← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

قال: هذا احد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن فرأى عليه من الحق - حين ألم رسول الله ﷺ ببلده - أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام .. فسلموا عليه، فقال الناس جميعا: و ﵇ ورحمة الله، يقول الرسول ﷺ : أجيبوا عباد الله من كانوا (١). النبي يصلى الصبح بعد طلوع الشمس: ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث أن النبي ﷺ قبل وصوله تبوك بيوم واحد نام ليلته والجيش حتى طلعت الشمس، فصلى بالمسلمين بعد أن امتدت قيد رمح، فقد روى عن عقبة بن، عامر أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك حتى إذا كنا منها على ليلة استرقد رسول الله ﷺ ، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال ألم أقل لك أكلأ لنا (٢) الليل؟ فقال بلال: ذهب بي النوم، ذهب بي الذي ذهب بك، قال: فارتحل رسول الله ﷺ من ذلك المكان غير بعيد، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر، ثم هذب (٣) بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك (٤). خطبة أشبه بخطبة حجة الوداع: وفي صبيحة اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ منطقة تبوك

стр. 2522

جمع عناصر الجيش -وعددهم ثلاثون ألفا- فألقى فيهم خطبة جامعة تشبه "إلى حد ما" خطبة حجة الوداع المشهورة، حيث تضمنت هذه الخطبة في تبوك الكثير من شرائع الإِسلام والتربية الخلقية. فقد روى عن عقبة بن عامر (وهو ممن حضر بيعة العقبة وبدرًا) أن قال: لما أصبح النبي ﷺ بتبوك، جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وت وخير الملل ملة إبراهيم ﵇، وخير السنن سنن محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن وخير الأمور عواقبها، وشرّ الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر الأمور المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة. ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرًا (١)، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكم (٢) مخافة الله، وخير ما ألقى في القلب اليقين .. والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم، والسكر من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإِثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنوان، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم. والسعيد من وعظ بغيره، والشقى من شقى في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، والربا ربا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل (٣) على الله يكذبه، ومن يعف يعف

стр. 2523

عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، "ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتى أستغفر الله لي ولكم (١). وقال الواقدي: وكان رجل من بني عذرة يقال له عدى يقول: جئت رسول الله ﷺ بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس يقول: أيها الناس، يد الله فوق يد المعطى، ويد المعطى الوسطى، ويد المعطى (بفتح الطاء) السفلى. أيها الناس، اقنعوا ولو بحزم الحطب، اللهم، هل بلغت؟ ثلاثا. فقلت: يا رسول الله، كانت امرأتان اقتتلتا فرميت فأصبت إحداهما، فرمى في رميتى -يعني ماتت- كما تقول العرب: رمى في جنازته. فقال النبي ﷺ : تعقلها ولا ترثها (٢). الإيمان يمان: قالوا: وجلس رسول الله ﷺ في موضع مسجده بتبوك، فنظر نحو اليمين ورفع يديه يشير إلى أهل اليمن فقال: الإيمان يمان، ونظر نحو المشرق (وهو العراق بالنسبة لتبوك) وأشار بيده فقال: إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين (٣) أهل الوبر من نحو المشرق حيث يطلع الشيطان قرنه (٤). الرسول يتحدث عن فضل الخيل: وفي تبوك جئ إلى رسول الله ﷺ بجبنة، فقالوا: يا

стр. 2524

رسول الله إن هذا طعام تصنعه فارس، وإنا نخشى أن يكون فيه ميتة. فقال رسول الله ﷺ : ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله. وأهدى رجل من قضاعة إلى النبي ﷺ فرسا، فأعطاه رجلا من الأنصار، وأمره أن يربطه حياله استئناسا بصهيله، فلم يزل كذلك حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة ففقد صهيل الفرس، فسأل عنه صاحبه فقال: خصيته يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : فإن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، اتخذوا من نسلها وباهوا بصهيلها المشركين، أعرافها أدفاؤها (١)، وأذنابها مذابها، والذي نفسي بيده، إن الشهداء ليأتون يوم القيامة بأسيافهم على عواتقهم، لا يمرون بأحد من الأنبياء إلا تنحى عنهم، حتى أنهم ليمرون بإبراهيم الخليل، خليل الله فيتنحى لهم حتى يجلسوا على منابر من نور، يقول الناس: هؤلاء الذين أَهْرَقُوا دماءهم لربّ العالمين، فيكون كذلك حتى يقضى الله بين الناس. وكان لرسول الله ﷺ فرس اسمه الظرب (بفتح الظاء وكسر الراء)، فقام إليه، وهو بتبوك فعلق عليه شعاره (٢) وجعل يمسح ظهره بردائه. قيل: يا رسول الله، تمسح ظهره بردائك؟ قال: نعم، وما يدريك؟ . لعل جبريل أمرني بذلك، مع أني قد بت الليلة، وإن الملائكة لتعاتبنى (٣) في حسن الخيل ومسحها وقال: أخبرني خليلى جبريل أنه يكتب لي بكل حَسَّةٍ أوفيتها إياه حسنة، وإن ربى يحط عنى بها سيئة، وما من امرئ من المسلمين يربط فرسًا في سبيل الله فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلا كتب الله له بكل حبة حسنة، وحط عنه بكل حبة سيئة، قيل: يا رسول الله، وأى الخيل خير؟ قال: أدهم (٤)، أقرح، أرثم، محجل الثلث، مطلق

стр. 2525

اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الصفة. من التربية النبوية: وفي مقامه بتبوك أثنى الرسول ﷺ على المتثبتين ونهى عن الخفة والنزق. فقد روى عن ابن عمر أنه قال: فزع الناس بتبوك ليلة (ويظهر أنهم تسابقوا إلى سلاحهم في شيء من التسرع) قال ابن عمر: فخرجت في سلاحى حتى جلست إلى سالم مولى أبي حذيفة وعليه سلاحه، فقلت، لأقتدين بهذا الرجل الصالح من أهل بدر، فجلست إلى جنبه قريبًا من قبة رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ علينا مغضبا فقال: أيها الناس ما هذا النزق ما هذه الخفة ما هذا النزق؟ ألا صنعتم ما صنع هذان الرجلان الصالحان؟ يعنينى وسالما مولى أبي حذيفة. ولما انتهى ﷺ إلى تبوك وضع حجرًا قبلة مسجد تبوك بيده وما يلي الحجر، ثم صلى الظهر بالناس، ثم أقبل عليهم فقال: ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن (١). وكان ابن عمر يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فقام يصلى من الليل، وكان يكثر التهجد من الليل، ولا يقوم إلا استاك، وكان إذا قام يصلى صلى بفناء خيمته، فيقوم ناس من المسلمين فيحرسونه. فصلى ليلة من تلك الليالى، فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتنى الصلاة تيممت وصليت، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من كان قبلي يحرمونها، والخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي، قالوا: وما هي يا رسول الله فقال: قيل لي سل فكل نبي قد سأل، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله (٢). لا أثر للرومان على الحدود: من المتفق عليه بين كتاب المغازي وأصحاب السير أن الرسول ﷺ لم

стр. 2526

يتحرك من المدينة بذلك الجيش الضخم (ثلاثين ألفا) وفي ذلك الفصل من الحر الشديد مع العسرة والضائقة المالية الشديدة التي عليها عامة أصحابه، إلا بعد أن تلقى معلومات تفيد أن القيادة الرومانية في الشام تحشد الجيوش وأن طلائع هذه الجيوش (وهي أربعون ألفا) قد وصلت البلقاء (١) قريبا من حدود جزيرة العرب. فاهتم لهذه الأنباء اهتمامًا شديدًا، فجهز ذلك الجيش الإِسلامي الضخم، ليلقى على الرومان درسًا عمليا ويفهمهم أنه قادر عسكريا على حماية حدود الجزيرة من أي اعتداء قد يكون الرومان (فعلًا) قد خططوا للقيام به اعتمادًا على قواتهم الضاربة الضخمة المدربة المجهزة أحسن تجهيز. ولكن الرسول ﷺ لما وصل بجيشه تبوك بعث منها بطلائعه وفصائل استخباراته العسكرية، فلم يجدوا أي أثر لأية حشود رومانية أو عربية متنصرة موالية لهم على حدود الشام الجنوبية. وأمام هذا الواقع يبرز سؤال، وهو لماذا لم تكن الحشود الرومانية موجودة على حدود الجزيرة العربية، كما جاء في الإخبارية التي بلغت الرسول ﷺ وهو بالمدينة، فتحرك على أثرها بجيشه في تلك الظروف التي يمكن تسميتها بأنها ظروف استثنائية، نظرًا لشدة الحر في ذلك الفصل والضائقة المالية التي عليه عامة المسلمين. هل نكل الرومان عن الحرب التي كانوا يعدون لها، وهل نتيجة هذا النكول تأكد الرومان من جدية التحركات العسكرية الإِسلامية الضخمة، أم أن الإِخبارية عن تحشدات الرومان كانت غير صحيحة، وإنما أوعز الرومان إلى وكلاء استخباراتهم من العرب الموالين لهم بإشاعاتها لإِرهاب المسلمين واختبار مدى قوتهم الحربية ومقدرتهم القتالية فحسب؟ إلى هذا الرأي الأخير يميل ابن برهان الدين حيث قال في السيرة الحلبية: ولم يكن ذلك (أي الحشد الروماني) حقيقة، وإنما ذلك شيء، قيل لن يبلغ ذلك المسلمين ليرجف به، وكان ذلك في عسرة في الناس وجدب في

