← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المشركين (واسمه ابن قمئة) التقى بمصعب بن عمير العبدري (١) حامل لواء المسلمين فقتله، وكانت طلعة مصعب شبيهة بطلعة النبي ﷺ ، وخاصة إذا لبس السلاح، فظن الفارس المشرك أنه قد قتل الرسول ﷺ فصاح: "لقد قتلت محمدًا، فشاع هذا الخبر الكاذب بين المقاتلين. فوقع (لهذه الإشاعة) مزيد من الذعر والارتباك في صفوف المسلمين المطوقة. تفكير بعض المسلمين بالاستسلام فقد صار بعض المسلمين حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، وتوقف آخرون عن القتال وألقوا بأسلحتهم، وفكر فريق في الاتصال بعبد الله بن أبي في المدينة، ليعرض استسلامهم على القائد العام للمشركين أبي سفيان، ويأخذ لهم الأمان منه، ظنًّا منهم أن محمدًا ﷺ قد قتل. فقد قال قائل هؤلاء: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم" (٢). إن رب محمد لم يقتل وبينما هم حائرون هكذا، إذ أقبل إليهم أنس بن النضر (٣) الخزرجي، فلما رآهم قد ألقوا السلاح قال لهم: ما لكم قد ألقيتم بأيديكم هكذا? ? أو كما قال.

стр. 387

فقالوا له: قُتل رسول الله. فقال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ . ثم استقبل المشركين بسيفه واندفع نحوهم كالإعصار وهو يقول: "اللهم إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء (يعني المشركين) وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء" (يعني المسلمين الذين ألقوا السلاح وفكروا في الاستسلام) ثم قاتل المشركين قتالا منقطع النظير حتى قتل ﵁. كما أن ثابت بن الدحداح (١) عندما رأى الانهيار بين بعض المقاتلين المسلمين (لإشاعة مقتل الرسول)، صاح في قومه الأنصار يحرضهم على الاستبسال والمقاومة: "يا معشر الأنصار إن كان محمد ﷺ قد قتل فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظفركم وناصركم"، فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة من سلاح فرسان مكة، فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله بالرمح وقتل من حمل معه من الأنصار (٢). الرسول ينقذ الموقف وهكذا أخذ المسلمون المحاصرون يشجع بعضهم بعضًا، فعدلوا عن فكرة الاستسلام، وأخذوا سلاحهم، واندفعوا (في بسالة) يصارعون

стр. 388

أمواج جند الشرك المتلاطمة حولهم وقد عادت إليهم روحهم المعنوية التي فقدها الكثير منهم وأخذوا يشقون لهم بسيوفهم طريقًا عبر صفوف العدو المحيطة بهم، وذلك بعد أن تأكدوا من سلامة قائدهم النبي ﷺ ، الذي سمعوه يناديهم بصوته الكريم لينضموا إليه: (أنا رسول الله) حول المقر الذي ظل فيه مرابطًا بعد أن كشف المسلمون المشركين في أول المعركة. وكان بقاء الرسول وهيئة أركان حربه في مقر القيادة وعدم اشتراكهم في المطاردة جاء (كما قال صاحب كتاب حياة محمد ورسالته) بموجب خطة وقائية. وذلك أن الرسول عندما وضع خطة المعركة وصف رجاله للقتال أدخل في حسابه - شأن القائد اليقظ - إمكان تطور الموقف لغير صالح المسلمين (١)، فجعل ظهره وظهر أصحابه إلى جبل أُحد، ليتخذ من هذا الجبل مفزعًا يلجأ إليه إذا ما ألمت بهم كارثة. وكان الرسول (كقائد أعلى للجيش) حين شُغل المسلمون بمطاردة العدو قد تخلف (مع بعض أركانه حربه) سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فلم يبرحوا مواقعهم (وكأن الجميع ظلوا يتتبعون سير المعركة وعينهم على جبل الرماة) فلم يكد الرسول يرى خالدًا ينقض على المسلمين ويحتل الموقع الذي هجره الرماة حتى أدرك عظم الخطر المحدق بالجيش الإسلامي. ولم يكن أمامه - في تلك اللحظات - غير سبيلين اثنين يستطيع انتهاجهما ..

стр. 389

١ - إمَّا أن يكفل السلامة الشخصية لنفسه بالشخوص إلى مفزع ما، تاركًا أصحابه لمصيرهم المقدور. ٢ - وإمّا أن يناديهم مخاطرًا بنفسه لكي ينقذهم من الخطر (ليجعل من مقره مكان تجمع لهم) فينقذهم بذلك من خطر الإبادة أو الضياع والتفكك. ولقد اختار السبيل الثانية، وإذ وجدهم في ضيق صاح بأعلى صوته. "هلَمّ إلي، أنا رسول الله" (١). ولقد أشار القرآن الكريم إلى موقف الرسول الرائع البطولي هذا، الذي أنقذ به الجيش من حيرته وارتباكه، فقال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). تحسن الحالة بعد النكسة ولقد كان صوت الرسول الكريم ﷺ بمثابة تيار أعاد إلى المنهزمين رشدهم، فلم يكد صوته ﷺ يصل إلى آذانهم حتى عادت إليهم الطمأنينة، وأخذوا يتوافدون نحوه، ونجح الكثير من المطوَّقين في شق طريقهم عبر صفوف العدو غير مبالين بالخسائر الباهظة في الأرواح. وبهذا تحسنت حال المسلمين، وأخذوا (بقيادة نبيهم) في استعادة تنظيمهم.

стр. 390

وصاروا يتجمعون من حوله، وأخذوا في إنشاء جبهة قتال متحدة جديدة، وبهذا أخذ مجرى القتال يتغير عما كان عليه (يوم نجح المشركون في تطويق المسلمين وإشاعة الارتباك في صفوفهم بعد حركة خالد وإشاعة مقتل الرسول ﷺ . الهجوم على النبي ﷺ شديد ولكن صيحة الرسول ﷺ إذا كانت قد جمعت شتات المسلمين المبعثرين على صعيد الهزيمة، وأعادت إليهم روحهم، فإنها كذلك نبّهت المشركين إلى أن الرسول ﷺ حي لم يقتل، ودلتهم على مكانه. مما جعل الذات النبوية الكريمة هدفًا لهجمات المشركين السريعة المتلاحقة. ولقد كانت فترة عصيبة حقًّا، تعرضت فيها حياة النبي الأعظم لأشد الأخطار، فقد عرف المشركون القريبون منه ﷺ مكانه بالتحديد. فمالوا عليه بثقلهم - وهو لما يزال في قلة قليلة من أصحابه - بغية التخلص منه والقضاء عليه، قبل أن يتمكن سواد أصحابه من الالتفاف حوله. المعركة تحتدم حول الرسول ﷺ وهنا دخلت المعركة في طور آخر وأخذت نيرانها في الاشتعال من جديد. فقد أدرك الصحابة الخطر الجسيم المحدق بنبيهم، فخشوا أن يطوّقه المشركون الذين عرفوا مكانه لا سيما في تلك الفترة التي لم يكن فيها معه سوى بعض هيئة أركان حربه وقلة ممن سارع بالانضمام إليه لا يزيدون على عدد أصابع اليادين.

