← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الوحيد لاستعادة مركزهم الممتاز الذي فقدوه بين سكان الجزيرة على أثر هزيمتهم في موقعة بدر. الاستعداد المعركة وبينما كان المسلمون (عقب معركة بدر مباشرة) يقومون بحركاتهم العسكرية وتنظيماتهم الاجتماعية، (داخل المدينة، وخارجها) لتوطيد سلطانهم وتأمين قاعدة دعوتهم (المدينة)، كانت قريش من جانبها تقوم باستعدادات واسعة النطاق لخوض المعركة الفاصلة التي قررت خوضها مع المسلمين في ديارهم. وقد كان عكرمة بن أبي جهل (١) وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة (٢)، أكثر زعماء قريش نشاطًا وتحمسًا لخوض المعركة، فقد كان هؤلاء هم المحرك الدائم القبائل قريش، بل ولمن جاورها من قبائل كنانة وثقيف، وتهييجهم ضد النبي وتحريضهم على الاشتراك في حربه. ميزانية الحملة وكان أول هذه الاستعدادات العملية، هو وضع ميزانية ضخمة لتمويل هذا الغزو الذي قررت مكة القيام به إلى أرض يثرب لضرب المسلمين فيها.

стр. 317

لقد اجتمع زعماء قريش في برلمانهم (دار الندوة) للتشاور في الأمر، وبعد مناقشات ومداولات وافقوا بالإجماع على اقتراح قدمه كل من عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، يقضي برصد خمسين ألف دينار ذهبًا (وهو ما يساوى اليوم حوالي مليون ريال سعودي) كميزانية لذلك الغزو، كما وافق (برلمان قريش) بالإجماع على أن يكون هذا الرصيد من أموال العير المشؤومة التي نجا بها أبو سفيان من قبضة جيش المدينة قبل معركة بدر بقليل. فقال احتجزت قريش تلك العہير وأوقفتها في دار الندوة ولم تعط لأربابها شيئًا منها حتى اتخذت قريش ذلك القرار الذي يقضى برصد ميزانية الغزومن أموال هذه العير (١). وقال أنزل الله تعالى في تدبيرات قريش الحربية هذه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٢). المتطوعون في الغزو ك ما وافق برلمان قريش على (اقتراح قدمه صفوان بين أُمية) يقضي بفتح باب الطواع لغير القرشين من القبائل المجاورة للمشاركة في غزو المسلمين، على أن ترسل قريش مندوبين للقيام بهذه المهمة، لتشجيع قبائل كنانة على هذا التطوع.

стр. 318

وقد اختارت قريش لهذه المهمة شاعرين من قبيلة (جُمح القرشية) أحدهما مسافع بن عبد مناف بنوهب بن حذافة بن جمح (بضم الجيم وفتح الميم) (١) والثاني أبو عزة (عمرو بن عبد الله الجمحى) (٢) أما أبو عزة فقد استدعاه صفوان بن أمية (وكان من أغنياء قريش) وطلب منه القيام بمهمة تحريض قبائل كنانة على التطوع لحرب محمد قائلًا: (يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنَّا بلسانك، فقال: إن محمدًا قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه). فأغراه صفوان قائلًا: (فأعنَّا، فلك الله على إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر)، فانصاع أبو عزة لإغراء صفوان. فخرج الشاعران إلى قبائل كنانة يحضانها على الاشتراك مع قريش في حرب النبي ﷺ . وكان مما قاله مسافع يحرض بني مالك من كنانة، ناشدًا إياهم الرحم والجوار: يا مال، مال الحساب المقدم ... أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم ... الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم

стр. 319

ومما قاله أبو عزة داعيًا كنانة إلى محاربة المسلمين: إيهًا بني عبد مناة الرّزام ... أنتم حماة وأبوكم حام وتعدوني نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام وقد نجح هذا الشاعران في مهمتهما حيث أقنعا كثيرًا من أفراد قبائل كنانة المجاورة لقريش بالتطوع في جيش مكة لغزو المسلمين. مبلغ قوة قريش الغازية وقد بلغت قوة قريش في هذه الحملة ثلاثة آلاف مقاتل، منهم: ألفان وتسعمائة من قريش ومواليها وأحابيشها (١) ومائة من قبائل كنانة المتطوعين. أما سلاح النقليات فقد كان في هذه الحملة ثلاثة آلاف بعير ومعهم من سلاح الفرسان مائتا فرس جنَّبوها حتى أُحُد أما سلاح الوقاية فقد كان لهم منه سبعمائة درع. توزيع القيادة وقد انتخبت قريش أبا سفيان بن حرب قائدًا عامًا للجيش كما أعطت قيادة سلاح الفرسان لخالد بن الوليد (٢) بمعاونة عكرمة بن أبي جهل.

стр. 320

كما أُسندت مهمة حمل اللواء (وهو علم الجيش) إلى بني عبد الدار بن قصي. وكان حامل اللواء عند الصدمة الأُولى طلحة بن أبي طلحة العبدرى الذي كان أول قتيل من حملة اللواء الذين أبادهم المسلمون في أول المعركة عن بكرة أبيهم حتى سقط لواءُ قريش على الأرض ونزلت بهم الهزيمة. نساء القادة في الجيش وزيادة من قريش في التصميم على القتال، ولئلا يحدّث أحدٌ منهم نفسه بالفرار من المعركة استصحب قادة قريش معهم نسائهم إلى المعركة. وكان عدد النساء اللواتي خرجن مع الجيش إلى أُحُد خمس عشرة امرأة. فخرج أبو سفيان بن حرب بزوجته هند (١) بنت عتبة بن ربيعة.

стр. 321

وخرج عكرمة بن أبي جهھل بزوجته، أم حكيم (١) بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة، بزوجته فاطمة بنت الوليد (٢) ابن المغيرة.

