عصابة الموت، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت.
ولهذا فإنه لما أخذ السيف من الرسول ﷺ (على أن يقوم بحقه) أخرج عصابته الحمراء، وعصب بها رأْسه، ثم خرج يختال (في تبختر وخيلاء) بين الصفين كعادته المتبعة عند الحرب، فلما رآه النبي ﷺ يختال في مشيته، قال: "إنها لمشية ببغضها الله إلّا في مثل هذا الموطن".
العدو يتهيأ للقتال
أما المشركون فقد قاموا بتعبئة جيشهم في بطن وادي قناة، وهو المكان الذي أجبروا عل قبول المعركة فيه، وكان مكانًا منخفضًا بالنسبة لجيش المسلمين الذي احتل المرتفع من الشعب وعبأ صفوفه فيه.
وكانت تعبئة جيش مكة هذه المرة، حسب نظام الصفوف، وكانت هذه، أَول مرة يقاتل فيها المكيون صفوفًا حيث كانوا دائمًا في حروبهم يقاتلون على طريقة الهنود الحمر وهي طريقة الكر والفر.
وهي الطريقة الي قاتلوا بها المسلمين يوم بدر وفاجأَهم النبي (في ذلك اليوم) بقتال الصفوف الذي لم يعهدوه والذي كان أَحد الأسباب التي أدت إلى هزيمتهم في ذلك اليوم.
ويظهر أن المشركين أخذوا دروسًا في معركة بدر في نظام الصفوف عن المسلمين ثم طبقوه يوم أُحد ...
стр. 352
القائد العام لجيش مكة
ك ما أن المشركين (أَيضًا) قد انتخبوا هذه المرة لجيشهم قائدًا عامًّا مسئولًا، هو أبو سفيان صخر بن حرب الأموي، وهو ما لم يفعلوه في معركة بدر، حيث قاتل جيشهم دون أن تكون له قيادة موحدة، بل كانت القيادة متنازعًا عليها بين الزعماء.
وقد أعطى المشركون لواءهم إلى مفرزة، كلها من قبيلة بني عبد الدار القرشية، وقد وقفت هذه المفرزة بقيادة طلحة بن أبي طلحة العبدري في مقدمة الصفوف.
وقد كان النظام القبلي المجمع عليه والمتبع في الحروب بين قبائل قريش، أن يكون حملة اللواء دائمًا من بني عبد الدار، كما تكون قيادة الجيوش في بني أُمية، وقيادة الخيل خاصة في بني مخزوم.
أبو سفيان يحرض حملة اللواء
وبعد أن أخذ بنو عبد الدار اللواء، قال لهم القائد العام أبو سفيان، (يحرضهم على الثبات ويلفت نظرهم إلى ما لسقوط اللواء أثناء القتال من أثر سيِّئ في نفوس المحاربين، ويذكرهم بما أصاب قريشًا على يدهم يوم بدر حين وقع حامل اللواء في أسر المسلمين، وهو النضر بن الحارث بن كلدة العبدري) قال لهم أبو سفيان:
"يا بني عبد الدار وقد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأَيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه".
стр. 353
فغضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان هذا أشد الغضب، وهمّوا به وتواعدوه، وقالوا له: "نحن نسلم إليك لواءنا؟ ؟ ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع"، وكان ذلك الذي أراده أَبو سفيان، وقد أثر استفزاز أبي سفيان في حملة اللواء أشد الأَثر، مما حملهم على الثبات ساعة احتدام المعركة، فلم يسقط لواءُ مكة من أيديهم حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
ك يف عبأت قريش جيشها؟
عبَّأت قريش جيشها صفوفًا، وجعلت له ميمنة وميسرة، أعطت قيادة الميمنة لخالد بن الوليد، وقيادة الميسرة لعكرمة بن أَبي جهل، بينما تمركز القائد العام أَبو سفيان في القلب، بعد أَن أسند قيادة مشاته لصفوان بن أُمية (١)، أَما رماة النبل فقد أَعطت قريش قيادتهم لعبد الله بن أَبي ربيعة، وهو أحد الزعماء المحرضين على غزو المسلمين، وأَعطت قريش لواءها إلى بني عبد الدار كما تقدم.
المنازعات السياسية قبل المعركة
وقبل نشوب المعركة (وبالرغم من تفوق قريش في كل شيء مادي على المسلمين) فإِن الخوف من المسلمين ظل مسيطرًا على نفوس قادة قريش.
стр. 354
لأنهم عرفوا (عن تجربة) ضراوة المسلمين في القتال، وأن النقص العددي الذي يصاحب المسلمين (عادة) في جميع معاركهم، تحل محله (دائمًا) القوة المعنوية العارمة، والتنظيم الدقيق واتحاد الكلمة الذي منشؤه وحدة العقيدة الصادقة التي يمتاز بها المسلمون، الذين يرتبطون بقائد محنك فذ لا يقول إلّا حقًّا ولا ينطق إلا بصواب.
ولهذا قامت قريش (قبيل المعركة بقليل) بمناورتين سياسيتين خبيثتين، قصدت بهما إحداث الفرقة بين المسلمين وإشاعة النزاع داخل صفوفهم.
فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار خاصة طالبًا منهم التخلى عن رسول الله ﷺ وأبلغهم بأنه لم يأْت لقتالهم، وإنما جاء (فقط) لقتال قومه من قريش قائلًا:
"يا معشر الأنصار، خَلّوا بيننا وبين ابن عمنا (يعني النبي ﷺ ، فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم" ولكن الأَنصار ﵃ ردوا عليه ردًّا عنيفًا، ورفضوا عرضه، بعد أَن أَسمعوه ما يكره.
أبو عامر الراهب الخائن
ولما فشل أبو سفيان في محاولته هذه لجأَت قريش إلى محاولة أُخرى، قام بها هذه المرة عميل خائن من أَهل المدينة، وهو أبو عامر الراهب (عبد عمرو بن صيفي الأوسي) (١).
стр. 355
فقد بعثت قريش (قبيل نشوب المعركة) بهذا الخائن لاستمالة قومه الأَوس من الأَنصار ليتركوا النبي ﷺ وينحازوا إلى جانب المشركين.
فوقف بين الصفوف، ونادى قومه من الأَوس في معسكر المسلمين قائلًا:
"يا معشر الأَوس أنا أبو عامر الراهب" (وكان المذكور رأس الأوس وسيدهم قبل الإسلام).
ولكن قومه (الأَوس) بمجرد أن سمعوا صوته، لم يتركوا له فرصة ليسترسل في الكلام، بل أجابوه بصوت واحد: (لا مرحبًا بك ولا أهلًا يا فاسق).
فلما سمع الخائن ردهم، قال: "لقد أصاب قوي بعدي شر"، وكان هذا الخائن أبو عامر يزعم لقريش وهو بمكة، أنه مسموع الكلمة بين قومه الأوس، وأنهم بمجرد أن يروه ويسمعوا صوته سيتركون مواقعهم في الجيش الإِسلامي وينضمون إلى جيش مكة تحت قيادته هو.
