← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فريق جعل من نفسه (باسم العلم) أداة طمس وتشويه للتاريخ الإسلامي, حيث عمل (بحكم منصبه القيادي في المدرسة والجامعة) على حرمان الطالب المسلم من معرفة أي شيء مفيد عن التاريخ الإسلامي بل إن هذا الفريق لم يكتف بهذا العمل التخريبي، فقد حشى أذهان تاريخ أُمتهم، وزحم مخيلاتهم بصور بطولات رجال لا يمتون إلى دينهم أو وطنهم بأية صلة، وبهذا (وكما يريد الأجنبي المستعمر) قطعت الصلة بين الشباب المسلم (المثقف عصريًا) وبين تاريخ دينه القويم وماضي الأماجد من قادة أمته وأبطالها (١). وفريق وهم الرجعيون (وهذا هو التعبير الصحيح للرجعية) يتكلمون بلغتنا، بل وينتسبون إلى ديننا، أرادوا أن يرجعوا بنا إلى ما قبل بزوغ شمس الإسلام. فتخطوا مروج التاريخ الإسلامي الزاهرة، الفوّاحة بعبير المجد الصحيح وشذا العزة الحقيقية، واجتازوا مناطق إشراقات هذا التاريخ المجيد مغمضين أعينهم، ثم انحدروا إلى زوايا التاريخ المظلمة، حيث امتزجت خزايا أي جهل بحماقات أبي لهب واختلطت مباذل كيلوباترا بخرافات أبي الهول! . فقد أراد هذا الفريق أن يجعل من نعرات تلك العهود السوداء المظلمة (عهود الجاهلية الأولى) مذهبًا حديثًا أو دينًا جديدًا تسير عليه (في حياتها) أمة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. لقد تجاهل هذا الفريق (عن قصد وإصرار) التاريخ الإسلامي, وعمل (ما سنحت له الفرصة) على إلغائه ومحوه من ذهن الطالب المسلم،

стр. 282

واستبعاد مادة هذا التاريخ من جميع وجبات الفكر والثقافة، عند تقديم هذه الوجبات لتغذية عقل الطالب المسلم، ابتداءً من أول فصل في المدرسة حتى آخر مرحلة في الجامعة. بل إن هذا الفريق لم يكتف بهذا، فقد سطا على التاريخ الإسلامي (كما يسطو اللصوص وقطاع الطرق) فجرَّد جيده من كل ما يزينه من روائع أمجاد المسلمين وأخبار بطولات الفاتحين ويواقيت أفكار العلماء الصالحين، ثم ألقى بها في جيد تاريخ جثة شوهاء، هي العصبية المقيتة والعنصرية الضيقة البغيضة. فصارت بطولة خالد بن الوليد وشجاعة سعد بن أبي وقاص وفروسية علي بن أبي طالب وعدل عمر بن الخطاب وغيرهم من عظماء الإسلام وقادته (وحي روائع حياة النبي الأعظم ﷺ ) يمط لسانه بها هذا الفريق (لا للاستشهاد بها على عظمة الإسلام وأصالة عقيدته وترغيب الناس فيه والدعوة إليه باعتباره المصدر الوحيد الذي كوَّن هؤلاء الأبطال وصنع هؤلاء العظماء الذين حشوا فم التاريخ بذكراهم العاطرة) وإنما لصدّ الناس عن هذا الدين، والدعاية لهذه العصبية الكريهة والعنصرية الضيقة المقيتة، على اعتبار أن ما حققه هؤلاء العظماء والقادة هو جانب مشرق من جوانب تاريخ هذه العصبية المقيتة والعنصرية الضيقة وثمرة من ثمرات جهادها، وباعتبار أن هؤلاء العظماء والقادة هم مؤسسو هذه العصبية اللادينية ومشيدي أركان هذه العنصرية اللاأخلاقية، وتلك لعمر الحق أحط أنواع السرقة والاختلاس. ودليلنا على ذلك، هو أن هذا الفريق يتجاهل الإسلام ولا يشير إليه, لا من قريب, ولا من بعيد, عندما يمط لسانه ويتشدق بعظمة

стр. 283

أبطال وقادة الإسلام هؤلاء، بل إن هذا الفريق لتتمعر وجوههم ويعلوها الاكفهرار فيهمهمون همهمة السحرة ويزمزمون زمزمة المشعوذين ويلوون رؤوسهم عندما يجابههم أحد بالقول بأن عليًّا وسعدًا وخالدًا وعمرًا وطارقًا وصلاح الدين وغيرهم من أبطال هذه الأمة وقادتها المظفرين، لم يتربعوا على القمة في تاريخ الخالدين إلا بعد أن اتخذوا من الإسلام دينًا ودولة وخلقًا ومعاملة وسيفًا وكتابًا وفكرًا وسياسة، وأن تجاهل الإسلام وإخراجه من الحساب (عن قصد مبيت) عند الإشادة بهؤلاء الأبطال والقادة هو من العقوق المشين وغمط الحق وتزوير التاريخ، لأن بطولة هؤلاء الأبطال وأمجاد أولئك القادة مرتبطة بالإسلام ارتباط الجسد بالروح، فلولا الإسلام، ما كان لهؤلاء القادة والأبطال ذكر في دنيا المجد والبطولة والفخار. فقد كان كثير من هؤلاء الأبطال موجودين قبل الإسلام فما هي حصيلتهم من المجد والبطولة والسمو يوم ذاك؟ ؟ . لا شيء ... إذن .. فلتخرس تلك الأصوات المحمومة التي تحاول أن تجعل من هؤلاء القادة والعظماء الميامين، أبطالا وطنيين صنعتهم خصائص العنصر ومزايا الدم، متجاهلة دور الإسلام الرئيسي وفعالية زخم عقيدته البناءة في تكوين هؤلاء العظماء والقادة وبناء كل ما سجلوه لهذه الأُمة من مسجد وفخار وذكرى عاطرة. إن وقوف هذا الفريق (المنتسب إلى الإسلام) من الإسلام وتاريخه هذا الموقف ليس فيه أية خدمة لهذه الأمة أو هذا الوطن. وإنما فيه الخدمة (كل الخدمة) لخصوم هذه الأمة وأعداء هذا

