← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إبلهم، أما بقية رجال القبيلة فقد تفرقوا منهزمين في بطون الشعاب ورؤوس الجبال. وهكذا، وبعد أن نجحت هذه الدورية في مهمتها وحققت أهدافها، بتأديب بنى أسد وضربهم في منازلهم بللك الصورة المباغتة التي ما كانوا يتصورونها، عاد القائد أبو سلمة إلى المدينة ظافرًا. وقد استغرقت العمليات العسكرية التي قامت بها هذه الدورية بضع عشرة ليلة، وكان لنجاحها أكبر الأثر في نفوس القبائل المجاورة التي كانت تحدث نفسها بالإغارة على المدينة، لأن قبيلة بنى أسد تعتبر من أقوى القبائل النجدية وأشدها شكيمة، فكان نجاح المسلمين في ضرب هذه القبيلة وتشتيت جموعها بتلك السرعة بمثابة إنذار حاسم لمن تحدثه نفسه بالقيام بما اعتزمت هذه القبيلة القيام به من عدوان. ٢ - سرية عبد الله بن أنيس (١) (٢٥ المحرم سنة أربع من الهجرة) وبعد عودة القائد أبي سلمة برجال دوريته ظافرين من ديار بنى أسد بنجد مباشرة، نقلت استخبارات الجيش إلى القائد الأعلى الرسول ﷺ أخبارًا تفيد أن القائد الهذلى الشهير، خالد بن سفيان قد جرأه هو الآخر ما أصاب المسلمين في معركة أُحد فطمع في الإغارة على المدينة بغية

стр. 597

السلب والنهب، وأنه أخذ يُعد العدة ويحشد أعراب تلك المنطقة (منطقة عرنة) من قبائل هذيل وبنى اللحيان وكلهم من قبائل الحجاز المجاورة لقبائل قريش. الفتك بقائد الحشد الهذلي فسارع الرسول ﷺ إلى إرسال أحد أصحابه إلى تلك الديار للاستطلاع والتأكد فيما إذا كانت المعلومات التي تلقاها صحيحة أم لا. ثم أمره بقتل قائد الحشد هذا إذا ما تأكد من صحة الخبر، لأن قتل هذا القائد سيوفر على جيش المدينة مهمة القيام بحملة عسكرية كاملة إلى تلك الديار البعيدة. وكان الرجل الذي وقع عليه الاختيار للقيام بهذه المهمة هو عبد الله بن أنيس الجهني، وأعتقد أن من أهم لأسباب هذا الاختيار هو أن عبد الله بن أنيس يمتاز بمعرفة مواطن تلك القبائل لمجاورتها ديار قومه (جهينة). يضاف إلى هذا أن عبد الله بن أنيس يعتبر من شجعان العرب. فقد استدعاه النبي ﷺ وأمره بالتوجه إلى ديار هذيل والفتك بقائدها خالد بن سفيان بأية وسيلة كانت، ولما كان ابن أنيس لا يعرف خالد ابن سفيان شخصيًا، طلب من النبي ﷺ عندما تبلغ منه الأمر بالتوجه - أن يصف له خالدًا قائلًا: "صفه لي يا رسول الله". فوصفه ﷺ له بقوله .. إذا رأيته هبته وفرقت (١) منه وذكرت الشيطان، قال عبد الله: وكنت لا أهاب الرجال.

стр. 598

وكجزء من المخطط الذي رسمه ابن أنيس لإنجاح مهمته استأذن النبي ﷺ في التنكر وأن يسمح له بأن يكذب في حدود إكمال مهمته إذا ما اقتضى الأمر ذلك، فسمح له، والكذب على العدو المحارب لإيقاعه والتغرير به مباح في الإسلام. سار عبد الله بن أنيس على عجل قاصدًا مكان التجمع في عرنة من ديار هذيل، ولما وصل إلى للك الديار وجد الخبر صحيحًا. استدراج قائد هزيل لقتله وهنا أخذ يحتال لتنفيذ مهمته، فعندما وصل إلى تلك الديار انتسب إلى قبيلة خزاعة زيادة في التمويه على العدو. وما زال يتحين الفرص حتى التقى بقائد الحشد الموكل إليه قتله وعندما سأله خالد .. من الرجل؟ أجابه بقوله .. رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، فأكد له خالد بن سفيان ذلك قائلًا .. أجل أننى لأجمع له، ورحب بانضمامه إلى الحشد. ولقد وجد ابن أنيس خالدًا كما وصفه رسول الله ﷺ من حيث الهيبة، وخاف منه بالفعل، ولقد تحدث عبد الله بن أنيس عن هيبة الرجل وقوة شخصيته، حيث قال .. فعرفته بنعت رسول الله ﷺ وهبته فرأيتنى أقطر (أي من الخوف) فقلت: صدق الله ورسوله. ولما اطمأن خالد بن سفيان إلى عبد الله بن أنيس، أخذ الأخير يماشه ويتحدث إليه بأحاديث استحلاها منه، وقد استدرجه حتى انفرد

стр. 599

به بعيدا عن مكان التجمع، ولما رجع عنه حرسه الخاص من أصحابه وبقى منفودًا حمل عليه عبد الله بن أنيس وعاجله بضربة من سيفه أودت بحياته في الحال، ثم أنصرف راجعًا إلى المدينة، ولئلا يتمكن أصحاب القائد الهذلى من العثور على قاتله ابن أنيس اختفى في أحد الغيران في الجبل، ولقد جد الهذليون في طلب ابن أنيس ولكنهم فشلوا في العثور عليه. قال عبد الله بن أنيس .. يصف قتله للقائد خالد بن سفيان: حتى إذ هدأ الناس وناموا، اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارًا في الجبل، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين، ثم خرجت فكنت أسير بالليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد فلما رآني قال .. أفلح الوجه، قلت .. أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبرى (١) وقد استغرقت هذه العملية ثماني عشرة ليلة. وبهذا العمل وفر الفدائى الجهني، على المسلمين مشقة القيام بحملة عسكرية كاملة لتأديب تلك القبائل، فقد انهارت عزائم قبائل هذيل بقتل قائدها وزعيمها، وتفرقت جموعها المحتشدة، لأنها رأت أن لا فائدة من غزو المسلمين، وهكذا قام الفدائى البطل عبد الله بن أنيس مقام جيش بأكمله. فاجعة بئر معونة .. (صفر سنة أربع من الهجرة) وفي شهر سفر من السنة الرابعة للهجرة، ولما يمض على نكسة

стр. 600

(أُحد) المريعة خمسة وأربعون يومًا، نزلت بالمعسكر الإسلامي فاجعة مروعة فقد المسلمون فيها مثل الذي فقدوه من رجالهم في غزوة أحد، فقد قتل منهم غدرًا في ديار نجد سبعون رجلًا من خيرة صحابة محمد ﷺ . وتفصيل ذلك، أنه وفد على رسول الله ﷺ أحد أعيان بنى عامر وهو الفارس الشهير أبو براء عامر بن مالك (١) بن جعفر الملقب (بملاعب الأسنة)، فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يسلم ولكنه لم يبعد من الإسلام وذلك أنه اقترح على النبي ﷺ ، أن يرسل وفدًا من أصحابه إلى أرض نجد يدعوا أهلها إلى الإسلام حيث قال .. يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك. فراقت الفكرة للرسول ﷺ إلا أنه أبدى تخوفه من غدر أهل نجد قائلًا .. إني أخاف عليهم أهل نجد، فأبدى ملاعب الأسنة استعداده لأن يكون الوفد النبوى في جواره قائلًا .. أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فشكل النبي ﷺ وفدًا من صحابته ومن الأنصار خاصة، وكلهم من الشباب، برئاسة المنذر بن عمرو الأنصاري. ومن المؤلم الذي جعل خسارة المعسكر الإسلامى تبلغ غايتها في الجسامة هو أن وفد الدعوة هذا كان مؤلفًا من صفوة أصحاب محمد ﷺ

