← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إلا طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: (الحج الأكبر والحج الأصغر هو العمرة)، وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبًا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبى أحد في ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمر بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإِبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبير، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلامًا خالصا من نفسه، ودان بالإِسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما

стр. 2592

عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابًا. فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته (١). سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن ... رمضان عام ١٠ هجرية: وفي بلاد مذحج من جنوب اليمن بلغ النبي ﷺ أنهم قد ركبهم العناد فلم يدخلوا فيما دخل فيه أهل الجزيرة من الإسلام، فجرد عليهم حملة عسكرية أخضعتهم وبذلك تم تطهير تلك البقعة النائية في جزيرة العرب من الشرك. وقد اختار الرسول ﷺ قائدا لهذه الحملة علي بن أبي طالب، فعقد له لواء على ثلاثمائة كلهم من الفرسان، وقد أمر الرسول ﷺ عليا أن يبلغ أولئك المشركين المذحجيين دعوة الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه والاهتداء بهديه قبل أن يبدأهم القتال. فقد ذكر الواقدي وابن إسحاق وموسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ بعث عليا في رمضان سنة عشر هجرية وأمره أن يعسكر بقباء، فعسكر بها حتى تتام أصحابه، فعقد له رسول الله ﷺ يومئذ لواءا، أخذ عمامة فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس رمح ثم دفعها إليه. وقال: هكذا اللواء، وعممه عمامة ثلاثة أكوار، وجعل ذراعًا بين يديه وشبرًا من ورائه، ثم قال: هكذا العمة. قال الواقدي: فحدثني أسامة بن زيد عن أبيه، عن عطاء بن يسار عن أبي رافع، قال لما وجهه رسول الله ﷺ قال: امض ولا تلتفت، فقال على: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال: إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم

стр. 2593

حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلهم حتى تلومهم ترهم أناة (١)، ثم تقول لهم: هل لكم أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا: نعم فقل: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل: هل تخرجوا من أموالكم صدقة تردونها على فقرائكم فإن قالوا نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك والله لإِن يهدى الله على يدك رجلا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت. قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد، فلما انتهى إلى الناحية التي يريد - وهي أرض مذحج - (٢) فرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبى نساء وأطفال (٣) ونعم وشاء وغير ذلك. فجعل على على الغنائم بريدة بن الحصيب، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقاهم جمع، ثم لقى جمعًا فدعاهم إلى الإِسلام وحرض بهم، فأبوا ورموا في أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي (٤) فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخزاعي السلمي (٥)، فجاولا ساعة وهما فارسان، فقتله الأسود وأخذ سلبه، ثم حمل عليهم على بأصحابه فقتل منهما عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائمًا، فكف عن طلبهم ودعاهم إلى الإِسلام، فسارعوا وأجابوا، وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإِسلام، وقالوا: نحن على من ورائنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. فجمع على ما أصابوا من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء فأقرع عليها، فكتب في سهم منها (لله)، فخرج أول السهام سهم الخمس، ولم ينفل

стр. 2594

أحدٌ من الناس شيئًا. فكان من قبله يعطون أصحابها - الحاضر دون غيرهم - من الخمس، ثم يخبر بذلك رسول الله ﷺ فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من على فأبى وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله ﷺ فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله ﷺ يوافى الموسم (أي الحج) ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله، فانصرف راجعا، تعجل وخلف على أصحابه أبا رافع (١). ولا انتصر علي على مشركى مذحج بجنوب اليمن، ودخلوا في الإِسلام، كتب إلى رسول الله ﷺ كتابًا مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني (٢) يخبره أنه لقى جمعًا من زبيد (وزبيد من مذحج)، وأنه دعاهم إلى الإِسلام وأعلمهم أنهم إن أسلموا كف عنهم، فأبوا ذلك وقاتلهم. فقد قال علي في كتابه هذا: فرزقنى الله الظفر عليهم حتى قتل منهم من قتل. ثم أجابوا إلى ما كان عرض عليهم، فدخلوا في الإِسلام وأطاعوا بالصدقة (أي الزكاة)، وأتى بشر منهم للدين وعلمتهم قراءة القرآن، ولا تسلم رسول الله ﷺ كتاب على أمره أن يوافيه في الموسم (أي الحج) فانصرف عبد الله بن عوف إلي على بذلك. إسلام كعب الأخبار: وجاء في كتب الحديث والتاريخ والتراجم أن علي بن أبي طالب لا قدم اليمن غازيا في تلك السنة سمع به كعب الأحبار (ومعه حبر من أحبار اليهود) .. وكان كعب أيضًا حبرًا من أحبارهم .. فخطب على وكعب والحبر اليهودى يستمعان إليه. ونقل عن كعب الأحبار أنه قال: لما قدم على اليمن لقيته فقلت: أخبرني عن صفة محمد. فجعل يخبرنى عنه، وجعلت أتبسم فقال: مم تتبسم فقلص: مما يوافق ما عندنا من صفته فقال: ما يحل وما يحرم، فقلت: فهو

стр. 2595

عندنا كما وصفت، وصدقت برسول الله ﷺ وآمنت به، ودعوت من قبلنا من أحبارنا، وأخرجت إليهم سفرًا فقلت: هذا كان أبي يختمه على ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. قال: فأقمت باليمن على إسلامي حتى توفى رسول الله ﷺ ، وتوفى أبو بكر، فقدمت في خلافة عمر، ويا ليت أنى تقدمت في الهجرة. (١) عام الوفود وتكامل الإِسلام في جزيرة العرب: ثلاثة أحداث خطيرة هامة متلاحقة جعلت اليأس الكامل - بين الوثنيين في جزيرة العرب - يحل محل أي أمل لمبادئ الشرك والوثنية أن تبقى قائمة في جزيرة العرب. وهذه الأحداث الهامة المتلاحقة باطراد هي: ١ - فتح مكة وسيطرة المسلمين على هذه العاصمة المقدسة عند العرب على اختلاف اتجاهاتهم الوثنية وميولهم القبلية. ٢ - انتصار المسلمين في معركة حنين على أقوى قوة وثنية ضاربة (قوة هوازن) التي كانت أمل المتبقين على الوثنية في أن يعيد انتصارها على المسلمين الأمل بعودة سلطان الوثنية كما كان. ٣ - الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون في غزوة تبوك التي هي (من حيث ضخامة الجيش) أكبر حملة عسكرية في تاريخ الإِسلام في العهد النبوي، حيث أرهبت هذه الحملة أعظم إمبراطورية كانت سيدة العالم بلا منازع وهي الإمبراطورية البيزنطية التي جبنت وأحجمت عن التصدى للمسلمين الذين وصلوا تبوك وتحدوا هذه الإمبراطورية ببث الدوريات المسلحة في أطراف الشام وأخضعوا كثيرًا من العرب المتنصرة الموالين للرومان مثل نصارى دومة الجندل وحكام أذرح وجرباء وإيلات داخل الشام نفسها ففرضوا عليهم الجزية، رغم أنهم ضمن ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية.