стр. 284

الوطن، من شيوعيين حاقدين وصليبيين مستعمرين، الذين لا يثلج صدورهم ويغمر نفوسهم بالبهجة والسرور شيء مثل أن يروا أبناء الإسلام (وفي وطن الإسلام) يتولون بأنفسهم محاربة هذا الدين وخنق صوته ومحو معالم تاريخه وإهالة التراب على كنوز هذا التاريخ الغالية الثمينة. فهذه غاية ما يبتغي هؤلاء الأعداء وأقصى ما يتمنون. فمحاربة الإسلام ومصادرة تاريخه لمنعه (بأيدى أبنائه) من الظهور في مقررات التدريس في فصل المدرسة ومدرج الكلية، يسهّل لهؤلاء الأعداء (على اختلافهم في المقاصد والغايات) نشر مذاهبهم الهدامة وثقافاتهم المخربة المنحلة بين طلبة هذه الأمة. لأن الأمة (أية أمة) إذا ألغت شخصيتها، بنفض يدها من عقيدها التي هي مصدر تكوين هذه الشخصية، وتنكرها وتجاهلها لتاريخها الذي يمد هذه الشخصية بطاقات الحيوية والاستقلال الذاتي، فإنها ولا شك تضطر للبحث عن (عقيدة جديدة) لتكوين شخصيتها الجديدة وصيغ هذه الشخصية بلون العقيدة الجديدة, لأن أية أمة لا يمكن أن تكون لها شخصيتها المستقلة إلا في إطار عقيدة تستظل بظلها وتهتف باسمها. ثم إنه لا بد لهذه الأمة (بعد تنكرها لتاريخها ومحوها لمعالمه) من النظر في تاريخ أبطال وقادة وساسة ومفكرين يكونون مثلها الأعلى وقدوتها في كثير من شؤونها، ولابد - والحال هذه - من أن تتجه إلى خارج محيطها وتفتش في غير تاريخها بحثًا عن هؤلاء القادة والأبطال والساسة والمفكرين.

стр. 285

وهذا هو الذي حداث بالفعل (داخل الوطن الإسلامي الكبير) لكثير من الشعوب التي ألغت شخصيتها الإسلامية المتمثلة في إسلامها (كدين ودولة وخلق ومعاملة وتاريخ وعقيدة). فقد شهدت مناطق كثيرة من هذا الوطن الكبير فيوضات مختلفة من المذاهب الأجنبية المستوردة والأفكار الدخيلة المستهجنة والعقائد الغريبة المستنكرة، حاول مستوردوها أن يبنوا (في ظلها) لأنفسهم ولشعوبهم شخصية جديدة مستقلة بعد إلغاء شخصيتهم الإسلامية. ولكنهم فشلوا في محاولاتهم هذه فشلًا ذريعًا، فصاروا كالغراب الذي حاول تقليد الحمام في مشيته فصار يتخبط (بعد أن ألغى مشيته الأصلية) فلا هو احتفظ بمشيته الطبيعية التي هي جزء من تكوينه ولا هو أجاد مشية الحمام، وإنما بقى حائرًا متخبطًا بين بين. وما نعانيه هذه الأقطار (التي ألغت شخصيتها الإسلامية وننكرت لتاريخها الإسلامي وأهالت التراب عليه) من قلق واضطراب وعدم استقرار في شتى نواحيها، ليس له سبب إلا أن قادتها ومفكريها المسئولين حاولوا أن يكونوا لها شخصية جديدة، قوامها مزيج من مذاهب وعقائد وأفكار عريبة دخيلة، ترفضها طبيعة هذه الشعوب ولا تنسجم معها في قليل أو كثير. وإن اليوم المشهود الذي تبدأ فيه هذه الأمة سيرها في الطريق المستقيم، طريق الموحدة والتكاتف والعزة والاستقرار هو اليوم الذي تعود فيه هذه الامة إلى إطار بشخصيتها الإسلامية الحقيقية التي قوامها عقيدة القرآن، وترى عنها أثواب كل الشخصيات الأجنبية الدخيلة

стр. 286

المستعارة، التي قوامها عقائد ومذاهب وأفكار هي أساس الشخصية الإسلامية على طرفي نقيض، وتفتح صفحات تاريخها الإسلامي المجيد لتنتشر موجات نوره الساطع في فصل المدرسة ومدرج الكلية ومقعد النادي وثكنة الجيش، لينظر فيه الطالب بوعي وتبصر وفهم وإدراك ليستخلص من روائع هذا التاريخ ما يكون له حافزًا ومشجعًا على التمسك بالمبادئ القويمة والعقائد البناءة المستقيمة التي صنعت أولئك الأفذاذ من الأبطال والقادة والمفكرين الذين قامت على كواهلهم دعائم هذا التاريخ المشرق الشامخ الذي لا يزال فم الدنيا محشوًا بذكراه العاطرة، وفي مقدمتهم الأبطال الأوائل من صفوة هذه الأمة (المهاجرون والأنصار) الذين خاضوا (بضراوة يمدها زخر الإيمان) معركة المصير هذه - معركة أحُد - التي هي موضوع كتابنا هذا، والتي نرجو أن نكون (بوضع تفاصيل هذه المعركة بين يدي الشباب المؤمن بربه ودينه والمعتز بتاريخه) قد أدّينا بعض ما يجب علينا نحو ديننا وأمتنا وتاريخنا. والله أسأل أن يمدنا بعونه وتوفيقه وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه تعالى، وأن يجنب أعمالنا عيوب السمعة والرياء المحبطة إنه سميع مجيب، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). رمضان المبارك ١٣٨٣ هـ - فبراير ١٩٦٤ م. مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية. محمد أحمد باشميل

стр. 287

أُحد أُحُد (بضم أوله وثانيه) جبل شهير من جبال المدينة المنورة، ويقع هذا الجبل في شمالي المدينة، ويقع على بعد حوالي أربعة كيلو مترات منها. ويفصل جبل أُحُد عن المدينة وادي قناة الذي يأتي من شرق المدينة الذي يمر حذاء جبل أُحُد متجهًا نحو الغرب حتى يصب في زغابة. أما وصف جبل أُحُد الطبيعي، فهو صخرى من الجرانيت وطول من الشرق إلى الغرب ستة آلاف متر، وفيه رؤوس كثيرة وهضبات شتى، من كثرتها يكاد الناظر إليه، يتخيلها جبالًا شبه مستقلة، أو يخيل إليه أن أحُدًا هذا هو عبارة عن جبال كبار وصغار مرتبطة بعضها ببعض، ومن مجموعها العمومي تشكلت وحدة هذا الجبل .. ومن تلاصق هذه الجبال ووجود منفرجات بينها تكونت في أحد المهھاريس التي هي نقر طبيعية لحفظ المياه المنحدرة من أعالي الجبل (١). وقد وقعت المعركة بالقرب من سفوح هذا الجبل من الناحية الجنوبية في بطن وادي قناة وما حواليه من السهول.