стр. 2527

البلاد (١). كما يشير الواقدي أيضًا إلى أن مسألة إشاعة التحشدات الرومانية على حدود الجزيرة العربية يوم ذاك، كانت إشاعات غير صحيحة، فقد جاء في مغازيه: وكانت الساقطة - وهم الأنباط - يقدمون المدينة بالدرمك (٢) والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإِسلام، فإنما أخبار الشام عند المسلمين كل يوم، لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة فذكروا أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسروا بها، وتخلف هرقل بحمص، ثم يقول الواقدي: ولم يكن ذلك، وإنما شيء قيل ولم يكن شيء أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوه منهم من العدد والعدة والكراع (٣). وعلى أي كان الحال، فسواء كان سبب عدم المواجهة العسكرية بين المسلمين والرومان على الحدود نكول الرومان عن الحرب بعد أن استعدوا لها، أو أنهم لم يستعدوا أصلًا وإنما أشاعوا ذلك للإِرجاف والإِرهاب، فإن هذه الحملة العسكرية الضخمة التي قادها الرسول ﷺ إلى تبوك قد حققت للإِسلام والمسلمين مكاسب عظيمة. منها (وهي أهمها) أن النبي ﷺ قد تحدى الرومان بحملته هذه التي أوشكت على اجتياز حدود الشام، وبث الرعب في نفوسهم بحيث زالت من أذهانهم تلك الصورة المغلوطة المرتسمة في أذهانهم عن المسلمين الذين لا ينظر إليهم هؤلاء الرومان إلا على أساس أنهم جماعات ضعيفة متفرقة من البدو الذين لا ضابط لهم ولا انضباط، وإنما هدفهم من وراء الحروب الحصول على شيء من المال والمال فقط. ولا أدل على أن الرعب قد انتاب القيادة الرومانية في الشام، من أنها (رغم قواتها الضاربة) لم تحرك ساكنا، ولم تبعث بجندى واحد إلى

стр. 2528

الحدود، عندما بلغها أن الرسول ﷺ قد وصل بجيشه تبوك، وأنه صار فيما يشبه التحدى لهذه القيادة الرومانية المتغطرسة، يستعرض على حدودها قواته الضاربة البالغة ثلاثين ألفا. فكيف أحجمت الإمبراطورية الرومانية في الشام عن مواجهة التحدى بتحد مثله، مع أنها أصبحت -بعد انتصارها على الفرس- تعد أقوى قوة عسكرية في العالم كله، كيف ركنت إلى التزام الهدوء، ولم تفكر في مواجهة الجيش النبوي، رغم أنه أقام على حدودها الجنوبية حوالي عشرين يوما يشن الغارات على أطرافها، ويخضع حلفاءها والموالين لها من غير الرومان. لا شك أنه الرعب قد انتاب قلوب قادة الجيش الروماني، لا سيما بعد التجربة القاسية التي مرت بهم على أيدى جيش الإسلام الصغير في معركة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، حيث واجهوا الأهوال من هذا الجيش الصغير الذي كانت نسبة قواتهم يوم ذاك سبعين لواحد، ولهذا فضلوا عدم مواجهة الجيش النبوي وظلوا يرقبونه في جزع حتى عاد إلى المدينة مرفوع الرأس منتصرا أعظم انتصار، بعد أن قرر عدم اجتياز حدود الشام، والاكتفاء بتحدى الرومان وإرهابهم، مؤكدًا بهذا التحدى قدرته على حماية الجزيرة العربية من عدوان أي عدو يفكر في الاعتداء عليها. بل لقد ذكر المؤرخون أن الملك هرقل الذي كان يقيم بحمص، بعث إلى الرسول ﷺ يتودد إليه، وهو بتبوك، حيث أرسل مبعوثًا خاصًّا برسالة يخبر فيها النبي ﷺ أنه مسلم، فقد جاء في كتب السيرة، أن الملك هرقل بعد أن فشل (مرة أخرى) في إقناع أركان دولته وهو بحمص، في الدخول في الإسلام لاينهم حتى سكن غضبهم عليه، ثم بعث إلى النبي ﷺ كتابًا يقول فيه: إننى مسلم ولكننى مغلوب على أمرى، فقبل الرسول ﷺ هديّته، ولكنه لم يصدقه فيما زعم من أنه مسلم، وقد نقل المؤرخون عن حامل كتاب هرقل من حمص إلى الرسول ﷺ لأنه قال: جئت تبوك فإذا هو (أي رسول الله ﷺ ) جالس بين ظهرانى أصحابي محتبيا فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: هو هذا، فأقبلت أمشى حتى جلست

стр. 2529

بين يديه فناولته كتابى، فوضعه في حجره، ثم قال: من أنت؟ فقلت: أنا أحد تنوخ. قال: هل لك في الإِسلام دين الحنيفية مِلَّةُ إبراهيم. قلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك النبي ﷺ وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، فلما فرغ من قراءة كتابى قال: إن لك حقًّا وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنّا قوم سفر، فقال رجل: أنا أجوزه، فأتى بحلة فوضعها في حجرى، فسألت عنه فقيل لي: إنه عثمان بن عفان. ومن المكاسب السياسية والعسكرية الكبرى التي حققتها حملة تبوك العظمى تصفية جميع الجيوب المعادية للإِسلام في شمال الجزيرة العربية عسكريًا، وخاصة العناصر العربية التي تدين بالوثنية، وكانت التصفية العسكرية في شمال الجزيرة العربية تصفية كاملة شاملة بحيث لم يعد الرسول ﷺ من تبوك إلّا وقد أصبحت جميع المناطق الشمالية في الجزيرة خاضعة للإِدارة الإِسلامية وتابعة لها إما بالدخول في الإِسلام طواعية وإما بالاعتراف بسلطان هذا الدين والخضوع له عن طريق أداء الجزية للمسلمين، وهذا خاص بالعرب الذين كانوا على النصرانية مثل ملك دومة الجندل كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب.

стр. 2530

الفصل الرابع • سيطرة المسلمين على جنوب الشام. • رؤساء نصارى جنوب الشام يتوافدون على النبي ﷺ في تبوك ويعقدون معه الصلح. • خالد بن الوليد يفتح الجندل. • وقوع ملك دومة أسرًا ومقتل أخيه. • النبي يفكر في اجتياز حدود الشام بجيشه. • عودة الجيش إلى المدينة ظافرًا. • محاولة المنافقين إغتيال النبي ﷺ . • قصة مسجد الضرار وإحراقه. • موت زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ. • قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة وقصة نزول القرآن بتوبتهم. • القرآن يندد بالمنافقين ويفضحهم.