стр. 2596

يضاف إلى ذلك قيام قطعات من الجيش النبوي هنا وهناك بتطهير جيوب وثنية صغيرة كانت واهمة بأنها قادرة على مقاومة الإِسلام والبقاء على وثنيتها مثل أهل نجران ومذحج باليمن. بعد كل هذه الأحداث التي بعدها أصبح الإِسلام المسيطر بلا منازع على كل أقطار الجزيرة، نظر المتربصون في أنحاء الجزيرة العربية في الوضع وقاموا بمعادلة دقيقة، توصلوا بعدها إلى أن لا فائدة من إبداء أية مقاومة ضد تيار الإسلام الجارف، فقرروا - عن رغبة أو رهبة - أن يبعثوا بوفودهم إلى المدينة لتعلن دخول الجميع في الدين الجديد. فأخذت وفود العرب - منذ السنة التاسعة الهجرية حتى أوائل الحادية عشرة منها - تتبارى في التسابق إلى المدينة للدخول في الإِسلام فازدحمت المدينة بهذه الوفود. فكان ذلك نصرًا من الله العزيز القدير سجله القرآن في سورة كاملة وهي سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وقد سجل أحد أئمة المغازي هذه الحقيقة وهو محمد بن إسحاق في كتاب سيرة ابن هشام فقال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف (١) وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وإنها كانت تسمى سنة الوفود. قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحى من قريش، وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وضريح ولد إسماعيل بن إبراهيم (﵇)، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافة، فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش ودوخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بمحاربة رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال ، أفواجًا يضربون إليه

стр. 2597

من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي فاحمد الله على ما أظهر من ديخك واستغفره إنه كان توابا. اهـ. ونحن سنذكر هنا (بشيء من الاختصار) أسماء جميع الوفود ونبذا من أخبارهم إن شاء الله تكملة للفائدة وتنويرًا للقارئ وتثقيفًا. وعامة الوفود وفدوا على رسول الله ﷺ فيما بين السنة التاسعة هجرية وأوائل السنة الحادية عشر. وقلة منهم وفد في السنة الثامنة. -١ - وفد مزينة ويذكر المؤرخون أن أول وفد في الإِسلام وفد على رسول الله ﷺ هم وفد مزينة. وفد منهم على رسول الله ﷺ أربعمائة فارس يرأسهم الصحابي الصالح التقى الفاتح بطل معركة فتح الفتوح (نهاوند بفارس) النعمان بن مقرن. وكان لمزينة شأن عظيم في نصرة الإِسلام وخاصة أيام الردة حيث صارت قبيلة مزينة العمود الفقرى للجيش الذي صد به الخليفة الأول هجوم المرتدين عن المدينة بعد وفاة الرسول ﷺ ، وكان الذي بايع رسول الله ﷺ على مزينة خزاعى بن عبد نهم (١). وكان خزاعى رجلا شريفًا فظن بقومه الخير فبايع عنهم جميعا على الإسلام، ولكنه -أول الأمر - لم يجدهم كما يظن، وكان حسان بن

стр. 2598

ثابت قد أمره الرسول ﷺ أن يقول شعرًا فيذكر فيه خزاعيا ولا يهجوه. فقال حسان: ألا أبلغ خزاعيا رسولا ... بأن الذَّمَّ يغسله الوفاء وأنك خير عمان بن عمرو ... وأسناها إذا ذكر السناء وبايعت الرسول وكان خيرًا ... إلى خير وأداك الثراء فما يعجزك أو ما لا تطقه ... من الأشياء لا تعجز عداء فقال خزاعى لقومه: يا قوم قد خصكم شاعر الرجل فأنشدكم الله، فأجابوه جميعهم إلى الإسلام قائلين: فإنا لا ننبوا عليك، فأسلموا ووفدوا على النبي ﷺ ، فدفع رسول الله ﷺ لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعى هذا وكانوا يومئذ ألف رجل، ومزينة هي القبيلة الباسلة الوحيدة التي جعلها الرسول ﷺ ضمن المهاجرين رغم أنها كانت مقيمة بباديتها حسب رغبة الرسول ﷺ الذي قال لهم: أنهم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم، فرجعوا إلى بلادهم ومن الجدير بالذكر أن وفد مزينة جاء المدينة سنة خمس هجرية (١). وهو الوفد الوحيد الذي وفد قبل السنة التاسعة. - ٢ - وفد بني أسد ثم وفد على رسول الله ﷺ وفد بني أسد بن خزيمة في السنة التاسعة، وكانوا عشرة رهط على رأسهم الصحابي الجليل البطل، ضرار بن الأزور (٢) وكان من بينهم فارس بني أسد طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فيما بعد،

стр. 2599

وحارب جيوش الخلافة حربًا طاحنة فهزمه خالد بن الوليد حتى فر إلى الشام، وفي وفد بني أسد أنزل الله تعالى قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ الآية، لأنهم قالوا للرسول ﷺ : أتيناك نتدرع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثًا. - ٣ - وفد تميم كذلك وفد على رسول الله ﷺ وفد تميم من نجد، وكانوا تسعين رجلًا، بينهم عدة من ساداتهم، فيهم عطارد بن حاجب (١)، والزبرقان بن بدر (٢)، وقيس بن عاصم (٣)، والأقرع بن حابس.

стр. 2600

وفي وفد بني تميم هذا أنزل الله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١). لأنهم نادوا (وهم في المسجد) رسول الله ﷺ : أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم فخرج إليهم وقصتهم وقصة مفاخرة شعرائهم وخطبائهم في المسجد مطولة، انظرها في سيرة ابن هشام وطبقات بن سعد والبداية والنهاية، وكان خطيبهم عطارد بن حاجب، فرد عليه ثابت بن قيس بن الشماس (٢) بأمر رسول الله ﷺ ، أما شاعرهم، فكان الزبرقان بن بدر، ورد عليه حسان بن ثابت بأمر من رسول الله ﷺ ، وقد اعترفت تميم أن خطيب النبي أخطب من خطيبهم وشاعره أشعر من شاعرهم (انظر سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٠٦ إلى ٢١٣). - ٤ - وفد عبس كذلك وفد على الرسول ﷺ وفد بني عبس من نجد، وفد تسعة رهط منهم، فيهم ميسرة بن مسروق وبشر بن الحارث بن عبادة، فأسلموا، فدعا لهم رسول الله ﷺ بخير، وقال: أبغونى رجلًا يعشركم أعقد لكم لواءًا، فدخل طلحة بن عبيد الله، فعقد لهم لواءًا وجعل شعارهم يا عشرة. وبعد أن أسلموا قدم ثلاثة منهم على رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هي

стр. 2601

معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا فقال رسول الله ﷺ : اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا ولو كنتم بصمد وجازان، وسألهم عن (حكيمهم) خالد بن سنان العبسى، فقالوا: لا عقب له، فقال: نبي ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد بن سنان (طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٦). - ٥ - وفد فزارة وفزارة من أعظم قبائل غطفان، وسيدها كان عيينة بن حصن الملقب بالأحمق المطاع، قدم وفد فزارة المدينة سنة تسع. قال ابن سعد: لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، وكانت سنة تسع، قدم عليه وفد فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حسن والحر بن قيس، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاؤوا مقرين بالإِسلام، وسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله اسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرت عيالنا، فادع لنا ربك، فصعد رسول الله ﷺ المنبر ودعا فقال: اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مرئيا مربعا مطبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعًا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء، فمطرت، فما رأوا السماء ستًّا، فصعد الرسول اعد المنبر فدعا. فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب. (طبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٧). - ٦ - وفد بني مرة مرة اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية، ويظهر أن هذا الوفد هو من مرة بطن عظيم من غطفان العدنانية، بدليل أن رئيسهم كان الحارث

стр. 2602

ابن عوف الذي كان قائد أحد الأجنحة في جيوش الأحزاب التي حاصرت المدينة بالتواطؤ مع اليهود. وفد بنو مرة على رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، رأسهم الحارث بن عوف (١)، فأجازهم رسول الله ﷺ بعشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتى عشرة أوقية، وكان الحارث بن عوف أخبر الرسول ﷺ أن الجفاف قد أصاب أرضهم، وطلب منه أن يدعو الله لهم. فقال الرسول ﷺ : اللهم أسقهم الغيث، فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله ﷺ . - ٧ - وفد ثعلبة بنو ثعلبة اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية تبلغ العشرين قبيلة، وهؤلاء الذين وفدوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، ليس فيما بين يدي من مصادر، يحدد أية قبيلة هم، قحطانية أم عدنانية، مضرية أم قيسية. وكل ما وجدته هو ما رواه ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٢٩٨ فقال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان، قدم على رسول الله ﷺ أربعة نفر من ثعلبة وقالوا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرون بالإسلام، فأمر لهم بضيافة وأقاموا أيامًا ثم جاؤوا يودعوه، فقال لبلال أجزهم كما تجيز الوفد، فجاء بنقر من فضة وأعطى كل رجل خمس أواق، قال: ليس عندنا دراهم، فانصرفوا إلى بلادهم.