стр. 322

وخرج صفوان بن أمية بزوجته برزة (١) بنت مسعود بن عمر الثقفية. وخرج عمرو بن العاص بزوجته ريطة (٢) بنت منبه بن الحجاج وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلاقة (٣) بنت سعد بن شهيد الأنصارية وخرجت، خناس بنت مالك بن المضرب إحدي نساء بني مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين ﵁. وخرجت عمرة بنت علقمة، إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة من كنانة. التحريض على اغتيال حمزة وقبل خروج الجيش من مكة، دعا جبير بن مطعم (٤) غلامًا

стр. 323

له حبشيًّا اسمه (وحشى) (١) كان يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها، دعاه وطلب منه أن يخرج مع الجيش، وطلب منه أن يترصد حمزة بن عبد المطلب ويغتلاه بالحربة، وقال له: إن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدي (وكان حمزة هو الذي قتله يوم بدر) فأنت عتيق، فوعده ذلك، وفعلا قام الحبشي باغتيال سيد الشهداء حمزة ﵁ والمعركة على أشدها كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. جيش مكة يتحرك نحو المدينة وبعد أن أتمت قريش استحضارات الحركة، وأتمت كامل تجهيزاتها أخذت في التحرك بجيشها الضخم نحو المدينة. وكان جيش مكة هذه المرة على غاية من التنظيم والاستعداد، وقد تجنب قادة مكة الاختلاف هذه المرة فلم يحدث أي شقاق في الرأي حتى انتهت المعركة. نشاط الاستخبارات النبوية وكان العباس بن عبد المطلب (عم النبي ﷺ ) قد رجع من المدينة بعد أن تم إطلاق سراحه من الأسر بالفداء الذي دفعه عن نفسه، كما فصلنا ذل في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).

стр. 324

ولكنه بالرغم من عدم إسلامه آنذاك فقد كان مخلصًا لابن أخيه النبي ﷺ ، فكان يخشى عليه الدوائر، وكان لذلك يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية. ولما أتمت قريش تجهيزات جيشها وأخذ هذا الجيش في التحرك أرسل من مكة رسالة مستعجلة، مع أحد رجاله الأَمناء، ضمّن هذه الرسالة التفصيلات الكاملة عن محملة مكة، فذكر فيها عدد القوات واليوم الذي خرجت فيه وغير ذلك مما يجب أن يعرفه الرسول ﷺ ، عن جيش عدوه. ك يف تلقى الرسول نبأ الغزو وقد أسرع رسول العباس (وهو رجل من غفار) بالرسالة وجدّ في السير، حتى أنه قطع الطريق ما بين مكة والمدينة في ثلاثة أيام، مع أن قطعها (عادة) لا يتم إلا في عشرة أيام. وقد سل رسول العباس رسالته إلى النبي ﷺ وهو في مسجد قبا (١). ولما كان الرسول ﷺ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فقد دفع الكتاب

стр. 325

إلى أبيّ بن كعب (١) ليقرأه عليه، وبعد أن عرف الرسول ﵇ مضمون رسالة عمه العباس، طلب من أُبيّ بن كعب أن يكتم الخبر، ولا يبوح لأَحد منه بشيء. استعداد المدينة للمعركة ونهض ﷺ من فوره، وعاد إلى المدينة. وأخذ في الاتصال بقادة المهاجرين والأَنصار، ليتداول معهم الأَمر لمواجهة الموقف. وكان ﷺ قد استدعى سيد الأَنصار سعد بن الربيع وأَطلعه على خبر رسالة العباس. فقال والله إني لأَرجو أن يكون خيرًا، فاستكتمه إياه. فلما خرج رسول ﷺ من عند سعد، قالت له امرأَته، ما قال لك رسول الله؟ ؟ . فقال لها لا أُمّ لك وأنت وذاك، فقالت قد سمعت ما قال لك، وأخبرته بما أسرّ به إليه الرسول ﷺ فاسترجع سعد، وأَخذ بيد زوجته ولحق برسول الله ﷺ فأَخبره خبرها، وقال: يا رسول الله، إني خفت أن يفشو الخبر فترى أنى أَنا المفشى له وقد استكتمتني إياه فقال رسول الله ﷺ خلّ عنها.

стр. 326

حالة الطواريء في المدينة وبعد أن تأكد المسلمون من تحرك الجيش المكي نحوهم، ظلوا متيقظين، وظلت المدينة في حالة استنفار عام، على رجالها السلاح لا يفارقهم، حتى وهم في أوقات الصلاة استعدادًا الطوارئ. وانتشر جند الإسلام حول مداخل المدينة يحرسونها، خوفًا من أن يؤخذوا على غرة. وانتخبت مفرزة من الأنصار لحراسة رسول الله ﷺ في بيته، وقد كان ضمن هذه المفرزة ثلاثة من سادات الأنصار، هم (سعد بن معاذ وأسيد بن حضير (١) وسعد بن عبادة) باتوا وعليهم السلاح في المسجد على باب رسول الله ﷺ يحرسونه. محاولة نبش قبر والدة الرسول تابعت جيوش مكة سيرها نحو المدينة، وقد سلكت الطريق الغريبة المعتادة، التي تمر بعسفان ثم خليص، فالجحفة، فرابغ، فالأبواء، فالمدينة (٢). لما وصل جيش مكة إلى الأبواء، (وهو مكان دفنت فيه أم الرسول الأعظم ﷺ آمنة بنت وهب) (٣) أشارت هند بنت عتبة

