عوف الذين كان المسجد مفخرة لهم.
أما مسجد المنافقين الذي بنى في هذه المناطق والذي أطلق عليه فيما بعد مسجد الضرار فقد بنى ليكون وكرًا للتآمر والشغب على النبي ﷺ وأصحابه. ونقل عن المنافقين أنهم قالوا: نبني مسجدًا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، وقيل: إن أبا عامر الفاسق أمر ببناء مسجد الضرار قبل خروجه إلى الشام، وقال لأنصاره: ابنوا لي مسجدًا واستعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر الروم فآتى بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة.
وروى أن السبب في بناء هذا المسجد أنه لما فرغ الناس من آحد رأى أبو عامر الفاسق أن أمة الرسول في ارتفاع وظهور، فذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومناه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدًا له إذا قدم عليه بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك (١).
كاد الرسول أن يصلي في مسجد الضرار:
ولما درج عليه المنافقون من قدرة على إخفاء نواياهم الشريرة وإظهارهم خلاف ما يبطنون ولكى يكون لوكرهم هذا "مسجد الضرار" صفة الشرعية ولكى يحصلوا له على دعم معنوى طلبوا إلى الرسول ﷺ بعد الانتهاء من بناء هذا المسجد - أن يؤدى ﷺ فيه الصلاة، فوعدهم الرسول ﷺ أن يفعل ولكن بعد عودته من تبوك، لأنهم جاؤوه وطلبوا منه أن يصلى فيه وهو على أهبة التحرك إلى تبوك، وكاد الرسول ﷺ أن يصلى في مسجد الضرار وفاء بالوعد الذي أعطاه لأولئك المنافقين الذين لا يعلمهم، إلا أن القرآن نزل بهدم هذا المسجد بدلًا من الصلاة فيه، فحرقه الرسول ﷺ بالنار وحرق معه دارين بجواره لكبيرين من كبار المنافقين.
стр. 2557
وهكذا وبينما كان هؤلاء المنافقون يفركون أيديهم فرحا لأن النبي ﷺ سيصلى في وكر الجاسوسية "مسجد الضرار"إذا بألسنة اللهب تلتهم هذا الوكر وبعضهم بداخله ففرروا بجلدتهما وتركوه طعمة للنيران.
فقد جاء في كتب المغازي والسير أن الرسول ﷺ لما كان بوادى ذي أوان "ضواحي المدينة" وهو في طريقه إلى تبوك جاءه أصحاب مسجد الضرار. قال الواقدي: جاءه خمسة نفر منهم: صعتب بن قشير وثعلبة بن أبي حاطب، وخدام بن خالد، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبد الله بن نبتل بن الحارث. فقالوا: يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من أصحابنا، إنا قد بنينا مسجدًا لذى القلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، ونحن نحب أن تأتينا فتصلى بنا فيه، ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك قال رسول الله ﷺ : إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا بكم فيه. فلما نزل رسول الله ﷺ بذى أوان راجعا من تبوك أتاه خبره وخبر أهله من السماء وكانوا إنما بينوه، قالوا بينهم، يأتينا أبو عامر (١) فيتحدث عندنا فيه، فإنه يقول: لا أستطيع آتى مسجد بني عمرو بن عوف "يعني مسجد قباء، إنما أصحاب رسول الله ﷺ يلحظوننا بأبصارهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني أبا عامر الفاسق.
وعندما نزل القرآن يوضح لرسول الله ﷺ أن ذلك المسجد المشبوه إنما هو مرصد يترصد فيه المنافقون المسلمون ويتخذونه مقرا لمحاربة الله ورسوله استدعى رجلين من أصحابه - وهما عاصم بن عدي بن العجلان (٢) ومالك بن الدخشم السالمى (٣) وأصدر إليهما أمره بأن يتوليا تدمير مسجد المنافقين
стр. 2558
إياه بالنار، حيث قال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه ثم حرقاه، فخرجا سريعين على أقدامهما حتى أتيا مسجد بني سالم. فقال مالك بن الدخشم لعاصم بن عدي: أنظرني حين أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه النار. ثم خرجا سريعين يعدوان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم "أي المنافقون" فيه، وإمامهم يومئذ مجمع بن جارية (١)، فقال عاصم: ما أنسى تشرفهم إلينا كأن آذانهم آذان السرحان، فأحرقناه حتى احترق، وكان الذي ثبت فيه زيد بن جارية بن عامر حتى احترقت إليته، فهدمناه حتى وضعناه بالأرض وتفرقوا.
فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذه دارًا - وكان من دار وديعة بن ثابت ودار أبي عامر "الراهب" إلى جنبهما فأحرقوهما معه - فقال عاصم: ما كنت لأتخذ مسجدا قد نزل فيه ما نزل دارًا، وأن بي عنه لغنى يا رسول الله، ولكن أعطه ثابت بن أقرم (٢) فإنه لا منزل له. فأعطاه ثابتًا.
وكان أبو لبابة بن عبد المنذر (٣) قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص عليه في النفاق ولكنه كان يفعل أمورًا تكره له. فلما هدم المسجد أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا، وكان بيته الذي بناه إلى جنبه. قال: فلم يولد له في ذلك البيت مولود قط، ولم يقف فيه حمام قط، ولم تحضن فيه دجاجة قط.
وكان الذين بنوا مسجد الضرار اثنا عشر رجلا، وقال الواقدي: خمسة عشر رجلا ولكن الواقدي لم يذكر سوى اسم اثنى عشر وهم: جارية بن عامر "وهو الملقب بحمار الدار" وابنه مجمع "ولم يكن منافقًا" وهو
стр. 2559
إمامهم، وابنه زيد بن جارية -وهو الذي احترقت إليه فأبى أن يخرج- وابنه يزيد بن جارية، ووديعة بن ثابت، وخذام بن خالد - ومن داره أخرج - وعبد الله بن نبتل، وبجاد بن عثمان، وأبو حبيبة بن الأزعر، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف وثعلبة بن حاطب.
وقد قال رسول الله ﷺ في خذام وبجاد: زمام خير من خذام وسوط خير من بجاد.
وكان مخبر هؤلاء المنافقين وجاسوسهم على رسول الله ﷺ هو عبد الله بن نبتل، كان يأتي رسول الله ﷺ فيسمع حديثه ثم يأتي المنافقين به، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن رجلا من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب به إلى المنافقين، قال رسول الله ﷺ : أيهم هو؟ قال: الرجل الأسود ذو الشعر الكثير، الأحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده كبد حمار فينظر بعينى شيطان.
وكان عاصم بن عدي قد أدرك قبل التحرك إلى تبوك أن هذا المسجد "الوكر" إنما هو من بناء المنافقين المجرمين، فكان يحدث فيقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي ﷺ فرأيت عبد الله بن نبتل، وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار، وهما يصلحان ميزابًا قد فرغا منه، فقالا: يا عاصم، إن رسول الله ﷺ قد وعدنا أن يصلى فيه إذا رجع. فقلت في نفسي: والله ما بنى هذا المسجد إلا منافق معروف بالنفاق أسسه أبو حبيبة بن الأزعر، وأخرج من خذام، ووديعة بن ثابت في هؤلاء الفر .. - والمسجد الذي بنى رسول الله ﷺ بيده يؤسسه جبريل ﵇ يؤم به البيت - فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذمّ أهله الذين جمعوا في بنائه وأعانوا فيه.
وقيل لعاصم بن عدي - وكان خبيرًا بالمنافقين -: ولم أرادوا بناءه؟ قال: كانوا يجمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض، فيلحظهم المسلمون، فشق ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم، فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدم هذا، وذاك أن أصحاب محمد
стр. 2560
يلحظوننى وينالون مني ما أكره، قالوا: نحن نبنى مسجدًا تتحدث فيه عندنا (١).