стр. 601

ومن خيرة مثقفيهم، فقد كانوا يقولون لهم (القراء) لما يمتازون به بين قومهم من ثقافة عالية، بالإضافة إلى ميزتهم العسكرية. ويكفى أن يفهم القارئ أن رجال هذا الوفد كانوا على مستوى ذلك المحارب الشهير البطل (الحارث بن الصمة) (١) الذي كان أحد الأفذاذ الذين ثبتوا يوم أحد، ودافعوا عن رسول الله ﷺ دفاعًا رائعًا ساعة انهزام المسلمين عنه بعد الانتكاسة، فقد كان هذا البطل المثقف الشجاع ضمن من لقى حتفه من القراء (غدرًا) في ديار نجد. تحرك وفد الدعوة المسالم هذا وغادر المدينة في جوار سيد بنى عامر، عامر بن مالك، ولم يكن هذا الوفد (طبعًا) مستعدًا للحرب. لأنه إنما جاء لدعوة القبائل إلى الإسلام وكان على ما يشبه اليقين بأن لن يلقى حربًا أثناء قيامه بمهمته السلمية التي أوكلت إليه، لا سيما وأنه في جوار سيد من سادات بنى عامر. مكان الكارثة واصل وفد الدعوة سيره حتى وصل إلى مكان بين منازل بنى عامر وديار بنى سليم يقال له (بئر معونة) وإذ وصل الوفد ذلك المكان بعث أحد أعضائه - حرام بن ملكان - (٢) بكتاب رسول الله ﷺ الذي كان يحمله

стр. 602

الوفد إلى زعيم تلك القبائل، عامر بن الطفيل، وهو ابن أخي ملاعب الأسنة. وكان عامر هذا رجلًا شرسًا شديد العداوة للإسلام، فلما جاءه الرسول بخطاب النبي ﷺ لم ينظر فيه بل عدا على حامل الخطاب فقتله، بالرغم من أنه رسول، والرسول لا يقتل في عرف جميع البشر. وبعد أن قتل هذا الغادر رسول وفد الدعوة استصرخ قبائل بنى عامر وطلب منهم مشاركته القضاء علي جميع أعضاء الوفد النبوى الثقافى المسالم. إلا أن هذه القبائل (بالرغم من شركها) لم تستجب لهذا الغادر، فرفضت طلبه بعد أن أبلغته بأنه من العار عليها المشاركة في قتل قوم مسالمين، هم في جوار زعيم من زعمائها وهو عامر بن مالك ملاعب الأسنة. ولما يئس عامر بن الطفيل من مساندة قومه بنى عامر له في الغدر بالمسلمين غضب ولجأ في الحال إلى قبائل رعْل وعُصية وذكوان وهم من بنى سليم فأجابوه إلى ذلك. وعندها تحركت قوات الغدر والخيانة البالغ عددها حوالي الألف فارس فأخذت المسلمين على حين غرة، فقد كان رجال الوفد مطمئنين في رحالهم ينتظرون عودة رسولهم الذي أرسلوه بخطاب النبي على عامر بن الطفيل، وما كانوا يتصورون أن الغدر سيبلغ بهذه القبائل إلى درجة الاعتداء على الآمنين في جوارهم، الأمر الذي كان العرب جميعًا مسلمهم ووثنيهم يستهجنونه ويستبشعونه.

стр. 603

إبادة رجال الوفد عن آخرهم فبينما كان هؤلاءالمسلمون من الوفد العلمي مطمئنين في رحالهم هكذا إذا بخيل عامر بن الطفيل تحيط بهم من كل جانب، تسانده جموع غفيرة من أعراب سليم. فلم يكن من رجال الوفد الإسلامى - وعددهم سبعون - إلا أن يسارعوا إلى سيوفهم للدفاع عن أنفسهم، وقد قاتلوا الغادرين قتلًا مريرًا ولكن دون جدوى. فلم تترك لهم قوة العدو العديدة الغامرة المنظمة المتأهبة فرصة حيث اقتحمت رحالهم من كل جانب فاعتورتهم سيوفها وتخطفتهم رماحها حتى قتلوا عن آخرهم يرحمهم الله، ولم ينج من القتل إلا رجلان فقط هما .. كعب بن زيد (١) وعمرو بن أمية الضمرى (٢). أما كعب فقد تركه الغادرون جريحًا دون أن يعلموا حقيقة أمره فارتث وبقى بين القتلى فعاش بعد ذلك حتى قتل شهيدًا في معركة الأحزاب، أما عمرو بن أمية الضمرى أحد أعضاء الوفد الذي كان في سرح القوم ساعة الهجوم على المسلمين فقد وقع أسيرًا فأعتقه عدو الله - قائد الغادرين - عامر بن الطفيل.

стр. 604

قال ابن إسحاق .. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل من الأنصار فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر. فقال: والله إنَّ لهذا الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو ن أمية .. ما ترى؟ . قال أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الأنصاري لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو -يعني رئيس الوفد- وما كنت لتخبرنى عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل. وقاتل عمر بن أُمية الضمرى حتى وقع أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجزَّ ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أُمه، وقد كان المشركون قد عرضوا على رئيس الوفد الأمان فقالوا .. إن شئت أمناك فأبى ثم قاتلهم حتى قتل. وقع الكارثة في المدينة وقد تلقت المدينة نبأ هذه الفاجعة بحزن شديد لا يقل عن حزن كارثة أُحد، وقد كان لها في نفس رسول الله أبلغ الأثر، فقد قال ﷺ حينما بلغه نبأ الكارثة - هذا عمل أبي براء - يعني عامر بن مالك الذي اقترح عليه إرسال هذا الوفد من القراء - قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا. وروى ابن سعد في طبقاته الكبرى عن أنس بن مالك، قال:

стр. 605

ما رأيت رسول الله ﷺ وجد (أي تألم) على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وكان الذي نقل نبأ الفاجعة إلى النبي ﷺ هو عمرو بن أُمية، الناجى الوحيد من المذبحة المروعة. وجاء في السيرة الحلبية أن وفد القراء لما أحاطت بهم خيل عامر بن الطفيل قالوا .. اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك عنا السلام غيرك، فأقرئه منا السلام، فنزل الوحى على الرسول ﷺ بذلك، فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال .. إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم. وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى - راويًا عن أنس بن مالك أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة قرآنًا وأنه نسخ فيما بعد وهو قول الله تعالى مبلغًا عن الشهداء المغدور بهم (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه). وقد تألم النبي ﷺ لما نزل بأصحابه من القتل حتى إنه (كما في الصحيحين) ظل يقنت في الصلوات الخمس شهرًا كاملًا يدعوا على قبائل رعل وذكوان وعصية الدين غدروا بأصحابه في بئر معونة. الضمري يغتال رجلين من بني عامر وأثناء عودة عمرو بن أمية الضمرى إلى المدينة التقى في وادي قناة بالقرب من المدينة برجلين من بنى كلاب - رهط عامر بن الطفيل - فاستدرجهما حتى قتلهما وهو يرى أنه أصاب بهما ثؤرة. وقد فعل ذلك وهو لا يعلم أن الرسول ﷺ قد أعطاهما أمانا، ولذلك لما

