الزعماء الذين اتخذوا منها فيما بعد قاعدة للتآمر على المسلمين كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
وقد أسلم من يهود بنى النضير رجلان هما يامين بن عمير (١) (ابن عم عمرو بن جحاش) الذي أوكلت إليه مهمة القيام باغتيال النبي ﷺ وأبو سعد بن وهب (٢)، فقد قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله، ثم اتفقا على الدخول في الإسلام، فأسلما، وكان إسلامهما أيام الحصار حيث نزلا (ليلًا) من حصون بنى النضير واتصلا بالنبي ﷺ ثم أعلنا إسلامهما فأحرزا أموالهما.
وقد تقرب يامين بن عمير إلى الله تعالى بدم ابن عمه (عمرو بن جحاش) الذي أراد أن يلقى الحجر على الرسول ﷺ لقتله، وذلك أن عميرًا جعل خمسة أوسق من تمر لرجل من قيس إن هو قتل عمرو بن جحاش فقام القيسى بقتله غيلة قبل استسلام بنى النضير.
وبالرغم من الحرية المطلقة إلى أعطاها النبي لبنى النضير ليحملوا كل ما يقدرون على حمله من أموالهم فإنهم قد تركوا للمسلمين، مغانم كثيرة ومنها خمسون درعًا وثلاثمائة وأربعون سيفًا وغلال عظيمة مع مساحات شاسعة مزروعة بالنخيل وغيرها من الزروع.
стр. 632
مصير غنائم بني النضير
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يقسم غنائم يهود بنى النضير كما تقسم غنائم الحرب على المقاتلين المسلمين كما هو المتبع، وإنما قسم هذه الغنائم على المهاجرين دون الأنصار، وذلك بعد استشارة الأنصار وأخذ موافقتهم على ذلك.
فقد جمع الأنصار ووقف فيهم خطيبًا قائلًا .. إن إخوانكم المهاجرين ليس لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال (يعني ما ترك بنو النضير) التي أفاء الله عليّ وخصنى بها مع أموالكم بينكم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت فيهم هذه خاصة، فقالوا .. بل أقسم هذه فيهم وأقسم لهم من أموالنا ما شئت (١) فسرّ النبي ﷺ لموافقة الأنصار على طلبه واغتبط بتلك الروح الكريمة التي أظهروها نحو إخوانهم من المهاجرين حتى أنه ﵊ قال: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار. وفي موقف الأنصار المشرف هذا، أنزل الله تعالى (ممتدحًا فعلهم الحميد هذا) قوله جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢).
ولم يعط النبي ﷺ أحدًا من الأنصار شيئًا من غنائم يهود بنى النضير إلا رجلين (كانا محتاجين) وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة (٣) وكانا من أبطال معركة أُحد الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ساعة انهزام المسلمين، وقد أعطى النبي ﷺ سيف سيد بنى
стр. 633
النضير (سلام بن أبي الحُقيق) لسيد الأوس سعد بن معاذ، وكان ذلك السيف له ذكره عند العرب.
تألم المنافقين لجلاء اليهود
وقد تأثر المنافقون لجلاء بني النضير تأثرًا كبيرًا، فنزل بهم من الغم والهم أمر عظيم، لأن هؤلاء اليهود كانوا لهم سندًا وعضدًا في مقاومتهم للنبي ﷺ ، لذلك حزن هؤلاء المنافقون (وخاصة عبد الله بن أُبى) لجلاء اليهود حزنًا شديدًا.
وبجلاء يهود بنى النضير عن المدينة لم يبق من هذا العنصر الخطر في منطقة يثرب سوى قبيلة بنى قريظة الذين كانت نهايتهم الإبادة الكاملة على أيدى المسلمين بسبب ارتكابهم الخيانة العظمى في معركة الأحزاب كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، فقد عفا عنهم النبي بالرغم من محاربتهم في جانب بنى النضير.
القرآن وجلاء بنى النضير
وقد أنزل الله تعالى في حادثة إجلاء يهود بنى النضير سورة الحشر بأكملها فقال تعالى (مشيرًا إلى جلاء يهود بنى النضير .. ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
стр. 634
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) إلى آخر الآيات الكريمة.
وقد تضمنت سورة الحشر نصًّا صريحًا بأن ما تركه يهود بنى النضير من أموال يجب أن يكون تحت تصرف النبي (بصفة خاصة) ليس لأحد من المحاربين فيه شيء وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية.
وبالرغم من هذا النص الصريح فإن النبي ﷺ تطييبًا لخاطر الأنصار - قد استأذنهم عندما عزم أن يخص المهاجرين بغنائم يهود بنى النضير.
كذلك جاء في سورة الحشر تبكيت للمنافقين الذين حرضوا بنى النضير على رفض الإنذار النبوى وشجعوهم على مقاومة المسلمين وأكدوا لهم الوقوف بجانبهم حتى الموت ثم خذلوهم فقال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢).
٤ - غزوة ذات الرقاع (جمادى الأولى من السنة الرابعة للهجرة).
وهي الحملة العسكرية الرابعة التي قام بها المسلمون بغد معركة أُحد وقبل معركة الأحزاب.
стр. 635
وقد قاد هذه الحملة النبي ﷺ بنفسه إلى ديار غطفان من أرض نجد الواقعة بين السعد والشقرة، وكانت القوة التي قادها النبي في هذه الحملة تتكون من أربعمائة مقاتل.
وكان الهدف من هذه الحملة هو ضرب أعراب نجد من قبيلة غطفان في منازلهم، فقد تلقت استخبارات الجيش الإسلامي أن محارب وبنى ثعلبة من غطفان قد اعتزموا الإغارة على المدينة مستهينين بالمسلمين بعد الذي أصابهم في معركة أُحد، وأنهم لذلك أخذوا في التحشد .. استقت استخبارات المدينة هذه المعلومات من رجل جاء إلى المدينة بجلب له.
ولم يتردد النبي ﷺ في إصدار الأوامر بالتأهب بسرعة للزحف على هذه القبيلة عندما بلغه نبأُ تحشدها لأن المسلمين كانوا يتوقعون ذلك من غطفان لأنها أقوى وأشجع قبيلة محاربة في نجد وعلى عداء شديد للمسلمين، وهي من الكثرة بحيث تستطيع حشد عدة آلاف في وقت وجيز، وقد كان رجال هذه القبيلة هم العمود الفقرى لغزوة الأحزاب التي هي موضوع كتابنا هذا. وكان هدف الرسول ﷺ أن يتمكن من مداهمة هذه القبيلة قبل أن تتحرك قواتها من منازلها، وهذه ثانى مرة يسارع النبي ﷺ إلى غزو غطفان في ديارهم، فقد قام بتأديبهم في حملة عسكرية قبل هذه إلى مكان من أرض نجد يقال له (ذي أمر) وذلك بعد غزوة بدر وقبل معركة أُحد.
أمير المدينة بالنيابة
وعندما اعتزم النبي ﷺ مغادرة المدينة بقوته في اتجاه غطفان،
стр. 636
أصدر (كما هي عادته) مرسومًا عين بموجبه عثمان بن عفان حاكمًا على المدينة ينوب عنه مدة غيابة في هذه الغزوة.