стр. 2603

- ٨ - وفد محارب محارب اسم يطلق على سبع قبائل كلها من العدنانية، ولكن هؤلاء الذين وفدوا على رسول الله ﷺ هم بطن من قيس عيلان من العدنانية، وكانوا من أغلظ الناس وأفظهم على رسول الله ﷺ وكان وفدهم برئاسة طارق بن عبد الله، وقد جاؤوا إلى المدينة سنة عشر هجرية في حجة الوداع، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا. وكان في الوفد رجل منهم، فعرفه النبي ﷺ فقال الرجل: الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك. فقال رسول الله ﷺ : إن هذه القلوب بيد الله، ومسح وجه رجل منهم اسمه خزيمة بن سواء، فصارت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهلهم. - ٩ - وفد سعد بن بكر هؤلاء بطن من هوازن وهم الذين أرضعوا النبي ﷺ ، كان وفدهم قد جاء في رجب عام خمس وقال ابن إسحاق عام تسع، وكان وفد سعد هؤلاء من رجل واحد هو ضمام بن ثعلبة. فعن ابن إسحاق قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه فأناخ بعيره ثم عقله على بابا المسجد، وكان رجلا جلدا ذا غديرتين، وهو الذي في القصة المشهورة - قال للنبي ﷺ : أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأوثان التي كانوا يعبدون؟ قال: اللهم نعم، ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الصلاة والزكاة والصيام والحج وشرائع الإِسلام، ينشده عند كل فريضة كما نشده في التي قبلها حتى فرغ فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتنى

стр. 2604

عنه لا أزيد ولا أنقص، ثم إنصرف راجعا. فقال رسول الله ﷺ حين ولى: إن يصدق ذو العقيصتين يدحل الجنة. ثم أتى ضمام قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا منه يا ضمام، اتق البرص اتق الجذام اتق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله ما يضران وما ينفعان، وإن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وقد جئتكم من عنده بما آمركم به وأنهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضرته من رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلوات. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام (أسد الغابة ج ٣ ص ٤٢ - ٤٣ وطبقات ابن سعد ج ١ ص ٢٩٩). - ١٠ - وفد كلاب كلاب اسم يطلق على عدة قبائل عدنانية، وهؤلاء هم أبناء كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من هوازن. وفد وفدهم على رسول الله ﷺ سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلًا فيهم لبيد بن ربيعة (١) الشاعر، وجبار بن

стр. 2605

سلمى (١)، دخلوا على رسول الله ﷺ فسلموا عليه بسلام الإِسلام، وقالوا: إن الضحاك بن سفيان (٢) سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرته، وإنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا. - ١١ - وفد بني عامر بن صعصعة .. وقصة محاولة اغتيال النبي ﷺ - قالوا: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر بن صعصعة -وهم من هوازن-، فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء وجبار بن سلمى. وكان هؤلاء شياطين القوم ورؤساؤهم. وكان عامر بن الطفيل الخبيث متكبرًا، يرى أنه أولى أن تتبعه العرب من محمد ﷺ ، فقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت أليت أن لا انتهى حتى تتبع العرب عقبى، أفأنا أتبع هذا الفتى من قريش؟ وكان قد قرر اغتيال النبي ﷺ بمشاركة أربد بن قيس فقال له: إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف، فوافقه أربد على هذه الخطة الغادرة، غير أن الله أفشل المؤامرة. فقد ذكر المؤرخون أن عامرًا طلب من الرسول ﷺ أن

стр. 2606

يختلى به، فقال ﷺ لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، وجعل عامر المجرم يكلم النبي ﷺ ويشاغله، وينتظر من صاحبه أربد أن يفتك به فلم يستطع. فيئس عامر، ثم خرج من مجلس النبي ﷺ ووجه اللوم إلى شريكه في الإجرام (أربد) قائلا: ويلك أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف عندي على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. فقال أربد: لا أبالك، لا تعجل على، والله ما هممت بالذي أمرتنى به من أمره إلا دخلت (أنت) بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ وروى أن الرسول ﷺ قال: اللهم اكفنى عامر بن الطفيل، وكان عامر قد وجه تهديدا إلى النبي ﷺ قائلا: والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. فخرح عامر ووفده راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، أما زميله المجرم الثاني أربد، فقد سلط الله عليه صاعقه فأحرقته، والرجل الوحيد من الثلاثة الذي نجاه الله فهداه للإسلام، هو جبار بن سلمى "انظر تفاصيل قصة عامر بن الطفيل مطولة في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢١٣ - ٢١٤ - ٢١٥ - ٢١٦ - ٢١٧ - ٢١٨ - ٢١٩ - وطبقات ابن سعد ج ١ ص ٣١٠ - ٣١١". - ١٢ - وفد عبد القيس عبد القيس، بطن عظيم من ربيعة من العدنانية "انظر معجم قبائل العرب" كانت مواطنهم تهامة ثم استقروا في النهاية بالبحرين. وقد وفدهم على رسول الله ﷺ سنة تسع برئاسة الجارود بن عمرو (١)، وكان نصرانيا، فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه، فقال:

стр. 2607

يا محمد إني قد كنت على دين، وإني تارك دينى لدينك، أفتضمن لي دينى؟ قال رسول الله ﷺ : نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قالوا: فأسلم وأسلم أصحابه، وروى أن النبي ﷺ رحب بوفد عبد القيس قائلا: مرحبا بالقوم غير خزايا، ولا النداما، فقال رجال الوفد: يا رسول الله، إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الأشهر الحرم، حدثنا بجمل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنة، وندعوا به من وراءنا. قال ﷺ : آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع، ما انتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت، وعندما ارتدت العرب ثبت بنو عبد القيس وكانوا مددا للمسلمين (انظر مزيدا من التفاصيل عن أخبار وفد عبد القيس في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٢١ - ٢٢٢ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣١٤ - ٣١٥). - ١٣ - وفد رؤاس ورؤاس بطن من عامر بن صعصعة من هوازن، وقد وفد منهم رجل يقال له: عمرو بن مالك بن قيس فأسلم على يد رسول الله ﷺ ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإِسلام، فقالوا حتى نصيب من بني عقيل بن كعب (وهم أيضًا بطن من عامر بن صعصعة) مثل ما أصابوا منا. قال ابن سعد: فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك المذكور، وحدث قتال بين لفريقين، فقتل عمرو بن مالك المسلم رجلا من بني عقيل. قال عمرو فأسقط في يدي، وقلت: قتلت رجلا وقد أسلمت وبايعت النبي ﷺ ، فشددت يدي في غل إلى عنقى ثم خرجت أريد النبي ﷺ ، وقد بلغه ذلك، فقال: لئن أتانى لأضربن ما فوق الغل

стр. 2608

من يده، قال فأطلقت يدي ثم أتيته فسلمت عليه فأعرض عنى، فأتيته من قبل وجه فقلت: يا رسول الله إن الرب ليترضى فيرضى فارض عنى، رضي الله عنك، قال قد رضيت عنك. - ١٤ - وفد عقيل بن كعب بنو عقيل أيضًا بطن من هوازن من بني عامر بن صعصعة، وقد وفد منهم ثلاثة على رسول الله ﷺ فبايعوا وأسلموا وبايعوه على من وراءهم من قومهم. فأعطاهم النبي ﷺ ، العقيق. عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل، وكتب لهم بني لك كتابًا في أديم أحمر جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى رسول الله ﷺ ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا ولم يعطهم حقا لمسلم" فكان الكتاب في يد مطرف. - ١٥ - وفد جعدة جعدة أو الجعدة، اسم يطلق على عدة قبائل قحطانية وعدنانية. والجعدة بطن من القحطانية يسكنون وادي حضرموت، والجعدة أيضًا، قبيلة تسكن إلى الغرب من بلاد يافع، وبلادهم جبلية. أما هؤلاء الوافد مندوبهم على رسول الله ﷺ ، فهم بنو جعدة بن كعب بن ربيعة من هوازن. قال ابن سعد وفد منهم إلى رسول الله ﷺ الرقاد بن عمرو ربيعة بن جعدة بن كعب وأعطاه رسول الله ﷺ بالفلج (١) ضيعة وكتب له كتابًا وهو عندهم.