стр. 606

أخبر الرسول ﷺ بقتلهما قال .. بئس ما صنعت قد كان لهما مني أمان وجوار، لأدِينَّهما، ثم بعث ﷺ ، بديتهما إلى قومهما من المشركين تنفيذًا لقانون العهد والجوار السائد بين القبائل العرب. وقد تألم أبو براء عامر بن مالك لما فعل ابن أخيه عامر بن الطفيل وشق عليه ما أصاب أصحاب النبي ﷺ على يد هذا الغادر الطاغية، حتى إن أبا براء (كما يقول ابن برهان الدين) مات أسفًا على ما صنع ابن أخيه من الغدر الشنيع بأصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في جواره وأمانه. ولم يرو التاريخ أن رهط ملاعب الأسنة أبي براء قد ردوا اعتبار زعيمهم بالانتقام من عامر بن الطفيل وقومه اللهم إلا أن ابن أبي براء (واسمه ربيعة) قد حاول الانتقام لشرف أبيه من الطاغية الغادر عامر بن الطفيل فحمل عليه بالرمح في نادى قومه يريد قتله وقد طعنه فعلًا إلا أن الطعنة لم تكن قاتلة حيث جاءت في فخذه، فلم يمت منها، وقد حال رهط ابن الطفيل وبين ابن عمه من أن يسدد إليه طعنة اقتص منه فرفضى قائلاُ: إن أنا مت، فدمى لعمى - يعني ملاعب الأسنة أبا براء - ويروى أصحاب السير أن ربيعة بن مالك هذا جاء إلى النبي ﷺ يعرب عن أسفه لما أصاب أصحابه في جوار أبيه وقال له: أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامر بن الطفيل ضربة أو طعنة؟ قال .. نعم فطعنه بالرمح كما هو مفصل فيما مضى.

стр. 607

توالي الامتحان على المسلمين وهكذا يتوالى امتحان الله تعالى لصفوة هذه الأمة في مختبرات المصائب والفجائع، فقد فقدوا في للك الظروف العصيبة سبعين وجلًا هم في أمس الحاجة إليهم. ولكن هذا الامتحان لم يزدهم تواليه إلا ثباتًا على الحق وصمودًا في وجه الباطل، وذلك الذي أواده الله منهم بهذا الاختبار ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١). نازلة أخرى .. حادثة الرجيع (شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة) وفي الوقت الذي كان فيه الحزن والأسى يخيم على المدينة لمصرع السبعين الذين لقوا حتفهم (غدرًا على يد قبائل سليم)، في هذا الوقت تلقت المدينة نبأ كارثة غدر أُخرى ذهب ضحيتها نخبة من خيرة أصحاب محمد ﷺ وحادثة الغدر هذه تشبه (تمامًا) حادثة بئر معونة. وإذا كانت حادثة الغدر المروعة التي تعرض لها المسلمون وفقد فيها المعسكر الإسلامى سبعين شهيدًا في بئر معونة، قد حدثت على أيدى القبائل النجدية. فإن الحادثة التي نحن بصددها الآن قد جاءت من قبل القبائل

стр. 608

الحجازية ومن جيران الحرم بالذات أهل مكة، وهذه الحادثة الثانية - وإن كانت ضحاياها في العدد أقل من ضحايا بئر معونة - إلا أن الغادرين قد مثَّلوا فيها أحط أنواع الغدر والخيانة. وتفصيل ذلك أن وفدًا من عضل والقارة من الهون بن خزيمة ابن مدركة، وفدوا على النبي ﷺ في شهر صفر، الشهر الذي حدثت فيه حادثة بئر معونة، تظاهر أمامه بالإسلام وطلبوا منه أن يرسل معهم بعثة من أصحابه المثقفين لكى يعلموهم دين الإسلام قائلين: "يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام". فاستجاب النبي ﷺ لطلبهم، ثم شكل أعضاء البعثة الثقافية المطلوبة على النحو التالي: مرثد بن أبي مرثد الغنوى (١) رئيسًا .. وتسعة أعضاء، من بينهم عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٢) البطل الرامى، والذي صرعت نباله اثنين من حملة لواء قريش في تلك المعركة. غادر وفد التفقيه هذا مدينة الرسول ﷺ متجهًا جنوبًا نحو مكة يصحبه وفد الخيانة الذي حضر إلى المدينة متظاهرًا بالإسلام.

стр. 609

الغدر برجال البعثة ولما وصلوا إلى مكان يقال له .. ذات الرجيع - وهو ماء لهذيل بين عسفان ومكة - غدر بهم الذين تظاهروا بالإسلام وطلبوا ابتعاثهم من النبي ﷺ إلى قومهم ليعلموهم الإسلام. ففي ذلك المكان (ذات الرجيع) مثلث قبائل دلك المنطقة (من هُذيل) أبشع أنواع الغدر وأحط أساليب اللؤم والخسة والدناءة. فبينما كان رجال بعثة التعليم الإسلامية مطمئنين في رحالهم حول الماء ومعهم رجال الوفد الغادر، إذا بهؤلاء الرجال الغادرين يتسللون الواحد تلو الآخر من بين رجال البعثة الإسلامية التفقيهية، ثم يتجهون نحو قبيلة هذيل فيستصرخونها على رجال البعثة الآمنة طالبين منها المشاركة في الغدر بهذا الوفد العلمي المسالم الذي - لم يكن يفكر مطلقًا في الحرب. ولقد استجابت قبيلة هُذيل لداعى الخسة والغدر إذ لم يرُعْ رجال البعثة التفقيهية الإسلامية التي لا يتجاوز عددها العشرة إلا الرجال بأيديهم السيوف وقد أحاطوا بهم من كل جانب. فسارع رجال البعثة العشرة إلى سيفوهم للدفاع عن أنفسهم ولكن الجبناء الغادرين لما رأوا شدة المقاومة وضراوة القتال طلبوا منهم الكف عن القتال وعرضوا عليهم الأمان قائلين .. إنا والله ما نريد قتلكم ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. القتلي من رجال البعثة وأمام هذا العرض اختلف رجال البعثة فيما بينهم .. فريق وهم

стр. 610

الأكثر، رفضوا ما عرض عليهم الغادرون وقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا. وعلى رأس هذ الفريق مرثد بن أبي مرثد (رئيس البعثة) وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، فقد شد هؤلاء - وعددهم سبعة - على الغادرين وقاتلوهم قتال الأبطال، ولكن كثرة الهذليين المجرمين تغلبت على هؤلاء الأصفياء فسقطوا جميعهم صرعى يرحمهم الله. أما الفريق الثاني من رجال البعثة النبوية - وعددهم ثلاثة - فقد رأوا أن لا فائدة من المقاومة ووثقوا بالأمان الذي عرضه عليهم رجال قبيلة هذيل فاستسلموا فأوثقهم الغادرون كتافا، وهؤلاء المستسلمون هم .. زيد بن الدَّثنة (١) .. وخبيب بن عدي (٢) .. وعبد الله بن طارق (٣). وبعد أن وقع هؤلاء الثلاثة في الأسر، أسرع بهم الهذليون إلى مكة ليبيعوهم فيها من مشركى قريش الذين تعلم هذيل أنه يسرهم جدًّا أن يقع في أيديهم أمثال هؤلاء الرجال من أصحاب محمد ﷺ .