وكانت قيادة مكة قد أعطت أبا عامر الراهب هذا، اللفيف
стр. 356
المكوّن من العبدان والأَحابيش، فخاضوا المعركة تحت قيادته ضد المسلمين.
مجهود نساء قريش في المعركة
وكان نصيب نساء قادة قريش اللواتي خرجن مع الجيش، كان نصيبهن من المشاركة في المعركة إثارة حفائظ الأَبطال وتهييج عواطف الفرسان، وتحريك مشاعر المقاتلين وإشاعة روح الأخذ بالثأر وإذكاء نيران الانتقام من المسلمين، وتذكير القرشيين بما أَصاب أهل مكة يوم بدر على أيدي المسلمين.
وكان أشد هؤلاء النسوة تحريضًا على المسلمين هند بنت عتبة التي قتل المسلمون (يوم بدر) أباها عتبة وأخاها الوليد وعمها شيبة وابنها حنظلة.
فقد خرجت هذه المرأة العنيدة مع زوجها (القائد العام) أبي سفيان بن حرب، لتشهد بنفسها معركة الانتقام لعلها تشفي غليلها من المسلمين.
ولقد بذل هؤلاء النسوة مجهودًا كبيرًا لرفع معنويات الجيش القرشي وإثارة روح الثبات والتضحية في نفوسهم، فقد انتشرت بين صفوف المحاربين المتأهبين للقتال، وهن ينشدن الأشعار الحماسية المحرضة على الانتقام من المسلمين والثبات ضدهم في المعركة.
ويهًا بني عبد الدار
وقد كان تحريضهن موجهًا (بصفه خاصة) إلى حملة اللواء من بني عبد الدار، لعلمهن أن مصير جيش مكة (في الدرجة الأُولى)
стр. 357
مرتبط بمصير هؤلاء لأنهم يحملون راية الجيش، وفي ذلك العصر لا تأْتي هزيمة الجيش إلا من قبل حاملي رايته إن هم انهزموا، أو قُتلُوا.
وهذا هو الذي جعل القائد العام (أَبا سفيان) يقول في كلمته لحاملي اللواء من بني عبد الدار:
"لقد وليتم لواءنا يوم بدر فأَصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قِبَل راياتهم إذا زالت زالوا".
برزت نساء قريش أمام حملة لواء مكة العبدريين وهن ينشدن الأَشعار المحرضة الموجهة إليهم بصفته خاصة والتي منها:
ويهًا بني عبد الدار ... ويهًا حماة الأَدبار
ضربًا بكل بتّار
ثم أَخذن يتجولن تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخرتها وفي أَيديهن الدفوف يضربن بها ويغنين باسم نساء الجيش كله، شعرًا يهددن الرجال فيه بالعزوف عنهم ومفارقتهم إن هم فروا من القتال، ويوعدنهم بأن كل امرأة ستبقى مع زوجها تسعده وتخدمه، إن هم ثبتوا ولم يفروا، ومن هذا الشعر قولهن:
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق (١)
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق (٢)
ولا شك أن تحريض نساء قريش كان له أثره الفعال في نفوس الجيش المكي، وخاصة حملة الواء (٣) من بني عبد الدار الذين استبسلوا في المعركة، وثبتوا يدافعون عن اللواء حتى أبادهم المسلمون عن آخرهم.
стр. 358
الفصل الثالث
* ساعة الصفر.
* نشوب المعركة.
* مصرع حمزة بن عبد المطلب.
* انتصار المسلمين.
* اندحار الجيش المكي.
واقتربت ساعة الصفر، فبعد أن أتم الفريقان تعبئتهما وأخذ كل من القادة والجنود مكانه المرسوم له، تقابل الخصمان وجهًا لوجه.
ثلاثة آلاف من فرسان المشركين وأبطالهم، تقودهم الحمية الجاهلية، وتدفعهم الرغبة في الأخذ بالثأر، مجهزين أعظم تجهيز ومسلحين أحسن تسليح، يواجهون سبعمائة من المسلمين، تدفعهم الرغبة الصادقة في الاستشهاد في سبيل الله والانتصار لرفع كلمة الله، وليس لديهم ما يتفوقون به على خصومهم سوى سلاح الإيمان القوي وتجهيزات العقيدة الصادقة الثابتة الصامدة، وأعظم به من سلاح وأكرم بها من تجهيزات.
أخذ كل من الفريقين يحرض رجاله على الصبر والثبات، وكان الرسول ﷺ قد خطب جيشه عند التعبئة وأصدر أوامره بأن يظل الجيش الإسلامي في موقف الدفاع حتى يتلقى منه الأوامر الخاصة حيث قال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال (١).
وقد ركز بنو عبد الدار لواء المشركين في مقدمة الصفوف وأحاط به ابنا أبي طلحة العبدري وشاعرهم يقول:
стр. 359
إن على أهل اللواء حقًّا ... أن تُخْضَبَ الصعدةُ أو تندقا
وبعد إتمام التعبئة تقارب الجمعان، فجاشت العواطف وركضت القلوب بين الجنوب، واحمرت الحدق، وارتفع غليان الدم في العروق، واختلط صهيل الخيل بقعقعة السلاح، ونداءات الأبطال وصيحات الفرسان.
هجوم المشركين
كان المشركون يوم أُحد هم البادئين بالهجوم، فقد قامت قوة من مشاتهم بقيادة الخائن (أبي عامر الراهب الأوسي) تساندها كوكبة من الفرسان بقيادة عكرمة بن أبي جهل على جناح المسلمين الأيسر بغية تحطيم هذا الجناح والتسرب إلى داخل الشعب الضرب المسلمين من الخلف، لإحداث الارتباك في صفوفهم.
ولكن مواقع الجيش الإسلامي التي اختارها الرسول لمرابطة جيشه قبل المعركة واحتلال هذا الجيش المواقع التعبوية الهامة في جبل الرماة عند مدخل الشعب أحبط هذه المحاولة إحباطًا كاملًا، حيث قوبل هذا الهجوم (وخاصة هجوم الفرسان) بسيل منهمر من نبال الرماة في الجبل، كما تصدى المشاة (بقيادة الزبير والمقداد) للمهاجمين وقاوموهم مقاومة عنيفة، مما أجبر المهاجمين على الارتداد، وقد ساعد في تشتيت المهاجمين (على ما يظهر) رجال رابطوا في مواقع مختارة من جبل أُحد رجموا المهاجمين بالحجارة وسلطوا عليهم (من الصخور) قطعًا كبيرة دحرجوها نحوهم، فأحدثت الارتباك في تشكيلاتهم وأجبرتهم على الابتعاد من سفح الجبل.
стр. 360
قد عاود فرسان مكة الهجوم ثلاث مرات، ولكنهم فشلوا فيها جميعها، وذلك بسبب يقظة الرماة في الجبل، وهذا في أول المعركة، أما في آخرها فقد نجح هجوم خيالة مكة بعد انسحاب الرماة من مواقعهم في الجبل، كما سنفصل ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
أولى ثمرات الخطة الحكيمة
وكان فشل المشركين في هجومهم الأول هذا أولى ثمرات الخطة الحكيمة الدقيقة التي رسمها الرسول القائد لإدارة دفة المعركة، واختار بموجبها المرابطة في ذلك المكان التعبوي الحصين من الشعب.