стр. 2609

- ١٦ - وفد قشير وقشير بطن من هوازن، وهم بنو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. جاء في طبقات ابن سعد الكبرى أن نفرا من قشير، فيهم قره بن هبيرة، وفدوا على رسول الله ﷺ ، فأسلموا فأعطى رسول الله ﷺ قرة ن هبيرة (وكان سيدًا من ساداتهم) وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه. وقال قرة حين رجع. حباها رسول الله إذ نزلت به ... وأمكنها من نائل غير منفد فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يردف الذم رحله ... تروك لأمر العاجز المتردد .. وقال ابن الأثير: إن النبي ﷺ لما كان في حجة الوداع نظر إلى قرة وهو على ناقة قصيرة، فقال له رسول الله ﷺ : كيف قلت حين أتيتنى (يعني يوم وفد عليه). قال: قلت يا رسول الله: كان لنا رباب وربات من دون الله تعالى ندعوهم فلم يجيبونا ونسألهم فلم يعطونا، فلما بعثك الله أتيناك، وتركناهم، وأحببناك، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ أفلح من رزق لُبًّا. وقد وقع قرة أسيرًا في يد قوات خالد بن الوليد في حروب الردة بنجد، حيث اتهم بأنه منع الزكاة وكانت هوازن أثناء حرب خالد وطليحة بن خويلد تتربص بالمسلمين ولم تشترك مع طليحة. غير أن الخليفة الأول أطلق سراح قرة وعفا عنه. - ١٧ - وفد بني البكاء والبكاء هؤلاء هم أيضًا من بني عامر بن صعصعة من هوازن وفد منهم على رسول الله ﷺ ثلاثة نفر سنة تسع، منهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، فأسلموا جميعا، فأضافهم النبي ﷺ وأجازهم، وقال معاوية هذا للنبي ﷺ : إني أتبرك بمسك وقد كبرت

стр. 2610

وابنى هذا برٌّ بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزا عفراء، وبرك عليهن. قال الجعد بن عبد الله بن عامر البكائي (١): فالسنة (٢) ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم. وكان ضمن الوفد رجل يقال له، الفجيع بن عبد الله فكتب له رسول الله ﷺ كتابًا: (من محمد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأعطى الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله، ونصر النبي وأصحابه، وأشهد على إسلامه، وفارق المشركين، فإنه آمن بأمان الله وأمان محمد. قال هشام: وسمى رسول الله ﷺ ، عبد عمرو الأصم عبد الرحمن وكتب له بمائة الذي أسلم عليه - ذي القصة - وكان عبد الرحمن من أصحاب الظلة، يعني الصفة صفة المسجد (٣). - ١٨ - وفد بني عبد بن عدي هؤلاء لم أجد في المعاجم تحديدًا لهويتهم، ولكن يظهر أنهم من كنانة جيران الحرم، قال ابن سعد: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عبد بن عدى، وفيهم الحارث بن أهبان، وعويمر بن الأخرم وحبيب وربيعة ابنا ملة، (٤). ومعهم رهط من قومهم، فقالوا يا محمد نحن أهل الحرم وساكنه وأعز من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا، وإنما لنحبك ومن أنت منه، فإن أصبت منا أحدًا خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحدًا من أصحابك فعلينا ديته، فقال: نعم، فأسلموا (٥).

стр. 2611

- ١٩ - وفد أشجع أشجع اسم قبيلة عظيمة من غطفان، وكانت أشجع أحد الأجنحة الأربعة التي قاتلت المسلمين في جيش الأحزاب، وكان نعيم بن مسعود صاحب القصة المشهورة في غزوة الخندق منهم وكان في جيش الأحزاب، ثم أسلم سرًّا ونفع الله به المسلمين في تمزيق كلمة المشركين واليهود (انظر قصة نعيم الشيقة في كتابنا الثالثة غزوة الأحزاب). ويقال إن أشجع وفدت على رسول الله ﷺ بعد أن فرغ من بني قريظة، وكانوا سبعمائة، فوادعهم، ثم أسلموا بعد ذلك، وكان منهم كتيبة ضمن الجيش النبوي عند فتح مكة. وكان قائدهم في جيش الشرك عام الأحزاب، مسعود بن رخيلة، إلا أنه أسلم فيما بعد وَحَسُنَ إسلامه. - ٢٠ - وفد باهلة باهلة قبيلة عظيمة من قيس عيلان من العدنانية، كانوا يقطنون اليمامة، ومنهم أحد قادة الفتح الإسلامي العظام (قتيبة بن مسلم الباهلي). وفد وافدهم على رسول الله ﷺ ، وهو مطرف بن الكاهن (١) الباهلي نيابة عن قومه فأسلم وأخذ لقومه أمانا، وكتب له رسول الله ﷺ كتابًا فيه فرائض الصدقات، ثم قدم نهشل بن مالك (٢) الوائلى من باهلة على رسول الله ﷺ وافدًا لقومه فأسلم أيضًا، وكتب له رسول الله ﷺ ، ولمن أسلم من قومه كتابًا فيه شرائع الإسلام، وكتبه عثمان بن عفان. - ٢١ - وفد بني سليم وسليم (بضم أوله وفتح ثانيه) قبيلة عظيمة، وهم من قيس عيلان بن

стр. 2612

مضر بن نزار بن معد بن عبدنان، تتفرع سليم عشائر وبطون كثيرة. منتشرون في مساحة كبيرة من جزيرة العرب، وكانوا قوة ضاربة لهم وزنهم العسكري في الجاهلية والإِسلام، وهم أبناء عمومة هوازن، وفي فتح مكة كان منهم (ضمن الجيش النبوي) ألف فارس، قادهم خالد بن الوليد. وقد وافدهم على رسول الله ﷺ وهو رجل اسمه قيس بن نسيبة (١) فسمع كلام النبي ﷺ وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله، ولما دعاه الرسول ﷺ إلى الإِسلام أسلم، ثم رجع إلى قومه بني سليم، فأخبرهم بما لا يدع مجالا للشك في أن محمدًا ﷺ نبي مرسل، حيث قال لهم: قد سمعت ترجمة الروم وهيمنة فارس وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمَّد شيئًا من كلامهم، فأطيعونى وخذوا نصيبكم منه، فأسلم قومه، فلما كان عام الفتح خرجوا وهم ألف فلقوا رسول الله ﷺ بقديد قرب ساحل البحر وفيهم العباس بن مرداس. وبنو سليم منهم ذلك الرجل الذي استعاد إنسانيته عندما رأى ثعلبان يبولان على إله لهم (صنم) فهان الصنم في نفسه، فكفر به وشد عليه فحطمه وهو يقول: أرب يبول الثعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالب ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: ما اسمك؟ قال غاوى بن ظالم، قال: أنت

стр. 2613

راشد (١) بن عبد الله، فأسلم وحسن إسلامه، وقد زكى النبي ﷺ شدا هذا، فقال: خير قرى عربية خيبر، وخير بني سليم راشد وعقد له على قومه، أي جعله أميرًا عليهم. كانت منازل بني سليم بعالية نجد بالقرب من خيبر، ومن منازلهم وادي القرى المشهور بالبساتين وكان لهم شأن عظيم في الفتوحات الإِسلامية، وخاصة بأفريقية، حيث كانت هناك منهم عشائر كثيرة وخاصة في شمال ليبيا ومصر وكان نزولهم مصر سنة تسع ومائة هجرية "انظر معجم قبائل العرب، ج ٢ ص ٥٤٣ إلى ٥٤٦ وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٠٧ - ٣٠٨ والقاموس المحيط ج ١ - ١٣٦، ٣٥٢". - ٢٢ - وفد بني هلال بنو هلال قبيلة من عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، تقع منازلهم في نجد والحجاز، ومن أراضيهم في جزيرة العرب، بيشة وتربة في بسائط الطائف، وعند الفتح الإِسلامي انتشروا في مصر والمغرب واستوطنوا هناك. وفد منهم على رسول الله ﷺ وفد فيهم عبد عوف بن أصرم، فسأله الرسول عن اسمه فأخبره، فقال: أنت عبد الله، فأسلم، فقال رجل من ولده. جدّى الذي اختارت هوازن كلها ... إلى النبي عبد عوف وافدًا ومن أعضاء الوفد، قبيصة بن الخارق، قال: يا رسول الله "إني حملت عن قومى حمالة فأعنّى فيها، قال: هي لك في الصدقات إذا جاءت".

