قوى الأمن الإِسلامية بإحراق بيت سويلم اليهودى ملتقى المنافقين المتآمرين، فإن هؤلاء المنافقين، لم يكفوا (بأساليبهم الباطنية الخبيثة) عن الدس والتآمر ضد النبي ﷺ وضد أصحابه، بل ظلوا موغلين في النفاق، يتظاهرون بالإسلام وإظهار شعائره كالصلاة، بينما يكيدون له ولنبيه في الخفاء، جاعلين من انتسابهم إلى هذا الدين غطاءًا لأعمالهم الإجرامية ومؤامراتهم الخبيثة التي دأبوا على حبكها ضد الإسلام بمختلف الأساليب.
وإذا كان هناك وكرٌ واحدٌ للمنافقين قد اكتشفته قوى الأمن الإسلامية في المدينة، وهدمه الرسول ﷺ قبل أن يتحرك بجيشه من المدينة، وهو بيت سويلم اليهودى، فإن هناك وكرًا أخطر وأعظم منه،
стр. 2483
اكتشفته أجهزة الأمن الإسلامية في المدينة، بعد أن رجع الرسول ﷺ بجيشه من تبوك، فأمر بإحراقه، فتم تدميره، ألا وهو مسجد الضرار الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.
فقد بنى المنافقون وكرًا على هيئة مسجد ليتخذوا منه ملتقى للتآمر والدس ومحاربة الله ورسوله، يأمنون فيه عيون المراقبة، لأنه مسجد وبيت من بيوت الله في ظاهره، وهذا من المنافقين عملية أشد إغراقًا في الخبث والتستر، وقد تم إحراق هذا الوكر الثاني بالنار، كما أحرق بيت سويلم اليهودى، وذلك بعد عودة الرسول ﷺ من تبوك كما سيأتي تفصيله في هذا البحث إن شاء الله.
* * *
стр. 2484
تكامل حشد الجيش والترتيبات الإدارية
وبعد أن تكامل حشد الجيش الإسلامى في المدينة وتم تجهيزه تجهيزًا كاملًا بكل ما يحتاجه من سلاح ونقليات من خيل وإبل، بعد التبرعات السخية التي جاد بها كبار أغنياء الصحابة، وشارك فيها مختلف فئات الشعب بمن في ذلك النساء اللواتى كن -بدافع من إيمانهن العميق- يتبرعن ويتصدقن لتجهيز الجيش بحليهن الخاصة .. بعد أن تكامل حشد الجيش هكذا وتم تجهيزه، وبلغ عدده (بعد انسلاخ المنافقين عنه) ثلاثين ألف مقاتل صدرت الأوامر من الرسول الأعظم والقائد الأعلى للقوات المسلحة أن يستعد هذا الجيش للتحرك من المدينة نحو الشمال، وكان الرسول" كما تقدم" أبلغ كل عناصر الجيش قادة وجنودا بأنه يريد بهم غزو الرومان الذين بلغه أنهم يحتشدون بالقرب من الحدود الشمالية. الغربية لجزيرة العرب في منطقة معان، ليقوموا -بمساندة العرب المتنصرة من الحضارمة الكنديين والقضاعيين، واليمانيين الغساسنة المرتبطين بتاج بيزنطا في القسطنطينية- ليشنوا الحرب على جزيرة العرب لحساب الملك هرقل، الذي كان يعيش نشوة انتصاراته الساحقة على كسرى إبرويز الذي هزمه وانتزع منه كل الممتلكات البيزنطية التي كان الفرس قد اغتصبوها في الشام وآسيا الصغرى وأفريقيا.
ولم يكن الملك هرقل متحمسًا لمحاربة المسلمين، لأنه (بما لديه من علم راسخ بالإنجيل) يوقن أن من العبث محاربة المسلمين، لأن محمدًا بن عبد الله الهاشمي رسول مؤيد من عند الله، كما يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وكما أكد هذه الحقيقة للملك هرقل كبير البابوات في رومية "روما" عندما بعث إليه الإمبراطور هرقل يصف له ظهور محمد ﷺ ويسأله ليتأكد ما إذا كان هو النبي العربي المنتظر الذي توجد صفاته
стр. 2485
وذكره وضرورة ظهوره في التوراة والإنجيل.