стр. 611

غير أن واحدًا من هؤلاء الثلاثة - وهو عبد الله بن طارق - ندم لاستسلامه فنزع يده من القيد ثم اختطف سيفًا فقاتل القوم لكن الجبناء تكاثروا عليه ولم يجرؤ أحد منهم على منازلته بالسيف بل قذفوه بالحجارة حتى فارق الحياة يرحمه الله. هذيل تبيع الأسيرين لقريش أما خُبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقد قدمت هذيل بهما إلى مكة، ولما كانت الحالة (يوم ذاك) بين مكة والمدينة هي حالة حرب فقد سُر زعماء مكة بجلب هذين الأسيرين وأخذوا في مساومة هذيل لابتياعهما بغية الانتقام من معسكر المدينة بقتلهما. وقد انتهت هذه المساومة بأن سلم القرشيون لقبيلة هذيل أسيوين كانا قد وقعا في أيدى أهل مكة في حرب سابقة نشبت بين القبيلتين وسلمت هذيل - مقابل ذلك - لقريش هذين الصحابيين فنفذت قريش فيهما حكم الإعدام. وذكر ابن سعد في طبقاته الكبوى أن صفوان بن أمية الجمحى (١) اشترى زيد بن الدثنة فقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتله المسلمون في معركة بدر، وأن حجير بن أبى أهاب اشترى خبيب بن عدي وسلمه لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الذي لقى مصرعه على أيدى المسلمين. ولما كانت هذه الحادثة قد حدثت في الأشهر الحرم فإن مشركى مكة

стр. 612

قد أجّلوا تنفيذ حكم الإعدام في هذين الصحابيين الكريمين حتى تنقضى هذه الأشهر التي لا يسفك العرب فيها دمًا. ولذلك فقد أودعت قريش هذين الأسيرين السجن في انتظار انقضاء أيام الأشهر الحرم، ولما انقضت أيام هذه الأشهر أعدم مشركوا مكة أسيريهما، وبطريقة هي غاية في الوحشية والبشاعة. كيف أعدمت قريش الأسيرين ولما كان المشركون (يوم ذاك) لا يستبيحون سفك الدم داخل حدود الحرم فقد خرجوا بهذين الصحابيين الكريمين إلى ما وراء حدود الحرم. وهناك - وفي منطقة التنعيم بالذات - قتل المشركون زيد بن الدّثنة وخبيب بن عدي. أما زيد بن الدثنة فقد سلمه صفوان بن أمية إلى مملوكه يقال له نسطاس (١) وأمره بقتله ففعل، وقد حضر تنفيذ هذه الجريمة البشعة زعماء مكة معهم النساء والصبيان والعبيد وفيهم أبو سفيان بن حرب. ولقد أظهر هذان الصحابيان العظيمان ضروبًا من الشجاعة والثبات على العقيدة ما جعلهما في أعلى مستويات الصديقين والشهداء.

стр. 613

فعندما قُدم زيد بن الدَّثنة للقتل قال له أبو سفيان ممتحنًا، أنشدك الله يا زيد، أتحب محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ . فكان الجواب من زيد ﵁ .. لا والله ما أحب أن محمدًا الآن في المكان الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس في أهلى. فقال أبو سفيان .. ما رأيت أحدًا يحب كحب أصحاب محمد لمحمد، وبعد ذلك تقدم نسطاس بتعذيب زيد ﵁ حيث أوثقوه وصاروا يرمونه بالنبل في أماكن غير قاتلة لعله يفتن ويرجع عن دينه فما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا لربه، فقتلوه يرحمه الله. أما الشهيد حبيب فقد كان احتفال كفار مكة بقتله أكبر من احتفالهم بقتل زيد بن الدَّثنة، فقبل أن يقتلوه وبعد أن صلبوه على الخشبة استعدادًا لطعنه بالرمح ساوموه في دينه وحاولوا أن يزعزعوا من إيمانه، إذ عرضوا عليه إعفاءه من القتل إن هو رجع عن دينه وتبرأ من محمد ﷺ حيث قالوا له ارجع عن دينك نخل سبيلك وإن لم ترجع لنقتلنك. فكان جوابه ذلك المؤمن الصادق الذي يستعذب الموت في سبيل الله .. إن قتلى في سبيل الله لقليل .. ورفض المساومة. وقبل تنفيذ القتل طلب خبيب من كفار مكة أن يهملوه حتى يصلى لله ركعتين، ففعلوا، فصلاهما وأحسنهما ثم أقبل على المشركين وقال لهم .. أما والله ولولا أن تظنوا أنى إنما طولَّت جزعًا من القتل لاستكثرت من

стр. 614

الصلاة .. قال ابن إسحاق .. فكان حبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل. كيف قتل المشركون خبيبًا ؟ وبعد أن صلب كفار مكة خبيبًا على الخشبة دعا وهو مصلوب قائلًا .. اللهم إنه ليس أحد هنا يبلغ رسولك عنى السلام فبلغه أنت عنى السلام، وبلغه ما يصنع بنا. ولقد استجاب الله دعاء هذا العبد الشهيد المظلوم، فنزل الوحى على النبي ﷺ بما حدث لخبيب، فقد روى أسامة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان (في اليوم الذي أعدم فيه خبيب) جالسًا مع أصحابه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحى. فسمعناه يقول: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال هذا جبريل يقرئنى السلام، خبيب قتلته قريش. ثم إن خبيبًا توجه بالدعاء إلى الله قائلًا .. اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا .. وذكر بن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان مع أبيه فيمن حضر مقتل خبيب، قال معاوية فلقد رأيت أبي - عندما دعا عليهم خبيب - يلقينى إلى الأرض خوفًا من دعوة خبيب، وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا دُعِيَ عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه. ثم إن قريشًا دعت أربعين فتى ممن قتل المسلمون آباءهم يوم بدر فأعطت كل واحد منهم رمحًا وقالت .. هذا الذي قتل أباءكم، فطعنوه بتلك الرماح حتى مزقوه، ﵁ وأرضاه.

стр. 615

ويقال إن الذي قتل خبيبًا هو عقبة بن الحارث وكان غلامًا صغيرًا جعل بعض القرشيين الحربة في يده ثم أخذ بيده فطعن بها خبيبًا حتى قتله، فكان عقبة (١) بن الحارث يقول (بعد أن أسلم) والله ما أنا قتلت خبيبًا لأننى كنت أصغر من ذلك .. ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية. من آثار تلك الجريمة وكان سعيد بن عامر الجمحى (٢)، الأمير الزاهد الورع المشهور فيمن حضر مصرع الشهيد خبيب قبل أن يسلم، فكان بعد ذلك لا يخطر على باله ذكر مصرع خبيب إلا أُغمى عليه. قال ابن هشام: كان عمر بن الخطاب قد استعمل سعيدًا هذا على بعض نواحى الشام، فذكر لعمر أنه يغمى عليه أحيانًا في مجلس الإمارة، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه، فقال له: ما هذا الذي يصيبك؟ . فقال .. والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، وكنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل، وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبى

стр. 616

وأنا في المجلس إلا غُشى على فزاده ذلك عند عمر خيرًا. وكان خبيب ﵁ وأرضاه هو قائل ذلك البيت الذي أصبح مثلا سائرًا: فلست أُبالى حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعى سرور اليهود والمنافقين بالنكبة ولقد اغتبط اليهود والمنافقون بما أصاب البعثة الإسلامية على أيدى هذيل، فصاروا يتهكمون عليهم ويسخرون منهم فكانوا، يقولون في هؤلاء الشهداء الأبرار (على سبيل التشفى) .. يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم. فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١). ٣ - غزوة بنى النضير .. (ربيع الأول سنة أربع من الهجرة) أما الحملة العسكرية الثالثة التي قام بها المسلمون بعد معركة أحد وقبل غزوة الأحزاب، فهي الحملة التي جردها الرسول ﷺ ، للتخلص من