стр. 327

(زوج القائد العام أبي سفيان) بنبش قبر أُم الرسول ﵇ قائلة: لو بحثتم قبر أُم محمد، فإن أُسر منكم أحد فديتم كل إنسان بأَرب من آرابها (أي جزء من أَجزائها). ولكن العقلاء في الجيش حذروا من نبش قبر أُم النبي ونهوا عن ذلك، قائلين، لا يفتح هذا الباب، وإلا نبش بنو بكر أمواتنا عند مجيئهم (١) فلم تحقق رغبة هند بنت عقبة. دوريات استطلاع (٢) المدينة وقد نشطت دوريات المسلمين لاستطلاع أخبار العدو، وكانت تضرب باستمرار في أعمالها حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين. وبينما كان رجلان من المسلمين يقومان بأَعمال الدورية، (بعثهما الرسول خصِّيصًا لاكتشاف تحركات العدو) إذا بهما يريان جيش مكة الضخم قد عسكر على بعد عدة أميال من المدينة فعادا ليخيراه بذلك، ونقلت الاستخبارات الخبر الأَخير عن تحركات جيش مكة، وهو أن هذا الجيش قد سلك وادي العقيق، وانحرف منه إلى ذات

стр. 328

اليمين وعسكر في السبخة من وادي قناة الواقع شمالي المدينة، في مكان يقع بالقرب من جبل عينين الذي سمّي فيما بعد بجبل الرماة. المجلس العسكري الأعلى وبعد أن تأكد الرسول ﷺ من أن المشركين قد اتخذوا السبخة من وادي قناة معسكرًا لهم، سارع إلى عقد مؤتمر عسكري استشاري أعلى لبحث الموقف، حضره جميع قادة الجيش النبوي وأهل الرأي من أهل المدينة وقد حضر هذا المجلس عبد الله بن أُبَيّ بن سلول (المنافق) بصفته أحد زعماء الخزرج. وكان عقد هذا المجلس في الرابع عشر من شهر شوال سنة ٣ هـ. الاختلاف في الرأي وقد دار النقاش في هذا المجلس (بصفة رئيسية) حول المكان الذي يجب أن يلقي فيه المسلمون عدوّهم، وقد كان رأْي النبي ﷺ أن يتحصن المسلمون بالمدينة، لإِجبار قريش على مهاجمتها، وكان يهدف من اتباع هذه الخطة، إلى أن يتبع المسلمون (في منازلة المشركين) خطة قتال الشوارع، لأن ذلك يمكن المسلمين من إيقاع الخسائر الجسيمة بالمشركين، دون أن يتحمل المسلمون خسائر تذكر، ذلك أن المسلمين سيقاتلون وهم متحصنون في مواقع يجهلها المشركون كل الجهل. يضاف إلى ذلك أن اتِّباع هذه الخطة، يمكّن النساء من الاشتراك في مقاتلة المشركين بإلقاء الأَحجار الثقيلة عليهم عندما يقتحمون شوارع المدينة.

стр. 329

وقد أعلن الرسول ﷺ رأيه هذا في ذلك المؤتمر بقوله: "فإن رأَيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإِن أَقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها". وكان عبد الله بن أُبَيّ يرى هذا الرأْي، فقد قال للرسول ﷺ في هذا المجلس: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قط، إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أَقاموا، أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءُوا. النبي يترك رأيه للأغلبية ولكن كثيرًا من الشباب كانوا متحمسين للخروج ومقاتلة المشركين خارج المدينة، فقد قال قائلهم ... يا رسول الله: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه إلينا وقرب المسير. وكان على رأس هؤلاء الشباب المتحمسين للخروج حمزة بن عبد المطلب، الذي قال للنبي ﷺ : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة (١). ومالت أيضًا كثرة (ممن لم يكن لهم شرف الاشتراك في معركة بدر) إلى هذا الرأي الأخير، حيث قال قائلهم للرسول ﷺ :

стр. 330

اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جَبُنَا عنهم وضعفنا، والله لا نطيع العرب في أن تدخل علينا منازلنا. واتضح للرسول ﷺ على أثر هذه المناقشات أن الأغلبية ترى خلاف رأْيه، فلم يسعه إلا الاستجابة لرأْي هذه الأَغلبية، وأَعلن أنه خارج لمقاتلة العدوّ حيث هو بوادي قناة، بالرغم من أنه ﷺ كاره للخروج. النبي يرفض الرجوع إلى رأيه الأول وبعد ارفضاض المجلس ذهب المسلمون لأداء صلاة الجمعة، وبعد أن صلى النبي ﷺ بالمسلمين دخل إلى منزله فتدجج بسلاحه فظاهر بين درعين (أي لبس درعًا فوق درع) ثم خرج على قومه بكامل عادته الحربية، وأذن فيهم بالخروج إلى العدو. وقال ندم ذوو الرأي حين شعروا أنهم استكرهوا الرسول ﷺ على اتباع خطة لمقاتلة العدو ويفضّل عليها غيرها. فبلّغوه استعدادهم للتنازل عن رأْيهم والرجوع إلى رأْيه الأَول، فقالوا له: ما كان لنا أن نخالفك ولا نستكرهك على الخروج فاصنع ما شئت، أمكث كما أمرتنا. فلم يقبل منهم هذا العرض، وقال لهم (مصممًا على الخروج): "وما ينبغي لنبي إذا لبس لأْمته (أَي كامل سلاحه) أَن يضمها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأْس وانتظروا ما آمركم به فافعلوا".