فلو لم يختر الرسول ﷺ ذلك المرتفع من الشعب المحاط بهضاب جبل أُحد من جهاته الثلاث، لنجح سلاح خيالة المشركين في التسرب بسرعة إلى مؤخرة الجيش الإسلامي لضربه من الخلف وإشغاله عن مواجهة صدر الجيش المكي.
وبعد أن فشل هجوم الفرسان وتقهقر أبو عامر الراهب أمام مقاومة المسلمين العنيدة توترت الحالة ثم حمى الوطيس وصدرت الأوامر من قادة الفريقين بالهجوم العام فاصطدم الجيشان.
وكما هي العادة في اللحظات الأولى من كل معركة، حاول الفريقان الثبات والاستبسال للسيطرة على الموقف، وأبدى كل من أعيان الجيشين شجاعة وبطولة واضحة.
وكان المشركون (عندما طارت الشرارة الأولى لإشعال المعركة)
стр. 361
مغترين بكثرتهم وقوة تسليحهم ووفرة أبطالهم المشهورين بين العرب لذلك كانوا هم البادئين بالهجوم والداعين إلى المبارزة دائمًا.
نقل المعركة حول لواء قريش
وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد كان هجوم المسلمين المضاد (١) مركزا (بصفة خاصة) على حملة هذا اللواء، ولذلك دار القتال (أول ما دار) بضراوة وعنف حول هذا اللواء.
فقد كان حملته من صناديد قريش المشهورين بالشجاعة والثبات وقد كان هدف المسلمين من تركيز الهجوم على حملة اللواء، الإطاحة بهذا اللواء، لأن الإطاحة باللواء (وخاصة في ذلك العصر) يعجل بهزيمة من يسقط لواؤهم، ولهذا كان لا يتحمل مسئولية حمل اللواء في تلك المعارك إلا الأبطال المغاوير.
مصرع قائد حملة لواء مكة
وقد أبدى حملة اللواء العبدريون من ضروب الشجاعة والثبات ما أثبت أنهم (فعلًا) في مستوى مسئولية حمل الألوية، فقد قاتلوا حول لوائهم بضراوة وشراسة وعناد، وظلوا محافظين عليه مرفوعًا، يدافعون عنه دفاع المستميت حتى أباد المسلمون مفرزتهم عن بكرة أبيها.
وكان أول وقود المعركة قائد حملة لواء المشركين (طلحة بن أبي طلحة العبدري)، كان من أشجع فرسان قريش وكان يوم أحد راكبًا جملا ومعه لواء مكة، وكان المسلمون (لشجاعته) يسمونه كبش الكتيبة.
стр. 362
فقد دعا طلحة العبدري هذا المسلمين إلى البراز، فأحجم الناس عنه ولكن الزبير بن العوام أجابه إلى البراز، ولما كان طلحة راكبًا جملًا، لم يهمله الزبير حتى ينزل الأرض، بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض وبرك عليه ثم عاجله بطعنة من سيفه فصلت رأسه عن جسده.
حواري رسول الله ﷺ
وكان النبي القائد يرقب صراع الزبير مع قائد حملة لواء مكة، فلما قتل الزبير طلحة بن أبي طلحة (وهو كبش الكتيبة كما يقول ابن سعد في طبقاته) سر النبي ﷺ سرورًا عظيمًا، ورفع صوته بالتكبير، فكبر المسلمون لتكبيره، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي ﷺ أثنى على الزبير بن العوام لقتله حامل لواء المشركين، فقال في حقه: "إن لكل نبي حواريًّا وحواريي الزبير" (١) وأنه ﷺ قال أيضًا بعد أن صرع الزبير حامل اللواء: "لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت أنا إليه، لما رأيت من إحجام الناس عنه" (٢).
إبادة حملة المشركين
وبعد أن قتل الزبير قائد حملة اللواء طلحة بن أبي طلحة تعاقب بنو عبد الدار لحمله حتى أبادهم المسلمون جميعًا، فقد حمل اللواء - بعد أبي
стр. 363
طلحة - أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، وتقدم للقتال وهو يقول:
إن على أهل اللواء حقًّا ... أن تخضب الصعدة (١) أو تندقَّا
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته فبانت رئته.
وبعد أن قضى عليه رجع وهو يقول ... أنا ابن ساقي الحجيج.
وفي الحال رفع اللواء أبو سعيد بن أبي طلحة، فرماه ابن سعيد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه، ومات لحينه، فسقط لواء مكة من يده، فسارع إلى رفعه مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن الأفلح بسهم (٢) أصاب منه مقتلًا، فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله.
ثم حمل اللواء (أخو كلاب ومسافع) الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فلم يمهله طلحة بن عبيد الله (٣) حتى طعنه طعنة أودت بحياته.
فهؤلاء ستة من بيت واحد، (وهو بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار) صرعوا جميعًا حول لواء المشركين، ثم حمل اللواء بعدهم (من بني عبد الدار) أرطاة بن شرحبيل فلم يمهله علي بن أبي طالب بل قتله، وقيل قتله حمزة، ثم سارع إلى حمل اللواء شريح بن قارظ فقتله
стр. 364
قزمان (١) (حليف بن ظفر) فسارع إلى حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتله قزمان أيضًا، وبهذا قضى المسلمون تمامًا على جميع حملة اللواء العبدريين.
ولما أباد المسلمون جميع حملة اللواء من بني عبد الدار بن قصي بن كلاب، سارع إلى حمله بعدهم، غلام لهم حبشي يقال له (صواب)، وقد أبدى هذا العبد ضروب الشجاعة والثبات، ما جعله يفوق جميع حملة اللواء من مواليه الذين صرعوا قبله.
فقد ذكر بن كثير أن هذا الغلام لما أخذ اللواء صار يقاتل تحته حتى قطعت يداه، ولئلا يسقط اللواء في الأرض برك عليه بصدره وعنقه، حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعززت يعني هل أعذرت؟
احتدام المعركة
وبينما الصراع يدور رهيبًا هكذا حول لواء مكة، كانت نيران المعركة قد اندلعت واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان.
فقد اختلط الفريقان واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وساداتها منذ عام ببدر (٢) وسادت روح الإيمان صفوف المؤمنين المجاهدين فانطلقوا -خلال الشرك- انطلاق الفيضان تقطعت أمامه السدود (٣).
стр. 365
وكان حمزة بن عبد المطلب وأبو دجانة الأنصاري كفرسي رهان في سباق البطولة، حيث انطلقا يهدان صفوف المشركين هدًّا.
أما حمزة، فبعد أن أصدر الرسول ﷺ أوامره بالقتال، هتف بكلمة التعارف التي اتفق عليها المسلمون وهي (أمت أمت) ثم اندفع إلى قلب جيش الشرك كالصاعقة (وفي يديه سيفان) لا يقف له أحد.
فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حملة لواء المشركين، فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين، وكان يجول الأبطال أمامه كما تجول الريح أمامها الورق اليابس، لما له من هيبة في نفوس الأبطال.
وقد تعرض له أحد فرسان قريش الأفذاذ المشهورين، وهو سباع ابن عبد العزى الغبشاني، فناداه حمزة للبراز قائلًا له (في سخرية): هلم إلي، فأسرع إليه سباع يكت كتيت الفحل الهائج. فالتقاه حمزة بضربة هاشمية مسلمة جعلته كأمس الدابر.
وقد كان لمقتل سباع هذا أثر سيِّيء في نفوس المشركين لأنه من أبطالهم المعتمد عليهم ساعة الشدة.
الهزيمة تنزل بجيش مكة
وشد المسلمون على صفوف المشركين فزعزعوها وأشاعوا الذعر فيها وبدأ الاضطراب في صفوف جيش مكة.
وساد الاضطراب صفوفهم بعد أن سقط لواؤهم على الأرض عقب
стр. 366
إبادة المسلمين لجميع أفراد حملة هذا اللواء، فأخذت روحهم المعنوية في الانهيار، وهذا طبيعي - بعد سقوط لوائهم - لأن سقوط اللواء (وخاصة في ذلك العصر) معناه بداية الهزيمة.
وهذا الذي عناه أبو سفيان بقوله (لبني عبد الدار) عندما سلم إليهم لواء مكة: "إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم يا بني عبد الدار إما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه".
ولقد أوفى بنو عبد الدار على الغاية حيث قاتلوا على اللواء بشراسة وعناد جاهلي حتى أبادتهم سيوف الإسلام عن آخرهم، وهنا سقط اللواء من أيديهم على الأرض، وبقى مطروحًا عليها حتى رفعته (بعد كارثة الجبل) عمرة الحارثية فالتفت حوله قريش من جديد. وإلى هذا أشار حسن بن ثابت يعير قريشًا في شعره بقوله:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب
انتصار المسلمين
وبعد معركة اللواء تلك تبلور الموقف وبدأ رجحان كفة المسلمين في المعركة ظاهرًا، فضاعف المسملون من حملاتهم وبذلت قريش قصارى جهدها للصمود في وجه المسلمين الذين سيطروا على الموقف، ولكن دونما جدوى، فقد تخاذل المشركون (على كثرتهم) أمام المسلمين (على قلتهم) وأخذوا يولون الفرار ونزلت الهزيمة بجيش مكة نزول السيل العرم بالسد الخرب المتهدم.
стр. 367
مصرع الأسد
وعندما بدأ سيل الهزيمة يجرف صفوف المشركين، فقد المسلمون (وهم في غمرة النصر) بطلًا من أعظم أبطالها وقائدا من أمهر قوادها، وهو أسد الله ورسوله (حمزة بن عبد المطلب) عم النبي ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، فقد امتدت يد الغدر والاغتيال إلى هذا الأسد وهو يهدم صفوف الشرك بسيفه.
وكان الذي قتل حمزة (والمسملون في غمرة النصر) عبد حبشي اسمه (وحشي، ولقبه أبو دسمة) قتل الأسد غيلة إذ اغتاله بحربته على بعد منه، قذف بها وهو كامن وراء شجرة.
قاتل حمزة يروي القصة
ولنترك هذا القاتل الغادر يروي بنفسه قصة الفاجعة التي أنزلتها حربته الغادرة بالمسلمين وهم في ذروة النصر، يوم أُحد.
قال وحشي: "كنت غلامًا لجبير بن مُطعم" (وكان عمه طعيمة بن عدي قد قتله حمزة يوم بدر) فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: (إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق).
قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلًا حبشيًّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس كأنه جمل أورق يهد الناس بسيفه ما يبقى به شيئًا، فوالله إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة أو حجر إذ تقدم منه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال: (هلم إلي يا بن
стр. 368
مقطعة البظور) أتحاد الله ورسوله، قال فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه.
قال وحشي، وهززت حربتي حتى إذ رضيت منها دفعتها نحوه، فوقعت في ثنتيه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا، تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد، فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك والله لا يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق.
قال وحشي ... فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله المدينة، فلم يرعه إلا بي قائمًا على رأسه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال لي:
أوحشي أنت؟ ؟
قال نعم يا رسول الله.
قال .. اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة.
قال .. فحدثته، فلما فرغت من حديثي قال ... ويحك غيب عني وجهك، فكنت أتنكب برسول الله حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله".
ومن الجدير بالذكر أن وحشيًّا هذا كان يواصل الجهاد مع المسلمين (وكان شجاعًا فاتكًا) شهد معركة اليرموك ضد الرومان.
стр. 369
ووحشي هذا هو الذي قتل مسيلمة الكذاب.
فقد روى البخاري أن وحشيًّا قال: "فلما قبض رسول الله ﷺ ، وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة.
قال فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس (وهو مسيلمة) قال وحشي .. فرميته بحربتي حتى وضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف.
فكان وحشي يقول (بعد ذلك": فإن كنت قتلت مسيلمة الكذاب فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ يعني (حمزة بن عبد المطلب) وقتلت شر الناس (يعني مسيلمة الكذاب) ".
رجل يعد بالآلاف
وهكذا فقد المسلمون (بمصرع حمزة بن عبد المطلب) رجلًا يعد بالآلاف، فقد كان ﵁ من أكبر سواعد النبي في الملاحم، كان في أُحد (كيوم بدر) نجم المعركة اللامع.
كان المشركون موتورين من حمزة، وكانت قلوبهم تغلي حقدًا عليه، لأنه صرع الأحبة من فرسانهم يوم بدر، وكان الذين وترهم حمزة يوم بدر في ذويهم يودون قتله انتقامًا. ولكنهم جميعًا يدركون أن مواجهة حمزة بن عبد المطلب ليس بالأمر الهين، فشهرته الحربية واستفاضة ضراوته في القتال جعلت فرائص أعظم الأبطال ترتعد لمجرد التفكير في ملاقاة هذا البطل ولهذا لجأ المتوتورون من حمزة إلى طريق الاغتيال، فتم الاتفاق
стр. 370
(كما تقدم) بين جبير بن مطعم ومولاه وحشي على عتقه مقابل أن يقتل حمزة.
ونفذت خطة الاغتيال الدنيئة، قال الأستاذ محمد حسين هيكل "وصرع الأسد حمزة (لا كما تصرع الأبطال وجهًا لوجه في ميدان القتال، وإنما كما يغتال الكرام في أحلك الظلام) وهل كان أحد من شجعان العرب جميعًا يحسب نفسه كفئا لحمزة ونزاله؟ .
وهل كان يظن أحد أن يطالع الموت حمزة في معركة على طول ما مشى بين صفوف الموت مختالًا، ولكن ما عسى أن تغني الشجاعة والنبل حين يختبئ الاغتيال في حندس الليل فيورد صاحبها حتفه" (١).
