← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

أمير المدينة بالنيابة: كان من عادة الرسول ﷺ المتبعة (إداريا) أنه عندما ينوي القيام بمغادرة المدينة لغزو، أو غير ذلك يترك في العاصمة رجلًا من أصحابه يدير شئونها "حاكما" بالنيابة عنه حتى يعود إليها، وقد عين هذه المرة على المدينة ونواحيها "حاكما" سباع بن عرفطة الغفاري (١). فقبل تحركه بالجيش من المدينة أصدر ﷺ مرسومًا شفويا عين بموجبه سباعا هذا أميرًا على المدينة، وسباع هذا ليس من أهل المدينة، بل من قبيلة غفار البدوية الكنانية التي تقع ديارها "على الأرجح" ناحية بدر بين مكة والمدينة، ولا شك أن في هذا التصرف "من الرسول ﷺ " مغزى من مغازى المساواة التي جاء بها الإسلام وقضى بها على العنصرية والتعصب القبلى الجاهلى، فلم يؤمِّر على أهل المدينة "في حال غيابه" أميرًا منهم بل أمَّر عليهم أميرًا بدويًا أهلته سابقته في الإسلام لأن يكون أميرًا على عاصمة المهاجرين والأنصار. كذلك خلف الرسول ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب في المدينة، ولم يخلفه أميرًا، وإنما خلفه ليتولى العناية بشؤون خاصة بالنبي ﷺ وهي رعاية شئون أهله الأطهار. وقد أرجف المنافقون بعلي، كما هي طريقتهم في الفتنة وإحداث البلبلة- فقالوا: ما خلفه محمد في المدينة إلا استثقالًا له وتخففًا منه، فأثر قول المنافقين الخبيث هذا في نفس أمير المؤمنين على، فتأذى له إلى درجة أنه لحق برسول الله ﷺ وهو لا يزال بجيشه معسكرًا على بعد ثلاثة أميال من المدينة- وأخبره بما يذيع المنافقون في المدينة من سيء القول المؤلم، حيث قال علي، يا نبي الله، زعم المنافقون أنك استثقلتنى وتخففت مني، فطمأنه الرسول ﷺ بأن هذا القول محض افتراء، ورغب إليه في أن لا يلقى له بالا، وأن يرجع إلى المدينة ليظل في مهمته التي أوكلها إليه، حيث قال له: كذبوا، ولكنى خلقتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلقنى في أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا

стр. 2487

أنه لا نبي بعدى، فرجع على إلى المدينة، وتجاهل إشاعات وإرجافات المنافقين وبقى في المدينة يرعى شئون أهله وأهل النبي ﷺ حتى عاد الرسول ﷺ من تبوك (١). شأن البكَّائين المؤمنين: وأثناء حشد وتجهيز الجيش النبوي، حدث أمران متباينان، فقد كانت هناك عناصر من أهل المدينة قادرة (جسديا وماديا) علي المشاركة الحربية في الحملة الضخمة التي تقرر أن يتحرك بها الرسول ﷺ إلى تبوك لغزو الروم، ولكن هذه العناصر تخلفت ولم تشارك في الغزو منتحلة شتى الأعذار الكاذبة، وهذه العناصر هم المنافقون. بينما ظهرت في الجانب الآخر عناصر خيرة طيبة مؤمنة، كانت على عكس المنافقين القادرين المتخلفين، هذه العناصر، كانت تتوق وتتحرق شوقًا إلى مشاركة الرسول ﷺ الغزو، حيث كانت قادرة نفسيًا وجسديًا على المشاركة، ولكنها لفقرها لم تكن قادرة ماديًا، فليس لديها لا من الإعاشة ولا من وسائل النقل ما يمكنها من الاشتراك في الغزو الذي ندب الرسول ﷺ إليه المسلمين. فجاءت هذه العناصر (وهم سبعة رجال) إلى الرسول ﷺ لعلهم يجدون عنده ما يمكنهم من الاشتراك في الغزو، ولكن الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق - أبلغهم أنه ليس لديه ما يحقق رغبتهم، فرجعوا يبكون تحسرًا على ما سيفوتهم من شرف الجهاد في سبيل الله. قال ابن إسحاق: ثم أن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ ، وهم البكَّاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، وهم من

стр. 2488

بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير (١) وعلبة بن زيد (٢) أخو بني حارثة، وأبو ليلى (٣)، عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن من بني النجار، وعمرو بن حمام بن الجموح (٤) أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفّل المزني (٥)، وهرمى بن عبد الله (٦) أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري (٧)،

стр. 2489

فاستحملوا (أي طلبوا ما يحملهم عليه) وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. وقد عذر الله هؤلاء الرجال الطيبين وأثنى عليهم في قرآن أنزله فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]. * * *

стр. 2490

الفصل الثالث • الجيش النبوي يتحرك نحو الشمال. • شأن البكَّائين الذين عذرهم الرسول ﷺ . • أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن الجيش النبوي. • أعمال المنافقين المشينة داخل الجيش. • مرور الجيش بديار ثمود والنهي عن دخولها. • وصول النبي ﷺ بالجيش إلى تبوك. • عدم وجود أي أثر للرومان على الحدود. • النبي يخطب كخطبة حجة الوداع.

стр. 2491

كان الرسول ﷺ من عادته أن يأمر بأن يعسكر الجيش بناحية الجرف شمالي المدينة وخاصة إذا كان يريد الشمال، وقد أقام معسكره بالجرف حتى تكامل حشد الجيش وتم تجهيزه وهو (بعد انسلاخ الرتل الخامس من المنافقين عنه) ثلاثون ألفًا، فيهم أيضًا قليل من عناصر النفاق، بقوا في الجيش بقصد الإرجاف، بل وحاولوا اغتيال الرسول ﷺ وهو عائد من تبوك منتصرًا، كما سيأتي تفصيله في محله من هذا الكتاب. وبعد أن تكامل حشد الجيش في الجرف، عين قادته وحملة الرايات والألوية، وكان أبرز القادة من حملة الرايات والألوية أربعة وهم: ١ - أبو بكر الصديق وأعطاه الرسول ﷺ لواءه الأعظم، وهذا يعني أن أبا بكر كان بعد رسول الله ﷺ يحمل أعلى رتبة عسكرية في الجيش. ٢ - الزبير بن العوام، ودفع إليه الرسول ﷺ رايته العظمى، وهذا يعني أن الزبير يأتي في الرتبة العسكرية بعد أبي بكر الصديق، لأن اللواء أعظم من الراية. ٣ - وبعدهما يأتي في مرتبته العسكرية في الجيش أسيد بن حضير الذي دفع إليه الرسول ﷺ راية الأوس. ٤ - أبو دجانة، سماك بن خرشه، بطل أحد المشهور (١)، أعطاه الرسول ﷺ راية الخزرج، وهم في العدد (دائما) أكثر من الأوس. ٥ - زيد بن ثابت -وكان شابًّا- أعطاه الرسول راية بني مالك بن النجار من الخزرج، وهي تعتبر راية ثانية بالنسبة للراية التي يحملها أبو دجانة. وكان الرسول ﷺ قد أعطى راية بني النجار عمارة بن حزم، ثم أخذها منه وأعطاها زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول الله لعلك وجدت على (أي غضبت)؟ . قال: لا والله، ولكن

стр. 2492

قدموا القرآن، وكان (أي زيد) أكثر أخذًا للقرآن منك، والقرآن يقدم وإن كان عبدًا مجدّعًا. ولم يذكر أحد من المؤرخين التفاصيل الوافية عن أمراء الكتائب وحملة الرايات الفرعية من المهاجرين والأنصار وبقية القبائل، كما فعلوا في فتح مكة. غير أن هؤلاء المؤرخين ذكروا أن الرسول ﷺ عند تعبئة الجيش- اتبع تقريبًا، في التعبئة نفس الطريقة التي اتبعها عند تعبئة الجيش في قديد وهو في طريقه إلى مكة. فقد ذكر هؤلاء المؤرخون أن الرسول ﷺ عند تعبئة الجيش وتنسيق قواته- أمر كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواءا وراية، والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية، وأمر الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذًا للقرآن، وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل (١) بحمل راية بني سلمة (٢). سلاح الفرسان في الجيش: كان سلاح الفرسان في ذلك العصر، هو أقوى سلاح يعتمد عليه المحارب وخاصة العرب، لأن الخيل أهم وسيلة لحرب الصاعقة التي لا يجيد العرب البدو مثلها، لأنهم نشأوا عليها، وكانت بلادهم الصحراوية الواسعة أصلح مكان لتربية الخيل والتدرب على متونها لحرب الصاعقة، وكان سلاح الفرسان من حيث أهميته في ذلك العصر، يمكن تشبيهه (في هذا العصر) بسلاح المدرعات، لأن المحاربين دائمًا في ذلك العصر يستخدمون سلاح الفرسان في المقدمة تمامًا كالمدرعات اليوم. ولأهمية الحملة التي سيقوم بها النبي ﷺ ولكونه عازمًا على مواجهة قوات إمبراطورية تملك من الإمكانات العسكرية على مختلف المستويات الشيء العظيم، حرص على أن يكون سلاح الفرسان في جيش