стр. 617

يهود بنى النضير القاطنين في ضواحي المدينة، ووضع حدًّا لدسائسهم ومؤامراتهم التي تستهدف القضاء على النبي ﷺ ، والإطاحة بالدولة التي أقامها في ظل الإسلام. فقد كان هؤلاء اليهود يتحينون الفرص للتخلص من المسلمين منذ أن تمركزوا في المدنية، وقد ظلت أعمال هؤلاء اليهود العدوانية مقتصرة على الدس والوقيعة والتحريض لتفريق كلمة المسلمين وتفكيك وحدتهم والتشكيك في صدق نبوة محمد ﷺ . وكان يهود بنى قينقاع (كما ذكرنا في الفصل الأول) أول من حول النزاع بين اليهود والمسلمين من نزاع مدنى إلى نزاع مسلح، فحاصرهم المسلمون في حصونهم ثم استزلوهم وتم إجلاؤهم من المدنية. ولم يشترك يهود بنى النضير في معركة بنى قينقاع حربيًّا، وإن كانت عواطفهم معهم، وقد بقى يهود بنى النضير (كبنى قريظة) على عهدهم مع المسلمين، ولم يقوموا بأي عمل عسكرى ضد المسلمين، وخاصة بعد أن رأوا العبرة في يهود بنى قينقاع الذين كانت نتيجة حملهم السلاح في وجه المسلمين هو استسلامهم ثم أجلاؤهم عن المدينة في السنة الثانية من الهجرة. ولكن بنى النضير لما رأوا أن سلوك هذا الطريق لا يشفى لهم غليلا ولا يحقق لهم هدفًا، قرروا الإقدام على عملية غدر رهيبة تصل بهم إلى أهدافهم السيئة من أقرب الطرق، ساعدهم على ذلك وشجعهم ما تعرض له المسلمون من نكبات متلاحقة في معركة أُحد التي أصيبوا فيها بتلك الانتكاسة الحربية التي فقدوا فيها سبعين شهيدًا، ثم في حادثتى بئر معونة وذات الرجيع اللتين فقدوا فيهما (وبعد أقل من شهرين من نكبة

стр. 618

أُحد) ثمانين رجلًا من خيرة محاربيهم وعلمائهم مما جعل اليهود يستضعفون المسلمين ويطمعون فيهم. بنو النضير يحاولون اغتيال الرسول في ديارهم ولذلك قرر اليهود اغتيال النبي ﷺ ، معتقدين أن تنفيذ مثل هذه الجريمة سيضع حدًّا لنشاط الدعوة الإ سلامية ويخرس صوتها إلى الأبد، ويفسح الطريق أمام سيطرتهم على (يثرب) من جديد. وظل يهود بنى النضير يتحينون الفرص لتفنيذ مؤامرة الاغتيال، وفعلًا سنحت لهم هذه الفوصة إلا أن الله تعالى نجى نبيه ﷺ من شرها. وتفصيل ذلك أن أحد أصحاب النبي ﷺ وهو عمرو بن أمية الضمرى قتل رجلين من بنى عامر كان الرسول ﷺ قد أعطى لهما عهدًا لم يعلمه ابن أمية الضمرى الناجى الوحيد من المذبحة التي دبرها بنو عامر في نجد غدرًا وذهب ضحيتها سبعون من صحابة محمد ﷺ ، في بئر معونة كما فصلنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب تحت عنوان (فاجعة بئر معونة). النبي في ديار بني النضير ووفاء بالعهد الذي أعطاه النبي ﷺ لذينك المشركين العامريين التزم النبي ﷺ بدفع ديتهما للورثة بالرغم من أنهما من قبيلة ارتكب أحد زعمائها أشنع جريمة غدر بحق المسلمين، وهو عامر بن الطفيل المجرم والمسئول الأول عن مذبحة المسلمين الرهيبة في بئر معونة.

стр. 619

ولما كانت المعاهدة لا تزال قائمة بين المسلمين وبين يهود بنى النضير، وكان بنو عامر بالإضافة إلى ذلك حلفاء هؤلاء اليهود، فقد ذهب النبي ﷺ بنفسه إلى منازل يهود بنى النضير مع وفد من كبار أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ليطلب من اليهود (كحلفاء) المشاركة في دفع دية ذينك العامريَّين. وقد أظهر اليهود الترحيب بالوفد وأبدوا للرسول ﷺ استعدادهم لإجابة طلبه قائلين .. نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه. مخطط اليهود لاغتيال النبي وبينما كان النبي ﷺ وباقي رجال الوفد في انتظار إنجاز ما وعد به اليهود من مشاركة في دفع الدية، كان زعماء هؤلاء اليهود يرسمون مخططًا لاغتيال النبي ﷺ في اجتماع سوى عاجل عقدوه في أحد حصونهم، وكان المخطط الذي اتفقوا عليه بإلقاء صخرة على النبي ﷺ وهو في المكان الذي كان جالسًا فيه في ظل أحد حيطان حصن من حصونهم. وفي اجتماعهم الذي بحثوا فيه موضوع اغتيال الرسول ﷺ ، عارض سلام بن مشكم - أحد زعمائهم - في هذا الموضوع وحذر قومه من السير في هذا الطريق الشائك قائلًا لهم، لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقضى العهد الذي بيننا وبينه. ولكن معارضة ابن مشكم هذه لم تلق تأييدًا من المجتمعين فساروا في طريق مؤامرة الاغتيال ورسموا الخطة لتنفيذها، وكانت تقضى بأن يصعد

стр. 620

عمرو بن جحاش بن كعب (أحدهم) إلى سطح الحصن الذي جلس الرسول ﷺ في ظله ثم يلقى عليه صخرة تقضى عليه. كيف نجا النبي من المؤامرة ؟ إلا أن الله تعالى نجى نبيه فترك المكان الذي كان يجلس فيه قبل تنفيذ المؤامرة بقليل، بعد أن تلقى إخبارية بما اعتزم اليهود القيام به من اغتياله، فقد جاءه المحبر من السماء، ففضح الله أمر هؤلاء اليهود المجرمين وتذكروا ما قاله لهم سلام بن مشكم عندما حذرهم من الاستمرار في المؤامرة وأنذرهم بأن محمد ﷺ سيكشف الوحى له هذه المؤامرة فلم يستمعوا لتحذيره. وبعد اكتشاف النبي ﷺ لهذه المؤامرة الدنيئة توجه فورًا إلى المدينة راجعًا دون أن يتحدث إلى اليهود بكلمة وتبعه بقية أعضاء الوفد من أصحابه دون أن يعلموا سببًا لمغادرته منازل بنى النضير على للك الصورة المفاجئة، إلا بعد أن لحقوا به في المدينة حيث أطلعهم على جلية الخبر. براعة الرسول السياسية وعندما غادر النبي ﷺ ديار بنى النضير لم يترك هولاء اليهود يشعرون بمغادرته للك الديار حيث أوهمهم (عندما تحرك هن مكانه) بأنه ذاهب لقضاء حاجته. ويظهر أنه ﷺ قد قدَّر أسوأ الاحتمالات، وهو أن اليهود (وقد