стр. 2531

كذلك من أهم مكاسب حملة تبوك وفوائدها المعنوية العظمى، سريان هيبة الإِسلام إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية وداخل بلاد الشام نفسها، مما كان له الأثر في تخوف بعض الحاكمين المحليين ورجال الدين المسيحي في الركن الجنوبي من الشام حيث يقع رأس خليج العقبة، فقد جاء البعض من الحكام المحليين ورجال الدين هؤلاء إلى تبوك باختيارهم، جاءوا إلى النبي ﷺ عندما علموا بوجوده في تبوك، وعقدوا معه صلحًا وطلبوا منه الأمان على أن يكونوا سلمًا له، ولا يعينون عدوا عليه، فأعطاهم ذلك كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. ومجئ هؤلاء المسيحيين خاضعين طائعين للنبي ﷺ من الشام يعتبر أول فتح إسلامي في بلاد الشام التي تعتبر يوم ذاك جزءًا من الإِمبراطورية الرومانية فإيلات التي جاء منها إلى تبوك هؤلاء النصارى تعتبر جزءًا من فلسطين، وفلسطين جزء من الشام. ولم يكن أهل إيلة (إيلات) النصارى وحدهم الذين جاءوه وأعطوه الجزية وأعلنوا قبول سلطان الإِسلام، بل جاءه أيضًا حكام مناطق أخرى في الشام وهي أذرح (١) وجرباء (٢). فقد جاء في كتب التاريخ المعتمدة أن ملك أيلة (إيلات) وأهل أذرح وجرباء، لما بلغهم وصول النبي ﷺ إلى تبوك خافوا أن يتقدم إليهم بجيشه فسارعوا بالمجئ إليه ليبرموا معه الصلح باذلين له الطاعة والجزية التي يدفعها المعاهدون للمسلمين حسب النظم التي سنها القرآن الكريم. فقد ذكر الواقدي أن أهل دومة وتيماء (٣)، قد خافوا النبي ﷺ لما رأوا العرب قد أسلمت، وقدم يحنة بن رؤبة على النبي ﷺ ، وكان يحنة ملك

стр. 2532

أيلة (إيلات)، وأشفقوا أن يبعث إليهم النبي ﷺ بجيش، وأقبل مع يحنة أهل جرباء وأذرح، فأتوه فصالحهم فقطع عليهم الجزية (أي فرضها). وقال الواقدي في موضع آخر: حدثني يعقوب بن محمد الظفرى، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى النبي ﷺ عليه صليب من ذهب، وهو معقود الناصية، فلما رأى النبي ﷺ كفر (١) وأومأ برأسه، فأومأ إليه النبي: ارفع رأسك، وصالحه يومئذ، وكساه رسول الله ﷺ بردًا يمنة (٢)، وأمر له بمنزل عند بلال (٣). وكتب رسول الله ﷺ ليحنة وقومه وثيقة الصلح والأمان وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، لسفنهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله، ولمن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، ومن أحدث حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماءًا يريدونه، ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر) هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بإذن رسول الله ﷺ ووضع رسول الله ﷺ الجزية على أهل أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة وكانوا ثلاثمائة رجل. كما كتب كذلك لأهل جرباء أذرح هذه الوثيقة: (من محمد رسول الله ﷺ لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة والله كفيل) (٤). قال الواقدي: نسخت كتاب أذرح وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم،

стр. 2533

من محمد النبي ﷺ لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة والتغرير إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون، حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه. كذلك عقد الرسول ﷺ معاهدة صلح مع حكام مقنا (١) وكتب لهم بهذه المعاهدة وثيقة جاء فيها: (أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد وأن عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم) (٢). وكان عبيد بن ياسر (٣) أحد بني سعد ورجل من جذام (٤) أحد بني وائل، قدما على النبي ﷺ بتبوك، فأسلما وأعطاهما النبي ﷺ ريع مقنا مما يخرج من الحر ومن الثمر من نخلها وربع المغزل، وكان عبيد بن ياسر فارسًا، وكان الجذامى راجلًا، فأعطى رسول الله ﷺ فرس عبيد بن ياسر مائة ضفيرة - والضفيرة الحلة - فلم يزل يجرى ذلك علي بني سعد وبنى وائل إلى يوم الناس هذا، ثم إن عبيد بن ياسر قدم مقنا وبها يهودية، وكانت اليهودية تقوم على فرسه فأعطاها ستين ضفيرة من ضفائر فرسه، فلم يزل يجرى على اليهودية حتى نزعت آخر زمان بني أمية، فلم تردّ إليها ولا إلى ولد عبيد (٥). وفي فتوح البلدان للبلاذري: جاء نص وثيقة الصلح لأهالى مقلنا: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بني حبيبة وأهل مقنا، سلم أنتم فإنه أنزل على أنكم راجعون إلى قريتكم فإذا جاءكم كتابى هذا، فإنكم آمنون ولكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله ﷺ قد غفر لكم ذنوبكم (أي ما ارتكبتم من مخالفات ضد المسلمين) وكل دم اتبعتم به، لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول الله أو رسول رسول الله، وإنه لا

стр. 2534

ظلم ولا عدوان، وأن رسول الله ﷺ يجيركم مما يجير منه نفسه، فإن لرسول الله ﷺ بزتكم ورقيقكم والكراع والحلقة، إلا ما عفا عنه رسول الله ﷺ ، أو رسول رسول الله، وإن عليكم بعد ذلك ربع مع أخرجت نخيلكم وربع ما صادت عرككم، وربع ما اغتزلت نساؤكم، وإنكم قد تريثتم بعد ذلكم، ورفعكم رسول الله ﷺ عن كل جزية وسخرة، فإن سمعتم وأطعتم، فعلى رسول الله ﷺ أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم، ومن ائتمر في بني حبيبة وأهل مقنى من المسلمين خيرًا فهو خير له، ومن أطلعهم بشر فهو شر له، وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل بيت رسول الله ﷺ (١). فتح دومة الجندل (٢): وأهم الحركات العسكرية التي قام بها الجيش النبوي، والرسول ﷺ مقيم في تبوك تلك الحركة التي قادها خالد بن الوليد وأضاف بها منطقة

стр. 2535

دومة الجندل إلى حظيرة سلطان الإِسلام . فقد كانت دومة الجندل تشكل مملكة صغيرة يحكمها ملك عربي حضرمى من كندة وكان على دين النصرانية، وكان شعب مملكة دومة الجندل أغلبيته الساحقة من قبيلة كلب القحطانية، وهي قبيلة كثيرة العدد، وذات قدرة قتالية ممتازة، وهذا أمر مشهور عن هذه القبيلة في الجاهلية والإِسلام. وكانت مملكة دومة الجندل النصرانية هي الجيب الوحيد الذي بقى في شمال الجزيرة العربية حتى السنة التاسعة للهجرة غير خاضع لسلطان الإِسلام، ولما كان من برنامج الرسول ﷺ توحيد الجزيرة العربية كلها تحت لواء الإِسلام بحيث لا يبقى في أية بقعة من هذه الجزيرة شبر واحد غير خاضع لسلطان الإِسلام، فقد قرر الرسول ﷺ إخضاع نصارى دومة الجندل إما بالسلم والصلح، وإما بالحرب. وبناءًا على هذا القرار استدعى الرسول ﷺ القائد الشهير خالد بن الوليد، وأبلغه أنه قد قرر غزو دومة الجندل، وأنه ﷺ قد عين خالدا قائدًا على الجيش الذي سيتولى هذه المهمة. وقد انتخب رسول الله ﷺ أربعمائة وعشرين فارسًا من الجيش النبوي المرابط في تبوك كى يقودهم خالد ليقوموا بتصفية الجيب المعادى المتبقى في دومة الجندل. ولما كان خالد يعرف مبلغ القوات الكثيفة التي توجد للأعداء في دومة الجندل، ومدى قدرة هؤلاء الأعداء القتالية، رأى (حسب مقياس الحروب المجرد) أن هذه الكتيبة من الفرسان التي عليه أن يقتحم بها معاقل دومة الجند التي من أهمها قلعتها التاريخية الحصينة، رأى أن هذه الكتيبة غير كافية لتحقيق الهدف الذي يريد الرسول ﷺ تحقيقه من وراء هذه الحملة التي كلف خالد القيام بها. فقد قال خالد - وهو يراجع رسول الله ﷺ بهذا الصدد -: يا رسول الله كيف لي به (أي أكيدر ملك دومة الجندل وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في نفر يسير؟ (١).

стр. 2536

فطمأن الرسول ﷺ القائد خالدا بأنه (رغم القوة الصغيرة التي سيقودها) سيظفر بالملك أكيدر، حيث سيأتي به أسيرًا، فقد قال الرسول ﷺ لخالد: ستجده يصيد البقر فتأخذه (١). لقد قيم خالد الوضع من وجهة النظر العسكرية المجردة، فبرز أمامه سؤال كبشر عادى بالنسبة للرسول الأعظم ﷺ ، وهو هل في إمكان أربعمائة وعشرين فارسا أن يتغلبوا على عدة آلاف يعتصمون بالقلاع والأسوار؟ ولم يكن خالد - من وجهة النظر العسكرية المجردة - مخطئا في تساؤله، ولكنه كمؤمن عميق الإيمان اطمأن إلى أنه سينتصر على جيوش مملكة كندة في دومة، رغم التفوق العددى الذي تمتاز به هذه الجيوش على كتيبة خالد، لأنه واثق من صدق ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه سيقبض جملى ملك دومة الجندل ويأتى به أسيرًا. خالد يتحرك من تبوك: وبعد أن كملت تجهيزات كتيبة الفرسان التي تقرر أن يقودها خالد إلى دومة الجندل، تحرك بها لإِنهاء المهمة الموكلة إليه، وما زال خالد يتحرك على تعبئة حتى وصل إلى مكان قريب من قلعة دومة الجندل التي يتحصن بها الملك أكيدر في جمع كثيف من جنده. قال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد مني تبوك في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل - وكان أكيدر من كندة قد ملكهم وكان نصرانيا - فقال خالد: يا رسول الله كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في نفر يسير؟ فقال رسول الله ﷺ : ستجده يصيد البقر فتأخذه. قال: فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين التى ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت تنيف بن عامر من كندة، وصعد على ظهر الحصن من الحر وقينته تغنيه، ثم دعا بشراب فشرب، فأقبلت البقر (الوحشية) تحك