وقد رأينا أن هرقل الملك هذا عندما تسلم كتاب الرسول ﷺ الذي يدعوه فيه وشعبه إلى الدخول في الإسلام في السنة الثامنة الهجرية، أخبر مبعوث الرسول ﷺ دحية الكلبى بأن محمدًا هو النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في الإنجيل وأكرم دحية غاية الإكرام، واحتفى بكتاب الرسول ﷺ وحاول إقناع رؤساء الدين وكبار القادة في إمبراطوريته بأن يدخلوا جميعًا في الإسلام، لأن أمره سيظهر على كل من يخالفه، وعسكره سيتغلبون على أية قوة عسكرية تعترض سبيلهم مهما كانت، ولكن كبار القساوسة والرهبان والقادة العسكريين رفضوا "جملة وتفصيلا" نصيحة الإمبراطور هرقل، بل وغضبوا لنصيحته هذه وحاولوا القيام ضده بانقلاب لخلعه، ولكنه بدهائه تمكن من تهدئتهم فسكنوا، وظل على عرش الإمبراطورية حتى شهد وشهدوا، هم التوقعات التي توقعها هذا الملك، حينما سيطرت قوات محمد النبي ﷺ على جيع ممتلكات الإمبراطورية الرومانية فيما وراء البحار "الشام ومصر وشمال أفريقيا" وكان الملك هرقل في السنة الثامنة الهجرية، قد أخبرهم أن ذلك، سيحدث إذا لم يستجيبوا لنصحه ويدخلوا في الإسلام (١).
الملك هرقل هذا كما "يبدو" لم يكن متحمسا للدخول في أية مواجهة عسكرية مع الجيش النبوي، لعلمه أن محمدًا ﷺ نبي مرسل ومؤيد من عند الله، ولكن يظهر أن كبار السياسيين والقساوسة والقادة العسكريين في جيش الإمبراطورية ضغطوا على الإمبراطور كى يحشد جيوشه على حدود الجزيرة العربية بقصد اقتحامها على المسلمين، وقد فعل مكرها وبدون اقتناع بنجاح هذا الحشد، بدليل أن هذا الملك، لما بلغه وصول الجيش النبوي إلى تبوك القريبة من حدود الشام، فض حشوده وعدل عن فكرة مصادمة المسلمين، وكتب للرسول ﷺ كتابًا رقيقًا مهذبًا يعترف فيه "شخصيًا" بأن النبي ﷺ هو الرسول المنتظر الذي مر ذكره في الإنجيل، كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.
стр. 2486
أمير المدينة بالنيابة:
كان من عادة الرسول ﷺ المتبعة (إداريا) أنه عندما ينوي القيام بمغادرة المدينة لغزو، أو غير ذلك يترك في العاصمة رجلًا من أصحابه يدير شئونها "حاكما" بالنيابة عنه حتى يعود إليها، وقد عين هذه المرة على المدينة ونواحيها "حاكما" سباع بن عرفطة الغفاري (١).
فقبل تحركه بالجيش من المدينة أصدر ﷺ مرسومًا شفويا عين بموجبه سباعا هذا أميرًا على المدينة، وسباع هذا ليس من أهل المدينة، بل من قبيلة غفار البدوية الكنانية التي تقع ديارها "على الأرجح" ناحية بدر بين مكة والمدينة، ولا شك أن في هذا التصرف "من الرسول ﷺ " مغزى من مغازى المساواة التي جاء بها الإسلام وقضى بها على العنصرية والتعصب القبلى الجاهلى، فلم يؤمِّر على أهل المدينة "في حال غيابه" أميرًا منهم بل أمَّر عليهم أميرًا بدويًا أهلته سابقته في الإسلام لأن يكون أميرًا على عاصمة المهاجرين والأنصار.