وفي مسجد الضرار أنزل. الله تعالى قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ -المراد به أبو عامر الفاسق- ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
وعندما عاد النبي ﷺ من تبوك إلى المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيَّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم (٣) .. قلت من المحتمل جدًّا أن يكن النساء والصبيان والولائد أنشدن هذا الشعر إعادة، كما يحدث في كثير من المناسبات والله أعلم.
وروي البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ حين دنا من المدينة قال: "إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة.؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، وفي صحيح البخاري عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا
стр. 2561
على المدينة قال: "هذه طابة، وهذا جبل أحد يحبنا ونحبه. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله ﷺ إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك.
قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتاب الله عليهم:
الضعف البشرى يكاد يكون من الصفات التي لا تفارق الإِنسان، بل هي من صفاته الأساسية وحتى في العهد النبوي، عهد الإِيمان والصدق والتضحية والفداء والصبر والإِيمان ونكران الذات في سبيل نصرة العقيدة. حتى في ذلك العهد المثالي المشرق الذي جيله هم المثل الأعلى لمن أتى بعدهم في السمو والبذل والعطاء إلى حد السخاء بالروح في سبيل دعم العقيدة، حتى في ذلك العهد النبوي - حيث كان الوحى ينزل من السماء على رسول الأمة ﷺ فعل الضعف البشرى فعله الجالب للعقوبة في مجموعة من الصفوة المختارة من أصحاب محمد ﷺ ، فأتوا ما نكد عليهم صفو حياتهم وعمل تمزيقًا بخناجر الهم والحزن في قلوبهم الطاهرة التي لم يخالطها شك أو ارتباب في الدين الذي ناصروه والنبي الذي أحبوه بكل معاني هذه الكلمة، إذ تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك لا عن ضعف في الإِيمان أو جدب في العقيدة أو تذبذب في الإِسلام، ولكن كان تخلفهم تحت تأثير الضعف البشرى الذي "في فترة من هذا الضعف" حبب إليهم الراحة والدعة في الظل بين الأهل وطيب الثمار على مشقة الغزو والجهاد في الحر والتقشف وشظف العيش، فاستجابوا "مع التردد" لهذا الضعف البشري، فتخلفوا عن رسول الله ﷺ ، فكانت لهم محنة وأية محنة قاسية، لم يخرجهم وينجيهم من براثنها التي أخذت كلاليبها بمخانقهم إلا الصدق.
فترفع بهم إيمانهم الصادق عن أن يسلكوا سبيل المنافقين، فيعتذروا ويكذبوا، مع علمهم أنهم ليس لهم عذر في هذا التخلف إلا الضعف البشري - إن أمكن تسميته عذرًا - وذلك هو الذي رشحهم للنجاة من
стр. 2562
غضب الله تعالى، فتاب الله عليهم بعد أن كادوا أن يهلكوا، تاب عليهم لأنهم اعترفوا بذنوبهم، فأقروا لرسول الله ﷺ بأنهم لم يكن لهم أي عذر حين تخلفوا عن المفروض على كل قادر من المسلمين، فأرجأ الرسول ﷺ البت في أمرهم منتظرًا أمر الله تعالى فيهم، فأمر المسلمين بمقاطعتهم، وأمرهم كذلك بأن يعتزلوا نساءهم حتى نزل القرآن بتوبتهم.
إن قصة توبة هؤلاء الصحب الكرام الثلاثة شيقة وشاقة وصعبة، فقد نالهم نتيجة صدقهم الكامل الشيء العظيم من الآلام النفسية المبرحة والتعرض للفتنة القاسية، ولكن إيمانهم الصادق صمد لكل ذلك، رغم ما سبب لهم هذا الصدق من محن شديدة وآلام نفسية كادت أن تأتى على نفوسهم فيموتوا كمدا.
فقد شاء الله أن لا يتذوقوا حلاوة الصدق وبهجة نتائجه إلا بعد أن تجرعوا كؤوس مرارة الصبر عليه، وفي ذلك عبر ومواعظ ودروس للمؤمنين، فالمؤمن "إذا أخطأ" فلا يتهرب ولا يتبرم من الاعتراف "صادقًا" بالخطأ، حتى وإن كانت نتائج هذا الصدق قاسية. ففي الغالب "وفي مجال الخطأ" تكون نتائج التزام الصدق - دونما لف أو دوران متاعب كبيرة في هذه الدنيا، ولكن يقابلها في النهاية سعادة أخرى، لأن الآلام الناتجة عن التزام الصدق آلام عابرة رغم شدتها، ولكن لذائذ الصدق في النهاية لذائذ لا تنتهي. ففي الدنيا يشعر الصادق - بعد تعرضه لموجات آلام الاعتراف بالخطأ - بسعادة نفسية لا تعادلها سعادة، والسعادة الكبرى والأكبر هي سعادته الأبدية في الآخرة جزاء التزامه الصدق.
ولما كان في قصة هؤلاء الصحب الكرام الثلاثة الذين تخلفوا "دونما مبرر" عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك لما في هذه القصة من دروس عالية في الصدق ومحاسبة النفس على خطئها وفي الثبات على الإِيمان والاستجابة لنداء الضمير بعد استيقاظه "إن صح هذا التعبير" سنروى لكم قصة هؤلاء الثلاثة الذين أشار القرآن الكريم إلى تخلفهم وكيف تاب الله علم، وذلك ليدرك الإنسان "أي إنسانًا كيف أن الصدق" وخاصة من الإنسان ضد نفسه إذا أخطأ" هو الذي ينجى صاحبه كل النجاة، وكيف أن الله تعالى
стр. 2563
يقبل التوبة الصادقة من عباده إذا أخلصوا في محاكمتهم لأنفسهم بالصدق والتوبة مهما كانت معصيتهم حتى ولو كانت الشرك الأكبر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١).
إن هؤلاء الثلاثة من الصحب الكبرام الذين أذنبوا بتخلفهم عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك هم من الأنصار، وهم "كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع" وقصتهم كما رواها عامة أصحاب الحديث والسير والمفسرون كما يلي:
قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، غير أنى تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
كان من خبرى أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة "يعني غزوة تبوك" غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا وعدوا كثيرًا، فجلى للمسلمين أميرهم ليتأهبوا، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ .. ويستطرد كعب بن مالك فيقول: وغزا رسول الله ﷺ حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت لكى أغدو أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئًا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز ولم أقض شيئًا، ثم غدوت ورجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ورجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارطوا، وهممت أن
стр. 2564
أرتحل فأدركهم وليتنى، فعلت فلم يقدّر لي ذلك.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزننى، لأننى لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس، ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظر في عطفه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله ﷺ .
وإذا كان كعب بن مالك، قد ذكر في بعض قصة تخلفه الحقيقة في صدق المؤمن وإيمان الصادق بأن لا عذر له في التخلف عن رسول الله ﷺ ، فإن صاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع لم يكونا بأقل منه مستوى من حيث الصراحة مع أنفسهما ومع رسول الله ﷺ حين صدقاه الحديث بأنهما لم يكن لهما عذر في التخلف، فعلم الله ما في أنفس الثلاثة فتاب عليهم جميعًا.