стр. 2493

سلاحًا قويًّا، وهذا هو الذي تحقق، فقد كان ثلث الجيش من الفرسان، والبقية من الهجانة (راكبي الإبل)، والإبل لها أهميتها في حرب الصاعقة التي لا يفزع الرومان والفرس شيء مثلها، إلا أن الإبل تأتى -بعد الخيل- في المرتبة الثانية، فهي من حيث القوة والفعالية في القتال تشبه نصف المجنزة بالنسبة للدبابة، إذا استثنينا تفوق الخيل على الجمال في سرعة الحركة والقدرة على قفز الخنادق وتسلق التلال والانحدار منها أثناء القتال، وجيش ثلثه من الفرسان، هو بالنسبة للمسلمين أبناء الصحراء يدل على تطور عظيم في تسلح الجيش النبوي، يجعله -عند التحرك إلى تبوك- في مصاف جيوش فارس والروم. فإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلًا، وجدنا أن المسلمين في أول معركة خاضوها وهي معركة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، ليس معهم سوى فرس واحد أو فرسان، كما أنه لم يكن لديهم من سلاح الفرسان يوم أحد سوى فرس واحد. وأعظم مجموعة من سلاح الفرسان تتكون في العهد النبوي -قبل تبوك- المجموعة التي كانت في فتح مكة وغزوة حنين، هي ألفان وأربعمائة وثمانون فارسًا، وذلك في السنة الثامنة للهجرة، ولا شك أن التطور في سلاح الفرسان في الجيش النبوي كان سريعًا -ولعل ذلك راجع إلى دخول كثير من أبناء البادية في الإسلام الذين لا يحرصون على شيء مثل حرصهم على اقتناء الخيل- فبعد أقل من سنة تطور سلاح الفرسان في الجيش النبوي (إذن) من ألفين وأربعمائة وثمانين فارسًا إلى عشرة آلاف فارس، حيث كان فتح مكة وغزوة حنين في السنة الثامنة الهجرية وغزوة تبوك في السنة التاسعة. قال الواقدي في مغازيه ج ٣ ص ١٠٠٢: قالوا: وكان مع رسول الله ﷺ ثلاثين ألفًا، ومن الخيل عشرة آلاف فرس. وقد استفاد الرسول ﷺ كثيرًا من سلاح الفرسان في غزوة تبوك، حيث استخدم هذا السلاح السريع الحركة في الحرب التي تتطلب قطع مسافات بعيدة، فعندما كان في تبوك وبعد أن حققت الحملة

стр. 2494

الضخمة أهدافها، بعث الرسول ﷺ القائد خالد بن الوليد لإخضاع مملكة دومة الجندل في أربعمائة مقاتل كلهم من الفرسان، وقد تغلبوا على قوات ملك دومة الجندل الأكيدر وأسروا هذا الملك كما سيأتي تفصيله في حينه. وقبل تحرك الجيش إلى تبوك، أصدر الرسول ﷺ أمرًا منع بموجبه اشتراك أي إنسان معه في هذه الغزوة التاريخية ما لم يكن مجهزًا تجهيزًا كاملًا بكل ما يحتاجه للقتال من سلاح وإعاشة ووسيلة نقل من خيل أو جمل، وذلك لبعد المسافة وشدة الحر، فقد ذكر أصحاب السير والمغازى أن النبي ﷺ قال: لا يخرج معنا إلا مقو (أي ذو قوّة) فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه، فقال الناس: الشهيد، الشهيد، فبعث رسول الله ﷺ مناديًا ينادى: لا يدخل الجنة إلا مؤمن -أو إلا نفس مؤمنة- ولا يدخل الجنة عاص، كان الرجل طرحه بعيره بالسويداء. وهكذا وفي شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة فصل الرسول ﷺ من المدينة في اتجاه تبوك بجيشه البالغ ثلاثين ألف مقاتل، وفشلت كل محاولات المنافقين التي بذلوها لتمزيق وحدة هذا الجيش وتفريق كلمته كى يفشل الغزو الذي هو أضخم عمل عسكرى يقوم به الرسول ﷺ في حياته من حيث كثرة العدد وأهمية الأهداف التي حققها هذا الغزو، وهو إرهاب الإِمبراطورية الرومانية التي تعتبر آنذاك -وبعد انتصارها على إمبراطورية الفرس- أعظم قوة في العالم، حيث سحبت هذه الإِمبراطورية وحداتها العسكرية الضخمة التي كانت قد حشدتها على حدود جزيرة العرب عند تبوك، وذللك بمجرد علمها بوصول الجيش النبوي إلى تبوك. الأربعة المؤمنون المتخلفون عن رسول الله ﷺ -. لم يتخلف أحد من المسلمين الصادقين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من غير عذر، سوى أربعة نفر، كلهم من الأنصار، لا

стр. 2495

عن شك وارتياب، وإنما أدركهم الضعف البشرى وأثر عليهم أكثر من غيرهم، وهؤلاء هم: كعب بن مالك (١)، وهلال بن أمية (٢)، ومرارة بن الربيع (٣)، وأبو خيثمة. أما أبو خيثمة فقد تغلب على ضعفه البشرى أمام مغريات الحياة، فسارع إلى اللحاق برسول الله ﷺ وأما الثلاثة الآخرون، فقد تخلفوا في المدينة وقعد بهم الضعف البشرى، يقولون كل يوم نلحق بالرسول ﷺ حتى انتهت مهمة الرسول في تبوك وعاد إلى المدينة، فأمر المسلمين أن يقاطعوهم كتأديب لهم، لأنهم تخلفوا عن الجيش والتجنيد فيه إجبارى، وظل المسلمون لا يكلمون الثلاثة حتى لاقوا من العذاب النفسى المدمر ما الله به عليم وذلك تمحيص لهم، وبقوا هكذا نيفا وخمسين ليلة حتى نزل القرآن يعلن توبتهم، لأنه لم تكن هناك أية شائبة تشوب إيمانهم وإسلامهم في أية ناحية، ولكن الإنسان خطاء والله يقبل التوبة عن عباده، وسنأتى على قصة هؤلاء الثلاثة المخلفين الكرام فيما يأتي من فصول هذا الكتاب إن شاء الله. أما أبو خيثمة الذي هزم نفسه الأمارة بالسوء وسحق مقاومة الضعف البشرى في نفسه، فلنتركه هو، يحدثنا عن قصته الشيقة ففيها عبر كثيرة، ففيها أن كل إنسان -حتى خيار الناس من الصحابة- يمسك الشيطان بمقوده، ولكن المهم كيف يتمكن المؤمن انتزاع مقوده من الشيطان بعد أن أمسك به كما فعل أبو خيثمة الذي تغلبت قوة وجدانه الإِسلامي على ضعفه الإِنسانى البشرى، فترك الشيطان -بعد أن ظفر به- يتميز من الغيظ. كان أبو خيثمة مؤمنا لا يتهم في إسلامه ولا يغمص عليه، فرجع بعد أن سار رسول الله ﷺ عشرة أيام حتى دخل على امرأتين له في يوم حار، فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها

стр. 2496

وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما انتهى إليهما قام على العريشين فقال: سبحان الله، رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، في الضح (بكسر أوله، والضح ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض) والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسناوين، مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى أخرج فألحق برسول الله ﷺ فأناخ ناضحه (١) وشد عليه قتبه وتزود وارتحل، فجعلت امرأتاه يكلمانه ولا يكلمهما، حتى أدرك عمير بن وهب الجمحى (٢) بوادى القرى يريد النبي ﷺ ، فصحبة فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: يا عمير إن لي ذنوبًا، وأنت لا ذنب لك، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ قبلك، ففعل عمير، فسار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ نازل بتبوك- قال الناس: هذا راكب الطريق، قال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة. فقال الناس: يا رسول الله، هذا أبو خيثمة، فلما أقبل فسلم على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له. وكان فيمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ثم لحق به، أبو ذر الغفاري (٣) ذلك بسبب ضعف بعيره الذي كان يركبه، والذي -لهزاله- عجز عن المشي، فتركه ولحق (مشيا على الأقدام) برسول الله ﷺ . فقد قال الواقدي: وكان أبو ذر يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيرى، كان نضوا (٤) أعجف، فقلت: أعلفه أيامًا ثم ألحق برسول الله