وفي شهر جمادى الأول من السنة الرابعة للهجرة تحركت القوات الإسلامية من المدينة (بسرعة) في اتجاه غطفان بقيادة النبي ﷺ .
ويظهر أن قبائل غطفان هذه المرة كانت أسرع في التحشد، وذلك أن الجيش الإسلامي لم يكد يصل إلى مكان يقال له (نخلا) وعلى مرحلتين فقط من المدينة حتى وجد قوات غطفان قد استعدت له بجمع عظيم.
فتقارب الفريقان إلا أنهم تواقفوا حيث خاف الناس بعضهم بعضًا، ولم يحدث اشتباك وإنما ظل الفريقان متواقفين مدة من الزمن دون أن يبدأ أحدهم بالهجوم على الآخر.
إلا أن قبائل غطفان في النهاية فضلت الانسحاب من مكان التلاقى فانهزمت وتفرق رجالها في رؤوس الشعاب، ويظهر أن المسلمين لم يتعقبوهم في انهزامهم وإنما اكتفوا بتشتيتهم، وبهذا حققوا الغرض الرئيسى الذي تحركت قوات المدينة من أجله، ولم يغنم المسلمون شيئًا من أموال غطفان ولم يقع أحد منهم في أسر المسلمين اللهم إلا بعض نسائهم وقعن سبايا كما هو العرف السائد بين المتحاربين في ذلك الظرف.
صلاة الخوف في هذه الغزوة
وفي غزوة ذات الرقاع صلى المسلمون (ولأول مرة صلاة الخوف)
стр. 637
وذلك بسبب تواقف الفريقين مدة من الزمن واضطرار المسلمين إلى مواجهة العدو وعليهم السلاح مدة غير قصيرة.
وكان مشركو غطفان يعلمون أن المسلمين يقومون بأداء الصلاة جماعة في أوقات مختلفة، فكانوا يترقبون محاولين أخذهم على حين غرة وكبسهم ساعة أداء فروض الصلاة.
فأوحى الله إلى النبي ﷺ بهذا الصدد وبين له الخطة التي بها يتمكن هو وأصحابه من أداء الصلاة في حالة الحرب مع الاستمرار في مواجهة العدو والاستعداد له وحراسة معسكر الإسلام ساعة أداء الصلاة.
والقرآن الكريم هو الذي رسم للمسلمين صفة الصلاة ساعة مواجهة العدو وهي المسماة في الفقة الإسلامى بصلاة الخوف، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيكُمْ مَيلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١) وقد ظلت هذه الخطة التي رسمها القرآن لصلاة المجاهدين الذين هم في حالة تهيؤ للحرب هي الأصل الذي يسير عليه المؤمنون في صلاتهم (ساعة الحرب) في كل العصور.
وفي هذه الغزوة، لما كان العدو في غير جهة القبلة فرق النبي ﷺ
стр. 638
أصحابه (ساعة الصلاة) فرقتين، فرقة أمرها بعدم مباشرة الصلاة وأن تقف في وجه العدو ثم صلّى هو بالفرقة الثانية ركعة، وعند قيامه للركعة الثانية فارقته الفرقة التي كانت تصلى معه وأتمت بقية صلاتها منفردة ثم انسحبت من المصلى ووقفت في وجه العدو محل الفرقة الأولى التي لم تصلّ والتي اتجهت إلى المصلى حيث اقتدت بالنبي ﷺ الذي كان في ركعته الثانية فأدت خلفه ركعة، وفي التشهد الأخير من صلاة النبي ﷺ تركته هذه الفرقة جالسًا ينتظرها حتى أتمت بقية صلاتها ثم لحقته في جلوس التشهد إياه فسلم بها، وهذه الكيفية في الصلاة الرباعية التي أمر الإسلام باختصارها ركعتين في السفر دائمًا.
تحقيق الحملة أغراضها
وهكذا انصرف النبي ﷺ من غزوة ذات الرقاع دون أن يلقى حربًا إلا أن حملته العسكرية هذه قد حققت أغراضها كاملة.
وذلك أنه بحركته العسكرية السريعة هذه قد تمكن من تشتيت الحشد الذي قامت به غطفان لغزو المدينة فأرهب تلك القبائل وألقى عليها درسًا بأن المسلمين ليسوا قادرين (فقط) على سحق من تحدثه نفسه بالاقتراب من المدينة بل قادرين على نقل المعركة إلى أرض العدو نفسه وضربه في عقر داره.
وهذا هو الذي جعل قبائل نجد المشركة تتبخر من رووس زعمائها جميعًا فكرة غزو المسلمين في عقر دارهم فلم يجرأوا على غزو المسلمين إلا
стр. 639
عندما طلب منهم اليهود المشاركة (مع قريش) في غزوة الأحزاب التي هي موضوع كتابنا هذا.
وهكذا انصرف النبي بجيشه من ديار غطفان وقد سجّل نصرًا ساحقًا كان له أبلغ الأثر لا في نفوس قبائل غطفان وحدها بل في نفوس جميع القبائل النجدية التي كانت تطمع في المسلمين وتحدث نفسها بالإغارة عليهم متوهمة ضعفهم بعد الانتكاسة التي أصابتهم في معركة أُحد.
والنصر الساحق هذا يتجسد في أن النبي ﷺ استطاع بحركته السريعة هذه إلى ديار نجد أن يرهب أعظم القبائل النجدية (غطفان) ويشتت جموعها العظيمة للك التي ماكانت لتنفض حتى تغير على المدينة لولا أن الله تعالى ألهم الرسول القائد المحنك فقام بتلك الحركة السريعة وباغت (كما هي عادته في تأديب الأعراب) للك الجموع الغطفانية وهي لما تزل في ديارها.
محاولة اغتيال النبي للمرة الرابعة
وفي غزوة ذات الرقاع (هذه) تعرض الرسول ﷺ لمحاولة اغتيال رابعة، وذلك أنه بينما كان الفريقان متواقفين في أرض غطفان، إذ أقبل رجل من بنى محارب واسمه (غورث)، وكان تعهد لقومه بقتل النبي (غيلة) أقبل هذا الرجل (غورث) إلى النبي ﷺ ، في صورة المسالم حتى وقف عليه ﷺ وهو مدجج بسلاحه وفي حجره السيف.
стр. 640
فطلب من النبي ﷺ أن يسمح له بالنظر إلى سيفه وفحصه قائلًا .. يا محمد انظر إلى هذا؟ . قال نعم .. وكان السيف جميلًا باترًا ومحلى بفضة.
قال ابن هشام فأخذ السيف غورث ثم استله وجعل يهزه ويهم برسول ﷺ فيدب الرعب في نفسه فيتخاذل وبعد أن كبته الله ورجع عن تنفيذ مخطط اغتيال الرسول ﷺ قال:
يا محمد أما تخافنى؟ . قال .. لا، وما أخاف منبه؟ ، قال .. أما تخافنى وفي يدي السيف؟ قال لا .. يمنعنى الله منك.
وبعد ذلك أرجع غورث السيف إلى رسول الله ﷺ ، وبعد أن أخذ الرسول ﷺ السيف قال لغورث .. من يمنعك منى؟
فقال (يا محمد) .. كن خير آخذ.
قال .. تشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله.