стр. 2537

بقرونها باب الحصن، فأقبلت امرأته فأشرقت على الحصن فرأت البقر فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم، هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا، قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد. قال: يقول أكيدر: والله ما رأيت جاءتنا ليلة بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل إذا أردت أخذها شهرًا أو أكثر، ثم أركب ركب بالرجال وبالآلة .. فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم (١). كان خالد يعلم أن الملك أكيدر وحاشيته يعتصمون بقلعة دومة الجندل، وهي قلعة حصينة لها أسوار عالية وأبراج عظيمة وباب من الخشب السميك جدا، وأنه لذلك من الصعب اقتحامها إلا بعد ضربها بآلات الحصار الثقيلة مثل الراجمات والقاذفات باللهب مثل النجنيق والعرادات والدبابات التي يستخدمها الجنود لنقب الأسوار أو تسلقها واقتحامها كى ينفذوا إلى الداخل. كيف استسلمت القلعة: وخالد ليس لديه شيء من هذه الأدوات الضرورية لمن يريد اقتحام مثل قلعة دومة الجندل، وإنما نجاء في قوة صغيرة خفيفة من الفرسان الذين لا يمكنهم بأي حال من الأحوال فتح القلعة عن طريق اقتحامها عنوة. وقد رأينا فيما بعد كيف اشترك في فتحها للمرة الثانية جيشان عام ١٢ هـ بقيادة خالد بن الوليد وعياض بن غنم الفهرى الذي ظل سنة يحاصرها ولم يستطع فتحها إلا بمساندة خالد. لذلك عندما اقترب خالد برجاله من القلعة، قرر أن يكمن بفرسانه في مكان خفى بحيث لا يعلم بوجوده أحد من الأعداء، وذلك لانتظار فرصة مواتية تمكنه؛ من انجاز مهمته المتمثلة في فتح دومة الجندل، وحتى الخيل المدربة التي يقودها خالد امتنعت عن الصهيل حسب إشارة أصحابها من المسلمين، وذلك كى لا يسمعها الأعداء فيتنبهوا.

стр. 2538

ونجح خالد في كمينه نجاحا مكنه من السيطرة على دومة الجندل دونما أي قتال يذكر، فقد كان من توفيق الله تعالى أن خرج الملك أكيدر وبعض أفرأد أسرته في الليل ومعه أخوه الأمير حسان لمطاردة البقر الوحشى، وهم لا يغلمون بمكان خالد وفرسانه، وعندما ابتعدوا من القلعة - وخالد يترصدهم - أمر فرسانه فطوقوا الملك أكيدر وصحبه فلم يقاوم لأنه في قلة قليلة من رجاله، ولكن أخاه الأمير حسان رفض الاستسلام فقاتل حتى قتل، أما المملوكان، فقد تمكنا من الإفلات ورجعا إلى القلعة ليخبرا قادة الجيش فيها بما حدث لملكهم الذي أصبح في أسر خالد بن الوليد. فتنبه المعتصمون بالقلعة واستعدوا للقتال. ولكن ملكهم أكيدر الأسير أمرهم بإلقاء السلاح وفتح أبواب الحصن للمسلمين، وذلك حسب اتفاق تم بينه وبين القائد خالد بن الوليد، وذلك أن خالدًا عرض على الملك أكيدر أن يحقن دمه ويأمر المتحصنين في القلعة بإلقاء السلاح وفتح أبوابها للمسلمين فقبل فدخلوها وسيطروا عليها واستولوا على ما فيها من أموال ورقيق، ومنحوا كل جنود أكيدر الأمان على أرواحهم. قال أصحاب المغازي يصفون وقوع الملك أكيدر في قبضة خالد بن الوليد وفتح قلعة دومة الجندل دونما ققال: (فلما فصلوا -أي الملك أكيدر وحاشيته- من الحصن، وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل فها فرس ولا يتحرك، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر وامتنع حسان، فقاتل حتى قتل، وهرب الملو كان ومن كان معه من أهل بيته فدخلوا الحضن، وكان على حسان قباء مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله ﷺ مع عمرو بن أمية الضمرى حتى قدم عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر. وتشير مصادر التاريخ إلى أن خالدا لم يتمكن من فتح دومة الجندل إلا بعد أن غادر الرسول ﷺ منطقة تبوك عائدا إلى المدينة، بدليل أن خالدا قدم المدينة على رسول الله ﷺ ومعه الملك أكيدر (١)، وكان رسول الله

стр. 2539

- ﷺ قد أصدر أمره إلى القائد خالد - وهو يوليه على كتيبة الفرسان المكلفة بفتح دومة الجندل - أن لا يقتل الملك أكيدر عندما يقبض عليه. وأعطى بعض أصحاب المغازي مزيدا من التفاصيل عن فتح دومة الجندل - كل حسب علمه فقالوا: وكان رسول الله ﷺ قال لخالد بن الوليد: إن ظفرت بأكيدر فلا تقتله وائت به إلي، فإن أبى فاقتلوه، فطاوعهم. فقال بجير بن بحبرة من طئ شعرًا يذكر فيه قول النبي ﷺ لخالد (وإنك تجده يصيد البقر) وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن: تبارك سائق البقرات أنِّي ... رأيت الله يهدى كل هاد ومن يك عاندا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد ... وقال خالد بن الوليد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتى بك رسول الله ﷺ على أن تفتح لي دومة؟ قال: نعم، ذلك لك. فلما صالح خالد أكيدر، وأكيدر في وثاق انطلق به خالد حتى أدناه من باب الحصن، ونادى أكيدر أهله: افتحوا باب الحصن، فرأوا ذلك فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم والله لا يفتحون لي ما رأوق في وثاق فخل عنى فلك الله والأمانة أن أفتح لك الحصن إن أنت صالحتنى على أهله. قال خالد: إني أصالحك. فقال أكيدر: إن شئت حكمتك وإن شئت حكمتنى. قال خالد: بل نقبل منك ما أعطت. فصالحه على ألفى بعير، وثمانمائة فرس وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول الله ﷺ ، فيحكم فيهما بحكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله ففتح الحصن، فدخله خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، ثم خرج قافلا إلى المدينة، ومعه أكيدر ومضاد، فلما قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ صالحه على الجزية (١) وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما، وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابًا فيه أمانهم وصلحهم وختمه يومئذ بظفره.

стр. 2540

وذكر عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم على رسول الله ﷺ فجعل المسلمين يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. وذكر بعضهم أن الناس كانوا يتلمسون قباء مضاد أخي أكيدر، لا قباء أكيدر. هل أسلم أكيدر: وبعضهم يذكر أن أكيدر الملك أسلم وأن الرسول ﷺ كتب له كتابًا بعد إسلامه هذا نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله كيدر جين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها. وإن لنا الضاحية من الضحل (١) والبور (٢) والمعامى (٣) وأغفال الأرض (٤)، والحلقة، والسلاح، والحافر (٥)، والحصن، ولكم الضامنة من النخل (٦)، والمعين من المعمور (٧) بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم (٨). ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات (٩)، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين. ومما يدل على أن أكيدر قد أسلم أن أهل الفتوح مجمعون على أن خالدًا بن الوليد عام ١٢ هـ انحدر بجيش كثيف من العراق إلى دومة الجندل بعد

стр. 2541

أن ارتد أكيدر ومنع الزكاة وقاوم جيوش الإسلام التي يقودها عياض بن غنم، ففتح خالد وعياض دومة الجندل، وقتل أكيدر كمتمرد خائن مرتد، وأما ما ذكر من أن الخليفة الفاروق أجلى الملك أكيدر عن دومة فخبر لا يصح. والذي أسلم وثبت إسلامه فهو حريث أخو الملك أكيدر، فأقره المسلمون على ما في يده وحريث هذا هو الذي تزوج ابنته يزيد بن معاوية. أما الذي بقى على نصرانيته من البيت المالك في دومة الجندل، فهو مضاد أخو الملك أكيدر فأمَّنهُ الرسول ﷺ وكتب له وثيقة وضع فيها عليه الجزية مقابل الحماية والأمان، وهذه الوثيقة هي التي ختمها الرسول ﷺ بظفره حين لم يكن في يده خاتم. وكان بلال بن الحارث المزني يحدّث يقول: أسرنا أكيدر وأخاه فقدمنا بهما على النبي ﷺ ، وعزل يومئذ للنبي ﷺ صفى خالص قبل أن يقسم شيء من الفيء ثم خمس الغنائم، فكان للنبي ﷺ الخمس (١)، وكان عبد الله بن عمر المزني يقول: كنا أربعين رجلا من مزينة مع خالد بن الوليد، وكانت سهامنا خمس فرائض (٢)، كل رجل مع سلاح، يقسم علينا درع ورماح، وروى أن أكيدر حين قدم على رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد، كان عليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهر. وذكر عن يونس بن بكير أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الأعراب فالله أعلم (٣).