السيطرة على الموقف
وبالرغم من الخسارة الفادحة التي نزلت بالمسلمين، بمصرع الأسد حمزة فإن قواتهم ظلت مسيطرة على الموقف، فلم يتراخوا ولم يحدث أي انحسار في مد الانتصار الذي سجلوه على جيش مكة.
لا سيما أن مصرع حمزة لم يكتشفه المسلمون إلا بعد انتهاء المعركة، التي فقد المسلمون فيها كثيرا من أبطالهم، ولأن قتل حمزة لم يكن إلا غيلة في غمرة النصر والمسلمون يطاردون العدو المنهزم.
стр. 371
الفارس ذو العصابة
أما أبو دجانة، وهو الركن الثاني من أركان المعركة، والذي أبى الرسول ﷺ أن يعطي سيفه لأحد سواه عندما عرضه على أصحابه (قبل المعركة) فقد أبلى بلاء عظيمًا، فكان يوم أُحد لا يقوم له أحد وقد كان لبسالته أثر عظيم في اندحار المشركين في الصفحة الأولى من المعركة.
قال الزبير بن العوام .. وجدت في نفسي حين سألت رسول الله السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت أنا ابن صفية عمته (١) ومن قريش وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني؟ ؟ والله لأنظر ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
стр. 372
أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحًا إلا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله (١).
وقال كعب بن مالك (٢) كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين (أي بعد الانتكاسة) قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة (أي استكمل كل عدة حربه) يجوز المسلمين وهو يقول (استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم) وإذا رجل من المسلمين ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصرى، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم
стр. 373
كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ ؟ أنا أبو دجانة (١).
فاختيار النبي ﷺ أبا دجانة وإعطاؤه السيف من بين جميع أصحابه، يدل على خبرته بالرجال ومعرفته كيف يختار الأكفاء في المواطن الحرجة، والساعات الدقيقة من المعارك الفاصلة.
كاد يقتل هند بنت عتبة
ومن عجائب الصدف أن أبا دجانة هذا كاد يقتل تلك المرأة العنيدة هند بنت عتبة زوج القائد العام لجيش مكة التي حضرت لتحريض الناس على سفك الدماء، فقد التقى بها أبو دجانة، وهي بلباس الميدان كالرجال وكاد يفلق رأسها بالسيف، لولا أن أدركتها أنوثتها فولولت عندما أحست بالموت يقترب منها.
وكان أبو دجانة قد تحدث بهذا فيما تحدث به من أخبار أُحد، فقال: "رأيت يوم أُحد إنسانًا يحمس الناس حماسًا شديدًا (أي يحرضهم على القتال) فصمدت له، فلما حملت عليه بالسيف ولول (أي صاح فزعًا)، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة، وكانت المرأة هند بنت عتبة"، قال الزبير بن العوام "رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها".
لم يترك المسلمون فرصة للمشركين المنهزمين ليجمعوا صفوفهم التي بعثرتها حملات المسلمين الصاعقة، وكان منظرًا رائعًا (حقًّا) سبعمائة مقاتل يشتتون ثلاثة آلاف مقاتل يفوقوهم في كل شيء إلا الإيمان.
стр. 374
لقد كانت هزيمة قريش هزيمة منكرة، إلى درجة أن الصنم الذي احتملته القيادة للتبرك به سقط من فوق الجمل الذي كان يحمله، وتحطم تحت أقدام عابديه دون أن يفكر فيه أحد لأن الهزيمة أنستهم كل شيء.
وبلغت الهزيمة بالمشركين إلى أن جلوا عن معسكرهم تمامًا فاحتله المسلمون, وأحاطوا بمن فيه من نساء المشركين.
قال ابن إسحاق .. ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدق وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها، قال في السيرة الحلبية:
"ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدًا بعد واحد، ولم يقدر أحد يدنو منه انهزم المشركون وولوا الأدبار لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل بعد فرحهم وضربهم بالدفوف، وألقين الدفوف وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهن، وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم".
стр. 375
الفصل الرابع
* غلطة الرماة الفظيعة.
* انتكاسة المسلمين بعد النصر.
* تحول مجرى القتال لصالح المشركين.
* تطويق الجيش الإسلامي.
وهكذا (مرة أخرى) انهزم الكفر أمام الإيمان (مع التفاوت الهائل في العدد والعدة) فتبعثر ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين أمام سبعمائة محارب من المسلمين، كما يتبعثر الورق اليابس أمام العاصفة.
وكادت المدينة تسجل مرة أخرى، على مكة نصرًا ساحقًا، لا يقل روعة وفعالية عن النصر الذي سجلته عليها يوم الملحمة الأولى (ملحمة بدر).
ولكن (كما يقولون) هناك مزالق بين الكأس والشفة. ذلك أن عملًا واحدًا من أعمال الخروج على النظام والانضباط العسكري (١)، ارتكبه الرماة (المتمركزون في الجبل) حول نصر المسلمين المؤزر إلى كارثة.
كان النبي (كقائد عسكري) خبير مسئول قد اختار (وفقًا للخطة المرسومة) فصيلة من رماة النبل بقيادة آمر مسئول، وأمرها بأن تتمركز في جبل عينين (كما ذكرنا ذلك فيما مضى) وأفهم هذه الفصيلة بأن
стр. 376
مهمتها الرئيسية هي حماية ظهر الجيش الإسلامي، وصد أية محاولة (في أي وقت يقوم بها خيالة المشركين) بأن يلزموا مواقعهم في الجبل حتى يتلقوا منه أوامر خاصة.
ولكي يدركوا خطورة الواجب الملقى على عاتقهم وأن مصير الجيش الإسلامي قد يكون (في ساعة من الساعات) مرتبطًا ببقائهم في هذا الجبل حذرهم من مغادرتهم حتى ولو رأوا الطير تتخطف المسلمين.
الخوف من اقتحام الخيالة الجبل
وقد كان أخشى ما يخشاه الرسول ﷺ هو أن يعمد سلاح فرسان المشركين إلى مباغتة المسلمين وضربهم من الخلف ساعة احتدام المعركة.
ولما كانت هذه العملية التي كاد يخشى أن تقوم بها خيل قريش، لا يمكن القيام بها إلا عن الطريق الذي يشرف عليه الجبل الذي تمركز فيه المسلمون، لفت ﷺ نظر هؤلاء الرماة بصفة خاصة إلى خطر خيل مكة وأمرهم بأن يترقبوها دائما، ويرشقوها بالنبل إن حاولت المرور لضرب المسلمين من الخلف.
(وفعلًا) حدث الذي كان يخشاه الرسول ﷺ ويتوقع حدوثه فقد فكر فيه خالد بن الوليد قائد سلاح فرسان المشركين منذ اللحظة الأولى.