ولنترك هلال بن أمية يحدثنا قصته وقصة زميله مرارة بن الربيع. قال هلال بن أمية حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: والله ما تخلفت شكا ولا ارتيابا، ولكن كنت مقويا في المال. قلت: اشترى بعيرًا، ولقينى مرارة بن الربيع، فقال: أنا رجل مقو فأبتاع بعيرًا وأنطلق به. فقلت: هذا صاحب أرافقه، فجعلنا نقول نغدو فنشترى بعيرين فنلحق بالنبي ﷺ ولا يفوت ذلك، نحن قوم مخفّون على صدر راحلتين فغدا نسير فلم نزل ندفع ذلك ونؤخر حتى شارف رسول الله ﷺ البلاد. فقلت: ما هذا بحين خروج، وجعلت لا أرى في الدار ولا في غيرها إلا معذورًا أو منافقا معلنا فأرجع مغتمًا بما أنا فيه، وكان أبو خيثمة قد تخلف معنا، وكان لا يتهم في إسلامه ولا يغمص عليه فعزم على ما عزم، وكان أبو خيثمة يسمى عبد الله بن خيثمة السالمى، فرجع بعد أن سار رسول الله ﷺ حتى دخل على امرأتين له في يوم حار فوجدهما في عريشين لهما، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماءًا وهيأت له فيه طعامًا. فقال: سبحان الله، رسول الله ﷺ قد غفر له من ذنبه ما تقدم
стр. 2565
وما تأخر في الضح (١) والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسناوين مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى أخرج - فألحق برسول الله ﷺ فأناخ، ناضحه - يعني بعيره - وشد عليه قتبه وتزود وارتجل، فجعلت امرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما حتى أدرك عمير بن وهب الجمحى (٢) بوادى القرى يريد النبي ﷺ فصحبه فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: يا عمير إن لي ذنوبا وأنت لا ذنب لك فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ قبلك ففعل عمير، فسار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب الطريق. قال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة. فقال الناس: يا رسول الله هذا أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال له رسول الله ﷺ : خيرًا ودعا له.
هذه القصة رواها - بكل صدق ونزاهة وتجرد وأمانة - أحد الثلاثة الذين تخلفوا، وكاد أبو خيثمة أن يكون منهم لولا أنه تغلب على ضعفه البشرى فلحق برسول الله ﷺ وبقى الثلاثة من الصحب الكرام (كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع) يتجرعون هموم تخلفهما عن رسول الله ﷺ ، لأن حرارة الإيمان الصادق أيقظت ضمائرهما العامرة بالصدق والطهارة والنقاء فتحملوا - نتيجة تغلب الضعف البشرى عليهم - الشيء العظيم، وكان الهم الثقيل الذي تحملوه وشعروا بثقله يكاد يقطع نياط قلوبهم بعد فوات الأوان دليل عافية في إيمانهم، فلولا هذا الإِيمان الصادق ما أشغلوا بالهم، وما تحملوا منه ما تحملوا مما كاد أن يودى بحياتهم، فقد كان بإمكانهم أن ينتحلوا الأعذار ويبرروا تخلفهم أمام الرسول ﷺ بأي مبرر كاذب كما فعل المنافقون الذين قبل منهم الرسول ﷺ عذرهم مع انطوائهم على الغش والكذب والتزوير، ولكن كيف لإيمان
стр. 2566
كعب بن مالك شاهد بيعة العقبة وصاحبيه المؤمنين أن يسلكوا طريق المنافقين الشائن المنحط، وهم الذين لم يجد الشك والريبة الطريق إلى قلوبهم لحظة واحدة في حياتهم، فاعتصموا لذلك بقلعة الصدق، وقالوا لرسول الله ﷺ الحقيقة دونما أي (تغليف أو طك أو رتوش) فدفعوا ثمن هذا الصدق غاليًا، كؤوسًا مترعة بالكروب والهموم، تجرعوها عشرات الأيام حينما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بمقاطعتهم حين لم يقدموا عذرًا، بل اعترفوا بتقصيرهم لدى التحقيق الذي أجراه الرسول ﷺ مع كل الذين ينتسبون إلى الإِسلام وتخلفوا عن غزوة تبوك.
أما المنافقون "وهم كثر" فقد أسعفهم جدب قلوبهم من الإِيمان على أن يقدموا لرسول الله ﷺ من المعاذير ما يخالف الحقيقة، فقبل عذرهم واعتذارهم الظاهر ووكل باطنهم إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، لأنه ﷺ بشر لا يعلم من الغيب شيئًا إلا مما أخبره الله تعالى به عن طريق الوحى. أما كعب بن مالك وصاحباه المبرآن من الدِّخَل والنفاق فقد اعترفوا بذنبهم، فأعلنوا أنهم حين تخلفوا لم يكن لتخلفهم من مبرر فأسلموا أمرهم لله، فأمر الرسول ﷺ بتركهم وشأنهم، بل ومقاطعتهم حتى بتَّ القرآن في قضيتهم، فنزل بتوبتهم.
كعب بن مالك يتحدث عن مأساته:
ويحدثنا كعب بن مالك عن مأساته القاسية وكيف أنه لم يكن أمامه وصاحبيه مخرج سوى شيء واحدٌ يقولونه لدى استجواب الرسول ﷺ لهم: لماذا تخلفوا عن واجب الجهاد في سبيل الله تعالى، كما يحدثنا كعب عن فئات المنافقين الذين اختصروا ما يمكن أن يواجهوا من متاعب لتخلفهم، وذلك بلجوئهم إلى الكذب والتزوير بإظهارهم خلاف ما يبطنون.
قال كعب بن مالك: لما بلغني أن رسول الله ﷺ قافًلا من تبوك حضرنى بثّى، فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله ﷺ غدًا وأستعين على ذلك كل ذي رأى من أهلي، حتى ربما ذكرته للخادم رجاء أن يأتينى شيء أستريح إليه، فلما قيل: إن رسول الله
стр. 2567
- ﷺ قد أظل قادمًا، زاح عنى الباطل، وعرفت أنى لا أنجو منه إلا بالصدق فأجمعت أن أصدقه وصبَّح رسول الله ﷺ المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وأيمانهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ويقال من غير حديث كعب: إن رسول الله ﷺ لما نزل بذى أوان خرج عامة المنافقين الذين تخلفوا عنه: فقال رسول الله ﷺ : لا تكلموا أحدا منهم تخلَّف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم، فلم يكلموهم، فلما قدم المدينة جاءه المعذّرون يحلفون له وأعرض عنهم، وأعرض المؤمنون عنهم حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه وعمه، فجعلوا يأتون النبي ﷺ ويعتذرون إليه بالحمى والأسقام، فيرحمهم رسول الله ﷺ فيقبل منهم علانيتهم وأيمانهم، فحلفوا فصدقهم واستغفر لهم، ويكل أمرهم إلى الله .
قالوا: وقال كَعب بن مالك: جئت النبي ﷺ وهو جالس في المسجد، فسلمت عليه، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي، تعال، فجئت أمشى ثم جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلًا، ولكن والله لقد علمت. لئن حدثتك اليوم حديثًا كاذبًا لترض عنى ليوشكن الله أن يسخط عليَّ، ولئن حدثتك اليوم حديثًا صادقًا تجد (١) عليَّ فيه، أنى لأرجو عقبى الله فيه. ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : أما أنت فقد صدقت، فقم حتى يقضى الله فيك، فقمت وقام معى رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، وقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا بي
стр. 2568
يؤنبوننى حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، فلقيت معاذ بن جبل وأبا قتادة فقالا لي: لا تطع أصحابك وأقم على الصدق، فإن الله سيجعل لك فرجًا ومخرجًا إن شاء، فأما هؤلاء المعذّرون، فإن يكونوا صادقين فسيرضى الله ذلك ويعلمه نبيه، وإن كانوا على غير ذلك يذمهم أقبح الذمّ ويكذب حديثهم، فقلت لهم: هل لقى هذا غيرى؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة وقدوة.
فرض العزل الاجتماعى الذين خلفوا:
ثم يتحدث كعب بن مالك عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها وصاحباه نتيجة العزل الاجتماعى الذي فرضه الرسول ﷺ عليهم فيقول: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة - من بين مَنْ تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي والأرض التي كنت أعرفها، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا فقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، وكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالأسواق، فلا يكلمنى أحد، حتى آتى رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: حرك شفتيه برد السلام على أم لا؟ ، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة، - وهو ابن عمى وأحب الناس إلى - فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت قلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فنشدته الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم، فاضت عيناى، فوثبت فتسورت الجدار ثم غدوت إلى السوق.