قال .. أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى النبي ﷺ سبيله، فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس .. وأسلم بعد ذلك وكانت له صحبة.
حادثة مثيرة
وفي غزوة ذات الرقاع هذه حدثت حادثة لا بد من سرد ذكرها لأنها تعطى درسًا للشباب المسلم في الإيمان والرجولة والثبات على العقيدة والتمسك بالنظام، وتكشف للقارئ عن سر قيام الدولة الإسلامية وانتشار
стр. 641
العقيدة الإسلامية على أيدى أولئك الرجال من صحابة محمد بتلك السرعة التي أذهلت الدنيا.
ففي ليلة شاتية ذات ريح مزعجة من ليالى هذه الغزوة نزل النبي ﷺ بجيشه في شعب من شعاب نجد فطلب انتخاب من يقوم بالحراسة، فقال .. من يكلؤنا هذه الليلة؟ .
فقام عباد بن بشر (١) وعمار بن ياسر (٢) ﵄ فقالا نحن نكلؤكم، ثم رابطًا على فم الشعب، فقال عباد بن بشر لعمار بن ياسر: أنا أكفيك أول الليل وتكفينى آخره. فنام عمار وقام عباد يصلى وكان أحد رجال العدو يتربص قريبًا من المعسكر (وكان قد حلف أن لا ينثنى حتى يصيب محمدًا أو يهريق في أصحابه دما) فلما رأى سواد عباد قال .. هذا ربيئة القوم (أي حرسهم) فضرب نحوه سهمًا فأصابه، فانتزعه عبدا فرماه دون أن يخرج من صلاته، فرماه بسهم آخر فانتزعه
стр. 642
واستمر في صلاته فلما، غلبه نزيف الدم خشى أن يغمى عليه فيبقى الجيش بدون حارس، فنبه عمار وقال له، (معتذرا) .. لولا أننى خشيت أن أضيع ثغرًا أمرنى به رسول الله ﷺ ما انصرفت ولو أُتى على نفسي (١).
عودة النبي إلى المدينة
وقد استغرقت العمليات العسكرية في غزوة ذات الرقاع خمس عشرة ليلة عاد بعدها النبي إلى المدينة بجيشه، وكان قد بعث أمامه رجلًا من أصحابه اسمه جعال بن سراقة مبشرًا بقدومه وعودة الجيش الإسلامي سالمًا ظافرًا.
وقد سميت هذه الغزوة (بغزوة ذات الرقاع) لأن الجبل الذي نزل به الجيش الإسلامي في أرض غطفان كانت حوله أرض ذات ألوان تشبه الوقاع فيه أبقع حمر وسود وبيض، ويقال سميت بهذا الأسم، لأن كثيرًا من رجال الجيش كانوا حفاة لا نعل لهم فلفوا على أقدامهم الخرق لما حصل لهم الحفاء.
٥ - غزوة بدر الآخرة (شعبان السنة الرابعة للهجرة).
وهي الحركة العسكرية الخامسة التي قام بها المسلمون ضد أعدائهم بعد معركة أُحد وقبل غزوة الأحزاب، وقد كان هدف هذه الحملة هو تحدى معسكر الشرك في مكة ووفاء بالوعد الذي أعطاه النبي القائد لزعيم قريش وقائدها أبي سفيان بن حرب يوم أُحد.
стр. 643
وذلك أن أبا سفيان بن حرب أشرف يوم أحد من على جبل ونادى بأعلى صوته (متحديًا) .. الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقى، فقال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب .. قل .. نعم إن شاء الله. فافترقوا على ذلك.
وقد أخذ الفريقان يستعدان لخوض معركة ثانية في بدر، وكان المتوقع أن تكون رهيبة أعنف من معركة بدر الأولى لضخامة القوات التي كان الجانبان قد جهزها لخوضها، لولا أن أبا سفيان قائد عام جيش مكة قد تخاذل وجبن عن اللقاء بعد أن فصل من مكة (في اتجاه بدر) بجيش بلغ عدد رجاله ثلاثة آلاف مقاتل، فرجع بهذا الجيش إلى مكة قبل أن يتجاوز منطقة القضيمة (١).
أما جيش المدينة الذي بلغ ألفًا وخمسمائة مقاتل فقد تحرك من المدينة يقوده النبي ﷺ بنفسه في اتجاه بدر وواصل زحفه حتى نزل بدرًا وعسكر فيها وفاء بالكلمة التي أعطاها النبي ﷺ لقائد عام جيش مكة يوم أُحد.
مناورة أبي سفيان لتفادي المعركة
أما أبو سفيان فإنه لما كان هو الذي تحدى المسلمين وطلب منهم تحت تأشير نشوة النصر المؤقت التي أحرزه في أُحد -الموافقة على ملاقاة جيش مكة في بدر، فقد وجد نفسه بعد أن ذهبت عنه سكرة الانتصار المزيف - ملزمًا بأن يفى بوعده فيلاقى بجيش مكة جيش المدينة في بدر وفي الميعاد المحدد.
стр. 644
ولكنه كقائد مسئول يقدر النتائج خشى ملاقاة المسلمين، وكان شديد الرغبة في أن لا يحدث هذا اللقاء غير أنه كان على يقين بأن القائد الأعلى للجيش الإسلامي (النبي ﷺ ) لن يخلف الميعاد وأنه لا بد زاحف إلى منطقة بدر وفاء بالكلمة التي أعطاها.
ولذلك فإن أبا سفيان (وقبل أن يتحرك الجيش النبوى من المدينة) قام بمناورة قصد بها تخويف المسلمين لعلهم يعدلون عن الخروج إلى بدر فيحصل له ما أراد، دون أن يفهم العرب أنه نكل عن الحرب.
فقد أرسل إلى المدينة من يشيع بين المسلمين أن قريشًا قد خرجت إلى بدر بجيش لم تشهد الجزيرة العربية ملكه في الضخامة والتنظيم، وذلك لتثبيط المسلمين وبث الرعب في نفوسهم.
أبو سفيان يستأجر نعيم بن مسعود للإرجاف
وقد استأجر زعيم مكة أبو سفيان للقيام بهذه المهمة رجلًا اسمه نعيم بن مسعود (١) إذ جعل له أبو سفيان مكافأة عشرين بعيرًا إن هو قام بهذه المهمة.
حيث قال له: إنه بدا لي أن لا أخرج وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا .. فيزيد المسلمين ذلك جرأة، فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلى من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة له بنا ولك عندي من الإبل كذا وكذا أدفعها لك على يد سهيل بن عمرو (٢).
стр. 645
وبعد أن ضمن سهيل بن عمرو لنعيم بن مسعود ما تعهد أبو سفيان بدفعه من الإبل له، سافر إلى المدينة وأخذ يرجف بين المسلمين بكثرة جموع أبي سفيان، وصار يطوف بذلك بين المسلمين في المدينة حتى أثر إرجافه تأثيرًا كبيرًا على المسلمين ساعده في ذلك اليهود والمنافقون.
تأثر المسلمين بالإرجاف
ولقد قذفت إشاعة نعيم بن مسعود الرعب في نفوس المسلمين حتى لم يبق لهم نية في الخروج (١) وشاع ذلك في المدينة فسر اليهود والمنافقون سرورًا عظيمًا، وقالوا .. محمد لا يفلت من هذا الجمع.