فقد ظل ابن الوليد يرقب مواقع الرماة في الجبل مراقبة دقيقة ويتحين الفرص لعله يجد فرصة لاتقتحام الموقع في الجبل وإجلاء المرابطين أو إبادتهم، ثم التسرب من فم الشعب إلى داخله، لضرب المسلمين من الخلف وإحداث الارتباك في صفوفهم في أول المعركة.
стр. 377
وفعلًا قام في بداية الملحمة بثلاث هجمات لاقتحام الشعب من ناحيته الغربية (وهي الناحية الوحيدة الصالحة لانطلاق خيله) ولكنه فشل في كل هذه الهجمات فشلًا تامًّا حيث أصلاه المرابطون في الجبل نارًا حامية من سهامهم، فارتد بخيله، لأن الخيالة لا يقدمون الخيل على النبل.
قيام الرماة بواجبهم أول المعركة
وهكذا قام الرماة بواجبهم في أول المعركة خير قيام، حيث صدت نبالهم الحادة كل المحاولات التي قام بها فرسان خالد بن الوليد لاقتحام فم الشعب في أول المعركة.
وظلت مؤخرة المسلمين في مأمن تحت حراسة هؤلاء الرماة الأشداء في جميع مراحل المعركة، حتى ساعة الانتكاسة وهذا يعني أن فصيلة الرماة قد ساهمت مساهمة كبرى في تحقيق النصر الذي أحرزه المسلمون ضد المشركين في أول المعركة.
غلطة الرماة الشنيعة
ولكن هؤلاء الرماة إذا كان ذلك شأنهم في أول المعركة، فإنهم قد تسببوا في النهاية في كارثة مروعة أضاعت كل ثمرات النصر التي أحرزها المسلمون ببسالتهم، كما تسبب هؤلاء الرماة في مصرع أكثر من ستين مسلمًا من جند المدينة، وكادوا يكونون سببًا في مقتل النبي الأعظم ﷺ الذي تعرض نتيجة لغلطة هؤلاء الرماة لجراحات كثيرة. وتفصيل ذلك أن هؤلاء الرماة (وعددهم خمسون) لما رأوا أن المسلمون قد كشفوا المشركين عن المعسكر وركبوا ظهورهم يقتلون ويغنمون، ورأوا لواء
стр. 378
المشركين مطروحًا على التراب تأكدوا من هزيمة العدو، وهنا اختلفوا فيما بينهم.
فبينما كان سواد الجيش الإسلامي يوالي ضرباته ضد العدو المنهزم، كان النقاش يدور حادًّا بين الرماة في الجبل حول ما إذا كان من حقهم ترك مواقعهم للاشتراك في مطاردة العدو وأخذ حصتهم من الغنائم التي رأوها مبعثرة على أرض المعركة فسال لها لعاب أكثرهم.
وكانت الأغلبية من الرماة تميل إلى ترك الجبل والاشتراك في جمع الغنائم، حتى بعضهم قال:
"لم تقيمون ها هنا في غير شيء، وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا واغنموا مع الغانمين، ثم استأذنوا في مغادرة الجبل".
الرماة يتمردون على قائدهم
ولكن آمر الموقع وقائد هؤلاء الرماة المسئول (عبد الله بن جبير الأنصاري) كان يرى خلاف هذا الرأي, كان يرى أن من الضروري أن تطبق حرفيًّا أوامر النبي القائد العام التي تقضي بعدم مغادرة الجبل إلا بأمر خاص منه، ولما اشتد اللغط بين الرماة، وقف قائدهم فيهم خطيبًا، وحذر الذين استأذنوا في ترك مواقعهم، وذكرهم بأوامر الرسول المشددة التي تقضي بعدم ترك الجبل مهما كانت الظروف والملابسات إلا بأمر من النبي ﷺ .
ثم أعلن هذا القائد بأنه مصمم على البقاء في الجبل حتى يتلقى
стр. 379
الأوامر الخاصة من النبي ﷺ بالانسحاب أو يفنى، ثم نهى الذين استأذنوه، ولم يسمح لهم بمغادرة الجبل بل أمرهم بالبقاء في مراكزهم.
ولكن الأكثرية في الجبل من الرماة (ولأمر يريده الله) تمردوا على قائدهم، وتركوا مواقعهم في الجبل والتحقوا بسواد الجيش للمشاركة في جمع الغنائم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١) فبقى القائد ابن جبير في الجبل منفردًا مع أقلية دون العشرة أطاعوه.
نزول الكارثة بالمسلمين
وبانسحاب أكثرية الرماة من الجبل انكشفت مؤخرة الجيش الإسلامي تمامًا، حيث بقيت دونما حراسة كافية، لأن عشرة من رماة النبل لا يمكن أن يقفوا في وجه مائتين من الفرسان الغائصين في الحديد.
ولم يكن من السهل إبلاغ المسلمين بما حدث ولأن خالد بن الوليد لم يترك فرصة لقائد الرماة ومن بقى معه لينبهوا المسلمين إلى ما حدث على الأقل.
فقد لمح قائد سلاح فرسان مكة (الذي كان يراقب موقع الرماة في الجبل مراقبة شديدة) لمح ترك أكثر الرماة لمراكزهم في الجبل فاهتبل الفرصة على عجل، وصاح في كتيبته من الخياله آمرًا بالهجوم على المسلمين من الخلف ..
فاندفعت خيل المشركين تسابق الريح (يقودها خالد وعكرمة ابن
стр. 380
أبي جهل) نحو مواقع الرماة في الجبل للقضاء (أولًا) على من بقى فيه من الرماة.
وقد صمد قائد الرماة مع من بقى معه في وجه فرسان مكة وقاوموا مقاومة الأبطال، ولكن أنَّى لعشرة من المشاة (مهما بلغوا من الشجاعة) بالمقاومة في وجة مائتي فارس مسلحين أحسن تسليح يقودهم خالد بن الوليد.
ولهذا لم تمض برهة حتى أباد خالد جميع من ثبت من الرماة في الجبل ومنهم قائدهم البطل (عبد الله بن جبير) ﵏ جميعًا.
المسلمون بين نارين
ثم استدار ابن الوليد بسرعة وانقض بفرسانه على مؤخرة الجيش الإسلامي، بعد أن صاح فرسانه صيحة عرف منها المشركون المنهزمون أن ابن الوليد قد قام بحركة التفاف ناجحة ضد جيش المدينة، فانقلب المشركون نحو المسلمين وقاموا ضدهم بهجوم مضاد، وأسرعت عمرة الحارثية إلى لواء المشركين المطروح على الترب فرفعته ليلتف المنهزمون حوله من جديد، وتنادى المشركون المنهزمون وشجع بعضهم بعضًا على العودة إلى الميدان بعد أن رأوا لواءههم يرفع من جديد.
وبهذا تغير الموقف تغيرًا كاملًا، وتحول مجرى القتال لصالح المشركين.
أما المسلمون فقد صاروا بين نارين، فأصبح لذلك همهم الوحيد (في تلك اللحظة السيئة) النجاة بأرواحهم من الطوق الذي ضربه المشركون حولهم.
