← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٣ - من عبد الدار ابن قصي .. مصعب بن عمير (١) قتله ابن قمئة الليثي. ٤ - من بني مخزوم ... شماس بن عثمان (٢). عدد شهداء الأنصار وأسماؤهم أما شهداء الأنصار فهم (كما قلنا) أربعة وستون، وهم: أ - من بني عبد الأشهل (وهم بطن من الأوس) أربعة عشر رجلًا وهم: ١ - عمرو بن معاذ بن النعمان (٣). ٢ - الحارث بن أنس بن رافع (٤). ٢ - عمارة بن زيد بن السكن (٥). ٤ - سلمة بن ثابت بن وقيش (٦).

стр. 492

٥ - عمرو بن ثابت بن وقش (١). ٦ - أبوهما ثابت بن وقش (٢). ٧ - حسيل بن جابر (٣). ٨ - صيفي بن قيظي (٤). ٩ - حباب بن قيظي (٥). ١٠ - عباد بن سهل (٦). ١١ - الحارث بن أوس بن معاذ (٧). ١٢ - رفاعة بن وقش (٨). ١٣ - إياس بن أوس بن عتيك (٩).

стр. 493

١٤ - عبيد بن التيهان (١). ب - ومن بني ظفر (وهو بطن من الأوس)، رجل واحد وهو: ١ - يزيد بن خاطب بن أمية (٢) ج - ومن بني ضبيعة (وهم بطن الأوس) رجلان وهما: ١ - أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد (٣). ٢ - حنظلة بن أبي عامر (غسيل الملائكة) (٤). د - ومن بني عبيد (بضم العين) (وهم بطن من الأوس) رجل واحد وهو: ١ - أنيس بن قتادة (٥). هـ - ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف (بطن من الأوس رجلان، وهما: ١ - أبو حية بن عمرو بن ثابت (٦).

стр. 494

٢ - عبد الله بن جبير، وهو أمير فصيلة الرماة الذين وضعهم الرسول في الجبل لحماية مؤخرة المسلمين (١). و- ومن بني السلم (بفتح السين مع التشديد وسكون اللام) (بطن من الأوس) رجل واحد: ١ - خيثمة، أبو سعد بن خيثمة (٢). ز - ومن بني العجلان (بطن من الخزرج) رجل واحد: ١ - عبد الله بن سلمة البلوي (٣). ح - ومن بني معاوية بن مالك بن عوف (بطن من الأوس) رجل واحد: ١ - سبيع بن حاطب (٤). ط - ومن بني النجار بن ثعلبة (بطن من الخزرج) اثنا عشر شهيدًا: ١ - عمرو بن قيس (٥). ٢ - ابنه قيس بن عمرو (٦).

стр. 495

٣ - ثابت بن عمرو بن زيد (١). ٤ - عامر بن مخلد (٢). ٥ - أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة (٣). ٦ - عمرو بن مطرّف بن علقمة بن عمرو (٤). ٧ - أوس بن ثابت بن المنذر (٥). ٨ - أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام (٦). ٩ - قيس بن مخلد (٧). ١٠ - كيسان (عبد لهم) (٨). ١١ - سليم بن الحارث (٩). ١٢ - نعمان بن عبد عمرو (١٠).

стр. 496

ي - ومن بني الحارث (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر، هم: ١ - خارجة بن زيد بن أبي زهير (١). ٢ - سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير (٢). (دفن الاثنان في قبر واحد). ٣ - أوس بن الأرقم بن زيد (٣). ك - ومن بني الأبجر (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر، وهم: ١ - مالك بن سنان بن عبيد (٤). ٢ - سعيد بن سويد بن قيس (٥). ٣ - عتبة بن ربيع بن نافع (٦). ل - ومن بني ساعدة (بطن من الخزرج) رجلان وهم: ١ - ثعلبة بن سعد بن مالك (٧). ٢ - ثقف بن فروة بن البدي (٨).

стр. 497

م - ومن بني طريف (بطن من الخزرج) رجلان وهما: ١ - عبد الله بن عمرو بن وهب (١). ٢ - ضمرة (حليف لهم) من بني جهينة (٢) ن - ومن عوف بن الخزرج (بطن من الخزرج) خمسة نفر، وهم: ١ - نوفل بن عبد الله (٣). ٢ - عباس بن عبادة بن نضلة (٤) ٣ - نعمان بن مالك بن ثعلبة (٥). ٤ - المجذر بن زياد البلوى الأنصاري الخزرجي (بالحلف) (٦). ٥ - عبادة بن الحسحاس (٧).

стр. 498

ص - ومن بني الحبلي (بضم الحاء، بطن من الخزرج) رجل واحد: ١ - رفاعة بن عمرو (١). ع - ومن بني سلمة (بطن من الخزرج) أربعة نفر وهم: ١ - عبد الله بن عمرو بن حرام (٢). ٢ - عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام (٣). ٣ - خلاد بن عمرو بن الجموح (٤). ٤ - أبو أيمن (٥). ف - ومن بني سواد بن غنم (بطن من الخزرج) ثلاثة نفر وهم: ١ - سليم بن عمرو بن حديدة (٦). ٢ - عنترة (مولى سليم بن عمرو) (٧). ٣ - سهل بن قيس بن كعب (٨).