стр. 2614

قالوا: ووفد على رسول الله ﷺ زياد بن عبد الله بن مالك بن بجير الهلالى، فلما دخل المدينة توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، وكانت خالة زياد المذكور. كانت أمّه غرّة بنت الحارث، وهو يومئذ شاب، فدخل النبي ﷺ ، وهو عندها، فغضب الرسول ﷺ ، فقالت ميمونة: يا رسول الله هذا ابن أختي، فدخل إليها، ثم خرج إلى المسجد، ومعه زياد فصلى الظهر، ثم أدنى زيادًا فدعا له ووضع يده على رأسه، ثم حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد. - ٢٣ - وفد بكر بن وائل بكر بن وائل، هؤلاء قبيلة عظيمة من بني أسد بن نزار بن معدّ بن عدنان، وتتفرع عن بكر بن وائل بطون كثيرة منها بنو حنيفة وبنو عجل وبنو شيبان. تحتل بكر بن وائل مساحات شاسعة من جزيرة العرب، تمتد من اليمامة حتى البحرين، وكان لبكر بن وائل شأن عظيم في الجاهليه والإِسلام، وقد أنشأوا لهم قبل الإِسلام دولة في العراق على نهر دجلة، وهي البلاد المسماة حتى اليوم بديار بكر، وقد كانوا يحاربون الإِمبراطورية الفارسية قبل الإِسلام ولكنهم كانوا حلفاء للفرس عندما دخل جيش خالد بن الوليد العراق، فقد كانوا من النصارى. وقد قدم وفدهم على رسول الله ﷺ ، فقال رجل منهم لرسول الله ﷺ : هل تعرف قسّ بن ساعدة؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس هذا منكم، هذا رجل من أياد تحنّف في الجاهلية فوافى عكاظ، والناس مجتمعون فيكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه، وكان في الوفد بشير الخصاصية (١).

стр. 2615

- ٢٤ - وفد تغلب تغلب -بكسر اللام- قبيلة عظيمة من العدنانية، جدهم الأعلى ربيعة بن مضر، ومن تغلب تتفرع بطون كثيرة، وتغلب من القبائل الحربية ذات التاريخ الشهير، سكنت تغلب العراق قبل الإِسلام في جهة سنجار ونصيبين، وتعرف بلادهم في العراق بديار ربيعة، قاتلت تغلب المسلمين إلى جانب الرومان عام ١٢ هجرية؛ لأن فيهم نصارى .. غير أنهم قاتلوا الفرس إلى جانب المسلمين سنة ١٣ هجرية. وقد وفد منهم على رسول الله ﷺ وفد مختلط فيهم بعض النصارى، فكانوا ستة عشر رجلًا، فأسلم غير النصارى، وبقى النصارى على نصرانيتهم. فأجاز النبي ﷺ المسلمين، وصالح النصارى وأقرّهم على دينهم. -٢٥ - وفد حنيفة بنو حنيفة قبيلة عظيمة، من العدنانية من ربيعة بن نزار، تنحدر من بكر بن وائل، تقع منازلهم في اليمامة، وتعد بنو حنيفة من القبائل العربية المحاربة الشرسة في القتال، وقد ارتدت عن الإِسلام، ودارت في بلادها أعنف معارك الردة التي خاضها المسلمون على الإطلاق. وقد وفدهم على رسول الله ﷺ عام عشر هجرية وفيهم مسيلمة بن حبيب الذي أطلق عليه فيما بعد لقب (الكذاب) لأنه ادّعى النبوة، والرحال بن عنفوة، الذي تعلم القرآن، ثم ارتد وكان بمثابة الموجه والداعية لمسيلمة الكذاب، وقد قتل الاثنان في معركة اليمامة. وقد شهد كل أعضاء الوفد شهادة الحق عند رسول الله ﷺ ، ثم حدثت الردة فيما بعد بينهم، وكان مسيلمة قد خلّفوه في رحلهم عندما قابلوا النبي ﷺ ، فأجازهم النبي ﷺ كل واحد خمس أواق فضة،

стр. 2616

فقالوا: يا رسول الله "خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له ﷺ بمثل ما أمر لهم من الجائزة، وقال: ليس بشرّكم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم، فذكر ذلك لسيلمة، فقال الخبيث: عرف أن الأمر إليّ من بعده، فرجعوا إلى بلادهم وكان عندهم راهب في كنيسة، فلما سمع مؤذنهم يؤذن بالتوحيد، قال: كلمة حق، ثم ادعى مسيلمة النبوة، وشهد له الرحال بن عنفوة أن الرسول ﷺ أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، مما أدى إلى حروب طاحنة بين بني حنيفة وبين جيوش الإِسلام. - ٢٦ - وفد بني شيبان شيبان قبيلة قحطانية عظيمة تتفرع من بكر بن وائل، وقد كان منهم قادة حربيون بارزون في الجاهلية والإِسلام، ففي الجاهلية، منهم هانئ بن مسعود قاد العرب في معركة ذي قار وهزم فيها الفرس، ومنهم القائد المظفر المثنى بن حارثة، صاحب المعارك البطولية في العراق، وكثيرون آخرون، وهم من القبائل النجدية، وفي صدر الإِسلام استوطنوا شرقي دجلة في العراق، وكان وافد بني شيبان إلى رسول الله ﷺ حريث بن حسان (١) الشيبانى. فقد حدثت قيلة بنت مخرمة (٢) - في حديث طويل ذكره ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٣١٧ - ٣١٨ - فقالت: خرجت مع حريث -وكان صاحب صدق- حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو يصلى بالناس صلاة الغداة، وقد أقيمت حين انشق الفجر النجوم شابكة في السماء والرجال لا

стр. 2617

تكاد تعارف مع ظلمة الليل، فصففت مع الرجال وكنت امرأة حديثة عهد بجاهلية. فقال لي الرجل الذي يلينى من الصف امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة، فقال: إنك قد كدت تفتنيننى، فصلى مع النساء وراءك، وإذا صف من النساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته حين دخلت فكنت فيهن حتى إذا طلعت الشمس دنوت فجعلت إذا رأيت رجلا ذا رواء وذا قش طمح إليه بصرى لأرى رسول الله ﷺ فوق الناس، حتى جاء رجل -وقد ارتفعت الشمس- فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته, وعليه -تعنى النبي ﷺ أسمال ملببتين كانتا بزعفران فقد نفضا، ومعه عسيب نخلة مقشور غير خوصتين من أعلاه، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله ﷺ متخشعًا في الجلسة أرعدت من الفرق (١)، فقال جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة، فقال رسول الله ﷺ ، ولم ينظر إليّ وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة، فلما قالها رسول الله ﷺ أذهب الله ما كان أدخل في قلبى من الرعب. وقد تقدم حريث بن حسان، فبايع رسول الله ﷺ على الإِسلام، عليه وعلى قومه، وذكر ابن سعد في طبقاته أن حرملة بن عبد الله (٢) خرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأسلم ثم ارتحل، ثم رجع وقال: يا رسول الله ما تأمرنى أن أعمل؟ فقال: يا حرملة ائت المعروف واجتنب المنكر، ثم انصرف حتى أتى راحلته، ثم رجع وقال: يا رسول الله ما تأمرنى أعمل؟ فقال يا حرملة (ائت المعروف واجتنب المنكر وانظر الذي تحب أذنك إذا قمت من عند القوم أن يقولوه فيك لك فائته والذي تكره أن يقولوه لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه) (٣).