ملك غسان يتصل بكعب بن مالك يغريه بالكفر:
ويستطرد كعب بن مالك فيتحدث عن أمر ضاعف من آلامه النفسية،
стр. 2569
وهو أن ملك الغساسنة النصارى بالشام علم بمأساة كعب بن مالك فأراد استغلالها لعله ينجح في إغراء كعب بترك دينه ومغادرة المدينة والالتحاق بالشام لكون ضمن أسرة الغساسنة المتنصرين. فقال مالك: فبينا أنا أمشى بالسوق فإذا نبطى من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالسوق يسأل عنى يقول: من يدلنى على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له، فدفع إلى كتابًا من الحارث بن أبي شمر ملك غسان -أو قال: من جبلة بن الأيهم- في سرقة (١) من حرير، فإذا في كتابه: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال كعب: فقلت حين قرأته: وهذا من البلاء أيضًا، قد بلغ منى ما وقعت فيه أن طمع في رجال من أهل الشرك، فذهبت بها إلى تنور فسجرته (٢) بها، وأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتينى فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها، وكان الرسول بعث إليّ وإلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، خزيمة بن ثابت. قال كعب: فقلت لامرأتى الحقى بأهلك، فكونى عندهم حتى يقضى الله في هذا الأمر ما هو قاض.
وأما هلال بن أمية فكان رجلًا صالحا، فبكى حتى أن كان يرى أنه هالك من البكاء، وامتنع من الطعام، فإن كان يواصل اليومين والثلاثة من الصوم ما يذوق طعامًا، إلا أن يشرب الشربة من الماء أو اللبن، ويصلى الليل ويجلس في بيته لا يخرج، لأن أحدًا لا يكلمه، حتى إن كان الولدان ليهجرونه لطاعة رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأته إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع، لا خادم له، وأنا أرفق به من غيرى، فإن رأيت أن تدعنى أن أخدمه فعلت. قال: نعم، ولكن لا تدعيه يصل إليك. فقالت: يا رسول الله ما به من حركة إلى، والله ما زال يبكى منذ يوم كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، وأن
стр. 2570
لحيته لتقطر دموعا الليل والنهار، ولقد ظهر البياض على عينيه حتى تخوفت أن يذهب بصره. قال كعب: فقال لي بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله ﷺ لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن خدمه. فقلت: والله، لا أستأذنه فيها، ما يدرينى ما يقول رسول الله ﷺ في ذلك إذا استأذنته، وأنا رجل شاب، والله لا أستأذنه. ثم لبثنا بعد ذلك عشر ليالٍ، وكملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا.
انتهاء المحنة بالتوبة:
ثم يستطرد كعب بن مالك متحدثًا عن مجيء الفرج عن السماء بانكشاف المحنة القاتلة وذلك بنزول القرآن بتوبة الثلاثة المتخلفين من الصحابة التي ذكر الله فيقول: ثم صليت الصبح على ظهر بيت من بيوتنا على الحال التي ذكر الله ، وقد ضاقت على الأرض بما رحبت، وضاقت على نفسي، وقد كنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع، فكنت، إذ سمعت صارخا أوفى على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج. فأذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حِين صلى الصبح.
وكانت التوبة التي تاب الله بها على الصحابة الكرام الثلاثة قد تضمتنها ثلاث آيات وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إِلَيهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وكانت أم المؤمنين أم سلمة تروى حديث هذه التوبة فتقول: قال لي رسول الله ﷺ من الليل: يا أم سلمة، قد نزلت توبة كعب بن مالك وصاحبيه. فقلت: يا رسول الله، ألا أرسلت إليهم فأبشرهم؟ فقال: رسول الله ﷺ : يمنعونك النوم آخر الليل، ولكن لا يرون حتى يصبحوا. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح أخبر الناس بما تاب الله
стр. 2571
على هؤلاء النفر، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فخرج أبو بكر فواى على سلع فصاح: قد تاب الله على كعب يبشره بذلك.
وخرح الزبير بن العوام على فرسه في بطن الوادي فسمع صوت أبي بكر قبل أن يأتي الزبير، وخرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره ببنى واقف، فلما أخبره سجد، قال سعيد: فظننت أنه لا يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، وكان بالسرور أكثر بكاء منه بالحزن حتى خيف عليه، ولقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي إلى رسول الله ﷺ لما ناله من الضعف والحزن والبكاء، حتى ركب حمارًا، وكان الذي بشر مرارة بن الربيع سلكان بنن سلامة أبو نائلة، وسلمة بن سلامة بن وقش، ووافيا الصبح مع النبي ﷺ من بني عبد الأشهل، ثم انطلقا إلى مرارة فأخبراه، فاقبل مرارة حتى توافوا عند النبي ﷺ .
وقال كعب بن مالك: وكان الصوت الذي سمعت من الفارس الذي يركض في الوادي - وهو الزبير بن العوام - والذي صاح على سلع - يقوق كعب -: كان رجلا من أسلم يقال له حمزة بن عمرو، وهو الذي بشرني. قال: فلما سمعت صوته نزعت ثوبى فكسوتهما إياه لبشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، ثم استعرت ثوبين من أبي قتادة فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله ﷺ ، وتلقاني الناس يهنئوننى بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المجلس ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن طلحة فحياني وهنأني، ما قام إلى من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال لي ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، ويقال قال له: تعال إلى خير يوم ما طلع عليك شرقه قط، قال كعب: أمن عندك يا رسول الله، أو من عند الله؟ فقال: من عند الله ، قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سر يستنير حتى كأن وجهه فلقة قمر، وكان يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتى إلى الله وإلى رسوله أن أنخلع من مالى إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 2572
أمسك عليك بعض مالك، هو خير لك. قال: قلت: إني ممسك بسهمى الذي بخيبر، قال رسول الله ﷺ : لا، قلت: النصف، قال: لا، قلت: فالثلث، قال: نعم، قال: إني يا رسول الله أحبس سهمى الذي بخيبر. قال كعب: قلت: يا رسول الله إن الله أنجانى بالصدق، فإن توبتى إلى الله أن لا أُحدث إلا صدقًا ما حييت. قال كعب: والله، ما أعلم؟ أحدًا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله ﷺ أفضل مما أبلانى، والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا، وإني لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى. وقال كعب وكان شاعرًا:
سبحان ربي إن لم يعف عن زللي ... فقد خسرت وتب القول والعمل
ثم قال كعب: فوالله ما أنعم الله على من نعمة قط إذ هدانى للإِسلام كانت أعظم في نفسي من صدقى رسول الله ﷺ ، ألا أكون كذبته يومئذ، فأهلك كما هلك الذين كذبوه. قال الله تعالى في الذين كذبوه حين أنزل عليه الوحى شر ما قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
قال كعب: وكنا خلفنا آيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ
стр. 2573
أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى (١).
تاريخ القدوم من تبوك:
وذكر الواقدي فقال: قالوا: وقدم رسول الله ﷺ المدينة في رمضان سنة تسع. فقال: الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسنة ومن بعدنا شركاؤنا فيه. فقالت عائشة: يا رسول الله، أصابكم السفر وشدة السفر ومن بعدم شركاؤكم فيه؟ .
فقال رسول الله ﷺ : أن بالمدينة لأقوامًا ما سرنا من مسير ولا هبطنا واديًا إلا كانوا معنا حبسهم المرض، أوليس الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢) فنحن غزاتهم وهم قعدتنا. والذي نفسي بيده لدعاؤهم أنفذ في عدوّنا من سلاحنا.
قالوا: وجعل المسلمون يبيعون سلاحهم ويقولون: انقطع الجهاد،
فجعل القوم منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنهاهم عن ذلك وقال: لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال.
وذكر ابن كثير فقال: قال علي بن طلحة الوالبى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد فلما مر بهم رسول الله ﷺ قال: (من هؤلاء؟ ) قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما أن بلغهم ذلك، قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال ابن كثير: وعسى من الله واجب، فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله ﷺ فأطلقهم
стр. 2574
وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها وعنا واستغفر لنا، فقال: (ما أمرت أن آخذ أموالكم) فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). قال: والمرجون هم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ... الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى آخرها، وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه.
وذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم أنه تخلف عن غزوة تبوك أيضًا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة، فقال له رسول الله ﷺ : "يكفيك من ذلك الثلث"، قال مجاهد وابن إسحاق، وفيه نزل: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيب ثم لم يكن منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرًا ﵁.
وروى البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيرى عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنّ منكم منافقين فمن سميت فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى عدّ ستة وثلاثين، ثم قال: إن فيكم -أو إن منكم- منافقين سلوا الله العافية"، قال: فمرّ عمر برجل مقنع وقد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ،
فقال: بعدا لك سائر اليوم.
قال ابن كثير: قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم.
стр. 2575
ومعذورون، وهم الضعفاء والرضى، والمقلون وهم البكَّاؤون.
وعصاة مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون.
وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون (١).
وفاة زعيم المنافقين ابن أُبَيٍّ:
وفي شهر شوال عام تبوك مرض زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومات في ذي القعدة في السنة التاسعة هجرية، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله ﷺ يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حب اليهود. فقال عبد الله بن أبي: أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه. ثم قال ابن أبي يا رسول الله، ليس بحين عتاب، فإن مت فاحضر غسلى وأعطنى قميصك أكفن فيه. فأعطاه الأعلى - وكان عليه قميصان - فقال: الذي يلي جلدك، فنزع قميصه الذي في جلده فأعطاه، ثم قال: صل عليّ واستغفر لي، وكان جابر بن عبد الله يقول: جاء رسول الله ﷺ بعد موت ابن أبي إلى قبره، فأمر به فأخرج، فكشف عن وجهه ونفث عليه من ريقه، وأسنده إلى ركبتيه وألبسه قميصه - وكان عليه قميصان - وألبسه الذي يلي جلده. قال الواقدي: والأول أثبت عندنا، أن رسول الله ﷺ حضر غسله وحضر كفنه، ثم حمل إلى موضع الجنائز، فتقدم رسول الله ﷺ ليصلى عليه، فلما قام وثب عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أتصلى على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا ويوم كذا وكذا، فعدَّ عليه قوله، فتبسم النبي ﷺ وقال: أخّر عنى يا عمر، فلما أكثر عليه عمر قال: إني قد خيّرت فاخترت، ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له زدت عليها، وهو قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٢).
يقال إنه ﷺ قال: سأزيد على السبعين. فصلى رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يكن إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآيات من براءة: ﴿وَلَا
стр. 2576
تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١).
ويقال أنه ﷺ لم تزل قدماه بعد دفن ابن أبي حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، فعرف رسول الله ﷺ في هذه الآية المنافقين، فكان من مات منهم لم يصل عليه. فقال عمر: فعجبت بعد من جرأتى على رسول الله ﷺ يومئذ والله ورسوله أعلم.
وكان مجمّع بن جارية يحدث يقول: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازة قط ما أطال عليها -أي جنازة ابن أبي- عن الوقت ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قبره، وقد حمل على سرير يحمل عليه موتاهما عند آل نبيط، وكان أنس بن مالك يحدث يقول: رأيت ابن أبي على السرير، وإن رجلاه لحارجتان من السرير من طوله.
وكانت أم عمارة تحدِّث قالت: شهدنا مأتم ابن أبي، فلم تتخلف امرأة من الأوس والخزرج إلا أتت ابنته جميلة بنت عبد الله بن أبي، وهي تقول: واجبلاه - ما ينهاها أحد ولا يعيب عليها أحد - واجبلاه واركناه، قالوا: ولقد انتهى به إلى قبره.
فكان عمرو بن أمية الضمرى يحدِّث يقول: لقد جهدنا أن ندنوا من سريره، فما نقدر عليه قد غلب عليه هؤلاء المنافقون وكانوا قد أظهروا الإِسلام، وهم على النفاق، من بني قينقاع وغيرهم: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، وسلامة بن الحمام، ونعمان بن أبي عامر، ورافع بن حرملة، ومالك بن أبي نوفل، وداعس، وسويد. وكانوا أخابث المنافقين وكانوا هم الذين يعرضونه وكان ابنه عبد الله ليس شيء أثقل عليه ولا أعظم من رؤيتهم، وكان به بطن، فكان ابنه يغلق دونهم الباب، فكان ابن أبي
стр. 2577
يقول: لا يلينى غيرهم. ويقول: أنت والله أحب إلى من الماء على الظماء.
ويقولون: ليتنا نفديك بالأنفس والأولاد والأموال، فلما وقفوا على حفرته، ورسول الله ﷺ واقف يلحظهم، ازدحموا على النزول في حفرته وارتفعت الأصوات حتى أصيب أنف داعس وجعل عبادة بن الصامت يذبّهم ويقول: اخفضوا أصواتكم عند رسول الله ﷺ ، حتى أصيب أنف داعس فسال الدم، وكان يريد أن ينزل في حفرته، فنحيّ ونزل رجال من قومه، أهل فضل وإسلام، وكان لما رأوا من رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وحضوره، ومن القيام عليه. فنزل في حفرته ابنه عبد الله (وكان من أفضل شباب الصحابة) وسعد بن عبادة بن الصامت، وأوس بن خولى حتى سوّى عليه، وإنَّ عليه أصحاب النبي ﷺ والأكابر من الأوس والخزرج يدلونه في اللحد، وهم قيام مع النبي ﷺ .
وزعم مجمع بن جارية أنه رأى رسول الله ﷺ يدليه بيديه إليهم، ثم قام على القبر حتى دفن، وعزى ابنه وانصرف. فكان عمرو بن أمية يقول: ما لقى أصحابه هؤلاء المنافقون، إنهم هم الذين كانوا يحثون في القبر التراب ويقولون: يا ليت أنا فديناك بالأنفس وكنَّا قبلك، وهم يحثون التراب على رؤوسهم. فكان الذي يحسن أمره يقول: قوم أهل فقر، وكان يحسن إليهم (١).
وقال بعض أهل الحديث والسير: إن الرسول ﷺ إنما صنع بعبد الله بن أبي ما صنع، إكرامًا لولده عبد الله حيث سأله ذلك، وما سئل شيئًا قط فقال: لا، وأما القميص فألبسه إياه مكافأة له لأنه ألبس العباس يوم بدر قميصًا، ولم يكن العباس يومئذ ثوب، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي تقدر عليه فكساه إياه كما زواه البغوي عن جابر بصيغة، وروى قال: قال ابن عيينة كانت له عند رسول الله ﷺ يد فأحب أن يكافئه. قال: وروى أن النبي ﷺ كافأ فيما فعل بعبد الله بن أبي. فقال النبي ﷺ : ما يغنى عنه قميصى وصلاتي من الله، والله إن كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه، وروى أنه أسلم بعد موته ألف من قومه لما رأوا تبرّك بقميص النبي
стр. 2578
- ﷺ ، وفي هذا -كما قال النووي- بيان عظيم مكارم أخلاق النبي ﷺ ، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإِيذاء، وقابله بالحسنى، فألبسه قميصه وصلى عليه واستغفر له. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
وقال ابن العربي - تعليقًا على استغراب عمر بن الخطاب صلاة الرسول ﷺ على ابن أبي -: وافق عمر ربه تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعًا، منها هذه القصة، وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وفي قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر، وكل هذه في الصحيح، وفي آية المؤمنين كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث علي بن زيد وافقت ربى لما أنزلت: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. فقلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فنزلت. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أنس، وفي تحريم الخمر كما روى أصحاب السنن والحاكم أن عمر قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى تحريمها، وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية، ذكره البغوي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومنها قصة الاستغفار للمنافقين، كما روى الطبراني من حديث ابن عباس. قال: لا أكثر رسول الله ﷺ من الاستغفار لقوم من المنافقين قال عمر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾.
القرآن والمنافقون:
لقد كانت أكثر أعمال المنافقين بروزًا في غزوة تبوك، ولهذا فقد فضحهم القرآن الكريم، فأنزل الله تعالى أكثر من ثمانين آية في هؤلاء المنافقين، وذلك في سورة براءة التي من أسمائها (الفاضحة) لأنها فضحت هؤلاء المنافقين.