стр. 2497

- ﷺ فعلفته أيامًا ثم خرجت، فلما كنت بذى المروة (١) (قرية بوادى القرى) عجز، فتلومت عليه يومًا، فلم أر به حركة، فأخذت متاعى فحملته على ظهرى، ثم خرجت أتبع رسول الله ﷺ ماشيا في حر شديد، وقد تقطع الناس فلا أرى أحدًا يلحقنا من المسلمين، فطلعت على رسول الله ﷺ نصف النهار وقد بلغ منى العطش، فنظر ناظر من الطريق فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فجعل رسول الله ﷺ يقول: كن أبا ذرّ، فلما تأملنى القوم قالوا: يا رسول الله، هذا أبو ذر، فقام رسول الله ﷺ حتى دنوت منه فقال: مرحبًا بأبي ذر، يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده، فقال: ما خلفك يا أبا ذر؟ فأخبره خبر بعيره، ثم قال: إن كنت لمن أعز أهلى على تخلفًا، لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتنى، ووضع متاعه عن ظهره ثم استسقى، فأتى بإناء من ماء فشربه (٢). الطريق الذي سلكه الرسول إلى تبوك: تقع تبوك -التي هي هدف الرسول ﷺ من التحرك- شمال المدينة، في الركن الشمالي الغربي من جزيرة العرب، فهي على حدود الشام الجنوبية، وتقع اليوم جنوب غربي المملكة الأردنية الهاشمية. وتبعد تبوك عن المدينة حوالي ستمائة ميل أي ما يقارب تسعمائة كيلو مترًا. فكان من البدهى أن ينطلق الرسول ﷺ بجيشه من شمال المدينة، فقد عسكر في الجرف الواقع على بعد ثلاثة أميال شمال المدينة غربي أحد، ومن هناك بدأ التحرك بجيشه نحو الشمال. وكان أول منزل نزله بجيشه -بعد الجرف- ذا خشب (٣)، ويظهر أن الرسول ﷺ كان في رحلته هذه يسير الليل ويستريح النهار، وقد يكون ذلك

стр. 2498

راجعًا إلى شدة حرارة الشمس، فقد ذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ في تحركه الأول صبّح ذا خشب، وهي مكان -كما قال ياقوت في معجمه- تبعد مسافة ليلة عن المدينة. ومنذ نزل الرسول ﷺ ذا خشب، وهو يجمع بين الظهر والعصر في منزله، يؤخر الظهر حتى يبرد (بضم الياء)، ويعجل العصر، ثم يجمع بينهما، وكان يفعل فعله ذلك حتى رجع من تبوك. ولم يذكر المؤرخون بالتفصيل والترتيب المنازل التي نزلها فبات أو برد فيها وهو في طريقه إلى تبوك، غير أنه من معرفة أسماء المساجد التي أحصاها المؤرخون والتي صلى فيها الرسول ﷺ ونسبوها إليه وعددها خمسة عشر مسجدًا يمكن معرفة أسماء المنازل التي استراح أو بات فيها ﷺ . فقد ذكر أصحاب السير أن مساجده في سفره إلى تبوك معروفة وهي: ١ - مسجد صلى فيه تحت الدومة بذى خشب. ٢ - مسجده في الفيفاء (١). ٣ - مسجد في المروة (٢). ٤ - مسجد بالسقيا (٣). ٥ - مسجد بوادى القرى (٤). ٦ - مسجد بالحجر (٥). ٧ - مسجد بذنب حوصاء (٦).

стр. 2499

٨ - مسجد بذى الجيفة (١). ٩ - مسجد بشق تاراء مما يلي جوبر (٢). ١٠ - مسجد بذات الخطمى (٣). ١١ - مسجد بسمنة (٤). ١٢ - مسجد بالأخضر (٥). ١٣ - مسجد بذات الزّراب (٦). ١٤ - مسجد بالمدران. ١٥ - مسجد بتبوك. وفي أيام التحرك إلى تبوك، صدرت من الرسول ﷺ تصرفات، وصدرت منه تصريحات صارت تشريعًا، اتخذه فقهاء السنة ودونوه في مؤلفاتهم ليعمل به، من ذلك: ١ - جواز تأخير صلاة الظهر في أوقات الحر الشديد حتى يبرد الجو، وهذا أمر جائز وقد يكون سنّة، والشافعية (فيما أعتقد) يعتبرون هذا سنة، وذلك أن الرسول كان (كما في غزوة تبوك) يؤخر الظهر حتى يبرد، ويعجل العصر، ثم يجمع بينهما، وكان من سنته الفعلية ﷺ أنه إذا كان على سفر، يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم إذا أدركه الظهر أو المغرب وهو نازل، أما إذا أدركه أحدهما بعد أن يتحرك في سفره فإنه يؤخر الظهر والمغرب ثم يجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء جمع تأخير. ٢ - روى أن النبي ﷺ بينما كان في مسيره مرّ على بعير من العسكر، قد تركه صاحبه من العجف والضعف فمرّ به مارّ، فأقام

стр. 2500

عليه وعلفه أيامًا، ثم حوله إلى منزله، فصلح البعير فسافر عليه، فرآه صاحبه الأول، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ من أحيى خفًا (أي جملًا) أو كراعًا (أي خيلًا) بمهلكة من الأرض فهو له (١). المنافقون في الجيش: ورغم انسلاخ عبد الله بن أُبَيّ وجماعة من المنافقين عن الجيش قبل أن يترك المدينة، فقد بقيت عناصر من المنافقين داخل هذا الجيش، خرجوا مع رسول الله ﷺ ، لم يخرجوا إلا بقصد المشاركة في الغنيمة، وبقصد التخريب والإرجاف وإحداث التشويش بين مختلف وحدات الجيش، بل وبقصد اغتيال الرسول ﷺ حيث قاموا بمحاولة الاغتيال هذه فعلًا، كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب. قال الواقدي: ولما مضى رسول الله ﷺ من ثنية الوداع سائرةً، فجعل يتخلف عنه الرجال فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، فخرج معه ناس من المنافقين كثير، لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة (٢). وذكر أصحاب المغازي والسير أن رسول الله ﷺ سأل أبا رهم الغفاري (٣) عن جماعة من الأعراب تخلفوا في باديتهم عن غزوة تبوك، مع سماعهم دعوة الاستنفار العام للجهاد وقدرتهم على الغزو، فقد روى الواقدي أن أبا رهم الغفاري قد بايع النبي ﷺ تحت الشجرة في الحديبية، فقال أبو رهم: غزوت مع رسول الله ﷺ تبوكًا. قال: فسرت ذات ليلة معه ونحن بأخضر، وأنا قريب من رسول الله - صلى الله

стр. 2501

عليه وسلم وألقى على النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتى من راحلة رسول الله ﷺ فيفزعنى دنوها منه خشية أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتى غلبتنى عيناى في بعض الطريق، ونحن في بعض الليل، فزاحمت راحلتى راحلته، ورجله في الغرز، فما استيقظت إلا بقوله: حس (بكسر الحاء) -كلمة تقولها العرب عند الألم- فقلت: يا رسول الله استغفر لي. فقال ﷺ : سر، فجعل يسألنى عمن تخلف من بني غفار فأخبره بهم، وهو يسألنى ما فعل النفر الحمر النطانط (١)، فحدثته بتخلفهم. قال: فما فعل النفر السود القصار الجعاد الحلس (٢)، فقلت: يا رسول الله والله يا رسول الله ما أعرف هؤلاء. قال: بلى، الذين هم بشبكة شدخ (٣). قال: فتذكرتهم في بني غفار فلا أذكرهم، ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا فينا، وكانوا يحلّون بشبكة شدخ، لهم نعم كثير، فقلت: يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم حلفاء لنا. فقال رسول الله ﷺ : ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل بعيرًا من إبله رجلًا نشيطًا في سبيل الله ممن يخرج معنا؟ فيكون له مثل أجر الخارج، إن كان لمن أعز أهلى عليّ أن تخلف عنى المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم (٤). أدْرِكْ القوم فإنهم قد احترقوا: كلمة قالها الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، عندما بلغه ما فاه به المنافقون والجيش يتحرك نحو تبوك، فقد كانت (كما تقدم) عناصر من فئة عبد الله بن أبي المنافقين منخرطين في سلك الجيش النبوي، وقد واكبت هذه العناصر الجيش وكانت تحسب ضمن وحداته حتى عاد من تبوك. هذه العناصر المشبوهة المدسوسة بين مختلف فصائل الجيش، كانت -والجيش في طريقه إلى تبوك- تقوم بدور السخرية بقادة المسلمين وفضلاء