стр. 288

[صورة] منظر عام لجانب من جبل أحد، وقد ظهر أمامه الفضاء الواسع الذي يقع بينه وبين المدينة. [صورة] المؤلف يتسلق إحدى هضاب جبل أحد أثناء تجواله حول مواقع المعركة

стр. 289

وقد ورد في الحديث الشريف "أحُد جبل يحبنا ونحبه". وفي فم الشِّعب من هذا الجبل عسكر النبي ﷺ بجيشه، وبهذا احتل مركزًا مرتفعًا ممتازًا أجبر المشركين على قبول المعركة عنده، مما ساعد المسلمين على إنزال الهزيمة بالمشركين في الصفحة الأولى من المعركة، ويسّر لهم الانسحاب بانتظام إلى هضاب جبل أحُد بعد الانتكاسة. وفي فم الشِّعب من أُحُد توجد مقبرة الشهداء الذين صرعوا في معركة أحد، ولا يعرف الآن (على وجه التحديد) من قبور هؤلاء الشهداء. [صورة] الواقف في جدول الماء من بطن وادي قناة، هو الشيخ سيف بن سعيدہ اليماني رئيس هيئة الأمر بالمعروف في المدينة الذي تكرم مشكورًا فساهم مساهمة كبيرة في إرشادنا إلى أماكن كثيرة لها علاقة بالمعركة كنا نجهلها. سوى قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش ﵄ اللذين دفنا في قبر واحد، ويوجد هذا القبر على مرتفع من فم الشعب مما يلي وادي قناة، وتقع شمال هذا القبر مقبرة الشهداء الآخرين ﵃.

стр. 290

جبل عينين أما جبل عينين، وهو المسمى بجبل الرماة، فهو جبل صغير يغلب عليه لون الاحمرار, وهو يقع جنوب فم الشعب الذي اتخذه الرسول معسكرًا لجيشه قبل المعركة، ويبعد عن نقطة هذا المعسكر حوالي ستين مترًا، ويقع هذا الجبل على الضفة الجنوبية لوادي قناة الذي يفصل بينه وبين جبل أُحُد. وفي جبل عينين هذا أمر الرسول ﷺ أن تتمركز فصيلة من رماة النبل قوامها خمسون راميًا، وقد تمركزت في الجبل بقيادة عبد الله بن جبير (١)، وقد كان هدف الرسول من تمركز هؤلاء الرماة في هذا الجبل حماية مؤخرة المسلمين من أن تضر بها خيالة المشركين من الخلف عند احتدام المعركة.

стр. 291

الفْصَل الأوّل مجمل الأحداث السياسية والعسكرية بين معركتي بدر وأحد عندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وجد بها يهودًا (١) توطنوا فيها، وعلى الرغم من الاختلاف الذي بين الإسلام واليهودية، فإن النبي ﷺ ، لم يتخذ (ابتداء) ضد اليهود أَي موقف من مواقف النفي أو التضييق أو المصادرة (بسبب الاختلاف في الدين).

стр. 292

بل رضي (عن طيب خاطر) أن يبقى هؤلاء اليهود في المدينة، (مواطنين) أحرارًا لهم دينهم وللمسلمين دينهم ولم يحدث أن أجبر الرسول ﷺ أحدًا من هؤلاء اليهود على الدخول في الإسلام. المعاهدة بين الرسول واليهود بل لقد ذهب ﷺ إلى أبعد من هذا، حيث عقد مع هؤلاء اليهود (رغبة منه في شيوع السلام في المنطقة) معاهدة تضمنت عدم الاعتداء والدفاع المشترك عن منطقة يثرب. ومن أهم بنود هذه المعاهدة: أ - الدفاع المشترك. فقد جاء (في المعاهدة) بهذا الخصوص. "وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأَبرّه، وأَنه لا تجارُ قريش ولا من نصرها، وأن بينهم (أي المسلمون واليهود) النصر على من دهم يثرب. وإذا دعوا إلى مصلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه. وأَن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأَن بينهم النصر على من حارب أَهل هذه الصحيفة (أي صحيفة المعاهدة) وأَن بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم".

стр. 293

ب- عدم الاعتداء وحسن الجوار وجاء (في صلب المعاهدة) بهذا الخصوص. "وأَن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وأَن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأَنه لا تجار حرمة إلا بإذن أَهلها، وأَن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأَنه لا يحول هذا الكتاب (أَي صك المعاهدة) دون ظالم أو آثم. وأَنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة. إلا من ظلم (بفتح أوله) أو أَثم". ج - حرية العقيدة للفريقين وبهذا الشأن جاءَ (في صلب المعاهدة). "وأَن يهود بني عوف أُمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم (بفتح أَوله) أو أثم فإنه لا يوتغ (أَى لا يهلك) إلا نفسه وأَهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وَن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني الأَوس مثل ما ليهود بني عوف، وأَن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن لبنى الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأَن بطانة يهود كأَنفسهم" (١). وكانت هذه المعاهدة قد عُقِدَت بين المسلمين واليهود عقب هجرة النبي ﷺ من مكة وقبل معركة بدر.

стр. 294

سلسلة المتاعب الداخلية وقد كان النبي ﷺ حريصًا كل الحرص على تنفيذ ما جاءَ في هذه المعاهدة، وفعلًا لم يأْت من جانب المسلمين ما يخالف حرفًا واحدًا من نصوصها. ولكن اليهود، بعد انتصار المسلمين في بدر أَخذ القلق يساورهم، وازداد حقدهم على الإسلام والنبي ﷺ ، وخافوا أَن يجمع النبي الناس على الإسلام، فيهدم بذلك سيطرة اليهود المادية والسياسية المبنية على تفرّق العرب وتناحرهم وعصبيتهم وتقاتلهم المشهور في الجاهلية. ولهذا عادت لليهود طبيعتهم المشهورة في نكث العهود، وبتك المواثيق، وأخذوا يفكرون (جديًا) في الكيد للإسلام والإطاحة بالنبي وأتباعه، بالرغم من المواثيق التي أَبرموها والعهود التي أَعطوها. اليهود ينقضون المعاهدة وهكذا صار المسلمون (بعد انتصارهم في بدر) يواجهون سلسلة من المتاعب والقلاقل داخل المدينة التي اجتهد اليهود (يساندهم المنافقون) في إثارتها لإشغال المسلمين وتفريق كلمتهم. لقد كان الرسول حريصًا على أَن يستتب الأَمن في المدينة. وأَن يتعايش سكانها (علي اختلافهم في الدين) تعايشًا سلميًا كما هي طبيعة دعوة الإسلام وليتفرغ لمواجهة الهجمات التي كان يتوقعها من مشركي العرب، وخاصة أهل مكة الذين بات من المؤكد (لدى المسلمين) أَنهم

