هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر. ولكن بقى النصر بجانبهم إلى الآخر، لأن نتيجة كل معركة عسكرية لا تقاس بالخسائر في الأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء على العدو، ماديًا ومعنويًا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا؟ يجيب اللواء خطاب على هذا التساؤل بقوله:
إنَّ حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب، وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين.
كل ذلك كان يجب أن تكون نتائجة القضاء الأكيد على كافة قوات المسلمين، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة من موجودها إلا انتصارًا لتلك القوة الصغيرة.
ولا يمكن اعتبار فشل تلك القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة (ماديًا ومعنويًا) في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا لها .. هذا من الناحية العسكرية.
أما من الناحية المعنوية فيقول اللواء الركن (خطاب): إن قريشًا لم تستطع أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتهم بعد يوم فقط من يوم أحد، دون أن تتجرأ قريش على لقائهم
стр. 527
بعيدًا عن المدينة، خاصة إن الرسول قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت (فعلًا) بمعركة أُحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس".
وقال مولانا محمد علي (١) في كتابه (حياة محمد ورسالته) (٢) ص ١٥٣ الطبعة الأولى:
أنه لما ينم عن جهل بالوقائع التاريخية أن يستنتج المرء أن المسلمين هزموا في معركة أحد .. صحيح أن المسلمين منوا بخسائر باهظة، , ولكن من الثابت - بالقدر نفسه - أن قريشًا أكرهت على العودة خائبة أيضًا، وهل نقع في صفحات التاريخ على حادثة انتصار واحدة أثبت فيها العدو المغلوب إقدامه في الميدان وانقلب الجيش المنتصر عائدًا إلى وطنه من غير أن يأسر أسيرًا واحدًا؟ ؟ ووجد فيها العدو المنهزم الجرأة على مطاردة المنتصرين في غد بعد بضع ساعات من المعركة ليس غير؟ .
على حين ولى المنتصرون الأدبار لدى سماعهم نبأ المطاردة؟ ؟ ثم يقول (مولانا محمد علي):
ليس من شك أن المسلمين اجتازوا هذه المعركة بمحن قاسية، لقد جرح الرسول نفسه جراحات بليغة، بل لقد سرت شائعة تقول إنه قتل، وبذلك خُيل إلى القوم أن أمر الإسلام قد انتهى قولًا واحدًا.
ثم يختتم مولانا محمد علي نقاشه هذا بقوله:
стр. 528
"إن العدو قد يهلل ابتهاجًا لما يتراءى في ناظريه قضاء على الإسلام ولكن القلب المسلم يجب أن يظل ناعمًا بالطمأنينة، فالإسلام خالد لا يموت، وكل مصيبة تلم به مهما تكن عظيمة لا بد أن تحمل إليه انتصاره الحقيقي متنكرًا بقناع".
الصفحات الثلاث
لا شك أن الصفحات البارزة في معركة أُحد، هي ثلاث صفحات:
١ - انتصار المسلمين الخاطف السريع في الصفحة الأولى من المعركة.
٢ - انتكاسة المسلمين وتطويق جيشهم وضياع النصر الذي سجلوه في أول المعركة.
٢ - تماسك المسلمين من جديد وانتصارهم (أخيرًا) على المشركين بالحيلولة بينهم وبين الحصول على هدفهم الرئيسي من الغزو. وهو القضاء على المسلمين ماديًا ومعنويًا وإجبار هؤلاء المشركين على الانسحاب من ميدان القتال دون أن يسجلوا ما يمكن تسميته نصرًا بالرغم من المركز الممتاز للغاية الذي حصلوا عليه بعد معركة خالد بن الوليد وتطويق الجيش الإسلامي.
أ - أسباب انتصار المسلمين أول المعركة
لا شك أن الفوارق المادية بين الملتحمين في معركة أحد كبيرة جدًّا.
стр. 529
فالمشركون إذا كان جيشهم قد بلغ (في غزوة بدر) ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، فإن جيش مكة قد بلغ (في معركة أحد) أكثر من أربعة أضعاف جيش المسلمين مع التفوق الساحق في جودة السلاح ووفرته ووسائل الوقاية الحربية من دروع ومغافر، يضاف إلى ذلك (وهو الأهم) وجود مائتي فرس في جيش مكة يقودها أمهر الفرسان بينما لا يوجد لدى المسلمين من سلاح الفرسان سوى فرس واحد أو فرسين على الأكثر.
ولكن مع هذا التنظيم والقوة الهائلة التي استغرق إعدادها وتنظيمها سنة كاملة، انتصر الجيش الإسلامي في المرحلة الأولى من المعركة، وشتت هذا الجيش الصغير ذلك الجيش الضخم وأنزل به هزيمة كادت تكون ساحقة، لولا نجاح حركة التفاف فرسان خالد.
فما هي (إذن) الأسباب الرئيسية التي مكنت هذا الجيش الصغير من تسجيل ذلك النصر السريع المذهل على ذلك الجيش الضخم الهائل المسلح أقوى تسليح؟ ؟ .
لا شك أن السبب الرئيسي في ذلك هو: العقيدة.
فالعقيدة هي (دائمًا) السبب الرئيسي في كل نصر يحرزه المسلمون على أعدائهم في ذلك العصر.
فقد كان محمد ﷺ وأصحابه يخوضون المعارك وهم (كما قلنا في تحليل أسباب نصرهم في بدر) على صلة وثيقة بربهم، حيث أن السبب الرئيسي الذي يجعلهم يبذلون الأرواح رخيصة، ويسيرون إلى المعارك
стр. 530
فرحين مستبشرين، هو يقينهم بأن أسعد الناس الذي يكون محل رضا الله تعالى ورحمته وإنعامه في عالم الخلود (العالم الآخر) هو الذي يفقد حياته مقاتلًا في سبيل إعلاء كلمة الله (١).
فالعقيدة الصافية التي جاء بها الإسلام، هي (دائمًا) السلاح الأول الذي كان يعتمد عليه أصحاب محمد في كل المعارك.
والعقيدة هي (دونما جدال) المصدر الأول للروح المعنوية التي كان - ولا يزال - القادة العسكريون يعتبرونها (حتى اليوم) لازمة للجند قبل العتاد والذخيرة.
فالقوة المادية مهما كانت ضخمة وعظيمة ومنظمة، فإنه لا تفيد أصحابها شيئًا ما لم يكونوا متسلحين بعقيدة يؤمنون بها ويرون الموت في سبيلها سعادة واعتزازًا.
وقد رأينا ولا نزال نرى (حتى اليوم) رجالًا جمعت بينهم العقيدة حققوا ما يشبه المعجزة، حيث تغلبوا بسلاح القرن العاشر (في معارك ضاربة) على خصومهم الذين يحملون أفتك أسلحة القرن والعلوم العسكرية تفوقًا ساحقًا.
وهكذا فإن المسلمين في معركة أُحد كانوا يمتازون على خصومهم (في الدرجة الأولى) بالعقيدة الصادقة والمبدأ الراسخ الثابت السليم،
стр. 531
فالعقيدة هي التي دفعت بهم إلى خوض المعركة في استبسال وثبات وتضحية.
جيش بلا عقيدة
بينما خصومهم من المشركين لا يحملون أية عقيدة تحفزهم على الاستبسال واسترخاص الأرواح، فهم مشركون لا يربطهم أي سبب بالله تعالى.
فليس بينهم من يحمل الاعتقاد بأنه يقاتل في سبيل الله، وأن مصيره الجنة إن هو قتل. والاعتقاد باتساع رقعة مجال عقيدته وحملها إلى العالم إن هو انتصر.
وإنما كان جيش مكة خليطًا، بعضه لا يدري لماذا يقاتل، وبعضه من المرتزقة الذين من طبيعة حياتهم العيش على السلب والنهب.