стр. 2502

المهاجرين والأنصار وتذيع نشرات شفوية بين صفوف الجيش عن عظمة وقوة الجيش الروماني فتصور في نشراتها هذا الجيش الروماني وكأنه جيش لا يقهر، حتى يبدو، وكأن هذه العناصر المنافقة المشبوهة جهاز استخبارات سرى مكلف من قبل قيادة الرومان بإذاعة ما تذيعه عن عظمة الجيش الروماني، كما أن هذه العناصر المدسوسة، تحاول بما تذيع من إرجاف، إضعاف ثقة الجيش الإِسلامي في نفسه، وذلك بقصد إحلال روح الهزيمة محل هذه الثقة التي يمتاز بها جيش الإِسلام دائمًا. فقد ذكر أصحاب الحديث والمغازى ذلك، فقالوا: كان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي ﷺ في تبوك، منهم وديعة بن ثابت، أحد بني عمرو بن عوف، والجلاس بن سويد بن الصامت، ومخشى بن حمير من أشجع، حليف لبنى سلمة، وثعلبة بن حاطب. فقال: تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال -إرجافًا برسول الله ﷺ وترهيبًا للمسلمين- وقال وديعة بن ثابت -مستهزئًا بخيرة أصحاب الرسول ﷺ : ما لي أرى قرّاءنا هؤلاء أوعبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ وقال الجلاس بن سويد، وكان زوج أم عمير، وكان ابنها عمير يتيمًا في حجره: هؤلاء سادتنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، والله لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا ننفلت من أن ينزل فينا القرآن بمقالتكم. فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا، فذهب إليهم عمار فقال لهم: فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله ﷺ على ناقته، -وقد أخذ بحقب ناقة النبي ﷺ ورجلاه تنسفان الحجارة وهو يقول-: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ولم يلتفت إليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ

стр. 2503

بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١). قالوا: ورد عمير على الجلاس ما قال -حين قال: لنحن شر من الحمير- قال: فأنت شر من الحمار، ورسول الله ﷺ الصادق وأنت الكاذب. وجاء الجلاس إلى النبي ﷺ فحلف ما قال من ذلك شيئًا، فأنزل الله على نبيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢). وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه، وكان محتاجًا، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذها له فاستغنى بها. توبة مخشى بن حمير: وقال مخشى بن حمير: قد والله يا رسول الله قعد بي اسمى واسم أبي، فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشى بن حمير، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن أو عبد الله، وسأل الله أن يقتل شهيدًا ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم القيامة فلم يوجد له أثر. ويقال في الجلاس بن سويد: إنه كان ممن تخلف من المنافقين في غزوة تبوك، فكان يثبط الناس عن الخروج، وكانت أم عمير تحته، وكان عمير يتيمًا في حجره ولا مال له، فكان يكفله ويحسن إليه، فسمعه وهو يقول: والله لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فقال له عمير: يا جلاس، قد كنت أحب الناس إلي، وأحسنهم عندي أثرًا، وأعزهم عليّ أن يدخل عليه شيء نكرهه، والله، لقد قلت مقالة لئن ذكرتها

стр. 2504

لتفضحنك، ولئن كتمتها لأهلكن، وإحداهما أهون على من الأخرى، فذكر للنبي ﷺ مقالة الجلاس، وكان رسول الله ﷺ قد أعطى الجلاس مالا من الصدقة لحاجته وكان فقيرًا، فبعث النبي ﷺ إلى الجلاس فسأله عما قال عمير، فحلف بالله ما تكلم به قط، وأن عميرًا لكاذب -وهو عمير بن سعيد- وهو حاضر عند النبي ﷺ ، فقام وهو يقول: اللهم أنزل على رسولك بيان ما تكلمت به، فأنزل الله على نبيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للصدقة التي أعطاها النبي ﷺ ، فقال الجلاس: أسمع، الله قد عرض على التوبة، والله لقد قلت ما قال عمير، ولما اعترف بذنبه وحسنت توبته ولم يمتنع عن خير كان يصنعه إلى عمير بن سعيد، فكان ذلك مما عرفت به توبته (١). المرور بديار ثمود والنهي عن الشرب من بئرها: وكما هي سياسة الرسول ﷺ الحكيمة لم يتخذ أي إجراء ضد عناصر النفاق لكلام التثبيط والكفر والاستهزاء الذي فاهوا به، مع أن القرآن الكريم أدانهم بذلك بعد إنكارهم. واستمر الرسول ﷺ في تحركه نحو تبوك، وأثناء التحرك مر بوادى القرى ذي المزارع الشهيرة والمناخ الجميل، والذي قال فيه الشاعر: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بوادى القرى إني إذن لسعيد كما مر بالحجر (٢) من ديار ثمود (قوم صالح) وهناك نهى الجيش أن

стр. 2505

يشرب أحد أو يتوضأ من البئر التي كانت ثمود تستقى منها. وكان ثمود جيل من طغاة البشر عصوا الله وتحدوا رسوله صالح بعد أن كذبوه، وقد جاء ذكر قصتهم وقصة ناقة نبيهم صالح في القرآن، وكانوا قد عقروا هذه الناقة عصيانا وتحديًا لأمر الله تعالى فحل بهم العذاب العاجل حيث أبادهم الله تعالى بالرجفة. فقد جاء في كتب التاريخ والسير أن الرسول ﷺ لما أمسى بالحجر من ديار ثمود، قال: أنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد منكم إلا مع صاحبه، ومن كان له بعير فليوثق عقاله. وحدث ما حذر النبي ﷺ منه أصحابه، حيث هاجت ريح شديدة عاصفة، وكما هي تعليمات الرسول القائد ﷺ لم يقم أحد إلا مع صاحبه، إلا رجلين من الأنصار من بني ساعدة، خرج أحدهما منفردًا لحاجته، وخرج الآخر منفردًا أيضًا في طلب بعيره. أما الذي خرج لحاجته فقد أصيب بنوبة خنق شديدة، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فقد احتملته الريح حتى قذفت به في جبلى طئ، فلما أخبر الرسول ﷺ بما حدث للرجلين قال: ألم أنهكم أن لا يخرج رجل إلا ومعه صاحب له، ثم دعا بالذي أصيب بالخنق، فشفى مما ألم به، وأما الآخر الذي وقع بجبلى طئ فإن طيئا أعادته إلى النبي ﷺ حينما عاد من تبوك إلى المدينة (١). وكان أبو هريرة يحدِّث يقول: لما مررنا بالحجر استقى الناس من بئرها، وعجنوا فنادى منادى النبي ﷺ : لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا للصلاة، وما كان من عجين فاعلفوها الإبل، قال سهل

стр. 2506

ابن سعد (١): كنت أصغر أصحابي وكنت مقريهم في تبوك، فلما نزلنا (أي الحجر من ديار ثمود) عجنت لهم ثم تحينت العجين، وقد ذهبت أطلب حطبًا، فإذا منادى النبي ﷺ ينادى: إن رسول الله ﷺ يأمركم ألا تشربوا من ماء بئرهم، فجعل الناس يهرقون ما في أسقيتهم، قالوا يا رسول الله قد عجنا. قال: أعلفوه الإِبل. قال سهل: فأخذت ما عجنت فعلفت نضوين فهما كانا أضعف ركابنا. قال: وتحولنا إلى بئر صالح النبي ﵇ فجعلنا نستقى من الأسقية ونغسلها، ثم ارتوينا فلم نرجع يومئذ إلا ممسين، فقال رسول الله ﷺ : لا تسألوا نبيكم الآيات "أي المعجزات"، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم آية فكانت الناقة ترد عليهم من هذا الفلج، تسقيهم من لبنها يوم وردها ما شربت من مائها، فعقروها فأوعدوا ثلاثًا وكان وعبد الله غير مكذوب فأخذخهم الصيحة فلم يبق أحد منهم تحت أديم السماء إلا هلك، إلا رجل في الحرم، منعه الحرم من عذاب الله. قالوا يا نبي الله: من هو؟ قال رسول الله ﷺ : أبو رغال أبو ثقيف. قالوا: فما له بناحية مكة؟ قال: إن صالحا بعثه مصدقًا "أي جامعًا للزكاة" فانتهى إلى رجل معه مائة شاة شصص (٢) ومعه شاة والد ومعه صبى ماتت أمه بالأمس. فقال: إن رسول الله ﷺ أرسلنى إليك، فقال: مرحبًا برسول الله وأهلا، خذ، قال: فأخذ الشاة اللبون، فقال: إنما هي أم هذا الغلام بعد أمه، خذ مكانها عشرًا، قال: لا، قال: عشرين، قال: لا، قال: خمسين، قال: لا، قال: خذها كلها إلا هذه الشاة، قال: لا، قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه، فنثر كنانته ثم قال: اللهم