стр. 2618

- ٢٧ - وفد طئ طئ قبيلة قحطانية عظيمة، وهم من كهلان، بنو طئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، تتفرع منهم بطون عديدة، كانت منازلهم باليمن، ثم خرجوا منها على إثر خروج الأزد منه، ونزلوا بنجد في جوار بني أسد، ثم غلبوهم على جبلى أجأ وسلمى واستقروا بهما، وطئ قوة حربية هائلة في الجاهلية والإِسلام، عندما حدثت فتن الردة بعد وفاة الرسول ﷺ همت طئ بالارتداد، ولكن سيدهم الميمون. عدى بن حاتم صرفهم عن فكرة الردة فتحولوا إلى قوة جبارة في جانب خالد بن الوليد الذي بهم قاتل المرتدين من بني أسد، وفي حرب العراق عام ١٤ هـ كان لطئ مع المثنّى بن حارثة دور مشرّف في محاربة المجوس الفرس. جاء وفدهم إلى المدينة مؤلفًا من خمسة عشر رجلًا، برئاسة الفارس الشهير زيد الخيل (١)، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ عرض عليهم الإِسلام، وأجاز كل رجل منهم بخمس واق فضة، وأعطى زيد الخيل اثنتى عشرة أوقية ونشّا بصفته رئيسهم. وقد أثنى رسول الله ﷺ على زيد الخيل فقال: ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد فإنه لم يبلغ كل ما فيه، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله ﷺ جعًا إلى قومه، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه أصابته الحمى بها فمات، وقد ذكرنا فيما مضى من هذا الكتاب قصة الرجل عديّ بن حاتم وقصة إسلامه مفصلة.

стр. 2619

- ٢٨ - وفد تجيب تُجيب -بضم أوله وفتح ثانيه- بطن من كندة، كانوا يسكنون الكسر في وسط حضر موت، وكانوا في عهد الهمدانى ألف وخمسمائة، بينهم أربعمائة فارس. وفدوا على رسول الله ﷺ سنة تسع، وكان وفدهم مؤلفا من ثلاثة عشر رجلًا، وساقوا معهم زكوات أموالهم، فسرّ رسول الله ﷺ بهم، وقال: مرحبًا بكم وأكرم منزلهم وحباهم، وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، فأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفود. وقال رسول الله ﷺ لهم: هل بقى منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفّناه على رحالنا، وهو أحدثنا سنًّا، قال: أرسلوه إلينا، فأقبل الغلام إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني امرؤ من بني أبناء الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى. فقال: وما حاجتك؟ قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمنى ويجغل غناى في قلبى، فقال: اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فرجعوا إلى بلادهم، فلما وافوا رسول الله ﷺ في موسم الحج عام عشرة بمنى، فسألهم عن الغلام. فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله، فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو أن نموت جميعًا. - ٢٩ - وفد خولان خولان من قبائل اليمن القحطانية، وهم من كهلان، وهم بنو خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ. وخولان هؤلاء تقع ديارهم شرقي صنعاء، وهناك قبيلة أخرى يقال لها: خولان بن عامر اليوم، وهؤلاء تقع منازلهم شمال صعدة وهم على الأرجح من قضاعة. وخولان هؤلاء الذين نحن بصدد ذكرهم، كان لهم شأن في الفتوحات

стр. 2620

الإِسلامية وقد كان منهم قادة عسكريون مظفّرون، منهم: السمح بن مال الخولانى أمير الأندلس الذي اجتاح في أوائل القرن الثاني الهجري جنوب فرنسا واحتل مدينة (طولوز)، ولا يزال حتى عهد قريب شارع فيها يسمى باسم السمح هذا، فهو بالفرنسية (بيّا الزاما) Wia Azzamma أي شارع السمح، ذكر ذلك الأمير شكيب أرسلان ﵀ في كتابه (فتوحات العرب في أوروبا وجزائر البحر الأبيض المتوسط). قدم وقد خولان (وهم عشرة نفر) على رسول الله ﷺ في شعبان سنة عشر هجرية. فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإِبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنّة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين لك، فقال ﵇: أمّا ذكرتم من مسيركم إليّ فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين فإنه من زارنى في المدينة كان جوارى يوم القيامة. ثم سألهم عن صنمهم الذي كانوا يعبدون واسمه (عمٍّ أنس) فقالوا: بشر وعر أبدلنا الله ما جئت به، إلا أن عجوزًا أو شيخًا كبيرًا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله، ثم علمهم ﷺ شرائع الإِسلام وأمرهم بالوفاء والعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدًا، ثم ودعوه وخرجوا إلى بلادهم بعد أن أجاز كل واحد منهم اثنتى عشرة أوقية فضة ونشا، فلما رجعوا إلى بلادهم، لم يحلوا عقدة حتى هدموا صنمهم (عم أنس) وحرّموا ما حرّم عليهم رسول الله ﷺ ، وأحلوا ما أحل لهم (نهاية الأرب للنويرى، وتاج العروس للزبيدي ج ٦ ص ١٥٢ ج ٧ ص ٣١٢، وصفة جزيرة العرب للهمدانى ص ٥٣ - ٥٤، وطبقات ابن سعد الكبرى ج ١ ص ٣٢٤. - ٣٠ - وفد جعفى جعفى (بضم الجيم وسكون العين) قبيلة قحطانية يمانية، ينحدرون من سعد العشيرة بن مالك من الكهلانية من مذحج. بين منارلهم وبين

стр. 2621

صنعاء اثنان وأربعون فرسخًا. وفد منهم رجلان، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل، وسلمة بن يزيد بن مشجعة، وهما أخوان لأمّ، فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ : بلغني أنكم لا تأكلون القلب؟ قالا: نعم، قال: فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله، ودعا لهما بقلب فشوى، ثم ناوله سلمة بن يزيد فلما أخذه أردعت يده، فقال له رسول الله ﷺ : كله فأكله. قال ابن سعد: وكتب رسول الله ﷺ لقيس بن سلمة كتابًا نسخته: كتاب من محمَّد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل، إني استعملتك على مرّان (١) ومواليها وحريم ومواليها والكلاب (بضم الكاف) ومواليها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصدّق ماله وصفاه، ثم قالا: يا رسول الله: إن أمّنا مليكة بنت الحلوكانت تفك العانى وتطعم البائس وترحم المسكين، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟ قال: الوائدة والموؤودة في النار. فقاما مغضبين، فقال ﷺ : إلى فارجعا فقال: وأمى مع أمكما (أي في النار)، فأبيا ومضيا يقولان: والله إن رجلًا أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا، فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، معه إبل من إبل الصدقة فأوثقاه واستوليا على الإِبل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلعنهما فيمن كان يلعن. غير أن رجلًا آخر من جعفى وفد على رسول الله ﷺ ومعه ابناه فأسلموا، وهو عمرو بن ذهل بن مرار بن جعفى وابناه سبرة وعزيز. فقال رسول الله ﷺ لعزيز: ما اسمك؟ قال: عزيز، قال: لا عزيز إلا الله، أنت عبد الرحمن، فأسلموا، وأقطع رسول الله ﷺ عمرو بن ذهب واد باليمن يقال له حردان (بضم الحاء).