стр. 2542

استشارة الرسول أصحابه في اجتياز الحدود إلى الشام: ويذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ بعد أن وصل إلى تبوك، ولم يجد أي أثر للحشود الرومانية على الحدود (كما بلغه) جمع كبار قادة جيشه ومستشاريه وشرح لهم الوضع وشاورهم فيما إذا يرون أن يجتاز حدود الشام بجيشه أو يعود بالجيش إلى المدينة والنبي ﷺ إنما زحف بهذا الجيش إلى تبوك لأنه بلغه أن عدوانًا مبيتًا تدبره الإمبراطورية الرومانية على الجزيرة العربية. وفي هذا الاجتماع الذي دعا إليه الرسول ﷺ تكلم الفاروق عمر بن الخطاب فاقترح على الرسول ﷺ أن يعود بالجيش إلى المدينة دون أن يتقدم لاختراق حدود الشام، وأيد عمر اقتراحه هذا بأن الحملة قد حددت أهدافها، وهي إرهاب العدو الذي لم تجرؤ أية قوات تابعة له على الظهور أمام المسلمين رغم أن للعدو في الشام من الرومان وحلفائهم العرب المتنصرة ما لا يقل عن ربع مليون محارب، والمسلمون إنما كانوا في تبوك بقيادة نبيهم ثلاثون ألف مقاتل فقط. فقد قال أصحاب المغازي: وشاور رسول الله ﷺ في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت أمرت بالمسير فسر. قال رسول ﷺ : لو أمرت به ما استشرتكم قال عمر: يا رسول الله، فإن للروم جموعًا كثيرة (يعني بالشام) وليس بها أحد من أهل الإِسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله لك في ذلك أمرًا (١). وقد أخذ النبي ﷺ بمشورة ابن الخطاب، فعاد بالجيش إلى المدينة دون أن يجتاز بجيشه الحدود إلى الشام. المنافقون يحاولون اغتيال النبي ﷺ -: والعجيب الغريب في الأمر أن قوة الإِسلام بعد أن أخذت تتعاظم وأخذت جزيرة العرب - بعد نجاح غزوة تبوك وإسقاط مملكة الكنديين

стр. 2543

بدومة الجندل في الشمال وتحدى الإمبراطورية الرومانية نفسها وأرهابها وإجبارها على التزام الهدوء بعد أن كانت تفكر في غزو الجزيرة - بعد كل هذه الإنجازات والانتصارات التي جعلت الإسلام (بكل معاني الكلمة) صاحب السلطان المطلق في الجزيرة العربية وأجزاء من الشام نفسها مثل أذرح وإيلات .. بعد كل هذه الانجازات والانتصارات أخذ نشاط الباطنيين من الرتل الخامس (المنافقين) يتعاظم ضد الإسلام وضد النبي ﷺ بصفة خاصة، ولعل ذلك مرده الحسد الذي جعلهم يفقدون صوابهم. فقد أخذ هؤلاء المنافقون يضاعفون من تآمرهم ويتحركون على صورة تحد واستفزاز أثناء التحرك إلى تبوك وبعد العودة منها، وبأسلوب لم يسبق له مثيل في نشاطاتهم التخريبية. ففي غزوة تبوك بذل هؤلاء المنافقون محاولات يائسة فلجأوا (وكحركة مذبوح) إلى أعمال استفزازية ونشاطات تخريبية غلى كل الأصعدة لعلهم ينالون بها من وحدة الإِسلام الشامخة، ولعلهم يوصلون سوس الفرقة إلى صميم الأخوة الإِسلامية التي أقامها الإِسلام والتي لم تشهد جزيرة العرب لها مثيلاث تاريخها. غير أن كل محاولات هؤلاء الباطنيين باءت بالفشل وتحطمت على صخرة الإِيمان الذي يتمتع به كل فرد من أتباع محمد ﷺ الصادقين. ورغم انكشاف أمرهم للرسول القائد ﷺ والقادر على إنزال أقسى العقوبات بهم فإنه لم يتخذ ضدهم أي إجراء، بل تركهم للأمة كى تحاسبهم بنفسها. فحاسبتهم فعلا أقسى حساب، حيث كانت عقوبتهم من الشعب المقت والنبذ والازدراء، "حتى تلاشوا - تلقائيا - بأحقادهم وضغائنهم، وشمخ الإِسلام رغم أنوفهم حتى امتد رواقه فشمل ما بين المشرق والمغرب .. فقد رأينا (كما تقدم) في بداية غزوة تبوك كيف حاول رأس النفاق عبد الله بن أُبَيّ (وبأسلوب ماكر خبيث) أن يشطر الجيش الإِسلامي ويدخل الفوضى والاضطراب داخل وحداته قبل أن يغادر المدينة فخرج ذلك المنافق

стр. 2544

في عسكر عظيم من أنصاره الذين يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر .. خرج بهم على أنهم جزء من الجيش النبوي الزاحف إلى تبوك، ولكن هذا المنافق لم يكد يصل بعسكره مشارف المدينة حتى انفصل بهم راجعا وهدفه إغراء بعض الوحدات من الجيش النبوي بالتمرد والسير على نهجه الخبيث كى تتفكك وحدة الجيش النبوي. ولم يكتف ابن أُبَيّ بالفعل الخبيث الذي فعل، بل لجأ إلى القول الذي يحمل كل معاني الإرجاف وتوهين العزائم، فأعلن أن رجوعه بأصحابه وانفصاله عن الجيش النبوي لأنه بزعمه لا يريد أن يغامر بأصحابه مع محمد في معركة قال عنها (سلفا): إنها خاسرة لأن المسلمين بزعمه غير قادرين على مواجهة جيوش الإمبراطورية الرومانية. فقد قال عبد الله بن أبي - وهو يعود بأصحابه إلى المدينة -: (أيظن محمد قتال بني الأصفر لعبا كأني بأصحابه غدا مقرنين في الجبال) (١). وقد بلغ الرسول ﷺ مقالة هذا المنافق وصنيعه فلم يأبه له ولم يتخذ ضده أي إجراء، بل واصل التحرك إلى تبوك حتى حققت الحملة كل أهدافها. وبالرغم من أن زعيم المنافقين عبد الله بن أبي قد رجع بأكثر أصحابه إلى المدينة دون أن يشتركوا في غزوة تبوك، فإن فريقا من هؤلاء المنافقين انخرط في سلك الجيش النبوي وحاول أثناء تحرك الجيش إلى تبوك أن يكون عامل توهين وتفريق وتشكيك بين وحدات هذا الجيش الضخم، إلا أنه فشل فشلا ذريعا، واستمر الجيش في وحدته وتماسكه حتى وصل تبوك وحتى حققت الحملة العظيمة أهدافها وعاد الجيش إلى المدينة رافع الرأس منتصرًا قد أرهب الروم وأدخل الرهب في نفوسهم وطهر (عسكريا) جميع الجيوب المناوئة للإِسلام في الشريط الشمالي للجزيرة العربية. وفي العودة من تبوك ارتكب الباطنيون المنافقون المندسون في الجيش النبوي أكبر حماقة في تاريخ المتاعب التي كانوا يثيرونها ضد النبي ﷺ وأصحابه، حيث حاولوا هذه المرة ارتكاب أكبر جريمة في التاريخ وهي اغتيال الرسول ﷺ بأسلوب جبان ماكر