стр. 2507

تشهد ثم فوَّق له بسهم فقتله، فقال: لا يسبق بهذا الخبر إلى نبي الله أول منى، فجاء صالحا فأخبره الخبر، فرفع صالح يديه مدًّا فقال: اللهم العن أبا رغال ثلاثًا (١). النهي عن دخول مساكن ثمود: وجاء في كتب الحديث والمغازى أن الرسول ﷺ وهو بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين -يعني قوم صالح- إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، وفي رواية أنه ﷺ قال "وهو بالحجر": لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه (٢) وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٣). وفي مغازي الواقدي: قال رسول الله ﷺ : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيصيبكم ما أصابهم. وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رجلا جاء إلى النبي ﷺ بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذبين، قال فأعرض عنه واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: إلقه، فألقاه فما أدرى أين وقع حتى الساعة. وكان ابن عمر يقول: إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه حين حاذاهم "أي المعذبين": إن هذا وادي النفر، فجعلوا يوضعون فيه ركابهم "أي يحثونها لتسرع في المشي" حتى خرجوا منه (٤). العناصر المشبوهة والتشكيك داخل الجيش: فيما مضى من هذا البحث ذكرنا أن عناصر الجيش النبوي التحرك نحو تبوك كانت تضم فئات من الرتل الخامس الذين ليس لهم من الإِسلام إلا حمل هويته في الظاهر، وهم المنافقون، والذين تنطبق عليهم كلمة "باطنيين"

стр. 2508

لأنهم يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر. وقد كشفهم القرآن الكريم للرسول ﷺ في آيات أُنزلت عليه كما تقدم حينما فاهوا بقبيح القول من السخرية والاستهزاء بالله وبرسوله وبأصحابه، ولم ينكروا قبيح صنعهم حينما استجوبهم الرسول ﷺ ، ولكنهم اعتذروا بأن ما بدر منهم إنما كان باعثه الخوض واللعب فحسب ولكن القرآن أدانهم بالكفر فقال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ الآية، وقد تاب البعض منهم وبقى البعض على كفره الباطنى. ومع إدانة القرآن لهم بالكفر والإلحاد، فإن الرسول الحكيم ﷺ لم يطردهم من الجيش ولم يتخذ ضدهم أيّ إجراء تأديبى، رغم أنه -حسب تعبيرات هذا العصر- في حالة استنفار وطوارئ، واستمرار بقائهم أحرارًا داخل جيش كبير يتحرك للحرب قد يسبب متاعب لهذا الجيش ولقائده الأعلى على وجه الخصوص. وفعلًا لقد استمر الرسول ﷺ وأصحابه الأبرار من أفراد هذا الجيش يعانون الشيء الكثير من المتاعب من هؤلاء المنافقين فقد كانت هذه العناصر الخبيثة التي تنطوى على الكفر وتتظاهر بالإسلام، تغلى مراجل الحقد والحسد في قلوبها المريضة، فقد أقَّضَ مضاجعها واعتصر قلوبها أن تصبح للمسلمين وحدة بهذا التلاحم الصادق الذي لم تشهد جزيرة العرب بل والعالم كله في تاريخه لها مثيلًا، وساء عناصر النفاق الخبيثة هذه أن يكون لمحمد ﷺ الذي خرج من مسقط رأسه مستخفيًا خائفًا وحيدًا بعد أن أهدر أهله وعشيرته دمه، وليس معه سوى صاحبه الوفى الصديق الأكبر .. ساء هذه العناصر المنافقة أن تصبح هذه القوة العسكرية الضخمة "ثلاثون ألف مقاتل" تأتمر "في طاعة لا مثيل لها" بأمر محمد ﷺ .. هذه القوة التي كانت الأكثرية الساحقة بينها "الأوس والخزرج" مهيئة وفي طريق الإعداد لأن تكون رعية لرجل من هؤلاء المنافقين الذي كان أصحابه "قبل مجئ ﷺ إِلي المدينة بقليل" يضعون الترتيبات لتتويجه ملكًا على يثرب وهو عبد الله بن أَبِي سلول سيد الخزرج.

стр. 2509

فهؤلاء المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ يرون في قرارة أنفسهم الخبيثة أن مجئ الرسول ﷺ إلى يثرب ودخول أهلها في الإسلام، قد كان بمثابة انقلاب أبيض "إن صح هذا التعبير" قلب الأوضاع الجاهلية التي كانت قاب قوسين أو أدنى كى يصبح فيها رأس النفاق ملكًا متوجا على يثرب، حيث جاء النبي ﷺ إلى المدينة وقوم ابن أبَيّ يرصعون له التاج بالأحجار الكريمة ليضعوه على رأسه (١). لذا فرأس النفاق والعناصر الموالية له يرون أن الرسول ﷺ بنشره الإسلام في يثرب قد سلب زعيهم عبد الله بن أبيّ الملك الذي كانوا يهيئونه للتربع على عرشه، من هنا جاء إيغال هؤلاء المنافقين في الكيد للإسلام والنبي ﷺ بهدف تفتيت وحدة المسلمين وتشتيت شملهم، عسى أن يقوم على أنقاض وحدتهم -التي أقامها الإسلام- الملك الذي يطمع فيه عبد الله بن أبيّ. ولقد كان المنافقون -منذ أن تشرفت المدينة بمقدم الرسول الأعظم ﷺ وهم يعملون ضد الوضع الجديد الذي أقامه الإسلام، فيحيكون الدسائس والمؤامرات ضد الرسول ﷺ في كل مناسبة تسنح لهم، ولكنهم في غزوة تبوك وسعوا من أنشاطاتهم التخريبية وقاموا ضد النبي ﷺ بأعمال خطيرة جدًّا بلغت حد محاولة اغتياله، وهي أعمال لم يجزؤ المنافقون على القيام بمثلها في الماضي. فمن أعمالهم التخريبية التشكيكية، محاولتهم إشاعة الريب بين عناصر الجيش في صدق نبوة الرسول ﷺ ، فقد حدث أن عسكر الجيش النبوي بمنطقة ليس بها ماء وهو في طريقه إلى تبوك، فتعرض الجيش "وهو ثلاثون ألفًا" لعطش شديد، فأبلغوا الرسول ﷺ خطورة الحالة، فتوجه الرسول ﷺ إلى ربه بالدعاء فأكرمه بمعجزة، حيث أنزل الله تعالى الغيث فارتوى الجيش بالماء وسقوا خيلهم

стр. 2510

وإبلهم وسكنت نفوسهم، وكان بإمكان عناصر النفاق في الجيش النظر في هذه المعجزة ليعتبروا بها كدليل من الأدلة على صدق نبوة محمد ﷺ ، ولكنهم تمادوا في كفرهم وعنادهم، وقالوا: إنما حدث ذلك صدفة. فقد روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله ﷺ -وهو في طريقه إلى تبوك- أصبح ذات يوم ولا ماء مع الجيش، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على غير ماء "أي الرسول وجيشه لم يكونوا بذات أرض بها آبار أو منابع للمياه" قال عبد الله بن أبي حدرد (١): فرأيت رسول الله ﷺ استقبل القبلة فدعا -ولا والله ما أرى في السماء سحاب- فما برح رسول الله ﷺ يدعو حتى أنى لأنظر إلى السحاب يأتلف من كل ناحية، فما رام مقامه حتى سحت علينا السماء بالرواء، فكأنى أسمع تكبير رسول الله ﷺ في المطر، ثم كشف الله السماء عنا من ساعتها وإن الأرض إلا غدر تناخس (٢) فسقى الناس وارتووا عن آخرهم، واحتملوا ما يحتاجون إليه، وأسمع رسول الله ﷺ يقول: أشهد أنى رسول الله. وروى عن الفاروق عمر بن الخطاب أنه قال: خرجنا في حر شديد فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى إن الرجل لينحر بعيرة فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قد عودك الله من الدعاء خيرًا، فادع الله لنا. قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فدعا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس. قال عبد الله بن أبي حدرد: قلت لرجل من المنافقين: ويحك أبعد هذا شيء؟ فقال: سحابة مارة، وهو أوس بن قيظى (٣).