стр. 2622

-٣١ - وفد صداء صداء (بضم الصاد) بطن من كهلان من القحطانية، وهم من أهل اليمن (معجم قبائل العرب ج ٢ ص ٦٣٦). كان النبي ﷺ عقب انصرافه من حنين سنة ثمان هجرية شكل قوة حربية قوامها أربعمائة، وأعطى قيادتهم لسعد بن عبادة وأمره بأن يغير بهم على بلاد صداء، فعسكروا في وادي قناة ثهال المدينة، فبلغ ذلك الحشد رجلًا من قبيلة صداء، فجاء سريعًا إلى النبي ﷺ طالبًا منه تجميد الحملة بقيادة سعد بن عبادة قائلًا: جئتك وافدًا على من ورائى، فاردد الجيش وأنا لك بقومى، فردهم الرسول ﷺ ، وقد صدق الرجل، فوفد من صداء على النبي ﷺ خمسة عشر رجلا فأسلموا وبايعوه على من وراءهم من قومهم، ففشا فيهم الإِسلام، فلما كانت حجة الوداع عام عشر، وافى النبي ﷺ منهم مائة رجل، وكان الرجل الذي ضمن للرسول ﷺ إسلام قومه، فردَّ النبي ﷺ الجيش، هو زياد بن الحارث الصدائي. فلما قدم بهم قال له الرسول ﷺ : يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك. - ٣٢ - وفد مراد مراد قبيلة قحطانية مذحجية يمانية من كهلان، وهم بنو مراد بن مذحج وهو مالك بن أدد، كانت بلادهم إلى جانب زبيد من اليمن، أما اليوم فقبيلة مراد تسكن جنوب شرقي اليمن وعاصمتهم (الجوبة) وهم في المثلث الواقع بين مأرب ورداع وحريب. كان وافد مراد على رسول الله ﷺ هو فروة بن مسيك، فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله ﷺ على قومه مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص الأموي على الصدقة، فكان معه حتى توفي رسول الله ﷺ ، ولما حدثت الردة في اليمن، ثبت فروة بن مسيك على إسلامه وساند المسلمين ضد الأسود العنسى وأنصاره المرتدين.

стр. 2623

- ٣٣ - وفد زبيد زُبيد اسم يطلق على عدة قبائل، وزُبيد هنا، هم من مذحج بن صعب بن سعد العشيرة من بني زيد بن كهلان، وهم قوم الفارس الشهير عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وكان وافدهم على رسول الله ﷺ عمرو بن معدى كرب، قدم عليه فأسلم وصدّقه وآمن به ورجع عمرو إلى قومه وعليهم رئيس فروة بن مسيك المرادى لأن الجميع من مذحج. غير أن عمرو بن معدى كرب، لما توفي رسول الله ﷺ ارتد عن الإِسلام، وانضم إلى قوم الأسود العنسى المتنبيء الكذاب. وقد وقع عمرو في أسر بعض وحدات جيش الخلافة، فقادوه أسيرًا إلى المدينة، فعفى عنه الخليفة الأول، فأسلم وحسن إسلامه، وقد شارك المسلمين في معارك اليرموك والقادسية ونهاوند (فتح الفتوح)، وقد استشهد في معركة فتح الفتوح هو وطليحة بن خويلد الأسدى الذي كان قد ادعى النبوة ثم تاب. - ٣٤ - وفد كندة كنْدة قبيلة قحطانية حضرمية عظيمة، كان منها ملوك كثيرون قبل الإِسلام، وقد امتد ملكهم إلى نجد واليمن والحجاز (معجم قبائل العرب ج ٣ ص ٩٩٨). وكندة هم بنو كندة، واسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وسمّى ثور (كندة) لأنه كند أباه أي كفر نعمته. تقع منازلهم في الكسر بحضر موت وتمتد إلى مسافات واسعة ناحية شمال حضرموت، وقد تفرقت في حضرموت منهم بطون كثيرة، وفي أيام سلطان الإسلام في الصدر الأول كان لكندة -من الناحية الحربية- شأن عظيم، وبعد وفاة الرسول ﷺ ارتدت كندة عن الإِسلام، فأخضعهم المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل، وقد وقع ملكهم الأشعث بن قيس في الأسر فعفى عنه الخليفة الأول

стр. 2624

فأسلم وحسن إسلامه. وفدوا على رسول الله ﷺ عام تسع هجرية في ثمانين راكبًا، ورئيسهم الأشعث بن قيس، فدخلوا على النبي ﷺ مسجده قد رجلوا جممهم واكتحلوا، وعليهم جباب الحبرة قد كففوها بالحرير، وعليهم الديباج مخوّص بالذهب، فقال لهم الرسول ﷺ : أَلَمْ تسلموا، قالوا: بلى، قال: فما بال هذا عليكم (يعني الحرير والذهب) فألقوه. وقد قال الأشعث: نحن بنو آكل المراد .. وآكل هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندى، وإنما سمّى آكل المراد؛ لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم، وكان الحارث غائبًا، فغنم وسبى، وكان فيمن سبى أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني، امرأة الحارث بن عمرو، فقالت لعمرو بن الهبولة: -في مسيرة- لكأنى برجل أدلم أسود، كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، تعنى زوجها الحارث فمن يومئذ سمّى الحارث، آكل المراد، وقد تبع الحارث عمرو بن الهبولة وقومه، فلحقه، فقتله، واستنقذ امرأته، وما كان أصاب من غنائم. -٣٥ - وفد الأزد الأزد (بفتح الهمزة وسكون الزاى) جيل من أعظم أعظم أجيال العرب وأشهرها. تنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان من القحطانية. وتتفرع الأزد إلى فروع عظيمة أربعة: ١ - أزد شنوءة، ونسبتهم إلى كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وتقع منازلهم بالسراة وهي أودية بتثليث وتربة وبيشة. ٢ - أزد غسان. كانت منازلهم في شبه جزيرة العرب، ثم استوطنوا الشام وأسسوا لهم بها ملكًا. ٣ - أزد السراة. كانت منازلهم في الجبال المعروفة حتى الآن بهذا

стр. 2625

الاسم (جبال السراة). ٤ - أزد عمان. كانت منازلهم هناك بعمان حيث أسسوا لهم قبل الإِسلام فيها ملكًا عظيمًا. موطنهم الأصلي مأرب باليمن من أرض سبأ، ولما تصدّع السد وأشرف على الانهيار, هاجروا وتفرقوا في البلاد، وكان الأوس والخزرج الذين استوطنوا يثرب، ولحقت خزاعة بمكة، ولحقت وادعة وبحمد وخزام وعتيك وغيرهم بعمان، ولحقت غامد ويشكر وبارق وميدعان وغيرهم بالشراة، ولحقت جفنة وآل محرّق بن عمرو بن عامر (مزيقيا) وقضاعة بالشام. وقد كان لهم شأن عظيم بعد هجرتهم من مأرب، فكانوا ملوكًا بالشام والعراق ويثرب وعمان، ومن الجدير بالذكر أن قبيلة طئ العظيمة تنحدر من قبيلة الأزد. وقد وفد وفدهم على رسول الله ﷺ برئاسة ورد بن عبد الله (١) سنة تسع هجرية، ولما دخلوا على رسول الله ﷺ كلموه، فأعجبه ما رأى من سمتهم وزيّهم فقال: من أنتم؟ قالوا: مؤمنون، فتبسم ﷺ وقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قالوا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا، فقال النبي ﷺ : ما الخمس التي أمرتكم بها رسلى؟ قالوا: أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قالوا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله ونقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا. قال: وما