стр. 2545

خبيث لا يتقنه إلا المنافقون الجبناء. فقد وضع المنافقون المتآمرون خطة جهنمية للتخلص من الرسول الأعظم ﷺ ، وكان هؤلاء المنافقون قد وضعوا خطة الاغتيال على أساس أنها لو نجحت ستبدو وكأنها قضاء وقدر لأن ما قرر هؤلاء المنافقون أن يكون وسيلة قتلة النبي صلى الله عليه سلم له نظائر، فكثيرا ما يحدث لأفراد سبقوه. فلم يقرر المنافقون (وهم يضعون خطة الاغتيال) أن يقتلوا النبي ﷺ بسيف أو رمح أو سهم، وإنما قرروا زيادة في الكتمان أن يكون قتله عن طريق نفور الناقة التي يركبها وتردِّيها في واد سحيق بحيث لا يكون هناك أمل في سلامته إذا ما تردّت به الناقة في الوادي، ولا يكون مجال لاتهام أحد بقتله. كيف فشلت خطة المنافقين في الاغتيال: كانت خطة المنافقين للاغتياك قابلة للنجاح بسهولة لو أن الجيش كله سلك الطريق الذي كان من المقرر أن يسلكها وهي عقبة تشرف على واد سحيق. فقد علم المنافقون أنه في هذه العقبة الخطرة سيتزاحم الآلاف من راكبى الخيل والإِبل حول الرسول ﷺ ، ومن السهل على فئة قليلة من الرجال الازدحام حول الناقة التي يركبها الرسول ﷺ لتنفيذ المؤامرة بحيث يتمكنون في ظلام الليل من العمل بأية وسيلة (في غمرة الازدحام) على إسقاط النبي ﷺ من على ظهر ناقته إلى الوادي للتخلص منه. فيبدو الأمر وكأنه قضاء وقدر. وهذا هو الذي استقر عليه رأى المنافقين (وهم يضعون خطة الاغتيال) إلا أن النبي ﷺ بلغه خبر المؤامرة في اللحظات الأخيرة، وعندما بلغه ما يدبره المنافقون بالتفصيل عمل على إحباط المؤامرة، فأصدر أمره للجيش كله بأن يغير اتجاه سيره، فيسلك الوادي، بدلا من أن يسلك العقبة، ثم سلك الرسول ﷺ العقبة وحده ومعه (فقط) ثلاثة نفر من أصحابه، وهم: عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وحمزة بن عمرو

стр. 2546

الأسلمي (١). وهنا بدا وكأن محاولة المنافقين قد فشلت نهائيا، لأن هؤلاء المنافقين لا تستطيع العناصر المكلفة منهم بتنفيذ خطة الاغتيال، تنفيذ هذه الخطة، لأن انفصال هذه العناصر من الجيش تثير حولهم الشكوك والريب وتجعلهم من المتعمدين مخالفة أوامر الرسول القائد ﷺ . ولكن هؤلاء المنافقين لم ييأسوا، فقد مضوا في مخططهم، فاغتنموا فرصة ظلام الليل الذي سيكون مخيما عندما يمرّ الرسول ﷺ بالمكان الخطر من العقبة الذي قرروا أن تتم فيه عملية الاغتيال، فوضعوا مخططًا جديدا لاغتيال الرسول ﷺ . وهذا المخطط الجديد يتلخص فيما يلي: ١ - أن ينتدب ثلاثة عشر من هؤلاء المنافقين للمهمة. ٢ - عليهم أن لا يباشروا المؤامرة إلا إذا خيم الظلام. ٣ - عليهم أن يتلثموا عند الشروع في المؤامرة لئلا يتمكن أحد من معرفتهم. ٤ - عليهم أن ينصبوا كمينهم في المكان الخطر المحدد من العقبة. ٥ - عليهم أن لا يستخدموا أي سلاح من رمح أو سيف أو نبل لتنفيذ الاغتيال. ٦ - بل عليهم إذا مر بهم النبي ﷺ في المكان الخطر المحدد من العقبة، أن يزحموا جميعهم ناقته بركابهم ويلجئوها إلى حافة الوادي ثم يقطعون أنساع (٢) رحلها في الظلام حتى يقع النبي ﷺ عنها إلى الوادي فيموت. وعلى أساس هذه الخطة شرع المنافقون في المؤامرة الخبيثة الجديدة، إلا أن الرسول ﷺ اكتشفهم عند شروعهم في المؤامرة

стр. 2547

فأحبطها حين أمر حذيفة بن اليمان بمهاجمتهم فهاجمهم حذيفة، ولما كانوا لا يريدون أن يعرفهم أحد هربوا وما زالوا يوغلون في الهرب حتى دخلوا في سواد الجيش في الوادي لئلا يعرفهم أحد (١). قال الواقدي يصف هذه المؤامرة الدنيئة: ولما كان رسول الله ﷺ ببعض الطريق مكر به أناس من المنافقين وائتمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغ رسول الله ﷺ تلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فأخبر رسول الله ﷺ خبرهم فقال للناس؟ اسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله ﷺ العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه. فبينا رسول الله ﷺ يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم وقد رأوا غضب رسول الله ﷺ ، فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده، وظن القوم أن رسول الله ﷺ قد اطلَّع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله ﷺ فساق به، فلما خرج رسول الله ﷺ من العقبة نزل الناس، فقال النبي ﷺ : يا حذيفة، هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم؟ قال: يا رسول الله عرفت فلان وفلان، وكان القوم ملثمين فلم أبصرهم في ظلمة الليل (٢). وكان هؤلاء المتآمرون قد نجحوا نجاحا جزئيا عندما شرعوا في مؤامرتهم الخبيثة، حيث تمكنوا من أن يزعجوا ناقة الرسول ﷺ حتى نفرت به فسقط لهذا اففور بعض متاع رحله ولكنه هو ﷺ لم يسقط ...

стр. 2548

وقال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية): قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة، هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك بالنبي ﷺ وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق فأخبر خبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها، ومعه أولئك النفر قد تلثموا، وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشيوهم، فغضب رسول الله ﷺ وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أنه قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة: هل عرفت هؤلاء القوم؟ قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال ﷺ : علمتما من شأن هؤلاء الركب؟ قالا: لا فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه وسماهم لهما واستكتهما ذلك، فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده، وهذا هو الأشبه والله أعلم، ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد؟ - يعني عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال لحذيقة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال: لا. ولا أبرئ بعدك أحدًا- يعني حتى لا يكون مغشيًا سرّ التي ﷺ . وقال ابن كثير: قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل كانوا اثنى

стр. 2549

عشر رجلا. وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم. قال: وفيهم أنزل الله ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (١). وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبي إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البخترى عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة -أو أنا أسوق وعمار يقود- حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ فصرخ بهم فولوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ﷺ : هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا ملثمين ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا. قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها. قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: (لا) أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة. قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك. وفي صحيح مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر على، أَرَأَىٌ رأيتموه أم شيء عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله ﷺ أنه قال: في أصحابي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم.

стр. 2550

قال الحافظ البيهقي: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر -أو خمسة عشر-، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذّر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادى ولا علمنا بما أراد. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. قال: حدثنا يزيد -هو ابن هارون- أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل. قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى أن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقودها حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: (قدقد) حتى هبط رسول الله ﷺ من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: (يا عمار عرفت القوم؟ ) قال: عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال: (هل تدرى ما أرادوا؟ ) قال: الله ورسوله أعلم، قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه) قال: فسار عمار رجلا، من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك الله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلا، فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادى رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثنى عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (١). المطالبة بإعدام المتآمرين: وكان هؤلاء الباطنيون المتآمرون قد نجحوا جزئيا عندما شرعوا في مؤامرة اغتيال الرسول ﷺ تمكنوا من أن يزعجوا ناقة الرسول ﷺ بأساليبهم الخاصة في الظلام حتى نفرت فسقط

стр. 2551

لهذا النفور من على ظهر الناقة بعض متاع رحله ﷺ ، ولكنه هو لم يسقط لأن أمر هؤلاء الخونة اكتشف قبل أن يتمكنوا من تحقيق هدفهم الخبيث، ونجى الله رسوله الحبيب ﷺ من المؤامرة. قال الواقدي: وكانوا قد أنفروا بالنبي ﷺ فسقط بعض متاع رحله، فكان حمزة بن عمرو الأسلمي يقول: فنور لي في أصابعى الخمس فأضئن حتى كنا نجمع ما سقط من السوط والحبل وأشباههما حتى ما بقى من المتاع شيء إلا جمعناه، وكان لحق النبي ﷺ في العقبة (١). وقد بلغ خبر المؤامرة سيد الأوس أسيد بن حضير، فعرض على الرسول ﷺ أن يأمر بإعدام المتآمرين، على أن تتولى كل عشيرة من الأنصار إعدام الرجل المشترك منها في المؤامرة، ولكن الرسول ﷺ آثر الصفح ولم يأخذ باقتراح أسيد بن حضير. قال أصحاب السير: فلما أصبح رسول الله ﷺ قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فهو أسهل من العقبة؟ قال: يا أبا يحيى أتدرى ما أراد البارحة المنافقون وما اهتموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه قطعوا أنساع راحلتى ونخسوها حتى يطرحونى من راحلتى. فقال أسيد: يا رسول الله، فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي همّ بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وإن أحببت، والذي بعثك بالحق، فنبّئنى بهم، فلا تبرح حتى آتيكم برؤوسهم، وإن كانوا في النبيت (٢) فكفيتكهم، وأمرت سيد الخزرج فكفاك من في ناحيته، فإن مثل هؤلاء يتركون يا رسول الله؟ حتى متى نداهنهم وقد صاررا اليوم في القلة والذّلة، وضرب الإسلام بجرانه، فما يستبقى من هؤلاء؟ قال رسول الله ﷺ لأسيد: إني أكره أن يقول الناس: إن محمدًا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه، فقال: يا رسول الله، فهؤلاء