كذلك خلف الرسول ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب في المدينة، ولم يخلفه أميرًا، وإنما خلفه ليتولى العناية بشؤون خاصة بالنبي ﷺ وهي رعاية شئون أهله الأطهار.
وقد أرجف المنافقون بعلي، كما هي طريقتهم في الفتنة وإحداث البلبلة- فقالوا: ما خلفه محمد في المدينة إلا استثقالًا له وتخففًا منه، فأثر قول المنافقين الخبيث هذا في نفس أمير المؤمنين على، فتأذى له إلى درجة أنه لحق برسول الله ﷺ وهو لا يزال بجيشه معسكرًا على بعد ثلاثة أميال من المدينة- وأخبره بما يذيع المنافقون في المدينة من سيء القول المؤلم، حيث قال علي، يا نبي الله، زعم المنافقون أنك استثقلتنى وتخففت مني، فطمأنه الرسول ﷺ بأن هذا القول محض افتراء، ورغب إليه في أن لا يلقى له بالا، وأن يرجع إلى المدينة ليظل في مهمته التي أوكلها إليه، حيث قال له: كذبوا، ولكنى خلقتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلقنى في أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا
стр. 2487
أنه لا نبي بعدى، فرجع على إلى المدينة، وتجاهل إشاعات وإرجافات المنافقين وبقى في المدينة يرعى شئون أهله وأهل النبي ﷺ حتى عاد الرسول ﷺ من تبوك (١).
شأن البكَّائين المؤمنين:
وأثناء حشد وتجهيز الجيش النبوي، حدث أمران متباينان، فقد كانت هناك عناصر من أهل المدينة قادرة (جسديا وماديا) علي المشاركة الحربية في الحملة الضخمة التي تقرر أن يتحرك بها الرسول ﷺ إلى تبوك لغزو الروم، ولكن هذه العناصر تخلفت ولم تشارك في الغزو منتحلة شتى الأعذار الكاذبة، وهذه العناصر هم المنافقون.
بينما ظهرت في الجانب الآخر عناصر خيرة طيبة مؤمنة، كانت على عكس المنافقين القادرين المتخلفين، هذه العناصر، كانت تتوق وتتحرق شوقًا إلى مشاركة الرسول ﷺ الغزو، حيث كانت قادرة نفسيًا وجسديًا على المشاركة، ولكنها لفقرها لم تكن قادرة ماديًا، فليس لديها لا من الإعاشة ولا من وسائل النقل ما يمكنها من الاشتراك في الغزو الذي ندب الرسول ﷺ إليه المسلمين.
فجاءت هذه العناصر (وهم سبعة رجال) إلى الرسول ﷺ لعلهم يجدون عنده ما يمكنهم من الاشتراك في الغزو، ولكن الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق - أبلغهم أنه ليس لديه ما يحقق رغبتهم، فرجعوا يبكون تحسرًا على ما سيفوتهم من شرف الجهاد في سبيل الله.
قال ابن إسحاق: ثم أن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ ، وهم البكَّاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، وهم من
стр. 2488
بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير (١) وعلبة بن زيد (٢) أخو بني حارثة، وأبو ليلى (٣)، عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن من بني النجار، وعمرو بن حمام بن الجموح (٤) أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفّل المزني (٥)، وهرمى بن عبد الله (٦) أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري (٧)،
стр. 2489
فاستحملوا (أي طلبوا ما يحملهم عليه) وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.
وقد عذر الله هؤلاء الرجال الطيبين وأثنى عليهم في قرآن أنزله فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣].
* * *
стр. 2490
الفصل الثالث
• الجيش النبوي يتحرك نحو الشمال.
• شأن البكَّائين الذين عذرهم الرسول ﷺ .
• أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن الجيش النبوي.
• أعمال المنافقين المشينة داخل الجيش.
• مرور الجيش بديار ثمود والنهي عن دخولها.
• وصول النبي ﷺ بالجيش إلى تبوك.
• عدم وجود أي أثر للرومان على الحدود.
• النبي يخطب كخطبة حجة الوداع.