стр. 2511

وحدث يونس بن محمد، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أنه قال له: هل كان الناس يعرفون أهل النفاق فيهم؟ فقال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أبيه وأخيه وبنى عمه. سمعت جدك قتادة بن النعمان يقول: تبعنا في دارنا قومًا منافقين. ثم من بعد سمعت زيد بن ثابت يقول في بني النجار: من لا بارك الله فيه، فيقال: من يا أبا سعيد؟ فيقول: سعد بن زرارة "وهو غير أسعد بن زرارة الصحابي الفاضل" وقيس بن مهر. ثم يقول زيد: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما كان من أمر الماء ما كان دعا رسول الله ﷺ فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، فقلنا: يا ويحك، أبعد هذا شيء؟ فقال: سحابة مارة، وهو والله رجل لك به قرابة يا محمود بن لبيد، قال محمود! قد عرفته (١). وطوال تحرك الجيش النبوي إلى تبوك استمر المنافقون في محاولاتهم الخبيثة لزعزعة ثقة المسلمين في صدق نبيهم، فلا تأتى مناسبة يرون أنها ملائمة لاستخدامها لتحقيق أهدافهم التشكيكية إلا واغتنموها، غير مبالين باستياء الرسول الأعظم ﷺ لتصرفاتهم المشينة المتكررة، ومستغلين سعة حلم الرسول ﷺ وصبره عليهم. فقد صدف وأن حدثت حادثة ازداد لها المؤمنون الصادقون إيمانًا، وزاد لها توغل هؤلاء المشبوهين المنافقين إيغالًا في الكفر وبث الإرجاف والتشكيك في نبوة الرسول ﷺ . فقد روى المؤرخون أنه عندما ارتحل الرسول ﷺ بعد حادثة إكرام الله له بإنزال الغيث، نزل منزلًا، وبات فلما أصبح افتقدت ناقته القَصْوى، فخرج بعض أصحابه يبحثون عنها، فاستغل المشبوهون في الجيش هذا الحادث، وحاولوا أن يجعلوا منه منطلقًا لتسريب الشكوك والريب إلى النفوس في صدق نبوة محمد ﷺ ، فقد ذكر عمارة بن حزم "وهو من أهل بدر استشهد يوم اليمامة" أن رأسًا من رؤوس النفاق وهو زيد بن اللصيت أحد بني قينقاع: اليهود، فتظاهر

стр. 2512

بالإِسلام، بينما ظل ينطوى على حقد اليهود وبغضهم للرسول ﷺ ، رأس النفاق ابن اللصيت هذا كان في رحل عمارة بن حزم، فلما ضاعت ناقة الرسول القَصْوى وانطلق بعض أصحابه يبحثون عنها، قال زيد بن اللصيت: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ .. كلمة خبيثة تحمل شحنة لعينة من متفجرات الريبة والشك أراد هذا المنافق أن يفجرها عسى أن تصيب شظاياها قلوب بعض البسطاء ممن في الجيش فيتلوثون بما تلوث به هذا المنافق وحزبه الخبيث، ولكن الله كبت هذا المنافق وأخزاه وأبطل مفعول متفجرات الزيبة والشك التي رمى بها على أسماع العسكر. فقد بلغ الرسول القائد ﷺ ما قاله هذا المنافق على ملأ من الجيش، فأكد الرسول ﷺ أنه بشر لا يعلم الغيب، ولكنه في الوقت نفسه أكد ﷺ أنه نبي مرسل، والنبي -مع علو مِرتبته فوق كل مرتبة- لا يعلم من أمور الغيب إلا ما أخبره الله به، وأعلن الرسول على ملأ من الجيش أن الله تعالى أخبره. فقال ﷺ : إن منافقا يقول: إن محمدًا يزعم أنه نبي، وأنه يخبركم بأمر السماء، ولا يدرى أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا - الشعب أشار لهم إليه - حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوا بها. فذهبوا فجاءوا بها، وكان عمارة بن حزم حاضرًا، "وهو لا يعلم أن ابن اللصيت هو صاحب المقالة. الخبيثة" فلما جاء عمارة رحله قال لرفاقه: العجب من شيء حدثناه رسول الله ﷺ . إنها عن مقالة قائل أخبره الله عنه. قال": كذا وكذا - الذي قال زيد. قال: فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله ﷺ : زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا، قال: فأقبل عمارة على زيد بن اللصيت يجأه (١) في عنقه ويقول: والله، إن في رحلي لداهية وما أدرى، أخرج يا عدو الله من رحلى.

стр. 2513

وكان الذي أخبر عمارة زيد أخوه عمرو بن حزم، وكان في الرحل رهط من أصحابه. والذي ذهب فجاء بالناقة من الشعب، الحارث بن خزمة الأشهلى (١)، وجدها وزمامها قد تعلق في شجرة (٢). قال الواقدي: فقال زيد بن اللصيت: لكأنى لم أسلم إلا اليوم، قد كنت شاكا في محمد، وقد أصبحت وأنا فيه ذو بصيرة، وأشهد أنه رسول الله، فزعم الناس أنه تاب (٣). ولكن خارجة بن زيد (٤) بن ثابت ينكر أن يكون ابن اللصيب قد تاب، فقد كان خارجة يقول: لم يزل زيد بن اللصيت فسلا (٥). حتى مات (٦). أول من حدا من العرب بالإِبل: ويذكر الواقدي أن الرسول ﷺ لما صار بوادى المشقق (٧) سمع حاديا في جوف الليل فقال: أسرعوا بنا نلحقه، ورسول الله ﷺ يقول: ممن الحادي، منكم أو من غيركم؟ قالوا: بلى من غيرنا، قال: فأدركه رسول الله ﷺ ، فإذا جماعة، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من مضر. قال رسول الله ﷺ : وأنا من مضر، فانتسب حتى بلغ مضر، قال القوم: نحن أول من حدا بالإِبل. فقال النبي ﷺ : وكيف ذلك؟ قالوا: بلى إن أهل الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فأغير على رجل منهم ومعه غلام له، فندت إبله فأمر غلامه أن يجمعها، فقال: لا أستطيع، فضرب يده بعصا،

стр. 2514

فجعل الغلام يقول: وايداه، وايداه، وتجتمع الإبل، فجعل سيده يقول: قل هكذا بالإبل، وجعل النبي ﷺ يضحك (١). نصرة أهل اليمن للإِسلام: وذكر أصحاب السير والمغازى أن الرسول ﷺ بشر أصحابه "وهو في طريقه إلى تبوك" بأن الله سيكتب الغلبة والنصر للمسلمين على فارس والروم والاستيلاء على ممالكهم وأن أهل اليمن سيكونون قوة ضاربة ذات أثر فعال في نصر الإِسلام بالجهاد. فقد روى أن النبي ﷺ قال لأصحابه - وهم سائرون إلى تبوك -: ألا أبشركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: إن الله أعطانى الكنزين فارس والروم وأمدنى بالملوك ملوك حمير، يجاهدون في سبيل الله ويأكلون في الله (٢). وهذا من أعلام النبوة، فقد أثبتت الأحداث بعد وفاة النبي ﷺ وعلى مدى التاريخ المشرق للإِسلام - وخاصة في فتح الشام وأفريقيا أن أهل اليمن كانوا قوة فعالة لإِعلاء كلمة الله، وكانت الإمدادات منهم عظيمة في عهد الخليفة الصديق عندما اجتازت جيوشه حدود الشام والعراق للجهاد وكان أحد قادة الجيوش الأربعة في الشام يمانيًا وهو شرحبيل بن حسنة، كما كان ذو الكلاع الحميرى أحد ملوك حمير أحد قادة الجيوش البارزين في النجدات التي جاءت من اليمن. وفي اليرموك. النبي يصلى مأمومًا خلف إمام من أصحابه: وأثناء التحرك إلى تبوك، وبين الحجر وتبوك على وجه التحديد، صلى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وكانت تلك أول مرة يصلى فيها النبي ﷺ في حياته خلف غيره من المسلمين، فقد جاء في مصادر التاريخ أن الجيش وقت صلاة الصبح انتظروا الرسول ﷺ فتأخر لبعض شأنه، فخاف الجيش أن تطلع الشمس

стр. 2515

قبل أن يصلوا الصبح، فطلبوا من عبد الرحمن بن عوف أن يؤمهم ليصلوا، ففعل، غير أنه ما كاد يركع الركعة الأولى حتى جاء النبي ﷺ ، فنبه المسلمون عبد الرحمن بن عوف لقدوم الرسول ﷺ وذلك عن طريق التسبيح ليتنحى عن مكان الإِمامة للرسول ﷺ ففعل حيث أخذ يتقهقر إلى الصف الأول، فأشار الرسول ﷺ إلى عبد الرحمن بأن يستمر في صلاته "إماما" فامتثل وصلى خلفه الرسول ﷺ مأمومًا، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف تواثب الناس، وقام رسول الله ﷺ يقضى الركعة الباقية .. وفي هذه المناسبة شهد النبي ﷺ بأن عبد الرحمن بن عوف من صالحى أمته، فقد قال - بعد أن فرغ من صلاته -: أحسنتم، أنه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته (١). وقفة تشريعية: وكما هي دائما أقوال وأفعال النبي ﷺ وأفعاله تشريعات وقوانين يعمل بها المسلمون، فإن قولا قاله ﷺ وهم سائرون إلى تبوك في نزاع حدث بين رجلين من أصحابه، صار هذا القول تشريعا عمل به الفقهاء في الجنايات، فقد ذكر أصحاب السير أن يعلى بن منبه (٢) أتى النبي ﷺ برجل أجير له، قد "نازع رجلا من العسكر، فعضه ذلك الرجل، فانتزع الأجير يده من فِيِّ العاض فانتزع ثنيته، فلزمه العاض المجروح، فبلغ به النبي ﷺ لمقاضاته وهو يطمع في التعويض، قال يعلى: وقمت مع أجيرى لأنظر ما يصنع، فأتى بهما النبي ﷺ فقال: يعمد أحدكم فيعض أخاه كما يعض الفحل، فأبطل رسول الله ﷺ ما أصاب من ثنيته (٣)، لأن العاض هو المعتدى، وثنيته إنما انتزعت نتيجة اعتدائه.