стр. 295

سيقومون بحرب شاملة (١) ضدهم ليردوا اعتبارهم الذي فقدوه في معركة بدر. ولكن اليهود (علي الرغم من تظاهرهم بحب السلام ورغبتهم في التعايش مع المسلمين سلميًا) أخذوا يبحثون لهم كل يوم عن متاعب جديدة، فصاروا يثيرون القلاقل ضد النبي، ويتحدون شعور المسلمين ويستفزونهم. بل إن البعض من هؤلاء أخذ يدعو (علنًا) إلى محاربة المسلمين، ويغرى قبائل العرب الوثنية بهم ويحرضهم على قتالهم، خلافًا لنصوص المعاهدة المعقودة بين المسلمين واليهود. وكان المسلمون (مع هذا) يقابلون كل ذلك بصبر عظيم وحلم واسع، ويحاولون (جهدهم) تذكير اليهود وإعادتهم إلى جادة الصواب بالطرق السليمة. ولكن اليهود تمادوا في غيهم، وازداد طغيانهم، فتوسعوا في تحرشاتهم بالمسلمين وأكثروا من تحدياتهم واستفزازاتهم. فتنة يهود بني قينقاع وكان بنو قينقاع (وهم من سكان المدينة) أول من أثار الشغب على

стр. 296

المسلمين واستفزهم وسخر منهم واستهان بأَمرهم. وكانوا من أغنياء المدينة، وكانت لهم حصون حربية بها. وهم أَول من نكث العهد من اليهود، قال ابن إسحاق: "وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أَن بني قينقاع (بفتح أَوله وسكون ثانيه وضم ثالثه) كانوا أَول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا فيما بين بدر وأُحُد". يتحدون النبي وعندما تفاقم أمر يهود بني قينقاع، واشتد طغيانهم، جمعهم النبي ﷺ (في مؤتمر عقده في سوقهم بالمدينة) حاول فيه إصلاحهم وإرجاعهم عن غيهم. وإعادتهم إلى جادة الصواب والتزام نصوص المعاهدة المبرمة بين المسلمين ويهود ... فنصحهم وحذرهم مغبة البغي. وذكرهم بالثمار المرّة التي جنتها قريش يوم بدر كحصيلة البغي والعدوان. ولكن جواب يهود (إزاء هذا النصح النبوي والمحاولة الإصلاحية الصادقة) كان في غاية الوقاحة المشوبة بالغطرسة والتحدّي. حيث أجابوا النبي ﵇ على نصحه في هذا المؤتمر بقولهم: يا محمد ... أَتري أَنَّا قومك (يعني قريش). لا يغرنّك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأَصبت منهم فرصة .. أما نحن أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنّا نحن الناس" (١).

стр. 297

وأمام هذا الاستفزاز والتحدي، كظم النبي ﷺ غيظه وتركهم، لو بقى المسلمون صابرين، يَنْتظرون ما تتمخض عنه الليالى. الشرارة الأولى واستبد الطغيان (بيهود بني قينقاع). فاستمروا في غيهم واستهتارهم بالمسلمين وتحرشهم بهم، حتى كانت الشرارة الأُولى التي أشعلوها (سفهًا) فأَحاطوا أَنفسهم بنيران الفتنة التي أَذكوا لهيبها فوضعت حدًّا لطغيانهم وبغيهم وغدرهم. فقد حدث أَن امرأَة مسلمة قدمت بحليّ لها لتبيعه في سوق بني قينقاع، ولما جلست إلى صائغ هناك اجتمع حولها نفر من اليهود يتحرشون بها، ويجرحون شعورها وأَرادوها على كشف وجهها، فأَبت ذلك. فعمد أَحد الصاغة اليهود إلى عقد طرف ثوبها إلى ظهرها (وهي غافلة) فلما قامت انكشفت سوءتها فضحك اليهود منها وسخروا، فاستغاثت المرأة، وكان أحد المسلمين حاضرًا فوثب على الصائغ اليهودي وقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه. الحصار ثم التسليم وهكذا أشعل بنو قينقاع الشرارة الأُولى، فوقعت الحرب بينهم وبين المسلمين، وقد أَسرع اليهود إلى حصونهم استعدادًا للحرب، واعتصموا فيها، وكان ذلك في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة (أَي بعد معركة بدر بحوالي خمسة وعشرين يومًا).

стр. 298

وضرب النبي ﷺ عليهم الحصار خمس عشرة ليلة فحاربوه، فلما اشتد عليهم الحصار اضطروا إلى التسليم ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ دون قيد أو شرط، وكان الحصار بقيادة (أبي لبابة بشير بن عبد المنذر) وبعضهم يسميه رفاعة بن عبد المنذر (١). ومن الجدير بالذكر أن الفئات اليهودية الأخرى في المدينة وضواحيها (بالرغم من حرصهم على القضاء على المسلمين) لم يجرأوا على مساندة إخوانهم بني قينقاع الذين وجدوا الجرأة في أنفسهم لمحاربة المسملين. رأس النفاق يتوسط وكان عبد الله بن أبي بن سلول (١) الخزرجى (رأس المنافقين) حليفًا لبنى قينقاع فلما مكن الله رسوله منهم جاء ابن أبي إلى رسول الله ﷺ وطلب منه أن يصدر عنهم (بصفتهم حلفائه) عفوًا عامًا وبعد محاولات متكررة من عبد الله بن أبي أصدر الرسول ﷺ عفوًا عامًا عن هؤلاء اليهود، بشرط أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروا المسلمين فيها، فخرجوا وطهر الله المدينة من شرورهم ودسائسهم. وذكر ابن إسحاق (٢) أن يهود قينقاع لما نزلوا على حكم رسول الله، قام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: "يا محمد أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه ﷺ فكرر ابن أبي طلبه، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب

стр. 299

درع رسول الله ﷺ ، فتغير لون النبي ﷺ وقال له، أرسلني وغضب ﷺ حتى رأوا لوجه ظللًا، ثم أعاد ﷺ وهو مغضب (أرسلنى ويحك) قال ابن أبي: لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائه حاسر (١)، وثلاثمائة دارع (٢) قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله: هم لك. الجلاء عن المدينة وقد عفا رسول الله ﷺ عن يهود بني قينقاع على شرط أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروا المسلمين فيها، فرحلوا إلى أذرعات الشام (٣) ولم يبقوا هناك طويلًا حتى أهلكهم الله (٤) وقد كان بنو قينقاع أول فئة يهودية يتم إجلاؤها عن المدينة. وبالرغم من إخماد الرسول ﷺ لفتنة بني قينقاع وعفوه الشامل عن مثيرى هذه الفتنة فإن الآخرين من يهود، لم يتعظوا ولم يزدادوا إلا عنادًا وحقدا وتوغلًا في الكيد لرسول الله ﷺ وصحبه، وإثارة للقلاقل، واغتنامًا للفرص للقضاء عليه وعلى دعوته