وغاظ أبا بكر وعمر ما سمعا من إرجاف وتثبيط بين المسلمين فجاءا مشجعين إلى النبي ﷺ يحضانه على الخروج إلى بدر لئلا يطمع المشركون فيهم، فقالا له:
يا رسول الله .. إن الله مظهر نبيه ومعز دينه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فو الله إن في ذلك لخيرة، فسر النبي ﷺ بذلك وأعلن أنه خارج إلى بدر قائلًا .. والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معى أحد، ثم أعلن التعبئة، فأذهب الله عن المسلمين ما كان قد أصابهم من الخوف نتيجة إرجاف نعيم بن مسعود، وتسابق المسلمون إلى حمل السلاح فاجتمع منهم حوالي ألف
стр. 646
وخمسمائة مقاتل، تحرك به النبي ﷺ نحو بدر، وقد أعطى النبي ﷺ راية الجيش لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
الأمير النائب علي المدينة
وقبل أن يغادر الرسول ﷺ المدينة أصدر مرسومًا عين بموجبه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول (١) أميرًا على المدينة ينوب عنه مدة غيابه في هذه الحملة.
وقد وصل الجيش الإسلامي (فعلًا) إلى بدر في اليوم المحدد وعسكر بها ثماني ليال في انتظار جيش مكة، كما هو الاتفاق بين الفريقين.
ولكن قادة الجيش المكي جبنوا عن ملاقاة المسلمين وخافوا الاصطدام بهم بالرغم من أن قواتهم تبلغ ضعف قوات المسلمين التي خرجت للقائهم.
جيش مكة ينكل عن المعركة
فقد خرج أبو سفيان بالجيش المكي إلا أن قادة هذا الجيش (وتحت تأثير عقدة الخوف المستحكمة في نفوسهم من المسلمين) آثروا السلامة وقرروا العودة بالجيش إلى مكة بعد أن قطعوا في اتجاه بدر عدة مراحل، وكان عُسْفان هو المكان الذي عادوا منه إلى مكة.
стр. 647
ففي هذا المكان اجتمع قادة الجيش المكي وزعماؤه وانتهى اجتماعهم بقرار يقضى بعودة الجيش والتوقف عن مواصلة الزحف إلى بدر، والحجة التي برروا بها هذا التراجع هي أن الظروف غير ملائمة للحرب لأنها ظروف جدب وجفاف لا تتناسب وتحركات جيش ضخم مثل ذلك الجيش الذي عليه أن يقطع أكثر من ٢٥٠ ميلًا.
أبو سفيان يخطب في الجيش
فقد وقف القائد العام للجيش المكي (أبو سفيان بن حرب) خطيبًا في الجيش معلنا أوامره بعودة الجيش إلى مكة والعدول عن ملاقاة المسلمين وشارحًا الأسباب قائلا:
يا معشر قريش .. إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا.
فأطاع الجيش الأوامر، وعاد أدراجه إلى مكة مفضلًا عار النكول على الهزيمة الساحقة التي يتوقع نزولها به لو أنه أقدم على ملاقاة المسلمين في بدر.
أما المسلمون فقد أقام بهم النبي ﷺ في بدر ثماني ليال في انتظار الجيش المكي لخوض المعركة الفاصلة، ولكنهم بعد أن بغلتهم أنباء انخذال الجيش المكي ونكوله عن الحرب ورجوعه من عسفان إلى مكة عالوا إلى المدينة.
ولقد محا الجيش الإسلامي بوصوله إلى بدر آخر أثر من الآثار السيئة التي تركتها انتكاسة المسلمين في معركة أُحد في السنة الماضية.
стр. 648
محو آثار هزيمة أُحد
لقد كانت تحركات الجيش الإسلامي من المدينة حتى بدر مناورة رائعة ناجحة أثبت بها وجوده وأعطى الدليل القاطع لأعداء الإسلام (داخل المدينة وخارجها) أنه أصبح أقوى قوة مرهوبة، لا في منطقة يثرب فحسب بل في جزيرة العرب بأجمعها.
ولا أدلّ على ذلك من أن جيش مكة، وهو من أعظم الجيوش في الجزيرة من حيث كثرة العدد وقوة التنظيم وجودة التسلح قد هاب الجيش الإسلامي ونكل عن حربه بعد أن خرج للقائه بموجب ميعاد سابق حدده (في تحدٍّ) قائد عام جيش مكة نفسه.
ولا شك أن حملة بدر (الآخرة) التي قادها النبي ﷺ قد كانت تحديًا صارخًا مهينًا لمعسكر قريش الوثنى، كما أنها كانت - كذلك - بمثابة إرهاب وتأديب لجميع القبائل العربية المعادية للإسلام، والتي كانت - بعد ما أصاب المسلمين في أحد - تحدث نفسها بالاعتداء عليهم.
فقد لزمت قريش الهدوء ولم تقم بأية حركة عسكرية ضد المسلمين بعد حملتهم هذه التي قاموا بها إلى بدر حتى موقعة الأحزاب الفاصلة التي اشتركت فيه أكثر القبائل العربية المشركة.
ومما يدل على نجاح المناورة الكبيرة التي قام بها الجيش الإسلامى حتى بدر وأن المنطقة الشاسعة الممتدة من المدينة حتى بدر وما حواليها أصبحت تخشى بأس المسلمين، بعد أن كان زعماؤها يعدون العدة لسحقهم، هو أن مخشى بن عمرو الضمرى أحد زعماء قبائل منطقة بدر
стр. 649
قد جاء إلى النبي ﷺ وهو معسكر بها في انتظار جيش مكة، قال له (جاسًا النبض وكالمحتج): يا محمد ( ﷺ ) أجئت للقاء قريش على هذا الماء، أي ماء بدر الواقع في أراضى بنى ضمرة؟ .
فأجابه النبي ﷺ بلهجة القوى الواثق من نفسه وجيشه- نعم يا أخا ضمرة وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
وكان النبي ﷺ قبل معركة بدر الكبرى - قد عقد بينه وبين قبائل بنى ضمرة معاهدة عدم اعتداء، وذلك أثناء قيامه بإحدى الدوريات الاستطلاعية في منطقة (ودّان) في السنة الأولى من الهجرة.
لقد أسمع النبي ﷺ سيد قبائل بنى ضمرة هذا الجواب الذي عرض فيه إنهاء المعاهدة بينه وبين بنى ضمرة - في منطقة تموج بالمسلحين من هذه القبائل- ولكن سيد بنى ضمرة (مخشى بن عمرو) قال للنبي ﷺ في تلطف ووجل- لا والله يامحمد ما لنا بذلك من حاجة، وهذا دليل على أن قوة المسلمين العسكرية يوم ذاك بلغت درجة لم تخش معها أحدًا من هذه القبائل وأن كل آثار انتكاسة أُحد قد زالت.
٦ - غزوة دومة الجندل .. (المحرم السنة الرابعة للهجرة)
تقع دومة الجندل هذه في الطرف الشمالي الغربي للجزيرة العربية مما يلي الشام وعلى بعد ست عشرة ليلة من المدينة وخمس ليال من دمشق.
стр. 650
وغزوة دومة الجندل هذه، هي الحملة العسكرية السادسة التي قام بها المسلمون قبل معركة الأحزاب وبعد غزوة أُحد.