стр. 331

الجيش يتحرك من المدينة وخرج النبي ﷺ إلى العدو على رأس جيش بلغ حوالي ألف مقاتل. قد قسم ﷺ هذا الجيش إلى ثلاث كتائب. ١ - كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها لمصعب بن عمير (١) العبدري القرشي. ٢ - كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى علمها للحباب بن المنذر بن الجموح (١). ٣ - كتيبة الخزرج الأنصار أيضًا, وأعطى علمها لأُسيد بن حضير (١). مبلغ قوة جيش المدينة وقد بلغت قوة جيش النبي ﷺ قبل أَن يتمرد المنافقون - ألف مقاتل , كما تقدم، يقابلهم من جانب المشركين ثلاثة آلاف مقاتل، وبعد أن تمرد المنافقون، صار جيش الرسول سبعمائة مقاتل فقط. ولم يكن مع المسلمين من سلاح الوقاية سوى مائة دارع، بينما يوجد في جيش المشركين سبعمائة دارع. كما أن المسلمين ليس لهم من سلاح المطاردة أكثر من فرس واحد، بينما يوجد في جيش مكة من هذا السلاح المهم مائتا فرس.

стр. 332

لا ننتصر بأهل الكفر وعندما فصل ﷺ بجيشه من المدينة، وجاوز ثنية الوداع (١) رأي كتيبة حسنة التسليح لها رجل منفردة عن سواد الجيش، فقال ما هذا? ? ? . فأبلغوه، أن هذه الكتيبة مؤلفة من اليهود حلفاء عبد الله بن أُبي، يرغبون مشاركة المسلمين في مقاتلة المشركين. فقال (متسائلًا). أَسلموا؟ ؟ .. فقالوا .. لا، يا رسول الله. فأصدر أمره بإبلاغهم الاستغناء عنهم، وإرجاعهم، قائلًا: "مروهم فليرجعوا، فإنا لا ننتصر بأَهل الكفر على أهل الشرك". استعراض الجيش وعندما وصل ﷺ بجيشه إلى مكان يقال له الشيخان (٢) قام باستعراض جيشه، ولدى عرض المقاتلين عليه أَمر برد بعض الشباب الصغار، انخرطوا في سلك الجيش، فلم يسمح لهم بالاشتراك في القتال لصغر سنهم.

стр. 333

ومن هؤلاء الشباب عبد الله بن عمر بن الخطاب (١) وزيد بن ثابت (٢) وأسامة بن زيد (٣) وزيد بن أرقم (٤) والبراء بن عازب (٥) وأسيد بن

стр. 334

ظهير (١) وعرابة بن أوس (٢) وأبو سعيد الخدري (٣) وزيد بن حارثة الأنصاري (٤) ورافع بن خديج (٥) وسمرة بن جندب (٦) وسعد بن حبته (٧) فقد رد هؤلاء جميعًا , لأنهم دون الخامسة عشرة، ولكنه بعد ذلك أجاز من هؤلاء الشباب وسمح لهم بالقتال، كلًّا من رافع بن خديج، وسمرة بن جندب على صغر سنهما. وذلك أن رافع بن خديج كان ماهرًا في رماية النبل، أما سمرة

стр. 335

ابن جندب، فقد قال لأُمه، إن رسول الله ﷺ أجاز رافعًا، وأنا أصرعه، أي إنني أَقوى منه، فأَعلم الرسول بذلك، فطلب من الاثنين أن يتصارعا أمامه، فتصارعا، فلما غلب سمرة رافعًا أَجازة. المبيت بين أحد والمدينة وفي منطقة الشيخين (وحيث استعرض الرسول جيشه) أدركهم المساءُ، فأذن بلال بالمغرب، فصلى النبي ﷺ بأَصحابه، ثم أَذن بالعشاہء فصل بهم, وبات بذلك الموضع القريب من مہعسكر المشركين. وقد انتخب مفرزة لحراسة المعسكر قوامها خمسون رجلًا، باتوا يقومون بأعمال الدورية طائفين حول المعسكر، وقد أُعطى الرسول ﷺ قيادة قوة الحراسة هذه إلى محمد بن مسلمة الأَنصاري. وتولى ذكوان بن عبد قيس تلك الليلة حراسة الذات النبوية الكريمة. التمرد في جيش المدينة وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج الرسول ﷺ بجيشه، حتى إذا كانوا بالشوط (١) أدركتهم صلاة الصبح فصلى بأَصحابه وعليهم السلاح، لأَن العدو كان قريبًا منهم، يرونه ويراهم. وفي هذا المكان تمرّد عبد الله بن أُبيّ، وانسحب راجعًا إلى المدينة بثلاثمائة مقاتل، كانوا قد خرجوا ضمن جيش ں النبي، وكان هؤلاء جميعًا من المنافقين.

стр. 336

وقد رجع هذا المنافق (ابن أُبَي) بكتيبة النفاق هذه، وانفصل بها عن الجيش النبوي في ذلك الظرف الدقيق، متظاهرًا بالاحتجاج بأَن الرسول عصاه وأَطاع غيره من الشباب حينما قرر الخروج إلى العدو، الأمر الذي كان يعارض فيه. وقد أَفصح هذا المنافق على ذلك بقوله (وهو يحرض الجنود على العصيان في ذلك الظرف الحرج): (لقد عصاني - يعني الرسول - وأطاع الولدان، ومن لا رأي له، سيعلم، ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ارجعوا أيها الناس) فرجع معه أهل الريبة والنفاق. هدف المنافقين من التمرد ولا شك أن الباعث الرئيسي لهذا التمرد لم يكن (كما ادّعى زعيم المنافقين) مخالفة الرسول ﷺ لرأي عبد الله بن أُبَي حول المكان الذي يأتي فيه المسلمون المشركين. وإنما الباعث الحقيقي لهذا التمرد في ذلك الظرف الدقيق، هو إحداث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوّهم ليكون ذلك أَسرع في القضاء عليهم. ولقد كاد ينجح رأْس النفاق في تحقيق ما كان يهدف إليه من تمزيق جيش المسلمين ونسف وحدته وكاد الاضطراب والاختلاف يحدث داخل الجيش النبوي على أثر انسحاب هذا المنافق بعصابته