стр. 391

ولهذا تَدَافع الصحابة نحو نبيهم، وأخذوا في إقامة سور بشري من أنفسهم لمواجهة ضربات المشركين الموجهة إلى الرسول (شخصيًّا). وكان هدف الصحابة هذه المرة (في الدرجة الأولى) الحفاظ على حياة نبيهم الكريم التي أصبحت مهددة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب التي خاضها ﷺ . ذلك أن النبي ﷺ (بعد الانتكاسة واضطراب المسلمين وتشتتهم) بقي منفردًا في مقر القيادة العامة مع نفر قليل جدًّا من أصحابه، ولذلك اغتنم المشركون القريبون منه الفرصة هذه، فقامت مجموعة من فرسانهم ومشاتهہم بهجمات خاطفة ركزوها على شخص الرسول الأعظم، للتخلص منه والقضاء عليه - مغتنمين انفرادہ وتفرّق عامة أصحابه عنه -. النبي الجريح وقد ثبت محمد بن عبد الله الهاشمي النبي القائد، لتلك الهجمات السريعة المتلاحقة ثبوت الرواسي، وقاتل المهاجمين بضراوة وشجاعة منقطعة النظير، يسانده (في ذلك) قلة من أصحابه الذين ثبتوا معه، والذين لم يفارقه بعضهم منذ بداية المعركة، ومنهم من سارع بالانضمام إليه ساعة الانتكاسة. أثناء هذا الصراع الرهيب أُصيب الرسول القائد ﷺ بجراحات كثيرة فقد تحطمت الخوذة (١) الحديدية التي كانت على رأسه نتيجة

стр. 392

للضربات التي أصابه المشركون بها كما أنه أيضًا جرح في وجهه الشريف عدة جراحات .. فقد حمل عليه أحد فرسان المشركين (واسمه ابن قمئة) وهو يقول: "أين محمد لا نجوت إن نجا". وأثناء صراعه مع ابن قمئة علاه الأخير بالسيف وضربه به ضربة شديدة فلم تضره كثيرًا، لأنه ﷺ كان قد لبس درعين، وقد أصابت هذه الضربة عاتق النبي فتأثر منها وشكا بسببها أكثر من شهر، فقد كانت ضربة عدو الله عنيفة إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين بها فنجا رسول الله ﷺ منها. كما أنه ﷺ أثناء هذا الصراع جُرح في وجه، جَرَحَه ابن قمئة الذي كان يلح مع أصحابه في الهجوم على رسول الله. [صورة] عند هذا المكان من الشعب جرح الرسول ﷺ وكسرت رباعيته. فقد دخلت حلقتان من حلق المغفر (١) في وجنتيه الشريفتين وأخذ

стр. 393

الدم يسيل على أثر ذلك، نتيجة لضربة أُخرى أصابه بها أيضًا ابن قمئة، وكان عدو الله من فرسان المشركين الفاتكين. كما شُجّ وجهه الشريف، شجّه كبيرة (بقي أثرها في وجهه حتى التحق بالرفيق الأعلى) نتيجة لضربة جاءته أثناء احتدام المعركة، من عبد الله بن شهاب الزهري (١) - جد الإمام محمد بن شهاب الزهري المشهور. كذلك تكسرت رباعيتها (٢) السفلى وانشقت شفته عندما قذفه (بحجر كبير) عتبة بن أبي وقاص (أخو سعد بن أبي وقاص ﵁). كما وقع ﷺ (أثناء تلك الساعة العصيبة الدامية) في حفره عميقة فجرحت ركبتاه، وأغمى عليه، وقد سارع أصحابه المدافعون عنه إلى إنقاذه وأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله من الحفرة حتى استوى قائمًا. ليس لك من الأمر شيء ولما جرح النبي ﷺ وجعل الدم يسيل بغزارة على وجهه الشريف أخذ يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم اشتد غضب الله على قوم أدْموا وجه رسول الله". فأنزل الله عليه (بسبب هذا الكلام) قوله تعالى:

стр. 394

﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. (١) المشركون يديمون زخم الهجوم على النبي لقد تعرض الرسول ﷺ لما تعرض له وأصيب بما أصيب به من جراحات، وهو في قلة من أصحابه، وبينما كان كذلك كان أصحابه الذين شتتهم النكسة، يتدافعون نحوه، كما أن المشركين (أيضًا) أخذوا في التكاثر عليه، فحمي الوطيس من جديد، ودارت المعركة ضارية حول الرسول ﷺ .

стр. 395

الفصل الخامس * تماسك المسلمين بعد الهزيمة. * تخلصهم من حزام التطويق. * نجاحهم في الانسحاب بعد النكبة. * اعتصامهم بجبل أُحُد. تكاثر المشركون على النبيّ في عناد، وتزاحم أهل القوة والبأس منهم للفتك به، واشتد البلاء على صفوة أصحابه الذين سارعوا إلى التحلق حوله، مسترخصين الأرواح في سبيل الدفاع عن حياته - فقد تضاعف هجوم العدوّ واشتد زخمه، وانقض العدو بكامل قوته مركزًا الهجوم على الذات النبوية. ولكنه في هذا الوقت، كان كثير من المسلمين الشجعان قد تجمعوا حول نبيهم القائد، وبالرغم من تفوق العدو في هذا الهجوم الصاعق (الذي استهدف النبي شخصيًّا) تفوقًا ساحقًا، فإن المسلمين (دفاعًا عن نبيهم) وقفوا في وجه هذا الهجوم كالرواسي، وأقاموا (في وجه هذا الهجوم) من أنفسهم سورًا بشريًّا ترسوا به عن نبيهم المحبوب، فلم يمكنوا أحدًا من المشركين يخلص إليه، فلم يمس بأي أذى بعد الذي أصابه من الجراح عندما كان منفردًا في قلة من أصحابه. بطولة الأنصار ولقد حنق المشركون لهذا الاستبسال الذي فوّت عليهم فرصة الفتك بالنبي ﷺ فشددوا من هجومهم على مقر قيادة الرسول، وأخذ الحرس