وسبب تجريد هذه الحملة هو أن استخبارات الجيش النبوى حصلت على معلومات مفادها أن قبائل دومة الجندل قد أخذوا في التجمع لغزو المدينة، وأنهم يخيفون الناس ويقطعون الطريق ويظلمون من يمر بهم.
وعلى عادة النبي المتبعة في سلوك خطة المباغتة وتأديب الأعراب بنقل المعركة إلى مضاربهم بسرعة، جهز قوة خفيفة قوامها ألف مقاتل وأسرع بها في اتجاه دومة الجندل.
ولما كان المسلمون يجهلون للك المسالك الشاسعة البعيدة اتخذوا أُحد العذريين الخبيرين بللك المناطق واسمه (مذكور) دليلًا إلى دومة الجندل.
أمير المدينة بالنيابة
وقبل مغادرة النبي المدينة أصدر مرسومًا نبويًا عين بموجبه سبّاع بن عرفطة (١) الغفاري أميرًا على المدينة ينوب عنه حتى عودته من هذه الغزوة.
وقد تحرك النبي ﷺ بجيشه بأقصى سرعة ممكنة لكى يأخذ
стр. 651
المحتشدين من الأعداء على حين غرة، وكان (زيادة في إخفاء خبر هذه الحملة) يسير الليل ويكمن النهار حتى وصل مكان التجمع.
ولكن المحتشدين في دومة الجندل نقلت إليهم استخباراتهم خبر تحركات المسلمين قبل وصولهم إليهم بيوم تقريبًا، فبمجرد علم هؤلاء الأعراب المجتمعين في دومة الجندل بدنو الجيش الإسلامي من بلادهم انتابهم الرعب والخوف فتفرقوا بسرعة تاركين منازلهم فرارًا بأرواحهم.
وكان الدليل العذرى، قد أرشد المسلمين إلى المراعي التي فيها سوائم بنى تميم، فداهم الجيش للك المراعي فاستولى على عدد كبير من مواشيهم، وقد فر الرعاة بما أمكنهم الفرار به من المواشى.
نجاح الحملة
ثم واصل الجيش تقدمه حتى نزل منازل القوم فلم يجد بها أحدًا فعسكر بها أيامًا وبث الدوريات العسكرية للتتعقب فلولهم، فانتشرت في المنطقة، ولكنها وجدتهم قد تفرقوا واختفوا، ولم تجد الدوريات إلا رجلا واحدًا أتوا به رسول الله ﷺ فسأله عن قومه، فأخبره أنهم هربوا قبل وصول الجيش بيوم واحد. فعرض عليه الرسول، الإسلام فأسلم.
المغزى البعيد للحملة
ولا يستبعد أن يكون الرسول ﷺ قد قصد بهذه الحملة العسكرية
стр. 652
التي قطع بها إلي دومة الجندل ست عشرة ليلة .. لا يستبعد أن يكون قصد به إرهاب الرومان الذين تقع المنطقة التي وصل إليها بجيشه على حدودهم وعلى مسافة خمس ليال من عاصمة ملكهم الثانية دمشق.
بل لقد أكد الواقدي هذا في مغازيه. كما نقل عند ابن كثير في البداية والنهاية حيث قال .. قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا .. أراد رسول الله ﷺ أن يدنو إلى أدنى الشام، وقيل له .. إن ذلك مما يفزع قيصر.
مدة الحملة
وقد عاد الرسول ﷺ من هذه الغزوة إلى المدينة بعد غيبة استغرقت حوالي خمسين يومًا، وأثناء عودته من غزوة دومة الجندل عقد مع الزعيم الفزاري المعروف (عيينة بن حصن) معاهدة عدم اعتداء، بموجب هذه الموادعة سمح النبي ﷺ لعيينه بن حصن أن يرعى بأرض تابعة للمسلمين تقع على بعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة، لأن الزعيم الفزاري هذا اشتكى للنبي جدب أرض فزارة بنجد.
٧ - غزوة بني المصطلق . (١) (أول شعبان سنة أربع من الهجرة).
وبنو المصطلق بطن من خزاعة الحجاز، تقع منازلهم ناحية (قُديد) وعلى بعد حوالي مائة وسبعين ميلا من المدينة. وسبب هذه الغزوة أن
стр. 653
الاستخبارات الإسلامية نقلت إلى النبي ﷺ نبأ مفاده أن سيد بنى المصطلق (الحارث بن أبي ضرار) (١) قد أخذ يحشد قومه ومن أطاعه من قبائل العرب المجاورة لحرب رسول الله ﷺ ، وأنه قد جمع جموعًا كبيرة يريد بها غزو المدينة.
فسارع الرسول ﷺ وأرسل أحد استخباراته الأذكياء المحنكين ليستطلع له وينظر فيما إذا كان الخبر الذي تلقاه صحيحًا أم لا، وكان الذي وقع عليه الاختيار لهذه المهمة هو بريدة بن الحصيب الأسلمي (٢).
وقبل أن يغادر رجل الاستخبارات النبوية المدينة طلب من الرسول ﷺ أن يسمح له باللجوء إلى الكذب على العدو إذا ما اضطر إلى ذلك أثناء قيامه بمهمته في أرض العدو، فسمح له بذلك كضرورة يلجأ إليها رجل الاستخبارات في مثل هذه المواقف.
وبأقصى سرعة انطلق رائد الاستخبارات النبوية (بريدة) ولم تمض أيام قليلة حتى كان بين بنى المصطلق في مضاربهم، وبعد إجراء التحرى الكزم وجد الخبر صحيحًا.
وقد استقى الحقيقة من مصدرها إذ قابل قائد الحشد الحارث بن
стр. 654
أبي ضرار نفسه، وبعد أن عرفه بنفسه منتحلًا اسمًا غير اسمه ومنتسبًا إلى غير قبيلته وأنه جاء للانضمام إلى الحشد لحرب محمد، سأل الحارث هل هو مصمم على غزو المدينة، فأكد له ذلك قائلًا: فنحن على ذلك فعجل علينا بأصحابك، فصافحه بريدة مودعًا على أن يأتي بقومه للانضمام إلى الحشد ثم أركض فرسه وانصرف.
طار بريدة على فرسه (وبأقصى سرعة) وصل المدينة وأخبر الرسول الخبر وأطلعه على تفاصيل ما رأى، فاستنفر الرسول قوات الجيش وأعلن أنه ذاهب إلى ديار بنى المصطلق لضربهم وتأديبهم، فتمت التعبئة بسرعة، وفصل النبي ﷺ من المدينة بجيش كبير فيه من سلاح المطاردة ثلاثون فرسًا.
أمير للمدينة بالنيابة
وقبل مغادرته المدينة عين عليها أميرًا زيد بن حارثة، وقد قسم النبي ﷺ جيشه الزاحف علي بنى المصطلق إلى قسمين:
(١) المهاجرون، وأعطى رايتهم لأبي بكر الصديق ﵁.
(ب) الأنصار، وأعطى رايتهم لسيد الخزرج سعد بن عبادة ﵁.
المنافقون في الجيش
وفي هذه الحملة خرج مع الرسول جمع كبير من المنافقين لم يخرج مثله في غزاة مثلها قط، وكان من بين هؤلاء المنافقين رأس النفاق (عبد الله بنى أبي بن سلول).