стр. 300

طاغية اليهود يتمرد وكان المرابي الكبير كعب بن الأَشرف الطائي (١) من أشد اليهود إيذاء لرسول الله ﷺ وتظاهرًا بالدعوة إلى حربه. كان كعب هذا من قبيلة طيء (٢) ثم من بني نبهان، وأُمه من بني النضير، وكان غنيًّا مترفًا ومن المشهورين بالجمال بين العرب. ولما بلغه انتصار المسلمين فہى بدر قال ... إنَّ بطن الأَرض خير من ظهرها. وبالرغم من العهود والمواثيق التي عقدت بين المسلمين واليهود (والتي منها عدم مظاهرة قريش أَو تأْييدها) فإن كعبًا هذا نكث بالعهد، وخرج من المدينة يحرّض قبائل العرب على الرسول ﷺ ، ويدعوهم إلى حربه، حتى وصل إلى مكة وأخذ يحرض قريشًا على المسلمھين، ويثير حفائظهم ويذكي حقدهم على النبي ﷺ . وقد لجأَ هذا اليهودى الحاقد إلى كافة السبل لإثارة قريش، وحتى الأَشعار أذاعها يبكى فيها قتلى بدر من المشركين والتي قال فيها يبكي أَصحاب القلب: طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدرٍ تستهل وتدمع وعندما كان كعب هذا بمكة سأَله أبو سفيان بن حرب .. أَيّ

стр. 301

الفريقين أهدى سبيلًا، محمد وإسلامه، أم قريش وأوثانها؟ ؟ فقال أنتم أهدى سبيلا. فأنزل الله تعالى بهذا الشأْن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١). مصرع الطاغية ولم يرجع كعب بن الأشرف من رحلته الشريرة حتى حشد (٢) قريشًا لقتال النبي ﷺ ، ولما رجع إلى المدينة أخذ يعلن العداوة ويحرِّض الناس على قتال النبي وحرب المسلمين. ولم يكتف بهذا، بل أَخذ يتحدَّى شعور المسلمين ويشبب بنسائهم (في أشعاره) بأَسمائهن الصريحة، مما أدّى إلى إيذاء المسلمين. وهكذا صار كعب بن الأَشرف في منزلة العدو المحارب الذي لم يبق له عهد ولا ذمة، حيث أصبح مصدر تهديد لأَمن المسلمين وخطرًا على كيانهم فأصبح من الضروري وضع حد لتصرفاته, لتنجو الأُمة من شره وبلائه, لا سيما في تلك الظروف الحرجة التي هي (بالنسبة للمسلمين) أَشبه بالظروف الاستثنائية.

стр. 302

فقد أصبح هذا المرابى اليهودى ومن يمالئه جبهة حربية تهدد المسلمين داخل المدينة، لاسيما أن كعبًا هذا من أغنى أغنياء العرب وله حصن منيع في ضواحي المدينة، ومن حواليه كثير من اليهود الذين بإمكانه أن يغريهم بنقض العهد الذي بينهم وبين الرسول، ويقوم (بالاتفاق معهم) بهجوم مفاجئ كاسح على المسلمين داخل المدينة. ولهذا قرر النبي ﷺ التخلص من هذا العدو اللدود، فانتدب لقتله محمد بن مسلمة الأنصاري (١) مع جماعة من الأنصار قاموا بقتله خارج حصنه بضواحى المدينة، كما هو مفصل في أمهات التاريخ. استكانة اليهود وبهذا المواقف الحازمة التي اتخذها الرسول ﷺ إزاء استهتار بني قينقاع بالعهود وعبث كعب بن الأشرف بالمواثيق تأكد اليهود أن الرسول لن يتوانى في اللجوء إلى قوة حين لا يجدى النصح لمن يريد العبث بالأمن وإثارة القلاقل وعدم احترام العهود والمواثيق. وبقتل كعب بن الأشرف أسرعت الأفاعى ترتجف إلى جحورها وصار لدى المسلمين ما يشبه اليقين بأن اليهود لن يخاطروا بأنفسهم (في ذلك الظرف على الأقل) لإيذاء المسلمين أو ممالأة المشركين ضدهم.

стр. 303

وبهذا استقرت الأحوال الداخلية في المدينة (نوعًا ما) وانطوى اليهود على أنفسهم ولم يحركوا ساكنًا لقتل طاغيتهم (كعب بن الأشرف) بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بأنهم عند عهدهم. وهنا تفرغ النبي لمواجهة الأحداث الخطيرة التي توقع حدوثها خارج المدينة، من جانب الأعراب والمشركين وخاصة قريشًا الذين تأكد للمسلمين أنهم سيقومون بحرب واسعة النطاق ضدهم انتقامًا لما أصاب قريشًا في بدر. وفعلًا حدثت هذه الحرب المنتظرة، فغزت قريش الباغية. محمدا ﷺ في عقر داره. بجيش بلغ ثلاثة آلاف مقاتل، واشتبك الشرك مع التوحيد في معركة طاحنة، دارت في ضواحي المدينة، وهي معركة أحد التي نحن بصددها. النشاط العسكري قبل موقعة أحد وفيما بين معركة بدر وموقعة أُحد، حدثت مناوشات عسكرية بين المسلمين من جهة وبين قريش وبعض اليهود ومشركى العرب من جهة أُخرى. ولم يكن القرشيون والأعراب واليهود في هذه المناوشات جبهة واحدة، وإنما كانت مناوشات متفرقة أكثرها يأتي من ناحية المسلمين، الذين كانوا أبسط الفريقين وأسرعهم لمباغتة هؤلاء الأعداء وضربهم في أماكنهم قبل أن يتحركوا للعدوان. والنشاط العسكري الذي حدث قبل معركة أُحد هو أشبه بدوريات عسكرية قام بها المسلمون، أي أنه لم تدر في تلك الفترة ما يمكن تسميته بمعارك التحم فيها الفريقان.

стр. 304

دوريات المسلمين ويمكن تلخيص الأعمال العسكرية التي قام بها المسلمون بين معركة بدر وأُحد كما يلي: ١ - حصار بني قينقاع: قام المسلمون بحصار يهود بني قينقاع في حصونهم داخل المدينة، وكان ذلك في أوائل شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وكانت نتيجة هذا الحصار استسلام بني قينقاع. ثم إجلاءهم عن المدينة، وقد تقدم تفصيل ذلك. ٢ - قتل (كعب بن الأشرف) وقد تولى قتله محمد بن مسلمة الأَنصاري مع جماعة من الأَنصار كما تقدم تفصيل ذلك. ٣ - غزوة بني سليم (١): وهي دورية قتال قادها النبي ﷺ إلى منازل بني سليم وغطفان (٢) الواقعة في قرقرة الكدر (٣) وهي منطقة تقع على الطريق التجارية الشرقية الحيوية بين مكة والشام. وسبب القيام هذه الدورية (٤) هو أن الرسول ﷺ بلغه أن قبائل