стр. 381
وبحركة خالد المباغتة التي يسرت لها غلطة الرماة النجاح الكامل، ضاعت على المسلمين معالم الخطة الحكيمة التي رسمها الرسول القائد لإدارة دفة المعركة، فصاروا يقاتلون دونما تماسك، إذ وجدوا أنفسهم وبطريقة فجائية (بعد نسف الرماة بتمردهم خطة القتال التي وضعها الرسول القائد للمعركة) أمام أسلوب من القتال جديد.
فصاروا وكأنهم يخوضون معركة جديدة، يقاتلون فيها دونما خطة مرسومة، أو تعبئة سابقة، أو قيادة موحدة حيث أصبح كل فرد من أفراد الجيش المطوق (وقبل الاتصال بالنبي القائد الأعلى) يرسم لنفسه خطة يحاول بموجبها الإفلات من الحزام الذي وجد المسلمون أنفسهم (فجأة) داخله.
المسلمون يقتلون بعضهم
لقد فقد المسلمون تنظيمهم (بعد غلطة الرماة) وانتقضت صفوفهم، وعمتهم الفوضى والارتباك، فاختلطوا، وألقوا ما في أيديهم من الغنائم، وانقلب بعضهم يضرب بعضًا، فعمت الفوضى والارتباك صفوفهم، وصاروا يقتتلون على غير شعار.
وتاه الكثيرون منهم، لا يدرون إلى أين يتجهون، لا سيما بعد أن صاح صائح المشركين (إن محمدًا قد قتل).
فكانت محنة قاسية سقط فيه كثير من المسلمين قتلى بأيدي إخوانهم من غير قصد.
стр. 382
ولقد كان من المتوقع أن تقضي كثرة العدو العديدة المتفوقة - التي أعادت تنظيمها بعد حركة خالد الناجحة - كان من المتوقع أن تقضي هذه الكثرة على القلة من المسلمين المطَّوقين وتسحقهم سحقًا كليًّا.
ولكن الليوث لا تصاد بسهولة.
فالبرغم من المأزق الحرج الذي وقع فيه سواد الجيش الإسلامي، فإنهم أخذوا يقاتلون بضراوة ليشقوا طريقهم نحو قائدهم النبي ﷺ ، الذي تأكدوا من سلامته بعد أن سمعوه يناديهم بصوته الكريم من مقر قيادته.
فشقوا طريقهم (ولكن بصعوبة كبيرة) وسط غابات الرماح والسيوف التي أحاطهم المشركون بها من كل جانب بعد نجاح حركة خالد المفاجئة.
ولقد اتصل المسلمون من جديد بنبيهم الذي بقى (مع بعض هيئة أركان حربه) يرقبون مطاردة المسلمين للعدو وتخلصوا من الطوق المضروب عليهم ولكن بعد أن دفعوا الثمن غاليًا.
كيف انقسم الجيش الإسلامي
كان المسلمون بعد كشف المشركين عن معسكرهم ونزول الهزيمة بهم، قد انقسموا إلى فرق ثلاث:
١ - الفرقة الأولى وهم الرسول ﷺ وبعض أركان حربه ظلوا في مركز القيادة العامة ولم يشتركوا في المطاردة، ومن بين هؤلاء أبو بكر
стр. 383
الصديق وطلحة بن عبيد الله وغيرهما من المهاجرين والأنصار وقد كانت الفرقة قليلة العدد جدًّا إذ لم يزد عددهم على أربعة عشر رجلًا (١).
٢ - وفرقة ثانية اشتركت في مطاردة العدو، ولكنها لم تتوغل، وبقيت على مقربة من مقر قيادة الرسول، وهذه الفرقة لم يتمكن المشركون من تطويقها، عندما تغير مجرى القتال، ويظهر أن من أفراد الفرقة أنس بن النضر وعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص (٢).
وهذه الفرقة أيضًا كانت صغيرة جدًّا، إلا أن رجالها كانوا يعدون بالمئات، فقد سارع هؤلاء بالانضمام إلى الرسول في مقره، وألفوا جبهة لحماية الرسول من كرة العدو.
٣ - وفرقة ثالثة، وهي الفرقة الكبرى التي ضمت سواد الجيش الإسلامي، وقامت بمطاردة العدو حتى أجلته عن معسكره واحتلت مقر قيادته واستولت على ما في المعسكر من غنائم.
وهذه الفرقة (وإن شئت قل هذا الجيش) هو الذي تمكن جيش قريش من تطويقه توطيقًا كاملًا بعد ضربة خيالة بن الوليد المفاجئة وقد انقسم الجيش الإسلامي المطوّق إلى قسمين:
١ - القسم الأول (وهو صغير جدًّا) تمكن من الإفلات وانهزم نحو المدينة، حيث لم يوفق في شق طريقه نحو مقر قيادة الرسول في الشعب، متوهمًا أن جيش المسلمين قد هزم، وأن نبيهم قد قتل.
стр. 384
ولكن هذا القسم الصغير لما وصل بعضه أسوار المدينة عنفهم النساء اللواتي كن هناك في الآطام (١) وعلى التلال يرقبن المعركة .. عنف النساء هؤلاء الرجال المنهزمين وحَثَتْ الزوجات التراب في وجوه أزواجهن، ونبهنهم إلى أن الرسول لم يُقْتَل.
فعاد هؤلاء المنهزمون أدراجهم مسرعين نحو المعركة، ولكنه لم يتمكنوا من الاتصال بالنبي ﷺ إلا بعد انتهاء المعركة، ويقال أن بعضًا من هؤلاء المنهزمين لم يرجعوا إلا بعد ثلاثة أيام من المعركة، وهؤلاء هم الذين قال لهم النبي ﷺ ، لقد ذهبتم فيها (أي الهزيمة) عريضة، أو كما قال:
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الفئة المنهزمة ونص على أن الله تعالى عفا عنهم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢).
أما القسم الأكبر من سواد الجيش المطوّق، فقد حدث ارتباك شديد داخل صفوفه، وانهارت الروح المعنوية (أو كادت) في نفوس بعض أفراده الذين أصابهم الذهول بعد الانتكاسة، وخاصة عندما سرت بينهم إشاعة مصرع النبي الأعظم ﷺ ولقد كان والد حذيفة بن اليمان (٣)
стр. 385
(واسمه حسيل بن جابر) (١) أحد الذين قتلهم المسلمون ساعة الارتباك والدهش الذي أصاب المسلمين بعد الانتكاسة.
فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما كان يوم أُحد هُزِم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أُخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أُخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه فنادى أي عباد الله (أبي أبي).
فقالت، فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم (٢).
إشاعة مقتل الرسول
ومما زاد النكبة أن إشاعة سرت مفادها أن المشركين تمكنوا من قتل النبي ﷺ ونادى مناديهم بذلك، وسبب هذه الإشاعة أن أحد فرسان
стр. 386
المشركين (واسمه ابن قمئة) التقى بمصعب بن عمير العبدري (١) حامل لواء المسلمين فقتله، وكانت طلعة مصعب شبيهة بطلعة النبي ﷺ ، وخاصة إذا لبس السلاح، فظن الفارس المشرك أنه قد قتل الرسول ﷺ فصاح: "لقد قتلت محمدًا، فشاع هذا الخبر الكاذب بين المقاتلين.