والبعض الآخر (وهم الأقلية من قادة الجيش ومفكريه) خرجوا للدفاع فقط عن مراكزهم القيادية المهددة بالانهيار داخل قبيلة قريش العظيمة، التي هي الأخرى صارت منزلتها الممتازة مهددة بالانهيار أيضًا بين جميع قبائل العرب.
فحشر هؤلاء القادة هذه الجموع، بغية استخدامها للإطاحة بالنبي ودينه الجديد الذي هو المصدر الحقيقي لذلك التهديد.
وهكذا فإن جيش مكة (بالرغم من صرف سنة كاملة في إعداده وتنظميه) كان غير صالح (من الأساس) لتسجيل أي نصر على جيش النبي محمد ﷺ .
стр. 532
والسبب في ذلك أن جيش مكة كان يفقد كل العناصر الأساسية التي من توفرها لأي جيش يطمع قادته في تحقيق النصر الحقيقي على أعدائهم، وهي (أي العناصر الأساسية التي كان الجيش المكي خلوًا منها:
١ - وحدة الهدف
٢ - وحدة الجيش.
٣ - وحدة العقيدة.
٤ - وبالتالي الإيمان بصدق هذه العقيدة الذي يجعل حاملها يوقن في قرارة نفسه بأن خذلان هذه العقيدة والنكول عن الحرب في سبيلها جريمة عقوبتها العذاب الشديد الطويل في جنهم (١).
بينما كل هذه العناصر الأربعة (التي كانت مفقودة في الجيش المكي) متوفرة كاملة في جيش المدينة، فلا غرابة (إذن) في أن يسجل ذلك الجيش الصغير هذا النصر السريع على ذلك الجيش الضخم في الصفحة الأولى من المعركة.
بل أن يَحُولَ هذا الجيش الصغير (حتى بعد الانتكاسة) بين جيش مكة القوي الضخم وبين تحقيق أي هدف من أهدافه الرئيسية، حيث ظل يقاتل بشراسة وعناد حتى أجبر جيش المشركين - الذي أعطته غلطة الرماة مركزًا ممتازًا - على الانسحاب راضيًا من الغنيمة بالإياب.
стр. 533
ب - أسباب الانتكاسة
وإذا رجعنا إلى أسباب الانتكاسة التي أصابت المسلمين (أو الهزيمة كما يسميها البعض) لوجدنا أن أهم هذه الأسباب أربعة:
١ - عصيان الرماة
فمما لا جدال فيه وكاد يجمع عليه المؤرخون، هو أن أهم أسباب الانتكاسة هذه عصيان الرماة (١) الذين خالفوا الخطة المرسومة لإدارة المعركة، فتمردوا على قائدهم عبد الله بن جبير، وتركوا مواقعه في الجبل للاشتراك مع أخوانهم في جمع الغنائم قبل أن يسيطر جيش المدينة على ميدان المعركة سيطرة تامة، مما مكّن خالد بن الوليد - قائد سلاح الفرسان في جيش مكة - من اقتحام معقل الرماة في الجبل والقضاء على العشرة الباقين منهم، ثم الانقضاض على مؤخرة المسلمين الذين كان الكثير منهم مشغولًا بجمع الغنائم - وضربهم من الخلف بسرعة فائقة، وإعطاء المنهزمين من عسكر مكة الإشارة بأن يعطفوا على المسلمين - وسط حزام من فرسان العدو ومشاته، فوقع الارتباك في صفوفهم وانفرط عقد نظامهم، حتى صار بعضهم يضرب بعضًا من الدهش، فكانت مخالفة
стр. 534
الرماة للأوامر النبوية والخروج عن الخطة المرسومة، خطأ كبيرًا كان من أهم أسباب النكبة.
رأي آخر لضابط عسكري عراقي
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد):
أخطأ رماة المسلمين في مخالفتهم لأوامر الرسول وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم لما استطاع خالد بن الوليد تطويق مؤخرتهم ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين، ثم قال:
إن مخالفة الأوامر في أُحد، درس في نتائج كل مخالفة عسكرية للأوامر في الحرب وإن نتائجها المعروفة كافية لغرس هذا الدرس لكيلا يعود أحد لمثلها.
وقال اللواء خطاب في موضع آخر من كتابه المذكور:
تنفيذ الأوامر، هو الضبط العسكري الذي يعتبر روح الجندية والسبب المباشر لكل انتصار في كل معركة، ومخالفة الرماة في ترك مواقعهم والإسراع لحمل الغنائم خطأ كبير وقع فيه المسلمون (حينذاك) إذ كشف العدو ظهورهم، فاستفاد خالد من هذه الفرصة السانحة لتطويقهم من الخلف مما أدى إلى الإطباق عليهم من كافة الجهات.
٢ - الانشغال بالغنائم
كذلك من أسباب الانتكاسة انشغال كثير من المسلمين بجمع الغنائم، والكف عن مطاردة المشركين بعد إنزال الهزيمة بهم في الصفحة الأولى من المعركة.
стр. 535
وقد توقف الكثير من المسلمين عن مطاردة المشركين، وانشغلوا بجمع الغنائم التي ازدحمت بها أرض معسكرهم مما خفف على جيش مكة المنهزم من وطأة الهزيمة، وجعل المنهزمين لا يوغلون في الفرار كثيرًا، وهذا هو الذي جعلهم يدركون حركة الالتفاف التي قام بها سلاح الفرسان القرشي بقيادة ابن الوليد، ويستجيبون (بسرعة) لندائه، بعد الصيحة التي أرسلها رجاله عند القيام بهذه الحركة الخطيرة، فقاموا بهجوم مضاد، أوقع المسلمين بين نارين، مما أضاع عليهم ثمرة نصرهم، وأنزل بهم النكبة الموجعة.
وأعتقد أن حركة خالد ستكون فاشلة، لو أن المسلمين لم ينشغلوا بجمع الغنائم، وشدوا على المشركين واغتنموا فرصة الذعر والهلع الذي أصابهم (ساعة انهزمهم) فتابعوا مطاردتهم بنفس القوة التي ركبوهم بها عند أول الهزيمة، حتى يبعدوهم عن ساحة المعركة ولو لعدة أميال.
فلو أن المسلمين فعلوا ذلك لتمكنوا (على ما أعتقده) من القضاء على الجيش المنهزم، أو تشتيت شمله تشتيتًا كاملًا (على الأقل) ولتمكنوا (أيضًا) من الحيلولة بين جيش مكة وبين معرفة حقيقة حركة خالد.
لأن جيش مكة إذا كان على بعد عدة أميال لا يمكنه سماع صوت خالد، بل ولو سمعه (وهو على هذه المسافة من البعد) لما أمكنه أن يقوم بما قام به من الاستجابة السريعة لمشاركة خالد بن الوليد في عملية التطويق الناجحة.
وبهذا يسهل على المسلمين القضاء على حركة خالد (فيما لو قام بها)، لأن مائتي فارس منعزلين لا يمكنهم الصمود في وجه المسلمين (وخاصة عندما يكونون في أوج نصرهم).
стр. 536
بل قد لا يجرؤ خالد بن الوليد على القيام بحركة الالتفاف التي قام بها، لو أن جمهرة الجيش الإسلامي تابعت مطاردتها لجيش مكة المنهزم ولم تشتغل بجمع الغنائم.
بل قد لا يغادر الرماة مواقعهم في الجبل لو أن إخوانهم المنتصرين لم ينشغلوا بجمع الغنائم، فقد شجع الرماة على مغادرة مواقعهم ما رأوه من كثرة الغنائم التي رأوا إخوانهم يتسابقون لجمعها.