стр. 305

غطفان وسلم قد كونت اتحادًا فيما بينها، وأخذت في التحشد لغزو المدينة، فجرّد ﷺ هذه الحملة التأْديبية التي بلغت قوتهہامائتي راكب. وقد باغت النبي ﷺ هذه القبائل المحتشدّة في عُقْر دارها، حيث وصل بقواته السريعة إلى مكان التحشد وداهمهم على حين غفلة منهم ففروا بمجرد وصول المسلمين، بعد أن تركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقد قسم النبي هذه الغنيمة أَربعة أخماسها بين أفراد الجيش، فخص كل رجل منهم بعيران، وقد بقي الرسول ﷺ بجيشه في ديار سلم وغطفان ثلاثة أيام، لإظهار هيبة المسلمين ولإرهاب العدو، ثم عاد أدراجه إلى المدينة دون أن يلقى حربًا، وكانت هذه الدورية في أواخر شهر شوال من السنة الثانية للهجرة. ٤ - غزوة السويق وهي قوة مطاردة، ألَّفَهَا الرسول ﷺ بسرعة، لمطاردة القوة القرشية التي أغارت بقيادة أبي سفيان بن حرب (١) على المدينة ليلا خلسة. وتفصيل ذلك أن أبا سفيان عند رجوعه من بدر نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو محمدًا، ولذلك جهز مائتي راكب من قريش وقادهم إلى منطقة المدينة ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة بهذه القوة، وإنما قام بأعمال هي أشبه بأعمال القرصنة، حيث عسكر بقوته على مسافة بعيدة من المدينة، ثم دخل إليها تحت جنح الظلام مستخفيًا

стр. 306

ونزل علي (سلام بن مشكم) اليهودي سيد بني النضير، فآواه الخائن ودله على عورات المسلمين، ثم رجع إلى معسكره. ولما رجع إلى قومه أرسل منهم مفرزة (١) صغيرة فأغارت على ناحية بأطراف المدينة، يقال لها (العريض) ليقوموا بأعمال التخريب، وفعلًا قامت هذه المفرزة المتسللة بحرق مجموعة من النخيل وقتلت رجلين من المسلمين كانا يعملان هناك، ثم هربت هذه المفرزة القرشية إلي معسكرها بالوادي. وفورًا علم المسلمون بعملية التسلل هذه فسارع الرسول ﷺ ، (على رأس قوة من أصحابه) لمطاردة أبي سفيان وجد في مطاردته، ولكن أبا سفيان تمكن من الإفلات، لأن حملته كانت من الفرسان الذين ألقوا بتمويناتهم (٢) من الطعام أثناء هربهم، ليكونوا أسرع على الهروب. وقد وصل الرسول في مطاردته لأبي سفيان إلى منطقة قرقرة الكدر، ثم عاد إلى المدينة دون أن يلقى حربًا، وكانت هذه الحركة في شهر ذي الحجة من السنة الثانية. ٥ - غزوة ذي أمر وهي أكبر حملة عسكرية يقودها الرسول ﷺ خارج المدينة قبل معركة أُحُد، فقد بلغ عدد رجال هذه الحملة أربعمائة وخمسين مقاتلًا ما بين راكب وراجل.

стр. 307

وسبب هذه الحملة أن استخبارات (١) المدينة، نقلت إلى القيادة فيها، أن جمعًا كبيرًا من بني ثعلبة (٢) ومحارب (٣) احتشدوا بذى أمر. وأن هدفهم الإغارة على أطراف المدينة. فسارع الرسول ﷺ كعادته في إرهاب الأعراب، فجهز هذه الحملة الكبيرة، وقادها بنفسه، لضرب هؤلاء الأعراب في ديارهم قبل أن يتحركوا. وفي أثناء سير الرسول ﷺ بجيشه نحو العدو، ألقى جنوده القبض على رجل من بني ثعلبة المقصودين بالحملة فأدخل علي الرسول ﷺ فدعاه الرسول إلي الإسلام فأسلم، وضمه الرسول إلي مفرزة بلال. ثم قال الرجل (واسمه حباب) للنبي ﷺ إنهم (أي بني ثعلبة ومحارب) لن يلاقوك ولو سمعوا بمسيرك إليهم لهربوا في رؤوس الجبال، ثم صار هذا الرجل دليلًا لجيش النبي إلى أرض العدو. وقبل أن يصل الرسول إلي مكان تجمع تلك القبائل، بلغهم خبر حملة المدينة فسارعوا إلي الهرب، وتفرقوا في رؤوس الجبال، وقد كان قائد هذا التجمع رجلًا من بني محارب اسمه (دعثور بن الحرث الغطفاني). وقد وصل الرسول ﷺ بجيشه إلى مكان التجمع وهو الماء المسمى (بذى أمر) ولم يعد ﷺ إلي المدينة إلا بعد أن أقام هناك بجيشه

стр. 308

شهرًا كاملًا، وذلك ليشعر الأَعراب بقوة المسلمين ويرهب من تحدثه نفسه بالاستخفاف بهم. وقد كان القيام بهذه الجملة في شهر محرم من السنة الثالثة للهجرة. محاولة اغتيال النبي وقد حاول قائد قبائل بني ثعلبة ومحارب الذين فروا هربًا من جيش المسلمين. حاول اغتيال النبي ﷺ وهو معسكر بذي أمر (مكان تجمع القبائل). وتفصيل ذلك أن مطرًا أصاب الجيش الإسلامي، ابتلّت على أثره ثباب النبي ﷺ وثياب أَصحابه فنزع الرسول ﷺ الوحيدين اللذين كانا منه، ونشرهما على شجرة ليجفا، ثم اضطجع، وانشغل بقية الجند كذلك بسبب ما أَصابهم من المطر، وفي هذا الظرف بالذات تسلل (دعثور قائد قبائل العدو) لاغتيال النبي ﷺ مغتنمًا فرصة انشغال أَصحابه بأَنفسهم، وكان دعثور هذا شجاعًا فاتكًا، وقد حرضه قومه على قتل النبي، فقال لهم قتلنى الله إن لم أقتل محمدًا. وقد نجح دعثور هذا في التسال (دون أَن يشعر به أَحد) حتى وصل إلى النبي الذي لم يشعر إلا ودعثور قائمًا على رأْسه بالسيف مصلتًا يريد الفتك به. والنبي ﷺ أَعزلًا لم يكن في يده أَي سلاح. ثم قال دعثور للنبي ﷺ : من يمنعك مني الآن? ? . فقال له النبي ﷺ : الله.

стр. 309

وبينما المحاورة تدور هكذا، إذ وقع دعثور على ظهره فجأَة، فسقط السيف من يده. فأَخذه النبي ﷺ ثم قال لدعثور (والسيف مصلت على رأْسه): "من يمنعك مني"؟ ؟ فقال .. لا أحد، ثم أَعلن إسلامه فورًا. فأَعاد الرسول ﷺ إليه سيفه، وتوجه إلى قومه يدعوهم إلى الإِسلام وأَخبرهم أَن الذي جعله يقع على الأَرض حتى سقط السيف من يده؛ رجل طويل دفع في صدره، وقال لهم لقد علمت أنه ملك فأَسلمت. وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أَن الذي طرح دعثور علي الأَرض حتى سقط السيف من يده. هو جبريل الذي دفع في صدره حتى سقط على الأَرض. وكانت هذه ثاني محاولة لاغتيال النبي ﷺ . وقد أنزل الله تعالى في هذه الحادثة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). ٦ - غزوة بحران (٢) وهي دورية قتال كبيرة قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول ﷺ بنفسه إلى ديار بي سُلَيم الذين بالغه أَنهم يقومون بحشد قوات كبيرة من قبائل تلك المنطقة لغزو المدينة.