فوقع (لهذه الإشاعة) مزيد من الذعر والارتباك في صفوف المسلمين المطوقة.
تفكير بعض المسلمين بالاستسلام
فقد صار بعض المسلمين حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، وتوقف آخرون عن القتال وألقوا بأسلحتهم، وفكر فريق في الاتصال بعبد الله بن أبي في المدينة، ليعرض استسلامهم على القائد العام للمشركين أبي سفيان، ويأخذ لهم الأمان منه، ظنًّا منهم أن محمدًا ﷺ قد قتل.
فقد قال قائل هؤلاء: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم" (٢).
إن رب محمد لم يقتل
وبينما هم حائرون هكذا، إذ أقبل إليهم أنس بن النضر (٣) الخزرجي، فلما رآهم قد ألقوا السلاح قال لهم: ما لكم قد ألقيتم بأيديكم هكذا? ? أو كما قال.
стр. 387
فقالوا له: قُتل رسول الله.
فقال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
ثم استقبل المشركين بسيفه واندفع نحوهم كالإعصار وهو يقول: "اللهم إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء (يعني المشركين) وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء" (يعني المسلمين الذين ألقوا السلاح وفكروا في الاستسلام) ثم قاتل المشركين قتالا منقطع النظير حتى قتل ﵁.
كما أن ثابت بن الدحداح (١) عندما رأى الانهيار بين بعض المقاتلين المسلمين (لإشاعة مقتل الرسول)، صاح في قومه الأنصار يحرضهم على الاستبسال والمقاومة:
"يا معشر الأنصار إن كان محمد ﷺ قد قتل فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظفركم وناصركم"، فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة من سلاح فرسان مكة، فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله بالرمح وقتل من حمل معه من الأنصار (٢).
الرسول ينقذ الموقف
وهكذا أخذ المسلمون المحاصرون يشجع بعضهم بعضًا، فعدلوا عن فكرة الاستسلام، وأخذوا سلاحهم، واندفعوا (في بسالة) يصارعون
стр. 388
أمواج جند الشرك المتلاطمة حولهم وقد عادت إليهم روحهم المعنوية التي فقدها الكثير منهم وأخذوا يشقون لهم بسيوفهم طريقًا عبر صفوف العدو المحيطة بهم، وذلك بعد أن تأكدوا من سلامة قائدهم النبي ﷺ ، الذي سمعوه يناديهم بصوته الكريم لينضموا إليه: (أنا رسول الله) حول المقر الذي ظل فيه مرابطًا بعد أن كشف المسلمون المشركين في أول المعركة.
وكان بقاء الرسول وهيئة أركان حربه في مقر القيادة وعدم اشتراكهم في المطاردة جاء (كما قال صاحب كتاب حياة محمد ورسالته) بموجب خطة وقائية.
وذلك أن الرسول عندما وضع خطة المعركة وصف رجاله للقتال أدخل في حسابه - شأن القائد اليقظ - إمكان تطور الموقف لغير صالح المسلمين (١)، فجعل ظهره وظهر أصحابه إلى جبل أُحد، ليتخذ من هذا الجبل مفزعًا يلجأ إليه إذا ما ألمت بهم كارثة.
وكان الرسول (كقائد أعلى للجيش) حين شُغل المسلمون بمطاردة العدو قد تخلف (مع بعض أركانه حربه) سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فلم يبرحوا مواقعهم (وكأن الجميع ظلوا يتتبعون سير المعركة وعينهم على جبل الرماة) فلم يكد الرسول يرى خالدًا ينقض على المسلمين ويحتل الموقع الذي هجره الرماة حتى أدرك عظم الخطر المحدق بالجيش الإسلامي.
ولم يكن أمامه - في تلك اللحظات - غير سبيلين اثنين يستطيع انتهاجهما ..
стр. 389
١ - إمَّا أن يكفل السلامة الشخصية لنفسه بالشخوص إلى مفزع ما، تاركًا أصحابه لمصيرهم المقدور.
٢ - وإمّا أن يناديهم مخاطرًا بنفسه لكي ينقذهم من الخطر (ليجعل من مقره مكان تجمع لهم) فينقذهم بذلك من خطر الإبادة أو الضياع والتفكك.
ولقد اختار السبيل الثانية، وإذ وجدهم في ضيق صاح بأعلى صوته.
"هلَمّ إلي، أنا رسول الله" (١).
ولقد أشار القرآن الكريم إلى موقف الرسول الرائع البطولي هذا، الذي أنقذ به الجيش من حيرته وارتباكه، فقال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢).
تحسن الحالة بعد النكسة
ولقد كان صوت الرسول الكريم ﷺ بمثابة تيار أعاد إلى المنهزمين رشدهم، فلم يكد صوته ﷺ يصل إلى آذانهم حتى عادت إليهم الطمأنينة، وأخذوا يتوافدون نحوه، ونجح الكثير من المطوَّقين في شق طريقهم عبر صفوف العدو غير مبالين بالخسائر الباهظة في الأرواح.
وبهذا تحسنت حال المسلمين، وأخذوا (بقيادة نبيهم) في استعادة تنظيمهم.
стр. 390
وصاروا يتجمعون من حوله، وأخذوا في إنشاء جبهة قتال متحدة جديدة، وبهذا أخذ مجرى القتال يتغير عما كان عليه (يوم نجح المشركون في تطويق المسلمين وإشاعة الارتباك في صفوفهم بعد حركة خالد وإشاعة مقتل الرسول ﷺ .
الهجوم على النبي ﷺ
شديد ولكن صيحة الرسول ﷺ إذا كانت قد جمعت شتات المسلمين المبعثرين على صعيد الهزيمة، وأعادت إليهم روحهم، فإنها كذلك نبّهت المشركين إلى أن الرسول ﷺ حي لم يقتل، ودلتهم على مكانه.
مما جعل الذات النبوية الكريمة هدفًا لهجمات المشركين السريعة المتلاحقة.
ولقد كانت فترة عصيبة حقًّا، تعرضت فيها حياة النبي الأعظم لأشد الأخطار، فقد عرف المشركون القريبون منه ﷺ مكانه بالتحديد.
فمالوا عليه بثقلهم - وهو لما يزال في قلة قليلة من أصحابه - بغية التخلص منه والقضاء عليه، قبل أن يتمكن سواد أصحابه من الالتفاف حوله.
المعركة تحتدم حول الرسول ﷺ
وهنا دخلت المعركة في طور آخر وأخذت نيرانها في الاشتعال من جديد.
فقد أدرك الصحابة الخطر الجسيم المحدق بنبيهم، فخشوا أن يطوّقه المشركون الذين عرفوا مكانه لا سيما في تلك الفترة التي لم يكن فيها معه سوى بعض هيئة أركان حربه وقلة ممن سارع بالانضمام إليه لا يزيدون على عدد أصابع اليادين.