стр. 621

قرروا التخلص منه عن طريق الاغتيال في ديارهم) لا يستبعد أن يغتنموا فرصة وجوده منفردًا في ديارهم مع قلة من أصحابه كلهم غير متسلح فيطوقوهم (إذا ما علموا بأن النبي اكتشف المؤامرة) ثم يستعجلوا الفتك بالنبي ﷺ قبل أن يتمكن من العودة سالمًا إلى المدينة، ولهذا فإنه ﷺ عندما تحرك من مكانه في ظل الحائط أوهم اليهود بأنه لا يعتزم مغادرة ديارهم وإنما هو ذاهب لقضاء حاجته وبهذا فوت على هؤلاء اليهود فرصة قد تكون من أثمن فرصهم للقضاء عليه. إنذار اليهود بالجلاء عن المدينة وقد اعتبر النبي ﷺ ما اعتزم اليهود القيام به من الفتك به غدرًا في ديارهم نقضًا للعهد الذي بينه وبينهم فقرر إجلاءهم من منطقة يثرب اتقاء لشرهم وتخلصًا من مؤامرتهم ودسائسهم. فقد وجه إليهم إنذارًا بالجلاء عن المدينة، وقد حمل هذا الإنذار إليهم محمد بن مسلمة الأنصاري الذي استدعاه النبي ﷺ وقال له: "اذهب إلى يهود بنى النضير وقل لهم .. إن رسول الله ﷺ أرسلنى إليكم أن اخرجوا من بلادى، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدو، لقد أجّلتكم عشرًا فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه (١).

стр. 622

وفورًا، حمل ابن مسلمة هذا الإنذار إلى اليهود، ولما تسلموا الإنذار أسقط في أيديهم، ولم يرو التاريخ أنهم تنصلوا من مسئولية ما هموا من الغدر بالنبي ﷺ . اليهود يرفضون الإنذار ولقد انهار اليهود أمام هذا الإنذار الشديد فلم يروا بدًا من الرحيل فأخذوا يتجهزون لذلك فأرسلوا إلى ظهر لهم (ناقلات من الإبل) في مسارحها، واستأجروا إبلًا من قبيلة أشجع استعدادًا لمغادرة المدينة تحت وطأة الإنذار الشديد الذي للقوه من القائد الأعلى النبي ﷺ . ولكن زعماء النفاق في المدينة (وعلى رأسهم عبد الله بن أبي) أرسلوا إلى هؤلاء اليهود يشجعونهم على البقاء ويطلبون منهم رفض الإنذار النبوى والاستعاد لحرب المسلمين إذا ما أصروا على إجلائهم بالقوة، وأكد لهم هؤلاء المنافقون مساندتهم عسكريًا إذا ما شن المسلمون عليهم الحرب، فأرسلوا إليهم قائلين لهم .. أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم (١). وبعث إليهم رأس النفاق عبد الله بن أبي (٢) (سرًّا) من يؤكد لهم (باسمه) وقوفه بجانبهم حتى النهاية قائلًا: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان.

стр. 623

ونتيجة لهذه التحريضات والتأكيدات التي تلقاها اليهود تشجعوا وقرروا الثبات والمقاومة لاسيما بعد أن انضم إليهم إخوانهم من بنى قريظة وأعلنوا الحرب معهم ضد المسلمين (١). ثم أرسلوا إلى النبي ﷺ من يبلغه رفض إنذاره قائلين .. إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. ثم أخذوا يتحصنون في معاقلهم، فأقاموا المتاريس والخنادق في شوارعهم للاحتماء بها، وأخذوا ينقلون الحجارة إلى أسطحة المنازل لقذف المسلمين بها إن هم هاجموها، كما اختزنوا في حصونهم من المؤن الغذائية ما يكفيهم لمدة سنة كاملة، أما الماء فقد كان متوفرًا لديهم داخل حصونهم حيث توجد لديهم آبار كثيرة داخل هذه الحصون. ضرب الحصار على بني النضير ولما بلغ النبي ﷺ رفض اليهود إنذاره لم ير بدًا من ضرب الحصار عليهم فأعلن التعبئة وأصدر أوامره بالزحف على معاقلهم. وقد تحركت القوات الإسلامية من المدينة بقيادة النبي ﷺ نفسه وضربت الحصار على حصون بنى النضير وقلاعهم التي اعتصموا بها. وقد كانت هذه القلاع والحصون على غاية من المناعة والتحصين، وقد استفاد منها اليهود استفادة كبيرة في المقاومة.

стр. 624

ولما رأى القائد الأعلى النبي شدة مقاومة اليهود واستفادتهم من مناعة هذه الحصون لجأ النبي ﷺ إلى وسيلة أضعف بها حماسة اليهود في المقاومة كإجراء من إجراءات الحرب. عملية إحراق نخيل اليهود لقد كان اليهود -منذ عرفوا- مشهورين بعبادة المادة والحرص الشديد على اقتناء الأموال، وكانوا يملكون من بساتين المدينة ونخيلها أحسنها. وكما هي ظروف الحرب استولى المسلمون- أثناء عملية الحصار على هذه البساتين والنخيل، وكان بوسع المسلمين أن يكتفوا بهذا الاستيلاء الذي به (كما هي قاعدة الحرب المتبعة) أصبحت هذه البساتين والنخيل من أملاك المسلمين، إذ في وسع المسلمين بعد هذا الاستيلاء أن يستمروا في محاصرة اليهود ويمنعوهم من الانتفاع بثمار هذه البساتين والنخيل. ولكن المسلمين (وعلى رأسهم القائد الأعلى النبي- على ما يظهر) كانوا يعرفون طمع اليهود وحبهم المفرط للمال، لذلك فقد أمر النبي ﷺ بالقيام بعملية أزعج بها اليهود المحاصرين حيث أمر بالبدء في قطع نخيلهم وتحريقها. عدم جدية إحراق النخيل ولم يكن المسلمون (على ما يظهر) جادين في قطع النخيل وإحراقه

стр. 625

وإنما يقصدون إزعاج اليهود الذين لا يفزعهم شيء مثل ضياع المال. يدلنا على ذلك أن النبي ﷺ كما ثبت في كتب السيرة- لم يأمر بالشروع في إتلاف إلا أردأ أنواع نخيل اليهود الذي لا يقتاتون منه، وهو نوع (اللينة) وهو نوع يخالف نوع العجوة والبُرنى الذي كان الغذاء الرئيسى لأهل المدينة. فإن (اللينة) من النخل إنما كان ثمرها (على ما يظهر) في الغالب علفًا للجمال وغيرها، قال السهيلى- عند تعليقه على قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية- اللينة (بكسر اللام) ألوان التمر ما عدا العجوة والبُرنى ثم قال .. ففي هذه الآية أن النبي ﷺ لم يحرق من نخلهم (أي اليهود) إلا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة. أهـ. ولقد نجحت خطة الإزعاج هذه التي اتبعها النبي ﷺ ، إذ لم يكد يرى هؤلاء اليهود الدخان يتصاعد من جذوع نخيلهم وفروع هذه النخيل تتساقط من جراء القطع حتى سادهم الذعر واجتاحتهم موجة من الارتباك خوفًا على نخيلهم، وشرعوا يفاوضون في التسليم. مع أنهم لو فكروا قليلًا لتبين لهم أن هذا النخيل لم يعد من ممتلكاتهم بعد أن استولى عليه الجيش الإسلامي المحاصر الذي ما قام بالحصار إلا لإجبارهم على الجلاء من المدينة، فلو أدرك اليهود هذا لما ارتاعوا ولما ارتبكوا لمجرد البدء في عملية الحرق والقطع التي قام بها الجيش الإسلامي، ولما أثر ذلك على مقاومتهم بتلك السوعة، ولكنهم اليهود الذين لا يقدسون شيئًا مثل المال.