стр. 310

فأسرع إليهم بجيشه، وحث السير ليباغتهم، قبل أن يتحركوا (كما هي عادته) في تأديب الأعراب. ولكن بني سُلَيم لما بلغهم أن الرسول ﷺ قد تحرك بجيشه نحوهم, تفرقوا في الجبال ولم يثبتوا للقاء، ولكن الرسول (إمعانًا في إرهاباهم) جاس بدوريته خلال ديارهم، ولم يرحل عنها إلا بعد أن أقام بها شهرين، وقد كان القيام بهذه الحملة في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة. ٧ - سرية زيد بن حارثة غير أن أهم هذه المناوشات (في تلك الفترة) هي تلك الحملة العسكرية الموفقة التي قادها زيد بن حارثة الكلبى (١) بعد سبعة أشهر من معركة بدر. وتفصيل ذلك أن قريشًا بعد هزيمتهم في معركة بدر وسيطرة المسلمين على منطقة يثرب حتى البحر غربًا أصبحوا لا يأمنون الطريق الغربية التي كانوا يمرون عبرها بتجارتهم من الشام إلى مكة والتي تمر بالقرب من يثرب. وقد كانت هذه الطريق أيسر وأقرب طريق بالنسبة لسير القوافل من مكة إلى الشام وبالعكس، فكان المكيون (عبر مئات السنين) يمرون بهذا الطريق بقوافلهم، فيدخلون الشام عن طريق الحدود الأردنية الحالية، وهي أول حدود الشام القديمة بالنسبة لجزيزة العرب، حيث كان (في ذلك الوقت) كل من سورية والأردن وفلسطين ولبنان يُعبّر

стр. 311

عنه بالشام، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية فحصلت التجزئة الحالية. ولما أصبحت هذه الطريق الغربية تحت سيطرة المسلمين (تقريبًا)، قرر القرشيون أن لا تمر قوافلهم مرة أخرى عبر هذا الطريق، خوف وقوعها في قبضة المسلمين، وذلك على أثر مؤتمر عقدوه في مكة، قال فيه صفوان بن أمية (١) لقريش (وهو من كبار تجارها وقادتها). إن محمدًا وصحبه عوروا علينا متجرنا (يعني بسيطرتهم على الطريق الغربية)، فما ندرى كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندرى أين نسلك، وإن أقمنا في ديارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء. وبعد مناقشات ومداولات تم الاتفاق بين زعماء قريش على أن تكون رحلاتهم التجارية إلى الشام عبر الطريق الشرقية وهي طريق طويلة جدًّا تمر بأرض نجد ثم العراق حتى الشام، وهي أطول وأكثر صعوبة من الطريق الغربية، ولكنهم قرروا سولكها ظنًّا منهم أنها أكثر وأضمن سلامة من الطريق القديمة التي سيطر عليها المسلمون. ولما كانت قريش تجهل هذه الطريق الجديدة كل الجهل، استأجرت رجلا نجديًا من بني بكر بن وائل (اسمه فرات بن حيان) (٢) ليدلهم على الطريق.

стр. 312

وفعلًا سافرت أول قافلة قرشية إلى الشام عبر هذا الطريق الجديد، وقد سافرت هذه القافلة بقيادة صفوان بن أمية، يرافقه أبو سفيان بن حرب وغيره من قادة قريش. استخبارات الرسول تكشف القافلة وقد علم أحد رجال استخبارات الجيش الإسلامي خبر سفر هذه القافلة، فسارع إلى إبلاغ القائد الأعلى النبي ﷺ بذلك، وأطلعه على تفاصيل الخطة الجديدة التي رسمتها قريش لمعاودة تجارتها مع الشام. والذي نقل تفاصيل الخطة إلى الرسول ﷺ هو سليط بن النعمان (١) وذلك أنه حضر مجلسًا للشراب في المدينة (وذلك قبل أن تحرم الخمر) ضم هذا المجلس (في حي اليهود) كنانة بن أبي الحقيق اليهودى، ونعيم بن مسعود (٢) وسليط بن النعمان هذا، وكان نعيم على دين قومه،

стр. 313

ولما أخذت الخمر من رأس نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير وسلوك القرشيين بها إلى الشام عبر الطريق الشرقية، فسارع سليط بن النعمان وأبلغ الرسول ﷺ ذلك. مصادرة العير فجهز الرسول ﷺ على الفور حملة قوامها مائة راكب أعطى قيادتها لزيد بن حارثة الكلبي وأمره بالتوجه نحو الطريق الشرقية الجديدة التي سلكتها قافلة قريش، والتربص بهذه القافلة والاستيلاء عليها. فاتجه زيد بحملته مسرعًا نحو نجد يتحسس خبر العير. وإذا كان أبو سفيان قد نجحت مخابراته في اكتشاف حملة المسلمين التي خرجت من المدينة بقيادة الرسول، للاستيلاء على عير قريش قبل سبعة أشهر، ونجا بهذه العير التي نشبت - بعد إفلاتها - معركة بدر الكبرى، فإن مخابرات العبير هذه المرة لم تنجح في اكتشاف حملة زيد بن حارثة، التي بوغتت بها مباغتة كاملة وأخذت على حين غرة، ولعلها ما كانت تتوقع أن دوريات المسلمين العسكرية سيصل نشاطها إلى ذلك المكان البعيد. ففي مكان بنجد يقال له قردة (بالتحريك) (١) دهم زيد بن حارثة

стр. 314

عير قريش وهي نازلة على الماء فلم يكن من صفوان بن أمية وأبي سفيان ومن معهما من حرس القافلة إلا ينجوا بجلدهم، ففروا وتركوا العير دون أن يبدوا أية مقاومة. فاستولت دورية المسلمين على تلك العير دون قتال، ووقع في أسر الدورية ثلاثة من حرس القافلة، منهم دليلها (فرات بن حيان). وقد كانت الغنيمة في الغزوة عظيمة جدًّا، وكان أكثرها من الفضة والآنية، وقد قدرت قيمتها (على ما ذكره ابن كثير) بمائة ألف، قسم الرسول ﷺ أربعة أخماسها على أفراد الحملة، واحتفظ بخمس واحد للمصلحة العامة. وبمصادرة هذه العير، اشتد قلق قريش من المسلمين، وازداد حقدها وحنقها عليهم وازدادت تصميمًا على غزوهم في ديارهم.