стр. 655
سار النبي ﷺ بجيشه يحث السير لكى يأخذ بنى المصطلق على حين غرة، وأثناء تحركات الجيش الإسلامي قبض رجال استخبارات هذا الجيش على رجل اشتبهوا في أمره، فجاوأ به إلى النبي القائد ﷺ ، ولدى استجوابه اتضح أنه جاسوس للعدو أرسله زعيم بنى المصطلق للاستكشاف ومعرفة تحركات الجيش الإسلامي، وبعد استجوابه عرض النبي على هذا الجاسوس الإسلام فأبى، فأمر بإعدامه في الحال، وكان الذي تولى إعدامه (ضربًا بالسيف) عمر بن الخطاب ﵁ بأمر خاص من النبي ﷺ .
وقد بلغ قائد الحشد في بني المصطلق نبأ إعدام جاسوسه فانزعج لذلك، وشاع خبر مقتل الجاسوس بين القبائل التي كانت قد تجمعت مع الحارث لحرب النبي، وبلغها خبر زحف النبي بجيشه عليهم فخافوا خوفًا شديدًا، فتفرق لذلك عن الحارث كثير ممن اجتمعوا إليه لحرب النبي.
وواصل النبي ﷺ السير بجيشه حتى فاجأ بنى المصطلق في مكان تحشدهم في قُديد بالقرب من ساحل البحر الأحمر على ماء لهم ﷺ يقال له المريسيع (١) فعسكر هناك.
نشوب المعركة وانهزام العدو
وبعد أن تصاف الفريقان وقبل أن يعطى الرسول ﷺ شارة الهجوم
стр. 656
أمر عمر بن الخطاب أن يتوجه إلى بنى المصطلق بنداء يدعوهم فيه إلى الدخول في الإسلام ليحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم.
فوقف ابن الخطاب ونادى .. يا بني المصطلق، قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم (١) وأموالكم .. فرفضوا وأبوا إلا الكفر والحرب.
ثم ترامى الفريقان بالنبل، وبعدها أعطى الرسول إشارة الهجوم فحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد ثم أحاطوا بهم فما أفلت منهم رجل واحد.
فقد استسلموا جميعهم للأسر بعد أن سقط منهم عشرة قتلى، ثم استولى الجيش الإسلامي على منازلهم وعلى كل ما فيها واستاق كل ما يملكون من الخيل والشاة والإبل، وسبى نساءهم وذراريهم.
الأسرى والغنائم
وقد كانت الغنائم في هذه الغزوة عظيمة جدًّا، فقد بلغت الغنائم من الإبل ألفى رأس وخمسة آلاف شاة كما أن عدد السبى من النساء والذرارى بلغ سبعمائة (١) بينهم جويرية بنت الحارث زعيم بنى المصطلق وقائد الحشد المهزوم، وقد تزوجها رسول الله ﷺ ، بعد أن افتداها أبوها وأسلمت وأسلم أبوها.
وبعد أن تم جمع الغنائم ووضع الأسرى من الرجال في القيود، وفي
стр. 657
مكان للمعركة قسم الرسول ﷺ الغنائم بين المحاربين حسب النظام المتبع في قانون الحرب الإسلامي.
فأعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهمان للفرس وسهم لصاحبه، وأعطى للرجال سهمًا واحدًا بعد أن أخذ ﷺ خمس الغنيمة ليتصرف فيها وفق المصلحة العامة وتمشيًا مع النص الثابت في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية (١).
أما الأسرى والسبايا من النساء والذرية فقد أطلق النبي ﷺ ، سراح بعضهم (منًا) والبعض الآخر دفع أهله فديته فأطلق سراحه في مكان المعركة.
وقد حمل الجيش معه إلى المدينة بعض الأسرى والسبى، ولكن أهلوهم لحقوا بهم فافتدوهم (أي دفعوا مقابل إطلاق سراحهم مبلغًا معلومًا من المال)، فلم تبق امرأة من بنى المصطلق وقعت في السبى إلا رجعت إلى أهلها، اللهم إلا جويرية بنت الحارث التي تزوجها النبي ﷺ .
ولم يقتل النبي ﷺ أحدا ﷺ ممن وقع في الأسر من بنى المصطلق.
إطلاق سراح جميع الأسرى
ولما علم المسلمون بتزوج النبي ﷺ من جويرية بنت الحارث، قالوا (في حق بنى المصطلق) .. أصهار رسول الله ﷺ ثم أعتقوا كل من بقى
стр. 658
في أسرهم من الرجال والنساء إكرامًا لرسول الله ﷺ ، فكان الذين تم عتقهم بلا فدية من بنى المصطلق أهل مائة بيت، فكانت عائشة ﵂ تقول .. لا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية، أُعتق بتزويجها لرسول الله ﷺ أهل مائة بيت (١).
المنافقون يثيرون الفتنة داخل الجيش
وفي غزوة بنى المصطلق هذه كادت تنشب حرب أهلية طاحنة بين المسلمين وهم ديار بنى المصطلق، وذلك أن رجلًا من غفار حليف للمهاجرين اسمه جهجاه، وسنان بن وبر الجهني حليف الخزرج، تخاصما على الماء، فصرخ الغفاري مستغيثًا .. يالكنانة، وصرخ الجهني يا للأنصار، وعندها أقبل جمع من الفريقين (الأنصار وقريش) وقد شهروا السلاح حمية فكادت تحدث فتنة ومعركة دامية لولا أن الرسول ﷺ بادر بالخروج إلى مكان الحادث وقضى على الفتنة بحكمته المعروفة.
حيث وقف ﷺ في ذلك الحشد من المسلمين مستنكرًا ما حدث قائلا .. ما بال دعوى الجاهلية، (أي تلك الكلمة القبلية التقليدية، يالفلان)؟ فقالوا .. رجل من المهاجرين ضرب رجلًا من الأنصار، فقال .. دعوها (أي دعوى العنصرية الجاهلية) فإنها منتنة، من دعا دعوى الجاهلية كان من محشى جهنم، قيل يا رسول الله .. وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم؟ قال .. وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم (٢).
стр. 659
وقد انتهت هذه الفتنة، لاسيما وأن الأنصاري المضروب تنازل عن حقه لدى المهاجرى، فماتت بذلك الفتنة.
رأس الفتنة يتكلم
ولكن انتهاء الفتنة الأهلية بهذه السرعة لم يرق لرأس النفاق عبد الله بن أبي الذي كان موجودًا في الجيش مع المسلمين، فقد اعتبر هثل ذلك الحادث فرصة المنافقين الذهبية لإذكاء نيران الفتنة بين أصحاب محمد، ولكن هذه الفرصة فاتت على المنافقين بتصالح الرجلين وانصياع الفريقين لتوجيهات نبيهم ﵇، فغاظ ذلك عبد الله بن أبي فقال: (وهو في رهط من قومه الخزرج في المعسكر وفيهم، زيد بن أرقم- وكان غلامًا صغيرًا)، قال (في حنق وعصبية وغيظ) .. أو قد فعلوها- يعني المهاجرين- ما رأيت كاليوم مذلة قط .. قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا .. والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول (سمّن كلبك يأكلك) أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ثم أقبل رأس النفاق على من حضر من قومه - مذكيًا في نفوسهم روح العداء للمهاجرين - قائلًا .. هذا مافعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم (١).