стр. 2552

ليسوا بأصحاب، قال رسول الله ﷺ : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم، قال: أليس يظهرون أنى رسول الله؟ قال: بلى ولا شهادة لهم، قال: قد نهيت عن قتل أولئك (١). وقال الواقدي: حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال: نزل رسول الله ﷺ عن راحلته فأوحى إليه وراحلته باركة، فقامت راحلته تجرّ زمامها حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها حين رأى رسول الله ﷺ جالسًا، فأناخها ثم جلس عندها حتى قام النبي ﷺ فأتاه فقال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة. فقال النبي ﷺ : فإني مسرّ إليك أمرًا فلا تذكرنه، إني نهيت أن أصلى على فلان، وفلان، وفلان - رهط عِدَّة من المنافقين - ولا يعلم رسول الله ﷺ لأحد غير حذيفة. فلما توفى رسول الله ﷺ ، كان عمر بن الخطاب في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط، أخذ بيد حذيفة فقاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى معه عمر، وإن انتزع يده وأبى أن يمشي انصرف معه. وقال: حدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم عن نافع بن جبير، قال: لم يخبر رسول الله ﷺ أحدًا إلا حذيفة وهم اثنا عشر رجلا - يعني أولئك المنافقين - ليس فيهم قرشى وهذا الأمر مجمع عليه عندنا (٢). قصة مسجد الضرار وهدمه: فئة المنافقين فئة صارت (منذ تكونت في المدينة) بمثابة غدة السرطان في جسم الأمة الإسلامية، أعيت المسلمين بألاعيبها الماكرة، وأتعبت الرسول ﷺ بتصرفاتها المشينة التي تلتزم السرّية والتكتم في القيام بها، ومصيبة الإِسلام والمسلمين بهذه الفئة أنها محسوبة على المسلمين لأنها (بنطقها بالشهادتين وأدائها الصلوات المفروضة ظاهرًا) تحمل الهوية الإِسلامية. وبالتزام المنافقين (منذ عرفوا) أسلوب السرية والتكتم في

стр. 2553

أعمالهم التخريبية وتظاهرهم بالإخلاص للإِسلام والمسلمين جعل من الصعب تمييزهم من بين الصحابة الطيبين إلا في النادر. ولهذا لم ينزل الرسول ﷺ أية عقوبة بأيّ واحد منهم. لأنهم في الظاهر مسلمون، ولا يأتون منكرهم إلا سرًّا. وصفهم الأستاذ أحمد نار في كتابه "القتال في الإِسلام" فقال: هؤلاء هم الذين لا يمكن تبين نياتهم بسهولة، إذ أن ظاهرهم يدل على حسن نيتهم وباطنهم يدل عليه بعض أعمالهم (إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) (١)، ويؤدّون مهمة القاعدين والمخلفين والمرجفين والمعوقين جميعا، وهم ألوان شتى يصعب تمييزهم، إلا أنهم يشتركون في صفات عامة، منها أنهم يتهافتون على إظهار حسن نياتهم وعَواطفهم الطيبة كذبا وخداعا بمناسبة وغير مناسبة، وموافقتهم في المواجهة على كل أمر بغير مناقشة، وهم من وراء ذلك يتلمسون المغامز وينتهزون الفرص فيبيتون ويكيدون، وإذا دعوا إلى الإِنفاق اعتذروا بلباقة، وإن وعدوا سوفوا وإن دعوا إلى الجهاد قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، يعرفون في لحن القول والتواء القصد، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون، (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) (٢). وهم الذين يتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة، ويقولون: - إن أصاب المسلمين بلاء - (وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) (٣)، ويتخذون ما ينفقون مغرمًا ويتربصون بهم الدوائر، وتراهم يركنون إلى الأعداء ويعملون معهم سرًّا وعلانية ويبتغون عندهم العزة. ويختلف خطرهم باختلاف نوع النفاق الذي عندهم وعقابهم واحد إلا من كان ضعيفا لا صلة له بالعدو مثل الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ﴾ (٤) وآيات التعرف عليهم في القرآن الكريم كثيرة، وعلاجهم بحسب درجتهم من

стр. 2554

النفاق، فمنهم من يعامل معاملة المرجفين ومنهم من تترك له فرصة التوبة. ومنهم صنف شديد الخفاء هو أشد خطرًا وقد تكفل الله بالإِحاطة بهم كما قال: (ومن أهل المدينة مزدوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين) (١). ومن العجيب أن المنافقين يمتازون بكثير من الذكاء ولكن نقصهم الخلقى هو الذي يدفعهم إلى المواقف المرذلة، ولولا حب الجاه والمال ومتاع الحياة الدنيا والحسد لكان لهم شأن غير ما هم فيه وهم على اختلاف ألوانهم (بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم. نسوا الله فنسيهم. إن المنافقين هم الفاسقون). مسجد الضرار وكر للتآمر: كان المنافقون دائما أشبه بالجمعيات السرية التي تعمل بتكتم شديد ضد العهد القائم، وكان هؤلاء المنافقون شديدى التكتم في نشاطاتهم التخريبية ضد الإِسلام لئلا يقعوا تحت طائلة القانون الإِسلامي إذا أدينوا بعمل ضده يستحق العقوبة، وكانوا زيادة في الرغبة لتحقيق مآربهم الخبيثة للإطاحة بالإسلام صاروا يظهرون له الولاء ولنبيه بينما يعملون في الباطن على كل ما يضر بالجميع. وفي جوّ الحرية التي يتمتعون بها لانتسابهم إلى الإِسلام كانوا فيما بينهم يتفوهون بكل ما يريدون ضد النبي ﷺ وأصحابه، ولكنهم عندما يكونون بين أصحاب الرسول ﷺ يتضايقون إذ لا يستطيعون أن يحيكوا ويقولوا ويفعلوا ما يريدون ضد الإِسلام مثلما يكونون منفردين مع بعضهم البعض. وكان في العهد النبوي المسجد هو المكان الذي مفروض على المسلمين غير المرضى والعاجزين أن يجتمعوا فيه جميعا خمس مرات خلال الأربع والعشرين الساعة، وذلك لأداء الصلاة المفروضة. وكان المنافقون يجتمعون في المسجد مع المسلمين في هذه الأوقات وذلك باعتبارهم جزءًا من الأسرة الإِسلامية، وكان اجتماعهم في المسجد كل المرات الخمس هذه

стр. 2555

يتيح لهم الفرص ليتناجوا فيما بينهم بالدس والكيد للإسلام والمسلمين، ولكنهم كانوا يتخوفون لأن المسلمين ينظرون إليهم بعين الريبة والشك، فيتضايقون لذلك ولا يستطعون العمل بحرية، وقد عبّر عن هذه الحقيقة "التي عليها المنافقون من التضايق"، زعيمهم أبو عامر الفاسق المسمى عندهم بالراهب حين قال مفصحا عن نظرات الشك والريبة التي ينظر بها المسلمون إلى المنافقين عندما يحضرون معهم المسجد للصلوات: "لا أقدر أن أدخل مربدكم (١) هذا - يعني الخبيث المسجد - وذلك أن أصحاب محمد يلحظوننى وينالون منى ما أكره" (٢). لذلك قرروا "وبإيحاء من زعيم ناحيتهم بقباء أبي عامر الفاسق" أن يبنوا لهم وكرًا يكون مقرًا لاجتماعاتهم يعملون فيه بحرية ضد الإِسلام والمسلمين. وقد ذهب بهم الإِيغال في المكر والخبث إلى أن يجعلوا مركز التآمر والكيد هذا على صورة مسجد كى يبعدوا الشبهة عن أنفسهم، لأن أحدًا لن يعترض علي بناء مسجد الذي لا يبنى عادة إلا لعبادة الله تعالى. وكانت الفكرة من اختراع أبي عامر الفاسق الذي حضر مع المشركين. معركة أحد ضد المسلمين وركل جثة ابنه الشهيد غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، وهكذا اقتضت حكمة الله أن يخرج الأخيار من أصلاب الأشرار، فأبو عامر الراهب "الفاسق" من أخبث المنافقين، وابنه حنظلة من أفضل وأصلح شباب الإِسلام. وقد خرجت فكرة أبي عامر الراهب الخبيثة إلى حيز الوجود حيث بتشجيع منه وتشجيع أمثاله بني المنافقون لهم مسجدًا، واختاروا ضاحيه من ضواحي المدينة وهي ضاحية قباء إلى تبعد عن المدينة حوالي ميلين، ويظهر أنهم اختاروا هذه الضاحية لما فيها من هدوء ولبعدها عن المديتة التي بها مركز النبي ﷺ ومسجده الشريف. وكان في هذه المنطقة "قبا" بنى أول مسجد في الإِسلام، وظل هذا المسجد محلا لإقامة شعائر الإِسلام في ذلك الحى، وهو حي بني عمرو بن