стр. 499

ص - ومن بني زريق بن عامر (بطن من الخزرج) رجلان وهما: ١ - ذكوان بن قيس (١). ٢ - عبيد بن المعلى (٢). هؤلاء خمسة وستون شهيدًا من المهاجرين والأنصار ذكرهم ابن إسحاق، واستدرك عليه ابن هشام خمسة من الأنصار استشهدوا لم يذكرهم، وهم: أ - من بني معاوية بن مالك (بطن من الأوس) رجل واحد وهو: ١ - مالك بن نميلة المزني (حليف لهم) (٣). ب - ومن بني خطمة (بطن من الأوس) رجل واحد وهو:

стр. 500

١ - الحارث بن عدي بن خرشة (١). ج - ومن بني سواد بن مالك (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو: ١ - مالك بن أياس (٢). د - ومن بني عمرو بن مالك (بطن من الخزرج) رجل واحد وهھو: ١ - إياس بن عدي (٣). هـ - ومن بني سالم بن عوف (بطن من الخزرج) رجل واحد وهو: ١ - عمرو بن إياس (٤). نسبة الشهداء بين الأوس والخزرج فهؤلاء هم الشهداء من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ونسبتهم بين القبيلتين كما يلي: ١ - أربعة وعشرون من الأوس. ٢ - واحد وأربعون من الخزرج، ﵃ وأرضاهم أجمعين. الجرحى المسلمين أما الجرحى المسلمين، فلم يذكر أحد من المؤرخين إحصاء كاملًا

стр. 501

لهم، كما أحصى عدد القتلى، ولكن المتتبع لأخبار المعركة بدقة يتضح له أن الجرحى بين المسلمين كانوا كثيرين وأنهم لا يقلون عن ١٥٠ مائة وخمسين جريحًا. فقد جاء في السيرة الحلبية أن الجرحى من قبيلة بني سلمة وحدها بلغوا أربعين جريحًا (١). أما الأسرى فلم يقع أسير مسلم واحد في أيدي المشركين. خسائر المشركين في المعركة أما خسائر المشركين في معركة أحد فقد بلغت اثنين وعشرين قتيلًا (على ما ذكره ابن إسحاق) وهم كما يلي: أ - من بني عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب أحد عشر رجلًا، وجميعهم من حملة اللواء. ١ - طلحة بن أبي طلحة (٢). قتله الزبير بن العوام. ٢ - أبو سعيد بن أبي طلحة, قتله سعد بن أبي وقاص. ٣ - عثمان بن أبي طلحة, قتله حمزة بن عبد المطلب. ٤ - مسافع بن أبي طلحة، قتله (رميًا بالنبل) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٣).

стр. 502

٥ - الجلاس (بضم الجيم) بن طلحة بن أبي طلحة، قتله أيضًا (رميًا بالنبل) عاصم بن ثابت الأفلح. ٦ - الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، قتله قزمان (١). ٧ - كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، قتله أيضًا، قزمان، وقال ابن هشام. قتله عبد الرحمن بن عوف. ٨ - أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قتله حمزة بن عبد المطلب. ٩ - أبو يزيد بن عمير (أخو مصعب بن عمير) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله قزمان. ١٠ - القاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله قزمان. ١١ - صؤاب (غلام حبشي لهم)، قتله قزمان، ويقال قتله علي بن أبي طالب، ويقال سعد بن أبي وقاص. ب - ومن بني أسد بن عبد العزي بن قصي رجل واحد وهو:

стр. 503

١ - عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، قتله علي بن أبي طالب. ج - ومن بني زهرة بن كلاب رجلان وهما: ١ - أبو الحكم بن الأخنس بن سريق (بفتح أوله) بن عمرو الثقفي (والزهري بالحلف)، قتله علي بن أبي طالب. ٢ - سباع بن عبد العزى الغبشاني الخزاعي (الزهري بالحلف)، قتله حمزة بن عبد المطلب. د - ومن بني مخزوم بن يقظة أربعة نفر، وهم: ١ - هشام بن أبي أمية بن المغيرة (ابن عم خالد بن الوليد) قتله قزمان. ٢ - الوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة، قتله أيضًا قزمان. ٣ - أبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب. ٤ - خالد بن الأعلم (حليف لبني مخزوم)، قتله قزمان. هـ - ومن بني جمح (بضم أوله وفتح ثانيه) رجلان، وهما: ١ - أبو عزة، عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب (١) أمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه بعد أن وقع في الأسر. ٢ - أبي بن خلف بن وهب، قتله رسول الله ﷺ بيده الكريمة وهو القتيل الوحيد الذي قتله النبي بيده.

стр. 504

ز - ومن بني عامر بن لؤي رجلان وهما: ١ - عبيدة بن جابر، قتله قزمان. ٢ - شيبة بن مالك بن المضرب، قتله (أيضًا) قزمان. قال ابن هشام، ويقال قتله عبد الله بن مسعود. فهولاء هم قتلى المشركين في معركة أحد (على مذكره ابن إسحاق) (١). أما جرحى المشركين كذلك فلم يعرف عددهم. تنفيذ حكم الإعداد في جاسوس وبعد عودة الرسول ﷺ من حملة حمراء الأسد أمر بتنفيذ حكم الإعدام في معاوية بن المغيرة بن أبي العاص (وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه) وذلك أنه لما رجع المشركون من أحد (وكان معهم) ذهب على وجهه، ثم أتى ابن عمه عثمان بن عفان ﵁. فلما نظر إليه قال له: أهلكتني وأهلكت نفسك، فناشده الرحم أن

стр. 505

يجيره، فتركهـ في بنيته، ثم ذهب الي الرسول وطلب له الأمان فوهبه له وأجله ثلاثًا، وأقسم إن وجده بعدها قتله. فلما خرج الرسول ﷺ ومعه عثمان، اغتنم معاوية هذه الفرصة وصار يتجسس على المسلمين لحساب قريش، فلما عاد النبي ﷺ من حملة حمراء الأسد (وذلك في اليوم الرابع من المهلة التي أُعطيت له) خرج معاوية هاربًا فأمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعمار بن ياسر أن يتعقباه ويقتلاه فوجداه على بعد ثمانية أميال من المدينة فقتلاه (رميًا بالنبل) (١). القرآن يتحدث عن المعركة وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة أُحد بإسهاب، فقد أنزل الله تعالى فيها ستين آية، تناولت مجمل الأحداث والتطورات والتحولات المفاجئة والانتكاسات التي أصابت المسلمين في هذه المعركة الرهيبة.

стр. 506

وأول ما تحدث عنه القرآن, المرحلة الأولى من مراحل المعركة, وهي الاستعداد والتجهيز والتهيؤ للقتال فقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ثم أشار القرآن الكريم إلى فئة المنافقين الذين تمردوا على النبي ﷺ بقيادة رأس النفاق عبد الله بن أُبي الذي رجع بهم والمسلمون لا يزالون في منتصف الطريق إلى أُحد فقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (٢)، ﴿الَّذِينَ﴾ (أي المنافقين) ﴿قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). ثم يتحدث القرآن عن الانقسام الخطير الذي كاد يحدث (داخل الجيش الإسلامي قبل وصوله إلى أُحد)، بسبب تمرد المنافقين وانصراف زعيمهم بثلاثمائة منهم إلى المدينة بعد أن خرجوا مع الرسول لقتال المشركين فقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).

стр. 507

وقد ذكر المفسرون وأصحاب السير، أن الطائفتين اللتين تأثرتا بوسوسة المنافقين، فهمتا بالتمرد على النبي، فوقاهما الله شر هذا التمرد، هما قبيلة بني سلمة من الخزرج وقبيلة بني حارثة من الأوس، وكلهم من الأنصار، وقد تولى الله أمر هاتين القبيلتين فدفع عنهما وسوسة الشيطان، فاستمرتا في الزحف ضمن جيش نبيهما وقاتلتا بشجاعة وإيمان وثبات حتى انتهت المعركة. وقد أشار القرآن الكريم إلى النصر السريع الحاسم الذي حصل عليه المسلمون في الصفحة الأولى من المعركة، ثم الفشل المريع الذي منوا به فحول نصرهم إلى اندحار، بسبب عصيان الرماة وتركهم مواقعهم في الجبل مخالفين بذلك الخطة التي رسمها الرسول القائد للمعركة. فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ (أي تستأصلونهم بسلاحكم) ﴿بِإِذْنِهِ﴾ (١) (وهذا إشارة إلى الهزيمة التي أنزلها المسلمون بجيش مكة في أول المعركة). ثم أشار القرآن إلى حادثة اختلاف الرماة وتجادلهم مع قائدهم حول ترك مواقعهم في الجبل بعد انتصار المسلمين في أول المعركة، وتسبب هؤلاء الرماة في الفشل العسكري الكبير الذي أصاب المسلمين بعد تركهم مواقعهم في الجبل فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ (وهم الذين تركوا الجبل) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ

стр. 508

الآخرة (وهم الذين ثبتوا في الجبل حتى أبادهم فرسان خالد) ثم صرفكم عنهم (إشارة إلى الانتكاسة التي أصابت المسلمين) لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وهذا يعني أن الله تعالى قد عفا عن الرماة الذين تمردوا على قائدهم وتركوا مواقعهم في الجبل فسببوا النكبة. وقد تحدث القرآن كذلك عن ثبات النبي ﷺ بعد الانتكاسة، وتحدث عن تفكك المسلمين وتبعثرهم على صعيد الهزيمة، والفزع الذي أصابهم، فقال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). وكان الرسول (بعد أن نزلت النكبة بالمسلمين وتفرقوا) قد ثبت مكانه في مقر القيادة يدعو المسلمين (وهو في مؤخرتهم) لينضموا إليه كما فصلنا ذلك في غير هذا المكان من الكتاب. كذلك تحدث القرآن عن إشاعة مقتل النبي في المعركة وما ترتب على تلك الإشاعة من انهيار معنوي أصاب نفوس البعض من عسكر المسلمين الذين ألقى بعضهم السلاح عند سماع هذه الإشاعة، فقال تعالى مشيرًا إلى هذا ومذكرًا الجميع بأن محمدًا إنما هو بشر كغيره معرض للموت

стр. 509

وليس خالدًا في الدنيا، فحتى لو قتل في المعركة فإنه لا ينبغي لأتباعه أن يلقوا السلاح لقتله، بل عليهم أن يحملوا السلاح ويناضلوا به في سبيل الدعوة التي جاء بها محمد فآمنوا هم بها، والتي لا يمكن أن تقتل أو تموت بقتل أو موت محمد، فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). كما أشار القرآن كذلك إلى تشوق المسلمين إلى القتال وهم بالمدينة، وإصرارهم على الخروج منها للقاء العدو خارجها، مخالفين بذلك رأي نبيهم الذي كان يرى التحصن بها ومقاتلة المشركين في شوارعها فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢). كذلك أشار القرآن الكريم إلى الذين انهزموا بعد الانتكاسة، وانسحبوا إلى المدينة ولم ينحازوا إلى الرسول ﷺ في مقر قيادته في الشعب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ

стр. 510

بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١). كذلك نبه القرآن الكريم المسلمين إلى أن ما أصابهم من نكسات في أُحد إنما هو من فعل أنفسهم وسبب التصرف الخاطئ الذي تصرفه البعض منهم وهم الرماة، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ (يعني ما حدث لهم في أحد) قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). ثم نبه القرآن المسلمين إلى أنه لا داعي للخوف والفزع من الموت، وإن كل إنسان لن يموت إلا بعد انقضاء أجله الذي قدره الله فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (٣) كذلك لفت القرآن نظر عسكر أحد من المسلمين إلى أنهم ليس أول عسكر مؤمن تعرضوا للبلايا والمحن مع أن نبيهم بينهم. بل إن كثيرًا من النبيين الذين خلوا قد تعرضوا مع جندهم لكثير من النكبات والمصائب في المعارك التي خاضوها، ولكنهم لم يتضعضوا بل ثبتوا وقاتلوا مع أنبيائهم ولم يستكينوا ولم يهنوا لما أصاب مجموعهم من الجرح والقتل (حتى إن كان المقتول نبيهم) فقال تعالى يذكر عسكر أُحدُ الذين أُخذِوا وأصابهم الدهش لإشاعة مقتل نبيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي

стр. 511

سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). كذلك أشار القرآن الكريم إلى ما تعرض له المسلمون في معركة أُحد من قتل وجرح وحثهم على الثبات، وأن لا يكون لما أصابهم أي أثر على روحهم المعنوية، وأن لا يكون ذلك مبعث حزن لهم. ولفت نظرهم إلى أن الله تعالى قضى أن تكون الحرب سجالًا بين الناس وأن المسلمين لا يمكن أن يكونوا دائما هم المنتصرين. بل لا بد من أن تدور الدائرة عليهم في بعض حروبهم مع العدو ليتخذ الله منهم شهداء , وليختبر إيمانهم , لكي يعلم الصادقين الثابتين (وهو الأعلم بهم) فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤) (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٥). ثم عقب القرآن على ماأصاب المسلمين في معركة أُحد من بلاء

стр. 512

ومصائب وأشار إلى أن ذلك إنما هو بمثابة اختبار وامتحان تميز به الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق، وتبين به المؤمن القوى من المؤمن الضعيف أيضًا فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). كذلك أشار القرآن الكريم إلى الطمأنينة والهدوء الذي أنزله الله عليهم وملأ به قلوبهم فثبتهم بعد عاصفة الغم والارتباك التي اجتاحت نفوسهم بعد النكبة، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ (٣). وفعلا ثبت في جميع كتب السيرة أن النعاس جاء طائفة من المسلمين بعد الانتكاسة (٤)، فكان هذا النعاس دليل الطمأنينة وعدم الخوف، لأن النعاس لا يأتي الإنسان إلا إذا كان آمنًا مطمئنًا.

стр. 513

وقد أشار القرآن أيضًا إلى طائفة من المؤمنين من عسكر أُحدُ كانوا ضعفاء فلم يكونوا على مستوى الآخرين من حيث قوة الإيمان وثبات الجنان، فقال تعالى في حقهم: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١). وجمهرة المفسرين على أن هذه الآية تعنى جماعة من المنافقين كانوا قاتلوا مع عسكر الإسلام في أُحدُ ولكن الأستاذ الإمام محمد عبده ذهب في تفسيره إلى خلاف هذا الرأي، فقد ذكر عنه الأستاذ محمد رشيد رضا أنه قال: لا حاجة إلى جعل هؤلاء في عداد المنافقين (٢)، لأن هؤلاء المنافقين لم يشهد منهم أحد معركة أحد، لأنهم جميعًا قد انخذلوا ورجعوا إلى المدينة مع رئيسهم عبد الله بن أبي بن سلول، والجيش لا يزال في منتصف الطريق إلى أحد، ويؤيد الأستاذ الإمام رأيه هذا بكون الخطاب كله في هذه الآيات موجهًا إلى المؤمنين، وأن الكلام عن المنافقين إنما جاء في آيات أخرى.

стр. 514

وقد أشار الأستاذ الإمام إلى أنه ما من أمة إلا وفيها الأقوياء والضعفاء في الإيمان وغيره. والحقيقة أن هؤلاء الذين أشارت إليهم الآية قد يكونون من الذين لم يكونوا (في إيمانهم) على المستوى الذي عليه الآخرون إما لكون بعضهم حديث عهد بالإسلام، وأما لعلة أُخرى، وله في خلقه شؤون. وكذلك أشار القرآن إلى الذين فكروا (بعد الانتكاسة وإشاعة مقتل النبي) في الاتصال بعمدة المنافقين عبد الله بن أبي ليطلب لهم الأمان من قائد عام جيش المشركين (أبي سفيان) فحثهم وحث المسلمين جميعًا على أن يكونوا (دائمًا) ذوي ثبات وإيمان، وأن لا يستسلموا لإرجافات المرجفين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (١). كما أشار القرآن أيضًا (في هذه الآيات) إلى المنافقين الذين اغتبطوا وفرحوا لما أصاب المسلمين من امتحان في معركة أحد، فأخذوا يتشدقون في المدينة بأن المسلمين لو أطاعوهم ولم يخرجوا للقتال مع النبي لما قتلوا، وحذر القرآن المجاهدين من أن يكونوا مثل هؤلاء المنافقين، فقال تعالى:

стр. 515

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١). كما تحدث القرآن كذلك عن المنافقين الذين قاموا بالإرجاف في المدينة بعد المعركة قائلين إن محمدًا لو كان نبيًّا ما انهزم وجرح فقال تعالى في حقهم: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). كذلك أشار القرآن (في هذه الآيات) إلى الموقف النبيل الذي وقفه النبي ﷺ من الذين عصوه وخالفوا أمره، فتسببوا في هزيمة الجيش بعد أن رأى النصر بعينه، وكذلك الذين تركوا ساحة المعركة (بعد الانتكاسة)، وكيف أن الله تعالى وفق الرسول (وهو القائد الأعلى للجيش) وفقه في ذلك الظرف العصيب، فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ فضلًا عن العقوبة، فعامل هؤلاء المخالفين معاملة لين ورحمة، كانت من أسباب تأليف الجند والتفافهم حول قائدهم النبي الحكيم فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ

стр. 516

عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١). كما تحدث القرآن الكريم أيضًا عن نجاح حملة المطاردة الجريئة التي قام بها النبي (بجيش أحد) لمطاردة أبي سفيان فأثنى الله تعالى على رجال هذه الحملة وهم (فقط) عسكر أُحد الذين أجابوا دعوة الاستنفار مطيعين الله ورسوله بالرغم مما بهم من جراح لا تزال دماؤها تسيل فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). كذلك بين الله تعالى (في هذه الآيات) منزلة الشهداء الذين يسقطون صرعى في سبيل الله دفاعًا عن دين الله وعقيدة الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).

стр. 517

الفصل التاسع نظرة وتحليل ومقارنة لقد كانت حوادث معركة أحد سلسلة من الامتحانات أخذ بعضها برقاب بعض، فقد كان يومًا تخالفت فيه المحن والبلايا على المسلمين وكأن هذه المحن والبلايا مختبر أراد الله أن يصهر فيه جوهر جيش محمد ليتميز فيه الطيب من الخبيث، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. مقارنة بين بدر وأحد وإذا كان الوئام والاتفاق ومراعاة الانضباط العسكري وعدم الشغب على القائد الأعلى النبي، وعدم مخالفته قد واكب المسلمين (في غزوة بدر) منذ تحرك الجيش الإسلامي من المدينة حتى رجوعه إليها، فإن المسلمين في (غزوة أحد) قد صاروا يواجهون المتاعب والاختلاف منذ بدأ جيشهم في التحرك من المدينة نحو العدو في أحد بل قبل أن يتحرك هذ الجيش. وقد كانت أولى هذه المتاعب الاختلاف الذي حدث بين القائد الأعلى النبي (يوافقه عبد الله بن أبي زعيم الخزرج) وبين جمهرة قادة الجيش، يؤيدهم الشباب الذين فاتهم شرف الاشتراك في معركة بدر. وذلك عندما طرح النبي ﷺ على بساط البحث، موضوع ملاقاة

стр. 518

العدو، في المؤتمر الاستشاري (١) العلني الذي عقد بالمدينة مع أعيان الجند وقادة الجيش، والذي استجاب فيه الرسول ﷺ لرأي الأغلبية، وهو الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، على الرغم من أن هذا الرأي مخالف لرغبة القائد الأعلى النبي ﷺ الذي كان يحبذ التحصن بالمدينة ومقاتلة المشركين في شوارعها إن هم قاموا بالهجوم عليها (٢). استمرار الخلافات داخل الجيش ثم تلا هذا الخلاف (الذي لم يكن فيه أي خطر على سلامة الجيش الإسلامي) خلاف أكبر وهو الانشقاق الخطير الذي كاد يكون له أسوأ الأثر على وحدة الجيش قبل وصوله إلى العدو، ذلك هو التمرد الذي حدث في الجيش النبوي، والذي قاده (في أحرج الظروف) رأس النفاق عبد الله بن أبي، كما فصلنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب في موضعه. كما نتج عن تمرد المنافقين ورجوعهم إلى المدينة متاعب وامتحانات تعرض لها القائد الأعلى النبي وصحبه، وذلك عندما همت وحدات من الجيش الإسلامي بالتمرد متأثرة بوساوس المنافقين ودسائسهم لولا أن الله تعالى تولى هذه الوحدات وربط على قلوب أفرادها، فعادوا إلى صوابهم وثبتوا على إيمانهم وولائهم لنبيهم وقائدهم ﷺ كما فصلنا ذلك فيما مضى.

стр. 519

كذلك (ونتيجة لتمرد المنافقين وانسحابهم إلى المدينة) ظهر رأي نادى به بعض قادة الجيش، لو نفذ العاد بأوخم النتائج على المسملين قبل أن يصلوا إلى أُحد. فقد نادى بعض القادة بضرورة تأديب المنافقين المتمردين الخونة، والقضاء عليهم قبل أن يلقى المسلمون عدوهم بأحد .. ولكن حكمة الرسول ﷺ وهدوءه وبعد نظره وخبرته العسكرية وحنكته السياسة حالت دون تنفيذ هذ الرأي، فَتُرِكَ المتمردون وشأنهم وواصل المسلمون سيرهم حتى عسكروا بالشعب من أُحد. وبالرغم من تلك الهزات الخطيرة التي تعرض لها هذا الجيش الفتي (قبل أن يشتبك بعدوه) فإنه ظل متماسك الأجزاء رابط الجأش على غاية من النظام والانضباط. وعند احتدام المعركة قاتل هذا الجيش ببسالة وإيمان منقطع النظير فقد أظهر من ضروب الشجاعة والبطولة ما قد يظنه البعض من ضروب الخيال. فالبرغم من تفوق جيش مكة عليه في كل شيء مادي تفوقًا ساحقًا أنزل هذا الجيش الصغير الهزيمة المزلزلة بذلك الجيش المكي الضخم في الساعات الأولى من المعركة. ولكن هل انتصر المشركون حقًّا ؟ ولكن إذا كان الجيش الإسلامي قد خرج سليمًا من كل ما تعرض له من بلايا الخلاف والتمرد قبل أن يصل إلى معسكره في أحد، فإنه لم

стр. 520

يستطع النجاة من نكبات مخالفة الأوامر التي حدثت في بعض وحداته وهو في أوج نصره وذروة ظفره. فقد جلت الرماة بمخالفتهم الأوامر، تلك النكسة المريعة التي تلتها سلسلة من الفجائع والنكبات، التي كاد يودي فيها بحياة النبي الأعظم ﷺ . تلك النكبات التي انتهت بفقدان سبعين شهيدا من جند الإسلام، وأضاعت النصر الذي سجله المسلمون في أول معركة، ثم سجلت للمشركين نصرًا ما كانوا يتوقعونه أبدًا. ولكن هل انتصر المشركون حقا؟ . مما لا جدال أن الانتكاسة التي أصابت جيش الإسلام بعد حادثة الجبل، كان مريعة. وقد ترتب عليها ما ترتب من خسائر فادحة في الأرواح، وضياع مكاسب عظيمة، هي الانتصارات السريعة الحاسمة التي سجلها جند محققة، كان من المؤكد أن تكون أعظم من الكارثة التي نزلت به في معركة بدر، لولا غلطة الرماة. ولكن هل الذي حدث يمكن اعتباره (من الوجهه العسكرية) نصرًا للمشركين (بمعنى كلمة النصر) وهزيمة المسلمين (بمعنى كلمة هزيمة)؟ ؟ . يرى كثير من المؤرخين (وإن شئت قل أكثرهم) أن ما انتهت إليه

стр. 521

معركة أحد هو نصر المشركين واندحار للمسلمين بكل معاني كلمة نصر واندحار. المشركون لم ينتصروا حقًّا والذي نراه (ولكل رأيه) أن المشركين لم يكونوا منتصرين في معركة أحد بالمعنى المتعارف عليه في الحروب، وكذلك المسلمون لم يكونوا منهزمين في هذه المعركة، بالمعنى المتعارف عليه، وخاصة في ذلك العصر. وكل ما في الأمر أن المسلمين كانوا هم المنتصرين في ابتداء المعركة حيث ركبوا المشركين وطردوهم عن معسكرهم وأحاطو بنسائهم واستولوا على كل ما في العسكر بعد أن عفروا لواءهم في التراب إثر القضاء على الفصيلة التي كانت مسئولة عن حمله. ثم حدثت الانتكاسة بعد تمرد الرماة، فاضطربت صفوف المسلمين وأضاعوا النصر الذي أحرزوه ودخلت المعركة في طور جديد، تغيرت بعده موازين القوى وعادت الريح للمشركين. إلا أنه بالرغم من هذا التحول المريع فإن المسلمين لم ينهزموا كما انهزم المشركون الذين ولوا الأدبار وتركوا معسكرهم ونساءهم تحت رحمة جند الإسلام؛ ولواءهم مطروحا على التراب في الصفحة الأولى من المعركة. بل إنهم (أي المسلمين) إلا قليلًا منهم، ظلوا يقاتلون بضراوة ليشقوا طريقهم وسط طوابير العدو المحيطة بهم، للاتصال بقائدهم والالتفاف حوله من جديد، مما جعلهم يدفعون الثمن غاليًا وهو سبعون قتيلًا وعشرات من الجرحى، حتى نجحوا في الوصول إلى نبيهم وتحلقوا

стр. 522

حوله، وأقاموا خطًّا جديدًا للقتال صمدوا به في وجه القرشيين وظلوا بقيادة نبيهم يقاتلون قتالًا مريرًا، مما أحبط كل المحاولات اليائسة التي قام بها المشركون للقضاء على المسلمين أو تشتيتهم من جديد. وخاصة بعد أن تجمع المسملون حول قائدهم وأخذوا في إنشاء سور من رجالهم تكسرت عليه كل هجمات المشركين الضارية كما تتكسر الأمواج على الصخور، مما حمل المشركين على اليأس والانسحاب من الميدان دون أن يتمكنوه من أسر رجل واحد من المسلمين. فهل الجيش الذي انسحب يائسًا من الميدان (وعلى جناح السرعة) تاركًا مكان المعركة لتسعين في المائة من الجيش الذي اشتبك معه وهو مدجج في سلاحه دون أن يقوى على نزاع سلاح واحد منهم، ووضعه في الأسر .. هل هذا الجيش الذي شأنه هكذا يعد منتصرًا؟ ؟ . أدلة الانتصار الحقيقي إن من الأدلة التي تثبت بها الجيوش انتصارها (وخاصة في ذلك العصر) الأسرى والغنائم .. كذلك تحطيم قوة العدو تحطيمًا لا يمكنه من القيام بأية مقاومة، ثم السيطرة علي مكان المعركة والبقاء فيها يومين أو ثلاثًا على الأقل، ليثبت الجيش المنتصر أنه منتصرًا حقًّا وأنه سيد الموقف تمامًا، وإن خصمه قد تحطم ولم تبق له أية قوة في مكان المعركة يمكنها التحرك.

стр. 523

ك يف انتصر المسلمون في بدر؟ وذلك كما فعل المسملون في معركة بدر، فإنه قد وقع في أيديهم سبعون أسيرًا وغنائم كثيرة جدًّا، عادوا بالجميع إلى المدينة، واشتهر أمر كل هذا بين العرب جميعًا. كما أن المسلمين بعد تحطيم الجيش المكي في بدر، مكثوا في مكان المعركة ببدر ثلاثة أيام مسيطرين تامة، فأثبتوا بذلك أنهم منتصرون فعلًا. يضاف إلى هذا أن جيش مكة في بدر قد تمزق شر تمزق، فقد تبعثر رجاله (منهزمين) في الوهاد والوديان وفروا إلى مكة فرادى وعلى غير نظام. انسحاب أشباه بالفرار أما جيش مكة الذي خاض معركة أحد (والذي يقال إنه قد انتصر) فإنه قد عاد إلى مكة وليس معه أسير واحد، ولا أي شيء يمكن تسميته غنيمة، كما أنه ترك مكان المعركة على عجل. بينما ظل جيش الإسلام (الذي يقال إنه قد انهزم) مرابطًا في مكان المعركة بأحد حول قائده الأعلى مسيطرًا على الميدان سيطرة تامة، مما مكنه من دفن شهدائه وإسعاف جرحاه والانسحاب إلى المدينة في حالة هدوء وانتظام. وقد كان انسحاب أبي سفيان من مكان المعركة بأُحد أشبه بالفرار.

стр. 524

ولا شك أنه قد اغتنم فرصة الانتكاسة التي سببتها للمسلمين غلطة الرماة، فسارع بالانسحاب (في غمرة هذه الانتكاسة وبعد أن يئس من القضاء على المسلمين) خوفًا من أن ينظموا صفوفهم من جديد ويقوموا بهجوم مضاد قد ينزل بجيش مكة هزيمة ساحقة. ومما يدل على قلق أبي سفيان أثناء انسحابه، وأن هذا الانسحاب أشبه بالفرار، هو أنه لم يجرؤ على الاقتراب من المدينة التي كانت على بعد خطوات من جيش مكة، والتي كانت مفتوحة تمامًا وخالية من كل حراسة إسلامية، حيث لم يكن بها من الرجال سوى اليهود والمنافقين، وقلة قليلة من رجال المسلمين الذين كان أكثرهم عاجزًا عن القتال تركهم النبي ﷺ مع النساء والأطفال. فكانت الظروف مواتية لأبي سفيان تمامًا، للإغارة على المدينة، ولو لأخذ بعض الغنائم واعتقال بعض الأسرى وأخذ بعض السبايا، ليعود بالجميع إلى مكة، لكي يظهر بمظهر الغالب المنتصر، نعم كانت الظروف مواتية لأبي سفيان لأن يفعل هذا على الأقل، لا سيما أن المدينة وقت ذاك كانت مليئة باليهود والمنافقين الذين (بالرغم من الحلف الذي بينهم وبين المسلمين) كانت قلوبهم مع المشركين. ولكن أبا سفيان كان في شاغل عن كل هذا (كما هو في الواقع) كان مشغولًا بالنجاة بجيشه لئلا يدخل مرة أخرى في معركة من هؤلاء الذين خبر ضراوتهم وشدة مراسهم في أول المعركة، يؤيد قولنا هذا فرار أبي سفيان وعدم ثباته أمام هذا الجيش الذي ظنه الناس منهزمًا، وقد خرج لمطاردته بقيادة النبي في حملة حمراء الأسد صبيحة اليوم الثاني لمعركة أُحد.

стр. 525

فما انتهت إليه (إذن) معركة أحد لا يمكن (من الناحية العسكرية أو السياسية) اعتباره نصرًا مؤزرًا لجيش مكة أو هزيمة (بمعنى كلمة هزيمة) لجيش المدينة. نعم كانت خسارة المسلمين في معركة أُحُد خسارة باهظة في الأرواح (بالنسبة لخسارة المشركين) حيث بلغ عدد قتلى المسلمين ضعفي عدد قتلى المشركين (تقريبًا). نتائج المعارك لا تقاس بالخسائر فالمسألة (إذن) ليست أكثر من أن خسارة المسلمين في الأرواح هي أكثر من خسارة المشركين فحسب، ولكن هذا (من الناحية العسكرية) لا يمكن لأي خبير عسكري أن يعتبره نصرًا للمشركين وهزيمة للمسلمين. قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) ص ١١٩، الطبعة الثانية: أنا لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة أحد نصرًا للمشركين واندحارًا للمسلمين، لأن مناقشة المعركة عسكريًا تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة في الأرواح في هذه المعركة. ثم يقول اللواء خطاب .. ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة لإظهار نتائج غزوة أُحد. لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم وتعفير لوائهم، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين وقطع خط رجعتهم وهجوم المشركين من الإمام جعل قوات المشركين تطبق - من كافة الجوانب - على قوات المسلمين.

стр. 526

هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر. ولكن بقى النصر بجانبهم إلى الآخر، لأن نتيجة كل معركة عسكرية لا تقاس بالخسائر في الأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء على العدو، ماديًا ومعنويًا. فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا؟ يجيب اللواء خطاب على هذا التساؤل بقوله: إنَّ حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب، وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين. كل ذلك كان يجب أن تكون نتائجة القضاء الأكيد على كافة قوات المسلمين، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة من موجودها إلا انتصارًا لتلك القوة الصغيرة. ولا يمكن اعتبار فشل تلك القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة (ماديًا ومعنويًا) في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا لها .. هذا من الناحية العسكرية. أما من الناحية المعنوية فيقول اللواء الركن (خطاب): إن قريشًا لم تستطع أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتهم بعد يوم فقط من يوم أحد، دون أن تتجرأ قريش على لقائهم