فمن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ
ثم ندد القرآن الكريم بأحد زعمائهم الكبار وهو الجد بن القيس الذي قال - لما رغبه الرسول ﷺ في الجهاد -: أو تأذن لي ولا تفتنى؟ فوالله، لقد عرف قومى ما أحد أشد عجبًا بالنساء منى وإني لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١).
وفي المنافقين الذين تخلفوا عن الغزوة مع القدرة، ثم جاؤوا بعد عودة الرسول ﷺ ظافرًا يعتذرون وهم كاذبون. قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾ (٢). ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣).
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). إلى غير ذلك من الآيات التي تضمنتها سورة براءة (الفاضحة).
سيطرة الإِسلام على جزيرة العرب:
وبعد عودة الرسول ﷺ بجيشه من غزوة تبوك تلك العودة الظافرة ضرب الإِسلام بجرانه على جميع أنحاء الجزيرة العربية من الجنوب حتى الشمال ومن الشرق حتى الغرب، ولم يبق في الجزيرة من يعادى الإِسلام سوى جيوب وثنية صغيرة تقع في أقصى الجنوب الغربي من جزيرة العرب.
وهذه الجيوب التي تقع في نجران وبلاد مذحج بأقصى جنوب اليمن، وقد بعث الرسول ﷺ إلى هذه الجيوب بالبطلين علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد .. على بعث به إلى اليمن، وخالد بعث به إلى بني بلحارث بنجران، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، فأخضع كل من القائدين الناحية التي بعث إليها كما سيأتي تفصيله في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله، وبعد هاتين الحملتين العسكريتين انتهت كل الأعمال العسكرية بجزيرة
стр. 2581
العرب، حيث لم يعد أحد خارجًا على سلطان الإِسلام بها اللهم إلا ما حدث في السنة التي توفى فيها رسول الله ﷺ حيث تمردت فيها بعض القبائل بتحريض من مدعى النبوة في اليمن واليمامة وبنى أسد وذلك في أخريات أيام الرسول الأعظم ﷺ حيث تمرد في اليمن الأسود العنسى وادعى النبوة، كما تمرد في اليمامة وادعى النبوة مسيلمة الكذاب وتمرد وادعى النبوة أيضًا في بني أسد طليحة بن خويلد الأسدي، فأمر الرسول ﷺ قطعات من جيشه بإخضاع هؤلاء المرتدين المتمردين، فتم القضاء على فتنة الأسود العنسى قبيل وفاة النبي ﷺ . أما فتنة مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد فقد تولى علاجها وإخمادها الخليفة الأول أبو بكر الصديق على يد قائده المغوار خالد بن الوليد كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في كتابنا القادم والتالى لهذا عن (حروب الردة).
стр. 2582
الفصل الخامس
• نزول القرآن بفريضة الحج.
• أبو بكر الصديق يحج بالمسلمين نيابة عن النبي ﷺ .
• علي بن أبي طالب يبلغ المشركين إنذار القرآن لهم بأن لا يحجوا بعد ذلك العام.
• عام الوفود وتكامل الإِسلام في جزيرة العرب.
• مقابلة زعماء نصارى نجران للنبي ﷺ في المسجد وقصة المباهلة.
• جمع الزكوات من المسلمين.
• النبي يحج حجة الوداع.
• تجهيز جيش أسامة إلى الشام.
• مرض الرسول الأعظم ﷺ والتحاقه بالرفيق الأعلى.
стр. 2583
أما أهم حدث تشريعى بعد غزوة تبوك فهو افتراض الله الحج على المسلمين في أواخر السنة التاسعة من الهجرة، ولم يكن الحج قبل تلك السنة مفروضًا، وكان النبي ﷺ قبل هجرته يحج مع المشركين، أما بعد الهجرة فلم يحج إلا حجة واحدة هي حجة الإسلام والمسماة بحجة الوداع.
وبعد أن فرض الله الحج على المسلمين في التاسعة الهجرية، لم يحج النبي ﷺ تلك السنة، لأن عناصر من المشركين كانت حتى تلك السنة تحج، لذلك والله أعلم - بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق أميرًا على الحج بالمسلمين، فحج معه ثلاثمائة من المسلمين.
وكان بين رسول الله ﷺ وبين بعض المشركين عهد، ولما كان تقرر أن تتطهر جزيرة العرب كلها من دنس الشرك ونزلت سورة براءة بذلك، هذه السورة التي حددت فيها أربعون آية العلاقة بين الإسلام والوثنية، حيث أعلن في هذه الآيات أنه لا مكان بعد مدة حددها القرآن - للشرك في جزيرة العرب.
ولما كان الوفاء بالعفود من أخص خصائص الإسلام، فإن القرآن (حين
أمهل المشركين الذين لم يكن لهم عهد، أربعة أشهر ليكون لهم فيها مطلق الحرية في أن يختاروا الدخول في الإسلام أو مغادرة الجزيرة العربية) أمر رسول الله ﷺ فيما تخص بالمشركين الذين لهم عهد إلى مدة - أن يتركوا وشأنهم حتى تتهى مدتهم ماداموا لم يرتكبوا مخالفة تخل بالعهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، ثم يطبق عليهم - بعد انتهاء المعاهدة - ما تضمنته آيات الإنذار الموجهة إلى المشركين ككل. وقد كان هذا الأمر صريحًا في صورة براءة التي تضمنت الإنذار فقد قال تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
وكانت سورة براءة قد نزلت بعد أن فصل أمير الحج أبو بكر من المدينة، ولذلك بعث رسول الله ﷺ آيات الإنذار لتتلى على المشركين، ابن عمه علي بن أبي طالب، وقد أدرك على أمر الحج أبا بكر بمنطقة العرج قرب الطائف.
стр. 2584
فقد ذكر أصحاب الحديث والسير أن أبا بكر لما كان با العرج في السحر سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصوى، فقال: هذه القصوى، فنظر فإذا علي بن أبي طالب عليها. فقال له: استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثنى أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده، فمضيا الاثنان أبو بكر أمير على الحج وعلى مبعوث خاص للنبي ﷺ لإبلاغ المشركين الإِنذار الذي جاءت به سورة براءة.
ولما كانت الحجة التي حج فيها أبو بكر بالمسلمين أميرًا هي الحجة الأولى المفروضة في الإِسلام فقد أمر الرسول ﷺ الأمير أبا بكر أن يصلح في الحج ما أفسده المشركون فيخالفهم فيما ابتدعوه في أعمال الحج، فأمر أن يكون وقوفه (يوم الوقوف) بعرفة لا بمزدلفة، وكانت قريش لا تقف في الحج بعرفة وإنما تقف بمزدلفة، كما أمره أن لا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وأمره كذلك أن يدفع بالحجيج من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
فخرج أبو بكر بن المدينة حتى قدم مكة - وهو مفرد بالحج - فخطب الناس قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، أي في الوم السابع من ذي الحجة. ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادر نصًّا لهذه الخطبة، ولما زاغت الشمس يوم التروية (وهو اليوم الثامن) طاف بالبيت سبعا، ثم ركب راحلته من باب بني شيبة إلى منى، وصلى بها هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ولم يتحرك إلى عرفات يوم التاسع من ذي الحجة حتى طلعت الشمس على ثبير (١)، وبعد أن ركب من منى انتهى إلى نمرة (٢) وهناك نزل في قبة من شعر فقال فيها، فلما زاغت الشمس ركب راحلته حتى وصل بطن عُرَنة (٣)، وهناك صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثم ركب راحلته إلى عرفة، وهناك وقف بالهضاب والمصلى سحابة نهاره، حتى إذا ما غربت الشمس دفع أي خرج بالحجيج، وكان يسير العنق حتى انتهى إلى
стр. 2585
جمع (أي المزدلفة) فنزل قريبًا من النار التي على قزح، فلما طلع الفجر صلى الفجر، ثم وقف، فلما أسفر الصبح دفع إلى منى، وكان يقول في وقوفه: أيها الناس أسفروا، أيها الناس أسفروا، فكان يسير العنق حتى انتهى إلى محسر فأوضع رأحلته، فلما جَاوز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، وعندما وصل منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم رجع إلى النحر فنحر ثم حلق، ثم خطب يوم افحر (وهو يوم العيد) على راحلته، وبعد ذلك أكمل مناسك الحج الباقية ثم رجع المدينة.