стр. 337

الخائنة، فقد هم بنو حارثة من الأَوس (١) وبنو سلمة من الخزرج, بالانسحاب والعودة إلى المدينة، متأَثرين بوساوس ذلك المنافق الكبير. وكادت تكون كارثة لو أَنهم انسحبوا وخذلوا نبيهم، غير أَن الله تولى هاتين القبيلتين فثبتهما، فعدلتا عن الانسحاب، واستمرتا على ولائهما للرسول ﷺ حتى نهاية المعركة، وهاتان القبيلتان هما اللتان عناهما الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢). محاولة نصح المتمردين ولقد حاول أحد زعماء الخزرج البارزين (وهو عبد الله بن عمرو بن حرام) (٣) حاول إقناع هؤلاء المنافقين بالعدول عن الانسحاب والثبات مع المسلمين، مذكرًا إياهم، أن عملهم هذا مخالف لأَبسط قواعد الشرف والرجولة , حيث يخذلون نبيهم وإخوتهم في الوقت الذي أحاطتهم فيه الأَخطار من كل جانب.

стр. 338

فقد أتبعهم لهذا الصحابي الجليل هاتفًا بهم (في نصح وإخلاص): "يا قوم أذكركم الله أَن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوّهم". فكان جواب هؤلاء المنافقين الرفض مشفوعًا بقولهم: "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم. ولكنا لا نرى أَنه يكون قتال". فتركهم عبد الله بن عمرو بن حرام بعد أن يئس منهم ورجع عنهم وهو يقول: "أَبعدكم الله، أعداءُ الله، فسيغني الله عنكم نبيّه". وفي عبد الله بن أُبَي وزمرته الخائنة، أَنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١). فشل مؤامرة التمرد لا شك أَن حركة التمرد الخبيثة التي قام بها رأس النفاق في ذلك الظرف، هي مؤامرة خسيسة، قصد بها المنافقون تفتيت وحدة الجيش الإسلامي وإضعاف قوته وهو على أبواب معركة حياة أَو موت، وهي لا شك مؤامرة فظيعة للغاية. ولكن هذه المؤامرة (ولله الحمد) فشلت فشلًا ذريعًا، إذ لم ينجح رأس النفاق إلا في الانسحاب بأَصحابه من أهل الريبة والنفاق.

стр. 339

الذين قد يكون بقاؤهم داخل الجيش المحمدي (ساعة القتال) عاملا من عوامل تحطيم الجيش الإسلامي. إذ لا يبعد (وهذه نواياهم الخبيثة) إذا ما بقوا داخل الجيش المحمدي حتى النهاية، أن يميلوا على المسلمين وهم داخل الجيش فيضربوهم (ساعة احتدام المعركة) ثم ينضمون إلى العدو. فكأَنّ الله كشف نياتهم الخبيثة وهم لا يزالوا في منتصف الطريق، فكان رجوعهم من ذلك المكان بمثابة تصفية للجيش المحمدي، أراد الله بها تطهير هذا الجيش من عناصر التآمر والانهزامية والخذلان , ليلقى المسلمون عدوهم، وهم وحدة متماسكة وكتلة متراصة. فانطبق على هؤلاء المنافقين قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (١). اختلاف جديد داخل الجيش وبعد أن أخذ المنافقون في الانسحاب من الجيش، اختلف المسلمون فيما يصنعون خيال هذا التمرد الخطير الذي قاده عبد الله بن أبي في تلك اللحظات الخطيرة التي كان الجيش المسلم يمر بها. فقد رأى فريق من قادة جيش النبي تأْديب هؤلاء المتمردين والقضاء عليهم للتخلص منهم قبل الاشتباك مع جيش المشركين. ولكن فريقًا آخر (وعلى رأسهم النبي القائد الأعلى) رأوا غير الرأْي الأَول، رأوا ترك هؤلاء المتمردين وشأْنهم الآن ..

стр. 340

وهذا الرأْي (دونما جدال) هو غاية في الحكمة والصواب، لأن مقاتلة المتمردين في تلك الساعات الحرجة فيه من الخطورة على سلامة الجيش الإسلامي ما لا يخفى على أي خبير عسكري يقدر النتائج. فمقاتلة المتمردين في تلك الساعة يجعل المسلمين بين نارين، جيش المشركين وهؤلاء المتمردين، وهذا مما يسهّل على جيش مكة الإِحاطة بجيش المدينة وضربه ضربة قد تكون مدمّرة قاضية. وبهذا الموقف الذي سيطرت فيه قيادة الجيش العليا على الأَعصاب إزاء ذلك التمرد الغادر، أثبت الرسول القائد ﷺ بأَنه يجب أن يكون (عن جدارة واستحقاق) على رأس أمهر قادة العالم العسكريين خبرة ودراية وإدارة وحنكة. خلاصة الجيش بعد التمرد وبعد حادثة تمرد المنافقين وانسحابهم إلى المدينة. بقى النبي ﷺ في سبعمائة مقاتل فقط، واصل السير بهم نحو جبل أُحُد، ليقاتل بهم ثلاثة آلاف يفضلونهم (من ناحية التسليح والتموين في كل شيء إلا العقيدة والإيمان). إلى أحد ولما كان المشركون قد سبقوا المسلمين إلى وادي قناة وعسكروا فيه بالسبخة (١) قبل خروج المسلمين من المدينة. ولما كان النبي ﷺ ،