стр. 2626

الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق في موطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ﷺ : حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم، فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما أنتم عليه تقدمون وفيه تخلدون. فانصرفوا وقد حفظوا وصيته ﷺ وعملوا بها (١). ويذكر المؤرخون وأصحاب الحديث والتراجم أن النبي ﷺ جعل صرد بن عبد الله أميرًا على من أسلم من قومه، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من قومه، من كان يليه ممن بقى على الشرك في بعض الجيوب باليمن. وكانت جرش (وهي مدينة محصنّة مغلقة) وبها قبائل فلول بقيت على الشرك، فتوجه إليهم الأمير صرد وضرب الحصار على مدينتهم، قريبا من شهر فاستعصت عليه، فلجأ صرد إلى مكيدة حربية أوقع فيها بالمشركين، فقد انسحب من أمام أسوار مدينة جرش متظاهرًا بالهزيمة، حتى وصل جبل يقال له شكر، فخرج أهل جرش لمطاردته حتى أدركوه وهو بالجبل ظنا منهم أنه إنما ولّى منهزمًا، فعطف عليهم برجاله فقتلوهم قتلًا شديدًا، ثم توقف القتال وثاب أهل جرش إلى رشدهم، فبعثوا بوفد منهم إن الرسول ﷺ ، فأسلموا وحسن إسلامهم وكانوا من خثعم وغيرهم. - ٣٦ - وفد الصدف الصّدف (بفتح الصاد وكسر الدال) اسم يطلق على ثلاث قبائل قحطانية، قبيلتين حضرمية وقبيلة يمانية حميرية (انظر معجم قبائل العرب ج ٢ ص ٦٣٧) وهؤلاء الذين وفدوا على رسول الله ﷺ لا أدرى أي من القبائل الثلاث. فقد قال ابن سعد في طبقاته ج ١ ص ٣٢٩: عن

стр. 2627

شرحبيل بن عبد العزيز الصدفي عن آبائه قالوا: قدم وعدنا على رسول الله ﷺ ، وهم بضعة عشر رجلًا على قلائص لهم في أزر وأردية: فصادفوا رسول الله ﷺ فيما بينه وبين المنبر, فجلسوا ولم يسلموا, فقال: مسلمون أنتم؟ قالوا: نعم، قال: فهلّا سلمتم؟ فقاموا قيامًا فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، قال: وعليكم السلام، اجلسوا، فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلاة فأخبرهم. - ٣٧ - وفد خشين خشين -بضم الخاء وفتح الشين- اسم يطلق على قبيلتين أحدهما قضاعية قحطانية والأخرى طائية، ولا نعلم أيهما الذي وفد وفدهم على رسول الله ﷺ . فكل ما ذكره المؤرخون قولهم: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول الله ﷺ ، وهو يتجهز إلى خيبر فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم (١). - ٣٩ - وفد سعد هذيم سعد هذيم بطن من ليث بن سعد من قضاعة من القحطانية، روى عن رئيس وفدهم أنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤمّ المسجد فنجد رسول الله ﷺ يصلى على جنازة في المسجد، فانصرف رسول الله ﷺ فقال: من أنتم؟ قلنا: من بني سعد هذيم، فأسلمنا وبايعنا ثم انصرفنا إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيفنا، فأقمنا ثلاثًا، ثم جئناه نودّعه فقال: أمرّوا عليكم أحدكم، وأمر بلالًا فأجازنا بأواق من فضة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله

стр. 2628

الإسلام. - ٤٠ - وفد بلى بلى -بفتح أوله وكسر ثانيه- قبيلة عظيمة من قضاعة عن القحطانية، وهم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، تحتل منازلها مساحات واسعة من شمال الجزيرة الغربية وجنوب الشام، وقد كان منهم ولاة للرومان على بادية الشام وفي معركة مؤتة التي دارت بين المسلمين والرومان بجنوب الشام، كانت بلى إحدى القبائل المرتزقة في جيش الرومان. وقد قدم وفدهم المدينة على رسول الله ﷺ عام ٩ هجرية فأسلموا، وتعلموا أشياء من أمر دينهم، وروى أن النبي ﷺ قال لهم: الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار، ثم جاؤوا يودعون النبي ﷺ فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم. وكان اسم رئيس وفدهم الذي قدم بهما المدينة أبا الضباب. روى أن رويفع بن ثابت البلوى (١) قال: قدم وفد قومى في شهر ربيع الأول سنة ٩ فأنزلتهم في منزلى ببنى جديلة، ثم خرجتهم حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته الغداة، فقدم شيخ الوفد أبو الضباب فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، فتكلم، وأسلم القوم (٢). - ٤١ - وفد بهراء بهراء -بفتح أوله وسكون ثانيه- قبيلة من قضاعة, وهي أخت قبيلة

стр. 2629

(بلى) فبلى هم بنو بلى بن عمرو بن الحافى بن قضاعة، وبهراء هم بنو بهراء بن عمرو بن الحافى بن قضاعة. تقع منازل بهراء في جزيرة العرب شمالي منازل أبناء عمومتهم (بلى)، وبهراء قبيلة عظيمة، ويتفرع منها بطون كثيرة، وتمتد منازلهم حتى العقبة وإيلات (إيلة)، وقد كانوا مثل بلى أنصارًا للرومان ضد المسلمين في معركة مؤتة عام ٨ هـ، وقد عبر منهم خلق كثير البحر الأحمر (بحر القلزم) إلى ساحله الغربي فانتشرت قبائل منهم كثيرة ما بين الحبشة وصعيد مصر. ويذكر ابن سعد: أن وفدهم وفد من اليمن، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلًا، وفدوا سنة ٩ هـ، وقد أسلموا وتعلموا فرائض الإِسلام، وبعد أن أقاموا بالمدينة أيامًا، استأذنوا الرسول ﷺ في الانصراف، فودعوه، وأعطاهم جوائز كما يعطى سائر الوفود. - ٤٢ - وفد عذرة عذرة -بضم العين وسكون الذال- بطن عظيم من قضاعة، من القحطانية أيضًا، وهم ينتسبون إلى سعد هذيم، الذين تقدمت ترجمتهم في هذا الكتاب، ويتفرع من عذرة هؤلاء أفخاد كثيرة، وبنو عذرة هؤلاء، مشهورون بشدّة العشق مع العفة. روى أن سعيد بن عقبة قال لأعرابى: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذرة ورب الكعبة. قال سعيد: فقلت للأعرابى: ومم ذاك؟ قال: في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفّة. وكان وفد عذرة جاء في صفر سنة ٩ هـ وكان وفدهم مكونا من اثنى عشر رجلا، ولما دخلوا على رسول الله ﷺ سلموا بسلام أهل الجاهلية وقالوا: نحن أخوة قصيّ لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبنى بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله ﷺ : مرحبا بكم وأهلًا،

стр. 2630

ما أعرفنى بكم، ما منعكم من تحية الإِسلام؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا، وسألوا النبي ﷺ عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، وأسلموا وأقاموا أيامًا ثم انصرفوا إلى أهليهم، فأمر لهم بجوائز كغيرهم من الوفود. - ٤٣ - وفد سلامان سلامان، اسم يطلق على ست قبائل قحطانية، وقبيلة عدنانية واحدة، وجاء في معجم قبائل العرب للسيد عمر رضا كحالة: أن سلامان الوافدين هم بنو سلامان بن سعد، بطن من قضاعة من القحطانية. وفد منهم سبعة على رسول الله ﷺ سنة عشر هجرية، فأسلموا. قال محدثهم: صادفنا رسول الله ﷺ خارجًا من المسجد إلى جنازة دعى إليها، فقلنا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليكم، من أنتم؟ قلنا: نحن من سلامان قدمنا لنبايعك على الإِسلام، ونحن على من ورائنا من قومنا، فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد، فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إله فسألناه عن أمر الصلاة وشرائع الإِسلام، وعن الرقى، وأسلمنا، وأعطى كل رجل منا خمس أواق، ورجعنا إلى بلادنا. وذلك في شوال سنة عشر. - ٤٤ - وفد جهينة جهينة -بضم أول وفتح ثانيه- حي عظيم من قضاعة من القحطانية، وهم بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة، ويتفرع من جهينة بطون كثيرة .. كانت منازلهم بالحجاز على شاطئ البحر الأحمر (بحر القلزم) وما حاذاه من برّية الحجاز، وتعتبر ينبع إحدى بلدانهم، وقد عبروا البحر الأحمر إلى ساحله الغربي، فانتشروا هناك، وغلبوا على شعوب غربي الحر الأحمر، فصار لهم شأن في السودان، وغلبوا على ملك الحبشة، وانتشروا ما بين صعيد مصر والحبشة
следующие страницы →