الإِنذار الذي تلقاه المشركون:
وفي يوم النحر (وهو يوم الحج الأكبر) وقف مبعوث النبي ﷺ الخاص علي بن أبي طالب، عند جمرة العقبة - حيث مكان تجمع للحجيج - فأبلغ المشركين - وكانوا يحجون حتى تلك السنة وهي التاسعة من الهجرة - أبلغهم المقرارات التي اتخذها النبي ﷺ حسب أمر الله تعالى والتي تتلخص في:
١ - منع أي مشرك أن يحج أو يقرب المسجد الحرام بعد ذلك العام.
٢ - الحظر حظرًا تامًّا على أي إنسان أن يطوف بالبيت وهو عريان، وكان من طقوس الوثنيين الشائنة أن يطوفوا بالبيت وهم عريانين تمامًا رجالا ونساء.
٣ - منح المشركين الذين لا عهد لهم مع المسلمين، منحهم مهلة أربعة أشهر يكونون فيها أحرارًا في اتخاذ القرار النهائى الذي يروق لهم، فعليهم إما أن يدخلوا في الإسلام أو يغادروا جزيرة العرب إلى أي مكان شاعوا، وإلا فليستعدوا للقتال، حيث لم يعد (بعد هذه المدة) مكان للشرك والمشركين في الجزيرة العربية. أما الذين بينهم وبين المسلمين معاهدة فإن لهم حق البقاء في الجزيرة حتى ينتهى أمد المعاهدة، وبعد ذلك يطبق عليهم قانون التخيير بين الدخول في الإسلام أو مغادرة الجزيرة أو القتال.
وكان هذا الإنذار إلى المشركين قد جاء نتيجة نزول أربعين آية من سورة (براءة) نزلت على رسول الله تضمنت هذا الإنذار.
стр. 2586
قال ابن كثير: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وكان قد بعث أبا بكر الصديق ليقيم الناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: (لا يؤدى عنى إلا رجل عن أهل بيتي) ثم دعا علي بن أبي طالب فقال: (اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد رسول الله فهو إلى مدته) فخرج على حتى أدرك أبا بكر، حتى إذا كان يوم النحر قام على فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ وأجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهما وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان) (١).
والآيات المتعلقة من سورة براءة بالمعاهدات والمهلة ومنع المشركين من دخول المسجد هي قوله تعالى:
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
стр. 2587
حملة خالد بن الوليد إلى نجران .. ربيع الآخر عام ١٠ ه ـ:
وبعد غزوة تبوك التي حدثت في رجب من السنة التاسعة للهجرة، والتي كانت خاتمة الأعمال الحربية التي يقودها النبي ﷺ بنفسه، حوى الإِسلام الوضاء جميع أقاليم الجزيرة العربية تحت جناحية، ما عدا منطقتين قصيتين في الركن الجنوبي من جزيرة العرب، وهما منطقة مذحج باليمن ومنطقة بني الحارث بنجران. هؤلاء لم يجيبوا داعى الإِسلام، فلم يبعثوا بوفودهم إلى المدينة لإِعلان إسلامهم كما فعلت كل العرب خلال السنة التاسعة من الهجرة.
وقد بعث الرسول ﷺ إلى مذحج الموجودين في أقصى جنوب اليمن - الإمام علي بن أبي طالب، وإلى بني الحارث في نجران خالد بن الوليد.
ففي شهر ربيع الآخر أصدر الرسول القائد ﷺ أمرًا إلى القائد خالد بن الوليد بأن يتحرك إِلى بني الحارث بنجران - وكانوا بطن من القحطانية عظيم من مزحج فَهُمْ قوة هائلة وتاريخهم العسكري في الجاهلية تاريخ مشهور - وكان الجيش الذي قاده خالد بن الوليد جيشًا كثيفًا.
وقد أمر الرسول ﷺ القائد خالدا بأن لا يبدأهم القتال حتى يعذر إليهم، بحيث يدعوهم (أولًا) إلى الإِسلام ثلاثا، فإن أجابوا وأسلموا وإلا قاتلهم واجتاح ديارهم كى يمحو آثار الشرك بينهم، لأن الرسول ﷺ قرر أن لا تبقى للشرك والوثنية أية معالم في جزيرة العرب.
كما قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. وقد صدع خالد بأمر رسول الله ﷺ فشخص بجيشه إلى نجران، ولما وصل هناك نفذ تعليمات الرسول القائد ﷺ فوجه (أولًا) الدعوة إلى بني الحارث بأن يدخلوا في الإِسلام كى لا يضطر إلى محاربتهم، ويذكر المؤرخون أن قبيلة بني الحارث قد استجابوا لداعى الإِسلام دون أن يبدوا أية مقاومة عسكرية، وقاموا بإرسال وفد منهم إلى
стр. 2588
المدينة لتأكيد إسلامهم على يد النبي ﷺ ..
قال ابن إسحاق: فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإِسلام، ويقولون. أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم يخالد يعلمهم الإِسلام وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وبذلك أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
وبعد أن أسلم بنو الحارث على يد خالد بن الوليد أبلغ رسول الله ﷺ كتابًا قال فيه: بسم الله لمحمد رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتنى إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتنى أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، وقبلت منهم وعلمتهم معالم الإِسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام كما أمرنى رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث أسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمر الله ﷺ وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إلى رسول الله ﷺ ، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
وبعد أن تسلم الرسول ﷺ كتاب خالد بن الوليد المتضمن إسلام قبائل بني الحارث بنجران دونما قتال، أمره بأن يعود إلى المدينة وأن يصطحب معه وفدًا من ساداتهم وذلك في كتاب بعث به النبي ﷺ إلى خالد قال فيه: "من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءنى مع رسولك، تخبرنى أن بني الحارث بن كعب أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وانذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
وبعد أن تلقى خالد جواب رسول الله ﷺ المتضمن أمره بأن يعود
стр. 2589
ومعه وفد بني الحارث عاد خالد ومعه الوفد ومن الجدير بالذكر أن بني عبد المدان المشهورون بالشرف كانوا من بني الحارث وفيهم يقول الشاعر:
ولو أني بليت بهاشمى ... خؤولته بنو عبد المدان
لهان على ما ألقى ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
قال ابن إسحاق (١): فأقبل خالد وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحسين ذي الغصة، ويزيد بن عبد الدان (٢)، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادى، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابى.
فلما قدموا على رسول الله ﷺ فرآهم قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم
رجال الهند، قيل يا رسول الله: هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، قال رسول الله ﷺ : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال رسول الله ﷺ أنتم الذين إذا زجروا استقدموا، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة. فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله ﷺ : لو أن خالدًا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم.
وهنا أجابه يزيد بن عبد المدان بما يؤكد أن النبي ﷺ يمنح الناس حرية القول المطلقة، وهو ما يسمون اليوم (بالديمقراطية) فقد قال له يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حَمِدْنَا خالدًا. قال: فمن حمدتم؟ قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، قال: صدقتم.
стр. 2590
وكان بنو الحارث قوة ضاربة مرهوبة في الجاهلية مشهورة بكثرة انتصاراتها في المعارك التي تخوضها، لأنهم مجتمعون على كلمة واحدة، ولديهم من العقل ما يمنعهم من الاعتداء على الناس ولكن إذا أجبروا على الحرب خاضوها كسبوها. ولذلك سألهم رسول الله ﷺ : بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا لم نكن نغلب أحدا. قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم. قال صدقتم، وأَمَّر رسول الله ﷺ علي بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين.