стр. 341

بجهل كل المسالك إلى أحد في تلك المنطقة لحداثة عهده بها، فقد طلب ممن لهم خبرة بالمسالك والطرق في تلك المنطقة أن يدلوه على طريق يفضى به إلى الشعب من جبل أحد دون أن يمر على جيش مكة المنتشر في السبخة من الوادي، والذي كان يحول (في مناطق كثيرة) بين المسلمين وبين الشعب من أحد. الدليل إلى أحد لذلك قال الرسول ﷺ باحثًا عن دليل خبير: "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قرب) من طريق لا يمر بنا عليهم"؟ ؟ . فقال أبو خيثمة (أخو بني الحارث): أنا يا رسول الله. فتحرك الجيش الإسلامي، فسلك به الدليل أبو خيثمة طريقًا قصيرًا وصل به إلى الشعب من أحد دون أن يمر على عسكر مكة. فقد نفذ الدليل بالمسلمين في حرة (١) بني حارثة وبين مزارعهم متجهًا بهم شمالًا نحو جبل أحد، وتاركًا جيش المشركين شماله غربًا. أعمى القلب أعمى البصر وقد حدثت أثناء مرور النبي ﷺ بجيشه في مزارع بني حارثة, حادثة, من المناسب ذكرها للقارئ الكريم لأن فيها للنشء الإسلامي

стр. 342

(بل ولكل إنسان) دروسًا قيمة عالية في التربية الخلقية وضبط النفس حتى في أحرج الأوقات وأمام أوقح الاستفزازات، دروسًا عملية يلقيها الرسول الأعظم إلى أمته ليرفع بها من شاء ممن يوفقهم الله للسير في حياتهم حسب نهجها. فقد حدث أثناء اجتياز النبي ﷺ بجيشه في حرة بني حارثة، أن مر بمزرعة لرجل يقال له مربع بن قيظي، وكان منافقًا ضرير البصر. فلما سمع حس النبي ﷺ وحركة جيشه لم يستطع السيطرة على أعصابه للبغض العارم الذي يغتلم في نفسه للنھبي ﷺ . ولذلك قام هذا المنافق غاضبًا، وأخذ يحثو التراب في وجوه الجيش وهو يقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي (أي مزرعتي) ثم أخذ حفنة من تراب وقال، والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره بعض أفراد الجيش ليقتلوه، فسارع الرسول ﷺ إلى الحيلولة بينهم وبين ذلك قائلا: "لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر". ففي هذا العمل النبوي النبيل درس عظيم، وخاصة للحكام والقادة، الذين يجب عليهم أن يجعلوا الانتقام لأنفسهم، حتى ممن أساء إليهم أو أراد بهم شرًّا، تحت أقدامهم، ليتربعوا على القلوب طوعًا واختيارًا. المعسكر النبوي في أحد ثم مضى رسول الله ﷺ بالجيش حتى قطع وادي قناة، وحتى إذا ما وصل إلى فم الشعب من أحد (وهو المطل عليه وادي قناة الذي رابط

стр. 343

فيه المشركون) عسكر بجيشه مستقبلًا المدينة وجاعلًا ظهره إلى هضاب جبل أحد. [صورة] منظر لإحدي شرائع وادي قناة وقد ظهر فيها الماء يجري وعلى هذا أصبح جيش العدو فاصلًا بين جيش المسلمين وبين المدينة التي لم يبق فيها من الرجال إلا المنافقون واليهود، والعاجزون عن القتال من المسلمين، وإلا النساء والصبيان تقريبًا. التعبئة للقتال قام النبي ﷺ بتعبئة جنوده وهيأهم صفوفًا للقتال، ثم ألقى فيهم كلمة حثهم فيها على الجهاد، ومما قاله لهم في هذه الكلمة: "ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه، وأنه قد نفث وألقى في روعي (بضم الراء) الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق

стр. 344

لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده (١). كتيبة الرماة في الجبل وأثناء التعبئة (وكجزء من الخطة النبوية الحكيمة) اختار ﷺ ، خمسين من رماة النبل الماهرين في الرماية وأوكل إليهم (بقيادة آمر مسئول، هو عبد الله بن جبير) (٢) مهمة المرابطة في جبل عينين، وهو المسمى اليوم بجبل الرماة. ويقع هذا الجبل الصغير جنوب غرب معسكر المسلمين، على ضفة الوادي الجنوبية، وعلى بعد حوالي مائة وخمسين مترًا من مقر قيادة الجيش الإسلامي. [صورة] جبل الرماة، المسمى (بجبل عينين) وقد ازدحمت عليه الأبنية فأضاعت كثيرًا من معالمه، ومن الجدير بالذكر أن جميع الأبنية التي على الجبل ومن حواليه من الشعب والوادي هي حادثة بعد المعركة بعدة قرون

стр. 345

[خريطة]

стр. 346

وقد كان هدف الرسول القائد ﷺ من وضع فصيلة رماة النبل (التي هي في ذلك العصر بمثابة سلاح المدفعية في عصرنا هذا). كان هدفه من تمركز هذه الفصيلة في الجبل، هو حماية جيش المسلمين من خطر الالتفاف أو ضرب المسلمين من الخلف وخاصة ساعة احتدام المعركة. أنضح الخيل عنا بالنبل فقد كان النبي ﷺ يعلم أن لدى المشركين قوة كبيرة من الفرسان لا يستهان بها، لا تقل عن مائتي فارس يقودها باطل مقدام هو خالد بن الوليد. وكتيبة الفرسان هذه، هي واحدها التي يمكن للمشركين استخدامها للقيام بحركات الالتفاف الضرب المسلمين من الخلف عندما تضطرهم ظروف المعركة إلى ذلك. ولذلك كانت خيل خالد بن الوليد تتمركز حول جبل الرماة (بصفة خاصة) لأن ناحية هذا الجبل هو الاتجاه القوي الوحيد الذي يمكن لخيل المشركين من ناحيته استخدامها لضرب مؤخرة المسلمين عند احتدام المعركة أو لمحاولة التسلل إلى ما وراء صفوف المسلمين (قبل نشوب المعركة). لذلك حرص الرسول ﷺ أشد الحرص على احتلال ذلك الجبل، ووضع فصيلة الرماة فيه، الذين أكد عليهم أن يراقبوا (بشدة) خيالة المشركين، وقال لهم: "انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا".