стр. 2556

عوف الذين كان المسجد مفخرة لهم. أما مسجد المنافقين الذي بنى في هذه المناطق والذي أطلق عليه فيما بعد مسجد الضرار فقد بنى ليكون وكرًا للتآمر والشغب على النبي ﷺ وأصحابه. ونقل عن المنافقين أنهم قالوا: نبني مسجدًا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، وقيل: إن أبا عامر الفاسق أمر ببناء مسجد الضرار قبل خروجه إلى الشام، وقال لأنصاره: ابنوا لي مسجدًا واستعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر الروم فآتى بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة. وروى أن السبب في بناء هذا المسجد أنه لما فرغ الناس من آحد رأى أبو عامر الفاسق أن أمة الرسول في ارتفاع وظهور، فذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليه بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك (١). كاد الرسول أن يصلي في مسجد الضرار: ولما درج عليه المنافقون من قدرة على إخفاء نواياهم الشريرة وإظهارهم خلاف ما يبطنون ولكى يكون لوكرهم هذا "مسجد الضرار" صفة الشرعية ولكى يحصلوا له على دعم معنوى طلبوا إلى الرسول ﷺ بعد الانتهاء من بناء هذا المسجد - أن يؤدى ﷺ فيه الصلاة، فوعدهم الرسول ﷺ أن يفعل ولكن بعد عودته من تبوك، لأنهم جاؤوه وطلبوا منه أن يصلى فيه وهو على أهبة التحرك إلى تبوك، وكاد الرسول ﷺ أن يصلى في مسجد الضرار وفاء بالوعد الذي أعطاه لأولئك المنافقين الذين لا يعلمهم، إلا أن القرآن نزل بهدم هذا المسجد بدلًا من الصلاة فيه، فحرقه الرسول ﷺ بالنار وحرق معه دارين بجواره لكبيرين من كبار المنافقين.

стр. 2557

وهكذا وبينما كان هؤلاء المنافقون يفركون أيديهم فرحا لأن النبي ﷺ سيصلى في وكر الجاسوسية "مسجد الضرار"إذا بألسنة اللهب تلتهم هذا الوكر وبعضهم بداخله ففرروا بجلدتهما وتركوه طعمة للنيران. فقد جاء في كتب المغازي والسير أن الرسول ﷺ لما كان بوادى ذي أوان "ضواحي المدينة" وهو في طريقه إلى تبوك جاءه أصحاب مسجد الضرار. قال الواقدي: جاءه خمسة نفر منهم: صعتب بن قشير وثعلبة بن أبي حاطب، وخدام بن خالد، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث. فقالوا: يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد بنينا مسجدًا لذى القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن نحب أن تأتينا فتصلى بنا فيه، ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك قال رسول الله ﷺ : إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه. فلما نزل رسول الله ﷺ بذى أوان راجعا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء وكانوا إنما بينوه، قالوا بينهم، يأتينا أبو عامر (١) فيتحدث عندنا فيه، فإنه يقول: لا أستطيع آتى مسجد بني عمرو بن عوف "يعني مسجد قباء، إنما أصحاب رسول الله ﷺ يلحظوننا بأبصارهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني أبا عامر الفاسق. وعندما نزل القرآن يوضح لرسول الله ﷺ أن ذلك المسجد المشبوه إنما هو مرصد يترصد فيه المنافقون المسلمون ويتخذونه مقرا لمحاربة الله ورسوله استدعى رجلين من أصحابه - وهما عاصم بن عدي بن العجلان (٢) ومالك بن الدخشم السالمى (٣) وأصدر إليهما أمره بأن يتوليا تدمير مسجد المنافقين

стр. 2558

إياه بالنار، حيث قال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم حرقاه، فخرجا سريعين على أقدامهما حتى أتيا مسجد بني سالم. فقال مالك بن الدخشم لعاصم بن عدي: أنظرني حين أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه النار. ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم "أي المنافقون" فيه، وإمامهم يومئذ مجمع بن جارية (١)، فقال عاصم: ما أنسى تشرفهم إلينا كأن آذانهم آذان السرحان، فأحرقناه حتى احترق، وكان الذي ثبت فيه زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت إليته، فهدمناه حتى وضعناه بالأرض وتفرقوا. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارًا - وكان من دار وديعة بن ثابت ودار أبي عامر "الراهب" إلى جنبهما فأحرقوهما معه - فقال عاصم: ما كنت لأتخذ مسجدا قد نزل فيه ما نزل دارًا، وأن بي عنه لغنى يا رسول الله، ولكن أعطه ثابت بن أقرم (٢) فإنه لا منزل له. فأعطاه ثابتًا. وكان أبو لبابة بن عبد المنذر (٣) قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص عليه في النفاق ولكنه كان يفعل أمورًا تكره له. فلما هدم المسجد أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا، وكان بيته الذي بناه إلى جنبه. قال: فلم يولد له في ذلك البيت مولود قط، ولم يقف فيه حمام قط، ولم تحضن فيه دجاجة قط. وكان الذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا، وقال الواقدي: خمسة عشر رجلا ولكن الواقدي لم يذكر سوى اسم اثنى عشر وهم: جارية بن عامر "وهو الملقب بحمار الدار" وابنه مجمع "ولم يكن منافقًا" وهو

стр. 2559

إمامهم، وابنه زيد بن جارية -وهو الذي احترقت إليه فأبى أن يخرج- وابنه يزيد بن جارية، ووديعة بن ثابت، وخذام بن خالد - ومن داره أخرج - وعبد الله بن نبتل، وبجاد بن عثمان، وأبو حبيبة بن الأزعر، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف وثعلبة بن حاطب. وقد قال رسول الله ﷺ في خذام وبجاد: زمام خير من خذام وسوط خير من بجاد. وكان مخبر هؤلاء المنافقين وجاسوسهم على رسول الله ﷺ هو عبد الله بن نبتل، كان يأتي رسول الله ﷺ فيسمع حديثه ثم يأتي المنافقين به، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن رجلا من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب به إلى المنافقين، قال رسول الله ﷺ : أيهم هو؟ قال: الرجل الأسود ذو الشعر الكثير، الأحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده كبد حمار فينظر بعينى شيطان. وكان عاصم بن عدي قد أدرك قبل التحرك إلى تبوك أن هذا المسجد "الوكر" إنما هو من بناء المنافقين المجرمين، فكان يحدث فيقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي ﷺ فرأيت عبد الله بن نبتل، وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار، وهما يصلحان ميزابًا قد فرغا منه، فقالا: يا عاصم، إن رسول الله ﷺ قد وعدنا أن يصلى فيه إذا رجع. فقلت في نفسي: والله ما بنى هذا المسجد إلا منافق معروف بالنفاق أسسه أبو حبيبة بن الأزعر، وأخرج من خذام، ووديعة بن ثابت في هؤلاء الفر .. - والمسجد الذي بنى رسول الله ﷺ بيده يؤسسه جبريل ﵇ يؤم به البيت - فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذمّ أهله الذين جمعوا في بنائه وأعانوا فيه. وقيل لعاصم بن عدي - وكان خبيرًا بالمنافقين -: ولم أرادوا بناءه؟ قال: كانوا يجمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض، فيلحظهم المسلمون، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم، فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدم هذا، وذاك أن أصحاب محمد

стр. 2560

يلحظوننى وينالون مني ما أكره، قالوا: نحن نبنى مسجدًا تتحدث فيه عندنا (١). وفي مسجد الضرار أنزل. الله تعالى قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ -المراد به أبو عامر الفاسق- ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). وعندما عاد النبي ﷺ من تبوك إلى المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيَّات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم (٣) .. قلت من المحتمل جدًّا أن يكن النساء والصبيان والولائد أنشدن هذا الشعر إعادة، كما يحدث في كثير من المناسبات والله أعلم. وروي البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ حين دنا من المدينة قال: "إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة.؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، وفي صحيح البخاري عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا
следующие страницы →