ثم قال الخبيث (وكلامه موجهًا للأنصار) .. ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضًا للمنايا فقتلتم دونه (يعني النبي ﷺ )
стр. 660
فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد ..
وفي الحال نقل زيد بن أرقم (١) هذا الكلام الخطير الذي فاه به رأس النفاق إلى رسول الله ﷺ ، وقد غضب الرسول ﷺ لهذا الخبر غضبًا شديدًا وتغير وجهه.
إلا أنه ﷺ (ولئلا تتسع الشقة وتحدث فتنة في المعسكر من جديد) أحب تلطيف الأمر وأظهر شكه في صدق ما نقل إليه زيد بن أرقم (وكان شابًّا صغير السن) فقال له .. يا غلام لعلك غضبت عليه، قال .. والله يا رسول الله .. لقد سمعته منه .. قال .. لعله أخطأ سمعك.
وقد لام الغلام رجال من قومه الخزرج، فقالوا له .. عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، فقال زيد والله لقد سمعت ما قال، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله ﷺ وإى لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه ﷺ ما يصدق حديثي.
حكمة الرسول تنقذ الموقف
وكان عبد الله بن أبي سيدًا في قومه الخزرج، وما كانت عدواته للنبي وبغضه للمسلمين لتخفى على النبي ﷺ ولكنه ﷺ لم يشأ التوسع في الموضوع، بل حاول إسدال الستار عليه خوف الفتنة.
وعندما طلب عمر بن الخطاب من رسول الله ﷺ أن يسمح له بضرب
стр. 661
عنق رأس النفاق عبد الله بن أبي - وهم لما يزالوا في ديار بنى المصطلق - رفض النبي هذا الطلب قائلًا .. فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ ؟ . فقال عمر .. إن كرهت أن يقتله مهاجرى فأمر أنصاريًا يقتله، فلم يوافق النبي ﷺ على ذلك. بل رفض هذا الاقتراح أيضًا قائلًا لعمر .. ترعد له (إذن) أُنُفُ كثيرة بيثرب، .. يعني النبي ﷺ بقوله هذا إقتل عبد الله بن أبي على هذه الصورة قد يكون سببًا في إثارة حرب أهلية بين المسلمين لأنه كان يتوقع غضب رجال كثيرين من الخزرج لقتل زعيمهم عبد الله بن أبيّ، لاسيما وأن كثيرًا منهم لا يعلمون حقيقة نفاقه.
خطوة حكيمة حاسمة
غير أن النبي ﷺ كقائد أعلى للجيش ورئيس دولة مسئول لما رأى تطور الموقف وازدياد الخطر نتيجة للكلام الذي فاه به عبد الله ابن أبي وحرض به على الفتنة في المعسكر سارع إلى اتخاذ خطوة سريعة حاسمة بها أشغل الناس (تمامًا) عن الخوض في الحديث الذي كان بالأمس من عبد الله بن أبي.
فقد أمر ﷺ بأن يتحرك الجيش بسرعة في اتجاه المدينة وأمر بأن يسير الجيش حوالي ثلاثين ساعة دونما توقف، وكان يقصد بذلك أن يتعب الناس فلا يجدوا مجالًا للحديث عن الموضوع الخطير الذي أثاره رأس النفاق وهم في ديار بنى المصطلق.
قال ابن كثير في البداية والنهاية - يصف ذلك - ثم مشى رسول
стр. 662
الله ﷺ بالناس يومئذ حتى أمسى وليلتهم أحتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي (١).
هو والله الذليل وأنت العزيز
وقال ابن إسحاق .. فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسيد بن حضير (٢) - من سادات الخزرج - فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال يانبي الله، ، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له (وكان أسيد من خاصة أصحابه) .. أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ . قال .. وأى صاحب يا رسول الله؟ ، قال .. عبد الله بن أبي، قال .. وما قال: قال .. زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال .. فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال .. يا رسول الله .. إرفق به .. فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا (٣).
стр. 663
ولم يشأ النبي ﷺ أن يجرى أي تحقيق فيما نسب إلى رأس النفاق من قول خطير أو يتخذ أي إجراء ضده للمقالة القبيحة التي قال، إلا إن وجوه قوم ابن أبي من الخزرج جاءوا إليه وقالوا له .. يا ابا الحُباب، إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي ﷺ فليستغفر لك ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول الله ﷺ فاعتذر له.
فحلف لقومه بالله العظيم أنه ما قال من ذلك شيئًا، ثم مشى إلى رسول الله ﷺ وأخذ يحلف له بالله أنه لم يقل شيئًا مما نقله إليه زيد بن أرقم.
هكذا تصنع العقائد الرجال
وقد كان لهذا المنافق الكبير عبد الله بن أبي، ابن صالح بار، فلما بلغه مقالة أبيه الخبيثة وما أشيع من استئذان ابن الخطاب في قتله، جاء إلى رسول الله ﷺ فقال:
"يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله (يعني والده) فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرنى أن أحمل لك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده منى، إني أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار".
فقال رسول الله ﷺ لهذا الشاب المؤمن .. ما أردت قتله ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا، وكان لهذا الموقف الحيكم الذي وقفه
стр. 664
النبي ﷺ من رأس النفاق أثر كبير في الحد من شرور هذا المنافق، فكان قومه- بعد ذلك إذا أحدث الحدث هم الذين- يعاتبونه ويأخذون ويعنفونه.
يمنع أباه من دخول المدينة
وذكر عكرمة أن عبد الله هذا لما بلغته مقالة أبيه الخبيثة وقف له- آثر عودة الجيش من بنى المصطلق- عند مضيق المدينة ثم قال له قف فو الله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فلما جاء رسول الله ﷺ استأذنه في ذلك فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة.
وبعد أن عرف قوم ابن أبيّ حقيقة هذا المنافق وقف منه ابنه وقومه ذلك الموقف حيث صاروا هم وودن تعنيفه وتبكيته، وقد أحب الرسول ﷺ أن يبين لعمر بن الخطاب نتائج الموقف الحكيم الذي وقفه من رأس النفاق ساعة أن قال تلك المقالة الخبيثة، فقال ﷺ .. ياعمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي، لأرعدت له أُنُفَ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى.
مقالة ابن أبي في القرآن
وأنزل الله تعالى سورة من القرآن - بعد المقالة الخبيثة التي قالها رأس النفاق، فوضح فيها أمر هذا المنافق الكذاب ومن ذلك قوله تعالى:
стр. 665
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
ولما نزلت هذه السورة وفيها (بالطبع) تأكيد ما قاله الغلام زيد بن أرقم عن رأس النفاق، أخذ النبي ﷺ بأذن الغلام زيد، ثم قال -مؤكدًا صدقه- هذا الذي أوفى الله بأُذُنِه (٢).
وقد عاد النبي ﷺ إلى المدينة من غزوة بنى المصطلق في غرة شهر رمضان، فاستغرقت غيبته عن المدينة في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يومًا وقد كان بعض المؤرخين يسمونها (بغزوة العجائب) لكثرة ما حدث فيها من الأمور العجيبة.