стр. 347

لا تبرحوا حتى أرسل إليكم والذي يتيسر له رؤية مكان المعركة والاطلاع على موقع جبل الرماة الذي لا يزال جاثمًا على ضفة وادي قناة، يدرك مدى الخبرة العسكرية العظيمة التي يمتاز بها النبي الأعظم في وضع خطط المعارك، والمهارة الواسعة في تنظيم القوي العسكرية واختيار المواقع التعبوية الممتازة لكسب المعركة. وعندما توجهت فصيلة الرماة لاحتلال الجبل (بأمر القائد الرسول) أصدر إليهم الأوامر المشددة بألا يتركوا مواقعهم في الجبل (مهما كانت الظروف والتطورات) إلا بأمر منه ﷺ , فقد قال لهم: "احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل. فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لا نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم". وليتأكد الرماة من جسامة المسئولية الحربية الملقاة على عاتقهم، اختتم الرسول ﷺ أمره العسكري المشدد هذا بقوله: "اللهم إني أشهدك عليهم". كما أنه ﷺ قال لهم (أيضًا) ومخاطبًا قائدها المسئول: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا". كما أنه ﷺ قال لهم في أمر آخر (كما في بعض الروايات): "إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم , حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا (١).

стр. 348

التهھيؤ للمعركة وبعد أن اطمأن الرسول ﷺ إلى وضع فصيلة الرماة التي تمركزت في الجبل أخذ يهيئ الصفوف ويوزع المسئوليات على القادة. لقد كان الوضع دقيقًا جدًّا بالنسبة للمسلمين، فقد كان التفاوت في العدد والمداد وجوده التسلح بين الفريقين كبيرًا جدًّا. فقد كانت النسبة في العدد، كل مسلم مقابل أربعة من المشركين (على الأقل)، كما أن المشركين يمتاز جيشهم بكتيبة سلاح الفرسان التي تتألف من مائتي فارس، في حين أن جيش الإسلام ليس فيه من هذا السلاح سوى فرس واحد فقط. يضاف إلى هذا أن أكثر رجال الجيش الإسلامي من الحاسرين، إذ لا يوجد بيھنهم سوى مائة من لابسي الدروع. بينما يوجد في جيش مكة من لابسي الدروع سبعمائة مقاتل، وهو عدد يوازي جيںش المدينة بأكمله. فكل هذا التفاوت يستوجب الاهتمام والملاحظة والدقة والتركيز في وضع الخطط واختيار الأكفاء من الشجعان ليكونوا في مقدمة الصفوف لمواجهة الموقف والثبات عند الصدمة الأولى. ولقد نجح الرسول ﷺ في التعويض عن النقص العددي في رجاله، باختياره نخبة ممتازة من صناديد المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف، وجعلهم في مقدمة، الصفوف ليكونوا طليعة جيشه حين تلتحم الجموع. وفي مقدمة هؤلاء حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو بكر الصديق ومصعب بن عمير

стр. 349

وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ (١) وسعد بن عبادة (٢) وسعد بن الربيع، وأبو دجانة (٣) وأنس بن النضر (٤) , وأمثالهم من أهل النجدة والبأس واليقين.

стр. 350

وقد أوكل ﷺ إلى كتيبة من الجيش (بقيادة الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود (١) مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد لمساندة الرماة لصد أي هجوم يقوم به الفرسان في أول المعركة .. من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ وبعد أن أتم الرسول ﷺ تعبئة جنده، جرّد سيفًا باترًا، ثم عرض السيف على أصحابه ونادى فيهم "ليبعث التنافس الشريف لإظهار البطولة" (٢). "من يأخذ هذا السيف بحقه"؟ فقام إليه رجال ليأخذوه فأمسكه عنهم، ومن هؤلاء الرجال، علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب، ثم قام إليه أبو دجانة (وكأن الرسول يقصده) فقال: "وما حقه يا رسول الله"؟ ؟ فقال ﷺ : وتضرب به حتى ينحني". فقال أبو دجانة .. أنا آخذه .. فدفعه إليه. مشية يبغضها الله إلا في الحرب وكان أبو دجانة الأنصاري، رجلا شجاعا مهيبا مشهورا يختال ويتبختر في مشيته عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء، تسمى

стр. 351

عصابة الموت، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت. ولهذا فإنه لما أخذ السيف من الرسول ﷺ (على أن يقوم بحقه) أخرج عصابته الحمراء، وعصب بها رأْسه، ثم خرج يختال (في تبختر وخيلاء) بين الصفين كعادته المتبعة عند الحرب، فلما رآه النبي ﷺ يختال في مشيته، قال: "إنها لمشية ببغضها الله إلّا في مثل هذا الموطن". العدو يتهيأ للقتال أما المشركون فقد قاموا بتعبئة جيشهم في بطن وادي قناة، وهو المكان الذي أجبروا عل قبول المعركة فيه، وكان مكانًا منخفضًا بالنسبة لجيش المسلمين الذي احتل المرتفع من الشعب وعبأ صفوفه فيه. وكانت تعبئة جيش مكة هذه المرة، حسب نظام الصفوف، وكانت هذه، أَول مرة يقاتل فيها المكيون صفوفًا حيث كانوا دائمًا في حروبهم يقاتلون على طريقة الهنود الحمر وهي طريقة الكر والفر. وهي الطريقة الي قاتلوا بها المسلمين يوم بدر وفاجأَهم النبي (في ذلك اليوم) بقتال الصفوف الذي لم يعهدوه والذي كان أَحد الأسباب التي أدت إلى هزيمتهم في ذلك اليوم. ويظهر أن المشركين أخذوا دروسًا في معركة بدر في نظام الصفوف عن المسلمين ثم طبقوه يوم أُحد ...