قال صاحب كتاب (الرسول القائد) عند تعرضه لذكر أسباب انتكاسة المسلمين في أُحد:
لم يقم المسلمون بالمطاردة في الصفحة الأولى من المعركة بعد انهزام المشركين بعيدًا عن معسكرهم، بل انشغلوا بالغنائم، ولو أنهم قاموا بالمطاردة (فورًا) بعد انهزام المشركين لقضوا على قوتهم بسهولة، من بعد ذلك يعودون لجمع الغنائم.
وقال اللواءُ الركن (خطاب) في موضع آخر من كتابه المذكور:
وقد أخطأ المسلمون في عدم مطاردتهم للمشركين بعد فرار المشركين من مواضعهم وابتعادهم عن معسكرهم والتفاف المسلمين حول نساء المشركين ومواشيهم وإبلهم في الصفحة الأولى من المعركة، ولو قام المسلمون بالمطاردة إلى مسافة عشرة أميال على الأقل، لأوقعوا بالمشركين خسائر فادحة ولانتهت معركة أُحد إلى نتائج في مصلحة المسلمين.
стр. 537
٢ - المباغتة
مما لا نزاع فيه (بين خبراء الحرب) أن المباغته لها رد فعل خطير في نفوس من تحدث ضدهم، فالمباغتة من أخطر أساليب الحرب التي تتبع (حتى هذا اليوم) لقلب موازين القوى وإحداث التحولات السريعة المفاجئة في سير المعارك.
وكم كسب كثير من القادة الجولة الأخيرة، بسبب قيامهم بمباغتات (ضد خصومهم) أثناء المعارك من كمين أو هجوم غير متوقع (١).
стр. 538
ولهذا كان العرب (في العصور الأولى) كثيرًا ما يتبعون خطط الكمائن وهي قوة تقوم بمفاجأة العدو ساعة المعركة، فتحدث هذه القوة الارتباك والفوضى في صفوف العدو (حتى وإن كانت هذه القوة صغيرة) ولما للمفاجأة من أثر سيئ في نفوس من تحدث ضدهم.
ولهذا كان لمباغتة خالد بن الوليد - التي مكنه من القيام بها (ضد جيش المدينة) انسحاب أكثر الرماة من الجبل - أثر مريع في نفوس الجيش الإسلامي الذي أذهلته المباغتة حينما شعر وهو في أوج نصره (وعلى حين غفلة) بالأرض ترجف من وراء ظهره من شدة وقوع حوافر
стр. 539
مائتي فرس انقض عليه فرسانها وضربوا حوله نطاقًا في سرعة مذهلة، فارتبك الجيش الإسلامي لهذه المفاجأة واضطربت صفوفه، ولا سيما بعد أن تراجع النهزمون من الجيش المكي وجمعوا شملهم.
قال اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) عن مبادئ المباغتة في المعارك.
"المباغتة من أهم مبادئ الحرب ومعناها ضرب العدو من مكان أو في زمان أو بأسلوب لا يتوقعه (١)، حيث يمكن تحطيم قوى العدو المادية والمعنوية، ثم قال الضابط العراقي (خطاب):
كان قيام خالد بن الوليد بالالتفاف وراء قوات المسلمين في الوقت الذي انهزم فيه المشركون مباغتة تامة للمسلمين فارتبكت صفوفهم بدرجة
стр. 540
لم يفرقوا معها بين قوات عدوهم وبين قواتهم، فقتل بعضهم بعضًا، كما تحطمت معنويات الكثير منهم وأصبحوا لا يعرفون ما يصنعون.
إن هذه المباغتة أتاحت الفرصة لقريش للقضاء على المسلمين وإبادة قواتهم، ولكنهم لم يستطيعوا الاستفادة من موقفهم الممتاز هذا، فضيعوا هذه الفرصة السانحة لجعل معركة أحد حاسمة في نتائجها" اهـ.
٤ - إشاعة مقتل النبي
كذلك ساهمت إشاعة مقتل النبي ﷺ في مضاعفة النكبة .. فمما لا جدال فيه أن قتل القائد العام (وخاصة في ذلك العصر) معناه الهزيمة للجيش.
ولهذا كان للإشاعة الكاذبة التي انتشرت بين المسلمين بأن نبيهم قد قتل، أثر مزلزل في نفوس كثير من أفراد الجيش الإسلامي، حتى إن بعضهم ألقى السلاح وكف عن القتال وفكر في الاتصال بقادة مكة للاستلام وطلب الأمان عند انتشار هذه الإشاعة.
وانهارت معنويات كثير من جند الإسلام ووقفوا حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، حتى أن بعض المؤرخين يرون أن السبب الأكبر في انكسار المسلمين بعد الانتصار، هو انتشار إشاعة مقتل النبي ﷺ .
فقد جاء في وفاء الوفا (للسمهودي) قوله):
"وقيل كان سبب الهزيمة أن ابن قمئة الليثي قتل مصعب بن عمير وكان مصعب إذا لبس لأمته (أي عدة حربه) يشبه النبي ﷺ فلما قتل ظن
стр. 541
أنه رسول الله ﷺ ، فرجع إلى قريش وقال: قد قتلت محمدًا، فازدادوا جرأة وصاح إبليس من العقبة (قتل محمد) فلما سمع المسلمون ذلك (وهم متفرقون) كانت الهزيمة ولم يلو أحد على أحد" أهـ.
وعلى كل حال كان لإشاعة مقتل النبي ﷺ أثر كبير في اضطراب المسلمين وسريان الفوضى والارتباك داخل وحداتهم، مما ساهم في ارتفاع رصيد خسارتهم في الرجال ..
ج - تماسك المسلمين بعد الانتكاسة
لا شك أن الحركة المباغتة التي قام بها سلاح فرسان المشركين (أثناء القتال) قد أوقعت جمهرة جيش المدينة بين فكي (كماشة) نجح المشركون في إطباقها عليه من كل الجهات.
وكل جيش يقع فيما وقع الجيش الإسلامى (يوم أُحُد) يكون مصيره (غالبًا) إما السحق كاملًا، وإما استسلامه للأسر.
وإذا أضفنا إلى واقعة التطويق المباغت، تفوق الجيش المطوِّق على الجيش المطوَّق في العدد تفوقًا ساحقًا (حيث أن الجيش المدني المطوَّق لا يزيد عدده على خمسمائة مقاتل تقريبًا، بينما الجيش المكي المطوِّق لا يقل عدده عن ألفين وسبعمائة مقاتل، (على أقل تقدير) لوجدنا أنه يكاد يكون من المستحيل نجاة الجيش الصغير من قتل جميع رجاله أو استسلامهم عن آخرهم.
ولكن الذي حدث، هو خلاف ذلك، فقد تمكن المسلمون المطوَّقون من التغلب على جيش مكة المطوِّق، حيث كسروا الطوق الذي ضربه حولهم، ثم
стр. 542
أفلتوا من قبضته وشقوا طريقهم عبر صفوفهم نحو الشعب من أُحد حيث يوجد قائدهم الأعلى النبي، بعد أن دفعوا لهذا التخلص ثمنًا قوامه عشرة في المائة من مجموع قواتهم، ففوتوا (بذلك) على قريش أثمن فرصة سنحت لهم للقضاء على الجيش الإسلامي بالإبادة أو الأسر.
وقد اعتبر كثير من العسكريين تمكن المسلمين من كسر الطوقال في ضربه المشركون حولهم وإفلاتهم، نصرًا جديدًا سجله المسلمون واندحارًا ثانيا مُني به المشركون.
أسباب التماسك بعد الهزيمة
فما هي الأسباب التي جعلت هذا الجيش الصغير المنكوب ينجو من فناء محقق ويجمع شتاته ويعيد تنظيمه من جديد، ويصمد في وجه جيش مكة (الذي ظن نفسه، بعد الانتكاسة سيد الموقف) ثم يجبره على الانسحاب من ميدان المعركة دون أن يحقق أهدافه، حيث حال بينه وبين تسجيل ما يمكن تسميته انتصارًا؟ يمكننا (من الناحية العسكرية) الإشارة إلى مجمل أسباب ذلك، كما يلي:
١ - القيادة الحكيمة وشجاعة القائد العام
فمما لا جدال فيه أن كل قائد عام مسئول، يعلم تمام العلم، أن مسألة تحطيم جيشه أو تماسكه في مثل تلك اللحظة الحرجة الحاسمة التي مر بها الجيش النبوي في أُحد بعد حادثة الجبل، إنما تتوقف على شجاعة هذا القائد أو تخاذله، فإن تخاذل القائد العام تخاذل جيشه وانهزم، وإن ثبت وصمد، كان جيشه تبعا له في هذا الثبات والصمود.
стр. 543
ولقد أظهر الرسول القائد (ساعة انتكاسة الجيش الإسلامي في أُحد) شجاعة منقطعة النظير بلغت إلى حد الكمال، وأظهر من الحكمة في القيادة والحنكة في التصرف في تلك الساعات الدقيقة الحرجة ما مكنه من حماية جيشه الصغير من ضياع وتدمير محققين.
فقد وجد الرسول ﷺ نفسه - بعد حركة التفاف خالد على جنده - منعزلًا تمامًا في مقر قيادته حيث تمزقت صفوف المسلمين تمزقًا شديدًا، وتفرق من حوله عامة جندة فأصبح وحدة (تقريبًا) عرضه لهجمات المشركين الضارية، فكانت صدمة عنيفة جديرة بأن تنهار لها أعصاب أعاظم القواد (وخاصة في ذلك العصر الذي يعتمد فيه القائد على رماح جنده وسيوفهم فحسب).
ولكن الرسول القائد ﷺ صمد أمام هذه النازلة، وسيطر على أعصابه فثبت (ثبوت الرواسي) أمام تيارات تلك العاصفة المخيفة التي تبعثر لها جنده على ساحة الهزيمة، لا يدرون ماذا يصنعون وإلى أين يتجهون، لا سيما بعد أن سرت بينهم إشاعة مقتل نبيهم ﷺ ، فوقف ﷺ على مرتفع (رابط الجأش ثابت الجنان) ونادى بأعلى صوته (هلموا إلى أنا رسول الله). فكان لصيحته تلك أكبر الأثر في إعادة الروح المعنوية إلى نفوس أصحابه الذين سمعوا صوته الحبيب، فما إن علموا بمكانه حتى توافدوا إليه وأخذوا في تنظيم صفوفهم من جديد، وانتشر بين عامة الجيش الإسلامي نبأ سلامة نبيهم القائد فتراجعت فلولهم وأخذوا يتحلقون حول قائدهم ويناضلون المشركين في شجاعة واستبسال، حتى تغلبوا على جند مكة، إذ حالوا بينه وبين تحقيق الهدف الذي جاءوا من أجله والذي
стр. 544
سنحت لهم فرصة تحقيقه (بعد الانتكاسة) وهو إنزال الهزيمة الساحقة بالجيشي الإسلامي.
وهكذا كان لثبات الرسول ﷺ وحكمته وشجاعته الفائقة في تلك اللحظات الشديدة الحرجة، المقام الأول في تماسك الجند الإسلامي بعودة المنهزمين وإقدام المترددين إلى ساحة الوغى وصمودهم في وجه الجيش المكي الذي أعادوه خائبًا من حيث أتى، بعد أن كان سيد الوقف بعد حادثة الجبل.
قال مولانا محمد علي في كتابه (حياة محمد ورسالته) عند تعليقه على شجاعة الرسول ﷺ وتضحيته وتعريض نفسه للخطر في سبيل إنقاذ أصحابه بعد الانتكاسة، قال:
فلم يكد ينظر النبي ﷺ إلى خالد ينقض على المسلمين ويحتل الموقع الذي هجره الرماة حتى أدرك عظم الخطر المحدق بالجيش الإسلامي، ولم يكن أمامه في تلك اللحظات غير سبيلين اثنين، يستطيع انتهاجهما. إما أن يكفل سلامته الشخصية، بالشخوص إلى مفزع ما، تاركًا أصحابه لمصيرهم المقدور، وإما أن يناديهم مخاطرًا بنفسه لكي ينقذهم من الخطر، ولقد اختار السبيل الثانية (على ما فيها من مغامرة تعرض حياته للخطر) فصاح بأعلى صوته (هلموا إلي أنا رسول الله)، ولم يكد الصوت يبلغ آذانهم حتى التفوا كلهم نحوه وشقوا طريقهم إليه عبر صفوف العدو.
стр. 545
تعليق اللواء الركن خطاب
قال الضابط العراقي الكبير اللواء الركن محمود شيت خطاب في كتابه (الرسول القائد) عند تحليله العسكري لأسباب تماسك المسلمين بعد النكسة، قال (بعد أن علق على مهارة الرسول في اختيار الموقع المناسب لصف جنوده قبل المعركة).
إن كل ذلك على أهميته، لا يعتبر شيئًا بالنسبة لظهور عبقرية قيادته في أثناء القتال خلال الصفحة الثانية من معركة أُحد، حين طوَّق المشركون المتفوقون بالعدد (إلى خمسة أمثال المسلمين) قوة المسلمين القليلة، بعد أن انهارت معنويات الكثيرين منهم، لما تطاير خبر مقتل الرسول في المعركة، فلجأوا إلى الهضاب بعيدًا عن ساحة المعركة وبقى مع الرسول شرذمة قليلة من المسلمين، ثم قال اللواء خطاب:
لقد استطاع الرسول في هذا الموقف الحرج للغاية (بالنسبة للمسلمين) الموفق للغاية (بالنسبة للمشركين) أن يسيطر على أعصابه في معركة يائسة جدًّا، ويقود الباقين من المسلمين لشق طريقهم من بين القوات المتفوقة المحيطة بهم، ثم يحتل موضعًا مشرفًا ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية ويعيد إليها معنوياتها ويصد بها هجمات مقابلة شديدة للمشركين، فيحيل الهزيمة الأكيدة الماحقة إلى نصر.
لأنه اضطر قريشًا إلى اليأس من القضاء على المسلمين، بعد أن كان فناء المسلمين أمرًا محتمًا، ثم اضطرهم إلى الانسحاب من المعركة بعد اليأس من إبادة المسلمين" اهـ.
стр. 546
٢ - مهارة الرسول في وضع الخطط
كذلك كان لمهارة الرسول ﷺ وحنكته في وضع الخطط الدقيقة السليمة، واختيار الموقع لإدارة المعركة، أثر كبير في تخليص المسلمين من فناء كاد يحيق بهم.
فقد خرج الرسول ﷺ من المدينة بجيشه لملاقاة جيش مكة، وقد يتبادر إلى الذهن أنه كان من الأفضل (من الناحية العسكرية) لو أن النبي ﷺ قاتل المشركين وظهره إلى المدينة ليسهل عليه التراجع إليها والاعتصام بها إذا ما تعرض جيشه لهزيمة.
[صورة]
منظر الجبال الثلاثة التي تكتنف فم الشعب الذي اختاره الرسول معسكرًا لجيشه، وقد ظهر فم الشعيب الواقع بين الجبال على المرتفع - ١ - المشرف على وادي قناة - ٢ - ونحو المكان المشار إليه بالسهم بين الجبال انسحب المسلمون واعتصموا (من الداخل بالجبل الذي على اليمين وهو الذي علاه أبو سفيان بعد الانتكاسة، كما هو مفصل في هذا الكتاب.
стр. 547
ولكن الواقع الذي أيدته الأحداث، هو أن المكان الذي عسكر فيه الرسول بجيشه، كان أصلح مكان لأن يلاقي فيه المسلمون أعداءهم.
فتخطى النبي المشركين بجيشه واختياره المرابطة به في فم الشعب من أُحد، وتفضيله مقاتلة العدو في تلك المنطقة البعيدة عن المدينة، على مقاتلته في السهول الواسعة التي تقع بالقرب من المدينة (والتي تقع بين المدينة وأحد) يرجع إلى أسباب وجيهة عدة .. أهمها:
[صورة]
المؤلف على قمة جبل أحد، وقد ظهر أمامه جانب من الشعب الذي ظهرت فيه بعض المساكن الصغيرة، وعن شمال المؤلف ظهر (على بعد) الوادي الذي دارت فيه المعركة.
أن قوة المسلمين كانت صغيرة (بالنسبة لقوات المشركين) التي تبلغ أَكثر من أَربعة أَضعافها، وهذا القوة الصغيرة لو عسكر بها النبي في تلك السهول الواسعة - حيث لا تلال ولا جبال - لسهل على قوات أبي سفيان الضخمة تطويقها من جميع الجهات، لا سيما أن جيش مكة (علاوة على تفوقه الساحق في العدد والعُددَ) يمتاز على جيش المدينة بقوة سلاح الفرسان الكبيرة المنظمة التي يقودها رجال من أمهر القادة وأعرفهم بأساليب الحرب، والتي من أهم أعمالها التطويق والمطاردة.
стр. 548
ونجاح القوات الكبيرة جدًّا في تطويق القوة الصغيرة جدًّا، وفي بلقع من الأرض - قبل المعركة أو بعدها - يكون (غالبًا) من أَهم أَسباب إبادة القوة المطوقة أو إجبارها على الاستسلام.
[صورة]
الممر الخطير الذي كلف الرسول ﷺ الرماة بمهمة منع خيالة المشركين من اقتحامه لئلا يضربوا مؤخرة المسلمين، ويقع هذا الممر بين جبل الرماة (١) وجبل أحد (٢) انظر خارطة المعركة.
وهذا والله أعلم، من أهم العوامل التي جعلت الرسول ﷺ كقائد عسكري مسئول - يختار المرابطة بجيشه في ذلك المرتفع من شعب (١) أُحد .. الذي بالمرابطة فيه جنّب جيشه خطَر التطويق في أَول المعركة، وساهم في تيسير إنقاذه بعد أن وقع أكثره في دائرة التطويق بعد الانتكاسة.
لأن النبي - بالمرابطة في الشعب من أُحد - قد احتل مركزًا حصينًا حيث أصبح جيش المسلمين في مكان تكتنفه هضاب جبل أُحد ونتوءاته، ولم يبق مفتوحًا (أمام المشركين) إلا فم الشعب المواجه لهم، وجزء من مدخل هذا الشعب، يقع يمين معسكر المسلمين في الناحية
стр. 549
الغربية، وهو المدخل الذي وضع الرسول الرماة في الجبل لمنع خيل المشركين من اقتحامه، ومنعهم (أَيضًا من المرور في قصبة الوادي الواقعة بين جبل الرماة والشعب من أُحد، والتي تركها المسلمون وراء ظهورهم عندما هزموا المشركين في الصفحة الأولى من المعركة، فاقتحمها خالد بعد انسحاب الرماة من الجبل ثم ضرب المسلمين من الخلف بعد أن ابتعدوا عن معسكرهم واحتلوا معسكر المشركين (١).
معسكر أشبه بقلعة
وهكذا جاءت خطة الرسول القائد العظيم (في اختيار ذلك الموقع من الشعب) خطة عسكرية حكيمة رائعة، وضع ﷺ بموجبها جيشه في مركز حصين أشبه بقلعة ليس لها باب واحد وقف عليه جيش المدينة بأكمله.
كما أن مرابطة المسلمين في ذلك المرتفع من الشعب جعلت المسلمين يكشفون جيش المشركين (تمامًا) ويعرفون كل حركة من حركاته لأنه واقع تحت هم في سهل منبسط مكشوف، وذلك علي عكس موقع الجيش الإسلامي في الشعب الذي لا يستطيع قادة الجيش المكي معرفة كل ما يجري داخل معسكره.
كما أن النبي (باختياره العسكرة بجيشه في الشعب) قد أجبر المشركين على قبول المعركة في مكان كانوا يودون خوضها في غيره، مما ساهم في إنزال الهزيمة السريعة بهم، لأن قبول قريش خوض المعركة
стр. 550
بالقرب من سفوح جبل أُحُد جمّد نشاط خيالتهم تقريبًا، وخاصة في أول المعركة، لأن الفرسان لا يستطيعون القيام بحركاتهم العسكرية على ما يرام إلا إذا كان هناك مكان فسيح تركض فيه خيلهم بحرية تامة، وهذا هو الذي لم يتوفر لهم عندما خاضوا المعركة مع المسلمين عند سفوح الجبل، ولم ينجح خيالة قريش في القيام بمهمتهم على ما يرام إلا بعد أن ابتعد المسلمون عن سفوح جبل أحد عندما أنزلوا الهزيمة بالجيش المكي وبعد أن ارتكب الرماة غلطتهم الشنيعة، فانسحبوا من مواقعهم في الجبل فكشفوا بذلك مؤخرة الجيش الإسلامي.
وأعتقد أن المسلمين لو لم يعسكروا في المكان الذي اختاره الرسول من الشعب، وعسكروا في الفضاء الذي يقع بين المدينة وجبل أُحُد (حيث لا تلال ولا جبال) وحدث لهم ما حدث من انتكاسات لكانت نكبتهم أعظم، ولربما عجزوا كليًّا عن تنظيم صفوفهم من جديد، مما قد يعرضهم لهزيمة ساحقة.
[صورة]
في هذا المكان من الوادي دارت المعركة، وقد ظهر جانب من المرتفع الذي جعله النبي ﷺ معسكرًا لجيشه في الشعب، وقد أخذنا هذه الصورة من قمة جبل الرماة الذي ظهر منه جزء من اليمين.
стр. 551
وهكذا فقد كان اتخاذ الرسول القائد المحنك، الشعب من أُحُد معسكرًا لجيشه من العوامل المهمة في تخليص الجيش الإسلامي (ساعة الانتكاسة) من خطر الإبادة أو التشتيت، لأن ذلك مكنةً من الاعتصام بهضاب الجبل، الذي الاعتصام به أعطى المسلمين فرصة طيبة مكنتهم من جمع شتاتهم وإحباط كل محاولات القرشيين اليائسة للنيل منهم.
فائدة بقاء الرسول في مقر الرئاسة
كذلك كان لبقاء الرسول في مقر قيادة الجيش من أُحُد، وعدم اشتراكه في مطاردة المشركين في الصفحة الأُولى من المعركة واحتلاله مرتفعًا يشرف منه على مكان المعركة.
كل ذلك كان له أكبر الأثر في تخفيف وطأة الهزيمة على المسلمين وسرعة تجمعهم حول نبيهم وإعادة تنظيمهم من جديد.
ذلك أن اهتداء الجنود إلى مكان قائدهم الأعلى (إذا ما حاقت بهم كارثة) يكون له أكبر الأثر في تقوية معنويتهم وإشاعة روح الأمل في نفوسهم.
وهذا هو الذي حدث تمامًا عندما انهزم المسلمون بأحُد، فقد كان النصر حليف المسلمين في أول المعركة، ولكن المسلمين عندما ركبوا المشركين وأخذوا في مطاردتهم، ظل الرسول (مع بعض هيئة أركان حربه) مرابطًا حول مقر قيادته في الشعب، يرقب سير المعركة الظافرة.
وعندما حدثت النكسة واضطربت صفوف المسلمين (بعد تطويق الكثير منهم) صاح الرسول الأعظم ﷺ بأعلى صوته ليدل المضطربين على مكانه (هلموا إليّ أنا رسول الله).
стр. 552
فسارع إليه القريبون منه (كطلحة بن عبيد الله وأبي دجانة وأبي طلحة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم) وكونوا جبهة دفاعية صارت فئة للمنهزمين والمطوقين الذين أخذوا (بعد أن عرفوا مكان قائدهم الأعلى في شق طريقهم في صبر وجَلَد واستماتة) عَبر صفوف المشركين، ناحية الرسول ﷺ ، مما مكنهم من إحباط كل المحاولات اليائسة التي قام بها فرسان المشركين وذو الشجاعة منهم للقضاء على شخص الرسول ﷺ وتشتيت هذه القوة التي تجمعت حوله، ثم الانسحاب بانتظام نحو هضاب الجبل.
فلو أن الرسول اشترك في مطاردة المشركين (ضمن سواد الجيش الإسلامي) وحدثت الانتكاسة وهو أسفل من الشعب بعيدًا عن مقر قيادته في المؤخرة في المرتفع من الشعب، لكان من جملة المسلمين الذين نجح الجيش المكي في تطويقهم، ولما عرف المسلمون مكانه حيًّا بالسرعة التي عرفوه بها يوم أن وقف على المرتفع وناداهم بأعلى صوته وهو مرابط في أُخراهم بالقرب من سفح الجبل.
٣ - عدم كفاءة القيادة في جيش مكة
كذلك مما ساهم في تيسير الخلاص لجمهرة الجيش الإسلامي من الورطة القاتلة التي وقع بها حادثة التمرد في فصيلة الرماة، (وإعطاء الفرصة له من جديد ليجمع شتاته)، فُقْدَان الكفاءة العسكرية في قيادة الجيش المكي وضعف شخصية القائد العام أبي سفيان الذي اتضح فيما بعد أنه لم يكن مسيطرًا سيطرة تامة على كافة قطاعات الجيش.
стр. 553
أما عدم كفاءة قادة الجيش المكي وعدم خبرتهم العسكرية فقد تجلت بوضوح عندما فشلت وحدات هذا الجيش الضخم (الذي قام بتطويق جمهرة الجيش الإسلامي) في إحكام طوق الحصار وفرضه على قوات المسلمين القليلة المطوّقة واستمراره حتى الإبادة أو التسليم أو حتى التشتيت على الأقل، والحيلولة بين هذا الجيش وبين الاتصال بقائده النبي من جديد.
فقد كانت حادثة التطويق المفاجئة فرصة ذهبية للجيش المكي لم يحسن قادته استغلالها (مع أن كل الظروف والإمكانيات المادية في جانبهم) فقد تمكن المسلمون المطوقون من كسر الطوق المضروب عليهم، والنجاة بأنفسهم من هلاك محقق مقابل عشرة في المائة من مجموعهم سقطوا قتلى ثمنًا لذلك الخلاص وإن العسكريين الخبيرين ليتساءلون (حتى هذه اللحظة) كيف تمكن خمسمائة مقاتل (سادهم الدهش والفوضى والارتباك) من الإفلات من قبضة جيش لا يقل عدده عن ألفين وسبعمائة مقاتل كان زمام الموقف في أيديهم؟ ؟ إن هذا الذي حدث، هو (دونما جدال) من الأدلة القاطعة على ضعف القيادة في الجيش المكي وجهلها وتفككها ...
فلو كانت هذه القيادة على مستوى الأَحداث العسكرية (خبرة ومهارة وحنكة) ما استطاع ذلك الجيش الإسلامي الصغير الإفلات من قبضة ذلك الجيش الضخم الذي أطبق عليه (بعد الانتكاسة) من جميع الجهات.
قال صاحب كتاب (الرسول القائد) حول هذا الموضوع:
"ولو كانت قيادة أبي سفيان على شيء من الكفاءة لاستطاع إبادة
стр. 554
المسلمين بعد تطويقهم التام" كما استدل اللواء الركن خطاب على ضعف شخصية القائد العام أبي سفيان بقوله:
"ولم تظهر شخصية هذا القائد في المعركة، كما كانت سيطرته ضعيفة (على ما يظهر) بدرجة أن نساء المشركين مثلن بشهداء المسلمين (دون رغبته) فلم يستطع أن يفعل شيئًا" اهـ.
٤ - عقدة الخوف عند جند مكة
كذلك كان للهزيمة السريعة المذهلة التي أنزلها الجيش الإسلامي بجيش مكة في الصفحة الأولى من المعركة أثر كبير في تخليص المسلمين من ورطة التطويق التي وقعوا فيها.
فقد لازم شبح هذه الهزيمة المخجلة جند أَبي سفيَّان حتى ساعة انتكاسة المسلمين مما أسهم في ترخية الطوق الذي وقع المسلمون داخله بعد الانتكاسة، مما يسر لهم الإفلات.
ذلك أن قوات المشركين قد لاقت الأهوال من جند الإسلام عندما أنزلوا بهم الهزيمة في أول المعركة، وشدو عليهم بقوة وعنف مما شحن نفوسهم فزعًا ورعبًا من المسلمين.
ولم ينقذهم من تدمير شامل وضياع أكيد إلا الغلطة الشنيعة التي ارتكبها رماة المسلمين بتركهم مواقعهم في الجبل قبل نهاية المعركة.
فبينما قلوب الآلاف المؤلفة من جند مكة تركض (فزعًا) بين جنوبهم، وهم ينهبون الأرض منهزمين، أمام بضع مئات من جند المدينة إذا بالمفاجأة المذهلة تسحب رؤوس المشركين من تحت مطارق الهزيمة التي كانت ستسحقهم لولا هذه المفاجأة.
стр. 555
فقد أنقذت حركة خالد المفاجئة المعروفة جند مكة المنهزم فعاد إلى ساحة القتال، ولكنه عاد وصور الأَهوال التي لاقاها من جند الإِسلام لا تزال ماثلة أمامه.
فكان الرعب والفزع من المسلمين (بالرغم من وقوعهم في مأزق التطويق) يشد جند مكة إلى الوراء مما جعل هؤلاء الجند لا يشدون في التعرض للمسلمين المطوقين خوفًا من ضراوتهم التي لمسوها فيهم عندما اصطدموا بهم في الصفحة الأولى من المعركة.
فكانت التجربة الشاقة التي مرّ بها جيش مكة في أول الملحمة مصدرًا لعقدة خوف وفزع من جند الإِسلام، ظلت هذه العقدة مسيطرة على نفوس جند مكة (حتى بعد الانتكاسة) مما جعل كثيرًا من جند الشرك يتحاشون الاصطدام (جديًا) بجند الإسلام المحصورين، مما يسر لهؤلاء المحصورين التخلص والإِفلات الذي لم يدفعوا ثمنًا له سوى عشرة في المائة من مجموعهم، وهو ثمن زهيد بالنسبة لما كان ينتظرهم من فناء أكيد لو لم يفلتوا.
لأن المتوقع (بداهة) أن تبيد هذه القوة الضخمة المحاصرة (التي لا يقل عددها عن ألفين وسبعمائة مقاتل) القوة المحصورة التي لا يزيد عددها عن خمسمائة مقاتل، أو تجبرها على الاستسلام.
ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، والسبب في هذا (من ناحية جيش مكة) هو التراخي الذي مصدره عقدة الخوف من جند الإسلام، وإلا فبماذا يفسر العسكري المنصف إفلات هذه القوة الصغيرة من قبضة تلك القوة الضخمة الهائلة التي كانت (آن ذاك سيدة الموقف؟ ؟ ).
стр. 556
٥ - التأكد من سلامة الرسول
كذلك إذا كان نبأ إشاعة مقتل الرسول ﷺ قد فت في عضد جند الإسلام وحطم معنوياتهم، فإن سماع الجند المطوقّ صوته، وهو يناديهم، ومعرفة مكانه، قد أعاد إِليهم روحهم المعنوية وشحن نفوسهم بالعزيمة والإقدام، مما جعلهم يضربون صفوف المشركين المحيطة بهم (بضراوة وعنف) ثم يهتكونها ويشقون طريقهم نحو نبيهم المحبوب، غير مبالين بالضحايا الذين سقطوا أثناء عملية التخلص هذه.
ولو لم يعرفوا مكان نبيهم القائد ويتأكدوا من سلامته لزاد ارتباكهم واشتد اضطرابهم ولساعد ذلك المشركين في التنكيل بالقوة المسلمة المحصورة، ولصعب على المسلمين أن يجمعوا شتاتهم ويعيدوا تنظيمهم بالطريقة السريعة المعروفة التي ساروا عليها في ذلك التجمع والتنظيم، لأن اختفاء القائد العام (في مثل تلك الظروف الحرجة للغاية) يكون له أسوأ الأثر في نفوس عامة الجيش الذين طالما كان اختفاء قائدهم العام سببًا في سحقهم والقضاء عليهم.
ولهذا تجلت عبقرية الرسول العسكرية وبراعته القيادية. يوم أن وقف في تلك اللحظات الحاسمة (مخاطرا بحياته) ونادى جمهرة جنده المحصور بأعلى صوته ليدلهم على مكانه "هلموا إليّ أنا رسول الله" فكان لسماع ذلك الصوت الحبيب أعظم الأثر في تخليص المسلمين المطوقين أنفسهم من قبضة العدو.
٦ - العقيدة
أما العقيدة، فلعله من تحصيل الحاصل (بالنسبة للمسلمين)
стр. 557
القول بأنها السبب الأكبر في تماسك المسلمين وثباتهم بعد النكبة المزلزلة، فلولا تغلغل عقيدة الإسلام الصادقة في نفوس جند المدينة لما ثبتوا (بعد الانتكاسة المروّعة) ذلك الثبات الذي اعتبره كثير من خبراء الحرب نصرًا مؤزرًا سجله جيش يثرب على جيش مكة ..
فالعقيدة دونما جدال، هي المصدر الأول لكل الانتصارات التي حققها الجيش الإسلامي (لا في معركة المصير بعد الانتكاسة في أُحُد) وإنما في جميع المعارك التي خاضها العرب وغير العرب في سبيل الإسلام وتحت رايته.
المشاكل بعد المعركة
لا شك أن مركز المسلمين العسكري والسياسي قد تأثر بعد معركة أُحُد، نتيجة للانتكاسة التي أُصيب بها المسلمون في المعركة.
فبعد أن كانت يثرب وما حولها تخضع لسيطرة المسلمين وترهب سلطانهم، وبعد أن كان خصوم الإسلام (وخاصة السياسيين منهم كاليهود والمنافقين في المدينة) منطوين على أنفسهم منذ انتصار المسلمين في ملحمة بدر، لا يجرأون على معالنة النبي بالعداوة، إذا بهم (بعد معركة أُحُد) يرفعون رؤوسهم ويجاهرون بالعداوة ظنًّا منهم أن المسلمين قد ضعف شأنهم وتلاشي سلطانهم، وظنوا، أنه يمكنهم اغتنام الفرصة لإثارة الشغب عليهم وضربهم سواء كان ذلك داخل المدينة أو خارجها.
وهذا يعني أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحُد قد نتج عنه للمسلمين مشاكل داخلية وخارجية لا بد للنبي من مواجهتها والقضاء عليها.
стр. 558
المشاكل الرئيسية الأربعة
ويمكن تلخيص هذه المشاكل كما يلي:
أ - المنافقون
فقد بدأ هؤلاء المنافقون بإثارة المشاكل وإحداث القلاقل ضد المسلمين بمجرد شروعهم في التهيؤ لملاقاة المشركين في أُحُد.
إذ، انخذل رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بثلاثمائة مقاتل خرجوا لمقاتلة المشركين، فرجع بهم إلى المدينة في أحرج ظرف يمر به الجيش الإسلامي، مغتنمًا هذا المنافق فرصة الأخطار المحيطة بالمسلمين، لعله يساهم بهذه الخيانة في مضاعفة هذه الأخطار التي كان يود أن تؤدي مضاعفتها إلى الإطاحة بحكم الرسول ومحو سلطانه في يثرب التي كان ذلك المنافق (قبل وصول النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرًا بقليل) مرشحًا لأن يكون ملكًا عليها (١) ذلك أن عبد الله بن أبيّ هذا كان سيدًا من سادات الخزرج الذين يمثلون الأغلبية (دائمًا) في المدينة.
ولكن نجمه أفل وانهارت آماله في التربع على عرش يثرب، عندما
стр. 559
جاء الله بنبيه إليها مهاجرًا، إذ تسابقت قبيلتا الأوس والخزرج إلى الدخول في الإسلام والالتفاف حول النبي ﷺ , - أمام شخصيته العظيمة المحبوبة - تلاشت شخصية ذلك المنافق الذي كان قاب قوسين أو أدنى من ارتقاء عرش المدينة.
وهذا هو سر ما يحمله ذلك المنافق الكبير من بغض عظيم للنبي ﷺ وحقد جارف عليه، فكان (مع تظاهره بالإسلام) يتربص بالنبي ودعوته الدوائر ويتحين الفرص للإطاحة بسلطان الإسلام ورسالته. .
وقد بدأت معركة النفاق (سافرة ضد النبي) بانسحاب عبد الله بن أبي بمن أطاعه من حزب النفاق أثناء تحرك القوات الإسلامية من المدينة نحو أُحد، قال الشيخ محمد الغزالي:
"وهذا من عبد الله بن أُبيّ وحزبه عمل ينطوي على الاستهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف, وتلك أبرز خصائص النفاق" (١).
فوران النفاق بالمدينة
إنه من الملاحظ أن هؤلاء المنافقين (مع حرصهم على القضاء على المسلمين وسنوح الفرصة لهم بوجود الجيش المكي) لم يقوموا بأي عمل عسكري ضد المسلمين وهم يصارعون المشركين في أُحد.
ولا شك أن قادة النفاق (بالمدينة) قد فكروا في الانضمام إلى عسكر مكة ضد النبي (في معركة أُحد) ولكن يظهر أن الذي أثناهم عن ذلك هو
стр. 560
خوفهم أن تدور الدائرة على المشركين، أو يفشل الجيش المكي في القضاء على المسلمين (كما حدث فعلًا في معركة أُحد)، فينزل بهم (أي المنافقين) عقاب الإبادة، لذلك ظلت قلوبهم مع المشركين وسيوفهم على الحياد، في انتظار النتيجة النهائية للمعركة.
غير أن هؤلاء المنافقين اغتنموا فرصة النكبة التي نزلت بالمسلمين في معركة أُحد، فأخذوا يكاشفون النبي بعداوتهم ويعلنون سخريتهم من الإسلام والمسلمين، الأمر الذي ما كانوا يجرأون على الجهر بشيء منه قبل معركة أُحد.
ففي مساء اليوم الذي انتهت فيه المعركة بدأ المنافقون ينظمون حملات دعائية مسمومة ضد النبي ودعوته ويشككون الناس في الإسلام ونبوة محمد ﷺ ، ويذيعون بأنه ليس نبيًّا (حقًّا) وإنما هو طالب ملك، كما أنهم أيضًا صاروا يبثون سموم التفرقة بين المسلمين، ويوهمون الناس بأن المسلمين (بعد معركة أُحد) قد ضعفوا وأن سلطانهم آخذ في الانهيار.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وأخذ المنافقون (عند بكاء المسلمين) في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المسلمين، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق فوران المرجل، وقالت اليهود لو كان نبيًّا ما ظهروا عليه، ولا أُصيب منه ما أصيب، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه، وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم" أهـ.