стр. 527

بعيدًا عن المدينة، خاصة إن الرسول قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت (فعلًا) بمعركة أُحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس". وقال مولانا محمد علي (١) في كتابه (حياة محمد ورسالته) (٢) ص ١٥٣ الطبعة الأولى: أنه لما ينم عن جهل بالوقائع التاريخية أن يستنتج المرء أن المسلمين هزموا في معركة أحد .. صحيح أن المسلمين منوا بخسائر باهظة، , ولكن من الثابت - بالقدر نفسه - أن قريشًا أكرهت على العودة خائبة أيضًا، وهل نقع في صفحات التاريخ على حادثة انتصار واحدة أثبت فيها العدو المغلوب إقدامه في الميدان وانقلب الجيش المنتصر عائدًا إلى وطنه من غير أن يأسر أسيرًا واحدًا؟ ؟ ووجد فيها العدو المنهزم الجرأة على مطاردة المنتصرين في غد بعد بضع ساعات من المعركة ليس غير؟ . على حين ولى المنتصرون الأدبار لدى سماعهم نبأ المطاردة؟ ؟ ثم يقول (مولانا محمد علي): ليس من شك أن المسلمين اجتازوا هذه المعركة بمحن قاسية، لقد جرح الرسول نفسه جراحات بليغة، بل لقد سرت شائعة تقول إنه قتل، وبذلك خُيل إلى القوم أن أمر الإسلام قد انتهى قولًا واحدًا. ثم يختتم مولانا محمد علي نقاشه هذا بقوله:

стр. 528

"إن العدو قد يهلل ابتهاجًا لما يتراءى في ناظريه قضاء على الإسلام ولكن القلب المسلم يجب أن يظل ناعمًا بالطمأنينة، فالإسلام خالد لا يموت، وكل مصيبة تلم به مهما تكن عظيمة لا بد أن تحمل إليه انتصاره الحقيقي متنكرًا بقناع". الصفحات الثلاث لا شك أن الصفحات البارزة في معركة أُحد، هي ثلاث صفحات: ١ - انتصار المسلمين الخاطف السريع في الصفحة الأولى من المعركة. ٢ - انتكاسة المسلمين وتطويق جيشهم وضياع النصر الذي سجلوه في أول المعركة. ٢ - تماسك المسلمين من جديد وانتصارهم (أخيرًا) على المشركين بالحيلولة بينهم وبين الحصول على هدفهم الرئيسي من الغزو. وهو القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا وإجبار هؤلاء المشركين على الانسحاب من ميدان القتال دون أن يسجلوا ما يمكن تسميته نصرًا بالرغم من المركز الممتاز للغاية الذي حصلوا عليه بعد معركة خالد بن الوليد وتطويق الجيش الإسلامي. أ - أسباب انتصار المسلمين أول المعركة لا شك أن الفوارق المادية بين الملتحمين في معركة أحد كبيرة جدًّا.

стр. 529

فالمشركون إذا كان جيشهم قد بلغ (في غزوة بدر) ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، فإن جيش مكة قد بلغ (في معركة أحد) أكثر من أربعة أضعاف جيش المسلمين مع التفوق الساحق في جودة السلاح ووفرته ووسائل الوقاية الحربية من دروع ومغافر، يضاف إلى ذلك (وهو الأهم) وجود مائتي فرس في جيش مكة يقودها أمهر الفرسان بينما لا يوجد لدى المسلمين من سلاح الفرسان سوى فرس واحد أو فرسين على الأكثر. ولكن مع هذا التنظيم والقوة الهائلة التي استغرق إعدادها وتنظيمها سنة كاملة، انتصر الجيش الإسلامي في المرحلة الأولى من المعركة، وشتت هذا الجيش الصغير ذلك الجيش الضخم وأنزل به هزيمة كادت تكون ساحقة، لولا نجاح حركة التفاف فرسان خالد. فما هي (إذن) الأسباب الرئيسية التي مكنت هذا الجيش الصغير من تسجيل ذلك النصر السريع المذهل على ذلك الجيش الضخم الهائل المسلح أقوى تسليح؟ ؟ . لا شك أن السبب الرئيسي في ذلك هو: العقيدة. فالعقيدة هي (دائمًا) السبب الرئيسي في كل نصر يحرزه المسلمون على أعدائهم في ذلك العصر. فقد كان محمد ﷺ وأصحابه يخوضون المعارك وهم (كما قلنا في تحليل أسباب نصرهم في بدر) على صلة وثيقة بربهم، حيث أن السبب الرئيسي الذي يجعلهم يبذلون الأرواح رخيصة، ويسيرون إلى المعارك

стр. 530

فرحين مستبشرين، هو يقينهم بأن أسعد الناس الذي يكون محل رضا الله تعالى ورحمته وإنعامه في عالم الخلود (العالم الآخر) هو الذي يفقد حياته مقاتلًا في سبيل إعلاء كلمة الله (١). فالعقيدة الصافية التي جاء بها الإسلام، هي (دائمًا) السلاح الأول الذي كان يعتمد عليه أصحاب محمد في كل المعارك. والعقيدة هي (دونما جدال) المصدر الأول للروح المعنوية التي كان - ولا يزال - القادة العسكريون يعتبرونها (حتى اليوم) لازمة للجند قبل العتاد والذخيرة. فالقوة المادية مهما كانت ضخمة وعظيمة ومنظمة، فإنه لا تفيد أصحابها شيئًا ما لم يكونوا متسلحين بعقيدة يؤمنون بها ويرون الموت في سبيلها سعادة واعتزازًا. وقد رأينا ولا نزال نرى (حتى اليوم) رجالًا جمعت بينهم العقيدة حققوا ما يشبه المعجزة، حيث تغلبوا بسلاح القرن العاشر (في معارك ضاربة) على خصومهم الذين يحملون أفتك أسلحة القرن والعلوم العسكرية تفوقًا ساحقًا. وهكذا فإن المسلمين في معركة أُحد كانوا يمتازون على خصومهم (في الدرجة الأولى) بالعقيدة الصادقة والمبدأ الراسخ الثابت السليم،
следующие страницы →