стр. 626

احتجاج اليهود على حرق النخيل وقد احتج اليهود على عملية القطع والحرق احتجاجًا شديدًا، فرفض احتجاجهم، ولم لا يرفض؟ أليست هي الحرب، كما أن بعض المسلمين تحرجوا عندما صدرت الأوامر النبوية بالشروع في القطع والحرق، قال السهيلى .. ووقع في نفوس بعض المسلمين من هذا (أي الأمر بالقطع والحرق) شيء فأنزل الله تعالى مؤيدًا رسوله في هذه العملية قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). مفاوضة اليهود للتسليم وهكذا نجحت المناورة إلى قام بها الجيش الإسلامي والتي بدأت بقطع وحرق الردئ من نخيل اليهود، فقد جزع اليهود جزعًا شديدًا، وتأكد لديهم أن النبي ﷺ لن يتركهم حتى يرحلوا عن المدينة، أو يبيدهم بعدما اتضح له منهم من خيانة للعهد ونقض للمعاهدة بتدبيرهم المؤامرة الخبيثة التي كانت تستهدف حياته الكريمة بالذات فشرعوا في المفاوضة. وقد انتظر اليهود (عبثًا) مسارعة المنافقين وحلفائهم من غطفان لنجدتهم كما وعدهم بذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ولكن بدون جدوى. فقد خذلهم الله عبد بن أبي وجلس في بيته بعد أن ورطهم.

стр. 627

أما غطفان (فالطبع) لم يأت منهم أحد فاستحكمت حلقات الورطة علي بنى النضير بعد أن يئسوا من نجدة المنافقين لهم، فأسقط في أيديهم، وقذف الله الرعب في قلوبهم. وشدد المسلمون الحصار وقاوم اليهود وصاروا يرمون المسلمين من حصونهم بالنبال والحجارة، وقد ضرب النبي ﷺ خيمته في مقر قيادته حول الحصون، فركز رماة بنى النضير نبالهم على خيمة النبي ﷺ إلا أن أكثر هذه النبال لم يصل. قتلى اليهود في الحصار فاستدعى اليهود أحد رماتهم المشهورين وكان أعسرًا راميًا شديد النزع يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فطلبوا منه أن يجعل خيمة الرسول ﷺ هدفًا لنباله ففعل، وأخذت نبال هذا اليهودى تتساقط على خيمة النبي القائد، وعند ذلك أمر النبي ﷺ بنقل مقر قيادته إلى مكان يكون في مأمن من نبال هذا اليهودى الرامى. وقد قام علي بن أبي طالب بقتل هذا اليهودى الرامى وأسمه (غزول)، وذلك أن غزولًا هذا كان من شجعان بنى النضير، فقد خرج في عشرة من أصحابه لعله يصيب غرة من المسلمين، فوقع في كمين نصبه له علي بن أبي طالب مع سهل بن حُنيف وأبي دجانة (١) فشد عليّ على غزول اليهودى فقتله ثم شد أبو دجانة وأصحابه على الباقين فقتلوا جميعهم وعددهم عشرة، وأتى علي بن أبي طالب ﵁ برأس ذلك اليهودى الرامى إلى مقر القيادة النبوية.

стр. 628

اتفاقية الجلاء ولم يستمر اليهود في المقاومة طويلًا، فقد خارت قواهم إذ لم يمض على ضرب الحصار عليهم أكثر من عشرين يومًا حتى بعثوا بمندوبهم إلى النبي ﷺ للتفاوض بشأن تنفيذ ما طلبه منهم في إنذاره من الجلاء عن المدينة. وقبل النبي ﷺ التفاوض، وقابل وفد اليهود في مقر قيادته فكانت نهاية هذه المفاوضة اتفاقية الجلاء التي تتضمن ما يلي: ١ - أن يجلوا يهود بنى النضير عن منطقة يثرب جلاء تامًّا إلى أي مكان يشاءون. ٢ - أن يسلم اليهود للمسلمين كل ما يمتلكون من سلاح بكافة أنواعه، ويكونوا ساعة جلائهم من يثرب مجردين من السلاح تمامًا. ٣ - لليهود أن يحملوا من أموالهم ما يقدرون على حمله (ما عدا السلاح) مهما كانت قيمة أو نوع هذا المال. ٤ - بعد الذي يقدر اليهود على حمله من المال يكون كل ما تبقى من أموالهم المنقولة وغير المنقولة فيئًا للمسلمين وملكًا من أملاكهم. ٥ - على القيادة الإسلامية في المدينة أن تضمن ليهود بنى النضير سلامة أرواحهم ما داموا داخل المنطقة الخاضعة لسطان المسلمين. كيف تم إجلاء بني النضير ونتيجة لاتفاقية الجلاء هذه، شرع يهود بني النضير في الجلاء عن

стр. 629

المدينة وصاروا يحملون على الإبل كل ما يقدرون على حمله، حتى إن أحدهم صار يعمد إلى عتبة باب داره فيخلعها ثم يضعها على ظهر البعير فينطلق. وكان يهود بنى النضير من أكثر أهل المدينة ثراء، وقد أوقروا ستمائة بعير من الأموال التي قدروا على حملها، وكانوا (بالطبع) يتخيرون في النقل ما خف حمله وغلا ثمنه، فحملوا معهم كميات هائلة من الذهب والفضة، حتى إن سلام بن أبي الحقيق وحده (كما يقول صاحب السيرة الحلبية) حمل معه جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة، وكان عند خروجه من المدينة يضرب بيده على هذا الجلد المملوء بالذهب والفضة وهو يقول مخاطبًا المسلمين (في حنق يشبه التهديد): هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها وإن كنا تركنا نخلًا، ففي خيبر النخل (١). وكان اليهود عند مغادرتهم المدينة يعمدون إلى سُقف بيوتهم وعمدها وجدرانها فينقضونها لئلا يستفيد منها المسلمون، وهذا الذي عناه الله تعالى بقوله في هؤلاء اليهود، في سورة الحشر: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ﴾. مظاهرة اليهود عند الجلاء وقد أظهر يهود بنى النضير التجلد عند جلائهم، فخرجوا من

стр. 630

المدينة في شبه مظاهرة غادروها في طوابير، قد أركبوا النساء على الهودج في أبهى زينة، عليهن الديباج والحرير وقطف الخز الأخضر والأحمر وحلى الذهب والفضة، تصحبهم مرق الموسيقى من القيان يضربن بالدفوف ويعزفن بالمزامير. نموذج لحرية العقيدة وقد جلا مع يهود بنى النضير بعض أولاد الأنصار الدين اعتنقوا اليهودية، فقد كانت المرأة من الأنصار (قبل الإسلام) إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها عهدًا إن عاش لها ولد تهوده، ولما أخذ يهود بنى النضير في الجلاء وأخذ أبناء الأنصار يجلون معهم بحكم اتباعهم لدينهم - حاول الأنصار منع أولادهم من الجلاء قائلين: لا ندع أبناءنا يخرجون مع اليهود، ولكن النبي ﷺ عملًا بحرية العقيدة لم يمكن الأنصار مما أرادوا، ما دام أن أبناءهم قد دخلوا في اليهودية قبل الإسلام وجلوا مع بنى النضير بمحض اختيارهم، وقد اتخذ النبي ﷺ هذا القرار ونفذه بعد أن أنزل الله عليه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ كما يقول ابن برهان الدين في السيرة الحلبية. وجهة اليهود بعد الجلاء وقد اتجه اليهود عند الجلاء بعضكهم إلى أذرعات الشام وبعضهم إلى خيبر وهم الأكثرية، وكان من الذين نزلوا خيبر من أكابرهم حُيى بن أخطب وسلام بن أبي الحُقيق وكنانة بن الربيع، وقد دانت خيبر لهؤلاء