стр. 396

النبوي يخرون صرعى فرحين حول نبيهم، واحدًا إثر واحد، وكلما حدثت ثغرة بمصرع أحدهم سارع آخر وسد هذه الثغرة، وقد كان أكثر الذين قتلوا وهم يدافعون عن الذات النبوية من الأنصار. روى حماد بن سلمة، أن المشركين رهقوا النبي ﷺ وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش، فقال: من يردهم وهو رفيقي في الجنة، فجاء رجل من الأنصار حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا قال من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة، فذكر حماد أن السبعة الأنصاريين كلهم قتلوا وهم يدافعون عن رسول الله. دور الرماة في الدفاع عن النبي وكان لرماة النبل من الصحابة أبلغ الأثر في صد المشركين والدفاع عن النبي ﷺ ، وكان الرسول ﷺ راميًا فقد رمى عن قوسه (ساعة تكاثر المشركين) حتى تقطع وتر القوس وتحطمت وصارت شظايا (١) من كثرة الرمي. وكان من الرماة الذين اشتهروا بالاستماتة في الدفاع عن رسول الله ﷺ في تلك الساعة العصيبة من المعركة، والذين كان لنبالهم الحادة الصائبة أبلغ الأثر في حماية الرسول ﷺ من أذى المشركين، أبو طلحة الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص (﵄). أما أبو طلحة فقد روى أحمد عن أنس أن أبا طلحة هذا كان يرمي يوم أُحُد بين يدي النبي ﷺ ساعة تكالب المشركين عليه-، والنبي عليه

стр. 397

السلام خلفه يترس به، وكان أبو طلحة راميًا شديد الرمي، فكان إذا رفع رسول الله شخصه ينظر أين سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره - ليقى رسول الله من سهام العدو - وهو يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة البطل، (في تلك الساعات الحرجة) يسور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: إني جَلِد يا رسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت. ولقد ناضل أبو طلحة (أمام رسول الله بالنبل) نضالًا شديدًا حتى تكسرت ثلاث أقواس في يده من شدة الرمي. قال البخاري، لما كان يوم أُحد انهزم الناس عن النبي، وأبو طلحة (١) بين يديه مجوّب عليه بجحفة (٢) له، وكان رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا.

стр. 398

وكان الرجل يمر معه الجعبة (١) من النبل فيقول (أي النبي) أنثرها لأبي طلحة. يرمي المشركين بألف سهم أما سعد بن أبي وقاص (وهو أيضًا من الرماة المشهورين) فقد ثبت مع رسول الله ﷺ ساعة انهزام الناس عنه وكان من الرماة الخلصاء الأبطال الذين ساهموا بنبالهم الحادة في إحباط المحاولات العنيدة التي قام بها المشركون (بعد الانتكاسة) للقضاء على نبي الإسلام. فقد وقف سعد ساعات البلاء المتلاحق، وهي الساعات الدقيقة التي تعرضت فيها الذات النبوية لهجمات القرشيين العارمة، وقف سعد الباسل بين يدي رسول الله ﷺ يدافع عنه وكان له في ذلك المقام المحمود أكبر الأثر في إبعادهم عن رسول الله ﷺ فقد قذف المشركين (في تلك الساعات العصيبة) بألف سهم ..... وسعد بن أبي وقاض هو الرجل الوحيد الذي قال له الرسول ﷺ : فداك أبي وأمي. وذلك لما رأى من بطولته وشجاعته واستبساله وبراعته في إصابة الهدف. فقد روى المؤرخون أن النبي ﷺ كان كلما رمى سعد المشركين المتزاحمين للفتك بالنبي، قال له: إرم فداك أبي وأمي. قال سعيد ابن

стр. 399

المسيب سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال, ارم فداك أبي وأمي. وفي صحيح البخاري عن علي كرم الله وجهه قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك (يعني سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول: (يوم أحد): يا سعد إرم فداك. أبي وأمي (١). ومن الرماة الأبطال الذين ناضلوا المشركين (دفاعًا عن رسول الله ساعة تعرضه للخطر) سهل بن حنيف (٢) ...... كان سهل هذا قد بايع الرسول ﷺ على الموت يوم أحد، فلما شتتت الهزيمة سواد الجيش الإسلامي، ثبتت مع الخلصاء الأصفياء بجانب رسول الله ﷺ واسترخص روحه في سبيل الدفاع عنه. فقد وقف يناضل عن رسول الله بالنبل نضالا شديدًا، حتى أن النبي ﷺ كان يقول (وسهل يناضل أمامه): نبّلوا سهلا (أي موّنوه بالنبل). وذكر ابن كثير أن سهلًا هذا كان أحد القلائل الذين ثبتوا مع الرسول ساعة الانتكاسة, فقد نقل عن ابن جرير أن ابن قمئة الحارثي

стр. 400

رمى رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجه فأثقله، فتفرق عنه أصحابه، وجعل ﷺ يدعوا الناس: (إليّ عباد الله إليَّ عباد الله) فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة بن عبيد الله وسهل بن حنيف (١) (لعل هذا كان قبل أن يتكتل الأبطال الآخرون حول رسول الله). بطولة نادرة ومن الذين أبلوا بلاء حسنًا وأظهروا بطولة نادرة في الدفاع عن الذات النبوية الحبيبة ساعة المحنة، أبو دجانة الأنصاري (٢) الذي أعطاه الرسول ﷺ سيفه في بداية المعركة. فقد كان أبو دجانة من الخلصاء الأبطال الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ساعة الشدة، فقد أقام أبو دجانة هذا من نفسه سورًا ليقي رسول الله ﷺ وقع سهام العدو المنهالة عليه، فقد ترس بنفسه دونه معرضًا جسمه لسيل نبال العدو المنهمر من أقواس المشركين. وقد ذكر المؤرخون أن نبال المشركين المصوبة نحو رسول الله ﷺ ، كانت تقع في ظهر أبي دجانة البطل وهو مسور بنفسه على رسول الله، وكان لا يأبه لها مع أنها تغرز في ظهره بكثرة حتى أن بعض المؤرخين شبه ظهر أبي دجانة (لكثرة السهام المزروعة فيه ساعة وقوفه دون رسول الله) بظهر القنفذ.