стр. 315

الفصل الثاني * رسم الخطط - الاستعدادات * الاستحضارات - التحركات * تحديد مكان المعركة. أسباب المعركة نشبت هذه المعركة الهائلة بين المسلمين والمشركين يوم السبت الموافق الخامس عشر من شهر شوال سنة ثلاثة من الهجرة. وقد كانت هذه المعركة ثانى معركة دامية طاحنة يخوضها المسلمون ضد مشركى مكة، وهي أعظم من معركة بدر (حيث كثرة الاستعداد وضخامة القوات التي اشتبكت فيها). وسبب هذه المعركة، هو أن قريشًا لما هزمت في معركة بدر، وفتك المسلمون بقادتها وزعمائها، وهدموا هيبتها في نفوس العرب، صممت على الانتقام من المسلمين، وقررت (استعادة لهيبتها) مهاجمة المسلمين في عقر دارهم. فقد مشى زعماء مكة بعضهم إلى بعض وتذاكروا فيما لحق بهم من خزى وعار نتيجة الهزيمة التي نزلت بهم واتفقوا فيما بينهم على أنه لا يمكن محو هذا العار إلا بغزو المسلمين في ديارهم، وأن هذا هو السبيل

стр. 316

الوحيد لاستعادة مركزهم الممتاز الذي فقدوه بين سكان الجزيرة على أثر هزيمتهم في موقعة بدر. الاستعداد المعركة وبينما كان المسلمون (عقب معركة بدر مباشرة) يقومون بحركاتهم العسكرية وتنظيماتهم الاجتماعية، (داخل المدينة، وخارجها) لتوطيد سلطانهم وتأمين قاعدة دعوتهم (المدينة)، كانت قريش من جانبها تقوم باستعدادات واسعة النطاق لخوض المعركة الفاصلة التي قررت خوضها مع المسلمين في ديارهم. وقد كان عكرمة بن أبي جهل (١) وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة (٢)، أكثر زعماء قريش نشاطًا وتحمسًا لخوض المعركة، فقد كان هؤلاء هم المحرك الدائم القبائل قريش، بل ولمن جاورها من قبائل كنانة وثقيف، وتهييجهم ضد النبي وتحريضهم على الاشتراك في حربه. ميزانية الحملة وكان أول هذه الاستعدادات العملية، هو وضع ميزانية ضخمة لتمويل هذا الغزو الذي قررت مكة القيام به إلى أرض يثرب لضرب المسلمين فيها.

стр. 317

لقد اجتمع زعماء قريش في برلمانهم (دار الندوة) للتشاور في الأمر، وبعد مناقشات ومداولات وافقوا بالإجماع على اقتراح قدمه كل من عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، يقضي برصد خمسين ألف دينار ذهبًا (وهو ما يساوى اليوم حوالي مليون ريال سعودي) كميزانية لذلك الغزو، كما وافق (برلمان قريش) بالإجماع على أن يكون هذا الرصيد من أموال العير المشؤومة التي نجا بها أبو سفيان من قبضة جيش المدينة قبل معركة بدر بقليل. فقال احتجزت قريش تلك العہير وأوقفتها في دار الندوة ولم تعط لأربابها شيئًا منها حتى اتخذت قريش ذلك القرار الذي يقضى برصد ميزانية الغزومن أموال هذه العير (١). وقال أنزل الله تعالى في تدبيرات قريش الحربية هذه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٢). المتطوعون في الغزو ك ما وافق برلمان قريش على (اقتراح قدمه صفوان بين أُمية) يقضي بفتح باب الطواع لغير القرشين من القبائل المجاورة للمشاركة في غزو المسلمين، على أن ترسل قريش مندوبين للقيام بهذه المهمة، لتشجيع قبائل كنانة على هذا التطوع.

стр. 318

وقد اختارت قريش لهذه المهمة شاعرين من قبيلة (جُمح القرشية) أحدهما مسافع بن عبد مناف بنوهب بن حذافة بن جمح (بضم الجيم وفتح الميم) (١) والثاني أبو عزة (عمرو بن عبد الله الجمحى) (٢) أما أبو عزة فقد استدعاه صفوان بن أمية (وكان من أغنياء قريش) وطلب منه القيام بمهمة تحريض قبائل كنانة على التطوع لحرب محمد قائلًا: (يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنَّا بلسانك، فقال: إن محمدًا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه). فأغراه صفوان قائلًا: (فأعنَّا، فلك الله على إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر)، فانصاع أبو عزة لإغراء صفوان. فخرج الشاعران إلى قبائل كنانة يحضانها على الاشتراك مع قريش في حرب النبي ﷺ . وكان مما قاله مسافع يحرض بني مالك من كنانة، ناشدًا إياهم الرحم والجوار: يا مال، مال الحساب المقدم ... أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم ... الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم

стр. 319

ومما قاله أبو عزة داعيًا كنانة إلى محاربة المسلمين: إيهًا بني عبد مناة الرّزام ... أنتم حماة وأبوكم حام وتعدوني نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام وقد نجح هذا الشاعران في مهمتهما حيث أقنعا كثيرًا من أفراد قبائل كنانة المجاورة لقريش بالتطوع في جيش مكة لغزو المسلمين. مبلغ قوة قريش الغازية وقد بلغت قوة قريش في هذه الحملة ثلاثة آلاف مقاتل، منهم: ألفان وتسعمائة من قريش ومواليها وأحابيشها (١) ومائة من قبائل كنانة المتطوعين. أما سلاح النقليات فقد كان في هذه الحملة ثلاثة آلاف بعير ومعهم من سلاح الفرسان مائتا فرس جنَّبوها حتى أُحُد أما سلاح الوقاية فقد كان لهم منه سبعمائة درع. توزيع القيادة وقد انتخبت قريش أبا سفيان بن حرب قائدًا عامًا للجيش كما أعطت قيادة سلاح الفرسان لخالد بن الوليد (٢) بمعاونة عكرمة بن أبي جهل.

стр. 320

كما أُسندت مهمة حمل اللواء (وهو علم الجيش) إلى بني عبد الدار بن قصي. وكان حامل اللواء عند الصدمة الأُولى طلحة بن أبي طلحة العبدرى الذي كان أول قتيل من حملة اللواء الذين أبادهم المسلمون في أول المعركة عن بكرة أبيهم حتى سقط لواءُ قريش على الأرض ونزلت بهم الهزيمة. نساء القادة في الجيش وزيادة من قريش في التصميم على القتال، ولئلا يحدّث أحدٌ منهم نفسه بالفرار من المعركة استصحب قادة قريش معهم نسائهم إلى المعركة. وكان عدد النساء اللواتي خرجن مع الجيش إلى أُحُد خمس عشرة امرأة. فخرج أبو سفيان بن حرب بزوجته هند (١) بنت عتبة بن ربيعة.
следующие страницы →