стр. 352

القائد العام لجيش مكة ك ما أن المشركين (أَيضًا) قد انتخبوا هذه المرة لجيشهم قائدًا عامًّا مسئولًا، هو أبو سفيان صخر بن حرب الأموي، وهو ما لم يفعلوه في معركة بدر، حيث قاتل جيشهم دون أن تكون له قيادة موحدة، بل كانت القيادة متنازعًا عليها بين الزعماء. وقد أعطى المشركون لواءهم إلى مفرزة، كلها من قبيلة بني عبد الدار القرشية، وقد وقفت هذه المفرزة بقيادة طلحة بن أبي طلحة العبدري في مقدمة الصفوف. وقد كان النظام القبلي المجمع عليه والمتبع في الحروب بين قبائل قريش، أن يكون حملة اللواء دائمًا من بني عبد الدار، كما تكون قيادة الجيوش في بني أُمية، وقيادة الخيل خاصة في بني مخزوم. أبو سفيان يحرض حملة اللواء وبعد أن أخذ بنو عبد الدار اللواء، قال لهم القائد العام أبو سفيان، (يحرضهم على الثبات ويلفت نظرهم إلى ما لسقوط اللواء أثناء القتال من أثر سيِّئ في نفوس المحاربين، ويذكرهم بما أصاب قريشًا على يدهم يوم بدر حين وقع حامل اللواء في أسر المسلمين، وهو النضر بن الحارث بن كلدة العبدري) قال لهم أبو سفيان: "يا بني عبد الدار وقد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأَيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه".

стр. 353

فغضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان هذا أشد الغضب، وهمّوا به وتواعدوه، وقالوا له: "نحن نسلم إليك لواءنا؟ ؟ ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع"، وكان ذلك الذي أراده أَبو سفيان، وقد أثر استفزاز أبي سفيان في حملة اللواء أشد الأَثر، مما حملهم على الثبات ساعة احتدام المعركة، فلم يسقط لواءُ مكة من أيديهم حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. ك يف عبأت قريش جيشها؟ عبَّأت قريش جيشها صفوفًا، وجعلت له ميمنة وميسرة، أعطت قيادة الميمنة لخالد بن الوليد، وقيادة الميسرة لعكرمة بن أَبي جهل، بينما تمركز القائد العام أَبو سفيان في القلب، بعد أَن أسند قيادة مشاته لصفوان بن أُمية (١)، أَما رماة النبل فقد أَعطت قريش قيادتهم لعبد الله بن أَبي ربيعة، وهو أحد الزعماء المحرضين على غزو المسلمين، وأَعطت قريش لواءها إلى بني عبد الدار كما تقدم. المنازعات السياسية قبل المعركة وقبل نشوب المعركة (وبالرغم من تفوق قريش في كل شيء مادي على المسلمين) فإِن الخوف من المسلمين ظل مسيطرًا على نفوس قادة قريش.

стр. 354

لأنهم عرفوا (عن تجربة) ضراوة المسلمين في القتال، وأن النقص العددي الذي يصاحب المسلمين (عادة) في جميع معاركهم، تحل محله (دائمًا) القوة المعنوية العارمة، والتنظيم الدقيق واتحاد الكلمة الذي منشؤه وحدة العقيدة الصادقة التي يمتاز بها المسلمون، الذين يرتبطون بقائد محنك فذ لا يقول إلّا حقًّا ولا ينطق إلا بصواب. ولهذا قامت قريش (قبيل المعركة بقليل) بمناورتين سياسيتين خبيثتين، قصدت بهما إحداث الفرقة بين المسلمين وإشاعة النزاع داخل صفوفهم. فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار خاصة طالبًا منهم التخلى عن رسول الله ﷺ وأبلغهم بأنه لم يأْت لقتالهم، وإنما جاء (فقط) لقتال قومه من قريش قائلًا: "يا معشر الأنصار، خَلّوا بيننا وبين ابن عمنا (يعني النبي ﷺ ، فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم" ولكن الأَنصار ﵃ ردوا عليه ردًّا عنيفًا، ورفضوا عرضه، بعد أَن أَسمعوه ما يكره. أبو عامر الراهب الخائن ولما فشل أبو سفيان في محاولته هذه لجأَت قريش إلى محاولة أُخرى، قام بها هذه المرة عميل خائن من أَهل المدينة، وهو أبو عامر الراهب (عبد عمرو بن صيفي الأوسي) (١).

стр. 355

فقد بعثت قريش (قبيل نشوب المعركة) بهذا الخائن لاستمالة قومه الأَوس من الأَنصار ليتركوا النبي ﷺ وينحازوا إلى جانب المشركين. فوقف بين الصفوف، ونادى قومه من الأَوس في معسكر المسلمين قائلًا: "يا معشر الأَوس أنا أبو عامر الراهب" (وكان المذكور رأس الأوس وسيدهم قبل الإسلام). ولكن قومه (الأَوس) بمجرد أن سمعوا صوته، لم يتركوا له فرصة ليسترسل في الكلام، بل أجابوه بصوت واحد: (لا مرحبًا بك ولا أهلًا يا فاسق). فلما سمع الخائن ردهم، قال: "لقد أصاب قوي بعدي شر"، وكان هذا الخائن أبو عامر يزعم لقريش وهو بمكة، أنه مسموع الكلمة بين قومه الأوس، وأنهم بمجرد أن يروه ويسمعوا صوته سيتركون مواقعهم في الجيش الإِسلامي وينضمون إلى جيش مكة تحت قيادته هو. وكانت قيادة مكة قد أعطت أبا عامر الراهب هذا، اللفيف
следующие страницы →