стр. 2516

الوصول إلى تبوك: وبعد أن قطع الرسول ﷺ ما يقارب ال ٤٠٠ ميل وصل تبوك، ولم يكن بها من الماء إلا قليل، وقد أكرم الله تعالى رسوله بمعجزة جديدة حيث فجر له هذه العين بالماء الغزير حتى ارتوى الجيش، كما أخبر الرسول ﷺ بعض أصحابه أن تبوك "بعد ذلك الشح في الماء" ستكون ذات بساتين غنّاء، وقد حدث ذلك بالفعل كما هو مشاهد اليوم، وذلك من أعلام النبوة. فقد جاء في المغازي أن الرسول ﷺ قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تنالوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتى. قال معاذ بن جبل: فجئنا وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الزلال تبضّ (١) بشيء من ماء فسألهما: هل مسستما من مائها شيئًا؟ قالا: نعم، فقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم قليلًا حتى اجتمع في شن (٢) ثم غسل النبي ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجاءت العين بماء كثير فاستقى الناس، ثم قال النبي ﷺ : يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلِئ جنانا (٣). وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن عروة أن النبي ﷺ حين نزل تبوك وكان في زمان قلّ ماؤها فيه فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض به فاه، ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة. وأخرج ابن إسحاق نحوه، وفيه: "فانخرق من الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حسًّا كحس الصواعق - يعني كصوت الرعود - وذلك الماء فوّرة تبوك اليوم (٤).

стр. 2517

الحرس النبوي في تبوك: وكان من عادة الرسول ﷺ بصفته القائد الأعلى للجيش، أن يقيم لنفسه حرسًا يحرسون مقره طالما أنه في أرض للعدو، وفي حالة حرب. وكان اثنان من الصحابة اشتهرا بتولى حراسة الرسول ﷺ هما عبّاد بن بشر، ومحمد بن مسلمة، وكلاهما من الأنصار. وفي تبوك استعمل رسول الله صلى الله عليه زسلم على حرسه - من يوم قدم إلى تبوك حتى رحل عنها - عبّاد بن بشر، فكان عباد يقوم مع رجاله بأعمال الدورية، فيطوف على أصحابه في العسكر، فغدا على رسول الله ﷺ يوما فقال: يا رسول الله ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، أفوليت أحدنا يطوف على الحرس؟ قال رسول الله ﷺ : ما فعلت، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين على خيلنا انتدب، فقال سلكان بن سلامة: يا رسول الله خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا، فكنا نحرس الحرس. فقال رسول الله ﷺ : رحم الله حرس الحرس في سبيل الله، فلكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة. وفي غزوة تبوك أجرى الله على يد رسوله ﷺ معجزة أخرى زاد الله بها المؤمنين إيمانًا، فقد ذكر الواقدي ج ٣ ص ١٠٣٤ و ١٠٣٥، أن نفرًا من بني سنعد هذيم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك وتركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، وهذا القيظ، ونحن نخاف أن تفرقنا أن نقتطع، لأن الإِسلام لم يفش حولنا بعد، فادع الله لنا في ماء بئرنا، وإن روينا به فلا قوم أعز منا، لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا. قال رسول الله ﷺ : أبلغونى حصيات، فتناولت ثلاث حصيات فدفعتهن إليه، ففركهن بيده ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم فاطرحوها واحدة واحدة وسموا، فانصرفوا من عند رسول الله ﷺ ففعلوا ذلك فجاشت بالرواء، ونفوا من قاربهم من المشركين ووطئوهم، فما انصرف رسول الله صلى الله

стр. 2518

عليه وسلم إلى المدينة حتى أوطأوا من حولهم عليه ودانوا بالإِسلام. وكان زيد بن ثابت يحدث فيقول: غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك فكنا نشترى ونبيع ر سول الله ﷺ يرانا فلا ينهانا. وقال رافع بن خديج: أقمنا بتبوك المقام فأرملنا من الزاد وقرمنا إلى اللحم ونحن لا نجده، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن اللحم هاهنا، وقد سألت أهل البلد عن الصيد فذ كروا لي صيدًا قريبًا -فأشاروا إلى ناحية المغرب-، فأذهب فأصيد في نفر من أصحابي؟ قال رسول الله ﷺ : إن ذهبت فاذهب في عدة من أصحابك، وكونوا على خليل، فإنكم تنفرقون من العسكر قال: فانطلقت في عشرة - من الأنصار فيهم أبو قتادة وكان صاحب طرد بالرمح وكنت راميًا فطلبنا الصيد فأدركنا صيدًا، فقتل أبو قتادة خمسة أحمرة بالرمح على فرسه، ورميت قريبًا من عشرين ظبيًا وأخذ أصحابنا الظبيين والثلاثة والأربعة، وأخذنا نعامة طردناها على خيلنا. ثم رجعنا إلى العسكر عشاء ورسول الله ﷺ يسأل عنا: ما جاءوا بعد؟ فجئنا فألقينا ذلك بين يديه. فقال: فرقوه في أصحابكم، قلت: يا رسول الله، أنت مر به رجلًا، قال فأمر رافع بن خديج. قال: فجعلت أعطى القبيلة بأسرها الحمار والظبى، وأفرق ذلك حتى كان الذي صار لرسول الله ﷺ ظبى واحد مذبوح، فأمر به فطبخ، فلما نضج دعا به - وعنده أضياف - فأكلوا ونهانا بعد أن نعود وقال: لا آمن أو قال: أخاف عليكم. من هو الشهيد في سبيل الله: وفي غزوة تبوك (وهي أهم حدث عسكرى في التاريخ النبوي الحربي) أعلن الرسول ﷺ على ملأ من أصحابه أن الشهيد ليس الذي يقتل بالسيف والرمح والنبل في المعركة فحسب، بل إن مرتبة إلى الشهيد ينالها كل من يفارق الحياة وهو في حالة الغزو في سبيل الله، مهما كان السبب الذي في وفاته.

стр. 2519

فقد ذكر المؤرخون أن ذا البجادين المزني "وقد تقدمت قصة إسلامه في هذا البحث" قال: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: أبلغنى لحاء سمرة. فأبلغه لحاء سمرة، فربطها رسول الله ﷺ على عضده وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار، فقال: يا رسول الله، ليس أردت هذا. قال النبي ﷺ : إنك إذا خرجت غازيًا في سبيل الله فأخذتك الحمّى فقتلتك فأنت شهيد، ووقصتك دابتك فأنت شهيد، لا تبال بأية كان. فلما نزلوا تبوكًا فأقاموا بها أيامًا توفى عبد الله ذو البجادين. فكان بلال بن الحارث يقول: حضرت رسول الله ﷺ ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها، وإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا أبو بكر وعمر يدليّانه إلى النبي ﷺ وهو يقول: أدنيا إليّ أخاكما، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه. قال: فقال عبد الله بن مسعود: ليتنى كنت صاحب اللحد (١). قال الواقدي: وكان عبد الله ذو البجادين هذا من مزينة، وكان يتيمًا: لا مال له، قد مات أبوه فلم يورثه شيئًا، وكان عمه ميلًا (٢) فأخذه وكفله حتى كان قد أيسر، فكانت له إبل وغنم ورقيق، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام، ولا يقدر عليه من عمّه، حتى مضت السنون والمشاهد كلها، فانصرف رسول الله ﷺ من فتح مكة، راجعًا إلى المدينة، فقال عبد الله لعمه: يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فائذن لي في الإسلام، فقال: والله، لئن اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك حتى ثوبيك. فقال عبد العزى - وهو يومئذ اسمه -: وأنا والله متّبع محمدًا ومسلم، وتارك عبادة الحجر والوثن، وهذا ما بيدى فخذه، فأخذ كل ما أعطاه، حتر جرده من إزاره، فأتى أمه فقطعت بجادًا (٣) لها باثنين فائتزر