стр. 401

ومن الذين ثبتوا مع رسول الله ساعة الهزيمة حاطب بن أبي بلتعة (١) , وهو من الأبطال المشهورين، فقد وقف حاطب هذا يجالد دون رسول الله بسيفه ساعة انهزام الناس، وهو الذي انتقم لرسول الله ﷺ فقتل عتبة بن أبي وقاص الذي سبق له أن أدمى وجه النبي ﷺ ساعة الهجوم عليه، وقد قتله حاطب في تلك الساعة التي أصاب الذات النبوية بالجراح. فقد روى ابن كثير في تاريخه عن حاطب نفسه قوله .. لما رأيت ما فعل عتبة (بن أبي وقاص) برسول الله قلت له (أي النبي ﷺ ): أين توجه عتبة؟ فأشار إلى حيث توجه، قال حاطب: فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه ثم نزلت فأخذت فرسه وسيفه، وجئت به إلى رسول الله، فقال لي: رضي الله عنك رضي الله عنك (مرتين)، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه عتبة هذا، إلا أنه لم يظفر به، فقد ذكر عن سعد ﵁ قوله: ما حرصت على قتل أحد قط مثل حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص، وإن كان ما علمت لسييء الخلق مبغضًا في قومه.

стр. 402

وقاتل طلحة بن عبيد الله التيمي (١) يوم ذاك دون رسول الله قتال جيش كامل. ولعل قتال طلحة (يوم انهزم الناس عن النبي) كان أروع وأصدق قتال، فقد روى البيهقي في الدلائل عن أبي الزبير عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيدہ الله, وهو يصعد في الجبل فقال النبي: "ألا أحد لهؤلاء؟ " فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: كما كنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوا رسول الله، فقال: ألا رجل لهولاء؟ فقال طلحة مثل قوله, فقال له رسول الله مثل قوله، فقال رجل من الأنصار فأنا يا رسول الله، فقاتل، وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوا رسول الله فلم يزل يقول مثل قوله الأول, وطلحة يقول: أنا يا رسول الله, فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى قتلوا جميعًا، ولم يبق مع الرسول إلا طلحة حتى غشيهم المشركون، فقال رسول الله ﷺ ، من لهولاء؟ ؟ فقال طلحة أنا. فقاتل قتال جميع من كان قبله. وقد جرح طلحة البطل (وهو يذود المشركين عن رسول الله) أكثر من سبعين جرحًا.

стр. 403

فقد روى أبو داود الطيالسي عن أم المؤمنين عائشة، قالت ... كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد قال ذاك كلمة لطلحة ثم أنشأ يحدث .. قال: كنت أول من فاء يوم أُحد فرأيت رجلًا يقاتل في سبيل الله، دون رسول الله، فقلت كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، وكابيني وبين المشركين رجل إلا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله منه وهو يخطف المشي خطفًا، لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح (١) فانتهينا إلى رسول الله وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه ودخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ عليكما صاحبكما - يريد طلحة - وقد نزف (أي من كثرة الجراحة) فأتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية، وإذا به قد قطعت أصبعه (٢) فأصلحنا من شأنه: كذلك من الذين قاتلوا (بضراوة) وجرحوا أثناء الدفاع عن رسول الله (ساعة المحنة) عبد الرحمن بن عوف، فقد ناضل عن رسول الله (ساعة الانتكاسة) حتى أصابه أكثر من عشرين جرحًا , فقد جرح في

стр. 404

فمه وأصابه العرج في إحدى رجليه، وقد زال هذا العرج من رجله عندما حمل رسول الله ﷺ ليعلوا الصخرة التي اعتصم بها بعد نجاح الانسحاب، كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. كذلك كان أبو عبيدة بن الجراح من الذين ثبتوا مع رسول الله وناضلوا عنه ساعة انهزام الناس، وأبو عبيدة هو الذي (عندما غاصت حلقتا المغفر في وجنتي رسول الله ساعة تعرضه لهجوم المشركين بعد الانتكاسة) انتزع هاتين الحلقتين من وجه الرسول بفمه، وقد سقطت ثنيتا أبي عبيدة عندما نزع بهما الحلقتين من وجنتي رسول الله ﷺ ، وذلك لتوغل الحلقتين في وجهه ﵇. يستشهد يوم زفافه وقاتل يوم أُحد في جانب رسول الله ﷺ حنظلة (١) بن أبي عامر الراهب. ووالد حنظلة أبو عامر (٢) هذا الذي قاد رفقة الخيانة من أوس المدينة الذين لجأوا إلى مكة مغاضبين لرسول الله ﷺ وقد شرفوا بالإسلام، كما فصلنا ذلك فيما مضى. ولكن أبا عامر الراهب هذا إذا كان قد مثل دور الخيانة بانضمامه إلى مشركي مكة ضد معسكر يثرب المسلم وحمل السلاح مع عصابته ضد

стр. 405

النبي وصحبه، فإن ابنه الشاب (حنظلة) قد مثل أعلى أدوار البطولة والشهامة والوفاء لدينه ونبيه. يستأذن النبي في قتل أبيه فقد استأذن حنظلة هذا رسول الله ﷺ في قتل أبيه الخائن (١)، (أبي عامر الراهب) ولكن الرسول ﷺ نهاه عن ذلك. وقد خاض هذا البطل الشاب معركة أُحد، وقتل شهيدًا ولما يمض على زواجه يوم واحد. فقد كانت ليلة المعركة، الليلة التي دخل فيها بزوجته، وهي جميلة بنت أبي بن سلول (أخت عبد الله بن أبي). كاد يقتل القائد العام وقد كاد البطل حنظلة يقتل أبا سفيان (قائد عام جيش المشركين)

стр. 406

وذلك انه التقى به في قلب المعركة، فحمل عليه حنظلة، وبعد أن عقر فرس أبي سفيان وقع أبو سفيان على الأرض فعلاه حنظله ليذبحه بسيفه، ولكن أحد مرافقي أبي سفيان من هيئة أركان حربه (وهو شداد بن الأسود الملقب بابن شعوب) سارع لإنقاذ أبي سفيان وضرب حنظلة بالسيف فقتله وهو بارك على صدر القائد العام. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر هو وأبو سفيان صخر بن حرب فعقر فرس أبي سفيان فوقع أبو سفيان على الأرض فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله .. غسيل الملائكة قال ابن كثير، وحنظلة هذا هو غسيل الملائكة المشهور، وذلك أنه ﵁ استشهد وهو جنب، فغسلته الملائكة فقد كانت معركة أُحد صبيحة زفافه، فعندما سمع داعي الجهاد ترك عروسه على عجل وحمل سلاحه فالتحق برسول الله قبل أن يغتسل من الجنابة. فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال (بعد أن استشهد حنظلة البطل): "أن صاحبكم (يعني حنظلة) لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه"؟ . فسئلت زوجته (قال الواقدي وهي جميلة بنت أبي بن سلول) وكانت عروسًا عليه تلك الليلة، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة (يعني صيحة الجهاد) فقال رسول الله ﷺ : كذلك غسلته الملائكة.