المعركة الكبرى .. حديث الإفك
وأثناء عودة الرسول ﷺ من غزوة بنى المصطلق هذه، قال المنافقون في أم المؤمنين عائشة ﵂ تلك المقالة الخبيثة من الإفك، الذي به نالوا عرض رسول الله ﷺ حتى آذوه أشد الإيذاء وجعلوه عرضه لأعنف الآلام النفسية وأشدها.
الشرارة الأولى
كان رأس النفاق، ممثل عصبة اليهود والمنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول، موجودًا ضمن الجيش الإسلامي الذي غزا بنى المصطلق،
стр. 666
وكان هذا المنافق المجرم، لا يجد فرصة يكيد فيها للإسلام ويحط من شأن رسالته إلا اغتنمها.
وبينما هذا المنافق الأكبر موجودًا في المعسكر بين قومه الخزرج، إذا بالصحابى الجليل صفوان بن المعطل يمر بهودج أم المؤمنين عائشة ﵂، فيقول هذا المنافق (ابن أبي): من هذه؟ . فيقولون: عائشة ﵂، فيقول المنافق الأكبر: والله ما نجت منه ولا نجا منها، ثم يعقب على ذلك بقوله: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها.
هذه القولة الخبيثة المنكرة، هي الشرارة الأولى التي أشعلت حديث الإفك، فكانت (بسببها) معركة كبرى من الآلام خاضها النبي ﷺ طيلة شهر كامل.
لقد كان حديث الإفك من تدبيرات المنافقين القاتلة، وهو أحد الأسلحة السياسية الكبيرة الفتاكة التي تلجأ إليها عصابة النفاق للكيد للإسلام وتفريق كلمة المسلمين وتفتيت وحدتهم.
ولقد نظم المنافق الأكبر وحزبه حملات واسعة أشاع بها هذا الحديث المفترى، وروج له بدقة وإحكام حتى انخدع به كثير من المسلمين، فخاض فيه منهم من خاض حتى وصل البعض منهم في الخوض في هذا الحديث المفترى، إلى الدرجة التي بها أقيم عليه الحد، كحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وقد تضخم حديث الإفك حتى صار شغل أهل المدينة الشاغل.
ولقد آتت مساعى عصبة الإفك والنفاق ثمارها إلى حد بعيد فقد فعلت حملات الإفك الظالمة فعلها المخيف في نفوس المجتمع الإسلامي ..
стр. 667
وحتى ذلك القلب الكبير النقى الطاهر، قلب النبي محمد ﷺ صار عرضة لنزوع الشك والحيرة والقلق، فقد أثرت تلك الإشاعات الكاذبة في نفسه فأعرض عن زوجته الطيبة الطاهرة الحنون، مما اضطرها إلى الانتقال إلى بيت أبيها الصديق ﵁ مشكوكًا فيها من زوجها العظيم وظلت هناك حتى نزلت براءتها من السماء قرآنًا يتلى أبد الآبدين.
وكانت محنة (بل أعظم محنة نفسية شاقة مضنية) تعرض لها النبي محمد ﷺ في حياته، وهل هناك أعظم وأشد إيلامًا من أن يطعن الإنسان في عرضه، وخاصة من هو على مستوى النبوة والقيادة للأمة كلها؟ .
ولقد استمرت المحنة (التي تكلف فيها صاحب أطهر نفس في تاريخ الإنسانية من الآلام ما تنهد له الجبال) شهرًا كاملًا انقطع خلاله اتصال السماء بالأرض، وظل فيه ذلك القلب الكبير النقى معلقًا بحبال الشك تعتصره الآلام إلى أخف منها آلام طعن الرماح ووقع السيوف.
أما آل الصديق، أما بنت الصديق، أما زوج الصديق، أما الصديق نفسه، ذو الوقار المتناهى والحساسية المرهفة والطيبة الكاملة فقد كانت مصيبتهم أعظم من أن توصف، ويا لها من مصيبة، وهل هناك أعظم من أن يصاب بيت كريم رفيع العماد بالطعن في عرض ابنته .. وزوجة من؟ ؟ .. زوجة محمد بن عبد الله ﷺ ، حبيب أبيها ورفيقه في النضال والجهاد منذ بزغت شمس الإسلام على هذه الأرض.
ولقد عقد هول الفاجعة ألسنة أهل ذلك البيت الطاهر بيت الصديق
стр. 668
الأكبر، فكانوا أمام تلك الإشاعات الظالمة الكاذبة المدبرة المغرضة التي أغرقت المدينة، لا يحيرون جوابًا. وماذا عساهم أن يقولوا، والشك في ابنتهم قد تسرب إلى قلب زوجها النبي ﷺ نفسه، ولقد انطوى أهل البيت الطيب الوادع الكريم على أنفسهم، يهد منهم الألم بعنف وضراوة وهم لا يدرون ما يصنعون أو يقولون، أمام هذه النازلة التي امتحنهم الله بها، ولقد فاض الألم المدمر على لسان ذلك الرجل الوقور الصابر المؤمن، الذي استفزته ضراوة ألم تلك الإشاعات القاتلة مرة فقال: والله ما رمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ .
وعندما قالت له ابنته البرئية المعذبة المظلومة (والألم يطحن قلبها الأبيض الطاهر): أجب عنى رسول الله ﷺ قال- في ألم وإشفاق: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ .
حقًّا لقد كان حادث الإفك معركة آلام عنيفة طاحنة خاضها البيت النبوى الكريم، وأضنت جروحها الثخينة قلوبًا كبيرة طاهرة نقية، وكادت تودى بنفوس بريئة كمدًا وغمًا.
عائشة تروي القصة المؤلمة
ولما في هذا الحادث الخطير من عبر وعظات وتربيات يمكن أن يستفيد منها الذين يتسرعون في رمى الأبرياء، فإنا سندع أم المؤمنين عائشة ﵂ تروى لنا قصة هذا الألم القاتل الذي عاشته طيلة شهر كامل.
فقد روى الزهري عن عروة وغيره عن عائشة ﵂ قالت:
стр. 669
كان رسول الله ﷺ إذار أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، وإنه أقرع بيننا في غزوة (وهي غزوة بنى المصطلق) فخرج سهمى، فخرجت معه بعد ما أُنزل الحجاب وأنا أُحمل في الهودج، وأنزل فيه.
فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الرحل فلمست صدرى فإذا (عقد) لي من جزع أظفار قد انقطع.
فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوننى، فاحتملوا هودجى، فرحلوه على بعيرى، وهم يحسبون أنى فيه، وكان النساءُ، إذا ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، وإنما نأكل العلقة (١) من الطعام.
فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه منهم، فتيممت منزلى الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون إليّ.
فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت، وكان صفوان بن المعطل (٢) السُلمى، ثم الذكوانى، قد عرَّس (٣) وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند
стр. 670
منزلى، فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفنى حين رآني، وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفنى، فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها.
فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين (٢) قالت: فهلك في شأنى من هلك، وكان الذي تولى كبر الإثم عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت (٣) بها شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر، وهو يريبنى في وجعى أنى لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبنى منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت (٤).
فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبررنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط.