← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

هي مقدمة لعمل عسكري اعتزموا القيام به ضد المسلمين مغتنمين فرصة ما أصابهم في أُحد من جرح وقتيل. ولكن نجاح حملة حمراء الأسد (١) السريعة التي قام بها النبي (كما تقدم) لمطاردة جيش مكة أثبت لهؤلاء الخصوم بأن المسلمين أثبت وأقوى من أن تنحني هاماتهم أو تتضعضع عزائمهم للمصاب الذي نزل بهم في أُحد، ولذلك خفف هؤلاء الأعداء من غلوائهم في معالنة المسلمين العداء وعادوا (وخاصة المنافقين) إلى التظاهر بالإخلاص للإسلام والرسول مع انطوائهم على بغضهما والكيد لهما. إهانة رأس النفاق في المسجد فبعد عودة النبي من حملة حمراء الأسد (ظافرًا) وقف رأس النفاق، عبد الله بن أبيّ في المسجد متظاهرًا بتأييد رسول الله ﷺ والدعوة إلى الالتفاف حوله، فقام إليه المسلمون وجرّوه من مكانه، بعد أن أسكتوه وأبلغوه أنه أكذب من أن يصدقه أحد فيما يقول، بعد الذي حدث منه من أعمال وأقوال سيئة ضد المسلمين. وكأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر (شرفًا له في نفسه وفي قومه) وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام (ابن أُبيّ) فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذه المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا، أجلس أي عدو الله لست لذلك

стр. 562

بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج عدو الله يتخطى رقاب الناس وهو يقول، والله لكأنما قلت بجرًا (١) أن قمت أشدد من أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال .. ما لك؟ ويلك، قال .. قمت أشدّد من أمره فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره، قال .. ويلك أرجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال والله ما أبتغي أن يستغفر لي (٢). وبعد حادثة تظاهر المنافقين وإعلان فرحتهم بما أصاب المسلمين في أُحد اشتد حذر المسلمين منهم وازدادت يقظتهم. ب - اليهود أما اليهود فقد كانوا أكثر إظهارًا للفرح واستبشارًا بما أصاب المسلمين في معركة أُحد، بل إن حادثة أُحد قد أعطت هؤلاء اليهود مزيدًا من الجرأة على المسلمين، فأخذوا (على الرغم من المعاهدة القائمة بينهم وبين النبي) يكيدون المسلمين سرًّا وجهرًا ويتكتلون ضدهم، ويتربصون بهم الدوائر، وصاروا يعدون العدة للانقضاض على المسلمين ظنًّا منهم أنهم قد أصبحوا (بعد نكبة أُحد) ضعفاء، من السهل ضربهم، وأخذ ثارات كعب بن الأشرف وبني قينقاع (٣) منهم. وكانت أولى أعمال اليهود العدوانية محاولة اغتيال النبي ﷺ ،

стр. 563

هذه المحاولة التي دبّرها يهود بني النضير، عندما ذهب إليهم النبي ﷺ ، للاستعانة بهم في دفع دية رجلين من بني عامر لزمت المسلمين، كما سنفصل ذلك عند أول الحديث عن (غزوة الخندق وبني قريظة التي ستكون الكتاب التالي لهذا الكتاب إن شاء الله). وقد اتضح أن اليهود كانوا يعدون العدة لتسديد ضربة شديدة مفاجئة إلى المسلمين داخل المدينة مما أدى إلى إجلاء يهود بني النضير. جـ - الأعراب أما البدو الذين لا يبعدون كثيرًا عن المدينة، فقد كانوا - بعد نكبة المسلمين - في أُحد أكثر جرأة على المسلمين واستخفافًا بقوتهم وسلطانهم. فقد ظن هؤلاء الأعراب (الذين لا يحترمون شيئًا غير القوة) أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحد كفيل بأن ييسر لهم القتل والنهب والسلب، فأخذوا يفكرون (جديًا) في الإغارة على المدينة وضرب المسلمين فيها، ظنًّا منهم أن كل ما فيها أصبح (بعد نكبة المسلمين في معركة أُحد) غنيمة باردة لهم. فقد سارعت عدة قبائل في التجمع للإغارة على المدينة، وهدم سلطان المسلمين فيها، وكانت بنو أسد (١) (وهم من قبائل نجد القوية) أول من تحرك من القبائل للإغارة على المدينة (بعد معركة أُحد مباشرة). كما تحركت أيضًا قبائل هذيل (٢) بقيادة خالد بن سفيان

стр. 564

وتجمع كذلك بنو ثعلبة وبنو محارب من قبائل غطفان لغزو المدينة في ذلك الظرف الدقيق. د - قريش أما قريش فقد طارت فرحًا بنتائج أُحد على الرغم من أن نتائجها لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارًا تعبويًا، بينما كانت نتائجها فشلًا سوقيًا (١) عليهم (أي أن انتصارهم كان ظاهريًا فقط بينما كانت حقيقته فشلًا لهم (٢). ومع هذا فقد ذهبت قريش (بما لديها من وسائل الدعاية والنشر) تضخم من معاني هذا النصر الإسمى بين العرب، وتشن حربًا دعائية ضد هيبة المسلمين وسلطانهم، فتهون من شأنهم في نفوس سكان الجزيرة العربية، الذين كانت نفوسهم قد امتلأت بهيبة المسلمين كنتيجة لمعركة بدر الحاسمة التي سحق الجيش الإسلامي فيها جيش مكة المشرك سحقًا كاملًا ذهلت له الجزيرة بأكملها. ولقد توسعت قريش في دعاياتها الحربية (ضد المسلمين) بعد معركة أُحد، وطارت قصائد شعرائها (والشعر في ذلك العصر كان أهم وسائل الإعلام) تشيد بالنصر الذي تم لها في معركة أُحد، وتتوعد المسلمين وتهددهم، وتحط من قيمتهم العسكرية مما كان له أثر في استخفاف كثير من قبائل العرب بالمسلمين والتهيؤ لضربهم في المدينة.

стр. 565

استعداد قريش لغزو المدينة من جديد غير أن قادة قريش كانوا (في قرارة أنفسهم) موقنين بأن نصرهم في أُحد لم يكن نصرًا حقيقيًّا، لأنه لم يخضد شوكة المسلمين ولم يهدم سلطانهم، كما كانت تهدف قريش من حملتها التي قامت بها إلى أُحد. ولذلك فقد أخذ القرشيون (منذ رجوعهم من أُحد) يعدون العدة لضربة أوسع وأعمق يوجهونها إلى المسلمين للقضاء عليهم (داخل المدينة نفسها). وقد بذل قادة قريش جهودًا جبارة لإنشاء اتحاد عسكري بينهم وبين أقوي القبائل في الجزيرة العربية لغزو المدينة والإطاحة بالمسلمين نهائيًا، وقد نجح زعماء قريش في مساعيهم فتم إنشاء هذا الاتحاد العسكري بين قريش وبين أقوى القبائل العربية (وخاصة قبائل نجد). وفي ظل هذا الاتحاد العسكري الخطير زحفت (بقيادة أبي سفيان بن حرب) بعشرة آلاف مقاتل صوب المدينة لسحق المسلمين فيها، وذلك في الغزوة المعروفة (بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب) .. كيف جابه الرسول الموقف ؟ وهكذا وجد المسلمون أنفسهم (بعد نكبتهم في أُحد) وسط سلسلة من المشاكل الداخلية والخارجية. فقد جعل المسلمون (منذ هجرة الرسول) من المدينة قاعدة أمينة قوية لنظام حكمهم الجديد ومنطلقًا لدعوتهم الفتية، ولكن انتكاستهم في أُحد (عسكريًا) جعلت هذه القاعدة تحاط بالأخطار من كل جانب في الداخل والخارج.

стр. 566

فقد تجرأ عليهم الأعراب، إذ همّوا بالإغارة على المدينة، وصار المنافقون واليهود (داخل المدينة نفسها) مصدر قلق وإزعاج للمسلمين وذهبت قريش تعد العدة لضرب المسلمين ضربة قاتلة في عقر دارهم. وهكذا تحالفت المحن والبلايا ضد المسلمين من جديد - بعد معركة أُحد - كنتيجة للنكبة التي أصابت المسلمين في هذه الغزوة. غير أن الرسول ﷺ (أمام هذه المشاكل الخطيرة) لم يستسلم لليأس ولم يفت في عضده فداحة المصاب الذي نزل بجيشه في وقعة أُحد، بل سارع (في هداية النبي وحنكة القائد ويقظة الشجاع) إلى القيام بأعمال عسكرية حاسمة سريعة، كانت غاية في النجاح، أعاد بها النظام، واستعاد بها هيبة المسلمين وأمن قاعدتهم الكبرى (المدينة). فمن ناحية البدو المتحفزين للهجوم على المدينة، فقد سارع الرسول ﷺ إلى تأديبهم وضربهم في ديارهم حيث جرد عليهم حملات عسكرية خاطفة، أوقعت بهم في منازلهم قبل أن يتحركوا منها نحو المدينة فشتت شملهم وخضد شوكتهم وملأ نفوسهم فزعًا ورعبًا. أما اليهود الذين سارعوا (بعد معركة أُحد) إلى إثارة القلاقل وحبك المؤامرات ضد المسلمين فقد تنبه الرسول ﷺ لهم وطهّر المدينة من رجسهم حيث سارع إلى نفيهم من المدينة، وهؤلاء اليهود، هم بنو النضير (١) الذين أجلاهم الرسول من يثرب بعد حصار دام عشرين

стр. 567

ليلة كما سنفصل ذلك في الكتاب القادم إن شاء الله. أما المنافقون فقد عادوا كعادتهم - بعد هذه العمليات الحاسمة التي قام بها النبي ضد الأعراب واليهود والقرشيين في حملة حمراء الأسد إلى السكون والاستخذاء وانطووا على أنفسهم متظاهرين بالإسلام والولاء الرسول ﷺ ، ومع هذا فإن الرسول ﷺ لم يتعرض لهم بأي أذى لأنهم كانوا (في ظاهرهم) مسلمين، غير أن المسلمين ظلوا يرقبونهم في يقظة وحذر. وبهذه الأعمال السريعة الحاسمة التي قام بها النبي ﷺ ضد اليهود والأعراب والمنافقين، استعاد المسلمون هيبتهم وعادت لهم السيطرة التامة على المدينة ونواحيها، وتمكن الرسول القائد الحكيم من القضاء على كل المشاكل الرئيسية التي واجهها المسلمون بعد انتكاستهم في معركة أُحُد. وظل المسلمون سادة الموقف في منطقة يثرب (بلا منازع) إلى أن قام الأحزاب بهجومهم الكبير على والمدينة الذي اشتركت فيه أقوى القبائل العدنانية، والذي باء بالفشل الذريع في النهاية كما سنفصل ذلك في (غزوة الخندق وبني قريظة) إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وآله الطيبين وأصحابه الأوفياء الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..

стр. 568

ملحق ... واستدراك بعد أن أصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب تلقيت خطابًا من الصديق الحميم المجاهد الدكتور محمد حميد الله أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة السربون بفرنسا، لفت نظري فيه إلى أنني أخطأت إذ رسمت خارطة المعركة على أساس أنها دارت شرقي جبل الرماة وأن جيش مكة قد عسكر هناك. ولفت نظري إلى أن كل المصادر التاريخية تؤكد بوضوح أن جيش مكة قد سلك في زحفه وادي العقيق الواقع غرب المدينة، ثم عسكر في السبخة الواقعة بقرب جبل الرماة مما يلي الغرب، وأن المعركة لذلك لا بد أن تكون قد دارت غربي جبل الرماة لا شرقيه كما في الخريطة التي رسمتها في أول الكتاب. وقد تفضل الأستاذ الكبير عبد القدوس الأنصاري كذلك ولفت النظر أيضًا إلى أن النبي ﷺ قد ترك جيش المشركين عن يساره إلى الغرب عندما خرج به نحو الشعب وذلك في مجلة المنهل الجزء الثاني في صفر ١٩٨٤ هـ وهذا يعني أن الأستاذ الأنصاري يتفق مع الدكتور حميد الله في تعقيبه. كما تفضل الأستاذ الكريم الشريف إبراهيم بن علي العياشي ونشر في مجلة المنهل المجلد ٢٥ جمادى الأول ١٣٨٤ هـ تعقيبًا تحت عنوان (نقد وتحليل) اتفق فيه مع الدكتور حميد الله والأنصاري بهذا الصدد

стр. 569

والحقيقة أني كنت أميل إلى هذا الرأي وقد رسمت خارطة المعركة (أول الأمر) على أساس أن معسكر قريش كان غربي جبل الرماة وأن المعركة قد دارت هناك وذلك على أساس القراءة المجردة لتفاصيل المعركة ومقدماتها في أمهات التاريخ. ولكنني عندما ذهبت إلى المدينة (خصيصًا) لأتفقد مواقع المعركة وقمت بدراسة المنطقة فتسلقت جبل أُحد، وجلت في أنحاء الوادي، وتسلقت جبل الرماة، رجعت عن الرأي الأول، فبدلت خارطة المعركة ورسمتها على أساس أنها دارت شرقي جبل الرماة، وقد كنت (ساعة تفقد مواقع المعركة) أصحب أحد الإخوة الكرام من أهل المدينة ومن ذوي المعرفة بتاريخ تلك المنطقة، فأكد لي أن المعركة إنما دارت شرقي جبل الرماة وعضد رأيه بحجج اعتبرتها (يوم ذاك) من الناحية الاستراتيجية وجيهة فكان هذا أول تحول عن الرأي الأول. ومما جعلني أرجح - من الناحية الاستراتيجية فحسب - أن المعركة دارت شرقي جبل الرماة: ١ - أن المكان الواقع اليوم شرقي جبل الرماة أصلح للقتال (بالنسبة لجيش مكة الضخم) من المكان الوقع غربيه وذلك لسعة المكان الواقع شرقي الجبل وصلابة أرضه وعدم وجود أي عائق طبيعي ذي بال ... ورخاوة المكان الواقع غربي الجبل وكثرة العوائق الطبيعية، مما يجعل قريشًا تفضل نقل معسكرها إلى ذلك المكان الواقع شرقي الجبل. ٢ - المسافة التي تقع بين جبل الرماة الذي تمركزت فيه الحامية الإسلامية من رماة النبل وبين سفوح جبل أُحد الشمالية الشرقية بعيدة

стр. 570

بحيث لا تستطيع نبال الحامية السيطرة عليها تمامًا مما يسهل الخيل المشركين التسرب بحرية إلى داخل الشعب لضرب مؤخرة المسلمين دون أن تنالهم نبال الحامية، فاضطرت القيادة الإسلامية إلى أن تحمى ظهرها من الناحية الشمالية الغربية بجبل أُحد وتجعل مضيق وادي قناة الواقع بين جبل أُحد وجبل الرماة تحت سيطرة الحامية المتركزة في جبل الرماة لصد أي هجوم يقوم به الخيالة (عندما يلتحم الفريقان) لضرب مؤخرة الجيش الإسلامي من ناحية الغرب عن طريق المضيق المشار إليه. هذه هي الأسباب التي جعلتني أرجح أن تكون المعركة قد دارت (أول الأمر) شرقي جبل الرماة، وهي مجرد ترجيحات لا سند لها إلا النظرة العامة لمواقع المعركة .. أما مصادر التاريخ فلم يأت تحديد دقيق فيها بأن المعركة دارت شرقي جبل الرماة إلا أن المؤرخين مجمعون على أنها دارت حوالي جبل الرماة وبالقرب من جبل أُحد، ولا يستبعد أن يكون نطاق المعركة قد اتسع فشمل شرقي جبل الرماة. وعلى العموم فإنني (كباحث يهمني أكثر من أي شيء نقل الحقائق التاريخية إلى القارئ كما هي) لما تلقيت خطاب الدكتور الفاضل محمد حميد الله واطلعت على ما عقب به الأستاذان الكريمان (الأنصاري والعياشي) أعدت النظر وراجعت موقع المعركة من جديد ودققت في المصادر التاريخية فاتضح لي صحة ما أشار إليه هؤلاء الإخوة الباحثون الأفاضل، لا سيما بعد أن رأيت في طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ٣٩ أن النبي ﷺ قد جعل أُحدًا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل جبل الرماة (الجاثم في بطن وادي قناة) عن يساره، وهذا يعني

стр. 571

خريطة ميدان أُحُد

стр. 572

بالتأكيد، أن النبي ﷺ قد صف جنوده في الطرف الغربي من الشعب جاعلًا ظهر جيشه إلى جبل أحُد وصدره في اتجاه معسكر مكة الواقع غربي جبل الرماة (كما هو موضح في الخريطة المرسومة في هذا الملحق (١) والتي تغاير الخريطة الأولى من بعض الوجوه). فصارت مؤخرة جيشه محمية بهضاب جبل أُحُد وميمنته بسفوحه، أما ميسرته فقد كانت محروسة بحامية جبل الرماة الذين بتمركزهم سيطروا على المضيق المهم الواقع بين جبل الرماة وجبل أُحد، هذا المضيق الذي صار (تمامًا) خلف ظهر الجيش الإسلامي عندما أنزل الهزيمة بجيش الشرك واندفع يتعقب فلوله، وانقض على المسلمين خالد بن الوليد بخيالته من الخلف عن طريقه بعد أن انسحب أكثر الرماة من الجبل وتركوا هذا المضيق المهم دونما حراسة. وإني إذ أقرر هذه الحقيقة وأرجع إلى الرأي الصائب الذي أبداه الإخوة الباحثون الأفاضل (الدكتور حميد الله والأستاذان الأنصاري والعياشي) فإني أزجي لهؤلاء الإخوة الكرام خالص شكري وتقديري وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير الإسلام والمسلمين وأن يهدينا جميعًا سواء السبيل.

стр. 573

محمد أحمد باشميل من معارك الإسلام الفاصلة - ٣ - غزوة الأحزاب المطبعة السلفية - ومكتبتها ٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة ٨٤٠٣٦٤

стр. 574

(الطبعة السادسة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م) حقوق الطبع محفوظة

стр. 575

غزوة الأحزاب

стр. 576

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله وحده، وصلى الله على سيد الأبرار، نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار وصحابته الذين هاجروا إلى الله والذين آووا ونصروا، رهبان الليل وفرسان النهار. وبعد، لقد منَّ الله تعالى علينا فأصدرنا (بعونه وتوفيقه) كتابنا الأول (غزوة بدر الكبرى) وكتبانا الثاني (غزوة أُحد)، وهما حلقتان من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي اعتزمنا بعون الله تعالى إصدارهما تباعًا. ويسرني اليوم أن أتقدم إلى القراء الكرام بهذا السفر الجديد (غزوة الأحزاب)، وهو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، والذي سيتلوه (قريبًا إن شاء الله) الكتاب الرابع، عن معركة تصفية العنصر اليهودى وتخليص الجزيرة العربية من شروره وآثامه ومؤمراته التي لم تنته إلا بضرب هذا العنصر الخبيث ضربة صاعقة في أوكاره (في خيبر وبنى قريظة في المدينة). ١ إن هذا الكتاب كسابقيه (غزوة بدر الكبرى) و (غزوة أُحدُ) لن يقتصر في محتواه على تفصيل حوادث معركة الأحزاب فقط، بل سيحتوى

стр. 577

ملخص دقيق لكل الأحداث السياسية والعسكرية التي عاشها المسلمون ما بين (غزوتى أحد والأحزاب). ومن ذلك سبع حركات عسكرية سريعة قام بها الجيش الإسلامى (أكثرها بقيادة النبي ﷺ نفسه) لتعزيز مركز المسلمين وتوطيد هيبتهم التي اهتز مركزها في النفوس وأخذ الأعراب يطمعون في الإغارة على المدينة، نتيجة الانتكاسة العسكرية التي أصابت المسلمين في معركة أُحد. ٢ سيتضح للقارئ الكريم (من تتبع أحداث غزوة الأحزاب هذه، ودراسة تفاصيل أسبابها ومسبباتها وبواعثها وغاياتها) أن هذه الغزوة الخطيرة المريعة، ليست في (حقيقتها) إلا حملة يهودية صرفة، قد مونت بأموال إسرائيلية، وجاءت وفق تصميمات دقيقة مدروسة محكمة، وضعها مفكرون إسرائيليون تطفح نفوسهم بالحقد القاتل على الإسلام ونبي الإسلام. فهذه الغزوة التاريخية الخطيرة، وإن كانت (في الشكل والمظهر) تحمل الطابع العربي (القرشي والغطفانى) إلا أنها - في أهدافها العميقة ومراميها البعيدة وغاياتها الخبيثة - هي غزوة يهدية (لحمًا ودمًا). فكل الأدلة القاطعة، قد تقاطرت على أن هذه الغزوة - عندما وجهت لإبادة المسلمين وتهديم كيانهم من الأساس- لم يكن لها من محرك حقيقى

стр. 578

فعال - منذ بدأت حتى فشلت - سوى اليهود واليهود فقط. ٣ لقد كان حرص اليهود على الإطاحة بالمسلمين والقضاء على الإسلام ذاته، قديمًا، قدم الصراع بين اليهودية والإسلام، هذا الصراع الذي كان قد بدأ منذ اللحظة التي بزغت فيها شمس الإسلام. ولكن هذا الصراع الذي لم يتخذ طابع الوضوح والعنف، إلا عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة. وأخذ حلفاء اليهود (الأوس والخزرج) يتسابقون إلى الدخول في هذا الدين بسوعة أذهلت اليهود وأقلقت بالهم وأقضت مضاجعهم. لأنهم بمجرد وصول النبي ﷺ إلى يثرب شعروا باهتزاز سلطانهم الفكرى والسياسى والمالى الذي به كانوا يسيطرون على سكان يثرب وما جاورها منذ قرون عديدة، وذلك لأن هؤلاء العرب (سواء فى يثرب أو ما جوروها) كانو (في الجاهلية) دون اليهود فيما يختص بالثقافة ومعرفة الأديان، والخبرة الاقتصادية وأساليب جمع المال وكنزه، فكان اليهود (لسذاجة هؤلاء الأعراب) يتحكمون فيهم اقتصاديًا، عن طريق قروض الربا، التي هي دعائم اقتصاد اليهود في كل عصر وزمان، بالإضافة إلى أن هؤلاء اليهود كانوا (قبل الإسلام) مرجعًا لهؤلاء الأعْراب في كثير من استفساراتهم الروحية، فكان ذلك مصدر سلطانهم على المنطقة. ولذلك (وحسدًا للنبي ﷺ ) قاموا بعدة محولات لتنفير العرب عن

стр. 579

الدين الجديد بشتى وسائل الكذب والتشكيك والإرجاف وكانت هذه محاولاتهم الأولى لمقاومة دعوة الإسلام. ولكنهم فشلوا في هذه المحاولة فشلًا ذريعًا، حيث لم يمر على قلوم صاحب الرسالة العظمى محمد ﷺ إلى يثرب، ستة أشهر حتى أصبح أكثرية عرب هذه المنطقة يدينون بالإسلام، ويبذلون المهج والأرواح في سبيل حمايته ونصرته، الأمر الذي جعل اليهود يلجأون إلي العنف. وفي خلال أربع سنوات قام اليهود للتخلص من الإسلام وحامل (رسالته) بعدة محاولات جريئة يائسة، ولكن هذه المحاولات كلها فشلت وعادت على هؤلاء اليهود بنتائج عكسية حيث كانت هذه المحاولات العدوانية سببأ في نفى قبيلتين كبيرتين من هؤلاءاليهود عن المدينة (هما بينو قينقاع وبنو النضير) (١). وكانت آخر محاولة عدوانية خطيرة قام بها اليهود هي محاولة بنى النضير اغتيال النبي ﷺ وهو آمن في ديارهم، الأمر الذي أدى إلى ضرب الحصار وإجلائهم عن يثرب وذلك قبل معركة الأحزاب بستة أشهر فقط، ولقد نزل بنو النضير مدينة خيبر التي كانت - منذ القدم - مركزًا للتجمع اليهودى. ٤ لقد كان يهود بنى النضير من أغنى أغنياء اليهود، وكانوا

стр. 580

يتحكمون في اقتصاد منطقة يثرب وما جاورها تحكمًا كاملًا، وكان زعماؤهم - بالإضافة إلى هذا - يمتازون بالدهاء والمكر والحقد العارم على النبي ﷺ خاصة (١). ولم يكن النبي ﷺ شديدًا في معاملتهم عندما نفاهم من المدينة بعد ضرب الحصار عليهم، فقد سمح لهم بأن ينقلوا معهم كل ما يقدرون على حمله من الأموال، ومن المعروف عن اليهود منذ القدم أن أكثر ما يكنزونه هو الذهب والفضة. ولهذا فقد أوقر هؤلاء اليهود عشرات الجمال وحملوا معهم كل ما يملكون من ذهب وفضة وهو شيء عظيم، حتى إن أحد زعمائهم

стр. 581

(هو سلام بن أبي الحقيق) حمل معه عند الجلاء خزينة كبيرة (جلد ثور) مملوءة ذهبًا وفضة، وكان يضرب على هذه الخزينة قائلًا (وكأنه يهدد المسلمين بالغزو): "هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها". ولقد حاول اليهود (فعلًا) - عن طريق سلطانهم المالى - أن يخفضوا الأرض ويرفعوها، فلم تمضى على إقامتهم في منفاهم الجديد (خيبر) ستة أشهر حتى خرجوا بمخطط جهنمى رهيب، يهدفون من وراء تنفيذه إلى سحق المسلمين في المدينة سحقًا كاملًا ليستعيد بنو إسرائيل (من جديد) سيطرتهم على منطقة يثرب. فقد رسم اليهود في (خيبر للتخلص من المسلمين في يثرب) مشروع غزو كبير، تقوم به قوة ضاربة متحدة من أقوى القبائل العربية المعادية للإسلام (وخاصة قريش وغطفان). ولتحقيق هذ المشروع الخطير التي رسمت خطوطه في (خيبر) قام زعماء اليهود وعلى رأسهم (حُيى بن أخطب سيد بنى النضير) بالسفر إلي مختلف الأقاليم العربية في الجزيرة وطافوا على مختلف القبائل واجتمعوا بزعمائها شارحين لهم تفاصيل مشروعهم الكبير ومثيرين فيهم روح العداوة للمسلمين، مستخدمين (في الدرجة الأولى سلاح المال، سلاح اليهود الرئيسى في كل عصر وزمان) الأغراء لزعماء الأعراب وشرائهم بالرشاوى ليستجيبوا لهم، حتى إن هؤلاء اليهود جعلوا لقبائل غطفان النجدية جميع ما أنتجته (خيبر) من ثمار لسنة واحدة مقابل قبول هذه القبائل المشروع اليهودى والموافقة عليه.

стр. 582

ولقد نجح اليهود نجاحًا كبيرًا في مهمتهم، حيث وافقت قريش وغطفان (وهم أقوى وأعظم قبائل الجزيرة) على مشروع اليهود لغزو المدينة. ولم يعد وفد خيبر من رحلته إلا وهو على رأس عشرة آلاف مقاتل (أربعة آلاف من قريش وأحلافها، وستة آلاف من غطفَان وأحلافها). وقد أنزل اليهود هذه الجيوش العظيمة بأطراف المدينة .. وأحلام العودة إلى المدينة والسيطرة عليها من جديد تستولى على كل مشاعرهم. والحق أن عملية الغزو هذه كانت عملية منظمة مركزة مخيفة، فكان كل شيء في الظاهر عند وصول جيوش الأحزاب يوحى بأن أيام الكيان الإسلامى كله أمام هذا الغزو الساحق الرهيب، أصبحت معدودة. ولم لا؟ .. عشرة آلاف مقاتل من فرسان العرب وشجعانهم مجهزة أحسن تجهيز يساندها رأس المال اليهودى المخيف ويخطط لها الفكر الإسرائيلى الخبيث، تُطبق من كل ناحية على ألف مقاتل من المسلمين، ينقصهم كل شيء إلا الإيمان بالله .. ولكن الله غالب على أمره. ٥ ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.

стр. 583

إن هذه الآية (وهي تصف أهوال غزوة الأحزاب) تعبر في إيجاز أبلغ من التفصيل - أصدق تعبير عن مدى خطورة هذه الغزوة، ومدى ما تعرض له المسلمون فيها من عظيم الكرب وشدة القلق والخوف والفزع الذي بلغ بهم حد الاختناق. لقد تحدث القرآن الكريم عن متاعب المسلمين في كثير من معارك التحرير الكبرى التي خاضها المسلمون بقيادة نبيهم الأعظم ﷺ كبدر وأُحد وحنين، ولكنه لم يذكر أن حالة الجيش الإسلامي قد بلغت بهم من الكرب والشدة والرعب إلى الدرجة التي تحدث عنها في غزوة الأحزاب هذه. فمعركة الأحزاب (إذن)، وإن لم يكن جرى فيها كبير قتال، هي (بشهادة القرآن الكريم) أخطر معركة في تاريخ الإسلام، وهي بحق معركة المصير. إنها (فعلًا) لم تكن معركة فضل فيها الرمح والسيف، ولكنها كانت معركة أعصاب، كان السلاح الرئيسى الذي واجهه المسلمون فيها هو الخوف والرعب والقلق والإرجاف والانقسام والغدر والخيانة في الساعات الحاسمة. وفاعلية هذا السلاح تكون في المعارك (غالبا) أشد من فاعلية السيف والرمح والسهم. لقد أجمع المعنيون بأخبار معارك الإسلام على أن المسلمين لم يكونوا على درجة من الخوف والشدة والقلق والجزع والاضطراب، مثلما كانوا عليه في غزوة الأحزاب. قالت أم المؤمنين (أم سلمة ﵂: "شهدت مع

стр. 584

رسول الله ﷺ مشاهد فيها قتال وخوف .. المريسيع وخيبر، وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين، لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق (تعنى معركة الأحزاب)، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة (الشجرة الصغيرة الملتف عليها الشجر من كل ناحية) وأن قريظة لا نأمنها على الذرارى، فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفًا، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا" أهـ. ٦ وبينما كان المسلمون في أمر عظيم من الكرب والشدة والامتحان إذا بحلفائهم يهود بنى قريظة (الواقعة منازلهم خلف خطوط الجيش الإسلامي) يعلنون - في خسة ونذالة - نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، ويعلنون انضمامهم إلى جيوش الأحزاب الغازية، فيصبحون (وهم ما يقرب من ألف مقاتل) قوة ثانية مستعدة لضرب مؤخرة الجيش الإسلامي الصغير الذي لا يزيد عدده (في أصح، التقديرات) على ألف مقاتل، والذي قد وقف بأكمله لمواجهة عشرة آلاف مقاتل تهدده أمواجها بالغرق في كل لحظة. وهكذا تضاعف الكرب وازداد البلاء على المسلمين واستحكمت فصول المحنة، ولم يقف الكرب والبلاءُ والامتحان عند هذا الحد، بل أبي الله (لحكمة يعلمها) إلا أن يبلغ الكرب والبلاءُ والامتحان بجيش المدينة الذروة.

стр. 585

فقد ظهرت (في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة) داخل الجيش الإسلامي نفسه قوة ثالثة أعلنت التمرد وظهر رجالها على حقيقتهم جبناء رعاديد يظهرون ما لا يبطنون، وهم المنافقون الذين أخنوا (في تلك اللحظات الحاسمة من ساعات المصير) ينسحبون من صفوف الجيش متذرعين بشتى الأعذار تاركين النبي ﷺ والقلة من صفوة أصحابة في مهب العاصفة المدمرة. وهكذا هزَّت المحن والبلايا جيش محمد، في غربالها بعنف من جديد فتساقط من ثقوب هذا الغربال من تساقط، من ضعاف الإيمان. ولم يبق بجانب النبي الأعظم ﷺ في تلك الليالى الرهيبة المرعبة، إلا ذلك النوع من الرجال الذين عندما اهتز غربال المحن والبلايا كانوا أكبر من ثقويه فضاقت عن أن تستوعبهم فيسقطوا، لأنهم كانوا (بإيمانهم ويقينهم) أعظم من تلك المحن والخطوب وأكبر من البلايا والكروب، فقد ثبتت للك الصفوة المختارة من صحابة محمد ﷺ مع نبيها العظيم ﷺ أمام للك الخطوب والأهوال التي تنخلع لها القلوب، وقاوموا ذلك الغزو الساحق الرهيب، بصبر وجلد منقطع النظير حتى جاءهم النصر من عند الله فهزم الأحزاب، وجنت قريظة الغادرة ثمار غدرها وخيانتها فدفعت ثمن هذا الغدر والخيانة غاليًا، رؤوس ثمانمائة من رجالها قطعت بأيدى المسلمين بعد محاكمة عادلة نزيهة. إن النظر بتفهم ووعى وتبصر في مواقف أصحاب محمد ﷺ ، من حوادث معركة الأحزاب الرهيبة مع التطبيق يمكن (بل يجب) أن يكون قاعدة لكل العقائد بين الذين يريد ون (صادقين لا متاجرين) أن يتحملوا مسئولية الدعوة إلى الله والنضال في سبيل إعلاء كلمة الله.

стр. 586

فبالنظر في تفاصيل حوادث هذه المعركة المثيرة سيرى شباب الإسلام العقائدى وكهوله الصادقون، كيف يكون الثبات على الحق وكيف يكون النضال والتضحية والفداء، في سبيل حماية ورفع راية الدعوة الإسلامية التي كثر الضجيج (في زماننا هذا) باسمها ولكنه ضجيج كضجيج الرحى الذي يصم الآذان دون أن يرى الناس له طحنًا. فإلى كل المناضلين الصادقين في سبيل البعث الإسلامي الصحيح (أينما كانوا ومن أي لون أو جنس كانوا) نتقدم بهذا السفر من تاريخ أولئك العظماء الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقامت على قواعد جهادهم الحق ونضالهم الصادق أعظم وأعدل دولة عرفها التاريخ، فعسى أن يستفيد المناضلون الأحفاد من درس تاريخ أولئك البناة الاجداد، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. محمد أحمد باشميل مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية شهر صفر ١٣٨٥ هـ - يونية ١٩٦٥ م

стр. 587

الفصل الأول مجمل الأحداث العسكرية والسياسية بين معركتي أحد والأحزاب * ست حملات عسكرية يقوم بها النبي ﷺ لتأديب الأعراب قبل غزوة الأحزاب. * محاولة بني النضير اغتيال النبي ﷺ . * إجلاء هؤلاء اليهود عن المدينة. * محاولة المنافقين إثارة الحرب الأهلية بين المسلمين. * حديث الإفك. الأثر السييء بعد معركة أحد بالرغم من الهزة العنيفة التي تعرض لها المسلمون بعد انتكاستهم العسكرية في معركة أحد، فإنهم ظلوا مسيطرين على الموقف سيطرة تامة. لاسيما بعد الحركات العسكرية السريعة الناجحة التي قام بها جيش المدينة - بعد معركة أُحد. إن أهم الأحداث السياسية للمسلمين. بعد معركة أُحد، هي أن مركزهم في منطقة يثرب خاصة والجزيرة العربية عامة، قد تأثر تأثرًا

стр. 588

ملموسًا كنتيجة حتمية لانتكاستهم العسكرية الموجعة في موقعة أحد. - فقد انخفضت نسبة هيبتهم في نفوس القبائل العربية الباقية على الوثنية وفي نفوس اليهود والمنافقين الذين كانوا قد امتلأت نفوسهم رعبًا وفزعًا من المسلمين بعد انتصارهم الساحق في معركة بدر الكبرى الشهيرة. ولم تخف على المسلمين هذه الحقيقة المُرة، فصار المسلمون يبذلون قصارى جهدهم (عسكريا وسياسيا) ليثبتو عمليا) لهؤلاء الأعداء بأنهم مخطئون جدًّا، إذ يظنون أن المسلمين - بعد معركة أحُد - من الضعف بحيث يقدرون على النيل منهم. وليثبتوا لهم أنهم (أي المسلمين) قادرون على سحق كل من تحدثه نفسه بالاعتداء عليهم قاموا بحركات عسكرية سريعة ناجحة أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم زلزالًا شديدًا وجعلتهم يصححون مفاهيمهم الخاطئة عن مدى قوة المسلمين العسكرية وترابطهم السياسى والمعنوى، وخاصة المعسكر القرشى واليهودى الذين شهد و (قبل غيرهم) أول حركة عسكرية بارعة رائعة ناجحة قام بها المسلمون ليثبتوا للأعداء أن وجودهم العسكرى والسياسى والعقائدى لا يزال على ما كان عليه من القوة والمتانة، وأن أحداث الانتكاسة في موقعة أُحد لم يكن لها أي تأثير على هذا الوجود. حملة حمراء الأسد وكانت هذه الحركة التي نعنى هي حملة حمراء الأسد التي قام بها

стр. 589

النبي ﷺ صبيحة اليوم الذي دارت فيه معركة أُحد، فطارد جيش مكة الذي وصله خبر هذا الحملة وهو معسكر في فج الروحاء يعتزم الرجوع إلى المدينة لاستئصال شأفة المسلمين، فدبَّ الفزع في نفوس قادته لحركة المطاردة الجريئة هذه، فلم يعدلوا عن الزحف على المدينة فحسب، بل لقد انتابهم الخوف فجبنوا عن ملاقاة جيش المدينة الذي خرج لمطارتهم والذي ظنوه قد تحطم تحطيمًا كاملًا في معركة أُحد. فقد اجتمع قادة قريش في الرَّوحاء وتدارسوا الأمر فيما بينهم فقرروا مواصلة الانسحاب إلى مكة بالرغم من علمهم بوجود جيش المدينة (الذي خرج لمطاردتهم) على بعد عدة أميال منهم. فانسحبوا إلى مكة مفضلين عار الفرار على الاشتباك مع هذا الجيش المدني الحانق الذي كانوا على يقين بأنه (على صغره) سيكون إذا ما اصطدموا به كالإعصار الذي يحطم كل ما يلاقى. وهكذا نجح النبي ﷺ في هذه الحملة العسكرية السريعة (حملة حمراء الأسد) نجاحًا باهرًا فسجل نصرًا عسكريًا سريعًا عظيمًا، ظفر المسلمون على أثره بنصر سياسى أعظم في المحيط اليثربى خاصة، وفي الجزيرة العربية عامة. حيث صحح هذا النصر النظرة الخاطئة التي كان اليهود والمنافقون ينظرونها إلى الجيش الإسلامي بعد انتكاسته في معركة أُحد. فقد تأكد لدى اليهود والمنافقين في المدينة (خاصة) بعد نجاح المسلمين في حملة حمراء الأسد أن هؤلاء المسلمين هم من القوة والصلابة

стр. 590

بحيث يستحيل على أية قوة - وخاصة في يثرب - القيام ضدهم بأي عمل عسكرى مهما كان نوعه. وهذا عكس ما كان يعتقد هؤلاء الأعداء، ولهذا فإنهم أصيبوا بالدهشة والذهول عندما بلغهم أن جيش مكة - الذي ظنوه انتصر على المسلمين في أُحد - قد نكل عن المعركة وفر هاربًا أمام جيش المدينة الذي اعتقدوا أنه قد تحطم عند سفوح جبل أُحد، رأوا هذا الجيش يعود إلى المدينة مرفوع الرأس، ولسان حاله يقول لهؤلاء اليهود المتربصين، من الأصلح لكم أن تلتزموا الهدوء فإن آية حركة تأتى من ناحيتكم فإن مصيرها لن يكون إلا السحق الكامل. وفعلًا .. فإن اليهود وأنصارهم السريين (المنافقين) قد أعادوا النظر في مخططهم ولم يتسرعوا في تنفيذ هذا المخطط فالتزموا الهدوء، والسبب المباشر في ذلك كله هو نجاح النبي ﷺ في حملة حمراء الأسد (١) الجريئة تلك الحملة التي أعادت للجيش الإسلامي هيبته وجعلته يعود سيدًا للموقف في يثرب كما كان دون منازع، بالرغم من الخسائر الباهظة التي تعرض لها - في الرجال - في معركة أُحد. الحركات العسكرية ضد الأعراب وبينما كان الرسول ﷺ يوطد دعائم الأمن والاستقرار في منطقة يثرب كانت قبائل العرب الأخرى في منطقة الحجاز ونجد ترسم مخططاتها وتشرع في تجمعاتها للإغارة على المدينة وضرب المسلعين فيها، مغتنمين

стр. 591

فرصة أثر الضربة الموجعة التي نزلت بالمسلمين في معركة أُحد، والتي ظنها هؤلاء الأعراب ضربة قاتلة. فقد طمع هولاء الأعراب الوثنيون في المسلمين وأخذ كل منهم يفكر في ضربهم ويعد العدة للإغارة عليهم وانتهاب أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم. نشاط الاستخبارات النبوية ولم تكن الاستخبارات النبوية العسكرية غافلة عن هذا التفكير والتحرك، فقد كان المسلمون يتوقعون أن يقوم الأعراب بتحركات عسكرية سريعة ضد المسلمين، بعد الذي نزل بهم في معركة أُحد. ولذك فقد نشطت استخبارات المدينة نشاطًا واسعًا في مجال مراقبة مناطق هؤلاء الأعراب لتكون على علم مسبق بأية حركة يعتزم هؤلاء الأعراب القيام بها ضد المدينة، فتنقل هذه الاستخبارات كل ما يجد بهدا الصدد إلى القيادة العليا في المدينة أولًا بأول. فصارت القيادة في المدينة على علم تام بأية حركة يعتزم أحد من هؤلاء الأعراب القيام بها ضد المسلمين، وقد ساعد نشاط استخبارات المدينة القيادة فيها على التيقظ والتحرك بسرعة لضرب أية قبيلة تنوى الهجوم على المدينة، وذلك قبل أن تتم هذه القبيلة عمليات الحشد والتجهيز. فقد سارع النبي ﷺ إلى القيام بعدة حركات عسكرية هجومية حاسمة وسريعة، قادها بسرعة خاطفة إلى منازل هؤلاء الأعراب، فوضع بها حدًّا لأطماعهم وألقى بها عليهم دروسًا عملية قاسية، جعلتهم

стр. 592

يصححون مفاهيمهم الخاطئة عن مدى قوة المسلمين العسكرية التي ظنوها قد انهارت نتيجة ما أصابهم في ملحمة أُحد. عدد الحملات العسكرية بين أحد والأحزاب لقد كانت الحملات العسكرية التي حدثت ما بين معركتى (أُحد والأحزاب) سبع حملات، كان المسلمون هم البادئون فيها بالهجوم. ولما كان الأعراب (وخاصة أعراب نجد) هم أول المفكرين في الإغارة على المسلمين في المدينة وأكثر الناس جرأة وأسرع إلى التجمع لتنفيذ ما كانوا يفكرون فيه، فإن أكثر الحملات العسكرية التي جردتها المدينة قد وجهت ضد هؤلاء الأعراب. فقد كانوا هدفًا لست من هذه الحملات العسكرية التي قاد النبي ﷺ بعضها بنفسه. بينما لم يتعرض اليهود (قبل غزوة الأحزاب وبنى قريظة) إلا لحملة عسكرية واحدة، وهي الحملة التي قام بها المسلمون ضد يهود بنى النضير في ضواحي المدينة. ولعل مما ساعد القيادة في المدينة على ضرب هؤلاء الأعراب والتنكيل بهم في ديارهم ووضع حد لأطماعهم بطريقة حاسمة، هو أنهم لم يكونوا عند تفكيوهم في الإغارة على المدينة جبهة واحدة. لأن باعث تفكيرهم للإغارة على المسلمين لم يكن باعثًا عقائديًا أو سياسيًا جاء نتيجة مخطط مدروس، وإنما كان باعث ذلك التفكير هو

стр. 593

الرغبة في السلب والنهب والسبى فحسب ثم العودة إلى ديارهم، كما هي العادة المتبعة لديهم في حووبهم منذ عشرات القرون. فلم يكن هدفهم من الإغارة على المدينة احتلالها والتخلص من المسلمين نهائيًا كما هو الحال عند اليهود ومشركى مكة الذين كانوا يحاربون المسلمين (وفق مخططات عقائدية وسياسية)، كما حدث في غزوة الأحزاب التي خطط لها اليهود وحملوا بعض اعراب نجد على الاشتراك فيها عن طريق إغرائهم بالمال. ولهذا فقد تمكن المسلمون (قبل معركة الأحزاب) من ضرب هذه القبائل وتشتيتها في مكان تجمعها، كل قبيلة على انفراد في ست حملات عسكرية قام بها الجيش الإسلامى وهي: ١ - تأديب بني أسد (ذو الحجة سنة ثلاث للهجرة) وأول حملة عسكرية تأديبية قام بها جيش المدينة ضد الأعراب هي دورية القتال التي بعث بها الرسول ﷺ لضرب قبيلة بنى أسد في منطقة نجد. فقد تلقت القيادة في المدينة من استخباراتها العسكرية أن قبيلة بني أسد هذه قد أخذت في التحشد بقيادة المحارب الشهير (طليحة بن خويلد (١) وأخيه سلمة).

стр. 594

وأن هدف هذا التحشد هو الإغارة على المدينة، ولهذا سارع النبي ﷺ إلى تجهيز قوة من المهاجرين والأنصار قوامها مائة وخمسون راكبًا، أعطى قيادتها لأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي (١). وقد كان ضمن هذه القوة، أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص (٢) وغيرهم من كبار المهاجرين والانصار، وقد كانت هذه الحملة في شهر ذي الحجة سنة ثلاث من الهجرة، أي بعد شهر واحد (تقريبًا) من غزوة أُحد. وقد رسم الرسول ﷺ لهذه الحملة خطة أمر قائد الحملة أبا سلمة أن يسير عليها، وأهم نقطة في الخطة هو الكتمان والسرعة وأخذ قبائل بنى أسد على حين غرة وقبل أن يتجمعوا. وقد جاء في المرسوم النبوى الذي عين به القائد الأعلى أبا سلمة

стр. 595

لقيادة الحملة، قوله ﷺ لأبي سلمة القائد .. سر حتى تنزل أرض بنى أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم. وفي حدود الخطة المرسومة تحركت قوات هذه الحملة في اتجاه ديار بنى أسد بأرض نجد، ونحو قطن - جبل لهم - بالذات وهو النقطة التي حددتها الخطة. ولما كان الكتمان من لوازم هذه الدورية العسكرية صار القائد أبو سلمة يسير برجاله ليلًا وبأقصى سرعة، ويكمن بهم نهارًا، وكان يسلك برجًا له طريق غير مطروق حتى وصل منازل بنى أسد. وكان القصد من هذا هو إخفاء خبر هذه الحملة بحيث لا يعلم بها أحد، حتى تصل ديار بنى أسد. ولقد نجحت هذه الحملة (فعلًا) في تحقيق أهدافها حيث تمكن رجالها من مباغتة بنى أسد في ديارهم وأخذهم على حين غرة قبل أن يستكملوا تحشيدهم. حيث فاجأتهم قوات المسلمين في ديارهم فجرًا وأخذت في تطويق منازلهم وهم على غير أهبة، فأخذتهم الدهشة فلم يستطيعوا الثبات، بل ولوا الأدبار دون أية مقاومة. فسيطرت قوات المسلمين على ديارهم، وبعث أبو سلمة القائد مفرزتين من رجاله لمطاردة القوم فاستولى رجالها على عدد كبير من أغنام بنى أسد وإبلهم. كما تمكن رجال إحدى المفرزتين من أسر ثلاثة مماليك من رُعاة

стр. 596

إبلهم، أما بقية رجال القبيلة فقد تفرقوا منهزمين في بطون الشعاب ورؤوس الجبال. وهكذا، وبعد أن نجحت هذه الدورية في مهمتها وحققت أهدافها، بتأديب بنى أسد وضربهم في منازلهم بللك الصورة المباغتة التي ما كانوا يتصورونها، عاد القائد أبو سلمة إلى المدينة ظافرًا. وقد استغرقت العمليات العسكرية التي قامت بها هذه الدورية بضع عشرة ليلة، وكان لنجاحها أكبر الأثر في نفوس القبائل المجاورة التي كانت تحدث نفسها بالإغارة على المدينة، لأن قبيلة بنى أسد تعتبر من أقوى القبائل النجدية وأشدها شكيمة، فكان نجاح المسلمين في ضرب هذه القبيلة وتشتيت جموعها بتلك السرعة بمثابة إنذار حاسم لمن تحدثه نفسه بالقيام بما اعتزمت هذه القبيلة القيام به من عدوان. ٢ - سرية عبد الله بن أنيس (١) (٢٥ المحرم سنة أربع من الهجرة) وبعد عودة القائد أبي سلمة برجال دوريته ظافرين من ديار بنى أسد بنجد مباشرة، نقلت استخبارات الجيش إلى القائد الأعلى الرسول ﷺ أخبارًا تفيد أن القائد الهذلى الشهير، خالد بن سفيان قد جرأه هو الآخر ما أصاب المسلمين في معركة أُحد فطمع في الإغارة على المدينة بغية

стр. 597

السلب والنهب، وأنه أخذ يُعد العدة ويحشد أعراب تلك المنطقة (منطقة عرنة) من قبائل هذيل وبنى اللحيان وكلهم من قبائل الحجاز المجاورة لقبائل قريش. الفتك بقائد الحشد الهذلي فسارع الرسول ﷺ إلى إرسال أحد أصحابه إلى تلك الديار للاستطلاع والتأكد فيما إذا كانت المعلومات التي تلقاها صحيحة أم لا. ثم أمره بقتل قائد الحشد هذا إذا ما تأكد من صحة الخبر، لأن قتل هذا القائد سيوفر على جيش المدينة مهمة القيام بحملة عسكرية كاملة إلى تلك الديار البعيدة. وكان الرجل الذي وقع عليه الاختيار للقيام بهذه المهمة هو عبد الله بن أنيس الجهني، وأعتقد أن من أهم لأسباب هذا الاختيار هو أن عبد الله بن أنيس يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه (جهينة). يضاف إلى هذا أن عبد الله بن أنيس يعتبر من شجعان العرب. فقد استدعاه النبي ﷺ وأمره بالتوجه إلى ديار هذيل والفتك بقائدها خالد بن سفيان بأية وسيلة كانت، ولما كان ابن أنيس لا يعرف خالد ابن سفيان شخصيًا، طلب من النبي ﷺ عندما تبلغ منه الأمر بالتوجه - أن يصف له خالدًا قائلًا: "صفه لي يا رسول الله". فوصفه ﷺ له بقوله .. إذا رأيته هبته وفرقت (١) منه وذكرت الشيطان، قال عبد الله: وكنت لا أهاب الرجال.

стр. 598

وكجزء من المخطط الذي رسمه ابن أنيس لإنجاح مهمته استأذن النبي ﷺ في التنكر وأن يسمح له بأن يكذب في حدود إكمال مهمته إذا ما اقتضى الأمر ذلك، فسمح له، والكذب على العدو المحارب لإيقاعه والتغرير به مباح في الإسلام. سار عبد الله بن أنيس على عجل قاصدًا مكان التجمع في عرنة من ديار هذيل، ولما وصل إلى للك الديار وجد الخبر صحيحًا. استدراج قائد هزيل لقتله وهنا أخذ يحتال لتنفيذ مهمته، فعندما وصل إلى تلك الديار انتسب إلى قبيلة خزاعة زيادة في التمويه على العدو. وما زال يتحين الفرص حتى التقى بقائد الحشد الموكل إليه قتله وعندما سأله خالد .. من الرجل؟ أجابه بقوله .. رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، فأكد له خالد بن سفيان ذلك قائلًا .. أجل أننى لأجمع له، ورحب بانضمامه إلى الحشد. ولقد وجد ابن أنيس خالدًا كما وصفه رسول الله ﷺ من حيث الهيبة، وخاف منه بالفعل، ولقد تحدث عبد الله بن أنيس عن هيبة الرجل وقوة شخصيته، حيث قال .. فعرفته بنعت رسول الله ﷺ وهبته فرأيتنى أقطر (أي من الخوف) فقلت: صدق الله ورسوله. ولما اطمأن خالد بن سفيان إلى عبد الله بن أنيس، أخذ الأخير يماشه ويتحدث إليه بأحاديث استحلاها منه، وقد استدرجه حتى انفرد

стр. 599

به بعيدا عن مكان التجمع، ولما رجع عنه حرسه الخاص من أصحابه وبقى منفودًا حمل عليه عبد الله بن أنيس وعاجله بضربة من سيفه أودت بحياته في الحال، ثم أنصرف راجعًا إلى المدينة، ولئلا يتمكن أصحاب القائد الهذلى من العثور على قاتله ابن أنيس اختفى في أحد الغيران في الجبل، ولقد جد الهذليون في طلب ابن أنيس ولكنهم فشلوا في العثور عليه. قال عبد الله بن أنيس .. يصف قتله للقائد خالد بن سفيان: حتى إذ هدأ الناس وناموا، اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارًا في الجبل، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين، ثم خرجت فكنت أسير بالليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد فلما رآني قال .. أفلح الوجه، قلت .. أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبرى (١) وقد استغرقت هذه العملية ثماني عشرة ليلة. وبهذا العمل وفر الفدائى الجهني، على المسلمين مشقة القيام بحملة عسكرية كاملة لتأديب تلك القبائل، فقد انهارت عزائم قبائل هذيل بقتل قائدها وزعيمها، وتفرقت جموعها المحتشدة، لأنها رأت أن لا فائدة من غزو المسلمين، وهكذا قام الفدائى البطل عبد الله بن أنيس مقام جيش بأكمله. فاجعة بئر معونة .. (صفر سنة أربع من الهجرة) وفي شهر سفر من السنة الرابعة للهجرة، ولما يمض على نكسة

стр. 600

(أُحد) المريعة خمسة وأربعون يومًا، نزلت بالمعسكر الإسلامي فاجعة مروعة فقد المسلمون فيها مثل الذي فقدوه من رجالهم في غزوة أحد، فقد قتل منهم غدرًا في ديار نجد سبعون رجلًا من خيرة صحابة محمد ﷺ . وتفصيل ذلك، أنه وفد على رسول الله ﷺ أحد أعيان بنى عامر وهو الفارس الشهير أبو براء عامر بن مالك (١) بن جعفر الملقب (بملاعب الأسنة)، فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يسلم ولكنه لم يبعد من الإسلام وذلك أنه اقترح على النبي ﷺ ، أن يرسل وفدًا من أصحابه إلى أرض نجد يدعوا أهلها إلى الإسلام حيث قال .. يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك. فراقت الفكرة للرسول ﷺ إلا أنه أبدى تخوفه من غدر أهل نجد قائلًا .. إني أخاف عليهم أهل نجد، فأبدى ملاعب الأسنة استعداده لأن يكون الوفد النبوى في جواره قائلًا .. أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فشكل النبي ﷺ وفدًا من صحابته ومن الأنصار خاصة، وكلهم من الشباب، برئاسة المنذر بن عمرو الأنصاري. ومن المؤلم الذي جعل خسارة المعسكر الإسلامى تبلغ غايتها في الجسامة هو أن وفد الدعوة هذا كان مؤلفًا من صفوة أصحاب محمد ﷺ
следующие страницы →