стр. 2520

بواحد وارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان - جبل من حمى المدينة - فاضطجع في المسجد في السحر، ثم صلى رسول الله ﷺ الصبح، وكان رسول الله ﷺ يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فأنكره، فقال: من أنت؟ فانتسب له، فقال: أنت عبد الله ذو البجادين، ثم قال: أنزل منى قريبًا. فكان يكون في أضيافه ويعلّمه القرآن، حتى قرأ قرآنًا كثيرًا والناس يتجهزون إلى تبوك، وكان رجلًا صيّتًا، فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع هذا الأعرابى قد منع الناس القراءة؟ فقال النبي ﷺ : دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله. وأثناء التحرك إلى تبوك، قالوا: أتينا رسول الله ﷺ في مسيره هو مردف سهيل بن بيضاء (١) خلفه، فقال سهيل: ورفع رسول الله ﷺ صوته فقال: يا سهيل، كل ذلك يقول سهيل: يا لبّيك، ثلاث مرات، حتى عرف الناس أن رسول الله ﷺ يريدهم، فانثنى عليه من أمامه، ولحقه من خلفه من الناس، ثم قال رسول الله ﷺ : من يشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، حرَمه الله على النار (٢). قصة الجني الذي تمثل في شكل حية: وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الواقدي فقال: كان الناس بغزوة تبوك فعارضهم في مسيرهم حية عظيمة الخلق فانصاع (٣) الناس عنها فأقبلت على رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلًا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة فأقبل الناس، فقال رسول الله ﷺ : تدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم،

стр. 2521

قال: هذا احد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن فرأى عليه من الحق - حين ألم رسول الله ﷺ ببلده - أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام .. فسلموا عليه، فقال الناس جميعا: و ﵇ ورحمة الله، يقول الرسول ﷺ : أجيبوا عباد الله من كانوا (١). النبي يصلى الصبح بعد طلوع الشمس: ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث أن النبي ﷺ قبل وصوله تبوك بيوم واحد نام ليلته والجيش حتى طلعت الشمس، فصلى بالمسلمين بعد أن امتدت قيد رمح، فقد روى عن عقبة بن، عامر أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك حتى إذا كنا منها على ليلة استرقد رسول الله ﷺ ، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال ألم أقل لك أكلأ لنا (٢) الليل؟ فقال بلال: ذهب بي النوم، ذهب بي الذي ذهب بك، قال: فارتحل رسول الله ﷺ من ذلك المكان غير بعيد، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر، ثم هذب (٣) بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك (٤). خطبة أشبه بخطبة حجة الوداع: وفي صبيحة اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ منطقة تبوك

стр. 2522

جمع عناصر الجيش -وعددهم ثلاثون ألفا- فألقى فيهم خطبة جامعة تشبه "إلى حد ما" خطبة حجة الوداع المشهورة، حيث تضمنت هذه الخطبة في تبوك الكثير من شرائع الإِسلام والتربية الخلقية. فقد روى عن عقبة بن عامر (وهو ممن حضر بيعة العقبة وبدرًا) أن قال: لما أصبح النبي ﷺ بتبوك، جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وت وخير الملل ملة إبراهيم ﵇، وخير السنن سنن محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عواقبها، وشرّ الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر الأمور المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة. ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرًا (١)، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكم (٢) مخافة الله، وخير ما ألقى في القلب اليقين .. والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم، والسكر من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإِثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنوان، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم. والسعيد من وعظ بغيره، والشقى من شقى في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، والربا ربا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل (٣) على الله يكذبه، ومن يعف يعف

стр. 2523

عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، "ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتى أستغفر الله لي ولكم (١). وقال الواقدي: وكان رجل من بني عذرة يقال له عدى يقول: جئت رسول الله ﷺ بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس يقول: أيها الناس، يد الله فوق يد المعطى، ويد المعطى الوسطى، ويد المعطى (بفتح الطاء) السفلى. أيها الناس، اقنعوا ولو بحزم الحطب، اللهم، هل بلغت؟ ثلاثا. فقلت: يا رسول الله، كانت امرأتان اقتتلتا فرميت فأصبت إحداهما، فرمى في رميتى -يعني ماتت- كما تقول العرب: رمى في جنازته. فقال النبي ﷺ : تعقلها ولا ترثها (٢). الإيمان يمان: قالوا: وجلس رسول الله ﷺ في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين ورفع يديه يشير إلى أهل اليمن فقال: الإيمان يمان، ونظر نحو المشرق (وهو العراق بالنسبة لتبوك) وأشار بيده فقال: إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين (٣) أهل الوبر من نحو المشرق حيث يطلع الشيطان قرنه (٤). الرسول يتحدث عن فضل الخيل: وفي تبوك جئ إلى رسول الله ﷺ بجبنة، فقالوا: يا

стр. 2524

رسول الله إن هذا طعام تصنعه فارس، وإنا نخشى أن يكون فيه ميتة. فقال رسول الله ﷺ : ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله. وأهدى رجل من قضاعة إلى النبي ﷺ فرسا، فأعطاه رجلا من الأنصار، وأمره أن يربطه حياله استئناسا بصهيله، فلم يزل كذلك حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة ففقد صهيل الفرس، فسأل عنه صاحبه فقال: خصيته يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : فإن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، اتخذوا من نسلها وباهوا بصهيلها المشركين، أعرافها أدفاؤها (١)، وأذنابها مذابها، والذي نفسي بيده، إن الشهداء ليأتون يوم القيامة بأسيافهم على عواتقهم، لا يمرون بأحد من الأنبياء إلا تنحى عنهم، حتى أنهم ليمرون بإبراهيم الخليل، خليل الله فيتنحى لهم حتى يجلسوا على منابر من نور، يقول الناس: هؤلاء الذين أَهْرَقُوا دماءهم لربّ العالمين، فيكون كذلك حتى يقضى الله بين الناس. وكان لرسول الله ﷺ فرس اسمه الظرب (بفتح الظاء وكسر الراء)، فقام إليه، وهو بتبوك فعلق عليه شعاره (٢) وجعل يمسح ظهره بردائه. قيل: يا رسول الله، تمسح ظهره بردائك؟ قال: نعم، وما يدريك؟ . لعل جبريل أمرني بذلك، مع أني قد بت الليلة، وإن الملائكة لتعاتبنى (٣) في حسن الخيل ومسحها وقال: أخبرني خليلى جبريل أنه يكتب لي بكل حَسَّةٍ أوفيتها إياه حسنة، وإن ربى يحط عنى بها سيئة، وما من امرئ من المسلمين يربط فرسًا في سبيل الله فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلا كتب الله له بكل حبة حسنة، وحط عنه بكل حبة سيئة، قيل: يا رسول الله، وأى الخيل خير؟ قال: أدهم (٤)، أقرح، أرثم، محجل الثلث، مطلق

стр. 2525

اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الصفة. من التربية النبوية: وفي مقامه بتبوك أثنى الرسول ﷺ على المتثبتين ونهى عن الخفة والنزق. فقد روى عن ابن عمر أنه قال: فزع الناس بتبوك ليلة (ويظهر أنهم تسابقوا إلى سلاحهم في شيء من التسرع) قال ابن عمر: فخرجت في سلاحى حتى جلست إلى سالم مولى أبي حذيفة وعليه سلاحه، فقلت، لأقتدين بهذا الرجل الصالح من أهل بدر، فجلست إلى جنبه قريبًا من قبة رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ علينا مغضبا فقال: أيها الناس ما هذا النزق ما هذه الخفة ما هذا النزق؟ ألا صنعتم ما صنع هذان الرجلان الصالحان؟ يعنينى وسالما مولى أبي حذيفة. ولما انتهى ﷺ إلى تبوك وضع حجرًا قبلة مسجد تبوك بيده وما يلي الحجر، ثم صلى الظهر بالناس، ثم أقبل عليهم فقال: ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن (١). وكان ابن عمر يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فقام يصلى من الليل، وكان يكثر التهجد من الليل، ولا يقوم إلا استاك، وكان إذا قام يصلى صلى بفناء خيمته، فيقوم ناس من المسلمين فيحرسونه. فصلى ليلة من تلك الليالى، فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتنى الصلاة تيممت وصليت، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من كان قبلي يحرمونها، والخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي، قالوا: وما هي يا رسول الله فقال: قيل لي سل فكل نبي قد سأل، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله (٢). لا أثر للرومان على الحدود: من المتفق عليه بين كتاب المغازي وأصحاب السير أن الرسول ﷺ لم
следующие страницы →