стр. 631

الزعماء الذين اتخذوا منها فيما بعد قاعدة للتآمر على المسلمين كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. وقد أسلم من يهود بنى النضير رجلان هما يامين بن عمير (١) (ابن عم عمرو بن جحاش) الذي أوكلت إليه مهمة القيام باغتيال النبي ﷺ وأبو سعد بن وهب (٢)، فقد قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله، ثم اتفقا على الدخول في الإسلام، فأسلما، وكان إسلامهما أيام الحصار حيث نزلا (ليلًا) من حصون بنى النضير واتصلا بالنبي ﷺ ثم أعلنا إسلامهما فأحرزا أموالهما. وقد تقرب يامين بن عمير إلى الله تعالى بدم ابن عمه (عمرو بن جحاش) الذي أراد أن يلقى الحجر على الرسول ﷺ لقتله، وذلك أن عميرًا جعل خمسة أوسق من تمر لرجل من قيس إن هو قتل عمرو بن جحاش فقام القيسى بقتله غيلة قبل استسلام بنى النضير. وبالرغم من الحرية المطلقة إلى أعطاها النبي لبنى النضير ليحملوا كل ما يقدرون على حمله من أموالهم فإنهم قد تركوا للمسلمين، مغانم كثيرة ومنها خمسون درعًا وثلاثمائة وأربعون سيفًا وغلال عظيمة مع مساحات شاسعة مزروعة بالنخيل وغيرها من الزروع.

стр. 632

مصير غنائم بني النضير ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يقسم غنائم يهود بنى النضير كما تقسم غنائم الحرب على المقاتلين المسلمين كما هو المتبع، وإنما قسم هذه الغنائم على المهاجرين دون الأنصار، وذلك بعد استشارة الأنصار وأخذ موافقتهم على ذلك. فقد جمع الأنصار ووقف فيهم خطيبًا قائلًا .. إن إخوانكم المهاجرين ليس لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال (يعني ما ترك بنو النضير) التي أفاء الله عليّ وخصنى بها مع أموالكم بينكم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت فيهم هذه خاصة، فقالوا .. بل أقسم هذه فيهم وأقسم لهم من أموالنا ما شئت (١) فسرّ النبي ﷺ لموافقة الأنصار على طلبه واغتبط بتلك الروح الكريمة التي أظهروها نحو إخوانهم من المهاجرين حتى أنه ﵊ قال: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار. وفي موقف الأنصار المشرف هذا، أنزل الله تعالى (ممتدحًا فعلهم الحميد هذا) قوله جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢). ولم يعط النبي ﷺ أحدًا من الأنصار شيئًا من غنائم يهود بنى النضير إلا رجلين (كانا محتاجين) وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة (٣) وكانا من أبطال معركة أُحد الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ساعة انهزام المسلمين، وقد أعطى النبي ﷺ سيف سيد بنى

стр. 633

النضير (سلام بن أبي الحُقيق) لسيد الأوس سعد بن معاذ، وكان ذلك السيف له ذكره عند العرب. تألم المنافقين لجلاء اليهود وقد تأثر المنافقون لجلاء بني النضير تأثرًا كبيرًا، فنزل بهم من الغم والهم أمر عظيم، لأن هؤلاء اليهود كانوا لهم سندًا وعضدًا في مقاومتهم للنبي ﷺ ، لذلك حزن هؤلاء المنافقون (وخاصة عبد الله بن أُبى) لجلاء اليهود حزنًا شديدًا. وبجلاء يهود بنى النضير عن المدينة لم يبق من هذا العنصر الخطر في منطقة يثرب سوى قبيلة بنى قريظة الذين كانت نهايتهم الإبادة الكاملة على أيدى المسلمين بسبب ارتكابهم الخيانة العظمى في معركة الأحزاب كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، فقد عفا عنهم النبي بالرغم من محاربتهم في جانب بنى النضير. القرآن وجلاء بنى النضير وقد أنزل الله تعالى في حادثة إجلاء يهود بنى النضير سورة الحشر بأكملها فقال تعالى (مشيرًا إلى جلاء يهود بنى النضير .. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 634

وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) إلى آخر الآيات الكريمة. وقد تضمنت سورة الحشر نصًّا صريحًا بأن ما تركه يهود بنى النضير من أموال يجب أن يكون تحت تصرف النبي (بصفة خاصة) ليس لأحد من المحاربين فيه شيء وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية. وبالرغم من هذا النص الصريح فإن النبي ﷺ تطييبًا لخاطر الأنصار - قد استأذنهم عندما عزم أن يخص المهاجرين بغنائم يهود بنى النضير. كذلك جاء في سورة الحشر تبكيت للمنافقين الذين حرضوا بنى النضير على رفض الإنذار النبوى وشجعوهم على مقاومة المسلمين وأكدوا لهم الوقوف بجانبهم حتى الموت ثم خذلوهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢). ٤ - غزوة ذات الرقاع (جمادى الأولى من السنة الرابعة للهجرة). وهي الحملة العسكرية الرابعة التي قام بها المسلمون بغد معركة أُحد وقبل معركة الأحزاب.

стр. 635

وقد قاد هذه الحملة النبي ﷺ بنفسه إلى ديار غطفان من أرض نجد الواقعة بين السعد والشقرة، وكانت القوة التي قادها النبي في هذه الحملة تتكون من أربعمائة مقاتل. وكان الهدف من هذه الحملة هو ضرب أعراب نجد من قبيلة غطفان في منازلهم، فقد تلقت استخبارات الجيش الإسلامي أن محارب وبنى ثعلبة من غطفان قد اعتزموا الإغارة على المدينة مستهينين بالمسلمين بعد الذي أصابهم في معركة أُحد، وأنهم لذلك أخذوا في التحشد .. استقت استخبارات المدينة هذه المعلومات من رجل جاء إلى المدينة بجلب له. ولم يتردد النبي ﷺ في إصدار الأوامر بالتأهب بسرعة للزحف على هذه القبيلة عندما بلغه نبأُ تحشدها لأن المسلمين كانوا يتوقعون ذلك من غطفان لأنها أقوى وأشجع قبيلة محاربة في نجد وعلى عداء شديد للمسلمين، وهي من الكثرة بحيث تستطيع حشد عدة آلاف في وقت وجيز، وقد كان رجال هذه القبيلة هم العمود الفقرى لغزوة الأحزاب التي هي موضوع كتابنا هذا. وكان هدف الرسول ﷺ أن يتمكن من مداهمة هذه القبيلة قبل أن تتحرك قواتها من منازلها، وهذه ثانى مرة يسارع النبي ﷺ إلى غزو غطفان في ديارهم، فقد قام بتأديبهم في حملة عسكرية قبل هذه إلى مكان من أرض نجد يقال له (ذي أمر) وذلك بعد غزوة بدر وقبل معركة أُحد. أمير المدينة بالنيابة وعندما اعتزم النبي ﷺ مغادرة المدينة بقوته في اتجاه غطفان،
следующие страницы →