стр. 407

هيه أيها الشباب المسلم هكذا تكون التضحية في سبيل العقيدة الحقة، أيها الشباب المسلم، وليكن الشباب المسلم (الذي يهدف حقًّا إلى إعزاز دينه وأمته) على مستوى حنظلة البطل من البذل في سبيل الإسلام, الذي السير تحت لوائه (بصدق وإخلاص وتضحية) هو السبيل الوحيد لإعزاز هذه الأمة وتخليصها من ويلاتها التي أخذت بخناقها في كل بقعة من بقاع الوطن الإسلامي. فيا لها من تضحية وشهامة ورجولة ويقين .. ؟ شاب يافع خرج مسرعًا ليجيب داعي الجهاد مختارًا ليلة عرسه, فيترك عروسه التي لم يمض على التقائه بهہاأكثر من ليلة واحدة (والتي كما يقول المؤرخون تشبثت به وحاولت إقناعه بعدم الخروج كامرأة تغلبها العاطفة) فيتركها ليمضي (على عجل) ليخوض معركة طاحنة رهيبة ثم يقتل فيها راضي البال مرتاح الضمير. ألا رحمة الله على هذا الطراز من الشباب المؤمن، الذي بأمثاله (وبأمثاله فقط) تخفق البنود عالية وتشاد الدول قوية راسخة، وتشق العقائد طريقها لتصل بأصحابها إلى الأهداف الشريفة السامية. الإجازة الأبدية لقد كان بوسع هذا الشاب (لو كان من غير طرازه)، نعم لقد كان بوسعه (لو كان من طراز الشباب العقائدي الذي يشرح اليوم نواحي عقائده التقدمية على صخب كاسات الخمر وضحكات الغانيات في الحانات ويهذي عن اضطلاعه بمسؤولية تحرير الأمة وحماية الشعب .. وهل من يستوحي

стр. 408

أفكاره ويستمد شجاعته من كحول الوسكي والشمبانيا، يمكن أن تتحرر على يديه أمة أو تنتصر به عقيدة، أو تستقر في ظل سلطانه أمة؟ ؟ ). نعم لو كان الشاب المؤمن حنظلة من طراز هذا الشباب الضائع المائع المغرور (شباب الملذات) لاستطاع أن يجعل من يوم عرسه أجازة قصيرة يعفي نفسه فيها من القتال لينعم بعروسه، لا سيما أنها أول ليالي عرسه. ولكنه الإيمان الصادق بالعقيدة الصادقة (لا الجعجعة الفارغة بالوسوسة المبهمة المسماة بالعقيدة المتحررة) .. الإيمان الصادق (الذي لا تستطيع الوقوف في وجهه أية عاطفة مهما كانت لتثني صاحبه عن عزمه) هو الذي جعل حنظلة الشباب المؤمن الباسل يمضي لسبيله ويقضي نحبه شهيدًا بطلًا صادقًا، موفيًا لله بما عاهده عليه، فيظفر بأجازة أبدية يقضيها في سماء الخلود مع الصديقين والشهداء ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (١). فرحم الله غسيل الملائكة حنظلة الشهيد البطل، ورزق الله أمتنا الإسلامية شبابًا من أمثاله وعلى مستوى يقينه ورجولته. الأب يركل جثة ابنه ومن عجائب الأمور أنا أبا عامر الراهب مر بابنه الشهيد حنظلة وهو مجندل بين الشهداء فركله برجله في تشف وقسوة، وكأنه ليس ابنه.

стр. 409

فقد جاء في البداية والنهاية، أنا أبا عامر الخائن هذا مر - بعد انتهاء المعركة مع بعض قادة قريش - بابنه حنظلة البطل وهو مضرج بدمائه بين الشهداء قتيلًا، فضربه برجله في صدره، وقال له: ذنبان أصبتهما، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولًا للرحم. منقذ أبي سفيان وكان ابن شعوب الذي أنقذ أبا سفيان من سيف حنظلة، يمن دائما على أبي سفيان ويذكره بفضله عليه، ومن هذا المن ذلك الشعر الذي سار مع الركبان، والذي قاله ابن شعوب يذكر أبا سفيان ليعرف فضله عليه يوم أنقذه من سيف حنظلة البطل: ولولا دفاعي يابن حرب ومشهدي ... لأُلفيت يوم النعف (١) غير مجيب ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت (٢) ... ضباع عليه أو ضراء كليب وقد اعترف أبو سفيان بهذا الفضل لابن شعوب في شعر قوي سار مع الركبان أيضًا وهو قوله:

стр. 410

ولو شئت نجتني كميت (١) طمرّة ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مَزْجَرَ الكلب منهمو ... لدن غدوة حتى دانت لغروب ويقال أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تمثل بهذا البيت عندما تذاكر مع أصحابه قصة عزمه على الفرار يوم صفين ثم ثباته وعدوله عن هذا العزم حتى انتهت المعركة دون أن يسجل أحد الفريقين نصرًا حاسمًا على الآخر. دور المرأة في المعركة وقد كانت معركة أحد أول معركة قاتلت فيها المرأة المسلمة المشركين في الإسلام. ومن الثابت أن امرأة واحدة فقط اشتركت في هذه المعركة, فقاتلت بالسيف وقذفت بالنبل حتى أثخنتها الجراحة وهي تدافع عن رسول الله ﷺ . كما أنه من الثابت أيضًا أن المرأة التي اشتركت في معركة أحد، لم تخرج بقصد القتال فهي لم تكن مجندة فيها كالرجال. وإنما خرجت لتنظر ما يصنع الناس لتقوم بأية مساعدة يمكنها القيام بها للمسلمين كإغاثة الجرحى بالماء وما شابه ذلك. يضاف إلى هذا أن هذه المرأة التي خاضت معركة أُحد، هي امرأة قد تخطت سن الشباب، كما أنها لم تخرج إلى المعركة إلّا مع زوجها وابنيها الذين كانوا من الجند الذي قاتل في

стр. 411

المعركة (١). يضاف إلى هذا الرصيد الهائل الذي لديها من المناعة الخلقية والتربية الدينية، فلا يقاس على هذه الصحابية الجليلة مجنّدات هذا الزمان اللواتي يرتدين لباس الميدان وعنصر الإغراء والفتنة هو أهم عنصر يتميزن به ويحرصن على إظهاره للرجال فأين الثرى من الثريا؟ ؟ . كذلك رجال ذلك العصر لا يقاس عليهم أحد من رجال هذا الزمان (من ناحية الشهامة والاستقامة والعفة والرجولة). فكل المحاربين التي اشتركت معهم المرأة في معركة أُحد .. من هم؟ ؟ . أنهم صفوة الأمة الإسلامية ورمز نبلها وشهامتها وعنوان رجولتها واستقامتها، صحابة محمد بن عبد الله النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار, الذين لا يرقى إليهم الشك، ولا يمكن (مطلقًا) أن يفكر واحد منهم في ريبة. فلا يصح مطلقًا جعل اشتراك تلك المرأة في معركة أُحد قاعدة تقاس عليها (من الناحية الشرعية) إباحة تجنيد المرأة في هذا العصر لتقاتل بجانب الرجل (كعنصر أساسي من عناصر الجيش) فالقياس، في هذه الحالة قياس الفارق هو قياس باطل قطعًا.

стр. 412

المرأة التي قاتلت يوم أحد أما المرأة التي قاتلت (يوم أُحد) وناضلت عن رسول الله - ساعة الانتكاسة - نضالًا بلغ حد البطولة فهي أم عمارة نسيبة المازنية (١). خرجت هذه المرأة الصالحة في بادئ الأمر تحمل الماء على ظهرها مع زوجها وابنيها إلى المعركة، ولنترك هذه السيدة الفاضلة لتروي لنا قصة قتالها في جانب النبي يوم أحد. قالت أم سلمة بنت سعد بن الربيع دخلت على أم عمارة فقتلت لها أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراحة إلي، قالت (أي أم

стр. 413

سعد) فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور، قلت لها من أصابك هذا؟ ؟ قالت ابن قمئة أقمأه الله .. لما ولى الناس عن رسول الله أقبل يقول، دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس كانوا ممن ثبتوا مع رسول الله ﷺ ، فضربنيهذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان" (١). متى يجب القتال على المرأة ؟ ولا شك أن حديث أم عمارة هذا يدل على اشتراكها في القتال يوم أحد، إنما اضطراريا، فهي لما رأت أن رسول الله ﷺ ، أصبح في خطر (لانهزام المسلمين عنه بعد غلطة الرماة) وأصبحت هي مهددة بالسبي لخلو المكان الذي كانت فيه، من عسكر المسلمين، صار لا مناص لها من حمل السلاح، للمشاركة في الدفاع عن القائد الأعلى النبي الذي أحدق به الخطر بعد انكشاف الناس عنه واشتداد هجوم المشركين عليه ولحماية نفسها أيضًا. لا سيما أنها كانت موجودة ساعة الهزيمة في أخطر نقطة في المعركة، وهي النقطة القريبة من رسول الله ﷺ الذي صار هدفًا لموجات. متتابعة من هجمات المشركين. فأم عمارة (إذن) كانت في حالة، أصبح معها حمل السلاح واجبًا على من يقدر على حمله، رجلًا كان أم امرأة.

стр. 414

ثناء الرسول على أم عمارة وقال أصيبت أم عمارة ﵂ يوم أُحد باثني عشر جرحًا، وقد أثنى عليها رسول الله ﷺ مشيدًا ببسالتها لأنها كانت من الثابتين معه ساعة الانتكاسة. فقد روي عنه ﷺ أنه قال في حق أم عمارة: (ما التفت يمينًا وشمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني) (١). وفي السيرة الحلبية، أن نسيبة المازنية خرجت يوم أُحد مع زوجها زيد بن عاصم (٢) وابنيها حبيب, (٣) وعبد الله (٤)، وأن الرسول ﷺ قال لهم: "بارك الله فيكم أهل بيت .. قالت أم عمارة .. ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال .. اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة"، وعند ذلك قالت أم عمارة .. ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا (٥). لم تشترك امرأة غير نسيبة في القتال أما غير نسيبة المازنية من نساء المسلمين فلم يثبت أن واحدة منهن قد اشتركت في القتال يوم أُحد.

стр. 415

غير أن المؤرخين ذكروا أن بعضًا من نساء المسلمين خرجن من المدينة بعد انسحاب المشركين إلى مكان المعركة فساهمن في إغاثة الجرحى وإسعافهم بالماء غيره, ومن هؤلاء عائشة زوج النبي ﷺ ابنته فاطمة الزهراء. فقد روي البخاري عن أنس (١) ﵁ أنه قال: لقد رأيت عائشة (٢) وأم سليم (٣) , وأنهما لمشمرتان تنقزان القرب (قرب الماء). ...

стр. 416

على متونهما، تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم (١). أما فاطمة الزهراء (٢) ﵂ فقد ذكر الطبراني أنه لما انصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة لتقديم العون لهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم (٣). نساء المدينة يقمن بالإسعاف وكذلك ذكر بعض المؤرخين أن بعض نساء المسلمين كن يقمن بعملية الإسعاف ساعة احتدام المعركة، ومن هؤلاء أم أيمن (٤) حاضنة رسول الله ﷺ . فقد ذكر المؤرخون أن الطائفة المنهزمة من المسلمين لما أرادوا دخول المدينة (والرسول لم يزل يصارع في قلب المعركة) لقيتهم أم أيمن هذه

стр. 417

وجعلت تحثوا التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاك المغزل وهلم سيفك، توبيخًا لهم، وقد كانت أم أيمن هذه تقوم بإسعاف الجرحى والمعركة لا تزال مشتعلة حول الرسول ﷺ ، حتى إنها ﵂ تعرضت لنبال المشركين وهي تقوم بعملية الإسعاف. فقد جاء في الكامل لابن الأثير أن أم أيمن كانت تسقي الجرحى في الجيش، فرماها حبان (بكسر الحاء) بن العرقة بسهم فوقعت وتكشفت فأغرق عدو الله في الضحك. فشق ذلك على رسول الله ﷺ فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهمًا لا نصل له وقال: ارم به فرمى به سعد فوقع السهم في نحر حبان المشرك فوقع مستلقيًا حتى تكشف فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه (١) ثم قال: استقاد لها سعد أجاب الله دعوته (٢). يفقد عينه في المعركة وممن ثبت مع النبي ﷺ ساعة انهزام الناس عنه، قتادة بن

стр. 418

النعمان (١) , فقد ناضل عن رسول الله مع المناضلين حتى عينه أصابها سهم المشركين حتى قفزت من محجرها ووقعت على وجنته. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها (٢). فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى خرجت ووقعت على وجنته فأخذها رسول الله ﷺ بيده وردها إلى موضعها وقال: اللهم أكسه جمالًا فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا. الانسحاب المنظم ضاعف المشركون من حملاتهم على مقر النبي ﷺ بعد أن عرفوا مكانه بعده الانتكاسة, وتلاحقت هجماتهم عليه بغية التخلص منه، وقد كان خليقًا بالمشركين أن يسحقوا المسلمين سحقًا كليًّا عند انتقاض صفوفهم وانفراط عقد نظامهم، وأن يقضوا على القائد الأعلى النبي ﷺ ساعة انفراد بعد انهزم الناس عنه. ولكن ثبات الرسول ﷺ واستبسال القلة من خلصاء أصحابه الذين استماتوا في الدفاع عنه ساعة اضطراب صفوف المسلمين بعد غلطة الرماة، كان له أكبر الأثر في إحباط الهجمات التي قام بها المشركون بغية الفتك بالذات النبوية، كما كان له أكبر الأثر في إعادة تنظيم المسلمين الذين ما كادوا يسمعون بسلامة قائدهم الأعلى النبي ﷺ ويعرفون مقره حتى سارعوا

стр. 419

على التكتل حوله من جديد مما فوّت على المشركين أثمن فرصة كانت قد سنحت لهم. الرسول يشرع في الانسحاب نحو الجبل لقد كان هدف الرسول هذه المرة (وبعد أن تجمع الكثير من جنده حوله) الارتداد بجيشه إلى مواقع حصينة في جبل أُحد، لتجنيبهم خطر التطويق والإبادة من جديد. لا سيما وأن بقاءهم في المكان الذي دارت فيه المعركة يعرضهم لذلك، فهم وإن أبدوا بطولة نادرة في الاحتفاظ بمواقعهم حول نبيهم, وحمايته من هجمات المشركين السريعة الخاطفة، إلا أنهم مهددون (مع نبيهم) بالتطويق من جديد، وخاصة إذا تجمعت حولهم كل القوى القرشية التي كان الكثير منها لم ينضم إلى القوة التي كانت تهاجم الرسول ﷺ والذين تجمعوا حوله وهذا هو الذي جعل الرسول ﷺ يسارع بالانسحاب نحو الجبل، بعد أن تجمع حوله من أصحابه قوة كانت كافية لحماية النبي ﷺ ومن معه أثناء هذا الانسحاب. نجاح الانسحاب وإشاعة مقتل النبي ومما ساعد في تسهيل انسحاب المسلمين إلى مواقع حصينة في الجبل دونما خسارة تذكر هو أن كثيرًا من المشركين صدّقوا نبأ مصرع النبي الذي أعلنه ابن قمئة الذي قتل مصعب بن عمير فظنه الرسول ﷺ فنادى لقد قتلت قتلت محمدًا. فكثير من هؤلاء المشركين (ومنهم القائد العام أبو سفيان) ظنوا أن محمدًا ﷺ قد قتل، ولذلك كف الكثير منهم عن القتال ظنًّا منهم أن هزيمة المسلمين كانت ساحقة لا قومة لهم بعدها، فأخلد الكثير منهم إلى الراحة وانشغل البعض بالتمثيل بقتلى المسلمين.

стр. 420

قال العصامي .. واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله ﷺ (١). ولقد اغتنم الرسول ﷺ فرصة تصديق بعض المشركين إشاعة مقتله فسارع بالارتداد نحو الجبل بمن معه من الصحابة الذين سارعوا إلى التجمع حوله. وقد كان ﷺ حريصًا على أن لا يعرف المشركون مكانه (حينذاك) ولا أدل على ذلك من أن كعب بن مالك (٢)، لما عرفه بعد إشاعة مقتله صاح بأعلى صوته، يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه ﷺ بأن يسكت لئلا يزداد عدد الذين يعرفون مكانه من المشركين. وبالرغم من أن المشركين سمعوا صيحة كعب بن مالك فإن أكثرهم لم يصدقها ظنًّا منهم أنها صيحة إنما أريد بها شد عزائم المسلمين الذين ألقى البعض منهم سلاحه لإشاعة مقتل النبي. انسحاب المسلمين ليس انسحاب المنهزم واصل الرسول ﷺ انسحابه عبر الشعب نحو الجبل تحت حماية قوة منظمة من خلصاء أصحابه، وكان هذا الانسحاب ليس بانسحاب المنهزم الذي لا يلوى على شيء ولا يقاتل ساعة الانسحاب. بل كان انسحاب الرسول هذا انسحابًا منظمًا جرى (في حالة استعداد وتعبئة وانتظام) من الذين قاموا به وأشرفوا على تنفيذه. فقد ظل الذين قاموا بهذا الانسحاب المنظم (وعلى رأسهم الرسول القائد) يقاتلون بثبات وقوة أثناء قيامهم بهذا الانسحاب حتى وصلوا إلى المكان الذي حدده القائد الأعلى الرسول من الجبل للاعتصام به والتحصن فيه.

стр. 421

ضراوة القتال أثناء الانسحاب ولقد اشتد المشركون في مطاردتهم وضاعفوا من هجومهم بغية الفتك بالرسول القائد ﷺ منذ ما شرع في الارتداد بجيشه نحو الجبل. فكرّ أحد فرسان المشركين (وهو عثمان بن عبد الله بن المغيرة) وأركض فرسه نحو رسول الله ﷺ قاصدًا الفتك به، وهو يقول: لا نجوت إن نجا, (يعني النبي). فوقف الرسول واستعد لمواجهته، ولكن الفرس أثناء ركضها عثرت به في بعض الحفر، فسارع إليه أحد حرس الرسول الأقوياء (وهو الحارث بن الصمة) (١) لمنازلته، وبعد مصادمة طويلة جرت بينهما بالسيف ضربه الحارث على رجله فأقعده ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه ثم التحق بالرسول ﷺ ، فقال النبي ﵊: الحمد لله الذي أحانه (أي أهلكه). ثم تزايد هجوم المشركين لعرقلة انسحاب المسلمين وتسابق فرسان مكة لقتل النبي ﷺ وهو لما يزل في بطن الشعب، وانقض أحد فرسان مكة (وهو عبيد الله بن جابر العامري) على الحارث بن الصمة فضربه بالسيف على عاتقه وأصابه بجرح بليغ مما أجبر المسلمين على إسعافه وحمله. ولكن أبا دجانة البطل المشهور عطف على الفارس القرشي (عبيد الله العامري) وضربه بسيفه ضربة أطارت رأسه وأراح المسلمين من شره. الشقي الذي قتله الرسول بيده ثم أقبل الشقي (أُبيّ بن خلف (٢) الجمحي) يركض فرسه (في غطرسة جاهلية) نحو الرسول يريد الفتك به وهو يقول .. أين محمد؟

стр. 422

لا نجوت إن نجا، فوقف له النبي ﷺ ثم أرداه قتيلًا بحربة قذفه بها قبل أن يقترب منه، فكأن أبي، الشقي هذا، الإنسان الوحيد الذي قتله الرسول ﷺ بيده الكريمة. قال ابن إسحاق .. فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركهـ أبي بن خلف وهو يقول، أين محمد لا نجوت إن نجا. فقال القوم (أي الحرس المحيطون بالرسول): يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ ؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فلما دنا تناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فلما أخذها ﷺ انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء (١) عن ظهر البعير إذ انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه (أي تقلب من شدة دفع الحربة وجعل يتدحرج) وقد مات رأس الكفر هذا من الطعنة النبوية التي أصابته. وكان أبي بن خلف الشقي هذا شديد العداوة لرسول الله ﷺ وكان يؤذيه بمكة قبل الهجرة ويهدده بالقتل. قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول .. يا محمد إن عندي العوذ، فرسًا أعلفه كل يوم فرقا (٢) من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله ﷺ ، بل أنا أقتلك إن شاء الله. ولهذا فإن (أُبي بن خلف) لما رجع إلى قومه وقد خدشه الرسول بالحربة خدشًا غير كبير، قال .. قتلني والله محمد .. قالوا له، ذهب والله

стр. 423

فؤادك، والله إنْ بك من بأس (أي ما بك من بأس) قال .. إنه قد كان قال لي بمكة .. أنا أقتلك، فهو الله لو بصق عليّ لقتلني، فمات عدو الله بسَرِف (١) متأثرًا بالجرح الذي أصابه الرسول ﷺ . اعتصام المسلمين بالجبل وهكذا نجح المسلمون في انسحابهم المنظم، وقطعوا الشعب نحو هضاب جبل أحد بعد اشتباكات متعددة تغلبوا فيها على خيالة المشركين الذين قاموا بمحاولات يائسة لإعاقة هذا الانسحاب وقتل الرسول ﷺ ، ثم وصل المسلمون إلى هضبة عالية من هضاب جبل أحد، وجعلوا منها خط دفاع حصين تحدوا منه كل المحاولات التي قام بها المشركون لسحقهم أو تشتيتهم من جديد. والفضل في نجاح هذا الانسحاب الذي به نجا من خطر الإبادة تسعون في المائة من قوات المسلمين الذين بعثرتهم النكسة التي تسبب فيها تمرد الرماة على قائدهم في الجبل ... الفضل يعود في نجاح هذا الانسحاب (في الدرجة الأولى) إلى الموقع الذي اختاره (الرسول القائد العظيم) معسكرًا لجيشه ومقرًا لقيادته قبل المعركة وهو فم الشعب من أحد الذي تكتنفه من الخلف هضاب هذا الجبل التي أصبحت (بعد النكسة) حصونًا منيعة اعتصم بها المسلمون وصدوا منها كل الهجمات اليائسة التي قام بها المشركون.

стр. 424

[صورة] جانب من الصخرة العظيمة التي اعتصم بها الرسول ﷺ بعد الانتكاسة، وقد ظهر أسفل منها الطريق الذي سلكه الرسول في الشعب ساعة الانسحاب إلى الجبل، وقد أخذنا هذه الصورة من على قمة جبل أحد، وقد ظهر على بعد حيث السهم مجرى وادي قناة الذي دارت فيه المعركة. كاد المسلمون يقتلون النبي ﷺ ويدل سير حوادث المعركة على أن بعض المسلمين الذين لم يعلموا بنجاة الرسول ﷺ من القتل، قد سبقوا النبي إلى الهضبة التي قرر الاعتصام بها عندما انسحب من الميدان، وهم لا يعرفون مصيره بعد النكسة التي انعزل لها المسلمون بعضهم عن بعض. وفي تلك الظروف العصيبة حاول أحد هؤلاء المسلمين الذين اعتصموا

стр. 425

بالجبل قبل وصول النبي إليه .. حاول قتل النبي ﷺ وهو في مقدمة أصحابه صاعدًا نحو الجبل، ظنًّا منه أن الرسول والصاعدين معه في الجبل، هم من الأعداء الذين جاءوا لمطاردة المسلمين. ك اد يكون أشأم سهم في الدنيا فقد وضع هذا الرجل المسلم سهمًا في قوسه وصوبه نحو الرسول ﷺ لإطلاقه عليه، وكاد السهم ينطلق إلى صدر الذات المحمدية الشريفة، لولا أن الرسول ﷺ لحظ ذلك، فصاح (وقد عرف أن المتهيئ للرمي من المسلمين): أنا رسول الله. فنزع الرجل السهم من قوسه وفرح ومن معه في الصخرة بالرسول ﷺ ووصوله إليهم سالمًا، ويعلم الله كيف كانت حال هذا الرجل المسلم الذي كاد يقتل بسهمه سيد الأولين والآخرين؟ . لا شك أن أسعد لحظة في حياته، هي تلك اللحظة التي نزع فيها سهمه من وتر القوس الذي كاد يكون أشأم قوس في الدنيا لو انطلق السهم منه نحو سيد البشر ﷺ . واصل الرسول ﷺ صعوده في الجبل حتى وصل إلى المكان الذي قرر التمركز فيه والاعتصام به، وهو مكان حصين (يشبه الصخرة العظيمة) في الناحية الشرقية من الشعب.
следующие страницы →