ولا شك أن هذه الحملة الدعائية الخبيثة من اليهود والمنافقين
стр. 561
هي مقدمة لعمل عسكري اعتزموا القيام به ضد المسلمين مغتنمين فرصة ما أصابهم في أُحد من جرح وقتيل.
ولكن نجاح حملة حمراء الأسد (١) السريعة التي قام بها النبي (كما تقدم) لمطاردة جيش مكة أثبت لهؤلاء الخصوم بأن المسلمين أثبت وأقوى من أن تنحني هاماتهم أو تتضعضع عزائمهم للمصاب الذي نزل بهم في أُحد، ولذلك خفف هؤلاء الأعداء من غلوائهم في معالنة المسلمين العداء وعادوا (وخاصة المنافقين) إلى التظاهر بالإخلاص للإسلام والرسول مع انطوائهم على بغضهما والكيد لهما.
إهانة رأس النفاق في المسجد
فبعد عودة النبي من حملة حمراء الأسد (ظافرًا) وقف رأس النفاق، عبد الله بن أبيّ في المسجد متظاهرًا بتأييد رسول الله ﷺ والدعوة إلى الالتفاف حوله، فقام إليه المسلمون وجرّوه من مكانه، بعد أن أسكتوه وأبلغوه أنه أكذب من أن يصدقه أحد فيما يقول، بعد الذي حدث منه من أعمال وأقوال سيئة ضد المسلمين.
وكأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر (شرفًا له في نفسه وفي قومه) وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام (ابن أُبيّ) فقال:
أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذه المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا، أجلس أي عدو الله لست لذلك
стр. 562
بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج عدو الله يتخطى رقاب الناس وهو يقول، والله لكأنما قلت بجرًا (١) أن قمت أشدد من أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال .. ما لك؟ ويلك، قال .. قمت أشدّد من أمره فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره، قال .. ويلك أرجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال والله ما أبتغي أن يستغفر لي (٢).
وبعد حادثة تظاهر المنافقين وإعلان فرحتهم بما أصاب المسلمين في أُحد اشتد حذر المسلمين منهم وازدادت يقظتهم.
ب - اليهود
أما اليهود فقد كانوا أكثر إظهارًا للفرح واستبشارًا بما أصاب المسلمين في معركة أُحد، بل إن حادثة أُحد قد أعطت هؤلاء اليهود مزيدًا من الجرأة على المسلمين، فأخذوا (على الرغم من المعاهدة القائمة بينهم وبين النبي) يكيدون المسلمين سرًّا وجهرًا ويتكتلون ضدهم، ويتربصون بهم الدوائر، وصاروا يعدون العدة للانقضاض على المسلمين ظنًّا منهم أنهم قد أصبحوا (بعد نكبة أُحد) ضعفاء، من السهل ضربهم، وأخذ ثارات كعب بن الأشرف وبني قينقاع (٣) منهم.
وكانت أولى أعمال اليهود العدوانية محاولة اغتيال النبي ﷺ ،
стр. 563
هذه المحاولة التي دبّرها يهود بني النضير، عندما ذهب إليهم النبي ﷺ ، للاستعانة بهم في دفع دية رجلين من بني عامر لزمت المسلمين، كما سنفصل ذلك عند أول الحديث عن (غزوة الخندق وبني قريظة التي ستكون الكتاب التالي لهذا الكتاب إن شاء الله). وقد اتضح أن اليهود كانوا يعدون العدة لتسديد ضربة شديدة مفاجئة إلى المسلمين داخل المدينة مما أدى إلى إجلاء يهود بني النضير.
جـ - الأعراب
أما البدو الذين لا يبعدون كثيرًا عن المدينة، فقد كانوا - بعد نكبة المسلمين - في أُحد أكثر جرأة على المسلمين واستخفافًا بقوتهم وسلطانهم.
فقد ظن هؤلاء الأعراب (الذين لا يحترمون شيئًا غير القوة) أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحد كفيل بأن ييسر لهم القتل والنهب والسلب، فأخذوا يفكرون (جديًا) في الإغارة على المدينة وضرب المسلمين فيها، ظنًّا منهم أن كل ما فيها أصبح (بعد نكبة المسلمين في معركة أُحد) غنيمة باردة لهم.
فقد سارعت عدة قبائل في التجمع للإغارة على المدينة، وهدم سلطان المسلمين فيها، وكانت بنو أسد (١) (وهم من قبائل نجد القوية) أول من تحرك من القبائل للإغارة على المدينة (بعد معركة أُحد مباشرة).
كما تحركت أيضًا قبائل هذيل (٢) بقيادة خالد بن سفيان
стр. 564
وتجمع كذلك بنو ثعلبة وبنو محارب من قبائل غطفان لغزو المدينة في ذلك الظرف الدقيق.
د - قريش
أما قريش فقد طارت فرحًا بنتائج أُحد على الرغم من أن نتائجها لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارًا تعبويًا، بينما كانت نتائجها فشلًا سوقيًا (١) عليهم (أي أن انتصارهم كان ظاهريًا فقط بينما كانت حقيقته فشلًا لهم (٢).
ومع هذا فقد ذهبت قريش (بما لديها من وسائل الدعاية والنشر) تضخم من معاني هذا النصر الإسمى بين العرب، وتشن حربًا دعائية ضد هيبة المسلمين وسلطانهم، فتهون من شأنهم في نفوس سكان الجزيرة العربية، الذين كانت نفوسهم قد امتلأت بهيبة المسلمين كنتيجة لمعركة بدر الحاسمة التي سحق الجيش الإسلامي فيها جيش مكة المشرك سحقًا كاملًا ذهلت له الجزيرة بأكملها.
ولقد توسعت قريش في دعاياتها الحربية (ضد المسلمين) بعد معركة أُحد، وطارت قصائد شعرائها (والشعر في ذلك العصر كان أهم وسائل الإعلام) تشيد بالنصر الذي تم لها في معركة أُحد، وتتوعد المسلمين وتهددهم، وتحط من قيمتهم العسكرية مما كان له أثر في استخفاف كثير من قبائل العرب بالمسلمين والتهيؤ لضربهم في المدينة.
стр. 565
استعداد قريش لغزو المدينة من جديد
غير أن قادة قريش كانوا (في قرارة أنفسهم) موقنين بأن نصرهم في أُحد لم يكن نصرًا حقيقيًّا، لأنه لم يخضد شوكة المسلمين ولم يهدم سلطانهم، كما كانت تهدف قريش من حملتها التي قامت بها إلى أُحد.
ولذلك فقد أخذ القرشيون (منذ رجوعهم من أُحد) يعدون العدة لضربة أوسع وأعمق يوجهونها إلى المسلمين للقضاء عليهم (داخل المدينة نفسها).
وقد بذل قادة قريش جهودًا جبارة لإنشاء اتحاد عسكري بينهم وبين أقوي القبائل في الجزيرة العربية لغزو المدينة والإطاحة بالمسلمين نهائيًا، وقد نجح زعماء قريش في مساعيهم فتم إنشاء هذا الاتحاد العسكري بين قريش وبين أقوى القبائل العربية (وخاصة قبائل نجد).
وفي ظل هذا الاتحاد العسكري الخطير زحفت (بقيادة أبي سفيان بن حرب) بعشرة آلاف مقاتل صوب المدينة لسحق المسلمين فيها، وذلك في الغزوة المعروفة (بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب) ..
كيف جابه الرسول الموقف ؟
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم (بعد نكبتهم في أُحد) وسط سلسلة من المشاكل الداخلية والخارجية.
فقد جعل المسلمون (منذ هجرة الرسول) من المدينة قاعدة أمينة قوية لنظام حكمهم الجديد ومنطلقًا لدعوتهم الفتية، ولكن انتكاستهم في أُحد (عسكريًا) جعلت هذه القاعدة تحاط بالأخطار من كل جانب في الداخل والخارج.