قال ابن إسحاق: فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال وفي صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله ﷺ .
ويذكر رواة الحديث وأصحاب السير، أن الرسول ﷺ بعث إلى بني الحارث - بعد أن غادر المدينة وفدهم - عمرو بن حزم ليفقههم في الدين السنة ومعالم الإِسلام ويأخذ منهم صدقاتهم. وقد كتب الرسول ﷺ لعمرو بن حزم كتابًا ضمنه نواحى هامة من أوامر الإِسلام ونواهيه وآدابه، وقد كان لهذا الكتاب منزلة كبيرة بين كثير من رجال التشريع المسلمين لما احتوى على كثير من أصول التشريع الإِسلامي، ويطلق علماء الحديث على هذا الكتاب اسم صحيفة عمرو بن حزم، (١) وبعضهم لا يحتج بها لضعف في سند روايتها، والأكثر يحتجون بها، ولأهمية ما جاء في هذه الصحيفة من تعاليم وتوجيهات وآداب فإنا سنوردها هنا كاملة بإذن الله تعالى، فهي:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا
стр. 2591
أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إلا طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: (الحج الأكبر والحج الأصغر هو العمرة)، وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبًا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبى أحد في ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمر بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإِبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبير، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلامًا خالصا من نفسه، ودان بالإِسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما
стр. 2592
عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابًا.
فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته (١).
سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن ... رمضان عام ١٠ هجرية:
وفي بلاد مذحج من جنوب اليمن بلغ النبي ﷺ أنهم قد ركبهم العناد فلم يدخلوا فيما دخل فيه أهل الجزيرة من الإسلام، فجرد عليهم حملة عسكرية أخضعتهم وبذلك تم تطهير تلك البقعة النائية في جزيرة العرب من الشرك.
وقد اختار الرسول ﷺ قائدا لهذه الحملة علي بن أبي طالب، فعقد له لواء على ثلاثمائة كلهم من الفرسان، وقد أمر الرسول ﷺ عليا أن يبلغ أولئك المشركين المذحجيين دعوة الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه والاهتداء بهديه قبل أن يبدأهم القتال.
فقد ذكر الواقدي وابن إسحاق وموسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ بعث عليا في رمضان سنة عشر هجرية وأمره أن يعسكر بقباء، فعسكر بها حتى تتام أصحابه، فعقد له رسول الله ﷺ يومئذ لواءا، أخذ عمامة فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس رمح ثم دفعها إليه. وقال: هكذا اللواء، وعممه عمامة ثلاثة أكوار، وجعل ذراعًا بين يديه وشبرًا من ورائه، ثم قال: هكذا العمة.
قال الواقدي: فحدثني أسامة بن زيد عن أبيه، عن عطاء بن يسار عن أبي رافع، قال لما وجهه رسول الله ﷺ قال: امض ولا تلتفت، فقال على: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم
стр. 2593
حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلهم حتى تلومهم ترهم أناة (١)، ثم تقول لهم: هل لكم أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا: نعم فقل: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل: هل تخرجوا من أموالكم صدقة تردونها على فقرائكم فإن قالوا نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك والله لإِن يهدى الله على يدك رجلا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت.
قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما انتهى إلى الناحية التي يريد - وهي أرض مذحج - (٢) فرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبى نساء وأطفال (٣) ونعم وشاء وغير ذلك. فجعل على على الغنائم بريدة بن الحصيب، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقاهم جمع، ثم لقى جمعًا فدعاهم إلى الإِسلام وحرض بهم، فأبوا ورموا في أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي (٤) فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السلمي (٥)، فجاولا ساعة وهما فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه، ثم حمل عليهم على بأصحابه فقتل منهما عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائمًا، فكف عن طلبهم ودعاهم إلى الإِسلام، فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإِسلام، وقالوا: نحن على من ورائنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.
فجمع على ما أصابوا من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء فأقرع عليها، فكتب في سهم منها (لله)، فخرج أول السهام سهم الخمس، ولم ينفل
стр. 2594
أحدٌ من الناس شيئًا. فكان من قبله يعطون أصحابها - الحاضر دون غيرهم - من الخمس، ثم يخبر بذلك رسول الله ﷺ فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من على فأبى وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله ﷺ فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله ﷺ يوافى الموسم (أي الحج) ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله، فانصرف راجعا، تعجل وخلف على أصحابه أبا رافع (١).
ولا انتصر علي على مشركى مذحج بجنوب اليمن، ودخلوا في الإِسلام، كتب إلى رسول الله ﷺ كتابًا مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني (٢) يخبره أنه لقى جمعًا من زبيد (وزبيد من مذحج)، وأنه دعاهم إلى الإِسلام وأعلمهم أنهم إن أسلموا كف عنهم، فأبوا ذلك وقاتلهم. فقد قال علي في كتابه هذا: فرزقنى الله الظفر عليهم حتى قتل منهم من قتل. ثم أجابوا إلى ما كان عرض عليهم، فدخلوا في الإِسلام وأطاعوا بالصدقة (أي الزكاة)، وأتى بشر منهم للدين وعلمتهم قراءة القرآن، ولا تسلم رسول الله ﷺ كتاب على أمره أن يوافيه في الموسم (أي الحج) فانصرف عبد الله بن عوف إلي على بذلك.
إسلام كعب الأخبار:
وجاء في كتب الحديث والتاريخ والتراجم أن علي بن أبي طالب لا قدم اليمن غازيا في تلك السنة سمع به كعب الأحبار (ومعه حبر من أحبار اليهود) .. وكان كعب أيضًا حبرًا من أحبارهم .. فخطب على وكعب والحبر اليهودى يستمعان إليه.
ونقل عن كعب الأحبار أنه قال: لما قدم على اليمن لقيته فقلت: أخبرني عن صفة محمد. فجعل يخبرنى عنه، وجعلت أتبسم فقال: مم تتبسم فقلص: مما يوافق ما عندنا من صفته فقال: ما يحل وما يحرم، فقلت: فهو
стр. 2595
عندنا كما وصفت، وصدقت برسول الله ﷺ وآمنت به، ودعوت من قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرًا فقلت: هذا كان أبي يختمه على ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفى رسول الله ﷺ ، وتوفى أبو بكر، فقدمت في خلافة عمر، ويا ليت أنى تقدمت في الهجرة. (١)
عام الوفود وتكامل الإِسلام في جزيرة العرب:
ثلاثة أحداث خطيرة هامة متلاحقة جعلت اليأس الكامل - بين الوثنيين في جزيرة العرب - يحل محل أي أمل لمبادئ الشرك والوثنية أن تبقى قائمة في جزيرة العرب.
وهذه الأحداث الهامة المتلاحقة باطراد هي:
١ - فتح مكة وسيطرة المسلمين على هذه العاصمة المقدسة عند العرب على اختلاف اتجاهاتهم الوثنية وميولهم القبلية.
٢ - انتصار المسلمين في معركة حنين على أقوى قوة وثنية ضاربة (قوة هوازن) التي كانت أمل المتبقين على الوثنية في أن يعيد انتصارها على المسلمين الأمل بعودة سلطان الوثنية كما كان.
٣ - الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون في غزوة تبوك التي هي (من حيث ضخامة الجيش) أكبر حملة عسكرية في تاريخ الإِسلام في العهد النبوي، حيث أرهبت هذه الحملة أعظم إمبراطورية كانت سيدة العالم بلا منازع وهي الإمبراطورية البيزنطية التي جبنت وأحجمت عن التصدى للمسلمين الذين وصلوا تبوك وتحدوا هذه الإمبراطورية ببث الدوريات المسلحة في أطراف الشام وأخضعوا كثيرًا من العرب المتنصرة الموالين للرومان مثل نصارى دومة الجندل وحكام أذرح وجرباء وإيلات داخل الشام نفسها ففرضوا عليهم الجزية، رغم أنهم ضمن ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية.