← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ضراوة القتال أثناء الانسحاب ولقد اشتد المشركون في مطاردتهم وضاعفوا من هجومهم بغية الفتك بالرسول القائد ﷺ منذ ما شرع في الارتداد بجيشه نحو الجبل. فكرّ أحد فرسان المشركين (وهو عثمان بن عبد الله بن المغيرة) وأركض فرسه نحو رسول الله ﷺ قاصدًا الفتك به، وهو يقول: لا نجوت إن نجا, (يعني النبي). فوقف الرسول واستعد لمواجهته، ولكن الفرس أثناء ركضها عثرت به في بعض الحفر، فسارع إليه أحد حرس الرسول الأقوياء (وهو الحارث بن الصمة) (١) لمنازلته، وبعد مصادمة طويلة جرت بينهما بالسيف ضربه الحارث على رجله فأقعده ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه ثم التحق بالرسول ﷺ ، فقال النبي ﵊: الحمد لله الذي أحانه (أي أهلكه). ثم تزايد هجوم المشركين لعرقلة انسحاب المسلمين وتسابق فرسان مكة لقتل النبي ﷺ وهو لما يزل في بطن الشعب، وانقض أحد فرسان مكة (وهو عبيد الله بن جابر العامري) على الحارث بن الصمة فضربه بالسيف على عاتقه وأصابه بجرح بليغ مما أجبر المسلمين على إسعافه وحمله. ولكن أبا دجانة البطل المشهور عطف على الفارس القرشي (عبيد الله العامري) وضربه بسيفه ضربة أطارت رأسه وأراح المسلمين من شره. الشقي الذي قتله الرسول بيده ثم أقبل الشقي (أُبيّ بن خلف (٢) الجمحي) يركض فرسه (في غطرسة جاهلية) نحو الرسول يريد الفتك به وهو يقول .. أين محمد؟

стр. 422

لا نجوت إن نجا، فوقف له النبي ﷺ ثم أرداه قتيلًا بحربة قذفه بها قبل أن يقترب منه، فكأن أبي، الشقي هذا، الإنسان الوحيد الذي قتله الرسول ﷺ بيده الكريمة. قال ابن إسحاق .. فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركهـ أبي بن خلف وهو يقول، أين محمد لا نجوت إن نجا. فقال القوم (أي الحرس المحيطون بالرسول): يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ ؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فلما دنا تناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فلما أخذها ﷺ انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء (١) عن ظهر البعير إذ انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه (أي تقلب من شدة دفع الحربة وجعل يتدحرج) وقد مات رأس الكفر هذا من الطعنة النبوية التي أصابته. وكان أبي بن خلف الشقي هذا شديد العداوة لرسول الله ﷺ وكان يؤذيه بمكة قبل الهجرة ويهدده بالقتل. قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول .. يا محمد إن عندي العوذ، فرسًا أعلفه كل يوم فرقا (٢) من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله ﷺ ، بل أنا أقتلك إن شاء الله. ولهذا فإن (أُبي بن خلف) لما رجع إلى قومه وقد خدشه الرسول بالحربة خدشًا غير كبير، قال .. قتلني والله محمد .. قالوا له، ذهب والله

стр. 423

فؤادك، والله إنْ بك من بأس (أي ما بك من بأس) قال .. إنه قد كان قال لي بمكة .. أنا أقتلك، فهو الله لو بصق عليّ لقتلني، فمات عدو الله بسَرِف (١) متأثرًا بالجرح الذي أصابه الرسول ﷺ . اعتصام المسلمين بالجبل وهكذا نجح المسلمون في انسحابهم المنظم، وقطعوا الشعب نحو هضاب جبل أحد بعد اشتباكات متعددة تغلبوا فيها على خيالة المشركين الذين قاموا بمحاولات يائسة لإعاقة هذا الانسحاب وقتل الرسول ﷺ ، ثم وصل المسلمون إلى هضبة عالية من هضاب جبل أحد، وجعلوا منها خط دفاع حصين تحدوا منه كل المحاولات التي قام بها المشركون لسحقهم أو تشتيتهم من جديد. والفضل في نجاح هذا الانسحاب الذي به نجا من خطر الإبادة تسعون في المائة من قوات المسلمين الذين بعثرتهم النكسة التي تسبب فيها تمرد الرماة على قائدهم في الجبل ... الفضل يعود في نجاح هذا الانسحاب (في الدرجة الأولى) إلى الموقع الذي اختاره (الرسول القائد العظيم) معسكرًا لجيشه ومقرًا لقيادته قبل المعركة وهو فم الشعب من أحد الذي تكتنفه من الخلف هضاب هذا الجبل التي أصبحت (بعد النكسة) حصونًا منيعة اعتصم بها المسلمون وصدوا منها كل الهجمات اليائسة التي قام بها المشركون.

стр. 424

[صورة] جانب من الصخرة العظيمة التي اعتصم بها الرسول ﷺ بعد الانتكاسة، وقد ظهر أسفل منها الطريق الذي سلكه الرسول في الشعب ساعة الانسحاب إلى الجبل، وقد أخذنا هذه الصورة من على قمة جبل أحد، وقد ظهر على بعد حيث السهم مجرى وادي قناة الذي دارت فيه المعركة. كاد المسلمون يقتلون النبي ﷺ ويدل سير حوادث المعركة على أن بعض المسلمين الذين لم يعلموا بنجاة الرسول ﷺ من القتل، قد سبقوا النبي إلى الهضبة التي قرر الاعتصام بها عندما انسحب من الميدان، وهم لا يعرفون مصيره بعد النكسة التي انعزل لها المسلمون بعضهم عن بعض. وفي تلك الظروف العصيبة حاول أحد هؤلاء المسلمين الذين اعتصموا

стр. 425

بالجبل قبل وصول النبي إليه .. حاول قتل النبي ﷺ وهو في مقدمة أصحابه صاعدًا نحو الجبل، ظنًّا منه أن الرسول والصاعدين معه في الجبل، هم من الأعداء الذين جاءوا لمطاردة المسلمين. ك اد يكون أشأم سهم في الدنيا فقد وضع هذا الرجل المسلم سهمًا في قوسه وصوبه نحو الرسول ﷺ لإطلاقه عليه، وكاد السهم ينطلق إلى صدر الذات المحمدية الشريفة، لولا أن الرسول ﷺ لحظ ذلك، فصاح (وقد عرف أن المتهيئ للرمي من المسلمين): أنا رسول الله. فنزع الرجل السهم من قوسه وفرح ومن معه في الصخرة بالرسول ﷺ ووصوله إليهم سالمًا، ويعلم الله كيف كانت حال هذا الرجل المسلم الذي كاد يقتل بسهمه سيد الأولين والآخرين؟ . لا شك أن أسعد لحظة في حياته، هي تلك اللحظة التي نزع فيها سهمه من وتر القوس الذي كاد يكون أشأم قوس في الدنيا لو انطلق السهم منه نحو سيد البشر ﷺ . واصل الرسول ﷺ صعوده في الجبل حتى وصل إلى المكان الذي قرر التمركز فيه والاعتصام به، وهو مكان حصين (يشبه الصخرة العظيمة) في الناحية الشرقية من الشعب.

стр. 426

تأثير الجراح على قوة الرسول ويظهر أن الجراحة التي أصيب بها النبي ﷺ أثناء صراعه مع المشركين بعد النكسة، قد أثرت عليه وأن هذه الجراح قد سببت له ضعفًا في قوته الجسمية. ودليل ذلك أنه عندما أراد ارتقاء الصخرة لم يستطع إلا بعد أن جلس تحته طلحة بن عبيد الله، الذي نهض به حتى استوى عليها. قال ابن إسحاق، ونهض رسول الله ﷺ إلى الصخرة من الجبل ليعلوها - وكان قد بدّن - (١) وظاهر بين درعين (٢) فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله حتى استوى عليها (٣). فكان ثواب طلحة على هذا العمل الجليل الجنة، فقد روى ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال "بعد أن حمله طلحة إلى الصخرة": أوجب طلحة (أي وجبت له الجنة). كما أن نهوض طلحة بالنبي كان بركة عليه، إذ تسبب ذلك في علاج إحدى رجلي طلحة من العرج الذي أصابها أثناء دفاعه عن النبي ﷺ بعد النكسة، وذلك أن طلحة عندما حمل النبي ﷺ ، تكلف استقامة المشي لئلا يشق على النبي ﷺ فاستوت رجله العرجاء لهذا التكلف فشفي من العرج، ويظهر أن سبب العرج الذي أصاب طلحة انفراط في الورك، وهذا

стр. 427

الانفراط يسبب قصرًا في الرجل، ولا يزول هذا إلا بعد عودة ما انفرط إلى مكانه، وهذا لا يعود إلى مكانه إلا بعملية شد عنيفة تعيد العضو المفروط إلى مكانه، ولكن تكلف استقامة المشي ناب عن هذه العملية فعادت الورك إلى حالتها الطبيعية. تجمع المسلمين في الجبل وبعد أن وصل الرسول إلى المثابة المقصودة من الجبل أخذ المسلمون المشتتون هنا وهناك يتوافدون عليه ويتجمعون حوله، وبهذا أخذت حالة المسلمين في التحسن وأخذت قوتهم تتزايد من جديد، بعد أن أصبحوا في مركز حصين صدوا منه جميع المحاولات التي قام بها مشركو مكة لتطويقهم أو (تشتيتهم من جديد)، ذلك أن الرسول تحصن بالمسلمين في شرف عال من الجبل يشبه الصخرة العظيمة الممتنعة، فأصبح لذلك من الصعب وصول المشركين إليه، بل صار مجرد اقتراب المشركين من مقر قيادة الرسول الجديدة في الجبل يعرضهم لسهام المسلمين الذين أصبحوا (بعد انسحابهم) في مكان يشرف (تمامًا) على جيش المشركين الذي تجمع الكثير منه تحت المسلمين في فم الشعب من أُحد. طلب الرسول للماء وقد أصاب النبي ﷺ عطش شديد أثناء الانسحاب، فطلب الماء، فذهب علي بن أبي طالب - وهم في الشعب أثناء الانسحاب - إلى المهراس (١) فملأ درقته ماء فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه فوجد

стр. 428

له ريحًا فلم يشرب منه، ولكنه غسل به عن وجهه الدم الذي سال عليه نتيجة الجراح التي أصابته ساعة هجوم المشركين عليه وهو منفرد، وصب على رأسه وهو يقول: (اشتد غضب الله على من دمّى وجه نبيه (١) وعندما لم يستسغ الرسول شرب الماء الذي جاء به علي بن أبي طالب، ذهب محمد بن مسلمة الأنصاري (٢) إلى مكان آخر للماء فجاء بماء عذب فشرب منه النبي ﷺ ودعا لابن مسلمة بخير (٣). ويظهر أن محمد بن مسلمة طلب الماء للرسول وجاءه به بعد أن استقر في مكانه من الجبل بعد الانسحاب. آخر هجوم يقوم به المشركون وبعد أن تمركز المسلمون في هضاب جبل أحد حاول المشركون القيام بالهجوم عليهم عدة مرات، ولكن جميع هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح، فقد شن المسلمون (وهم في معتصمهم بالجبل) هجمات مضادة على المشركين ردوهم بها على أعقابهم مما جعلهم يفقدون الأمل في النيل من المسلمين من جديد. وكانت آخر محاولة قام بها جيش مكة لضرب المسلمين في مواقعهم في الجبل هي تلك المحاولة التي قامت بها كتيبة من فرسان مكة. اقتحمت الجبل (ناحية الرسول) بقيادة القائد العام أبي سفيان وخالد بن الوليد بغية ضرب المسلمين في مقرهم الرئيسي حيث عسكر الرسول ﷺ .

стр. 429

وفعلًا وصلت كتيبة الخيالة في هجومها إلى نقطة في الجبل لا تبعد كثيرًا عن مقر قيادة الرسول ﷺ ولكن المسلمين (بقيادة عمر بن الخطاب) (١) شنوا على خيل أبي سفيان هجومًا مضادًا فقاتلوهم حتى أجبروهم على الانحساب والهبوط إلى الوادي. خسارة قريش في هجومها الفاشل الأخير قال ابن الأثير في الكامل، وصعد أبو سفيان ومعه جماعة من المشركين في الجبل (قال ابن إسحاق إنهم من الخيالة وفيهم خالد بن الوليد) فقال رسول الله ﷺ : ليس لهم أن يعلونا، فقاتلهم عمر بن الخطاب وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوهم. وقد تكبد المشركون في هذا الهجوم الفاشل ثلاثة من القتلى كلهم صرعوا بنبال الرامي الشهور سعد بن أبي وقاص. ففي مغازي الأموي: أن المشركين صعدوا الجبل، فقال رسول الله لسعد: أَجبنهم - يقول ارددهم - فقال كيف أجبنهم وحدي؟ قال ذلك ثلاثًا - فأخذ سعد سهمًا من كنانته فرمى به رجلًا فقتله، قال ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتله، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتله، فهبطوا من مكانهم (٢).

стр. 430

النبي يصلي قاعدًا من تأثير الجراح وقد أدى النبي ﷺ فريضة الصلاة يوم أحد وهو قاعد لأنه لم يتمكن من أداء الصلاة قائمًا وذلك لشدة تأثير الجراح التي أصيب بها في المعركة. وقد صلى الجيش خلفه كلهم قعودًا، المجروح منهم وغير المجروح. إنهاء القتال وبفشل المحاولة اليائسة الأخيرة التي قام بها أبو سفيان بنفسه للهجوم على المسلمين (بعد اعتصامهم بهضاب جبل أحد) يئست قريش من المسلمين، وتأكد لدى قادتها أن المسلمين أمنع من أن ينالوا منهم شيئًا من جديد بعد أن أعادوا تنظيمهم والتفوا حول قائدهم الأعلى النبي ﷺ في تلك المواقع الحصينة. يضاف إلى هذا أن الإعياء والتعب قد بلغ من الجيش المكي مبلغًا عظيمًا، لا سيما أن هذا الجيش قد تلقى من جند الإسلام في الصفحة الأولى من المعركة ضربات موجعة مزلزلة، كان لها أبلغ الأثر في إدخال الرعب والفزع إلى قلوب جند مكة الذين أباد المسلمون (في لحظات خاطفة) جميع أفراد فصيلة لوائهم حتى مرغوه في التراب، ثم أنزلوا بجيش مكة (في هجوم خاطف مذهل عارم) هزيمة كادت تكون ساحقة لولا غلطة الرماة غفر الله لهم. وهكذا وبعد أن يئس قادة قريش من المسلمين، قرر أبو سفيان إنهاء القتال، وأعطى الأوامر إلى جنده بالاستعداد للرحيل، وبهذا وضعت الحرب أوزارها، وانتهت العمليات العسكرية في منطقة أُحد.

стр. 431

تشويه جثة سيد الشهداء وبعد أن قرر أبو سفيان إنهاء القتال أخذ المشركون في التهيؤ للرحيل وانصرفوا إلى ساحة المعركة يتفقدون قتلاهم، كما انشغل فريق بإرواء ظمئهم الجاهلي وإشفاء حقدهم الوثني بالتمثيل بشهداء المسلمين وتشويه جثثهم تشويهًا فظيعًا. حيث بقروا البطون وانتزعوا الأحشاء منها بأيديهم، وجدعوا الأنوف وقطعوا الأذان، بل لقد قطعوا الأعضاء الحساسة التناسلية من بعض الشهداء (١). وكان سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ أكثر الشهداء تعرضًا لوحشية التشويه والتمثيل، وبربرية الانتقام. لأنه ﵁ كان عنده أكثر من ثأر لسادات قريش، فقد قتل يوم بدر (بالاشتراك مع ابن أخيه علي بن أبي طالب) سيدي قريش عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة - أخا هند بنت عتبة - وكلهم من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. ولهذا كانت هند بنت عتبة من أشد الناس غيظًا وحنقًا على حمزة بن عبد المطلب، وكانت قد حضرت مع زوجها القائد العام أبي سفيان فيمن حضر من نساء قادة مكة لتحريض الجيش على قتال المسلمين.

стр. 432

وكانت قد علمت هذه المرأة العنيدة أن جبير بن مطعم (١) قد وعد عبده وحشيًّا العتق إن هو قتل حمزة، فكانت كلما مرت بهذا العبد الحبشي تشجعه ليفي بوعده لسيده جبير، وتوعده المكافأة السخية إن هو تمكن من قتل حمزة. ك بد حمزة تقضمها هند فلما انتهت المعركة جاء العبد وحشي إلى هند بنت عتبة (بعد اغتيال سيد الشهداء حمزة) وقال لها: ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ ؟ . فقالت سلبي ... فأكد لها بأنه قد اغتال حمزة. فأعطته ثيابها وحليها، ووعدته أنها إذا وصلت مكة ستدفع له مكافأة نقدية ذهبية كبيرة، ثم قادها العبد القاتل المغتال، إلى حيث صرع أسد الله وأسد رسوله، فعمدت (في وحشية وقسوة) إلى بطن حمزة فبقرتها ثم انتزعت كبده وأخذت تتشفى بالنظر إليها والدم ينساب من بين أصابعها التي أرعشها الغيظ الجاهلي والحنق الوثني، وكانت هند نذرت (في الجاهلية) إن قدرت على حمزة لتأكلن من كبده، ولذلك قضمتها وأخذت تلوكها لتبتلعها ولكنها لم تستسغها فلفظتها (٢). ويقول بعض المؤرخين إن هندا انتزعت أحشاء الشهيد حمزة وجعلت

стр. 433

منها إكليلًا وقطعت أذنيه وجدعت أنفه ثم جعلت ذلك كالسوار في يدها وقلائد في عنقها واستمرت كذلك حتى قدمت مكة (١). وهذا عمل يمثل أحط أنواع الوحشية والهمجية والقسوة، ولا يستبعد صوره من امرأة موتورة كانت تدين دين الجاهلية. قال ابن إسحاق .. ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدمًا (أي خلاخيل). وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيًّا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها فلفظتها (٢). هند تفتخر شعرًا ولقد استفز هند ما حققته غلطة الرماة لزوجها القائد العام أبي سفيان من نصر تعبوي على المسلمين فارتقت صخرة قريبة من المسلمين وصرخت بأعلى صوتها تخاطبهم شعرا متشفية قائلة: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان من عتبة (٣) لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشيّ عليّ عمرى ... حتى ترم أعظمي في قبري

стр. 434

فأجابتها (من جانب المسلمين) هند بنت أُثاثة بن عباد بن المطلب (١) شعرًا وعلى الروى نفسه: خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وَقّاع عظيم الكفر صبّحك الله غداة الفجر ... ملهًا شميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري إذ رام شيب (٢) وأبوك غدرى ... فخضبًا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشر نذر ويحك اكتمها عني وبينما كان بعض الرجال من المشركين يمثلون بالشهداء، كان القائد العام (أبو سفيان) يتجول في ميدان المعركة ومعه كبار قادة الجيش المكي، لمعرفة عدد القتلى من الفريقين والتعرف عليهم وبينما هو يتجول كذلك إذ مر بجثمان سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب) وكان أبو سفيان - كزوجه) موتورًا منه، فوضع زج الرمح في شدقه وأخذ يضربه وهو يقول ذق عقق (٣). وكان التمثيل بالقتلى وتشويه جثث الأعداء (حتى في الجاهلية) أمرًا يعيبه العرب ويستهجنونه، ولذلك فإن سيد الأحابيش (٤) (الحليس

стр. 435

ابن زبان بن عبد مناة) (١) لما رأى أبا سفيان يضع زج الرمح (٢) في شدق حمزة استنكر فعله ونادى غاضبًا: يا بني كنانة، هذا سيد قريش (يعني أبا سفيان) يصنع بابن عمه (٣) ما ترون لحمًا (أي ميتًا لا يقدر على الانتصار) فخجل أبو سفيان وقال لسيد الأحابيش (ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة).

стр. 436

الفصل السادس * انتهاء المعركة - انسحاب الجيش المكي. * النبي يتفقد الضحايا - مخلفات المعركة. * دفن الشهداء. وبعد أن شفى المشركون غليلهم بالتمثيل بجثث شهداء الإسلام، وعرفوا مبلغ خسارة الفريقين من القتلى قرروا الانصراف فأصدر القائد أبو سفيان أوامره بذلك إلى الجيش فتجهز. وقبل أن ينصرف أبو سفيان بجيش مكة من أحد صعد إلى جبل قريب من المسلمين وأشرف منه (ليفتخر على المسلمين، ويبدى لهم اغتباطه بما أصابهم في المعركة). فقد صرخ بأعلى صوته من على الجبل (يخاطب نفسه في زهو جاهلي) أنعمت فعال (بفتح تاء أنعمت) وهي كلمة يقولها الرجل منهم إذا أراد الافتخار بعمله. ثم نادى يخاطب المسلمين قائلًا: الحرب سجال، يوم بيوم، يوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء ويوم نسر، ثم قال: أُعل هبل (أي أظهر دينك). و(هبل) (صنم قريش الأكبر). فلما قال أبو سفيان ذلك، أمر النبي ﷺ عمر بن الخطاب بأن يجيبه قائلًا:

стр. 437

قم يا عمر فأجابه، فقل ... الله أعلى وأجل، لا سوى، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجابه ابن الخطاب هكذا، قال أبو سفيان: العزى لنا ولا عزى لكم. فأجابه المسلمون (حسب أمر النبي). الله مولانا ولا مولى لكم. أبو سفيان لا يعلم حقيقة مصير الرسول وكان أبو سفيان (حتى أن وضعت الحرب أوزارها) على غير علم تام بحقيقة مصير النبي ﷺ وكبار هيئة أركان حربه بعد الانتكاسة، وكان في شك من خبر مقتل النبي ﷺ الذي أشاعه ابن قمئة بين جند مكة. ولهذا لما أشرف على الجبل (قبل انصرافه بقليل) نادى المسلمين بأعلى صوته (ليتأكد من الحقيقة): أفيكم محمد؟ ؟ فلم يجييوه، فنادى: أفيكم ابن أبي قحافة (يعني أبا بكر الصديق)؟ ؟ فلم يجيبوه، فنادى: ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم (١).

стр. 438

ولما لم يجبه أحد على نداءاته، التفت إلى كبار قادة جيشه من المشركين المحيطين به وقال لهم (في غطرسة مؤكدًا مقتل النبي وصاحبيه) أما هؤلاء فقد كفيتموه. أبو سفيان يقابل ابن الخطاب ولكن عمر بن الخطاب ﵁ عند سماع ما قاله أبو سفيان لم يملك نفسه أن قال: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوؤك (١) فلما سمع أبو سفيان صوت عمر طلب مقابلته وقال .. هلم إلي يا عمر. ولما علم الرسول برغبة أبي سفيان في مقابلة عمر، قال له (ائته فانظر ما شأنه؟ (٢). فذهب إليه عمر (بالرغم من حالة الحرب القائمة بينهم) فلما التقيا، قال أبو سفيان، أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ ؟ . قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. فقال أبو سفيان لعمر أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر. وكان ابن قمئة هو الذي زعم للمشركين بأنه قد قتل النبي، وذلك أنه قتل مصعب بن عمير (٣) وكان أشبه برسول الله، وخاصة إذا لبس السلاح.

стр. 439

أبو سفيان يعتذر للمسلمين عن المثلة وقد اعتذر أبو سفيان للمسلمين (كقائد مسئول) عما تعرضت له جثث شهدائهم من التشويه والمثلة على أيدي بعض المشركين، وأبلغهم اعتذاره هذا وهو على رأس الجبل قائلًا: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة (١)، ولم آمر بها ولم تسرني. ولما أراد أبو سفيان الانصراف بجيشه واعد المسلمين على التلاقي في بدر على أن يكون في العام التالي للسنة التي حدثت فيها معركة أحد، فوافقه المسلمون على ذلك، وكان هذا التواعد آخر حديث يوجهه أبو سفيان إلى المسلمين من على رأس الجبل بعد معركة أحد. الجيش المكي ينسحب قال ابن إسحاق .. ولما انصرف أبو سفيان نادى، إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد. وبعد هذا مباشرة هبط أبو سفيان من الجبل وانسحب بجيشه إلى مكة. وبهذا اختتم آخر فصل من فصول معركة أحد الرهيبة الدامية التي امتحن الله فيها المسلمين وميزت شدائدها ونكباتها الطيب من الخبيث:

стр. 440

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). مراقبة تحركات العدو وبعد أن تحرك جيش مكة وأخذ في الانسحاب من نقطة أحد انتدب الرسول ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ليقوم بعملية الاستكشاف وأمره بأن يتعقب جيش مكة ويراقب حركاته وإلى أين يتجه. أيتجه إلى المدينة (التي لا تبعد عن مكان المعركة أكثر من ميلين لمهاجمتها أم يتجه إلى مكة؟ وقد أكد الرسول (كقائد خبير مطلع) لهيئة أركان حربه، بأن المشركين، إن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهم يريدون مهاجمة المدينة وإن جنبوا الخيل وركبوا الجمال، فهم عازمون على الانسحاب إلى مكة رأسًا. ثم أبلغ جيشه بأنه مصمم على منازلة الجيش المكي، والحيلولة بينه وبين احتلال المدينة إن هو اعتزم ذلك. غير أن علي بن أبي طالب - بعد أن قام بعمليته الاستكشافية - رجع وأخبر الرسول ﷺ أن المشركين جنبوا الخيل وركبوا الإبل، واتجهوا إلى مكة. قال ابن إسحاق .. ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁، فقال "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وما يريدون؟ ؟ .

стр. 441

فإن كانوا جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) (١). قال علي: فخرجت في آثارهم، انظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة. لماذا لم يهاجم أبو سفيان المدينة ؟ كانت المدينة (عند انسحاب الجيش المكي من مكان المعركة) مفتوحة تمامًا، لأنها خالية من الجيش الإسلامي الذي لا زال (في تلك الساعة) في مكان المعركة، فلم يكن بالمدينة سوى النساء والأطفال ومن لا قدرة لهم على القتال من العجزة ساعة انسحاب المشركين. فكانت الفرصة مواتية لأن يهاجم أبو سفيان بجيشه المنتصر المدينة لاحتلالها، والأخذ بعض الغنائم منها واقتياد بعض الأسرى حيث فاته ذلك في معركة أُحد .. ولا شك أن أبا سفيان وقادة جيشه قد فكروا في اغتنام هذه الفرصة ومهاجمة المدينة فيها لاسيما وأنها كانت مكشوفة تمامًا وخالية من الجيش الإسلامي، ولكن الذي حدث خلاف ذلك وهو أن جيش مكة قد سارع بالانسحاب من مكان المعركة صوب مكة رأسًا، دون أن يوانس في نفسه الشجاعة لاحتلال المدينة أو حتى مجرد التعرض لها مع أنها كانت على قيد المدينة وتقرر الانسحاب رأسًا إلى مكة، مع سنوح تلك الفرصة الذهبية لها؟

стр. 442

السبب الحقيقي والحقيقة أن المشركين (من الناحية الواقعية) محقون كل الحق في عدم توريط جيشهم بالهجوم على المدينة وأن القائد العام أبا سفيان لم يرتكب أي خطأ من الناحية العسكرية ولم يجانب الصواب عندما صرف النظر عن مهاجمة المدينة، كما يتراءى للبعض (من الوجهة العسكرية). بل إن أبا سفيان بعمله هذا، قد أثبت بأنه من القادة العسكريين البعيدين عن السطحية الذين لا يستجيبون لداعي الغرور، ولا تستفزهم نشوة الانتصارات العابرة، ومن القادة الذين يقدرون نتائج الأعمال قبل القدوم عليها. فأبو سفيان عند انسحابه من منطقة أُحد يدرك تمامًا أنه لا يوجد في (تلك اللحظة) ما يحول بينه وبين مهاجمة المدينة أو حتى احتلالها، لأن جيشه في تلك اللحظة كان يفصل بين المدينة وبين جيشها الذي كان لا يزال في مكان المعركة بأُحد مشغولًا بدفن قتلاه وإسعاف جرحاه. ولكن أبا سفيان (مع إدراكه لهذه الحقيقة) يعلم في قرارة نفسه (كقائد مسئول) ما في مهاجمته المدينة من مغامرة قد تكون سببًا في إهلاك جيش مكة أو تضييع قيمة النصر الأسمى الذي حصل عليه في آخر المعركة بسبب عصيان الرماة لقائدهم. ذلك أن قائد جيش مكة موقن (تمامًا) بأن النصر الذي سجله المشركون على المسلمين في الصفحة الأخيرة من المعركة، لم يكن نتيجة

стр. 443

بسالة رجال الجيش المكي وصبرهم وثباتهم، وإنما كان نتيجة غلطة تعبوية جاءت من جانب خصومهم ... غلطة لم يكن لهم (أي المشركين) أي يد في إحداثها، سببت هذه الغلطة الشنيعة (وهي غلطة الرماة) تخريبًا خطيرًا في الخطة الحكيمة الدقيقة التي أدار المسلمون بموجبها دفة القتال. مما أدى إلى ذلك التحول المفاجئ المذهل في سير القتال الذي يسر للمشركين: ١ - إيقاف سيل الهزيمة النازل بهم. ٢ - التمكن من تكبيد المسلمين خسائر فادحة في الأرواح. ٢ - إضاعة النصر الحاسم الذي سجله المسلمون في الصفحة الأولى من المعركة. ٤ - جعل المشركين (ظاهريًّا) في موقف الغالب المنتصر. فأبو سفيان يعلم أن شيئًا من هذه الأمور الأربعة ما كان ليحدث لولا الغلطة الشنيعة التي ارتكبتها فصيلة الرماة التي انسحبت من مواقعها في الجبل قبل الوقت المحدد. فالذي منع أبا سفيان من مهاجمة المدينة (في تلك اللحظة) وجعله لم يغتر بالنصر التي حصل عليه جيشه في الساعات الأخيرة من المعركة، هو يقينه بأن عناصر تحقيق مثل هذا النصر لم تكن موجودة أصلًا في جيش مكة. وذلك أن هذا النصر إنما جاء نتيجة غلطة ارتكبها بعض الجيش الإسلامي، ومثل هذه الغلطة غير مضمون تكرارها ليحصل الجيش المكي

стр. 444

على مثلها إذا ما غامر بالهجوم على المدنية، ولا سيما أن حال هذا الجيش ليس بأحسن من حال جيش المدينة من ناحية الإنهاك والتعب. إن شبح الهزيمة المرعبة التي أنزلها الجيش المدني (على صغره) بالجيش المكي (على ضخامته) لا يزال ماثلًا أمام عين أبي سفيان القائد وهو يعلم علم اليقين أن الرعب والخوف من المسلمين لا يزالان يملأن قلوب جند المشركين بالرغم من النصر التعبوي المفاجئ غير المتوقع الذي أعطته لهم غلطة رماة المسلمين، بعد تلك الهزيمة التي أنزلها المسلمون بهم والتي ما كانت تنتهي حتى مكة لولا غلطة الرماة غفر الله لهم. ولهذا كان أبو سفيان على ما يشبه اليقين بأنه لو غامر بمهاجمة المدينة فإن نتيجة هذه المغامرة لن تكون إلا الهزيمة الساحقة، لأن الجيش المدني سيتصدى للمشركين وسيضربهم داخل المدينة ضربة قد تكون القاضية على سمعة قريش حتى النهاية. وهكذا فإن أبا سفيان لم يصرف النظر عن مهاجمة المدينة فحسب بل انسحب بطريقة تشبه الفرار، حيث اجتاز بجيشه الضخم الثقيل أكثر من أربعين ميلًا في يوم واحد وكأنه خاف (إن هو تباطأ في انسحابه، أو عسكر في مكان قريب من المدينة) أن يجمع المسلمون هؤلاء شتاتهم ويجبروه على خوض معركة قد يكون النصر فيها حليف هؤلاء المسلمين (الذين بالرغم من انتكاسهم في معركة أُحد) قد أوجدوا في نفوس جند مكة عقد خوف مستعصية، للضراوة المفزعة التي لمسوها منهم في المرحلة الأولى من المعركة، عندما أبادوا فصيلة كاملة من حملة لواء المشركين، ثم أنزلوا بهم الهزيمة الساحقة (وبطريقة مذهلة) في أول القتال. وفعلا، فإن ما كان قد قدره أبو سفيان وخشي منه قد حدث، فبعد

стр. 445

أقل من خمس عشرة ساعة من انتهاء القتال في معركة أُحد صدرت الأوامر النبوية إلى الجيش الإسلامي (الذي خاض المعركة خاصة) بأن يتحرك لمطاردة جيش مكة الغازي، كما سنفصل ذلك عند حديثنا عن حملة حمراء الأسد في هذا الكتاب إن شاء الله. النبي يتفقد القتلى والجرحى وبعد أن تأكد الرسول من إحجام المشركين عن مهاجمة المدينة، انصرف إلى التحقيق في نتائج المعركة والتعرف على من استشهد من أصحابه. فخرج وخرج المسلمون معه من معتصمهم في الجبل للنظر في شؤون الضحايا من الشهداء، وإنقاذ من يمكن إنقاذه من الجرحى، وتجهيز الذين قضوا نحبهم وإيداعهم مقرهم الأخير. سعد بن الربيع وعلى وجه الخصوص أمر النبي ﷺ بالتحقيق في مصير البطل سعد بن الربيع (١) أحد قادة الأنصار المشهورين (أهو في الأحياء أم في الأموات؟ ؟ ؟ ). فانتدب لهذه المهمة محمد بن مسلمة الأنصاري الذي انطلق إلى حيث احتدمت المعركة لمعرفة مصير سعد بن الربيع.

стр. 446

وبينما هو يتجول في أنحاء المعركة إذا به يجد البطل سعد مضرجًا بدمائه، تنزف جراحه بغزارة (وعلى آخر رمق). فانحنى عليه وأخبره بأن الرسول ﷺ بعثه خصيصًا تفقد حاله ومعرفة مصيره فأبلغه سعد (بصوت لا يكاد يسمع) بأنه لم يعد من أهل الدنيا للجراحة المميتة التي أصيب بها ثم لفظ أنفاسه الطاهرة. هكذا تصنع العقائد الأبطال والعظيم في الأمر أن آلام النزع لم تنس سعد بن الربيع الاهتمام برسول الله ﷺ والتفكير فيما قد يتعرض له من مكروه. فإنه (وهو في تلك اللحظات التي يودع فيها الدنيا) لم يفكر في زوجه ولا في أولاده وإن ظل فكره مشغولًا بمصير الرسول ﷺ ، فقد أنساه حبه العظيم لنبيه كل شيء (حتى نفسه) وظل حتى فارق الدنيا، وهو شديد الخوف على النبي ﷺ وشديد الحرص على أن لا يمس بسوء. ولا أدل على ذلك من أنه قبل أن تصعد روحه إلى باريها، حمل محمد بن مسلمة إلى رسول الله ﷺ رسالة ملؤها المحبة والإخلاص والوفاء،

стр. 447

كما حمله (أيضًا) رسالة إلى قومه الأنصار ضمنها التحذير من التهاون في واجب الذَّب عن رسول الله ﷺ وأبلغهم بأن الله لن يقبل لهم عذرًا إذا ما تعرض نبيهم لمكروه وفيهم رجل على قيد الحياة، وبعد أن أملى هاتين الرسالتين فاضت روحه الطاهرة إلى باريها. قال ابن إسحاق: وفرغ لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ : من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات فقال رجل من الأنصار "قال السهيلي هو محمد بن مسلمة" أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد. فنظر فوجده جريحًا وبه رمق، قال فقلت له إن رسول الله ﷺ ، أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ . قال: نعم في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له .. إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك (يعني الأنصار) عني السلام، وقل لهم، إن سعد بن الربيع يقول لكم، إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ﷺ ومنكم عين تطرف، قال (محمد بن مسلمة) ثم لم أبرح حتى مات، قال فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره (١). والحقيقة أن جيشًا يكون رجاله على مستوى يقين وإيمان وبسالة سعد بن الربيع، لا يستبعد أن يصنعوا في المعارك ما يشبه المعجزات، ويسجلوا من الانتصارات ما يعتبره الجاهلون بأقدار هؤلاء الرجال، ضربًا من الأساطير التي لا تصدق.

стр. 448

أغيظ موقف يقفه الرسول في حياته وأثناء تفقد القتلى، بحث رسول الله ﷺ عن عمه حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن وادي قناة قد مثل به المشركون أشنع تمثيل، حيث فتحت بطنه وانتزعت كبده من بين جنبيه للتشفي. فكان منظرًا مريعًا لم يكن أوجع منه لقلب رسول الله ﷺ (كما صرح هو بذلك). فقد كان حمزة ﵁ عم النبي ﷺ وأخاه في الرضاعة وكان فوق ذلك كله رجلا يعد بالآلاف في المعارك، وكان مثلًا عاليًا للشهامة والنجدة والنبل، وكان عضد رسول الله ﷺ عندما يستعر لهيب الحرب، فكان الإسلام (يوم مقتل حمزة) في أمس الحاجة إلى أمثاله من القادة الشجعان، لأن الأخطار العسكرية كانت تكتنف الدعوة الإسلامية الناشئة من كل جانب. فكان مصرع حمزة (بحق) يوم ذاك خسارة عسكرية فادحة بالنسبة للمسلمين، ولم ينل رسول الله ﷺ من الحزن مثل ما ناله يوم أن وقف على جثمان عمه البطل الشهيد. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه.

стр. 449

فلما وقف رسول الله ﷺ على عمه حمزة ورأي ما به من تشويه شنيع، قال: لن أُصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا أغيظ إلى من هذا (١). ثم قال النبي ﷺ ... لئن أظهرني الله على قريش في موطن لأمثلن بثلاثين رجلًا منهم - ولما رأى المسلمون ما برسول الله ﷺ من حزن وغيظ علي من فعل بعمه ما فعل قالوا، لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر (يعني قريشًا) لنمثلن بهم مثلة (٢) لم يمثلها أحد من العرب (٣). فأنزل الله في قوله هذا الذي توعد به قريشًا، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٤). وبعد نزول هذه الآية عدل رسول الله ﷺ عن عزمه الذي اعتزم به للتمثيل بقتلى العدو، ثم عفا وصبر، بل نهى عن المثلة أيا كانت وفي أي كان. فعن الحسن بن سمرة بن جندب قال ... ما قام رسول الله ﷺ في مقام قط ففارقة حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المثلة (١).

стр. 450

إني أخاف على عقلها وخرجت صفية بنت عبد المطلب (١) (عمة رسول الله وشقيقة حمزة الشهيد) تطلب أخاها، وقد بلغها ما نزل به، وكان رسول الله ﷺ يعلم حبها العظيم لشقيقها حمزة ﵁، ولذلك خشى على عقلها أن يزول إن هي رأت ما بجثة أخيها من التشوية الفظيع والمثلة الشنيعة، فطلب من ابنها (الزبير بن العوام) أن يعمل على إرجاعها إلى المدينة، لئلا ترى ما حل بأخيها. فالتقى بها ابنها الزبير، وقال لها ... يا أمه .. إن رسول الله ﷺ ، يأمرك أن ترجعي. فقالت .. ولم؟ ؟ وقد بلغني أنه مثّل بأخي؟ وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى، فرجع الزبير فأخبره بما قالت صفية، فقال خل سبيلها، فاتجهت نحو النبي ﷺ فلما رآها قال .. إني أخاف على عقلها (٢) (لما يعلم من حبها الشديد لشقيقها حمزة)، فلما جاءته ﷺ وضع يده على صدرها (وهي عمته) ودعا لنا فاسترجعت وبكت. وكان ابنها الزبير بن العوام يحاول الحيلولة بينها وبين رؤية أخيها، رحمة بها، لأنها قد كبرت وأسنت ولكنها قالت، لا أرجع حتى أنظر إليه،

стр. 451

فلما سمح لها النبي ﷺ بالنظر إلى جثمان أخيها حمزة، رأت منظرًا مريعًا تتفتت له الأكباد، رأت أخاها الشاب اليافع البطل معفرًا بالتراب، قد فتحت يد الحقد الوثني بطنه وجدعت أنفه وأذنه، ففاضت عيناه بالدموع، فبكت وأبكت، واستغفرت لأخيها (في هدوء المؤمن وثبات المسلم) ثم انصرفت، وكان ﷺ يبكي لبكائها. قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله عينة باكيًا أشد من بكائه على حمزة ﵁ وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق (أي شهق) حتى بالغ به الغشي (١). ك يف دفن المسلمون قتلاهم? ثم أمر الرسول ﷺ بدفن الشهداء، وجاء في السيرة النبوية لابن هشام (٢) أن النبي ﷺ أمر بحمزة بن عبد المطلب فسجى ببردة، ثم صلى عليه فكبر عليه سبع تكبيرات, ثم أتى بالقتلى فيضعون إلى حمزة, فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة. ولكن الصحيح الذي عليه أهل العلم من الفقهاء والمفسرين وأهل الحديث أن النبي ﷺ لم يصل على شهيد معركة أبدًا، لا في أحد ولا في غيرها من المعارك، وإنما كان يأمر بدفن الشهداء بثياب المعركة (دونما غسل أو صلاة).

стр. 452

دفن الشهداء دونما غسل أو صلاة قال الإمام الشافعي ﵁، جاءت الأخبار كأنها عيان (من وجوه متواترة) أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أُحد، وما روى أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيره لم يصح، وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. وقد أمر الرسول بأن يكفن الشهداء في ثياب المعركة (١) فكفنوا فيها بعد أن نزع ما عليهم من حديد وجلود. وكفن حمزة بن عبد المطلب بنمرة كانت له، فكانوا إذا مدوها على رأسه انكشفت رجلاه وإن مدوها على رجليه انكشفت رأسه، فمدوها على رأسه وجعلوا على رجليه الحرمل تكميلًا لتكفينه (٢). دفن أكثر من شهيد في قبر واحد وقد دفن مع حمزة بن عبد المطلب (في قبر واحد) عبد الله بن جحش الأسدي, وكان حمزة خاله (٣). وعلى طريق الخصوص أمر الرسول ﷺ بأن يدفن عمرو

стр. 453

ابن الجموح (١) وعبد الله بن عمرو بن حرام (٢) في قبر واحد وقال .. فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد. [صورة] أخذنا هذه الصورة من علي قمة جبل الرماة البارز منه جانب أسفل الصورة، والجانب المشار إليه بالسهم هو الذي اعتصم به الرسول ﷺ بعد الانتكاسة، وقد ظهرت مقبرة الشهداء في فم الشعب، ويقع وسطها (حيث الواقفون) قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش ﵁.

стр. 454

ودفن خارجة بن زيد (١) وسعد بن الربيع (٢) في قبر واحد، كما دفن النعمان بن مالك (٣) وعبد بني الحسحاس (٤) في قبر واحد. وكان ﷺ يشهد عملية الدفن، وكان يقول: احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد) وكان يقول: (انظروا أكثر هؤلاء جمعًا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر). النبي يأمر بإعادة القتلى من المدينة وقد بلغ الرسول ﷺ أنا أناسًا احتملوا قتلاهم إلى المدينة لدفنهم فيها، فأصدر أمره بإعادة هؤلاء القتلى وأمر بأن يدفنوا حيث قتلوا. وأرسل الرسول ﷺ مندوبًا خاصًّا إلى المدينة، فنادى (بأمر الرسول) ردوا القتلى إلى مضاجعهم، فوجدوهم قد دفنوا جميعهم إلا واحدًا لم يدفن، فأعادوه فدفن في مكان المعركة.

стр. 455

وروى الإمام أحمد أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: استشهد أبي بأُحد فأرسلني أخواتي إليه بناضح لهن فقلن، اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل، فادفنه في مقبرة بني سلمة، فقال فجئته وأعوان لي فبلغ نبي الله وهو جالس بأُحد، فدعاني .. فقال، والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوانه فدفن مع أصحابه بأُحد. وعن جابر أيضًا، قال بينما أنا في الناظرين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي - عادلتهما علي ناضح - فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي .. ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا (١). وبهذا استدل أهل العمل على تحريم نقل الميت ليدفن في المنطقة التي لم يمت فيها. الأرض لا تأكل جسد الشهيد في الله وقد شهد الرسول ﷺ بأن الشهداء يبعثون يوم القيامة على الحالة التي دفنوا عليها من غير تغيير. قال ابن إسحاق، لما أشرف رسول الله ﷺ على القتلى يوم أُحد قال .. أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه .. اللون لون دم والريح ريح مسك (٢).

стр. 456

وقد حديث (عمليًّا) ما يصدق حديث النبي الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى. فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال .. فبينا أنا في خلافة معاوية (١) بن أبي سفيان، إذ جائني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمّال معاوية فبدا فخرج طائفة منه، فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير. وروى البيهقي عن جابر أيضًا، أنه قال لما أجرى معاوية العين عند قتلى أُحُد بعد أربعين سنة، استصرخناهم إليهم، فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة (بن عبد المطلب) فانبعث دمًا، وفي رواية ابن إسحاق، فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس. وفي رواية الواقدي عن جابر أيضًا .. فحفرنا عنهم فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح ويده على جرحه فأُزيلت عنه فانبعث جرحه دمًا، ويقال إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك ﵃ وأرضاهم) وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا. دعاء الرسول بعد المعركة وبعد أن فرغ المسلمون من دفن قتلاهم، واعتزم الرسول ﷺ ، الرجوع بجيشه إلى المدينة، وقف ﵊ على فرسه بأصل جبل أُحد، وأمر المسلمين أن يصطفوا، فاصطفوا من خلفه وعامتهم جرحى، واصطف خلفهم النساء وهن أربع عشرة امرأة ثم قال ﷺ :

стр. 457

استووا حتى أثنى على ربي، فاستووا، فقال ... اللهم لك الحمد لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق (١). الرسول يتحدث عن مقام الشهداء وقد تحدث الرسول ﷺ عن مقام الشهداء الذين يسقطون صرعى في سبيل الله، ودرجتهم العظيمة عند الله، فقد روى عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: لما أُصيب إخوانك بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله :

стр. 458

أنا أُبلغهم عنكم .. فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). مصير قتلى الوطنية المجردة ذلك هو مصير شهداء الإسلام الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، أما غيرهم ممن يقتل خارج نطاق العقيدة الإسلامية وفي غير سبيل نصرتها، فإن مصيره في الآخرة على عكس مصير شهداء الإسلام حتى وإن قتل في جيش يقوده النبي ﷺ وخلف لواء يعقده الرسول. فهذان رجلان من أهل المدينة قاتلا مع النبي يوم أُحد وتحت رايته قتال الأبطال، ولكنهما كان (بالرغم من ذلك) من أهل النار. والسبب في ذلك انهما لم يقاتلا على عقيدة الإسلام، وإنما كان قتالهما، قتالًا وطنيًّا قوميًّا فحسب، فقد كان اشتراكهما في القتال حمية لقومهما ودفاعًا عن وطنهما المدينة لا غير. هذان الرجلان، إحداهما من عرب المدينة يقال له قزمان (بضم أوله وسكون ثانيه) فقد كان من شجعان المدينة المشهورين، لما اعتزم المسلمون

стр. 459

ملاقاة المشركين في أُحد خرج قزمان مع المسلمين، وقاتل معهم قتال الأبطال، فكان من أشد الناس على مشركي مكة، حتى إنه قتل وحده يوم أُحد عشرة من المشركين، من بينهم خمسة من فرسان بني عبد الدار (حملة لواء الجيش المكي). يهودي في صفوف المسلمين أما الثاني فهو عربي الأصل يهودي الدين (من يهود بني ثعلبة) واسمه مخيريق. كان ميخريق هذا يرى أنه من الواجب على اليهود القتال في جانب النبي للدفاع عن المدينة تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي وبين اليهود (١) والتي بموجبها يلزم اليهود بمقاتلة من دهم يثرب مع المسلمين. فقد دعا مخيريق اليهود إلى حمل السلاح للقتال مع المسلمين يوم أُحد، ولكنهم اعتذروا بأن ذلك اليوم هو يوم السبت وأنهم لا يقاتلون فيه. فلم يقبل منهم مخيريق هذا العذر وقال لهم: (لا سبت لكم اليوم) ثم حمل سلاحه وقاتل في جانب المسلمين حتى قتل، كما سنفصل ذلك فيما يلي إن شاء الله.

стр. 460

شجاعة قزمان المنافق أما قزمان فقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان عندنا رجل غريب لا ندري ممن هو يقال له قزمان، وكان ذا بأس وقوة، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر له يقول: إنه من أهل النار. فلما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالًا شديدًا، ويقال إنه أول من رمى من جانب المسلمين بسهم في المعركة وكان يرمي النبال كأنها الرمال، ثم فعل بالسيف الأفاعيل. وذكر أنه (عند احتدام المعركة) كان يكت كتيت الجمل الفحل ولقد لقى المشركون منه الأهوال. القومي غير الديني وذكر ابن الأثير في الكامل أن قزمان هذا قد جرح جراحات كثيرة في المعركة يوم أُحد فحمل إلى داره بالمدينة وكان المسلمون يفدون عليه ويقولون، أبشر قزمان، فيقول لهم بم أبشر؟ ؟ وأنا ما قاتلت إلا عن أحساب قومي (أي على شرفهم ومفاخرهم)، وفي رواية أن قتادة ﵁ قال لقزمان، هنيئًا لك الشهادة يا أبا الغيداق، فقال: إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين (١) ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا
следующие страницы →